الاحد 4 شعبان 1438 هـ
30 ابريل 2017 م
جديد الموقع   الصوتيات: الجامع الصحيح-11   الصوتيات: لب الأصول-64   الصوتيات: الجامع الصحيح-10   الصوتيات: الجامع الصحيح-9   الصوتيات: الجامع الصحيح-8   الصوتيات: لب الأصول-63   شبهات حول الإسلام: شبهة انتشار الإسلام بالسيف   الصوتيات: الجامع الصحيح-7   الصوتيات: الجامع الصحيح-6   الصوتيات: الجامع الصحيح-5      

الدرس الثامن

تفريغ الدرس الثامن من دروس لب الأصول

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، مازلنا في الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية، انتهينا من الأحكام التكليفية واليوم معنا آخر مبحث في الأحكام الوضعية وهو مبحث الرخصة والعزيمة.

قال المؤلف رحمه الله: "والحكم إن تغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصة"، هذا تقسيم الحكم الشرعي إلى رخصة وعزيمة، وما احتاج المؤلف إلى أن يقول الحكم الشرعي لأنّ كلامه في الحكم الشرعي، الحكم الشرعي ينقسم إلى رخصة وعزيمة، فبدأ المؤلف رحمه الله بالقسم الأول وهو الرخصة، فقال في تعريفها من الناحية الاصطلاحية: "إن تغير إلى سهولة (أي الحكم) لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصة"، هذا تعريف الاصطلاح، أمّا تعريف اللغوي: فالرخصة بمعنى السهولة، اليُسر والسهولة، أمّا الاصطلاحي فكما ذكره المؤلف، وهو أفضل تعريف للرخصة، "إن تغير إلى سهولة"، إن تغير الحكم الشرعي من صعوبة إلى سهولة، إذن فالأمر الأول عندنا لا بدّ من تغير، إذن لابد أن يكون عندنا حكم أصلي وحكم آخر (حكم ثانٍ)، حكمان، حكم أول وحكم ثانٍ، يتغير الحكم الأول إلى الحكم الثاني، هذا الأمر الأول، إن تغير الحكم الشرعي من صعوبة إلى سهولة، إذن لا بدّ يكون التغير من صعوبة إلى سهولة، إن كان العكس لا يُسمى رخصة، كأكل الميتة مثلاً، نمثل بالتمثيل حتى يتضح التعريف ونمشي على المثال واحد بداية، أكل الميتة الآن، الحكم الأصلي لها ما هو؟ التحريم، حرّمها الله تبارك وتعالى، هذا الحكم الأصلي (الحكم الأول)، الحكم الثاني: الاباحة، فهذا الحكم الشرعي الذي هو التحريم إن تغير إلى سهولة الآن، أيهما أسهل التحريم أم الاباحة؟ الإباحة أسهل، أي نعم، أو الجواز خلينا نقول، أدق عبارة وأحسن الجواز، إذن انتقل من التحريم إلى الجواز، فهو مُتغير من صعوبة إلى سهولة، مثلّنا بأكل الميتة، كانت محرمة ثم صارت جائزة لعذرٍ، إذن لابد التغير يكون لعذر حصل، لوجود عذر كالاضطرار في أكل الميتة، إذن العذر في أكل الميتة ما هو؟ عذر الجواز؟ هو الاضطرار، فوجود الاضطرار هو الذي جوزّ، "مع قيام السبب للحكم الأصلي"، يعني مع بقاء السبب الذي أتى بالحكم الأصلي، الحكم الأصلي عندنا في مثالنا ما هو؟ تحريم أكل الميتة، سبب تحريم أكل الميتة ما هو؟ خبثها، خبث الميتة، هذا السبب في التحريم، طيب، لمّا أحلت للمضطر، هل تغير السبب وإلّا مازال باقٍ؟ باقٍ، إذن السبب قائم، السبب الذي أتى بالحكم الأصلي لا يزال قائماً وبما أنّه لا يزال قائماً وتغير إلى سهولة لوجود عذر فهو رخصة، الآن التغير الذي حصل في أكل الميتة بعد أن كان محرماً صار جائزاً مع قيام السبب الأصلي وهو خبث الميتة، مازالت الميتة خبيثة لم يتغير شيء في خبثها، فإذن سبب التحريم لا يزال قائماً لكن ما الذي أباحها؟ العذر، وجود العذر وهو الاضطرار، بهذه الطريقة تكون رخصة، إن توفرت فيها هذه الضوابط المذكورة في التعريف، إن تغير إلى سهولة لعذرٍ، يعني إن تغير الحكم الشرعي إلى سهولة لعذرٍ مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصة، إذن الرخصة هي: الحكم الشرعي المتغير من صعوبة إلى سهولة لعذرٍ مع قيام السبب للحكم الأصلي، طيب الآن هذا من ناحية التعريف وشرح وبيان معنى التعريف، نأتي الآن لما أخرج المؤلف رحمه الله بهذا التعريف:

بقوله "إن تغير": أخرج الحكم الباقي على أصله ولم يتغير، كالأحكام، كالصلوات الخمس، الصلوات الخمس ما تغيرت هي حكمها الأصلي باقٍ على ما هي عليه، تمام، فهذه لا تسمى رخصة لأنّ الحكم لم يتغير أصلاً، إذن لا بد أن يكون عندنا تغير في الحكم، حكم أصلي وحكم ثانٍ.

وبقوله "إلى سهولة": أخرج الأحكام التي تغيرت إلى صعوبة، فهذه لا تُسمى رخصة كتحريم الاصطياد في الإحرام، عندما يُحرِم المُحرِم يكون الصيد جائزاً عليه قبل الإحرام، لكن بعد الإحرام يَحرُم عليه، تغير الحكم من سهولة إلى صعوبة وليس العكس، فإذا تغير الحكم من سهولة إلى صعوبة فلا يُسمى رخصة، فأخرج الأحكام التي تغيرت من سهولة إلى صعوبة، هذه لا تسمى رخصة، وكذلك الحدود والتعازير، تغير الحكم فيها من سهولة إلى صعوبة، السهولة: الحكم الأصلي الذي هو إكرام الآدمي تغير إلى صعوبة وهو قيام الحدّ والتعزير عليه، فهذا حكم تغير من سهولة إلى صعوبة، فهذا لا يسمى رخصة.

وبقوله "لعذرٍ": أخرج ما تغير من صعوبة إلى سهولة لا لعذرٍ، كترك تجديد الوضوء لكل صلاة، فإن التجديد لكل صلاة كان لازماً ثم غُيّر إلى سهولة وهي أن يُصلي بوضوء واحد أكثر من صلاة، حتى يصلي كل الصلوات بوضوء واحد مالم يُحدث، إلّا أنّ هذا التغيير لا يُسمى رخصة اصطلاحاً لأنّه لم يكن لعذر جديد، ما فيه عذر غَيّر الوضع، الوضع كما هو إلّا أنّ الشارع غَيّر الحكم من صعوبة إلى سهولة، فالحكم تغير؟ نعم تغير من صعوبة إلى سهولة؟ نعم من صعوبة إلى سهولة، لكن لا لعذر، إذن لا يسمى رخصة.

وبقوله "مع قيام السبب للحكم الأصلي": أخرج ما نُسخ من صعوبة إلى سهولة، أخرجه من الرخصة، لا يُسمى رخصة، فالنسخ شيء والرخصة شيء آخر، المنسوخ عندما يحدث النسخ السبب يكون قد زال، في النسخ السبب يكون قد زال، لكن في الرخصة السبب يبقى قائماً، هذا الفرق بينهما، مثال ذلك: كتغير حكم المصابرة، مصابرة المسلم الواحد لعشرة من الكفار، هذا الحكم الأول، كان المسلم الواحد يجب عليه أن يقف أمام عشرة من الكفار في الجهاد، تغير هذا الحكم إلى اثنين، إلى الضعف، صار واجباً على المسلم أن يقف أمام اثنين فقط، فتغير الحكم أو لم يتغير؟ نعم تغير، من صعوبة إلى سهولة؟ نعم من صعوبة إلى سهولة؟ لعذر ؟ نعم لعذر، طيب، إذن كلّ الشروط تحققت ما عدا الأخير وهو السبب، السبب تغير، ما هو السبب؟ كان في أول الإسلام قلّة في المسلمين وكثرة في الكافرين، وفي وقت النسخ زال هذا السبب وكثر عدد المسلمين فلمّا كثر عدد المسلمين تغيّر الحكم، إذن حصل تغير في السبب وإلّا ما حصل؟ حصل، فلما حصل التغير في السبب جاء النسخ، إذن هذا هو الفرق بين النسخ وما بين الرخصة، في هذا الوضع الذي هو تغير الحكم من صعوبة إلى سهولة لعذر، يبقى الفارق بين هذه الصورة من النسخ والرخصة هو تغير السبب، إن تغير السبب فنسخ وإذا لم يتغير السبب فرخصة، هذا ما يتعلق بتعريف الرخصة عند العلماء.

قال المؤلف رحمه الله بعد ذلك: "واجبةً ومندوبةً ومباحةً وخلاف الأولى كأكلِ الميتة وقصرٍ بشرطهِ وسلمٍ وفطرِ مسافرٍ لا يضره الصوم"، هذه التمثيلات متناسبة مع ما ذكره من التقسيمات الأولى، كلّ تقسيم له مثال، الأول بالأول، والثاني بالثاني، والثالث بالثالث، وهكذا، يعني بكلامه هذا أنّ الرخصة تكون واجبة مثل أكل الميتة عند مضنة الهلاك، عندما يغلب على ظنّك أنّك إذا لم تأكل الميتة هلكت (مت) فهنا صار أكل الميتة واجباً لماذا؟ لأن الله -سبحانه وتعالى- حرّم على المسلم أن يُهلك نفسه وأن يقتل نفسه، ﮧ ﮨ، إذن هنا صار واجباً عليه أن يأكل من الميتة، فصارت هنا الرخصة واجبة، والبعض استشكل الأمر كيف تكون واجبة وتكون رخصة، الرخصة فيها يسر وسهولة، والوجوب يناقض ذلك، فقال بعض أهل العلم: هي من وجه رخصة وسهلة، ومن وجه آخر هي عزيمة، من وجه رخصة ومن وجه عزيمة، من حيث الوجوب هي عزيمة، ومن حيث التسهيل والتخفيف من باب أنّه لم يلزمه بما فيه مشقة هي رخصة، القسم الثاني تكون الرخصة مندوبة: إذن عندنا أقسام تكون واجبة، هذا القسم الأول، القسم الثاني تكون الرخصة مندوبة، ومثلّ له المؤلف بماذا؟ أولّ مثال أتى به كأكل الميتة، وهذا المثال لقوله واجبة، المثال الثاني: وقصرٍ بشرطه، هذا المثال لقوله ومندوبة، إذن مثلّ بقصر الصلاة للمسافر بالشروط المعروفة، تحقق الشروط وانتفاء الموانع بالنسبة للسفر، فإذا تحققت شروط القصر للمسافر فعندئذ يكون قصر الصلاة رخصة مندوبة مستحبة، والقسم الثالث تكون الرخصة مباحة، ومثلّ لهذا القسم ببيع السلم، وقد تقدم معنا بيع السلم في شرح الفقه وهو بيع موصوف بالذّمة وذكرنا شرحه تاماً في الفقه، فبيع السلم هذا قالوا هو رخصة لأنّهم عدوه من بيع الغرر، عدوه مستثنى من بيع الغرر فلذلك قالوا فيه هو رخصة وحكمه الإباحة، فقالوا هذا مثال على الرخصة المباحة، والقسم الرابع خلاف الأولى، ومثلّ له بفطرِ المسافر الذي لا يضره الصوم في السفر، إذا تضرر المسافر من الصوم في السفر يَحرُم عليه أن يصوم، يَحرُم عليه أن يصوم إذا حصل ضرر عليه بالصوم في السفر، لكن إذا لم يتضرر يقول المؤلف: الفطر خلاف الأولى، والأولى عنده أن يصوم، ولعله ومن يقول بذلك دليلهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم في السفر، وبعضهم مثلّ بالنطق بكلمة الكفر عند الإكراه، وقالوا هو خلاف الأولى، والأولى أن يصبر وأن يحتسب، ويظهر من كلام المؤلف رحمه الله أنّ الرخصة لا تكون مكروهة ولا تكون محرمة، وهو ظاهر قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنّ الله يُحب أن تُأتى رخصه كما يُحب أن تُأتى عزائمه"، وهذا الحديث فيه خلاف رجحّ بعض أهل العلم وقفه على ابن مسعود.

قال المؤلف رحمه الله: "وإلّا فعزيمة"، أي الحكم إمّا أن يكون رخصة وهي ما عرّفناها، وإن لم يكن كذلك فهو عزيمة، فالحكم ينقسم من هذا الوجه إلى قسمين: رخصة وعزيمة، فإذا لم يكن رخصة ولم تتحقق فيه صفات الرخصة فهو عزيمة، وبهذا نكون قد انتهينا من الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية، والخلاف حاصل في عدّ الرخصة والعزيمة من الأحكام الوضعية، فبعضهم قال: هي من الأحكام الوضعية، والبعض قال: هي من الأحكام التكليفية، والبعض أخرجها من الحكم أصلاً وقال: هي من الأفعال، والخلاف ليس من وراءه كبير طائل.

قال المؤلف رحمه الله: "والدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري"، بدأ الآن المؤلف بذكر بعض الاصطلاحات المنطقية التي استعملها الأصوليون، فنحن نمر عليها مروراً سريعاً ولا نطيل بالتفصيلات فيها، فقط نريد من هذا أن نعرف معنى الاصطلاح المستعمل عندهم حتى عندما يمر بنا نكون على علم بذلك.

قال هنا: "والدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري"، يُعرّف الآن الدليل.

الدليل في اللغة: هو المرشد إلى المطلوب، ويُطلق أيضاً في اللغة على ما يحصل به الإرشاد، المرشد هو الناصب للعلامة، فالذي يضع مثلاً لوحةً على الطريق ليرشدك إلى الطريق هذا يسمى دليلاً في اللغة، الذي وضع اللوحة يسمى دليلاً، فالدليل على وزن فعيل، وهذا الوزن يأتي بمعنى الفاعل كأسماء الله تبارك وتعالى مثلاً السميع، العليم، على وزن فعيل، وهي بمعنى سامع، وبمعنى عالم، ويُطلق أيضاً على ما يحصل به الإرشاد، وهو العلامة نفسها، نفس اللوحة هذه في المثال الذي ذكرناه، نفس اللوحة التي تكون على الطريق أيضاً تسمى دليلاً، فالواضع لها يُسمى دليلاً، وهي أيضاً تُسمى دليلاً، هذا من الناحية اللغوية.

وأما في الاصطلاح فقال المؤلف: "ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري"، عندما تأتي إلى آية من كتاب الله وتدقق النظر فيها والتأمل والتفكر بوجه صحيح، بتفكر صحيح توصلك إلى حكم شرعي، كأن تتأمل مثلاً في قول الله تبارك وتعالى: ، فتقول في ذهنك متفكراً في هذه الآية، أقيموا: أمر، والأمر للوجوب، فإقامة الصلاة واجبة، وصلتَ إلى حكمٍ وإلّا ما وصلت؟ وصلت، إذن هذه الآية تمكّنا عن طريقها وبعد النظر الصحيح فيها من الوصول إلى مطلوب خبري، أي إلى حكم، هذا معنى المطلوب الخبري، المطلوب: يعني أنت تطلبه وتبحث عنه، خبري: أي من الخبر، فهو حكم، فإذن الآية ماذا تسمى؟ دليلاً، لأنّك تمكنت بها من الوصول إلى حكم شرعي، هذا معنى الدليل، بوجود هذا الكون من سماوات وأراضٍ وجبالٍ وبحارٍ وإتقان هذا الكون وإحكامه بهذه الطريقة التي موجود عليها الآن، إذا تأملت وتفكرت فيه يوصلك إلى حكمٍ أم لا؟ يوصلك إلى حكم، بل إلى أحكام، يوصلك إلى وجود الله خالق هذا الكون صح؟ أي نعم، ويوصلك أيضاً إلى معرفة صفات الله، أيضاً تعرف بأن الله قادر وإلّا ليس بقادر؟ قادر، وتعرف بأنه حكيم وتعرف بأنه عالم، تعرف هذا وإلّا ما تعرفه؟ تعرفه، بالتفكر في هذا الكون، لأنه مستحيل أن يخلق هذا الكون بهذا الإتقان من لا يعلم، أو من لا حكمة عنده، أو لا قدرة له، مستحيل هذا فإذن هذا الكون يُسمى دليلاً وإلّا ما يُسمى؟ يُسمى، فهذا الكون يُعتبر دليلاً لماذا؟ لأنّك تمكنت من الوصول إلى الحكم بصحيح النظر فيه، أي بالنظر الصحيح فيه، بالتأمل الذي جاء في مكانه، في محله، وصلت إلى هذا الحكم، هذا هو الدليل.

قال المؤلف: "والعلم عندنا عقبه مُكتسب للناظر في الأصح"، أي العلم الحاصل بعد النظر والتفكر في الدليل، العلم يحصل عقب ذلك، العلم يحصل عقب النظر في الدليل، قال: "والعلم عندنا عقبه مُكتسب للناظر"، أي أنّ النّاظر المتأمل في الدليل يحصل عنده العلم بعد ماذا؟ بعد النّظر والتفكر، وهذا العلم مُكتسب، اكتسبه الشخص بنظره وتفكره، هذا معنى كلامه، قال: "والعلم عندنا عقبه مُكتسب للناظر في الأصح"، وهو قد بيّن لنا في المقدمة أنّه إذا قال: "عندنا" فماذا يعني؟ يعني عند الأشاعرة خلافاً للمعتزلة، و"في الأصح": أي أنّ في المسألة خلاف، والبعض قال: هذا العلم ليس مكتسباً بل هو ضروري، لماذا؟ قالوا: لأنّ الشخص لا يُمكن له أن يدفعه، يحصل له ضرورةً، لا يمكن أن يردّه بعد النّظر، والذين قالوا هو مكتسب قالوا: لا، هو قد فعل، نظر واستدل حتى حصل عنده هذا العلم، وقال المحلي في شرحه لجمع الجوامع: "لا خلاف إلّا في التسمية"، يعني يقول لك لا توجع رأسك في المسألة.

قال المؤلف: "والحدّ ما يُميّز الشيء عن غيره، ويقال الجامع المانع، والمضطرد المنعكس"، يُريد أن يُعرف التعريف الذي هو الحدّ، الحدّ: المقصود به التعريف.

الحدّ في اللغة: هو المنع، ومن ذلك جاءت اسم الحدود الشرعية، لأنها مانعة لأصحاب المخالفات من مخالفاتهم. اصطلاحاً: اختلف العلماء في تعريفه، ما هو الحد؟ فذكر المؤلف رحمه الله ثلاثة تعريفات:

· الأول: قال: "والحدّ ما يُميّز الشيء عن غيره".

· التعريف الثاني: "الجامع المانع".

· التعريف الثالث: "المضطرد المنعكس".

"ما يُميّز الشيء عن غيره": عندما تأتي تُعرّف الإنسان، فتقول: هو الحيوان الناطق، بهذا التعريف ميّزت ما بين الإنسان وغيره، فصلت الإنسان عن غيره، هذا يُسمى حدّاً.

التعريف الثاني: "الجامع المانع"، ماذا يعنون بالجامع؟ الجامع: يعنون به الذي يجمع أفراد المُعرَف، ولا يُدخل البعض، ويُخرج البعض الآخر، المانع يمنع من دخول غيره عليه، مثال ذلك: لو قال لك شخص ما تعريف الإنسان؟ تقول له: هو الحيوان الناطق، جامع مانع؟ نعم، هو جامع مانع، هل يمكن أن يخرج إنسان من هذا التعريف ولا ينطبق عليه؟ لا يمكن، فهو جامع لجميع أفراده، كل الناس يدخلون في هذا التعريف، فكلّ إنسان حيوان ناطق وإلّا لا؟ ممكن واحد يقول الأخرس، خلاص نحن نتحدث عن القدرة لا على الفعل، هو في أصل خلقه قادر على النطق، الخَرَس هذا أمر طارئ، فمن حيث القدرة موجودة، لكن من حيث الفعل غير موجود، هو غير ناطق بالفعل، ولكنه ناطق بالقدرة، فنحن نتحدث عن القدرة، عنده القدرة، أصل خلقه مخلوق ناطق أو غير ناطق؟ ناطق، فإذن يدخل في التعريف فلا يَرِد علينا ما ذكرت، طيب، لو قال لك شخص في تعريفه: الإنسان هو الحيوان الكاتب بالفعل، هل هنا هذا التعريف جامع؟ غير جامع، فيه ناس لا يكتبون وإلا ما فيه؟ فعلاً فيه، الأميون لا يُكتبون، فإذن هذا لا يجمع كل أفراد المعَرّف، طيب: لو قال لك شخص: الإنسان حيوان ماشٍ، طيب، هل هذا التعريف مانع؟ ليس بمانع، لماذا؟ لأنه يدخل مع الإنسان غيره، ألا يوجد شيء يمشي إلّا الإنسان؟ لا، أشياء كثيرة تمشي، الحيوانات تمشي، فإذن لا يصح هذا التعريف لأنّه ليس مانعاً، يدخل مع الإنسان الحيوان، فلم يفصِل، لم بحصل به التمييز، إذن لابد أن يكون جامعاً مانعاً، جامع لأفراد المُعَرّف، مانع من دخول غيره عليه، كما مرَّ معنا في تعريفات كثيرة، ومن هاهنا ينشأ نزاع العلماء في مسألة التعريفات، لو جاءنا شخص مثلاً في تعريف الرخصة التي أخذناها قبل قليل وعرّفها ولكن حذف: لعذرٍ، تعريفه يكون مانعاً وإلا غير مانع؟ لايكون مانعاً، لأن غير الرخصة يدخل في التعريف، من هنا يحصل نزاع العلماء في التعريفات والبعض يضيف كلمة يقول لأن هذا التعريف لا يُدخِل جميع الأفراد فيضيف كلمة أو يحذف كلمة من أجل أن يُدخل جميع الإفراد، أو يقول هذا التعريف ليس مانعاً فيدخل مع المُعَرّف كذا وكذا، ويورد عليه بعض الصور، من أجل أن يصلوا إلى تعريف جامع مانع، لكن بعض العلماء بالغوا في هذا الموضوع حتى صاروا يأخذون صفحات يسوّدونها في ضبط بعض التعاريف، فالمسألة لا تحتاج إلى إفراط ولا تفريط، حتى قال الشاطبي رحمه الله: "التعمق في الحدود بدعة"، ما ينبغي أن نتعمق في هذا بشكل كبير، يعني الأمر لا إفراط ولا تفريط.

التعريف الأخير: "المضطرد المنعكس"، يعني بالمضطرد: كلّما وُجد الحدّ وُجد المحدود (يعني المُعَرّف)، فيكون مانعاً، كلّما وُجد الحدّ وُجد المحدود، والعكس: كلّما وُجد المحدود وُجد الحدَ، كلما وُجد الحدّ وُجد المحدود: يعني إذا قلت في الإنسان: الحيوان الناطق، إذا وُجد هذا الحدّ وُجد المحدود الذي هو الإنسان، والعكس كذلك كلّما وُجد المحدود (الذي هو الإنسان) وُجد الحدّ (الذي هو الحيوان الناطق)، فيكون بذلك جامعاً مانعاً، وأنت تختار ما شئت من تعريف الحدّ كلّه يوصلك إلى المراد.

قال المؤلف: "والكلام في الأزل يُسمى خطاباً"، هذه مبنية على ما تقدم، أذكر أننا تحدثنا عن هذا الموضوع، عند الأشاعرة كلام الله: كلام نفسي، أي أنّه ليس بحرف ولا بصوت، كلام موجود في النفس، فلا هو بحرف ولا بصوت، وليس آحاده بحادث، هو كلام قديم في الأزل، فيجعلون صفة الكلام عند الله صفة قديمة يتصف بها وليست لها أفراد تحدث، لذلك قال: "والكلام في الأزل" يعني في القدم، كلام الله القديم "يسمى خطاباً"، وتقدم معنا تعريف الحكم الشرعي، ودخل الخطاب في تعريف الحكم الشرعي، فجاء خلاف بين الأشاعرة: هل كلام الله يُسمى خطاباً أم لا يُسمى خطاباً؟ الخطاب في اللغة: عندما ذكرناه هناك ما هو؟ توجيه الكلام إلى الغير للإفهام، تمام، عندما تقول: زيدٌ خاطب عمراً، إذن عندنا زيد وعندنا عمرو، ويوجه زيدٌ الكلام لمن؟ لعمرو، إذن هناك عمرو موجود يوجَه له الكلام، واضح، طيب، الآن أشكل الأمر عند الأشاعرة عندما قالوا الكلام قديم في الأزل، قبل أن يوجد مخلوق، وليست له آحاد لا يحدث منه شيء، هذا الكلام قديم في الأزل، طيب كيف يُسمى خطاباً ولا مخاطَب؟ ما فيه أحد يُخاطب، كيف يُسمى الكلام خطاباً؟ هنا أشكل عليهم الأمر: فبعضهم قال: الكلام لا يُسمى خطاباً، والبعض قال: لا، يُسمى خطاباً ولكن بتأويلات، ما هي هذه التأويلات التي أجازوا فيها أن يُسمى فيها الكلام خطاباً؟ قالوا على تقدير وجود المعدوم (يعني المخلوق المعدوم) وُجّه الكلام إليه على تقدير أنّه موجود، هذا تأويل حتى يُصححوا تسمية الكلام خطاباً، هذه مشكلتهم، نحن لا مشكلة عندنا، لماذا؟ لأن الكلام عندنا: كلام الله حقيقة بحرف وصوت قديم النوع حادث الآحاد، هذه عقيدتنا في الكلام التي دلّت عليها أدلة الكتاب والسنة، كلام الله: كلام حقيقي ليس كلاماً نفسياً كما يدعون، يتكلم الله تبارك وتعالى بحرف وصوت وذكر الأدلة في كتب الاعتقاد، ذكرناها هناك، وهو قديم النوع: أصل الكلام قديم، الله منذ القدم وهو متصف بصفة الكلام، ولكنّه حادث الآحاد: أي بعض الكلمات وبعض الجمل يحدث في فترة من الزمن دون فترة ثانية، كقول الله تبارك وتعالى: ، هذا الكلام حصل متى؟ بعد إتيان هذه المجادِلة ومجادلة النبي -صلى الله عليه وسلم-، إذن كلامٌ حدث وإلّا ما حدث؟ حدث بعد أن لم يكن، وليس عندنا أنّ كلّ حادث مخلوق، هذا عندهم هم على أصولهم، لذلك يستشكلون هذا الكلام، ليس كل حادثٍ مخلوق، هذا كلام حدث ولكنه ليس مخلوق، كلام الله -سبحانه وتعالى-، فإذن آحاد الكلام حادث عندنا، فعلى ذلك فيجوز أن يُسمى خطاباً لا إشكال لأنّه قد خاطب موجودين في ذهنه، فهذا يمشي على أصولهم لا على أصولنا وما عندنا إشكال في هذه المسألة.

قال المؤلف: "ويتنوع في الأصح"، أي الكلام النفسي، كلّه من كلام الأشاعرة، الكتاب مؤلفه أشعري وأصله أيضاً لأشعري، فقال: "ويتنوع في الأصح"، أي في المسألة خلاف بين الأشاعرة أنفسهم، هل كلام الله يتنوع أم لا يتنوع؟ ما قصدهم بالتنوع؟ هل يتنوع إلى أمر ونهي وخبر ونداء وما شابه أم لا يتنوع إلى ذلك؟ بناءً على أصلهم أنّ الكلام نفسي، وليس بحرف ولا صوت يأتي الإشكال هاهنا، وافترقوا فرقتين كما تقدم، وعلى نفس الطريق الذين قالوا لا يتنوع مشوا على أصلهم لأن الكلام نفسي، وإذا كان نفسياً لا يتنوع وهو شيء واحد، والذين قالوا يتنوع تأوّلوا، قالوا: أيضاً على تقدير وجود المعدوم يتنوع له الكلام.

قال رحمه الله: "والنظر فكرٌ يُؤدي إلى علم أو اعتقاد أو ظنّ"، عندما عرّف الدليل في السابق ماذا قال؟ ما يُمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، فجاء ذكر النظر، طيب، فما هو النظر؟ أراد أن يُعرّف لك النظر فقال: "فكر يؤدي إلى علم أو اعتقاد أو ظنّ"، فكر: يعني ترتيب الأمور في الذهن، تأمل ذهني فكري، تفكير: فكر يؤدي إلى علم، هذا الفكر وترتيب الأمور في الذهن يوصلك إلى علم، ويعني العلم هنا: اليقين، يوصلك إلى أمر يقيني، أو اعتقاد، ما الفرق بين العلم والاعتقاد؟ سيأتي في كلام المؤلف نفسه لكن بشكل سريع: الاعتقاد والعلم كلاهما يقيني لكنّ الاعتقاد يجوز عليه التغير في اعتقاد الشخص، لكن اليقيني لا يجوز فيه التغير، وسيأتي إن شاء الله تفصيله بشكل أكبر من هذا، يقبل التغير أو لا يقبل التغير؟ اليقيني لا يقبل التغير أمّا الاعتقاد يقبل التغير، وإن كان يقينياً في نفس المُعتقِد لكنّه يقَبل التغير لأنه لا أحياء، تارة يكون موافقاً مطابقاً للواقع وتارة لا يكون مطابقاً للواقع، كالاعتقادات الفاسدة الموجودة الآن، أصحابها يعتقدون وهم جازمون بها لكن تقبل التغير وإلا ما تقبل؟ تقبل، إمّا لأنّها مخالفة للواقع أصلاً، أو لحصول التشكيك، لو شكّكته في عقيدته يشك فيها، إذن فهو قابل للتغير، لكنّ العلم اليقيني الذي هو ليس الاعتقاد هذا لا يقبل التغير.

قال: "فالفكر يؤدي إلى علم (إلى يقين) أو اعتقاد أو ظن"، يعني غلبة ظن، يعني يقيم عندك علماً يوصلك إلى علم، يوصلك إلى معرفة، لكنّ هذا العلم إمّا أن يكون يقينياً أو اعتقادياً أو ظنياً، وسيأتي تفصيل الفرق بين العلم والظن وغيرها.

نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.

قائمة الخيارات
13 [30.8 %]
الاربعاء 8 محرم 1434
عدد المشاهدات 3085
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق