الجمعة 21 شعبان 1445 هـ
01 مارس 2024 م
جديد الموقع   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-44، كتاب الوضوء، الحديث 155و156   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-43، كتاب الوضوء، الحديث 151و152و153و154   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-42، كتاب الوضوء، الحديث 145و146و147و148و149و150   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-41، كتاب الوضوء، الحديث 142و143و144   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-40، كتاب الوضوء، الحديث 138و139و140و141   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-39، كتاب الوضوء، الحديث 136و137   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-38، أول كتاب الوضوء، الحديث 135   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-37، كتاب العلم، الحديث 130و131و132و133و134   علي الرملي: الترجمة   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-36، كتاب العلم، الحديث 125و126و127و128و129      

تفريغ شرح صحيح البخاري-26، كتاب العلم، الحديث 83و84 و85 و86 و87و 88

الدرس السادس والعشرون/السبت/ بتاريخ: 13/04/1445-28/10/2023

الحمد لله رب العالمين، أما بعد فدرسنا اليوم هو السادس والعشرون من دروس شرح صحيح البخاري مازلنا في كتاب العلم

وصلنا عند الحديث الثالث والثمانين، "باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها"

قال المؤلف رحمه الله:

" ‌‌بَابُ الْفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا

" حَدَّثَنَا ‌إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي ‌مَالِكٌ، عَنِ ‌ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ‌عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ ‌عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ»"

"باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها"

أي: هذا باب فيه جواز إفتاء من المفتي وهو راكب على الدابة وعلى غير الدابة كسفينة وأرض وغيرهما

والفُتيا: هي الجواب عن سؤال شرعي، يعني الجواب في بيان حكم مسألة شرعية، يقال: استفتيت الفقيه في مسألة فأفتاني، والاسم منه الفُتيا بالضم هكذا، والفتوى وكلاهما صحيح.

والدابة في اللغة: كل ما مشى على الأرض، وفي العُرف: الخيل والبغال والحمير وهو المراد هنا، وخصها البعض بالحمار.

قال المؤلف رحمه الله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس، ابن أخت مالك، ضعيف، والبخاري ينتقي من أحاديثه، وهو هنا متابَع في هذا الحديث.

"قال: حدثني مالك" هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة.

"عن ابن شهاب" هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، الإمام مدني شامي.

"عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله" التَيني أبو محمد المدني تابعي ثقة فاضل كثير الحديث، مات سنة مائة، روى له الجماعة، هذا الرجل هو الجديد معنا، والبقية كلهم قد تقدموا.

"عن عبد الله بن عمرو بن العاص" رضي الله عنهما "أن رسول الله وقف" على ناقته، كما في رواية "في حجة الوداع" لم يحج النبي غير حجة واحدة، وهي هذه، وكانت في السنة العاشرة، سميت حجة الوداع: لأن النبي وعظهم فيها وودعهم، ولها أسماء أخرى عند أهل العلم: كحجة البلاغ، وقف عليه ﷺ على دابته "بمنى" اسم موضع قرب مكة من مواضع مناسك الحج، يقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال تقريبًا خمسة أو ستة كيلو، وسمي منى لما يمنى فيه من الدماء، يمنى يعني يراق، يسال من الدماء، ذبائح تذبح، وقف على ناقته في حجة الوداع "بمنى للناس" أي لأجلهم "يسألونه" كي يسأله الناس، وفي رواية لمسلم: "وقف رسول الله ﷺ على راحلته فطفق ناس يسألونه" أي شرع بعض الناس يسألونه، بدؤوا بسؤاله "فجاءه رجل" قال ابن حجر: (لم أعرف اسم هذا السائل ولا الذي بعده في قوله "فجاء آخر" والظاهر أن الصحابي لم يسم أحدًا لكثرة من سأل إذ ذاك)

"فقال:" الرجل "لم أشعر" أي لم أفطن أو لم أنتبه "فحلقت" رأسي "قبل أن أذبح" قبل أن أذبح الهدي، "فقال:" رسول الله ﷺ "«اذبح ولا حرج»" أي: ولا إثم عليك، "فجاء آخر" غير الرجل الأول "فقال: لم أشعر فنحرت" هديي "قبل أن أرمي" قبل أن يرمي جمرة العقبة، "قال: «ارمِ»" الجمرة "«ولا حرج»" عليك في ذلك قال ابن حجر: (قوله: «ولا حرج» أي لا شيء عليك مطلقًا من الإثم، لا في الترتيب ولا في ترك الفدية، هذا ظاهره، وقال بعض الفقهاء: المراد نفي الإثم فقط، وفيه نظر؛ لأن في بعض الروايات الصحيحة: «ولم يؤمر بكفارة») انتهى.

قال: "فما سُئل النبي ﷺ عن شيء" من أعمال يوم النحر، يوم العيد، التي هي: الرمي والنحر والحلق والطواف "رنحط"

"قُدم ولا أُخر إلا قال" للسائل "«افعل»" ذلك كما فعلته قبل أو متى شئت "«ولا حرج»" عليك مطلقًا لا في الترتيب ولا في ترك الفدية.

قال ابن قدامة في "المغني": (وفي يوم النحر أربعة أشياء) يعني أربعة أعمال قال: (الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف) رنحط (والسنة ترتيبها هكذا؛ فإن النبي ﷺ رتبها كذلك) يعني يوم النحر تبدأ بالرمي -رمي جمرة العقبة-، ثم تنحر، ثم تحلق، ثم تطوف، هكذا رتبها وهذه السنة، طيب إذا قدمت وأخّرت؛ فعلت واحدة قبل الأخرى ولم تمشِ على السنة فما حكم ذلك؟ قال: (فإن أخل بترتيبها ناسيًا أو جاهلًا) إذًا عندي الشخص ربما يخل بهذا الترتيب لأسباب: الأول: أنه ناسي، الثاني: أنه جاهل، الثالث: يكون متعمدًا لا لسبب من هذه الأسباب، فقال المسألة الأولى إذا فعل ذلك (ناسيًا أو جاهلًا بالسنة فيها، فلا شيء عليه في قول كثير من أهل العلم) هكذا قال ابن قدامة، وقال غيره: في قول أكثر أهل العلم، هذا إن فعله ناسيًا أو جاهلًا.

يقول ابن قدامة: (فأما إن فعله عمدًا عالمـًا بمخالفة السنة في ذلك ففيه روايتان) ابن قدامة في المغني إذا قال روايتان فيعني بهما عمن؟ عن الإمام أحمد رحمه الله، (إحداهما لا دم عليه) لاحظ! هنا لا يتكلمون عن مسألة أن حجه صحيح ولا غير صحيح، لا، يتحدثون فقط عن قضية عليه دم أم لا دم عليه إن قدم وأخر وخالف السنة في التقديم والتأخير متعمدًا، قال عليه دم ولا ما عليه دم بس فقط، أما حجه فصحيح، لا يختلفون في هذا، فقال: (إحداهما) يعني إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله (لا دم عليه، وهو قول عطاء وإسحاق)

عطاء وما أدراكم ما عطاء في مناسك الحج، عطاء ابن أبي ربيع كان مقدمًا في التابعين في مناسك الحج وكان عالمـًا بها، حتى الإمام الشافعي رحمه الله اعتمد على فقهه في مناسك الحج، وأخذه عن ابن عباس وهو من أهل مكة وهم أدرى بالمناسك.

كان بعض أهل البلدان يكونون أكثر فقهًا في بعض الكتب من البلدان الأخرى، لأسباب منها هذه، المناسك في مكة فكان أهل مكة أدرى بها وأعلم.

أهل الشام كانوا أعلم بالجهاد والسيرة في ذلك، في المغازي، لماذا؟ لأنهم كانوا أهل ثغور، وأهل حرب، فمُيّزوا بهذا، كان الإمام الأوزاعي رحمه الله عالمـًا بهذا

قال رحمه الله: (إحداهما لا دم عليه وهو قول عطاء وإسحاق...) (والثانية) أي الرواية الثانية عن الإمام أحمد (عليه دم، روي نحو ذلك عن سعيد بن جبير، وجابر بن زيد، وقتادة، والنخعي) إذًا هما روايتان عن الإمام أحمد، وله في كل رواية من قال بقوله من السلف.

وقال ابن قدامة رحمه الله: (ولا نعلم خلافًا بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء ولا تمنع وقوعها موقعها) يعني حجه صحيح، وما عليه شيء من هذه الناحية (وإنما اختلفوا في وجوب الدم) يقول ابن قدامة رحمه الله (على ما ذكرنا) على التفصيل الذي ذكرنا في الخلاف (والله أعلم) انتهى باختصار، كلام ابن قدامة اختصرناه لكم وهذه الخلاصة.

الراجح: ما عليه دم ولا شيء، ويجوز التقديم والتأخير في هذه الأعمال يوم النحر وسيأتي هذا إن شاء الله في موطنه في كتاب الحج بإذن الله تعالى.

قال ابن حجر: (فإن قيل: ليس في سياق الحديث) يعني الذي ذكره البخاري رحمه الله (ذكر الركوب) هو بوّب أصلًا "الفتيا وهو راكب" لكن الحديث ليس فيه ذكر الركوب، قال: (فالجواب: أنه أحال به على الطريق الأخرى التي أوردها في الحج) سيأتي الحديث في الحج هناك، وهذه طريقة البخاري رحمه الله، تتنبهون لهذا، قد نبه عليها الحافظ ابن حجر في أكثر من موطن وهذا الموطن منها واضح وصريح في ذلك، لأنه ما ذكر موضع الشاهد هنا، ذكره أين؟ في كتاب الحج، وربما يستدل الإمام البخاري رحمه الله بحديث لكن موضع الشاهد لا يكون مذكورًا في نفس الباب ولكن إذا جمعت طرق الحديث ظهر لك.

قال رحمه الله: (فالجواب أنه أحال به على الطريق الأخرى التي أوردها في الحج، فقال: "كان على ناقته" ترجم له: "باب الفتيا على الدابة عند الجمرة") وذكر بعض طرقه، ففي طريق أخرى عنده بلفظ: "وقف رسول الله ﷺ على ناقته" وفي رواية عند مسلم: "وقف رسول الله ﷺ على راحلته فطفق ناس يسألونه" انتهى، إذًا الدلالة واضحة.

قال أهل العلم: (وفي الحديث جواز سؤال العالم وإفتائه راكبًا وماشيًا وواقفًا على كل حال) الحديث متفق عليه وسيأتي شرحه مفصلًا في الحج إن شاء الله.

قال: "‌‌بَابُ مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بِإِشَارَةِ الْيَدِ وَالرَّأْسِ.

حَدَّثَنَا ‌مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا ‌وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ‌أَيُّوبُ، عَنْ ‌عِكْرِمَةَ، عَنِ ‌ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ: وَلَا حَرَجَ. قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ وَلَا حَرَجَ"

"بابٌ" هكذا في التنوين عندي "من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس" أي: ففعله جائز، والفتيا بهذا كافية إذا فهمها المستفتي على وجهها الصحيح، فالإشارة باليد أو بالرأس كافية في الإجابة على أن يفهمها السائل.

الإشارة باليد مستفادة من حديث ابن عباس الآتي، وحديث أبي هريرة وهما مرفوعان، والإشارة بالرأس مستفادة من حديث أسماء فقط، قال ابن حجر: (وهو من فعل عائشة فيكون موقوفًا) هو ليس من فعل النبي ﷺ (لكن له حكم رفع لأنها كانت تصلي خلف النبي ﷺ وكان في الصلاة يرى مَن خلفه فيدخل في التقرير) يعني كأن النبي ﷺ رآها وأقرها، وكلام ابن حجر هذا صحيح، حتى ولو لم تكن خلف النبي ﷺ والنبي ﷺ لم يرها، لو لم يكن هذا فهي في زمن التشريع لوجود النبي ﷺ والوحي ينزل، فهذا إذا فُعل في زمن التشريع فله حكم رفع أيضَا والله أعلم.

قال: "حدثنا موسى بن إسماعيل" هو المنقري أبو سلم التبوذكي، روى له الجماعة تقدم.

"قال: حدثنا وُهيب" هو ابن خالد بن عجلان الباهلي أبو بكر البصري، صاحب الكرابيس.

قال أبو حاتم: ما أنقى حديثه، لا تكاد تجده يحدث عن الضعفاء، وهو الرابع من حفاظ أهل البصرة، وهو ثقة، ويقال إنه لم يكن بعد شعبة أعلم بالرجال منه.

ثقة، ثبت مات سنة 165 وهو ابن 85 سنة، روى له الجماعة.

"قال: حدثنا أيوب" هو ابن أبي تميمة السختياني، أبو بكر البصري ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء والعباد، إمام تقدم.

"عن عكرمة" أبو عبد الله مولى ابن عباس ثقة، تقدم.

"عن ابن عباس" هو عبد الله بن عباس رضي الله عنهما "أن النبي ﷺ سُئل في حجته، فقال" السائل "ذبحت قبل أن أرمي؟ فأومأ" رسول الله ﷺ "بيده" يعني فأشار "بيده قال: ولا حرج" أي عليك، وقوله: "قال" يحتمل أن يكون بيانًا لقوله: "أومأ" أي فهي تفسير لمعنى إمائه بيده ﷺ ويكون من إطلاق القول على الفعل كما في الحديث الذي بعده: "فقال هكذا بيده" هذا ليس قولًا لسانيًا، فعل فعل؛ لكنه عبّر عنه بالقول، فعلى هذا النبي ﷺ كيف أجاب؟ باليد فقط، بالإشارة، يعني لم ينطق، اكتفى بالفعل لإجابة السائل.

ويحتمل أن يكون حالا، والتقدير: "فأومأ بيده قائلًا لا حرج" فيكون هنا النبي ﷺ قد جمع بين الفعل والقول.

قال ابن حجر رحمه الله: (والأول أليق بترجمة المصنف).

فالظاهر أن البخاري رحمه الله فهم المعنى الأول؛ لذلك ترجم هذه الترجمة وأدخل هذا الحديث فيه.

و "قال" ذلك السائل نفسُه أو غيره "حلقت" رأسي "قبل أن أذبح؟" هديي "فأومأ" فأشار رسول الله ﷺ "بيده ولا حرج" أي: صحّ فعلك، ولا إثم عليك.

قال الشراح: (ولم يحتج إلى ذكر "قال" هنا؛ لأنه أشار بيده بحيث فُهم من تلك الإشارة أنه لا حرج)

الحديث متفق عليه وسيأتي إن شاء الله بيانه في موضعه.

قال المؤلف رحمه الله: "حَدَّثَنَا ‌الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ‌حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ ‌سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ‌أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ»"

عندي "أخبرنا حنظلة" من غير ابن أبي سفيان، وهي في الحاشية: في رواية الأصيلي: زيادة "ابن أبي سفيان".

"حدثنا المكي بن إبراهيم" هو ابن بشير بن فرقد التميمي الحنظلي أبو السكن البلخي من أتباع التابعين، ثقة، مات سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين، روى له الجماعة.

"قال: أخبرنا حنظلة" وفي رواية: "ابن أبي سفيان" هو الجُمَحي المكي، ثقة تقدم.

"عن سالم" هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ثقة فقيه عابد حجة تقدم.

"قال: سمعت أبا هريرة" رضي الله عنه "عن النبي ﷺ قال: «يُقبض العلم»" أي: لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وقد تقدم القول في قبض العلم، وأنه يكون بقبض العلماء، وتقدّم معنى القبض. "«ويظهرُ الجهل»" وكما تقدم فذكر ظهور الجهل لازم لرفع العلم؛ ولكنه ذكرى لتأكيده وتقدم معنا. "«والفتن»" وفي رواية: «وتظهر الفتن» أي: تكثر وتنتشر، وهي كل ما يَفتن الناس ويضرهم في دينهم ودنياهم من أنواع الضلال والبدع والمصائب والآفات وكثرة الفجور، وتسلط الكفار وظهور المنافقين، وغير ذلك فتن كثيرة...

قال أهل العلم: (أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه ثم أُطلقت على كل مكروه أو آيل إليه) أطلقت على كل مكروه أو ما يؤدي إلى المكروه (كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك...) انتهى كلامهم رحمهم الله.

وهذه كثرة الفتن هذه كلها العلامات التي تقدمت معنا، هذه كلها قد ظهرت وانتشرت وكثرت وخاصة في زماننا هذا، كثير منها كان قد ظهرت قبل ذلك لكنها اليوم أشد ظهورًا وأوضح انتشارًا

"«ويكثر الهرج»" فسره النبي ﷺ بالقتل، وفي البخاري في كتاب الفتن: "والهرج القتل بلسان الحبشة" "قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده" هو من إطلاق القول على الفعل، قال؛ لكن ليس بلسانه، قال "هكذا بيده" أشار "فحرفها، كأنه يريد القتل"

فهمه الراوي من تحريف يده الكريمة وحركتها كالضارب، فهم أنه يريد القتل، أي: وصف بها قطع السيف بحده، في رواية: "وأرانا أبو عاصم كأنه يضرب عنق الإنسان" كأنه يقول هكذا ضرب حد السيف.

قال ابن حجر: (قوله: " كأنه يريد القتل" كأن ذلك فُهم من تحريف اليد وحركتها كالضارب؛ لكن هذه الزيادة لم أرها في معظم الروايات، وكأنها من تفسير الراوي عن حنظلة، فإن أبا عوانة رواه عن عباس الدوري عن أبي عاصم عن حنظلة وقال في آخره: "وأرانا أبو عاصم كأنه يضرب عنق الإنسان") انتهى.

قال الشراح: (وفيه دليل على أن الرجل إذا أشار بيده أو برأسه أو بشيء يفهم منه إرادته أنه جائز عليه) أي أنه كقوله، يُنسب إليه، فيقال إذا أفتى فتيا بهذه الطريقة بالإشارة بالرأس أو باليد يقال أفتى بكذا، أو قال كذا بناء على إشارته فهي مثل قوله في الحكم، فلو أشار الرجل يريد الطلاق يقع أم لا يقع؟ يقع، يقع الطلاق، إشارة كافية وهي بمنزلة القول.

أخرجه الشيخان من طرق عن أبي هريرة، زاد البخاري في "باب ما قيل في الزلازل والآيات" قال: «وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وحتى يكثر فيكم المال فيفيض» وزاد مسلم: «ويلقى الشح» سيأتي في موضعه إن شاء الله هذه الزيادات، «ويلقى الشح» هذه لنا معها وقفة، فكثير مما نعاني منه اليوم مع المسلمين بسبب هذه الخطيئة، وهي الشح.

قال المؤلف رحمه الله: "حَدَّثَنَا ‌مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا ‌وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ‌هِشَامٌ، عَنْ ‌فَاطِمَةَ، عَنْ ‌أَسْمَاءَ قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ. فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ، ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ»"

"حدثنا موسى بن إسماعيل" أبو سلمة التبوذكي المِنقري، ثقة تقدم.

"قال: حدثنا وُهيب" هو ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم، أبو بكر البصري، من أتباع التابعين، ثقة حافظ عالم بالرجال، تغير قليلًا بأخرة، مات سنة 165، وقيل بعدها، روى له الجماعة تقدم حديث رقم 22.

"قال: حدثنا هشام" هشام هو ابن عروة بن الزبير، ثقة تقدم.

"عن فاطمة" هي بنت المنذر بن الزبير بن العوام القرشية الأسدية، وهي زوجة هشام بن عروة وبنت عمه، مدنية تابعية ثقة، لم أجد فيها جرحًا ولا تعديلًا إلا ما قاله العجلي، قال: ثقة، والقرائن كافية في توثيقها، قد أخرج لها البخاري ومسلم ومالك في الموطأ والدارمي، وأصحاب الصحاح، وصحح لها الأئمة والحفاظ، ولم أجد أحدًا وصفها بجهالةٍ فهي ثقة إن شاء الله.

قال هشام بن عروة: كانت أكبر مني باثنتي عشرة، والبعض قال: بثلاث عشرة سنة، روى لها الجماعة، تروي عن جدتها أسماء.

"عن أسماء" بنت أبي بكر الصديق، القرشية التيمية رضي الله عنها وعن أبيها، هي زوج الزبير بن العوام، وهي جدة هشام بن عروة، وفاطمة بنت المنذر جميعًا، من كبار الصحابة أسلمت بمكة وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير، فوضعته بقباء، أخت عائشة وكانت أسن من عائشة ببضع عشرة سنة، وشهدت اليرموك مع زوجها الزبير، وهي وأبوها وجدها وابنها ابن الزبير أربعتهم صحابة، توفيت أسماء بمكة سنة 73 بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير بيسير، لم تلبث بعد إنزاله من الخشب ودفنه إلا ليالي، وكانت قد ذهب بصرها وبلغت المائة، وكانت تسمى ذات النطاقين، وإنما قيل لها ذلك: لأنها صنعت للنبي ﷺ سُفرة حين أراد الهجرة إلى المدينة، فعسر عليها ما تشدها به فشقت خمارها وشدت السفرة بنصفه وانططقت النصف الثاني، روى لها الجماعة.

وانططقت النصف الثاني: يعني لبست نطاقًا.

"قالت" أسماء رضي الله عنها: "أتيتُ عائشة" الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها "وهي تصلي" أي وعائشة تصلي "فقلتُ:" السائلة هي أسماء تسأل عائشة، وعائشة تصلي "فقلت: ما شأن الناس" يعني قائمين مضطربين فزعين ما بالهم؟! "فأشارت" عائشة "إلى السماء" تعني أن الشمس قد انكسفت "فإذا الناس قيام" لصلاة الكسوف.

قال ابن حجر: (كأنها التفتت من حجرة عائشة إلى من في المسجد، فوجدَتهم قيامًا في صلاة الكسوف، ففيه إطلاق الناس على البعض) انتهى.

"فقالت:" عائشة "سبحان الله!" "قلتُ" فسألتْ أسماء عائشة قالت "آية؟" أي علامة لتخويف الناس من عذاب الله؟ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا﴾ "فأشارت" عائشة "برأسها: أي نعم" هنا الشاهد طبعًا، أشارت عائشة برأسها أي نعم، قالت أسماء: "فقمتُ" في الصلاة "حتى تجلاني" أي: علاني كما في رواية الأكثرين، من علوت الرجل، أي: غلبته، "حتى تجلاني الغَشْيُ" يعني علاها الغشي وغطاها، والغشي بمعنى الغشاوة، وهي الغطاء، وأصله مرض معروف يحصل بطول القيام في الحر ونحوه، هو ليس إغماء ولكنه قريب من حالة الإغماء.

قالوا: هو طرف من الإغماء؛ لكن الشخص لا يفقد فيه الوعي، يبقى واعيًا لكن يحصل له دوخة وتعب، فأرادت بالغشي حالة قريبة من الإغماء.

قال ابن بطال: (قال عبد الواحد: الغشي مرض يعرِض من طول التعب والوقوف، يقال فيه: غُشي عليه وهو ضرب من الإغماء) يعني نوع من أنواع الإغماء (إلا أنه أخف منه إذا كان خفيفًا، ولا ينقض الوضوء ولا الصلاة) لأنه لا يذهب العقل أصلًا (وإنما صبت أسماء الماء على رأسها مدافعة للغَشي) حتى يزول عنها الغشي (ولو كان كثيرًا لقطعت الصلاة) لو كان الغشي كثيرًا لقطعت الصلاة (لأنه إذا كثر صار كالإغماء، ونقض الوضوء بإجماع) انتهى، يزيل العقل.

قالت: "فجعلتُ أصب على رأسي الماء" وهي في تلك الحالة ليذهب عنها ما هي فيه.

قال ابن حجر: (ووهم من قال بأن صبها كان بعد الإفاقة)

"فحمد الله عزّ وجل" النبيُ ﷺ "وأثنى عليه"

اختلف العلماء في الفرق بين الحمد والثناء والعلاقة بينهما:

فقيل: هما بمعنى واحد.

وقيل: الثناء أعم من الحمد والشكر والمدح أيضًا، وقيل غير ذلك.

حديث سورة الفاتحة: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين» وفيه: «حمدني عبدي» و «أثنى علي عبدي» يدل على المفارقة بينهما.

لذلك قال ابن القيم رحمه الله: (فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه) هذا هو الحمد، تخبر عن محاسن المحمود، صفاته الحميدة الحسنة مع محبتك له وإجلاله وتعظيمه، وقال: (وقد جاء في السنة ما هو أخص من الحمد وهو الثناء الذي هو تكرار المحامد) وقال: (والثناء حمد متكرر) هذا الفرق بينهما، وقال: (ومن حيث اعتبار الخبر نفسه ينشأ التقسيم إلى الثناء والحمد فإن الخبر عن المحاسن إما متكرر أو لا فإن تكرر فهو الثناء وإن لم يتكرر فهو الحمد)

إذًا صار عندي: هو إخبار عن محاسن المحمود إن كان فيه تكرير فهو ثناء، وإن لم يكن فهو حمد؛ لكن لا بد مع المحبة والتعظيم، قال: (فإن الثناء مأخوذ من الثني وهو العطف وردُّ الشيء بعضه على بعض ومنه ثنيت الثوب، ومنه التثنية في الاسم، فالمثني مكرر لمحاسن من يثني عليه مرة بعد مرة) انتهى من بدائع الفوائد المجلد الثاني صفحة 538 وفيه زيادة فوائد راجعوها هناك.

"ثم قال" النبي ﷺ: "«ما من شيء»" طبعًا هنا حمد النبي ﷺ وأثنى عليه، لاحظوا! عندما تمر بكم كثيرًا خطب النبي ﷺ بماذا كان يبدؤها ؟ ستلاحظون ليس فيها بسملة، وليس فيها الصلاة على ، هذه الخطب هكذا تكون، وهذا جاء في أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، وخطب النبي ﷺ كانت على هذا النحو، الحمد والثناء، حمد لله سبحانه وتعالى والثناء عليه فقط، لا تذكر فيها البسملة ولا الصلاة على النبي ﷺ.

ثم قال النبي ﷺ: "«ما من شيء لم أكن أُريته»" أي: مما تصح رؤيته "«إلا رأيته»" رؤية عين حقيقة

"«في مقامي»" زاد في بعض الروايات: «في مقامي هذا» "«حتى الجنة والنار»" رأى حتى الجنة والنار "«فأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم»" الفتنة هنا: بمعنى الامتحان والاختبار على أصلها، أي: تمتحنون وتختبرون في قبوركم "«مثلَ» أو «قريبًا» لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء" أي قالت واحد من اللفظين، لكن الراوي شك فيها، أي قالت: "مثل" أو قالت: "قريبًا".

قال الشراح: (والشك من فاطمة بنت المنذر) والله أعلم هو منها أو من هشام؛ لأن الشك القادم هو من هشام، على كل حال ربما يكون هذا منها وذاك منه، المهم أنه حصل الشك.

"«مثلَ» أو «قريبًا»" الفرق بينهما: أن المثل مطابق، القريب ليس مثلًا لكنه قريب منه، "«من فتنة المسيح»" بالحاء المهملة، سمي بذلك:

قيل: لمسحه الأرض؛ لأنه يطوف في الأرض كلها.

وقيل: لأنه ممسوح العين.

"«الدجال»" من الدجل والكذب، والتمويه وخلط الحق بالباطل.

"«يقال»" للمفتون أي الممتحن في قبره "«ما علمك»" واعتقادك "«بهذا الرجل؟»" النبي ﷺ، أهو رسول الله أم لا؟ هذه فتنة، اختبار، امتحان يتعرض له العبد في قبره بعد موته، تبدأ مرحلة جديدة في حياته، وهي مرحلة حياة البرزخ في القبر.

الناس اليوم في غفلة فإذا ماتوا انتبهوا، في غفلة عن هذا، عن هذه اللحظة، تصور نفسك وأنت في نومك وفي أحلامك عندما تستيقظ إذا كنت في حلم مفزع مخيف تستيقظ تشعر نفسك انتقلت من مرحلة إلى مرحلة، من حياة إلى حياة أخرى، وتستشعر بأنه حصل فرج عليك بأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل هذا حقيقة، وكان كله حلم فقط، هذه الحالة التي تشعر بها لعلها تقرّب لك حالك في قبرك، ستتفاجأ بأنك في حياة أخرى مختلفة عن تلك التي كنت فيها، ما الذي يحصل؟ حياة جديدة، عالم آخر، لا ينفعك فيه شيء إلا ما قدمت، هناك "ولات حين مندم" لا ينفع الندم، عندما توضع في قبرك وينصرفون عنك، يأتيك الملكان فيجلسانك ويسألانك، هذا الامتحان، يقال لك: من ربك؟ وما دينك؟ وماذا تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟

هنا قال: "«يقال: ما علمك بهذا الرجل؟»" الذي هو النبي ﷺ، ماذا تعرف عنه؟ ماذا تعتقد فيه؟ يقولان له -الملكان- ما يقولان: ما تقول في رسول الله؟ حتى لا يُلقن حجته ويَنطق وكأنهما يقولان له عند ذلك قل بأنه رسول الله، ما تقول في هذا الرجل؟ "«فأما المؤمن»" بالله ورسوله "أو «الموقن»" قال: "لا أدري بأيهما قالت أسماء" "«المؤمن» أو «الموقن»" الإيقان أشد من الإيمان، الشك هنا من هشام كما في رواية عند البخاري، "«فيقول»" المؤمن "«هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات»" بالآيات الدالة على نبوته "«والهدى»" بالقرآن والسنة "«فأجبنا»" دعوته فآمنا به وبما جاء به "«واتبعناه»" عليه "«هو محمد ثلاثًا»" أي: ثلاث مرات، هذا جوابه.

في الحديث الآخر: يقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ما دينك؟ يقول: دين الإسلام، ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ يقول هو رسول الله ، لكن هذا القول ليس مجرد حفظ تحفظها في الدنيا وتقولها في قبرك، لا، هذا القول يكون ناتجًا عن اعتقادك وعملك في دنياك، فإن كنت صادقًا في ذلك نطقت بهذا، وإن كنت كاذبًا نطقت بالأخرى.

قال: "«فيقال»" أي: فيقول له الملكان "«نمْ»" حال كونك "«صالحًا»" منتفعًا بأعمالك، أو لا خوف عليك مما يخافه الكفار من العرْض على النار أو غيره من عذاب القبر...

"«قد علمنا إنْ كنت لموقنًا به»" أي: علمنا أنك كنت موقنًا بمحمد ﷺ وأنه رسول الله، وكنت متبعًا له، فهو صادق "«وأما المنافق»" أي غير المصدّق بقلبه بنبوته ﷺ "أو «المرتاب»" أو الشاك "لا أدري أي ذلك" يعني المنافق أو المرتاب "قالت أسماء"

الفرق بينهما: أن المنافق يبطن الكفر ويظهر الإسلام، أما المرتاب فهو شاك، وهو نوع من أنواع الكفر، وكله سواء كان منافقًا هو نوع من أنواع الكفر، والمقصود هنا الكافر سواء كان من هذا النوع أو من ذاك النوع، أو من الأنواع الأخرى، تكون هذه إجابتهم "قالت أسماء، «فيقول»" يعني المنافق أو المرتاب "«لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته»" أي: قلت ما كان الناس يقولون، يعني هو كان يقول كما يقول الناس؛ لكنه لم يكن مؤمنًا بما كان يقوله الناس، هذا حال من سمع ولم يعتقد ولم يعمل، وربما لم يفهم أيضًا فأعرض، أو علم وكفر، هذا حاله "«سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته»" فهذا يعذّب في قبره كما سيأتي معنا إن شاء الله، وأما الأول فينجو.

هذا الحديث:

§ فيه: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن موجودتان؛ لأن النبي ﷺ رآهما، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة.

§ وفيه: إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين.

§ وأن من شك في صدق الرسول ﷺ وصحة رسالته فهو كافر.

§ وفيه: أن الغشية لا ينقض الوضوء مادام العقل باقيًا.

§ وفيه: أن الحركة القليلة لا تبطل الصلاة.

§ وفيه: جواز الكلام القليل مع المصلي للحاجة.

والبخاري ساقه لأن عائشة أجابت أسماء بالإشارة بالرأس في زمن التشريع خلف النبي ﷺ والله أعلم وسيأتي تامًا ونذكره وبفوائده إن شاء الله.

الحديث متفق عليه.

‌‌"بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الْإِيمَانَ وَالْعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ»

حَدَّثَنَا ‌مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ‌غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ‌شُعْبَةُ، عَنْ ‌أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَنِ الْوَفْدُ أَوْ مَنِ الْقَوْمُ»؟ قَالُوا: رَبِيعَةُ. فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ أَوْ بِالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى» قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ؛ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ، قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ» وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ.

قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: النَّقِيرِ. وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ قَالَ: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ»"

قال رحمه الله: "باب تحريض" التحريض: هو الحث على الشيء "تحريض النبي ﷺ وفدَ عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم" يعني العلم الشرعي الذي تعلموه من النبي "ويخبروا من وراءهم" "وقال مالك بن الحويرث: قال لنا النبي ﷺ: «ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم»"

وصل البخاري هذا التعليق في مواضع من كتابه، وسيأتي في كتاب الصلاة إن شاء الله

طبعًا من الأشياء التي علمهم النبي ﷺ قال لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» فعلّمهم الصلاة، وعلمهم أشياء أخرى، وأمرهم بعد ذلك بأن يعلّموا أهلهم، وهذا الشاهد منه هنا.

رجال الإسناد كلهم تقدموا

"حدثنا محمد بن بشار" هو ابن عثمان العبدي البصري أبو بكر، بُندار ثقة.

"قال: حدثنا غندر" هو محمد بن جعفر الهذلي ثقة، من أثبت الناس في شعبة.

"قال: حدثنا شعبة" هو ابن الحجاج أبو بسطام الإمام.

"عن أبي جمرة" نصر بن عمران الضبعي ثقة.

قال: "كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس فقال: إن وفد عبد القيس أتوا النبي ﷺ فقال: «من الوفد» أو« من القوم» قالوا: ربيعة..."

الحديث متفق عليه تقدم برقم 53 رواه البخاري عن علي بن الجعد عن شعبة، فإسناده هنا أنزل من إسناده هناك، هناك وقع للبخاري أعلى من هنا.

قال ابن بطال:

§ (فيه من الفقه: أن من علِم علمًا يلزمه تبليغه لمن لا يعلمه، وهو اليوم من فروض الكفاية، لظهور الإسلام وانتشاره وأما في أول الإسلام فكان فرضًا معينًا على كل من علم علمًا أن يبلغه حتى يكمل الإسلام، ويظهر على جميع الأديان، ويبلغ مشارق الأرض ومغاربها، كما أنذر به أمته ﷺ، فلزم العلماء في بدء الإسلام من فرض التبليغ فوق ما يلزمهم اليوم.

§ وفيه: أنه يلزم المؤمن تعليم أهله الإيمان والفرائض لعموم قوله ﷺ: «وأخبروا به من وراءكم» ولقوله تعالى: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارًا﴾ ولأن الرجل راعٍ على أهله ومسؤول عنهم) انتهى كلامه رحمه الله.

§ وقال قوام السنة الأصبهاني في شرحه: (وفي الحديث دليل على أن الإيمان قول وعمل وظاهر وباطن؛ لأنه فسر الإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله، وبإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأداء الخُمُس، وذلك قول وعمل) انتهى كلامه رحمه الله.

‌‌"بَابُ الرِّحْلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ

حَدَّثَنَا ‌مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ‌عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ‌عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ‌عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ ‌عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ «أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي. فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ. فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ»"

"باب الرحلة" أي: الارتحال "في المسألة النازلة" أي: التي تنزل بالمرء "وتعليم أهله"

قال الشراح: (وهذا الباب ليس تكرارًا لباب الرحلة في طلب العلم المتقدم؛ بل بينهما فرق؛ لأن هذا لطلب العلم في مسألة خاصة وقعت للشخص ونزلت به، وذلك ليس كذلك)

قال ابن حجر: (وفي رواية كريمة "وتعليم أهله") أي: في تتمة الباب في الأخير قال: "وتعليم أهله" قال ابن حجر: (وفي رواية كريمة "وتعليم أهله" بعد قوله: "في المسألة النازلة" والصواب حذفها لأنها تأتي في باب آخر) انتهى وقال غيره: (وليس في الحديث ما يدل عليه) الحديث الذي ذكره ليس فيه ما يدل على تعليم الأهل.

"حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن" هو الكِسائي المروْزي ثقة تقدم.

"قال: أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك المروزي الإمام المعروف رحمه الله تقدم.

"قال: أخبرنا عمر بن سعيد بن أبي حسين" النوفلي المكي من أتباع التابعين ثقة روى له الجماعة سوى أبي داود روى له في المراسيل.

"قال: حدثني عبد الله بن أبي مليكة" هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة التَيني المدني نُسب لجده تابعي إمام تقدم.

ثبت سماعه من عقبة بن الحارث خلافًا لمن أنكره، يوجد من أنكر أن يكون قد سمع من عقبة وهذا من روايته عن عقبة، جاء في رواية عند البخاري تؤكد سماعه منه في كتاب النكاح، في باب شهادة المرضعة، الحديث رقم (5094) قال ابن أبي مليكة:" حدثني عبيد بن أبي مريم، عن عقبة بن الحارث" هنا يروي عنه بواسطة، قال: "وقد سمعته من عقبة لكني لحديث عبيد أحفظ، قال: تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء..." الحديث.

نص على أنه قد سمعه من عقبة، انتهى الإشكال.

"عن عقبة بن الحارث" هو ابن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي المكي، أبو سِرْوَعَة بكسر السين المهملة وسكون الراء، ويقال أيضًا بفتح السين وضم الراء، أسلم يوم الفتح وسكن مكة، يُكنْى أبا سروعة لما قال مصعب، قال الزبير: وهو قول أهل الحديث، وأما جمهور أهل النسب فيقولون: إن عقبة هذا هو أخ أبي سروعة، وأنهما أسلما جميعًا يوم الفتح) يعني فارقوا بين صاحب الكنية وعقبة.

قال ابن عبد البر -بعد أن ذكر الأقوال وبعض الأسانيد-: (وأصح من هذا كله ما رواه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: الذي قتل خُبيبًا: أبو سروعة عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل) انتهى.

وهذا اضح وصريح بأن أبا سروعة هو نفسه عقبة، ويعني بخُبيب هنا هو خبيب بن عَدي الأنصاري رضي الله عنه الذي صلى ركعتين قبل قتله وستأتي قصة قتله في صحيح البخاري.

بقي عُقبة إلى بعد الخمسين، روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.

"أنه تزوج ابنةً لأبي إيهاب بن عزيز" هي أم يحيى، كنيتها لا إشكال فيها؛ لأنها وردت في رواية عند البخاري ستأتي إن شاء الله.

وأما اسمها فقال ابن بشكوال في "غوامض الأسماء المبهمة": (المرأة المتزوجة هي أم يحيى بنت أبي إيهاب واسمها غَنيّة بنت أبي إيهاب بن عزيز بن قيس بن سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم، حكى ذلك الدارقطني عن الزبير بن بكّار) انتهى.

والذي حكاه الدار قطني موجود في كتابه "المؤتلف والمختلف" المجلد الثالث صفحة 1656 فهذا هو اسمها وهذه كنيتها.

"فأتته امرأة" لما تزوج هذه البنت أتته امرأة، وفي رواية عند البخاري: "أمة سوداء" قال ابن حجر: (لم أقف على اسمها) "فقالت" المرأة لعقبة "إني قد أرضعت عقبة" بن الحارث "والتي تزوج" فصارت هي أمه في الرضاع، والبنت أيضًا هي أمها في الرضاع، فهي أخته في الرضاع، والتي تزوج هي أم يحيى فصار عقبة وأم يحيى أخوان في الرضاع، فلا يحل له الزواج بها.

"فقال لها عقبة" أي قال للمرأة السوداء -هذه التي أرضعته- "ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني" أي: قبل هذا الوقت ما قلت لي هذا الكلام، ولا علم لي به، فلماذا الآن؟ كأنه إيش؟ يتهمها، ويدل على أنه اتهمها قول عقبة لرسول الله ﷺ في رواية عند البخاري: "وهي كاذبة" وإنها كاذبة.

"فركب" لما أخبرته بهذا الكلام ركب عقبة من مكة لأنها كانت دار إقامته "إلى رسول الله ﷺ بالمدينة" من أجل أيش؟ أن يسأل عن هذه المسألة، هكذا كان حرصهم على دينهم، يحرصون عليه ولا يفعلون حتى يسألوا، ليس كما يفعل كثير من الناس اليوم يذهب يفعل وبعد ما يخلّص فعل يأتي ما حكم المسألة الفلانية؟ ما أنت فعلت! كان الواجب أن تسأل قبل أن تفعل، ليس بعد أن تفعل، المشكلة مع الناس اليوم في الأسئلة كبيرة جدًا، كثير من الناس يسأل من أجل أن يأخذ ما يريد، يريد الفتوى التي يريد على مقاسه، وإذا ما أخذ الفتوى كما يريد يبقى معك مدة وهو يجادل حتى يصل إلى ما يريد، فإن لم يصل -إلا من رحم ربي- يأخذ بالفتوى؛ وإلا يذهب يبحث عن مفتي آخر، أو يركب رأسه ويفعل ما يريد -إلا من رحم الله- وهذا أمر منتشر وكثير، ما نتكلم عن أفراد، فهذه مصيبة، هذه مصيبة، على كلٍ، لكل شيء وقته ستأتي إن شاء الله مسائل نتحدث عن هذه الأمور.

المهم عقبة وصل إلى النبي "فسأله" عن مسألته التي نزلت به، "فقال رسول الله ﷺ: «كيف»" تتزوجها "«وقد قيل»" إنك أخوها من الرضاع، أي هذا بعيد، "ففارقها عقبة، ونكحت" أم يحيى بعد فراق عقبة "زوجًا غيره".

قال الشراح: (هو ظُريب بن الحارث) لما ذكروا ظُريب هذا كيف ضبطوه؟ لما ذكروا ظُريبًا هذا قالوا في ضبطه: (بضم المعجمة المشالة) يعني بالظاء، لا بالطاء ولا بالضاد، فقولهم "بالمعجمة" أخرجوا إيش؟ الطاء أخرجوا الطاء؛ لأن الطاء غير معجمة، ما فيها نقطة، الظاء فيها نقطة.

وبقولهم "المشالة" أخرجوا الضاد، المشالة يعني المرتفعة بالألف، يعني فيها ألف، والضاد يقال لها إيش؟ "الساقطة" أي بلا ألف، هكذا يضبطون بالكلمات للاحتراز من التصحيف، الكتابة بالحروف يحصل فيها تصحيف كثير، فالضاد بالكلمات هذا أتقن، ويضبطون بمثل هذه الضوابط، ويفرقون بين الضاد والصاد بإيش؟ بقولهم المعجمة والمهملة.

قال قوام السنة الأصبهاني: (ومعنى الحديث: الأخذ بالوثيقة والاحتياط في باب الفروج) الشيء الذي أنت واثق فيه يعني، والشيء الذي فيه احتياط في باب الفروج، يعني تحتاط وتبتعد عن ما فيه شبهة، إذا قيل: فلانة هي أختك في الرضاع، ربما ولعل، خلاص اترك، النساء غيرها كثير، ما توقع نفسك في مشكلة، قال: (وليس قول المرأة الواحدة شهادة يجوز بها الحكم في أصل من الأصول) يعني لو جئت أنت في كل أحكام الشريعة في أصولها ما فيها حكم بشهادة امرأة واحدة.

قال: (وشهادة المرأة على فعل نفسها لا يصح الحكم بها) يعني هي تشهد على شيء هي فعلته، لا تشهد على شيء رأته، هذا أمر آخر يمنع من الأخذ بهذا في الحكم، (وقوله: «كيف وقد قيل؟» فيه الاحتراز من الشبهة) يعني قوله: «كيف وقد قيل؟» ما في شيء جازم بالتحريم والمنع؛ لكن فيه أيش؟ حث على الاحتراز من الشبهة، والحذر منها.

(قال الشاعر) -يقول قوام السنة رحمه الله-

(قد قيل ذلك إنْ حقًا وإنْ كذبًا ***** فما اعتذارك من شيء إذا قيل)

قال: (وقوله: "ففارقها عقبة" أي: طلّقها، وإنما فارقها لتحل لغيره، ويدل على هذا قوله: "ونكحت زوجًا غيره") انتهى.

هذا كلام من؟ هذا كلام الذين لم يأخذوا بشهادة المرضعة في إثبات الرضاع، الشافعية منهم، وقوام السنة من الشافعية؛ لكنه صاحب سنة.

قال بعض الشراح: ("ففارقها عقبة" بن الحارث رضي الله عنه صورة، أو طلقها احتياطًا وورعًا لا حكمًا بثبوت الرضاع وفساد النكاح) فهم لا يذهبون أصلًا إلى أن النكاح فاسد بهذا؛ لأن الموضوع فيه شبهة بس، لا يوجد تحريم جازم في الموضوع -هكذا يقولون- قالوا: (إذ ليس قول المرأة) إيش السبب، ليش ما يأخذون بهذا؟ قال: (إذ ليس قول المرأة الواحدة شهادة يجوز بها الحكم في أصل من الأصول، نعم، عَمِل بظاهر هذا الحديث أحمد رحمه الله تعالى، فقال: الرضاع يثبت بشهادة المرضعة وحدها بيمينها) يعني تشهد مع اليمين وخلاص يمشي الأمر.

وقال ابن الملقن: (من أخذ بشهادة المرضعة وحدها أخذ بظاهر الحديث، ومن منع حمله على الورع

دون التحريم، كما بوّب عليه البخاري في البيوع: "باب تفسير الشبهات") انتهى.

ستأتي المسألة إن شاء الله في موضعها بتوسع بإذن الله.

هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، والشاهد منه واضح وهي رحلة عقبة، والله أعلم.

قائمة الخيارات
0 [0 %]
الثلاثاء 3 جمادة الاولى 1445
عدد المشاهدات 177
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق