الثلاثاء 17 ربيع ثان 1442 هـ
01 ديسمبر 2020 م
جديد الموقع   تفسير القرآن: الآيات 81-92 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 75-80 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 62-74 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 58-61 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 42-57 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 35-41 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 28-34 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 23-27 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 18-22 من سورة آل عمران   تفسير القرآن: الآيات 14-17 من سورة عمران      

الآيات 260-266 من سورة البقرة

تفسير سورة البقرة الآيات 260-266

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)}

{وإذ قال إبراهيم رب} أي ألم تر إذ قال إبراهيم.. و{أرني كيف تحيي الموتى} أي اجعلني أنظر، وأرى بعينيّ؛ والسؤال هنا عن الكيفية لا عن الإمكان؛ لأن إبراهيم لم يشك في القدرة؛ ولا عن معنى الإحياء؛ لأن معنى الإحياء عنده معلوم؛ لكن أراد أن يعلم الكيفية: كيف يحيي الله الموتى بعد أن أماتهم، وصاروا تراباً وعظاماً {قال أو لم تؤمن} هذا الاستفهام للتقرير، أي لقد آمنت، وليس للإنكار، ولا للنفي؛ فهو كقوله تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح: 1] ؛ يعني: قد شرحنا لك صدرك؛ فمعنى {أو لم تؤمن} : ألست قد آمنت؛ لتقرير إيمان إبراهيم (صلى الله عليه وسلم) {قال بلى} حرف يجاب به النفي المقرون بالاستفهام لإثباته؛ فإذا قلت: ألست حاضراً معنا في الدرس؟ فالجواب: «بلى» - إن كنت حاضراً؛ و «نعم» - إن لم تكن حاضراً.

{ولكن ليطمئن قلبي} أي ليزداد طمأنينة ويزدادَ إيماناً، فيرتقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فليس الخبر كالمعاينة؛ وإلا فقد كان مؤمناً موقناً غير شاك، ولكنه أراد الزيادة {فخذ أربعة من الطير} لم يعينها الله عز وجل؛ ولهذا تعتبر محاولة تعيينهن لا فائدة منها؛ لأنه لا يهمنا أكانت هذه الطيور إوَزًّا، أم حماماً، أم غرباناً، أم أيَّ نوع من أنواع الطيور؛ لأن الله لم يبينها لنا؛ ولو كان في تبيينها فائدة لبيَّنها الله عز وجل.

{فصرهن إليك} أي أملهن، واضممهن إليك {ثم اجعل على كل جبل} أي من الجبال التي حولك {منهن جزءاً} أي من مجموعهن؛ والله أعلم بالحكمة من تعيين العدد، والجبال {ثم ادعهن} ففعل عليه الصلاة والسلام فجمع الأربعة، وذبحهن، وقطعهن أجزاءً، وجعل على كل جبل جزءاً؛ ثم دعاهن فأقبلن {يأتينك سعياً} أي يأتينك طيراناً لا نقص فيهن؛ لأن سعي كل شيء بحسبه؛ وسعي الطيور هو الطيران.

{واعلم أن الله عزيز حكيم} قال ابن عثيمين: الخطاب لإبراهيم صلى الله عليه وسلم؛ فإذا علمت ذلك علمت كمالَ قدرته عز وجل لكمال عزته، وكمالَ حكمته؛ لأنه حكيم؛ والله سبحانه وتعالى يقرن كثيراً بين هذين الاسمين: «العزيز» و «الحكيم»؛ لأن العزيز من المخلوقين قد تفوته الحكمة لعزته: يرى نفسه عزيزاً غالباً، فيتهور في تصرفاته، ويتصرف بدون حكمة؛ والحكيم من المخلوقين قد لا يكون عزيزاً؛ فإذا اقترنت حكمته بعزة صار له سلطان وقوة، ولم تفته الأمور؛ فجمع الله لنفسه بين العزة، والحكمة؛ وسبق الكلام عليهما مفصلاً. انتهى

{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)}

{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة} أي شَبّه الذين ينفقون أموالهم كزارع حبة، فيضاعف الله أجر إنفاقه نفقة واحدة؛ كما يكثر السنابل لزارع الحبة، من حبة واحدة، أي كما تخرج الحبة الواحدة سنابل كثيرة، كذلك يفعل الله تبارك وتعالى في الصدقة الواحدة يضاعفها إلى سبعمائة ضعف.

فهذا مثل ضربه الله تعالى ليبين لنا أنه يضاعف الأجر لمن أنفق في سبيله وابتغى مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} قال البعض: في الجهاد في سبيل الله، وقال سعيد بن جبير: "يعني في طاعة الله". انتهى. أي في وجوه الخير.

{كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} حبة بذرها إنسان، فأنبتت سبع سنابل {في كل سنبلة مائة حبة} فيكون الجميع سبعمائة، فالحسنة إذاً في الإنفاق في سبيل الله تكون بسبعمائة؛ وهذا ليس حدّاً.

{والله يضاعف لمن يشاء} أي يزيد ثواباً لمن يشاء حسب ما تقتضيه حكمته.

{والله واسع} أي ذو سعة في عطائه، فيضاعف لمن يشاء من خلقه و{عليم} أي ذو علم بنية المنفق، وبمن يستحق العطاء.

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)}

{الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} أي في طاعة الله {ثم لا يتبعون مَا أَنْفَقُوا مَنًّا} أي لا يحصل منهم بعد الصدقة مَنٌّ بأن يظهر المنفِق مظهر المترفع على المنفَق عليه {ولا أذى} أي أذى المنفَق عليه بأن يقول المنفِق: «لقد أنفقت على فلان كذا، وكذا» أمام الناس؛ فإن هذا يؤذي المنفق عليه.

{لهم أجرهم} أي ثوابهم {عند ربهم} أي عند الله تبارك وتعالى {ولا خوف عليهم} أي مما يستقبل {ولا هم يحزنون} أي على ما مضى؛ لكمال نعيمهم؛ لأن المنعَّم لو أصابه الحزن، أو الخوف لتنغص نعيمه.

{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)}

{قول معروف} أي قول طيب جميل حسن، ودعاء لمسلم.

{ومغفرة} أي عفو ومسامحة عن ظلم قولي أو فعلي.

{خير} عند الله {من صدقة يتبعها أذى} أي القول الحسن الطيب والدعاء للمسلم خير عند الله من أن تتصدق صدقة لله عز وجل على المحتاج، ثم تتبعها أذى، أي تؤذيه لأنك تصدقت عليه، فإن هذا الإحسان صار في الحقيقة إساءة، فلا يتصدق ولا يؤذي ويتكلم بالكلمة الطيبة خير من أن يتصدق ويؤذي.

{والله غني} أي عن غيره؛ فهو سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى أحد؛ وكل من في السماوات والأرض فإنه محتاج إلى الله تعالى؛ هو غني بذاته عن جميع مخلوقاته؛ فله الغنى المطلق من جميع الوجوه {حليم} «الحلم» تأخير العقوبة عن مستحقها، فهو حليم لا يعجل العقوبة على من يستحقها، ومنهم من يمن ويؤذي بصدقته.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)}

{يا أيها الذين آمنوا} قال ابن مسعود: «إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فأرعها سمعك: فإنه خير تأمر به؛ أو شر تنهى عنه» {لا تبطلوا صدقاتكم} أي لا تبطلوا أجور صدقاتكم {بالمن والأذى} «المن» إظهار أنك مانّ عليه، وأنك فوقه بإعطائك إياه، و «الأذى» أن تذكر ما تصدقت به عند الناس فيتأذى به، فالمن والأذى سبب في إبطال أجر الصدقة {كالذي ينفق ماله رئاء الناس} أي مثلكم كالذي ينفق ماله رئاء الناس، و {رئاء الناس} أي رياء كي يراه الناس ويمدحونه، فـ«الرياء» فِعل العبادة ليراه الناس، فيمدحوه عليها.

{ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} هذا الوصف ينطبق على المنافق؛ فالمنافق لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر؛ ولا ينفق إلا مراءاةً للناس؛ ومع ذلك لا ينفق إلا وهو كاره؛ لأنه لا يرجو من هذا الإنفاق ثواباً؛ إذ إنه لا إيمان عنده، و {اليوم الآخر} هو يوم القيامة، وسمي «اليوم الآخر»؛ لأنه لا يوم بعده، كل يذهب إلى مستقره: أهل الجنة إلى مستقرهم؛ وأهل نار إلى مستقرهم؛ فهو يوم آخر لا يوم بعده؛ ولذلك فهو مؤبد: إما في جنة؛ وإما في نار.

{كمثل صفوان} أي كشِبْه صفوان؛ وهو الحجر الأملس، أي مثل هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر؛ كمثل الحجر الأملس، الذي {عليه تراب فأصابه وابل} أي مطر شديد كثير؛ فإذا أصاب المطر تراباً على صفوان فسوف يزول التراب؛ ولهذا يقول تعالى: {فتركه صلداً} أي ترك الوابلُ هذا الصفوانَ أملس ليس عليه تراب، فالصلد من الحجارة: الصلب الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره.

وجه الشبه بين المرائي والصفوان الذي عليه تراب، أن من رأى المنافق في ظاهر حاله ظن أن عمله نافع له؛ وكذلك من رأى الصفوان الذي عليه تراب ظنه أرضاً خصبة طينية تنبت العشب؛ فإذا أصابها الوابل الذي ينبت العشب سحق التراب الذي عليه، فزال الأمل في نبات العشب عليه من الوابل؛ ولهذا قال تعالى: {لا يقدرون على شيء مما كسبوا} سمى الله عز وجل ما أنفقوا كسباً باعتبار ظنهم أنهم سينتفعون به، فلم ينتفعوا بشيء من أجره.

{والله لا يهدي القوم الكافرين} أي لا يهدي سبحانه الكافرين هداية توفيق؛ أما هداية الدلالة فإنه سبحانه لم يَدَع أمة إلا بعث فيها نبياً؛ لكن الكافر لا يوفقه الله لقبول الحق، و {الكافرين} أي الذين حقت عليهم كلمة الله، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97) } [يونس: 96، 97].

{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)}

{ومثل الذين ينفقون أموالهم} أي يشبِّه الله تبارك وتعالى إنفاق الذين يبذلون أموالهم طلباً لرضاه، من غير شك في الثواب؛ ببستان و{ينفقون} أي يبذلون، و{ابتغاءَ مرضات الله} أي طلب رضوان الله {وتثبيتاً من أنفسهم} أي وهم متحققون متثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء {كمثل جنة بربوة} «الجنة» البستان الكثير الأشجار {بربوة} أي بالمكان المرتفع {أصابها وابل} أي نزل على الجنة التي هي البستان؛ وابل؛ و «الوابل» المطر الشديد.

يعني بستان في مكان مرتفع معرض للهواء والشمس، عندما يصيبه المطر الشديد؛ سيثمر ثمراً كثيراً طيباً؛ ولهذا قال تعالى: {فآتت أكلها} «الأُكل» بمعنى الثمر الذي يؤكل، يعني أثمرت ثمراً كثيراً {ضعفين} أي مضاعفاً، وزائداً بالنسبة لغيرها من الجنان.

{فإن لم يصبها وابل فطل} أي إما أن يصيبها مطر شديد أو {طل} وهو المطر الخفيف، ويكفيها عن المطر الكثير؛ لأنها في أرض خصبة مرتفعة بينة للشمس، والهواء.

وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبداً، بل يتقبله الله ويكثره وينميه كل عامل بحسبه، ولهذا قال {والله بما تعملون بصير} أي لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء.

{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)}

{أيود أحدكم} الاستفهام هنا بمعنى النفي، أي لا يحب أحد منكم ذلك؛ و «يود» أي يحب؛ و «الود» خالص المحبة.

{أن تكون له جنة} أي بستان {من نخيل وأعناب} وهذه من أفضل المأكولات؛ فالتمر حلوى، وقوت، وفاكهة؛ والعنب كذلك: حلوى، وقوت، وفاكهة {تجري من تحتها} أي: من تحت أشجارها ومساكنها {الأنهار} جري الأنهار فيها من تمام حسنها، وسبب لزيادة ثمرها؛ فهذا بستان كامل من كل النواحي: نخيل، وأعناب، ومياه، وثمرات؛ وهو أيضاً جنة كثيرة الأشجار، والأغصان، والزروع، وغير ذلك {وأصابه الْكِبَرُ } أي أصاب صاحب الجنة الكِبَر، أي كبر سنه، فعجز عن تصريفها، والقيام عليها {وله ذريةٌ ضعفاءُ} يعني صغاراً، فالأب كبير، والذرية ضعفاء لصغرهم {فأصابها} أي أصاب هذه الجنة {إعصارٌ} أي: ريح شديدة مرتفعة إلى السماء، تستدير في الأرض كأنها عمود، لها صوت شديد {فيه نار} أي حرارة شديدة، فمر الإعصار على هذه الجنة {فاحترقت} حتى تساقطت أوراقها، وثمراتها، ويبست أغصانها، وعروقها، فماذا يكون حال هذا الرجل؟! يكون في غاية ما يكون من البؤس؛ لأنه فقد هذه الجنة في حال الكبر، والذرية الضعفاء؛ فهو في نفسه لا يكتسب، وذريته لا يكتسبون له ولا لأنفسهم؛ فتكون عليه الدنيا أضيق ما يكون، ويتحسر على هذه الجنة أشد ما يكون من التحسر.

قال ابن كثير رحمه الله: قال البخاري عند تفسير هذه الآية: -وذكر الإسناد - قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ}؟ قَالُوا: اللهُ أَعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ فَقَالَ: «قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لاَ نَعْلَمُ»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ عُمَرُ: «يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلاَ تَحْقِرْ نَفْسَكَ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ: «أَيُّ عَمَلٍ؟» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ: «لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ، فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ» قال ابن كثير: وهو من أفراد البخاري رحمه الله، وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولاً ثم بعد ذلك انعكس سيره، فبدل الحسنات بالسيئات عياذاً بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل منه شيء وخانه أحوج ما كان إليه. انتهى

وقال بعض أهل العلم: "هذا مثل آخر لنفقة الرياء، أنه ينفق ماله يرائي الناس به، فيذهب ماله منه وهو يرائي، فلا يأجره الله فيه، فإذا كان يوم القيامة واحتاج إلى نفقته، وجدها قد أحرقها الرياء، فذهبت؛ كما أنفق هذا الرجل على جنته، حتى إذا بلغت وكثر عياله واحتاج إلى جنته جاءت ريح فيها سموم فأحرقت جنته، فلم يجد منها شيئا، فكذلك المنفق رياء".

على كل هي مثل للذي لا ينفعه عمله يوم حاجته له؛ إما لكفره بعد إيمانه، أو تغييره العمل الصالح إلى السيء الذي يفسده، أو لأن عمله كان في ظاهره حسناً إلا أنه كان يرائي فيه فلا ينفعه عند الله وقت حاجته له. والله أعلم

{كذلك يبين الله لكم الآيات} أي كما بين لكم ربكم تبارك وتعالى أمر النفقة في سبيله، وكيف تُخرج، وما لكم وما ليس لكم فعله فيها، كذلك يبين لكم الآيات سوى ذلك، فيعرفكم أحكامها وحلالها وحرامها، ويوضح لكم حججها، إنعاما منه بذلك عليكم

{لعلكم تتفكرون} أي تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني وتنزلونها على المراد منها.

قائمة الخيارات
0 [0 %]
الخميس 27 شوال 1441
عدد المشاهدات 151
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق