تفسير سورة الرعد من الآية 1 إلى 6
جمهور العلماء على أنها مكية.
ولا يصح في فضلها شيء خاص.
{الٓمٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِۗ وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ}[1]
{الٓمٓرۚ} تقدم القول في الأحرف المقطعة في أول سورة البقرة {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} قال بعض أئمة السلف: تلك آيات الكتب السابقة قبل القرآن كالتوراة والإنجيل {وَاَلَّذِي أُنْزِلَ إلَيْك} يا محمد {مِنْ رَبّك} وهو القرآن {الْحَقّ} الذي لا شك فيه أنه من عند الله {وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يُؤْمِنُونَ} بأن القرآن من عند الله تبارك وتعالى.
{ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ} [2]
{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ} السبع {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} الْعَمَد جمع عمود، وَهُوَ السارية، الْأُسْطُوَانَة.
وقد اختلف أهل العلم هل للسماوات أعمدة لا نراها، أم لا أعمدة لها أصلا، فبما أننا لا نراه فلا أعمدة لها.
صح عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أن لها أعمدة لا نراها.
وصح عن قتادة أنها بغير عمد أصلا.
قال ابن جرير الطبري: "وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يقالَ كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}. فهي مرفوعةٌ بغيرِ عَمَدٍ نَراها، كما قال ربُّنا جلَّ ثناؤُه، ولا خبرَ بغيرِ ذلك، ولا حجةَ يجبُ التسليمُ لها بقولٍ سِواه". انتهى
يعني لا تزد على ما ذكر في الآية واكتف به.
{ثُمَّ اسْتَوَى} علا الله تبارك وتعالى وارتفع {عَلَى الْعَرْشِ}.
قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير الاستواء على العرش: "علا عليه".
وقال في موضع آخر: "الرحمنُ على عرشِه ارتفَع وعلَا".
وبهذا فسره أبو العالية الرياحي أحد أئمة التابعين.
ففيه إثبات علو الله على الخلق، وأن منهج السلف ليس منهج تأويل الصفات، ولا التفويض؛ فقد فسروا معنى الصفة هنا بمعناها الحقيقي.
فنثبت الصفات لله تعالى التي أثبتها لنفسه مع اعتقاد أن صفاته ليست مثل صفات المخلوقين.
{وَسَخَّرَ} ذَلَّل {الشَّمْسَ وَالْقَمَر كُلّ} منهما {يَجْرِي} فِي فَلَكه {لِأَجَلٍ مُسَمًّى} إلى فناء الدنيا.
قال الطبري: "يقولُ: وأجْرَى الشمسَ والقمرَ في السماءِ، فسَخَّرهما فيها لمصالحِ خلقِه، وذَلَّلَهما لمنافعِهم، ليَعْلموا بجَرْيِهما فيها عَدَدَ السنين والحسابَ، ويَفْصِلوا به بين الليلِ والنهارِ".
{يُدَبِّر الْأَمْر} يقضي الله أمور الدنيا والآخرة كلها وحده تبارك وتعالى {يُفَصِّل الْآيَاتِ} يبين لكم آيات كتابه {لَعَلَّكُمْ} يَا أَهْل مَكَّة {بِلِقَاءِ رَبّكُمْ} بِالْبَعْثِ {تُوقِنُونَ} لتؤمنوا بالبعث بعد الموت، والمجازاة على الأعمال.
قال قتادة: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}: وأن الله تبارك وتعالى إنما أنزَل كتابه وأَرسَل رُسُلَه؛ ليُؤْمَنَ بوَعْدِه، وليُسْتَيْقَنَ بلقائِه.
قال السعدي رحمه الله: وقوله {يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ} هذا جمع بين الخلق والأمر، أي: قد استوى الله العظيم على سرير الملك، يدبر الأمور في العالم العلوي والسفلي، فيخلق ويرزق، ويغني ويفقر، ويرفع أقواما ويضع آخرين، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويقيل العثرات، ويفرج الكربات، وينفذ الأقدار في أوقاتها التي سبق بها علمه، وجرى بها قلمه، ويرسل ملائكته الكرام لتدبير ما جعلهم على تدبيره
وينزل الكتب الإلهية على رسله ويبين ما يحتاج إليه العباد من الشرائع والأوامر والنواهي، ويفصلها غاية التفصيل ببيانها وإيضاحها وتمييزها، {لَعَلَّكُمْ} بسبب ما أخرج لكم من الآيات الأفقية والآيات القرآنية، {بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} فإن كثرة الأدلة وبيانها ووضوحها، من أسباب حصول اليقين في جميع الأمور الإلهية، خصوصا في العقائد الكبار، كالبعث والنشور والإخراج من القبور.
وأيضا فقد علم أن الله تعالى حكيم لا يخلق الخلق سدى، ولا يتركهم عبثا، فكما أنه أرسل رسله وأنزل كتبه لأمر العباد ونهيهم، فلا بد أن ينقلهم إلى دار يحل فيها جزاؤه، فيجازي المحسنين بأحسن الجزاء، ويجازي المسيئين بإساءتهم". انتهى
{وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ}[3]
{وَهُوَ} الله تبارك وتعالى {الَّذِي مَدَّ} بسط {الْأَرْضَ وَجَعَلَ} وخلق {فِيهَا رَوَاسِيَ} جبالا ثابتة {وَأَنْهَارًا} من ماء {وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} قال البغوي:" أي: صنفين اثنين أحمر وأصفر، وحلوا وحامضا" {يُغْشِي} يُغَطِّي {اللَّيْلَ} بظلمته {النَّهَارَ إنَّ فِي ذَلِك} الْمَذْكُور {لَآيَاتٍ} دِلَالَات عَلَى وَحْدَانِيّته تَعَالَى {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في خلق الله.
قال الطبري: "يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما وَصَفتُ وذَكَرتُ من عجائبِ خلقِ اللَّهِ وعظيمِ قدرتِه التي خَلَق بها هذه الأشياءَ؛ لَدَلالاتٍ وحُجَبًا وعِظاتٍ لقومٍ يتفكَّرون فيها، فيَسْتَدِلُّون ويَعْتَبِرون بها، فيَعْلَمون أن العبادةَ لا تَصْلُحُ ولا تجوزُ إلا لَن خَلَقها ودَبَّرها، دونَ غيرِه مِن الآلهةِ والأصنامِ التي لا تقدِرُ على ضَرٍّ ولا نفعٍ، ولا لشيءٍ غيرها، إلا لمَن أنشأ ذلك فأحْدَثه مِن غيرِ شيءٍ، تبارك وتعالى، وأن القُدْرةَ التي أبْدَع بها ذلك، هي القدرةُ التي لا يتعذَّرُ عليه إحياءُ مَن هَلَك من خلقِه، وإعادةُ ما فني وابتداعُ ما شاء ابْتِداعَه بها". انتهى
{وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} [4]
{وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ} بقاع مختلفة {مُتَجَاوِرَاتٌ} مُتَلَاصِقَات، متقاربة من بعضها، وفي نفس الوقت مختلفة، فمنها طَيِّبٌ وَسَبْخ، وَقَلِيلُ النتاج والنماء وكثيره، وَهُوَ مِنْ دَلَائِل قُدْرَته تَعَالَى.
قال ابن كثير: "أي: أراض يجاور بعضها بعضًا، مع أن هذه طيبة تنبت ما يَنتفِع به الناس، وهذه سَبخة مالحة لا تنبت شيئًا".
وقال: "وكذا يدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة حمراء وهذه بيضاء، وهذه صفراء وهذه سوداء، وهذه محجرة وهذه سهلة وهذه مرملة، وهذه سميكة وهذه رقيقة، والكل متجاورات، فهذه بصفتها وهذه بصفتها الأخرى، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار لا إله إلا هو ولا رب سواه".
{وَ} في الأرض {جَنَّاتٌ} بَسَاتِين {مِنْ أَعْنَابٍ وَ} في الأرض {زَرْعٌ} كالقمح والشعير {وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ} جمع صِنْو، وَهِيَ النَّخَلَات يجمعها أصل واحد وَتَتَشَعَّب فروعُها {وغيرُ صِنوانٍ} منفردة {يُسقَى} بالتاء أي الجنات وما فيها يسقى {َبِمَاءٍ وَاحِدٍ} ومع هذا تختلف في نتاجها {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُل} فمنها حُلْو وَحَامِض وغير ذلك، وتجد في الأرض الواحدة وتسقى بنفس الماء، الخوخ والكُمَّثرى والعنب الأبيض والأسود وغير ذلك من أصناف الزروع والثمار، وَهُوَ مِنْ دَلَائِل قُدْرَته تَعَالَى {إنَّ فِي ذَلِك} الْمَذْكُور {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يتدبرون.
{وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} [5]
{وَإِنْ تَعْجَبْ} يا محمد من تكذيب الكفار لك {فعجبٌ قَولُهُم} منكرين البعث {أَءِذَا كُنَّا} أي أئذا متنا وصرنا {تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٍ جَدِيدٍۗ} يتعجبون أن يرجعوا من جديد بعد أن ماتوا وصاروا تراباً؛ والحقيقة أن القادر على خلقهم من العدم؛ قَادِر عَلَى إعَادَتهمْ؛ فالإعادة مع وجود أصل الشيء أهون، والخلق من العدم أشد، وكله هين عليه تبارك وتعالى.
قال قتادة: "عَجِبَ الرحمنُ تبارك وتعالى من تكذيبِهم بالبعثِ بعدَ الموتِ".
{أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ} السلاسل {فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ} أي: يسحبون بها في النار {وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ} أولئك هم سكان النار وأهلها {هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} ماكثون فيها لا يخرجون منها أبداً.
{وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} [6]
{وَيَسْتَعْجِلُونَك} ويستعجلك يا محمد مشركو قومك {بِالسَّيِّئَةِ} بالعقوبة والبلاء {قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ} الرحمة والعافية، فيَقُولُون: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32].
{وَقَدۡ خَلَتۡ} مضت {مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ} العقوبات.
أَيْ قد نزلت العُقُوبَات في الأمم السابقة لهم من الذين كذبوا كتكذيبهم أفلا يعتبرون بها.
قال الطبري: "وهم يَعْلَمُون ما حلَّ بَمَنْ خلَا قبلَهم من الأممِ التي عصَت ربَّها، وكذَّبت رسلَها، من عقوباتِ اللهِ وعظيمِ بلائِه، فمن بين أمةٍ مُسِخت قِرَدةً، وأخرى خنازيرَ، ومِن بين أمةٍ أُهْلِكت بالرجْفَةِ، وأخرى بالخسفِ، وذلك هو المَثُلاثُ التي قال جلَّ ثناؤُه: {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} والمَثُلاتُ: العقوباتُ المنكِّلاتُ". انتهى
{وَإِنَّ رَبّك لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى} مع {ظُلْمِهمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} لمن عصاه.
قال ابن كثير: "وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} أي: أنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار.
ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب؛ ليعتدل الرجاء والخوف، كما قال تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}، وقال: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}، وقال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف". انتهى