الاحد 2 ذو الحجة 1447 هـ
17 مايو 2026 م
جديد الموقع   تفسير القرآن: تفسير سورة إبراهيم (1-18)   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-126 كتاب الصلاة، الحديث 608-610   الصوتيات: شرح سنن الترمذي الدرس 30 الحديث 247-254   الصوتيات: شرح سنن الترمذي الدرس 29 الحديث 238-246   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-125 كتاب الصلاة، الحديث 603-607   الصوتيات: شرح سنن الترمذي الدرس 28 الحديث 224-237   المقالات: الإخوان وداعش هم الطريق إلى تمكين العلمانيين والرافضة والصوفية   المقالات: الاغترار بسمت الخوارج والمبتدعة   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-124 كتاب الصلاة، الحديث 599-602   الصوتيات: شرح سنن الترمذي الدرس 27 الحديث 213-223      

تفسير سورة إبراهيم (1-18)

تفسير سورة إبراهيم (1-18)

سورة إبراهيم سورة مكية.

﴿الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾

﴿الر﴾ تقدم القول في الحروف المقطعة في أول سورة البقرة ﴿كِتَابٌ﴾ يعني القرآن ﴿أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يا محمد.

قال ابن كثير: "أي: هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم، الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، على أشرف رسول بعثه الله في الأرض، إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم". انتهى

﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة، وأنواع المعاصي ﴿إِلَى النُّورِ﴾ نور العلم والإيمان وطاعة الله، والأخلاق الحسنة. يخبر تعالى أنه أنزل كتابه على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، لنفع الخلق.

قال ابن كثير: " أي: إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب، لتخرج الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد". انتهى

﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بإرادة الله تعالى ومعونته، أي: لا يحصل منهم المراد المحبوب لله، إلا بإرادة من الله ومعونة. قال السعدي: "ففيه حث للعباد على الاستعانة بربهم. ثم فسر النور الذي يهديهم إليه هذا الكتاب، فقال": ﴿إِلَىٰ صِرَاطِ﴾ طريق ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وهو الله تبارك وتعالى هو العزيز الحميد، أي: الطريق الموصل إلى الله، وهو دين الإسلام الذي هو طريق الله العزيز الحميد.

قال ابن كثير أي: {العَزيزِ} الذي لا يُمانَع ولا يُغالَب، بل هو القاهر لكل ما سواه {الْحَمِيدِ} أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وأمره ونهيه، الصادق في خبره. ". انتهى

﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾

﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ﴾ وحده مُلك ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فهو المستحق أن يُعبد وحده، ولا يُشرك به شيء من خلقه ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ﴾ يوم القيامة ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ إذا خالفوك وكذبوك يا محمد.

﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾

﴿الَّذِينَ﴾ كفروا ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي يحبونها، ويقدمونها ﴿عَلَى الْآخِرَةِ﴾ فرَضُوا بها واطمأنوا، وغفلوا عن الدار الآخرة.

قال ابن كثير: "ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، أي: يقدمونها ويؤثرونها عليها، ويعملون للدنيا، ونسوا الآخرة وتركوها وراء ظهورهم". انتهى

﴿وَيَصُدُّونَ﴾ ويصرفون الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن طريق الله، وهي اتباع الرسل ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يطلبون لطريقه التشويه والزيغ عن الحق والميل عن الاستقامة حتى لا يسلكها أحد.

قال السعدي: "أي: يحرصون على تهجينها وتقبيحها، للتنفير عنها، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون".

﴿أُولَٰئِكَ الذين ذكر وصفهم ﴿فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحق والصواب؛ لأنهم ضلوا وأضلوا، وشاقوا الله ورسوله وحاربوهما.

قال ابن كثير" "فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق، لا يرجى لهم - والحالة هذه – صلاح". انتهى

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ﴾ قبلك يا محمد ﴿إِلَّا﴾ بعثناه مُتَحدِّثًا ﴿بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ أي بلغتهم ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ دين الله الذي أُرسل به، فيفهمونه عنه، ويتمكنون من تعلم ما أتى به ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ﴾ بعدله، أي: بعد البيان وإقامة الحجة عليهم ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ ويوفق من يشاء للهداية بفضله ممن اختصه برحمته ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القوي الغالب، الذي لا يمتنع عليه شيء ولا يغلبه شيء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يضع الأمور في مواضعها، فيضل من يستحق الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك.

قال ابن كثير: "وقد كانت هذه سنَّتَه في خلقه، أنَّه ما بعث نبيًّا فَي أمةٍ إلَّا أن يكونَ بِلُغتِهم، فاختصَّ كلُّ نبيٍّ بإبلاغِ رسالتِه إلى أمَّتِهِ دون غيرِهم، واختصَّ محمدَ بنَ عبد الله رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم، بعمومِ الرسالةِ إلى سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين عن جابر، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحدٌ مِن الأنبياءِ قبلي، نُصرتُ بالرعبِ مسيرةَ شهرٍ، وجُعلِت ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، وأُحلت لي الغنائمُ ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيتُ الشفاعةَ، وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومِه خاصةً، وبُعثتُ إلى الناسِ عامة". وله شواهد من وجوه كثيرة، وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا}". انتهى

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا﴾ بالأدلة الدالة على صدقه كاليد البيضاء والعصا، يخبر تعالى أنه أرسل موسى بآياته العظيمة الدالة على صدق ما جاء به وصحته، وأَمَره بما أمر به محمداً صلى الله عليه وسلم، بل وبما أمر به جميع الرسل: ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ بني إسرائيل ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: ظلمات الجهل والكفر والظلم، إلى نور العلم والإيمان والعدل ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أي: بنعمه عليهم، ونقمه من أعدائهم؛ فإن في التذكير بها عظة للمتعظين، وعبرة للمعتبرين.

قال مجاهد: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ بالنعم التي أنعم بها عليهم: أنجاهم من آل فرعونَ، وفَلَق لهم البحرَ، وظلَّلَ عليهمُ الغمامَ، وأنزَل عليهم المنَّ والسلوى".

وقال ابن زيد: ﴿وَذَكَّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ قال: أيامِه التي انتقم فيها من أهل معاصيه من الأمم، خوِّفْهم بها، وحذِّرهم إياها، وذكِّرهم أن يُصيبهم ما أصاب الذين من قبلهم". انتهى

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ في الأيام التي مضت وما حصل فيها من نعم ونقم ﴿لَآيَاتٍ﴾ يعنى: لعِبَرًا ومواعظَ ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على طاعة الله وعلى ما يصيبه من بلاء ﴿شَكُورٍ﴾ لنعم الله عليه فيعمل بطاعته.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ".

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾ فامتثل موسى عليه السلام أمر ربه، فدعاهم، وذكرهم أيام الله، فقال لبني إسرائيل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ واشكروها ﴿إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يعني من فرعون وقومه، فقد كانوا ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُذيقونكم ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أسوء العذاب، وهو أنهم ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الذكور ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ أي يَستبقُون نساءَكم أحياء، فلا يقتلونهن؛ لأنه إذا ذهب الرجال، وبقيت النساء ذلّ الشعب، وانكسرت شوكته؛ لأن النساء ليس عندهن من يدافع عنهن، ويبقين خدماً لآل فرعون. قال ابن عثيمين: وهذا والعياذ بالله من أعظم ما يكون من الإذلال؛ ومع هذا أنجاهم الله تعالى من آل فرعون، وأورثهم ديار آل فرعون". ﴿وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال الطبري: "يقول تعالى: وفيما يَصْنَعُ بكم آلُ فرعونَ من أنواع العذابِ بلاء لكم من ربِّكم {عَظِيمٌ} أي ابتلاءٌ واختبارٌ لكم من ربِّكم عظيمٌ.

وقد يكون معناه من البلاء الذي قد يصيب الناس في الشدائد وغيرها». انتهى

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أي: أعلم ووعد ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ﴾ الله على نعمه بطاعته واجتناب معصيته ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ من النعم ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ﴾ نعم الله، وجحدتموها ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ قال الطبري: "يقولُ: ولئن كفرتم أيها القومُ نعمةَ الله فجحَدتموها بترك شكره عليها، وخلافِه في أمره ونهيِه، وركوبكم معاصيَه {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} أعذِّبُكم كما أُعذِّبُ مَن كَفَر بي مِن خلقي". انتهى

﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾

﴿وَقَالَ مُوسَىٰ﴾ لقومه بني إسرائيل ﴿إِن تَكْفُرُوا﴾ فتجحدوا نعمه ﴿أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فلن تضروه سبحانه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عن خلقه، لا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضره معصية العاصين ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود في جميع ما يُقدِّره ويشرعه.

قال البغوي: " {حميد} محمود في أفعاله؛ لأنه فيها متفضل وعادل". انتهى والله أعلم.

﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [الآية: 9]

﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ ألم يجئكم أيها الكفار ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ خبر إهلاك الأمم المكذِّبة من قبلكم ﴿قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ﴾ قوم هود ﴿وَثَمُودَ﴾ قوم صالح ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ والأمم الذين جاؤوا من بعد هؤلاء ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ وهم كثير لا يحصي عددهم إلا الله، هذه الأمم الماضية ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالدلائل الواضحة الباهرة القاطعة، فكفروا وكذبوا الرسل ووضعوا ﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ عضًّا على أصابعهم من الغيظ على الرسل ﴿وَقَالُوا﴾ لرسلهم ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ من الدعوة إلى التوحيد وترك عبادة غير الله ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا مُرِيبٍ﴾ أي موقع في الشك والتهمة.

قال ابن كثير: "يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به، فإن عندنا فيه شكًّا قويًّا".

﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الآية: 10]

﴿قَالَتْ﴾ لهم ﴿رُسُلُهُمْ﴾ ردًّا عليهم ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ أنه المستحقُّ للعبادة وحده، دون جميع خلقه، أي لا شك في ذلك ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خالقهما من العدم.

فالذي يستحق العبادة وحده هو خالقهما وخالق جميع الخلق وأنتم تقرون أنه هو خالقهما، فكيف تعبدون غيره؟!

قال ابن أبي زمنين: «﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خَالِقِهِمَا؛ أَيْ: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شكٌّ، وَأَنْتُمْ تُقِرُّونَ أَنَّهُ خَالِقُ السَّمَوَات وَالأَرْضِ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ؟!». انتهى

﴿يَدْعُوكُمْ﴾ لتوحيده وطاعته ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ فإنكم إن آمنتم فوحدتموه وأطعتموه جازاكم على ذلك بأن تجاوز عن ذنوبكم وسترها عليكم ولم يعاقبكم عليها ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ولا يعذبكم بالهلاك، بل يؤخركم إلى وقت موتكم.

قال ابن أبي زمنين: "يَعْنِي: إِلَى آجَالِهِمْ بِغَيْرِ عَذَابٍ؛ فَلا يَكُونُ مَوْتُهُمْ بِالْعَذَابِ".

قال السعدي: "أي ليثيبكم على الاستجابة لدعوته بالثواب العاجل والآجل، فلم يدعكم لينتفع بعبادتكم بل النفع عائد إليكم.

فردّوا على رسلهم ردّ السفهاء الجاهلين" ﴿قَالُوا﴾ قالت لهم أقوامهم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ فلستم أفضل منا، ولو شاء الله أن يرسل رسولًا لجعله ملكًا، وإنما ﴿تُرِيدُونَ﴾ بقولكم هذا الذي تقُولون ﴿أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ تريدون صرفنا عن عبادة الأصنام والأوثان التي كان آباؤنا يعبدونها ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ فأتوا بحجة بينة واضحة تدلّ على صدقكم.

وليست أي حجة، بل حجة يقترحونها هم، وإلا فقد تقدّم أن رسلهم جاءتهم بالبينات.

﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الآية: 11]

﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ مجيبين لهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: صحيح أنا بشر مثلكم في البشرية ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ﴾ يتفضل ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ بالنبوة والرسالة فيوحي إليهم، وله حكمة في ذلك ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ أي ليس لنا أن نأتيكم بدليل كما تريدون وتقترحون ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلا بأمر الله لنا بذلك، وهو لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته ورحمته ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فليعتمد المؤمنون، يعتمدون عليه في جميع أمورهم، في جلب مصالحهم ودفع المضار عنهم.

قال السعدي: فعُلم بهذا وجوب التوكل، وأنه من لوازم الإيمان ومن العبادات الكبار التي يحبها الله ويرضاها".

﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الآية: 12]

﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ أي وما يمنعنا من التوكل عليه، وقد بين لنا طريق الحق، ووفقنا لاتباعه.

قال السعدي: "ومن كان على الحق والهدى فإنَّ هداه يوجب له تمام التوكل، وكذلك ما يعلم من أن الله متكفّل بمعونة المهتدي وكفايته. وفي هذا كالإشارة من الرسل لقومهم بآية عظيمة؛ أن قومهم في الغالب لهم القهر والغلبة عليهم، فتحدّتهم رسلهم بأنهم متوكلون على الله في دفع كيدكم ومكركم وجازمون بكفايته إياهم". انتهى

﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ أي ولنستمرنّ على دعوتكم إلى توحيد الله والإيمان به والبراءة من الشرك وأهله، ووعظكم، ولا نبالي بما يأتينا منكم من الأذى والتكذيب والسب، احتسابًا للأجر ونصحًا لكم.

قال الطبري: «{وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا} في الله، وعلى ما نلقَى منكم من المكروه فيه، بسبب دعائنا إليكم إلى ما ندعوكم إليه من البراءة من الأوثان والأصنام، وإخلاص العبادة له".

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وقال: «يقولُ: وعلى الله فليتوكلْ من كان به واثقًا مِن خلقه، فأما مَن كان به كافرًا، فإنّ وليَّه الشيطانُ». انتهى

قال السعدي: "واعلم أن الرسل توكّلهم في أعلى المطالب وأشرف المراتب وهو التوكل على الله في إقامة دينه ونصره وهداية عبيده". انتهى

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾[13]

يخبر تعالى عن غاية ما وصل إليه مكر الكافرين برسلهم، وأنهم هددوهم بطردهم من بلادهم بعد أن دعوهم إلى توحيد الله وترك عبادة غيره، إلا إن وافقوهم على كفرهم، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورُسُله ﴿لِرُسُلِهِمْ﴾ على وجه التهديد ﴿لَنُخْرِجَنَّكُم﴾ لنطردنكم ﴿مِّنْ أَرْضِنَا﴾ يعنون بلادهم التي هم فيها ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ إلا أن ترجعوا إلى ديننا الذي نحن فيه من عبادة غير الله، وتتركوا ما أنتم عليه من الدين، عندها نترككم في بلادنا.

﴿فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ﴾ إلى الرسل ﴿رَبُّهُمْ﴾ تثبيتاً لهم وتطميناً لقلوبهم: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين المكذبين لكم.


﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾[14]

﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ﴾ أيها الرسل وأتباعَكم ﴿الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد هلاك الكفار ﴿ذَٰلِكَ﴾ الوعد الذي وعد الله به رسلَه من إهلاك الظالمين وإسكانهم الأرض من بعدهم حاصل ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ أي: مقامه يوم القيامة بين يدي الله للحساب، فخشي من ذلك المقام ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي خاف عذابي الذي توعدت به من عصاني.


﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾[15]

﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي طلب الرسل من ربهم الفتح، وهو النصر على أعدائهم والفصل بينهم ﴿وَخَابَ﴾ أي: خسر وهلك ﴿كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: متكبر عن الحق، معاند له.


﴿مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾[16]

﴿مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أي من أمامه وبعد هلاكه تنتظره جهنم، يعذب فيها أشد العذاب ﴿وَيُسْقَىٰ﴾ في جهنم ﴿مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾ وهو ما يسيل من جلود وأجساد أهل النار من القيح والدم ونحو ذلك، هذا شرابه فيها، لا يرتوي ولا يهنأ به، وما يزيده إلا عذاباً. نسأل الله العافية.


﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ۖ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾[17]

﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أي: يشربه على كراهة ومضض ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ لا يكاد يبتلعه لشدة قذارته وكراهته.

يعني يبتلعه ولكن بصعوبة وشدة.

قال الطبري: «والعرب تجعل "لا يكاد" فيما قد فُعِل، وفيما لم يُفْعَل. فأما ما قد فعل، فمنه هذا؛ لأن الله جلّ ثناؤه جعَل لهم ذلك شرابًا؛ وأمّا ما لم يُفعلْ، وقد دخلت فيه "كاد"، فقولُه: {إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40]. فهو لا يراها". انتهى

﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ من كل جهة من أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله، ومن كل موضع من أعضاء جسده، لشدة العذاب ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ فيستريح، بل يعذب العذاب الأليم، وأهل النار من شدة العذاب يتمنون الموت ولا يجدونه ﴿وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: ومن بعد هذا العذاب المستمر؛ عذاب آخر شاق وشديد.


﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾[18]

يضرب الله الأمثال لتتضح الحقائق، وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار، فقال: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾ صفة أعمال الكفار التي عملوها في الدنيا من صلة رحم، وإعتاق، وإحسان، ونحو ذلك من أعمالهم التي يعملونها ويزعمون أنهم يريدون بها وجه الله، مَثلُ هذه الأعمال يوم القيامة ﴿ كَرَمَادٍ﴾ مِثلُ الرماد، قال علماء اللغة: "الرَّمادُ: دُقاقُ الفحمِ مِن حُراقَةِ النَّار"، يعني ما يبقى بعد احتراق الخشب وما شابه ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ عصفت به ريح شديدة في يوم شديد الريح، فطيَّرته وفرقته فلم يبق له أثر، فكذلك أعمال الكفار أبطلها الكفر فلم تنفعهم عند الله، فلا تكون سببا في نجاتهم؛ لكفرهم وشركهم ﴿لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ لا يجدون ثواباً لأعمالهم التي عملوها في الدنيا لعدم إيمانهم ﴿ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ ذلك السعي والعمل هو الضياع البعيد عن طريق الصواب والهدى.

فالمقصود أن الكافر لا تنفعه أعماله عند الله حتى لو كانت هذه الأعمال حسنة في أصلها؛ لكفره وشركه، فالكفر يحبط الأعمال ويبطلها.

أخرج مسلم في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ».

قائمة الخيارات
0 [0 %]
الاحد 2 ذو الحجة 1447
عدد المشاهدات 6
تفسير سورة إبراهيم (1)
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق