الجمعة 13 ربيع الاول 1444 هـ
07 اكتوبر 2022 م
جديد الموقع   المقالات: منهج الموازنات   المكتبة: شرح كشف الشبهات   المكتبة: شرح بداية المجتهد كتاب الطهارة   المكتبة: شرح العقيدة الواسطية   المكتبة: البطاقات الدعوية   المكتبة: التعليق على بعض تهذيب التهذيب وشرح العلل لابن رجب   المكتبة: شرح الأصول الثلاثة   المكتبة: شرح أصول السنة للإمام أحمد   المكتبة: شرح كتاب التوحيد   المكتبة: شرح نزهة النظر      

تفسير سورة الأنعام (125-130)

تفسير سورة الأنعام (125-130)

{فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) }

{فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهدِيَهُ} للإيمان به وبرسوله وما جاء به من عند ربه فيوفقه له {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} أي: يفتح قلبه وينوره حتى يقبل الإسلام، قال الطبري: فسح صدره لذلك، وهونه عليه وسهله له بلطفه ومعونته، حتى يستنير الإسلامُ في قلبه، فيضيء له ويتسع له صدره بالقبول {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ} عن طريق الحق {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا} لا يتسع للإسلام ولا يقبله فلا يدخله لضيقه {حَرَجًا} أي ذا حرج، وهو أشد الضيق، يعني يجعل قلبه ضيقاً، ومن شدة ضيقه لا يدخله الإيمان، فليس للخير فيه منفذ {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} يعني: يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود السماء {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} الرجس هو الشيطان، أي: يُسلط عليه.

أي كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقاً؛ كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله، فيضله ويصده عن سبيل الحق.

{وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126)}

{وَهَذَا} الذي أنت عليه يا محمد، وهو دين الإسلام {صِرَاطُ رَبِّكَ} طريق ربك ودينه الذي ارتضاه لنفسه، وجعله {مُسْتَقِيمًا} لا عوج فيه؛ فاثبت عليه، وحرم ما حرمته عليك، وأحلل ما أحللته لك {قَدْ فَصَّلْنَا} أي وضحنا وبينا وفسرنا {الْآيَاتِ} الحجج والأدلة على حقيقة ذلك وصحته {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي لمن لهم فهم ووعي يعقلون عن الله ورسوله، فيتعظون ويعتبرون.

{لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)}

{لَهُمْ}أي لأهل الإيمان الذين يذكرون {دَارُ السَّلَامِ} الجنة {عِنْدَ رَبِّهِمْ} يوم القيامة.

قال أكثر المفسرين: السلام هو الله وداره الجنة، وقيل: السلام هو السلامة، أي: لهم دار السلامة من الآفات، وهي الجنة. وسميت دار السلام؛ لأن كل من دخلها سلم من البلايا والرزايا، وقيل غير ذلك {وَهُوَ} أي الله تبارك وتعالى {وَلِيُّهُمْ} حافظهم وناصرهم وموفقهم في الدنيا والآخرة {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي بسبب أعمالهم الصالحة، تولاهم وأثابهم الجنة بمنه وكرمه.

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)}

{وَ} اذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتنذرهم به {يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} يوم القيامة {جَمِيعًا} يعني الجن والإنس يجمعهم في موقف القيامة فيقول: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ} والمراد بالجن: الشياطين {قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ}أي: استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء أي: أضللتم منهم كثيراً {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ} يعني: بأولياء الشياطين من الإنس: الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطيعونهم {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} استمتاع الإنس بالجن هو أن الرجل كان إذا سافر ونزل بأرض قفر وخاف على نفسه من الجن قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في جوارهم، وأما استمتاع الجن بالإنس: هو أنهم قالوا قد سدنا الإنس مع الجن، حتى عاذوا بنا؛ فيزدادون شرفاً في قومهم وعظمة في أنفسهم، وهذا كقوله تعالى {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] وقال بعض أهل العلم: استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها، حتى يسهل فعلها عليهم، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي. وقالوا: هو طاعة بعضهم بعضاً وموافقة بعضهم لبعض {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا} الموت، أي استمتع بعضنا ببعض أيام حياتنا إلى موتنا {قَالَ}الله تعالى: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ} مقامكم ومستقركم ومنزلكم{خَالِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين فيها مكثاً مخلداً لا تخرجون منها {إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ} اختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 107]؛ لأن الاتفاق حاصل على أن من مات على الكفر مخلد في نار جهنم لا يخرج منها، وهذا حكم متفق عليه بين أهل السنة وأدلته محكمة، لذلك اختلفوا في توجيه هذه الآية؛ فقيل: أراد إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم، يعني: خالدون في النار إلا هذا المقدار، وقيل غير ذلك {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} في تدبيره في خلقه {عَلِيمٌ} بعباده وبمن يستحق منهم العذاب.

{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)}

{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي كما جعلنا بعض هؤلاء المشركين من الجن والإنس أولياء بعض يستمتع بعضهم ببعض؛ كذلك نجعل بعضهم أولياء بعض في كل الأمور؛ بما كانوا يفعلون من معاصي الله ويعملونه.

قال السعدي رحمه الله: أي: وكما ولَّيْنَا الجن المردة وسلطناهم على إضلال أوليائهم من الإنس وعقدنا بينهم عقد الموالاة والموافقة، بسبب كسبهم وسعيهم بذلك؛ كذلك من سنتنا أن نولي كل ظالم ظالما مثلَه، يؤزه إلى الشر ويحثه عليه، ويزهده في الخير وينفره عنه، وذلك من عقوبات الله العظيمة الشنيعِ أثرها، البليغِ خطرها.

والذنب ذنب الظالم، فهو الذي أدخل الضرر على نفسه، وعلى نفسه جنى {وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ}.

ومن ذلك: أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم، ومنْعهم الحقوق الواجبة، ولَّى عليهم ظلمة، يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعاف ما منعوا من حقوق الله، وحقوق عباده، على وجه غير مأجورين فيه ولا محتسبين.

كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا، أصلح الله رعاتهم، وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف. انتهى

{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) }

هذا ما سيقوله الله تبارك وتعالى لهؤلاء المشركين يوم القيامة توبيخا وتقريعا لهم: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} أي مَن كفر منهم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} أي رسل من الإنس أرسلوا للإنس والجن {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ} أي: يقرؤون عليكم {آيَاتِي} كتبي {وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} أي يحذرونكم عذابي يوم القيامة على معصية أمري.

قال الطبري رحمه الله: وهذا من الله جل ثناؤه تقريع وتوبيخ لهؤلاء الكفرة على ما سلف منهم في الدنيا من الفسوق والمعاصي، ومعناه: قد أتاكم رسل منكم ينبهونكم على خطأ ما كنتم عليه مقيمين، بالحجج البالغة، وينذرونكم وعيد الله على مقامكم على ما كنتم عليه مقيمين، فلم تقبلوا ذلك ولم تتذكروا ولم تعتبروا. انتهى

فاعترفوا {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} أي أقررنا أن الرسل قد بلغونا، قال الله عز وجل: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} خدعتهم الحياة الدنيا بما فيها من زينة وزخرف وشهوات فآثروها وقدموها على الآخرة؛ فلم يؤمنوا {وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} أقروا على أنفسهم يوم القيامة، واعترفوا {أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} أي في الدنيا، كانوا كافرين بما جاءتهم به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.

التعليقات عدد التعليقات (0)

اضافة تعليق
قائمة الخيارات
0 [0 %]
السبت 13 ذو القعدة 1443
عدد المشاهدات 59
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق