الاربعاء 9 شوال 1445 هـ
17 ابريل 2024 م
جديد الموقع   تفسير القرآن: تفسير سورة التوبة (124-129)   تفسير القرآن: تفسير سورة التوبة (117-123)   تفسير القرآن: تفسير سورة التوبة (111-116)   تفسير القرآن: تفسير سورة التوبة (107-110)   تفسير القرآن: تفسير سورة التوبة (97-106)   تفسير القرآن: ‌‌تفسير سورة التوبة 94-96   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-48، كتاب الوضوء، الحديث 170و171و172و173و174و175   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-47، كتاب الوضوء، الحديث 166و167و168و169   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-46، كتاب الوضوء، الحديث 162و163و164و165   الصوتيات: شرح صحيح البخاري-45، كتاب الوضوء، الحديث 157و158و159و160و161      

تفسير سورة التوبة 44-52

تفسير سورة التوبة 44-52

{لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44)}

{لَا يَسْتَأْذِنُكَ} أي في القعود عن الغزو {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} لأنهم مؤمنون أتقياء عندهم من الإيمان والرغبة في الخير ما يدفعهم إلى الخروج وعدم التخلف عنه، حتى كان بعضهم يبكي لعدم قدرته على الخروج للقتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرون الجهاد قربة عظيمة يتقربون به إلى الله، فلما أمرهم به امتثلوا طاعة لله رسوله.

فكيف يستئذنك هؤلاء في القعود عن الجهاد في سبيل الله؟ هذا لا يكون منهم.

{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} فيجازيهم على ما قاموا به من تقواه، ومِن علمه بالمتقين، أنه أخبر أن من علاماتهم، أنهم لا يستأذنون في ترك الجهاد.

{إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)}

{إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ} أي في القعود عن الغزو ممن لا عذر له {الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فلا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} أي شكت قلوبهم في صحة ما جئتهم به {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} أي فهم في شكهم يتحيرون، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)}

يقول تعالى مبينا أن المتخلفين من المنافقين قد ظهر منهم من القرائن ما يبين أنهم ما قصدوا الخروج للجهاد بالكلية، وأن أعذارهم التي اعتذروها باطلة، فإن العذر هو المانع الذي يمنع إذا بذل العبد وسعه، وسعى في أسباب الخروج، ثم منعه مانع شرعي، فهذا الذي يعذر.

{و} أما هؤلاء المنافقون فـ {لَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ} أي معك إلى الغزو {لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} أي: لاستعدوا وعملوا ما يمكنهم من الأسباب، ولكن لمّا لم يُعدوا له عدة، عُلِم أنهم ما أرادوا الخروج.

{وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ} ولكن أبغض اللهُ خروجهم معكم للغزو {فَثَبَّطَهُمْ} فأخرهم قدراً، وإن كان قد أمرهم وحثهم على الخروج شرعاً، وجعلهم مقتدرين عليه، ولكن بحكمته ما أراد إعانتهم، بل خذلهم وثبطهم {وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} أي قدراً لا شرعاً، اقعدوا مع القاعدين عن الغزو من النساء والمعذورين.

{لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)}

ثم بين الله تبارك وتعالى الحكمة في تأخيره لهم، فقال: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا} أي: فساداً وضُراً؛ لأنهم جبناء مخذولون، فلا ينفعكم خروجهم، بل يضركم.

{وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ} أي: ولأسرعوا السير بينكم {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ عَنْ خروجكم للغزو، فيمشون بينكم بسرعة بالنميمة، والتحريشِ بينكم، وإثارةِ العداوة والبغضاء، وتخويفِكم من عدوكم، وبكلِّ ما يضعفُكم ويؤخرُّكم عن الخروج للغزو.

{وَفِيكُمْ} من المؤمنين وليسوا منافقين {سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي: مطيعون لهم ومستجيبون لكلامهم، يحبونهم ويستنصحونهم ويغترون بهم لشرفهم فيهم، وإن كانوا لا يعلمون بحالهم، فيؤدي ذلك إلى وقوع شر بين المؤمنين، وفساد كبير.

قال السعدي: "فإذا كانوا هم حريصين على خذلانكم، وإلقاء الشر بينكم، وتثبيطكم عن أعدائكم، وفيكم من يقبل منهم ويستنصحهم.

فما ظنك بالشر الحاصل من خروجهم مع المؤمنين، والنقص الكثير منهم، فلله أتمُّ الحكمة حيث ثبطهم ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحمة بهم، ولطفاً من أن يداخلهم ما لا ينفعهم، بل يضرهم". انتهى

ثم أخبر تبارك وتعالى عن تمام علمه فقال: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} من المنافقين وغيرهم، وعليم بمكرهم وكيدهم وظلمهم كله، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ سَرَائِرِ خَلْقِهِ وَعَلَانِيَتِهِمْ، فيعلِّم عباده كيف يحذرونهم، ويبين لهم من المفاسد الناشئة من مخالطتهم.

فالخير كله في اتباع شرع الله في التعامل مع الخلق، وفيه النجاة من مكر وكيد أعداء الله بالمسلمين؛ من الكافرين والمنافقين.

وفيه الوقاية من ضرر ضعافِ النفوس، عبيدِ الدرهم والدينار، الذين كثروا في هذا الزمان، وصار ضرر الكثير منهم على المسلمين لا يقل عن ضرر الكافرين والمنافقين.

{لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [48]}

قال الشنقيطي رحمه الله: لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) للنبيِّ والمسلمينَ أنه ثَبَّطَ عنهم عظماءَ المنافقينَ للمصلحةِ، وأنهم لو خَرَجُوا فيهم ما زادوهم إلا خبالاً، أي: فسادًا ومشيًا بالنميمةِ وتثبيطًا وإلقاءً للأراجيفِ، بَيَّنَ أن هذا الذي ينطوي عليه المنافقونَ من الشرِّ كان موجودًا فيهم قبلَ ذلك، قبل أن يُنْزِلَ القرآنَ في شأنِهم وأن تَطَّلِعُوا عليهم؛ لأن عظماءَ المنافقينَ بالمدينةِ كعبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سلولَ، والجدِّ بنِ قيسٍ أخي بني سلمةَ، عندما جاء رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المدينةَ وَآمَنَ الأنصارُ شَقَّ ذلك عليهم وَعَظُمَ، وَأَبَوْا أن يؤمنوا، وصاروا يفكرونَ في الحالةِ التي يبطلونَ بها دعوةَ دينِ الإسلامِ ويخرجوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم ويمنعونَ الناسَ من الإيمانِ، فلما جاءت غزوةُ بدرٍ عرفوا قوةَ المسلمينَ. قال لهم ابنُ أُبَيٍّ: هذا أَمْرٌ مُستَقبِلٌ فَآمِنُوا ظاهرًا. وَهُمْ في الباطنِ يتربصونَ بهم الدوائرَ، يُجِيلُونَ أفكارَهم في الحالةِ التي يَضُرُّونَهُمْ بها.

{لَقَدِ ابْتَغَوُا} أي المنافقون {الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ} الابتغاء: الطّلب، والفتنة: إِيقَاع الِاخْتِلَاف الْمُؤَدِّي إِلَى تَفْرِيق الْكَلِمَة، {مِنْ قَبْلُ} أي: حين هاجرتم إلى المدينة، قال البغوي: أي: طلبوا صدَّ أصحابك عن الدين وردَّهم إلى الكفر، وتخذيلَ الناس عنك قبل هذا اليوم، كفعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه {وَقَلَّبُوا لَكَ الأمُورَ} أي أَنهم طلبُوا بِكُل حِيلَة إِفْسَادَ أَمرك، إبطالَ دعوتك وخذلان دينك، ولم يقصروا في ذلك.

قال العلماء: "العربُ تقولُ: قَلَّبَ الأمورَ، وَقَلَّبَ الأمرَ. معناه: أن يتفكرَ بدقةٍ ويُدبِّرَ في الأمور ويُقلِّبَها وَجْهًا إلى ظَهْرٍ، وظهرًا إلى وجهٍ؛ ليتأملَ في الحالةِ التي يحصِّل بها مقصودَه". انتهى

{حَتَّى} إلى أن {جَاءَ الْحَقُّ} النصر من عند الله {وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ} دينُه {وَهُمْ كَارِهُونَ} يكرهون ظهور الدين ونصر الله لك.

قال الطبري: "والمنافقون لظهور أمر الله ونصرِه إياك كارهون، وكذلك الآن يظهرُك اللهُ ويظهرُ دينه على الذين كفروا من الروم وغيرهم من أهل الكفر به وهم كارهون".

‌‌{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِين[49]}

{وَمِنْهُمْ} أي ومن المنافقين {مَنْ يَقُولُ} لك يا محمد {ائْذَنْ لِي} في القعود والتخلف عن الخروج للقتال معك {وَلا تَفْتِنِّي} ولا توقعني في الابتلاء بالخروج معك، فإني إذا خرجت، فرأيت نساء بين الأصفر لا أصبر عنهن فأُفتن.

قال الطبري: " يقول: ولا تبتلني برؤية نساء بني الأصفر وبناتِهم، فإني بالنساء مغرم، فأخرج وآثم بذلك".

فقال الله تعالى {أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} أي إن كانوا إنما يخشون من نساء بني الأصفر، وليس الأمر كذلك حقيقة؛ فما وقعوا فيه من فتنة النفاق؛ أعظم، وقعوا في فتنة الشِّرْكِ وَالْإِثْمِ بنفاقهم وخلافِهم أمر اللهِ ورسولِه.

{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} تحتوي عليهم من جميعِ الجهاتِ، ليس لهم عنها مفر ولا خلاص.

‌‌{إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ [50]}

يعلم الله تبارك وتعالى نبيه بعداوة المنافقين له، فقال: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ} كنصر على العدو، وفتح، وغنيمة مما يسره ويسر أصحابه {تَسُؤْهُمْ} أي: تحزنهم وتغمهم

{وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} تحزنك وتحزن أصحابك {يَقُولُوا} متبجحين بسلامتهم من الحضور معك.

{قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ} أي: قد حذرنا وعملنا بما ينجينا من الوقوع في مثل هذه المصيبة، فلم نتابعه من قبل.

{وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} فيفرحون بمصيبتك، وبعدم مشاركتهم إياك فيها. قال تعالى رادا عليهم في ذلك

{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [51]}

{قُلْ} لهم يا محمد {لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} أي: قدره وأجراه في اللوح المحفوظ، فنحن تحت مشيئته وقدره.

{هُوَ مَوْلانَا} أي: سيدنا ومتولي أمورنا الدينية والدنيوية، فعلينا الرضا بأقداره وليس في أيدينا من الأمر شيء.

{وَعَلَى اللَّهِ} وحده {فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي: يعتمدوا عليه في جلب مصالحهم ودفع المضار عنهم، ويثقوا به في تحصيل مطلوبهم، فلا خاب من توكل عليه، وأما من توكل على غيره، فإنه مخذول غير مدرك لما أمّل. قاله السعدي.

‌‌{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [52]} .

{قُلْ} يا محمد للمنافقين {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا} أي هل تنتظرون أن يحصل لنا {إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} إلا واحداً من اثنين كلاهما حسن وفضل وخير، إما الظفر بالأعداء والنصر عليهم ونيل الثواب الأخروي والدنيوي.

وإما الشهادة التي هي من أعلى درجات الخلق، وأرفع المنازل عند الله.

{وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ} وأما نحن فننتظر أن يصيبكم يا معشر المنافقين عذاب من عنده، لا سبب لنا فيه {أَوْ بِأَيْدِينَا} فنقتُلُكم {فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} فانتظروا إنا معكم منتظرون ما الله فاعل بنا، وما سيصير إليه أمر كل فريق منا ومنكم.

قائمة الخيارات
0 [0 %]
الاحد 4 ربيع الاول 1445
عدد المشاهدات 154
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق