السبت 12 شوال 1445 هـ
20 ابريل 2024 م
جديد الموقع   تفسير القرآن: تفسير سورة التوبة (124-129)   تفسير القرآن: تفسير سورة التوبة (117-123)   تفسير القرآن: تفسير سورة التوبة (111-116)   تفسير القرآن: تفسير سورة التوبة (107-110)   تفسير القرآن: تفسير سورة التوبة (97-106)   تفسير القرآن: ‌‌تفسير سورة التوبة 94-96   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-48، كتاب الوضوء، الحديث 170و171و172و173و174و175   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-47، كتاب الوضوء، الحديث 166و167و168و169   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-46، كتاب الوضوء، الحديث 162و163و164و165   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-45، كتاب الوضوء، الحديث 157و158و159و160و161      

تفريغ شرح صحيح البخاري-29، كتاب العلم، الحديث 99و100

الدرس التاسع والعشرون/السبت/بتاريخ:27/04/1445-11/11/2023

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، أما بعد:

فدرسنا اليوم هو الدرس التاسع والعشرون من دروس شرح الصحيح البخاري في "كتاب العلم"، وصلنا عند الحديث التاسع والتسعين.

"‌‌بَابُ ‌الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ"

99- "حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ»".

القارئ: شيخنا حفظكم الله هنا يوجد أَوّلُ، وكان في الكتاب الثاني أوَلَ، وأنا قرأتها على الكتاب الماضي؟

الشيخ: في اليونينية بالنصب، يصّح الرفع بدون إشكال حيث الإعراب، لكن في اليونينية موجودة بالنصب.

"‌‌بَابُ ‌الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ" أي الحرص على تحصيل الحديث، وتعلمه، والمراد حديث رسول الله .

"حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ" هو ابن يحيى بن عَمرو بن أوس بن سعد بن أبي سرحٍ، القرشي، العامريّ، الأُويْسي، أبو القاسم المدني، يروي عن أتباع التابعين، ثقة، روى له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنَسائي في مسند مالك وابن ماجه.

"قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ" هو ابن بلال التيمي، ثقة، تقدم.

"عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو" اسم أَبِي عَمْرٍو: ميسرة، وهو مَوْلَى المطَّلِب بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ حَنْطَبٍ، القرشي، المخزومي، أبو عثمان المدني، تابعي، صدوقٌ يَهِمْ، روى عن عكرمةَ مناكير، يُحتجّ به في غير روايته عن عِكرمة، روى له الجماعة.

"عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ" كَيْسَانَ "الْمَقْبُرِيِّ" ثقة، اختلط قبل موته بأربع سنين، تقدم.

والظاهر أن عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو روى عنه قبل الاختلاط، وسعيد مُتابَع عند أحمد والحاكم في "المستدرك" وابن حبان بمعنى قريب من هذا المعنى.

قال ابن حجر في "هدي الساري": (سعيد بن أبي ‌سعيد ‌المـَقْبُري أَبُو ‌سعيد الْمدنِي صَاحب أبي هُرَيْرَة ‌مجمع ‌على ‌ثقته لَكِن كَانَ شُعْبَة يَقُول حَدثنَا ‌سعيد ‌المـَقْبُري بعد أَن كبر) هذه إشارة إلى التغيُّر (وَزعم الْوَاقِدِيّ أَنه اخْتَلَط قبل مَوته بِأَرْبَع سِنِين وَتَبعهُ ابن سعد وَيَعْقُوب بن شيبَة وابن حبَان وَأنكر ذَلِك غَيرهم وَقَالَ السَّاجِي عَن يحيى بن معِين: أثبت النَّاس فِيهِ ابن أبي ذِئْب وَقَالَ ابن خرَاش: أثبت النَّاس فِيهِ اللَّيْث بن سعد قلت) الكلام لابن حجر (أَكثر مَا أخرج لَهُ البُخَارِيّ من حَدِيث هذَيْن عَنهُ وَأخرج أَيْضًا من حَدِيث مَالك وَإِسْمَاعِيل بن أُميَّة وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ وَغَيرهم من الْكِبَار وروى لَهُ الْبَاقُونَ لَكِن لم يخرجُوا من حَدِيث شُعْبَة عَنهُ شَيْئًا) انتهى.

"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ" القائل هنا هو نفسه أبو هريرة؛ هو الذي قال للنبي ﷺ، كما في رواية عند البخاري في "كتاب الرقاق: باب صفة الجنة والنار" رقم 6570

"يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟" فأبو هريرة هو المتكلم.

قال: "يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟" أي مَن أحظاهُم بها؟ والأقرب إلى نيلها يوم القيامة؟

الشفاعة: هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرّة.

يعني أن يكون الشافعُ بين المشفوع إليه والمشفوع له واسطة لجلب منفعةٍ إلى المشفوع له، أو يدفع عنه مضرّة بهذه الواسطة، يعني التي نسميها اليوم واسطة.

سميّت بذلك؛ لأن الشّافع إذا انضّم إلى المشفوعِ له صار شِفْعاً بعد أن كان وتراً.

فشفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة هي من جلب المنفعة، وشفاعته ﷺ فيمن استحق النار ألا يدخلها وفيمن دخل النار أن يخرج منها هي من باب دفع المضرّة.

والشفاعة نوعان: مثبتة، ومنفية.

المثبتة: التي أثبتها الله سبحانه وتعالى في كتابه وأثبتها النبي ﷺ وهي المقصودة هنا في سؤال أبي هريرة، لا تكون هذه الشفاعة إلا لأهل التوحيد والإخلاص لهذا الحديث الذي معنا وغيرِه.

وهذه الشفاعة لها شرطان:

الأول: إذن الله للشَّافعِ أن يشفع، فلا أحد يشفع عنده إلا بإذنه.

والثاني: رضا الله عن المشفوع له أن يُشفعَ فيه، وهذه الشفاعة أنواع، سيأتي ذكرها إن شاء الله في موضعها من هذا الكتاب.

والنوع الثاني وهي الشفاعة المنفية: وهي الشفاعة للكفار والمشركين، وسيأتي التفصيل في هذا الموضوع إن شاء الله في موضعه.

"قال رسول الله ﷺ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ" أو "أولَ منك"، هي عندنا أوّلَ منك في "اليونينية"، من حيث الإعراب تصح بالرفع.

أي هذا ما كان يظنه النبي ﷺ أن أبا هريرة يكون أول من يسأل عن الشفاعة: مَن أقرب الناس نيلًا لها وفوزًا بها؟ هذا سؤال أبي هريرة، وسبب ظنه ﷺ بأبي هريرة هذا الظن بيّنه في قوله: "لِمَا رَأَيْتُ" أي للذي رأيته "من حرصك على الحديث" فهذه شهادة من النبي ﷺ لأبي هريرة أنه كان حريصًا على تعلم العلم الشرعي وحفظ حديث النبي ﷺ.

" أَسْعَدُ النَّاسِ" الطائع منهم والعاصي "بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَن" الذي " قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" محمد رسول الله، ليس في الحديث مُحَمَّد رَسول اللَّهِ ﷺ.

في مواضع كثيرة من الأحاديث عن النبي ﷺ وفي شريعة الله يُكتفى بذكر الجزء الأول "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" يُكتفى بذكر الجزء الأول من كلمتي الشهادة؛ لأن هذا الجزء صار شعاراً لمجموعهما، فإذا أُطلق فهو المراد.

فمن قال لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ولم يقل مُحَمَّد رَسول اللَّهِ، فلا حقّ له بالشفاعة بعد بعثة النبي ﷺ، وهذه شفاعة النبي ﷺ في أمته، فإذاً لا بد أن يقول لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّد رَسول اللَّهِ، يقولها معتقدًا معناها، عاملًا بمقتضاها، هذا ما دلّ عليه عموم الأدلّة.

فلا يكفي القول من غير اعتقاد وعمل، تتمة الحديث تدلّ على هذا، فقد قال فيها: "خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»" مَن قالها خالصا من قلبه، يعني: بإيمان وصدق وثبات على ذلك ومن قالها مستيقنًا بها من غير شكّ أدّاهُ ذلك إلى العمل بمقتضاها ولا شك، لا يمكن أن يكون قد قالها خالصًا من قلبه بهذه الطريقة ولا يعمل.

"أَوْ «نَفْسِهِ»" شك من الراوي، والمعنى واحد.

قال ابن تيمية رحمه الله: (فكلَّ ما كان الرجل أتّم إخلاصًا لله كان أحقّ بالشفاعة)

وقال: (فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُخْلِصَ لَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ: هُوَ أَسْعَدُ بِشَفَاعَتِهِ ﷺ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقُولُهَا بِلِسَانِهِ ‌وَتُكَذِّبُهَا ‌أَقْوَالُهُ وَأَعْمَالُهُ)

ليس المقصود هنا بقوله (أسعد) أن ذاك أيضًا سعيد، لا، هذه (أَفعَلْ):

- تارةً تأتي على بابها أنها للتفضيل: يشتركان وذاك أفضل.

- وتارةً تأتي بمعنى سعيد: أن السعيد هو هذا، وذاك ليس سعيداً بها؛ الذي يقولها بلسانه، وتكذبها أقواله وأعماله.

وقال: (فأهل التوحيد المخلصون لله هم أحق الناس بشفاعته ﷺ، فمن كان لا يدعو إلا الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يدعو مخلوقًا، لا ملكًا، ولا بشرًا، لا نبيًّا، ولا صالحًا، ولا غيرهم، كان ‌أحق ‌بشفاعته ‌ممن ‌يدعوه، أو يدعو غيره من المخلوقين)

لاحظ هنا، (كان أحقّ بشفاعته ممن يدعو غيره من المخلوقين) هل يعني ذلك أنه ذاك له حق أيضاً؟ لا، أي أنّ هذا هو الذي يستحقه، هذا هو معنى أحق هنا.

قال: (كان أحق بشفاعته ممن يدعوه، أو يدعو غيره من المخلوقين، فإن هؤلاء مشركون) هي المفروض ينبغي أن تراجع، المفروض: ممن يدعوه ويدعو غيره من المخلوقين، هكذا ينبغي أن تكون.

(كان أحق بشفاعته ممن يدعوه ويدعو غيره من المخلوقين) لا بدّ أن تكون هكذا (فإن هؤلاء مشركون، والشفاعة إنما هي لأهل التوحيد) يعني هؤلاء مشركون ليست لهم الشفاعة، وهذه كلمته الأخيرة تبيّن أن مقصودَه بـــ(أَحَق) هنا الذي يستحق هذه الشفاعة.

قال: (وإذا كان كذلك فالذين يدعون المخلوقين، ويطلبون من الموتى والغائبين، من الملائكة والبشر، الدعاءَ والشفاعةَ، هم أبعد عن الشفاعة فيهم، والذين لا يدعون إلا الله هم أحق بالشفاعة لا هم)

وقال: (وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين) أي الذين يؤذن لهم في الشفاعة.

قال: (وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين الذين يشهدون أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فيشهدون بالحق وهم يعلمون، لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليدًا للآباء والشيوخ) مجرّد كلمة، يتلفظ بها ويرددها لا يفهم معناها، ولا يعمل بمقتضاها، هذه لا تنفعه.

قالها ترديدًا من وراء أهله، وهذا موجود كثير اليوم في المسلمين، تجده يقول لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّد رَسول اللَّهِ، لكن لو سألته: ما معنى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدُ رَسول اللَّهِ؟ لا يعرف.

لو نظرت إلى عمله وهو يقولها، تجده يشرك مع الله سبحانه وتعالى، يعني ينقضها، ويبطلها بعمله، يبطلها بقوله، يقول لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّد رَسول اللَّهِ، ويسب الله.

مثل هؤلاء، هؤلاء الذين يأتون في قبورهم يقولون: هاه هاه لا ندري، سمعنا الناس يقولون شيئًا فقلنا، وهم لا يدرون شيء، وهذا موجود، بين المسلمين من هذا حاله موجود، فِعلًا يقول لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّد رَسول اللَّهِ، لكن لا يفهم منها شيئاً، ولا يهتمُّ أصلاً، ولا يريد أن يفهم، ليس شغله، هو شغال في دنياه، مشغول بها.

قال رحمه الله: (كما جاء الحديث الصحيح «إنّ الرجُلَ يُسألُ في قبره، ما تقولُ في هذا الرّجُل؟ فأمّا المؤمنُ فيقول: هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبيّناتِ والهدى، وأمّا المرتابُ» وهو الشّاكُّ يعني «فيقولُ: هاه هاه لا أدري، سمعتُ النّاسَ يقولونَ شيئاً فقُلتُهُ» فلهذا قال: ﴿إلاّ مَن شَهِدَ بالحَقِّ وهُم يعلمون﴾) انتهى.

يعني مجرد تلفظ لا ينفع، لا بد أن تفهم ما تتلفظ به، وأن تعتقده، وأن تعمل بمقتضاه، حتى تنفعك هذه الكلمة عند الله سبحانه وتعالى.

لذلك يجب على المسلمين أن يهتمّوا بتعليم أبناءهم هذه الكلمة ومعنى هذه الكلمة وما الذي ينقضُ هذه الكلمة، هذا مهم جداً، حتى لا يكون ممن ينقضها وهو لا يدري، أو حتى لا يكون ممن يرددها وهو لا يعلم معناها، كلُّ هؤلاء لا تنفعهم ولا تغني عنهم شيئًا يوم القيامة.

لا بد أن تكون عالمـًا بمعناها، عاملاً بمُقتَضاها، حتى تنفعك عند الله، ولا تعمل بما ينافيها وينقضها.

وقال ابن القيّمِ رحمه الله: (وَتَأَمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي هُرَيْرَةَ -وَقَدْ سَأَلَهُ مَنْ ‌أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟- قَالَ: «‌أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» كَيْفَ جَعَلَ أَعْظَمَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُنَالُ بِهَا ‌شَفَاعَتُهُ ‌تَجْرِيدَ ‌التَّوْحِيدِ، عَكْسَ مَا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ تُنَالُ بِاتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَهُمْ شُفَعَاءَ، وَعِبَادَتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ مَا فِي زَعْمِهِمُ الْكَاذِبِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ سَبَبَ الشَّفَاعَةِ هُوَ ‌تَجْرِيدُ ‌التَّوْحِيدِ، فَحِينَئِذٍ يَأْذَنُ اللَّهُ لِلشَّافِعِ أَنْ يُشَفَّعَ.

وَمِنْ جَهْلِ الْمُشْرِكِ اعْتِقَادُهُ أَنَّ مَنِ اتَّخَذَهُ وَلِيًّا أَوْ شَفِيعًا أَنَّهُ يَشْفَعُ لَهُ، وَيَنْفَعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، كَمَا يَكُونُ خَوَاصُّ الْمُلُوكِ وَالْوُلَاةِ تَنْفَعُ شَفَاعَتُهُمْ مَنْ وَالَاهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَأْذَنُ فِي الشَّفَاعَةِ إِلَّا لِمَنْ رَضِيَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ) انتهى.

المشركون عندهم الشفاعة عند الله كالشفاعة عند الملوك، والرؤساء، الملك والرئيس ربما يكون له وزير أو شيخ قبيلة، عند الملك هذا له حاجة عند هذا الوزير أو هذا شيخ القبيلة، ربما حتى يخشاه، يخشى غدره، ربما يريد منه أن يقوي شوكته، أي سبب من الأسباب.

فإذا جاء شخص إلى شيخ القبيلة هذا أو إلى الوزير من أجل أن يشفع له عند الملك وذهب وشفع عند الملك يقبل الملك شفاعته، وإن كان غير راض عن هذا الشخص المشفوع فيه، ولا آذن هو بالشفاعة، لكنه يقبل الشفاعة.

هذا في المخلوقين، أما الشفاعة عند الله فليست كذلك، فالمشركون ظنّوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند المخلوق، لذلك ذهبوا يعبدون غير الله كي يشفع لهم هذا عند الله سبحانه وتعالى، وهذه مصيبتهم، وهذا من أعظم الأسباب التي دفعت أهل الشرك إلى الشرك.

هذا الحديث من أفراد البخاري ولم يخرجه مسلم رحمه الله.

قال المؤلف رحمه الله: "‌‌بَابٌ: كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ"

"وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ؛ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا؛ حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا"

99- (م) "حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ"

100- "حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»"

"قَالَ الْفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ"

طبعًا أنا عندي في الحاشية لفظ "حدثنا" عند الأصيلي، قال أبو عبد الله: "حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ" ذِكرُ الإسناد الذي فيه إسناد أثر عمر بن عبد العزيز موجود عندي في الحاشية، هنا عندكم وضعوه في الأصل، على كل هي في بعض روايات البخاري في الأصل، وفي البعض في الحاشية، هنا في نسخة اليونيني التي عندي وضعوها في الحاشية، وهذا يوجد كثير في هذه الطبعة، أحيانًا أشياء يضعونها في الحاشية لأنها تكون في بعض الروايات في طبعة السلطانية يضعونها في المتن، هذا من الفروق ما بين هذه النسخة وتلك، إلى الآن تقريبًا كِلا النسختين ممتازتين، لكن الفرق بينهم هو هذا، وهذا فرق إن شاء الله لا يؤثر.

قال رحمه الله: "‌‌بَابٌ: كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ": قبض العلم أمر مسلّمٌ لا يناقش فيه، إنما يذكر المؤلف كيفية القبض، فإذًا العلم الشرعي سيُرفع من الأرض، وهذا أمر حاصل ولا بد.

كيف سيكون ذلك؟ كيفية رفع العلم الشرعي من الأرض؟

"وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز" هو ابن مروان بن الحكم، الأموي، أمير المؤمنين، مجدد الدين على رأس المئة الأولى، تقدم.

كتب وهو أميرٌ إلى نائبه في الإِمرة والقضاء على المدينة.

"إلى أَبِي بَكْرِ ابْنِ حَزْمٍ" هو أبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، الأنصاري، الخزرجي، ثم النجّاري، المدني، القاضي، نُسب إلى جد أبيه، شهرته به، ولجدّه عمرو صُحبة، ولأبيه محمد رؤية، ولا يُعرف له اسم سوى أبي بكر، وهو تابعي، ثقة، عابد، إمام، من فقهاء المدينة السبعة، رأيتم الأمراء؟

هذا أمير على المدينة، وأمير المؤمنين كلهم مَن؟ عمر بن عبد العزيز، شُفت ذاك الزمن؟ وتلك الحقبة من الزمن؟

هؤلاء أمراء، تصور أنت الرعية!

استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها، ولهذا كتب إليه بهذا الأمر، مات سنة 120هـ وقيل غير ذلك، وروى له الجماعة.

كتب إليه عمر بن عبد العزيز يقول: "انْظُرْ مَا كَانَ" أي اجمع الذي تجده "مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" وفي رواية: "انْظُرْ مَا كَانَ عِنْدَكَ" أي في بلدك.

"مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ" يُستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك في الغالب يعتمدون على الحفظ، فلمّا خاف عمر بن عبد العزيز، وكان على رأس المائة الأولى، خاف من ذهاب العلم بموت العلماء، رأى أن في تدوينه ضبطًا له وإبقاءً.

وقد روى أبو نُعيم في "تاريخ أصفهان" هذه القصة بلفظ: " كتب عمر ابن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه" انتهى.

هكذا قال بعض أهل العلم من الشُرّاح.

قال: "فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ" أي ذهابه، خاف ذهاب العلم وضياعه وانقراضه.

دروس: أصلها باللغة من دَرَسَ، يدْرُسُ، من باب نَصَرَ، ينصُرُ.

دروسًا: أي عفا وذهب، يُقال دَرَسَ واندَرَسَ.

قد جاء في الحديث: «يَدْرُسُ الإسْلامُ، كما يَدْرُسُ وشْيُ الثَوبِ، حتى لا يُدرى ما صيامٌ ولا صلاةٌ، ولا نسكٌ ولا صَدقة».

يدرُسُ الإسلام: يذهب

وَشْيُ الثوب: يعني يذهب وينتهي الإسلام كما يذهب النقش الذي على الثوب، يَنمَسِحُ ولا يبقى منه شيء.

"فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ" يعني ذهابه، والمقصود من ذلك أن كتابة العلم تضبط العلم وتُبقي العلم وتحفظه من الذهاب والاندثار.

في ذاك الوقت كما ذكرنا كان الاعتماد على الحفظ، فخاف عمر بن عبد العزيز بذهابه بموت العلماء، فأمر بذلك.

قال: "وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ" أي بموتهم، فيضيع العلم الذي في صدورهم إذا لم يُكتب.

وقال عمر: "وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ" لأن المقصود حفظ حديث رسول الله ﷺ، فهو أصل العلم مع القرآن، والقرآن محفوظ، وهذا أصل العلم وهو حديث النبي ﷺ مع كتاب الله.

قال ابن بطّال: (في أمر عمر بن عبد العزيز، في كتابة حديث النبي ﷺ خاصة، وأن لا يقبل غيره، الحضُّ على اتباع السُنن وضبطها، إذ هي الحجّة عند الاختلاف).

قال: "وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ" أي انشروا العلم، وأشيعوهُ بين الناس.

من الإفشاء: وهو الإشاعة والإذاعة والنشر.

"وَلْتَجْلِسُوا" لتعليم الناس العلم الشرعي "حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ" أي ليتعلم الجاهل.

"فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا" أي: خُفية.

كما هو حاصل اليوم في كثير من البلاد، يُمنع تدريس العلم في المساجد والجوامع والمدارس، يُمنع أهل الحق، أهل العلم بحق، الذين يعلمون الكتاب والسنة تعليمًا صحيحًا كما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم.

ولا يبقى فيها إلا ما صورته صورة العلم، وهو في الحقيقة جهل، أو نوعٌ من أنواع العلم الكمالِي، ومُلح العلم، والمواعظ.

ويبقى العلمُ الصحيح الذي يُعلّم النَاسَ عقيدتهم وأحكام دينهم ومعاني القرآن والسنة، يبقى هذا في الحُجَر والدور والمكاتب التي لا يتأتّى فيها نشرُ العلم، بخلاف الجوامع والمساجد والمدارس ونحوها.

قال القسطلّاني رحمه الله: (وقد ‌وقع ‌هذا ‌التعليق ‌موصولاً ‌عقبه في غير رواية الكشميهني وكريمة وابن عساكر ولفظه: حدّثنا. وفي رواية الأَصِيلي قال أبو عبد الله أي البخاري: حدّثنا العلاء بن عبد الجبار) انتهى.

يعني في بعض الروايات، روايات صحيح البخاري عن الْفَرَبْرِيّ، في بعض الروايات هذا الأثر وقع إسناده موصولاً فيها، وفي بعضها لا.

"حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ" أبو الحسن البصري، العطّار، الأنصاري، مولاهم، نزيل مكّة، يروي عن أتباع التابعين، ثقة أو صدوق، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين، روى له البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه، ولا يوجد غيره بهذا الاسم في الكتب الستة.

"حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ" القَسْمَلّي، أبو زيدٍ المرْوَزَي، البصري، من أتباع التابعين، ثقة عابد، ولا يُقال: ربما وَهِم، ثقة عابد لا يُزاد عليها ربّما وَهِم، كما فعل الحافظ ابن حجر في "التقريب"، وكلامه نفسه في "التهذيب" يرد هذا، فإذًا يُقال فيه ثقة عابد فقط.

مات سنة سبعٍ وستين ومئة، روى له الستة وابن ماجه.

"عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ" العَدَوي، مولى ابن عمر، أبو عبد الرحمن، المدني، ثقة، تقدم.

"بِذَلِكَ" يعني حديث عمر بن عبد العزيز إلى قوله: "ذهاب العلماء"

عبد الله بن دينار إذًا يروي هذا للخبر عن عمر بن عبد العزيز، من أول الكلام إلى قوله: "ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ"

طيب والتتمة؟ ليست مرويّة بهذا الإسناد.

قال الحافظ ابن حجر: (محتمل لأَن يكون ما بعده) أي الكلام الذي ذكره بعد قوله "ذهاب العلماء" (ليس من كلام عمر، أو من كلامه ولم يدخل في هذه الرواية).

في هذا الإسناد الذي ذُكر، ما ذكر فيه إلا إلى هنا، طيب والتتمة؟ ربما تكون من كلام عمر بن عبد العزيز جاءت في إسناد آخر، وربما تكون هي من كلام الإمام البخاري رحمه الله نفسه، هذا المعنى الذي يذكره الحافظ ابن حجر. قال: (والأوّلُ أظهر) يعني أن ما بعده ليس من كلام عمر، هذا الذي اسْتَظْهَرَه. قال: (وبه صرّحَ أبو نُعيمٍ في المستَخرج، ولم أجده في مواضع كثيرة إلا كذلك) يعني الأثر منتهي، كلام عمر بن عبد العزيز عند قوله "ذهاب العلماء"، التتمة هذه لم يجدها بإسناد عن عمر بن عبد العزيز بالتتمة التي ذُكرت. (وعلى هذا) بناءً على ما ذكر وقرّر، بأن كلام عمر بن عبد العزيز ينتهي إلى قوله "ذهاب العلماء" (فبَقِيّته من كلام المصنف) يعني من كلام الإمام البخاري رحمه الله (أورده تِلوَ كلام عمر، ثُمّ بيّن أن ذلك غاية ما انتهى إليه كلام عمر) انتهى.

قال الشُّرّاح: (ولم تكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث) هذا طبعًا على الأغلب، كان كما تقدم معنا في المقدمة، وتكلمنا عن هذه المسألة هنا، بكلام تامٍّ وافٍ إن شاء الله.

(وإنما كانوا يؤدُّونها حفظًا، ولا يأخذونها لفظًا، إلا كتاب الصدقات، والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء، حتى خيفَ عليه الدُرُوسُ، وأسرعَ في العلماء الموت، أمر عمر بن أبي عبد العزيز أبا بكر بن محمد فيما كتب إليه أن "انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ") انتهى.

أخرجه الدّارمي في "مسنده" هذا الأثر، والبيهقي في "المدخل" و"المعرفة" وغيرهما.

قال رحمه الله: "حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ" ابن أخت مالك، ضعيف، البخاري ينتقي له، وهو مُتابَع، قد رواه جمع غير مالك عن هشام، ورواه غير هشام عن عروة في الصحيحين وغيرهما.

"قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ" إمام دارُ الهجرة.

"َعنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ" هو ابن الزبير بن العوّام.

"عَنْ أَبِيهِ" عروة ابن الزبير.

"عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ" رضي الله عنهما، رجاله كلهم أئمة، ثقات، حفّاظ، إلا إسماعيل، وقد تقدّمت ترجمتهم جميعًا، وإسماعيلُ مُتابع، وقلنا بأن البخاري ينتقي له.

"قَالَ" عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنه: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ" من بين الناس "انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ" أي محوًا من الصدور، لا يمحوه محوًا من صدورهم بأن يرفعه إلى السماء، أو يمحوه من صدورهم.

قال ابن المنَيِّر: (محو العلم من الصدورِ جائز في القُدرة) لا شك أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير (إلا أن هذا الحديث دلّ على عدم وقوعه) بأنه لا يحصُل.

"وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ" يقبض أرواح العلماء، وموت حملَته "حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا" أي حتى لم يبقِ اللهُ تبارك وتعالى عالماً، ولمسلمٍ: «حتى إذا لم يترك عالما» يقبض أرواحهم جميعًا، ولا يبقى عالم على وجه الأرض، هذا ظاهره.

"اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا" جمع رأس، وفي رواية أبي ذر: «رؤساء» جمع رئيس، وكلاهما صحيح، والأول أشهر.

"جهّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ" أي فسألهم السائل عن العلم الشرعي، فأفتوا السائل بغير علم، وفي رواية أبي الأسود في الاعتصام عند البخاري: «فيبقى ناسٌ جهّالٌ يُستفتونَ، فيُفتونَ برأيهم» ما معنى يُفتونَ برأيهم؟ يعني يفكر بعقله هكذا، أيش ما طلع معه بعقله يُفتيته.

بناءً على ماذا؟ ما هي الأصول التي اعتمد عليها؟

لا شيء إلا العقل فقط، لا كتاب ولا سنة ولا كلام السلف الصالح رضي الله عنهم، ولا شيء من هذا، ولا حتى رأي صحيح.

الرأي فيه نوع منه: القياس، في حال ما وجدنا آية في المسألة، ولا وجدنا حديثًا، ولا وجدنا دليلًا من الأدلة المعتمدة، المقرّرة في أصول الفقه، أخذنا بالقياس، حتى هذا القياس مبنيّ على أصول، هذا ما عنده لا أصول ولا شيء.

وعموما أصلًا الإفتاء بالرأي من دون الاستناد إلى دليلٍ شرعيٍّ صحيحٍ مذمومٌ، بل السلف بعضهم كان يُشدّد في هذا، حتى إنه كان يذُمّ الإفتاء بالرأي مطلقاً؛ لأنه يؤدي إلى ترك أدلة الشرع، والأخذ بدينٍ ليس من دين الله.

إذ إن الفتوى من الرأي ليست من دين الله، لكن القياس منه، كونه يكون مبنيًّا على أدلة الشرع من الكتاب والسنة، صار مقبولًا من هذا الباب، ولا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة، في حال عدم وجود دليلٍ خاصٍّ من الكتاب والسنة والإجماع، عندئذ نلجأ إلى القياس.

الذين غلوا في الرأي، صاروا يذهبون إلى الرأي مباشرة، حتى وإن وجد دليل من الكتاب والسنة، يذهبون إلى الرأي، ويفتون بالرأي، هذا غلو، وهذا النوع من الناس هم الذين شدد السلف عليه، وذموهم، وحذروا منهم أشدّ التحذير.

إذا جاءهم نص من الكتاب والسنة وردّهُ بالرأي، هؤلاء القوم ما عندهم لا كتاب ولا سنة، ولا عندهم إجماع، ولا عندهم أصول أصلًا، حتى القياس يقيسون عليه، فليس المقصود هنا بالرأي القياس، لا.

المقصود أنهم يُفتون بعقولهم من غير الرجوع إلى مستند من الكتاب والسنة والإجماع، أو ما يبنى على ذلك من قياس صحيح، ما عندهم شيء من هذا.

لا يوجد علم، جهل، فيسألهم السائل، لا يوجد علماء، فيُفتون، فيُضِلُّ نفسه؛ فالفتوى بغير علم ضلال، ويُضِلّ غيرَه بفتواه، إذ أن ذاك يأخذ فتواه ويعمل بها، وهي الضلال.

أمر خطير، وهذا المذكور في الحديث موجود اليوم بكثرة، في المجتمعات والأمة، وهذا الحديث أصلًا منطبق تمام الآن، موجود.

كيف وقد قال في الحديث أنه "حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا"، مازال في عندنا علماء؟!

ليس المقصود من هذا انتفاء العلماء كليّاً، ولكن المقصود القلّة؛ ذهاب الأكثر، وقبض الأكثر، وبقاء القلة القليلة، الذين هم رأس الطائفة المنصورة.

حتى تجمع ما بين هذا الحديث، وحديث: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ – أو من خذلهم- حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ».

أين وجه التعارض بين الحديثين؟

هنا: لم يبقِ عالماً، وحديث لاتزال طائفة من أمتي، لاتزال مستمرة من عهد النبي إلى أن تأتي تلك الريح الطيبة، فتأخذ أرواح المؤمنين، قُرب قيام الساعة، لأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، إلا على الكفار.

إذًا هذا الحديث يدلّنا على استمرارية وجود العلماء، أين ذكر العلماء؟ قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي» هذه الطائفة رأسها هم العلماء، وإذا قُطع الرأس مات الجسد، لا حياة لهذه الأمة من دون علمائها.

من الذي يحفظ على الناس دينهم؟ هم العلماء، هم ورثة الأنبياء.

من الذي يفهّم الناس القرآن؟ من الذي يفهّم الناس السنة؟ من الذي يعلم الناس فقه هذه الأدلة الشرعية؟

هم العلماء، فلذلك هم رأس الطائفة المنصورة، لذلك فسّر الإمام البخاري هذه الطائفة بالعلماء، وفسّرها الإمام أحمد وغيره أيضا من أئمة السلف، بأهل الحديث، لماذا؟

لأنهم هم رأس هذه الطائفة، فإذا ذهبوا ذهبت هذه الطائفة.

إذًا أين لاتزال طائفة من أمتي؟ إذًا هذا الحديث مؤكد، لا شك فيه، بأن هذه الطائفة باقية، إذًا العلماء هم باقون، ولو واحد يبقى، هذه الطائفة المنصورة إلى قرب قيام الساعة.

ما هو معنى قوله هنا: «لم يبق عالمـًا»؟

يعني غالبية العلماء، وأكثر العلماء، يقبضهم الله سبحانه وتعالى.

هكذا نجمع ما بين الحديثين، فيكون هذا الحديث عامًّا لفظًا، لفظه عام، لكنه مخصوص بعلماء الطائفة المنصورة.

"فَضَلُّوا" من الضلال، أي ضلّ هؤلاء المفتون بغير علم، وهذا واضح، بأن الإفتاء بغير علم ضلال.

"وَأَضَلُّوا" من الإضلال، أي أضَلّوا السائلين.

فمعناه أن الله لا ينزع العلم من العباد بعد أن يتفضّل به عليهم، ولا يسترجع ما وهب العلم المؤدي إلى توحيده، وبثّ شريعته، والعمل بها، وإنما يكون انتزاعه بموت العلماء، مع عدم وجود من يخلفهم، لأسباب متعدّدة منها:

- إعراض الناس عن التعلم.

- والاشتغال بطلب الدنيا والإقبال عليها، كما هو حاصل اليوم تمامًا.

كثير من العلماء يموتون، ولا تجد لهم طلبة نابغين مستفيدين من أهل العلم والسنة والتقوى يحلّون محلهم ويسدّون مسدّهم، لا تجد هذا، وهذا كثير.

سيأتي الحديث، إن شاء الله، عند البخاري برقم سبعة آلاف وثلاثمئة وسبعة، من طريق أبي الأسود، عن عروة بنحوه، سنذكر شرحه بطريقة أوسع، إن شاء الله.

"قَالَ الْفَرَبْرِيُّ" أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بِشر، الفربري، راوي الصحيح عن البخاري، تقدمت ترجمته في المقدمة.

"حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ" قال العَيني: (وعباسٌ هو ابن الفضل بن زكريا الهَروي، أبو منصور البصري، ثقة، مشهور من الثانية عشر، بل من التي بعدها، ولد بعد موت ابن ماجه، ومات سنة اثنتين وسبعين وثلاثمئة، من أسماء الرجال لابن حجر) انتهى.

وهو مُتابع على كل حال، اختلفوا في هذا عباس، من هو، ما ذكر العيني حجّتَه في تعيين عباس هذا، على كل حال سواء كان هذا الذي ذكره، أو كان غيره، فهو مُتابع في روايته عن قتيبة عند مسلم وغيره.

"قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ" هو ابن سعيد، أبو رجاء البغلاني، ثقة، تقدم.

"حَدَّثَنَا جَرِيرٌ" هو ابن عبد الحميد بن الضّبّي، أبو عبد الله الرازي، ثقة.

"عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ" تقدم أيضًا.

"نحوَه": أي بمعنى حديث مالك، هذا الإسناد ليس من رواية البخاري، بل هو من زيادات الْفِرَبْرِيُّ، إذًا الْفِرَبْرِيُّ راوي عن البخاري، ما رواه من طريق البخاري، رواه من طريق غيره.

إذًا هذا ليس من صحيح البخاري، لماذا ساقه الْفِرَبْرِيُّ؟

ساقه متابعة لمالك على الحديث.

قال ابن حجر: (هذا من زيادات الراوي عن البخاري في بعض الأسانيد وهي قليلة).

قال ابن رجب رحمه الله: (وما دام العلم باقيًا في الأرض فالناس في هدى، وبقاء العلم بقاء حمَلته) انظروا الآن هذا الكلام حتى تعلموا وزن العلماء وقدرَهم في الأمة، بقاء العلماء بقاء الدين، ذهاب العلماء ذهاب الدين، لو لم يكن لهم قدرٌ إلا هذا لكان كافيًا.

هم ورثة الأنبياء، هم من الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

لا يستوون، هم -أعني العاملين منهم، المتّقين- الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم، في الحديث القدسي: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» هؤلاء هم العلماء.

الحطّ من قدرهم والطعن فيهم واستنقاصهم يؤدي بفاعل ذلك على إعلان الحرب على الله سبحانه وتعالى.

«مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» أعلمته بالحرب، ولحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في انتهاك ستر منتقصيهم.

هكذا هم العلماء في أمة محمد ﷺ مازالوا مُحترَمين، يُعرف لهم قدرهم، وتُعرف لهم مكانتُهم، يعظّمون، يُحترمون بقدر ما يستحقّون، من غير إفراط ولا تفريط، فإذا تجاوزت الأمة حدّها، وتطاولت على علمائها فلا تنتظرْ خيرًا بعد ذلك؛ لأنها أعلنت حربًا على الله سبحانه وتعالى.

هؤلاء حملةُ شريعة الله، هؤلاء شهَدَةٌ على كلمة التوحيد عند الله سبحانه وتعالى، اصطفاهم الله لحمل دينه، ثم يأتي سفيهٌ، لا يساوي شيئًا، ويطعن فيهم ويستنقصهم لأنهم لم يوافقوا هواه فيما أراد، خاب وخسر، وضيّع نفسه.

يجب على كلّ مسلمٍ أن يحترم نفسه وأن يعرف قدرها وأن يلزَم ذلك.

العالمُ الربّاني الذي عُرف باتباع السنة، عُرف بالتقوى، عرف بالصلاح، عرف بتعظيمه لكتاب الله، ولسنة رسول الله ﷺ وباتباع منهج السلف الصالح رضي الله عنهم، أهل لأن يحسَن الظن به، لا أن يساء الظن به.

فإذا أفتى بمسألة لم توافق هواك فأسئ الظن بنفسك، وأحسن الظن بالعلماء، وانقَدْ للحق الذي جاء من عندهم، فهم لا يُفتون بما تهواه، ليس على كيفك الموضوع، عجبك أو ما عجبك، هم بالنسبة لهم لا يرونك ترى، فعليًّا لا يرونك، هم يرون قال الله، قال رسول الله ﷺ، بس!

أما أنت جاهل عندهم، لا تساوي شيء كان عندهم، لا وزن لها بمعنى الكلمة، الجاهل، لذلك نقل العلماء أنفُسُهم، قالوا: إذا خالف العامة في مسألة، هل ينقض قولهم الإجماع؟ لا، بالاتفاق.

لماذا؟ لأنهم ما عندهم شيء، إذا خالف سيُخالف بناء على لا شيء، لكن في النهاية أنت ستضُرّ نفسك، ستهلكُ نفسك، أنت أعلنتَ الحربَ على الله، بهذا الذي ارتكبته.

قال ابن رجب رحمه الله: (ومادام العلم باقيًا في الأرض، فالناس في هدىً، وبقاء العلم بقاء حمَلَته، فإذا ذهب حملتُه ومن يقومُ به وقع الناس في الضّلال) ثم ذكر هذا الحديث، وقال: (وذكر النبي ﷺ يومًا رفع العلم، فقيل له: كيف يذهب العلم، وقد قرأنا القرآن، وأقرناه نساءنا، وأبناءنا؟ فقال النبي ﷺ) وانتبهوا لهذه («هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟») ماذا تنفعهم؟

علماءُهم حرّفوها، غيّروها، بدّلوها، وأفتَوا برأيهم، وأهوائهم فضلّوا وأضلّوا، ماذا أغنَت عنهم؟ لا شيء.

هذا القرآن، حتى وإن وجد بين أظهركم، إذا لم يوجد عالم، متّبعٌ للحقِّ، يُوصلُ لك المعلومة بشكل صحيح، ما الذي يريده الله من كتابه، ما الذي يريده النبي ﷺ من قوله، لن تستطيع أن تفهمَ شيئًا؛ لأن العالم هو الذي يفهّمُكَ هذه الأمور.

حتى أنتم طلبةُ العلم تعرفون هذا، انظر لأحدكم، كيف كان حاله قبل أن يطلبَ العلم؟

هل كان يفهمُ شيئًا؟ وبعد أن طلب العلم كيف تغيرت الأمور؟

ثم قال رحمه الله: (فأوّلُ ما يُرفع من العلم: العلمُ النافع، وهو العلم الباطن، الذي يُخالطُ القلوب ويصلحها، ويبقى علم اللسان حجّةً، فيتهاونُ الناس به، ولا يعلمون بمقتضاه، ولا حملتُهُ ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلمُ بذهاب حملَتِه، فلا يبقَ إلا القرآن في المصاحف، وليس ثَمَّ من يعلمُ معانيه) موجود القرآن، لكن لا يوجد أحد يعرف ما معنى القرآن.

(ولا حدودَه ولا أحكامَه، ثم يُسرى به في آخر الزمان، فلا يبقَى في المصاحف، ولا في القلوب منه شيء بالكليّة، وبعد ذلك تقومُ الساعة)

لأنه خلاص، إذا ما في دين على الأرض انتهى، لذلك دائمًا العلماء يقولون: العلماء هم أمان لأهل الأرض من قيام الساعة، إذا لم يبقَ عالمٌ على وجه الأرض خلاص، تزول الدنيا.

وقال: (وبعد ذلك تقوم الساعة، كما قال ﷺ: «لا تقومُ الساعةُ إلا على شِرارِ الناسِ» وقال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ») انتهى.

قال ابن حجر رحمه الله: (وفي هذا الحديث:

§ الحثُّ على حفظ العلم) يعني ينبغي على طلبة العلم أن يجدّوا، وأن يجتهدوا بتحصيله، وأن يحرصوا عليه، وأن لا تشغلهم الدنيا عنه، وما بقيَ العلماء بقي الدين، إذًا هم حُماةُ الدّين، هم حرّاسُ التوحيد، فلذلك لا ينبغي على طالب علمٍ أن يضيّع نفسه إذا فتح الله عليه.

§ (والتحذير من ترَؤّسِ الجَهلة) تحْذير؛ لأنه أمر خطير، فيه إضلالُ العباد.

من هنا نقول لكم: لا تتساهلوا بإسقاط العلماء، لا تستخِفّوا بإسقاط العلماء، العالم -عالمُ السنّة- كنزٌ لا ينبغي التفريط فيه بسهولة.

نعم، عندنا السُّنّة سنة، والبدعة بدعة، ما في كلام، وإذا خالفَ أصلًا من أصول أهل السنة والجماعة، ما عادَ من علماء السنة أصلًا، هذا منتهٍ أمره، لكن لا يُسْقَطُ العالم بالقيل والقال، وربّما ولعلّ.

قال الإمام أحمد رحمه الله: (إخراج الناس من السّنّة شديد)، أمر ليس بالسهل، أن ترمي عالمـًا من علماء السنة بالبدعة والضلال، أمر ما هو سهل.

إسقاط العلماء يعني ماذا؟ تفشّي الجهل، انتشار الجهل، انتشار الضلال بين العباد، انتشار الشرك، انتشار البِدع، انتشارُ المعاصي، يعني فساد في الأرض.

عرفت أيش معنى إسقاط العلماء؟!

فينبغي أن يكون الإنسان على حذر من هذا الأمر، ويتحرّز ما استطاع أن يبتعد عن هذا الأمر، إلا ألا يُبقي له هذا العالم مجالاً بضلاله هو نفسه بمخالفة أصول السنة.

المهم، أن تضع هذه المفسدة في بالك، ماذا يعني سقوط العلماء؟ انتشار الشرك والبدع، والفساد في الأرض.

حتى قال بعض أهل العلم: البلد التي لا عالم فيها، لا تحلّ سكناه.

لا تَحِل! لماذا؟ لأنه ما عندك من يعلّمك دينك، إذًا لماذا عايش هناك، ما عاد ينفعك، إذًا هاجر إلى بلد تجد فيه من يعلمك دينك، فأنت ما عشت وما وجدت على هذه الأرض إلا لتعبد الله I، وعبادة الله لا تكون إلا بعلم.

§ قال: (وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقة) لا يعني ذلك أن يُفتي المرءُ على شان يصير ريّس! لا، بل يتعلّم من أجل أن يرفعه الله منزلة العلماء عندها، لا ليصير رئيسًا على الناس، لكن هذا تحصيلُ حاصل.

الفتوى هي الرياسة الحقيقة، كما قالت أمَة لهارون الرشيد، أذكر أنه الأوزاعي أو سفيان الثوري نسيت، أحد هؤلاء الأئمة الأكابر دخلوا المدينة، فرأت أمَة من إماء هارون الرشيد الناس قد اجتمعوا عليه بكثرة شديدة، فقالت: من هذا؟ فقالوا: هذا الأوزاعي أو سفيان، قال: هذا هو المـُلك بحق، مَلَكَ قلوب الناس ليس بالسيف.

§ قال: (وذَمُّ من يُقدِمُ عليها بغير علم) على الفتوى بغير علم، بجهل، ضلّ وأضلّ، مصيبتان.

§ قال: (واستدلّ به الجمهور على القول بخلوّ الزمان عن مجتهد، ولله الأمر يفعل ما يشاء) انتهى.

هل يخلو الزمانُ من مجتهدٍ يبيّن للناس أمر دينها؟

من أخذَ بظاهر اللفظ وعمومه، قال: نعم، لكن هذا إن أرادوا بهذا الزمن هو آخر الزمن بعد الريح الطيبة نعم، أما إن أرادوا قبل ذلك فلا؛ لأن بقاء الطائفة المنصورة يعني بقاء المجتهد.

فهذا الحديث خرج مخرجَ العموم والمراد به الخصوص، لقوله : «لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي علَى الحقِّ ظاهرينَ حتّى يَأْتيَ أَمْرُ اللهِ» أو: نقول هو عامٌّ مخصوص.

لكن قول العموم مراد به الخصوص أصح.

فلعلّ المراد قبضُ أكثرهم، وبقاء القلّة في الطائفة المنصورة، لفظ عام، لكن المراد به الخصوص؛ الأكثر، قبضُ أرواح الأكثر.

الحديث متفق عليه، من حديث عروة بن الزُبير.

قال ابن حجر في الفتح: (وقد اشتُهرَ هذا الحديث من رواية هشام بن عروة، فوقع لنا من رواية أكثَرَ من سبعين نفسًا عنه، من أهل الحرمين، والعراقيين، والشام، وخراسان، ومصر وغيرها) يعني هو متواتر عن هشام بن عروة.

قال: (ووافقه على روايته، عن أبيه عروةُ أبو الأسودِ المدني، وحديثه في الصحيحين أيضًا) يعني لم يتفَرّد به.

(والزهري وحديثه في النَسائي، ويحي بن أبي كثير، وحديثه في صحيح أبي عوانة، ووافق أباه على روايته، عن عبد الله بن عَمرو) لاحظ عندي في "الفتح" هكذا العبارة: (ووافق أباه على روايته، عن عبد الله بن عمروَ بن الحكم بن ثوبان، وحديثه في مسلم) انتهى.

هذه العبارة خطأ، عن عبد الله بن عَمرو، هو الصحابي، كيف ابن الحكم بن ثوبان تأتي هنا؟

لذلك في خطأ واضح في تصحيف هنا، أو في سقط، ولما رجعت إلى طبعة "عطاءات العلم" وهذه الطبعة إلى الآن، يعني من خلال ما وقفت على بعض العبارات، مثل هذه، ورجعت إلى طبعة عطاءات العلم، حتى أقارن وجدتها مصححة في طبعة عطاءات العلم، طبعة عطاءات العلم، إلى الآن لم تطبع، لكن نزّلوها على موقعهم، موجودة هناك، ووجدتها على الصواب في عطاءات العلم بموقعهم، قالوا: (ووافق أباه على روايته، عن عبد الله بن عمَرو، عمرُ ابن الحكم بن ثوبان) هكذا العبارة صحيحة.

يعني عُمر بن الحكم بن ثوبان رواه عن عبد الله بن عمرو، وهذه الرواية موجودة في صحيح مسلم، أيضًا عند الرجوع إلى صحيح مسلم وجدناها هي هكذا، كما ذكر في هذه، انتهى.

خلاص نكتفي بهذا إن شاء الله.

قائمة الخيارات
0 [0 %]
الخميس 26 جمادة الاولى 1445
عدد المشاهدات 259
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق