الاربعاء 13 صفر 1442 هـ
30 سبتمبر 2020 م
جديد الموقع   تفسير القرآن: الآيات 81-92 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 75-80 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 62-74 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 58-61 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 42-57 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 35-41 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 28-34 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 23-27 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 18-22 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 14-17 من سورة عمران      

الآيات 42-57 من سورة آل عمران

تفسير سورة آل عمران 42-57

{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)}

} اذكر يا محمد{إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك} اختارك لطاعته وما خصك به من كرامته {وطهرك} من الفاحشة والإثم {واصطفاك على نساء العالمين} اختارك على نساء العالمين في زمانك، بطاعتك إياه، ففضلك عليهم. كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد». متفق عليه. قال البعض أي خير نساء الجنة، وقال آخرون خير نساء الأرض.

{يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)}

{يا مريم اقنتي لربك} أي قالت لها الملائكة: أطيعي ربك، والقنوت: الطاعة، صلاة كانت أم غيرها من العبادات، وقيل: القنوت طول القيام {واسجدي واركعي} قيل: إنما قدم السجود على الركوع لأنه كان كذلك في شريعتهم، وقيل: بل كان الركوع قبل السجود في الشرائع كلها، وليس الواو للترتيب بل للجمع، أي أمر بالركوع والسجود، لا لتقديم أحدهما على الآخر {واركعي مع الراكعين} أي وكوني من الراكعين لله، وافعلي كفعلهم.

{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)}

{ذلك من أنباء الغيب} يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ذلك الذي ذكرت من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى، على نبينا وعليهم الصلاة السلام، من أنباء الغيب، أي: من أخبار الغيب، ويعني بالغيب، أنها من أخبار القوم الخفية التي لم تطلع أنت يا محمد عليها ولا قومك، ولم يعلمها إلا قليل من أحبار أهل الكتاب ورهبانهم {نوحيه إليك} ننزله إليك {وما كنت} يا محمد {لديهم} أي عندهم، أي ما كنت عندهم فتعلم أخبارهم التي لم تشهدها، ولكن الله الذي علمك ذلك {إذ يلقون أقلامهم} سهامهم في الماء للاقتراع، أي قالوا: بأن بني إسرائيل اختلفوا من يكفل مريم لرغبتهم في الأجر، فاقترعوا عليها، فكانت لزكريا بأمر الله تبارك وتعالى، فاقترعوا بإلقاء سهامهم، وقيل أقلامهم التي يكتبون بها {أيهم يكفل مريم} يحضنها ويربيها {وما كنت لديهم} وما كنت عندهم { إذ يختصمون} في كفالتها أيهم يأخذها في كفالته، فلم تكن عندهم وقتها، فمن أين لك الإخبار به وأنت لم تكن معهم؟ إنما تخبر به بالوحي الذي ينزل عليك من الله تبارك وتعالى فهذا يدل على صدق نبوتك، فكيف يشك المكذبون بك من أهل الكتاب مع هذا الذي تخبرهم به من الغيب؟!

قال الطبري رحمه الله: وما كنت يا محمد عند قوم مريم، إذ يختصمون فيها أيهم أحق بها وأولى، وذلك من الله عز وجل وإن كان خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم، فتوبيخ منه عز وجل للمكذبين به من أهل الكتابَين، يقول: كيف يشك أهل الكفر بك منهم، وأنت تنبئهم هذه الأنباء ولم تشهدها ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمور، ولست ممن قرأ الكتب فعلم نبأهم، ولا جالس أهلها فسمع خبرهم؟! انتهى

{إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)}

وما كنت عندهم أيضاً {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك} التبشير: إخبار المرء بما يسره من خبر {بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم} اختلفوا في سبب تسميته المسيح على أقوال كثيرة، أصحها إن شاء الله: لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ.

وأما الدجال فسمي مسيحاً؛ لأنه ممسوح إحدى العينين.

{وجيها}أي شريفاً رفيعاً ذا جاه وقدر {في الدنيا والآخرة ومن المقربين} عند الله.

{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)}

معناه: أن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وجيها عند الله {ويكلم الناس في المهد} أي وهو صغير طفل قبل أوان الكلام {وكهلاً} أي ويكلمهم وهو كبير، الكهل من الرجال: قيل: من زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين، وقيل: هو من ثلاث وثلاثين إلى تمام الخمسين، وقيل هو من أربع وثلاثين إلى إحدى وخمسين.

وكلامه في المهد وهو طفل آية وهي التي يسميها بعض أهل العلم معجزة، وفي الكهولة وهو كبير حين يوحي الله إليه بالوحي فيدعو إلى عبادة الله تبارك وتعالى وتوحيده {ومن الصالحين} أي: هو من العباد الصالحين.

{قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)}

{قالت} مريم {رب} أي يا رب {أنى يكون لي ولد} أي من أين يكون لي ولد {ولم يمسسني بشر} المساس هنا بمعنى الجماع، أي من أين يوجد هذا الولد مني وأنا لست متزوجة، ولست زانية حاشا لله؟ قالت هذا تعجباً إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ولد لا أب له، فـ {قال} الله تبارك وتعالى لها، وأخبرتها به الملائكة: {كذلكِ اللهُ يخلق ما يشاء} هكذا يخلق الله منك ولداً لك من غير أن يمسك بشر، فيجعله آية للناس وعبرة؛ فإنه يخلق ما يشاء، ويصنع ما يريد، فيعطي الولد من شاء من النساء من غير فحل ومن فحل، ويمنع ذلك من يشاء من النساء وإن كانت متزوجة؛ لأنه لا يتعذر عليه خلق شيء أراد خلقه، إنما هو أن يأمر بالذي يريد، فيقول له: «كن» فيكون ما شاء مما يشاء، وكيف شاء {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} أي فلا يتأخر بل يوجد بعد الأمر مباشرة من غير تأخير، ويوجد كما أراد تبارك وتعالى.

{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48)}

{ويعلمه الكتاب} أي: الكتابة والخط {والحكمة} العلم والفقه {والتوراة والإنجيل} التوراة هو الكتاب الذي أنزل على موسى بن عمران، والإنجيل الذي أنزل على عيسى ابن مريم عليهما السلام. وقد كان عيسى عليه السلام يحفظ هذا وهذا.

{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)}

{ورسولا}أي: ونجعله رسولاً {إلى بني إسرائيل} فلما بُعث قال: {أني} أي بأني {قد جئتكم بآية} علامة على صدقي {من ربكم} تصدق قولي، وإنما قال بآية وقد أتى بآيات؛ لأن الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في الرسالة، وهذه الآية هي: {أني أخلق} أي: أصور وأقدر {لكم من الطين كهيئة الطير} الطير جمع طائر، وكهيئة الطير أي مثل صورته، والهيئة الصورة المهيأة من قولهم: هيأت الشيء إذا قدرته وأصلحته، يعني يصنع صورة طائر من الطين {فأنفخ فيه} أي: في الطير الذي صنعت صورته من الطين {فيكون طيرا بإذن الله} فيطير بإذن الله عز وجل الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنه أرسله، فيراه الناس يطير بأعينهم، قوله تعالى: {وأبرئ} أي أشفي { الأكمه والأبرص} الأكمه: الأعمى، وقيل: هو الذي ولد أعمى، والأبرص هو الذي به وضح، أي بياض في جلده، وإنما خص هذين لأنهما لا علاج لهما عند الأطباء، وكان الغالب في زمن عيسى عليه السلام الطب، فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك، قوله تعالى: {وأحيي الموتى بإذن الله} قال الطبري رحمه الله: وكان إحياء عيسى الموتى بدعاء الله، يدعو لهم، فيستجيب له. انتهى

قال ابن كثير رحمه الله: قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى عليه السلام، فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد. وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم، بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاريد الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله عز وجل، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، لم يستطيعوا أبدا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب عز وجل لا يشبه كلام الخلق أبدا. انتهى

قوله تعالى: {وأنبئكم} أي وأخبركم {بما تأكلون} أي وأخبركم بما تأكلونه مما لم أشاهده معكم في وقت أكلكموه {وما تدخرون في بيوتكم} وأخبركم بما ترفعونه فتخبئونه في بيوتكم ولم تأكلوه، يعني يخبرهم بأشياء غائبة عنه، وهذا يكون بإخبار الله له به، فهو دليل على نبوته عليه السلام، قوله تعالى: {إن في ذلك} الذي ذكرت لكم من الآيات{لآية} لعلامة {لكم} على صدقي فيما جئتكم به {إن كنتم مؤمنين} إن كنتم مصدقين حجج الله وآياته، مقرين بتوحيده ونبيه موسى، والتوراة التي جاءكم بها.

قال الطبري رحمه الله: يعني بذلك جل ثناؤه: إن في خلقي من الطين الطير بإذن الله، وفي إبرائي الأكمه والأبرص، وإحيائي الموتى، وإنبائي إياكم بما تأكلون، وما تدخرون في بيوتكم، ابتداء من غير حساب وتنجيم، ولا كهانة وعرافة؛ لعبرة لكم، ومتفكرا تتفكرون في ذلك، فتعتبرون به أني محق في قولي لكم: إني رسول من ربكم إليكم، وتعلمون به أني فيما أدعوكم إليه من أمر الله ونهيه صادق، إن كنتم مؤمنين، يعني: إن كنتم مصدقين حجج الله وآياته، مقرين بتوحيده ونبيه موسى، والتوراة التي جاءكم بها. انتهى

{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50)}

{ومصدقا} أي وجئتكم مصدقاً {لما بين يدي} لما قبلي {من التوراة} فعيسى صلوات الله عليه وسلم كان مؤمنا بالتوراة التي أنزلت على موسى قبله، كان مقرا بها، وأنها من عند الله، وكذلك الأنبياء كلهم يصدقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض شرائع أحكامهم {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} في التوراة من اللحوم والشحوم وغيرها، قال ابن كثير: فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين. انتهى قوله تعالى: {وجئتكم بآية من ربكم} أي وجئتكم بالآيات التي ذكرت سابقاً من الإحياء والإبراء وغيرها، تعلمون بها صدق ما أقول {من ربكم} أي من عند ربكم، فهي حجة وعبرة من ربكم تعلمون بها حقيقة ما أقول لكم، وقال تبارك وتعالى آية بالإفراد؛ لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على صدقه وصحة رسالته {فاتقوا الله} أي خافوه {وأطيعون} فيما دعوتكم إليه من تصديقي فيما أرسلني به إليكم.

{إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)}

{إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} أي أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)} أي: طريق واضح معتدل لا اعوجاج فيه، موصل إلى الله، وما عدا هذا، فإنه من طرق الغي والضلال.

{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)}

{فلما أحس عيسى منهم الكفر} أي وجد منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال {قال} عيسى {من أنصاري إلى الله} أي: من أعواني مع الله؟ {قال الحواريون} الحواريون هم الأنصار، اختلف أهل العلم في الحواريين، فقال بعض أهل العلم: سموا حواريين لبياض ثيابهم، وقيل: كانوا قصارين، سموا بذلك لأنهم كانوا يحورون الثياب، أي: يبيضونها، وأصل الحور عند العرب: شدة البياض، وقال الحسن: الحواريون الأنصار، والحواري الناصر. وهذا الذي قال الحسن هو الصواب.

قال أبو عبيد: " والأصل فِي هَذَا فيما بلغنا أنهم كانوا غسالين، وإنما سموا حواريين لتبييضهم الثياب، وكل شَيْء بيضته فقد حورته، فكانوا هم أنصار عِيسَى دون النَّاس، فقيل: قَالَ الحواريون، وفعل الحواريون، فكثر هَذَا فِي الْكَلام حَتَّى صار كأنه اسم معناه النصرة، وهذا مِمَّا يدخل فِي كَلام النَّاس بعضه فِي بعض، كَمَا سمي الغائط، وإنما أصله الصحراء المطمئنة من الأرض، فَكَانَ الرَّجُل يأتيها لقضاء حاجته، فيقول: أتيت الغائط، فكثر ذَلِكَ فِي الْكَلام حَتَّى صار غائط الإنسان يسمى بذلك الاسم ".

وقَالَ أبو عبيدة: وكذلك {الْحَوَارِيُّونَ} لما كانوا يوصفون بالنصرة لعِيسَى صار هَذَا كالنعت لَهُمْ، وكذلك كُلّ قائم بنصرة فَهُوَ حواري. انتهى

{قال الحواريون نحن أنصار الله} أعوان دين الله ورسوله {آمنا بالله واشهد} يا عيسى {بأنا مسلمون} قال الطبري رحمه الله: وهذا خبر من الله عز وجل أن الإسلام دينه الذي ابتعث به عيسى والأنبياء قبله، لا النصرانية ولا اليهودية، وتبرئة من الله لعيسى ممن انتحل النصرانية ودان بها، كما برأ إبراهيم من سائر الأديان غير الإسلام.

{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)}

يخبر الله تبارك وتعالى عن الحوارين أنهم قالوا: {ربنا آمنا بما أنزلت} على نبيك عيسى من كتابك {واتبعنا الرسول} عيسى بن مريم يعني صرنا أتباع عيسى على دينك الذي ابتعثته به، وأعوانه على الحق الذي أرسلته به إلى عبادك {فاكتبنا مع الشاهدين} يعني فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقروا لك بالتوحيد، وصدقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك.

{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)}

{ومكروا} يعني: كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر، ومكرهم كان بالتدبير لقتل عيسى عليه السلام، قال الله تعالى: {ومكر الله} وذلك بإلقائه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى عليه السلام، فصار الذي يريد قتل عيسى يشبهه، فلما دخل عليه هذا الذي يريد قتله، وإذا عيسى قد رفع، فدخل الناس فقالوا: أنت عيسى! قال: لست عيسى! فقالوا: أنت هو! لأن الله تعالى ألقى عليه شبهه، فقتل هذا الرجل الذي كان يريد أن يقتل عيسى بن مريم؛ فكان مكره عائداً عليه.

{والله خير الماكرين} قال ابن عثيمين رحمه الله: والمكر؛ قال العلماء في تفسيره: إنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم؛ يعني: أن تفعل أسباباً خفية فتوقع بخصمك وهو لا يحس ولا يدري، ولكنها بالنسبة لك معلومة مدبرة.

والمكر يكون في موضعٍ مدحاً، ويكون في موضعٍ ذماً: فإن كان في مقابلة من يمكر؛ فهو مدح؛ لأنه يقتضي أنك أنت أقوى منه. وإن كان في غير ذلك؛ فهو ذم ويسمى خيانة.

ولهذا لم يصف الله نفسه به إلا على سبيل المقابلة والتقييد؛ كما قال الله تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل: 50] ، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ} [الأنفال: 30] ولا يوصف الله سبحانه وتعالى به على الإطلاق؛ فلا يقال: إن الله ماكر! لا على سبيل الخبر، ولا على سبيل التسمية، ولا يقال: إنه كائد! لا على سبيل الخبر، ولا على سبيل التسمية؛ ذلك لأن هذا المعنى يكون مدحاً في حال، ويكون ذماً في حال؛ فلا يمكن أن نصف الله به على سبيل الإطلاق.

فأما قوله تعالى: {وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54]؛ فهذا كمال؛ ولهذا لم يقل: أمكر الماكرين، بل قال: {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}؛ فلا يكون مكره إلا خيراً، ولهذا يصح أن نصفه بذلك؛ فنقول: هو خير الماكرين. أو نصفه بصفة المكر في سبيل المقابلة؛ أي: مقابلة من يمكر به، فنقول: إن الله تعالى ماكر بالماكرين؛ لقوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ}. انتهى

{إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)}

{إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} أي ومكر الله بهم حين قال الله لعيسى: {إني متوفيك ورافعك إلي} فتوفاه ورفعه إليه. أي قابضك من الأرض حيا إلى جواري، وآخذك إلى ما عندي بغير موت، ورافعك من بين المشركين وأهل الكفر بك.

واختلفوا في معنى (متوفيك) بعد إجماع أهل السنة على أن عيسى عليه السلام حي سيُنزله الله في آخر الزمان فيقتل الدجال، وأصح ما قيل في معنى التوفي هنا: القبض، نقل بعض أهل العلم عن ابن جرير أنه عزاه لأكثر المفسرين، فمعنى إني متوفيك أي قابضك، ورافعك إلي حياً، وليس معنى القبض هنا الموت، بل معناه إني رافعك إلي وافياً -أي كاملاً- بجسدك وروحك ولم ينالوا منك شيئاً، من قولهم: توفيت من كذا وكذا وأستوفيه إذا أخذته تاماً.

وقال البعض معنى التوفي هنا النوم، وهو معنى قريب، وعزاه ابن كثير لأكثر المفسرين ولعله يعني من المتأخرين، فيكون المعنى على هذا: إني منيمُك، قالوا: ألْقَى عليه النوم لئلا يزعجه الارتفاع إلى العالم العلوي، وإطلاق الوفاة على النوم معروف في اللغة.

قال الطبري رحمه الله بعد أن ذكر الخلاف: وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض ورافعك إلي؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال» ثم يمكث في الأرض مدة ذكرها اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت، فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه. انتهى

ومعنى {رافعك إلي} قال الحسن البصري وهو إمام من أئمة التابعين الذين أخذوا العلم عن الصحابة رضي الله عنهم: " عِيسَى مرفوع عِنْد الرب تبارك وتعالى، ثُمَّ ينزل قبل يَوْم الْقِيَامَةِ". انتهى ففي هذا دليل على علو الله على خلقه وأنه في السماء أي على السماء.

قوله تعالى: {ومطهرك من الذين كفروا} أي: منظفك، فمخلصك ممن كفر بك وجحد ما جئتهم به من الحق من اليهود وسائر الملل غيرها، ومخرجك من بينهم {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} هم أهل الإسلام الذين صدقوه واتبعوا دينه في التوحيد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهم فوق الذين كفروا ظاهرين قاهرين بالعزة والغلبة والحجة، قال قتادة: هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم -أي عاداهم- إلى يوم القيامة. انتهى {ثم إليّ} ثم إلى الله أيها المختلفون في عيسى {مرجعكم} يعني مصيركم يوم القيامة {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} فأقضي بينكم في أمر عيسى بالحق فيما كنتم فيه تختلفون من أمره.

{فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56)}

{فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا} فأما الذين جحدوا نبوتك يا عيسى، وخالفوا ملتك وكذبوا بما جئتهم به من الحق، وقالوا فيك الباطل، وأضافوك إلى غير الذي ينبغي أن يضيفوك إليه من اليهود والنصارى، وسائر أصناف الأديان؛ فإني أعذبهم عذابا شديدا {في الدنيا} بالقتل والسبي والجزية والذلة والمسكنة {والآخرة} بنار جهنم خالدين فيها أبدا {وما لهم من ناصرين} وما لهم من عذاب الله مانع، ولا عن أليم عقابه لهم دافع؛ بقوة ولا شفاعة؛ لأنه العزيز ذو الانتقام

{وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)}

{وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم} أي: يوفيهم أجور أعمالهم من غير نقص {والله لا يحب الظالمين} أي: والله لا يحب الكافرين.

قائمة الخيارات
0 [0 %]
الجمعة 10 محرم 1442
عدد المشاهدات 21
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق