السبت 17 محرم 1444 هـ
13 اغسطس 2022 م
جديد الموقع   تفسير القرآن: تفسير سورة الأنعام (161-165)   تفسير القرآن: تفسيرسورة الأنعام (158-160)   تفسير القرآن: تفسير سورة الأنعام [154-157]   تفسير القرآن: تفسير سورة الأنعام (151-153)   تفسير القرآن: تفسير سورة الأنعام (147-150)   تفسير القرآن: سورة الأنعام (145-146)   تفسير القرآن: تفسير سورة الأنعام (136-144)   تفسير القرآن: تفسير سورة الأنعام (131-135)   تفسير القرآن: تفسير سورة الأنعام (125-130)   تفسير القرآن: تفسير سورة الأنعام 122-124      

تفسير سورة الأنعام (100-103)

تفسير سورة الأنعام (100-103)

{وَجَعَلُوا لِلهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)}

{وَجَعَلُوا لِلهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} يعني: الكفار جعلوا الجن شركاء لله، فعبدوهم مع الله {وَخَلَقَهُمْ} يعني: والله المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير {وَخَرَقُوا} أي: اختلقوا وافتعلوا {لَهُ} لله {بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} بجهل وبلا حجة، وذلك مثل قول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، وقول كفار مكة الملائكة بنات الله، ثم نزه نفسه فقال {سُبْحَانَهُ} أي تنزه {وَتَعَالَى} وارتفع {عَمَّا يَصِفُونَ} عن جعلهم له شركاء وأولاداً فهذا نقص في حقه تبارك وتعالى.

قال الطبري: تنزه الله وعلا فارتفع عن الذي يصفه به هؤلاء الجهلة من خلقه في ادعائهم له شركاء من الجن، واختراقهم له بنين وبنات، وذلك لا ينبغي أن يكون من صفته؛ لأن ذلك من صفة خلقه الذين يكون منهم الجماع الذي يحدث عنه الأولاد، والذين تضطرهم لضعفهم الشهوات إلى اتخاذ الصاحبة لقضاء اللذات، وليس الله -تعالى ذكره- بالعاجز فيضطره شيء إلى شيء، ولا بالضعيف المحتاج فتدعوه حاجته إلى النساء إلى اتخاذ صاحبة لقضاء لذة.

{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)}

{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: خالقهما ومبدعهما لا على مثال سبق {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} أي: كيف يكون له ولد؟ {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} زوجة، والولد إنما يكون من الذكر والأنثى، ولا ينبغي أن يكون لله سبحانه زوجة فيكون له ولد، وذلك أنه هو الذي خلق كل شيء {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} فكل شيء مخلوق له فلا شريك له ولا زوجة {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} والله لا يخفى عليه ما خلق ولا شيء منه، عالم بعددكم وأعمالكم وهو محصيها عليكم حتى يجازي كلا بعمله.

{ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)}

{ذَلِكُمُ} الموصوف بصفات الكمال خالق كل شيء {اللهُ رَبُّكُمْ} الذي خلقكم {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} لا معبود بحق إلا هو. قال الطبري: وهذا تكذيب من الله -جل ثناؤه- للذين زعموا أن الجن شركاء الله، يقول جل ثناؤه لهم: أيها الجاهلون، إنه لا شيء له الألوهية والعبادة إلا الذي خلق كل شيء، وهو بكل شيء عليم، فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادة جميع من في السموات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها، فإنه خالق كل شيء وبارئه وصانعه، وحق على المصنوع أن يُفرد صانعه بالعبادة {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} فاخضعوا وتذللوا له بالطاعة {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} بالحفظ له والتدبير. أي: والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ يقوم بأرزاقهم وسياستهم وتدبيرهم وتصريفهم بقدرته.

{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)}

{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} أي: لا تحيط به {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} وهو يحيط بها، لا يخفى على الله شيء ولا يفوته.

ويوجد فرق بين رؤية الله والإحاطة به، فرؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بأعينهم ثابتة بأدلة أخرى كقول الله تبارك وتعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، والإحاطة به منفية بهذه الآية.
هذه عقيدة أهل السنة والجماعة خلافاً لأهل البدع.

والذي يدل على الفرق بين الرؤية والإحاطة قول الله تبارك وتعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] ، فرأى قوم فرعون أصحاب موسى، والله سبحانه وتعالى قَدْ كَانَ وَعَدَ نَبِيَّهُ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ لَا يُدْرَكُونَ لِقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} فلم يدركوهم ، مع أنهم رأوهم.

قال البغوي في تفسيره: يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في نفي رؤية الله عز وجل عَياناً، ومذهب أهل السنة إثبات رؤية الله عز وجل عَياناً: قال الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23] وقال: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] قال مالك رضي الله عنه: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعيّر الله الكفار بالحجاب؟ وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] وفسره بالنظر إلى وجه الله عز وجل. وذكر البغوي حديث جرير، نذكره باللفظ الصحيح، وعن جرير بن عبد الله قال: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ». ثم قال: وأما قوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} فاعلم أن الإدراك غير الرؤية؛ لأن الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به، والرؤية: المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك، قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ - قَالَ كَلَّا} [الشعراء: 61 - 62] وقال: {لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77] فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، فالله عز وجل يجوز أن يرى من غير إدراك وإحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به، قال الله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم، قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار، وقال عطاء: كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به، وقال ابن عباس ومقاتل: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يُرى في الآخرة. انتهى.

يعني من فسر الإحاطة في هذه الآية بالرؤية نفى رؤية الله في الدنيا خاصة، جمعاً بين الأدلة واتباعاً لما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. والله أعلم قوله: {وَهُوَ اللَّطِيفُ} قال الشنقيطي: اللطفُ: إيصالُ البرِّ والإكرامِ والإحسانِ. وكثيرًا ما يُطْلَقُ على إيصالِه بالطرقِ الخفيةِ التي لا يَعْلَمُهَا كُلُّ الناسِ

وَاللَّهُ -جل وعلا- لطيفٌ بخلقِه، مُحْسِنٌ إليهم، يدركُ حقائقَهم، ولا يَخْفَى عليه منهم شيءٌ، لطيفٌ إليهم، مُحْسِنٌ بَرٌّ بهم، يُوصِلُ لهم طرقَ الإكرامِ والبرِّ والإحسانِ من حيثُ لا يشعرونَ {الْخَبِيرُ} العالم ببواطن الأمور وخفاياها. قال الشنقيطي: (الخبيرُ) في لغةِ العربِ لا يكادُ يُطْلَقُ إلا على العالِمِ بما مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخْفَى، فلا يُطْلَقُ (الخبير) على العالِم بالظاهرِ غَالِبًا، وإنما يُطْلَقُ (الخبير) على مَنْ عَلِمَ شَيْئًا من شأنِه أن يَخْفَى. انتهى المراد

التعليقات عدد التعليقات (0)

اضافة تعليق
قائمة الخيارات
0 [0 %]
السبت 13 ذو القعدة 1443
عدد المشاهدات 42
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق