الجمعة 28 جمادة الاولى 1438 هـ
24 فبراير 2017 م
جديد الموقع   الصوتيات: لب الأصول-60   الصوتيات: لب الأصول-59   الصوتيات: لب الأصول-58   الصوتيات: لب الأصول-57   الصوتيات: لب الأصول-56   الصوتيات: لب الأصول-55   الصوتيات: لب الأصول-54   الصوتيات: لب الأصول-53   الصوتيات: لب الأصول-52   الصوتيات: لب الأصول-51      

الدرس الأول

[الدرس الأول ]


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
نبدأ بالدرس الأول من دروس شرح نزهة النظر للحافظ ابن حجر
الحافظ ابن حجر هو أحمد بن علي بن محمد الشهير بابن حجر العسقلاني ، أثنى عليه العلماء ثناءً عطراً وكان إماماً في الحديث في زمنه رحمه الله، ومن أقوال العلماء فيه ما ذكره السخاوي رحمه الله في الضوء اللامع، قال: شهد له القدماء بالحفظ، والثقة، والأمانة، والمعرفة التامة، والذهن الوقاد، والذكاء المفرط، وسعة العلوم في فنونٍ شتى، وشهد له شيخه العراقي بأنه أعلم أصحابه بالحديث، وقال أيضاً ابن العِماد الحنبلي: شيخ الإسلام، علم الأعلام، أمير المؤمنين في الحديث، حافظ العصر، وقال فيه الشوكاني: الحافظ الكبير، الشهير، الإمام، المتفرد بمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة المتأخرة حتى صار إطلاق الحافظ عليه كلمة جامعة، وله رحمه الله من الشيوخ جماعة من أشهرهم ابن الملقِّن عمر بن علي الأنصاري صاحب كتاب "البدر المنير" وكذلك البُلقيني عمر بن رسلان الكناني العسقلاني صاحب "محاسن الاصطلاح"، وهذا يُكثر الحافظ ابن حجر رحمه الله من النقل عنه في فتح الباري، وكذلك شيخه الشهير الحافظ العراقي صاحب "التقييد والإيضاح"، وكذلك شيخه الهيثمي صاحب كتاب "مجمع الزوائد"، وله شيوخ كثر رحمه الله، ومن أشهر تلاميذه الحافظ السخاوي صاحب كتاب "فتح المغيث"، وكذلك زكريا الأنصاري، له عدة كتب منها "تحفة الباري على صحيح البخاري"، وله رحمه الله مصنفات كثيرة في علومٍ شتى من علوم الشريعة ولكن أكثر العلوم تصنيفاً فيه هو علوم الحديث بأنواعها، وكان إماماً في هذا الشأن مشهوداً له بالخير رحمه الله، ولا يكاد أحد من العلماء ممن جاء بعده إلا ويحتاج إلى كتبه ولا بد، وإن صح أن يقال: إن كل من جاء بعده عيالٌ على كتبه في علم الحديث، فهو رحمه الله إمام كبير ذو شأن ومكانة، وكتابه هذا الذي سنشرحه هو "نزهة النظر"، هو عبارة عن شرح لرسالة صغيرة للحافظ ابن حجر اسمها "نخبة الفِكَر في اصطلاح أهل الأثرونزهة النظر هذه هي شرح لتلك النخبة، أدخلها الحافظ ابن حجر، أدخل الشرح في المتن حتى لو أنك تزيل الأقواس التي يضعها المحققون لرأيت كأنها كتاب واحد، وقد أحسن رحمه الله في تصنيفه لهذه الرسالة وتلقاها العلماء بالقبول، فكثرت الشروحات عليها وكثر المحشِّين عليها كذلك، وكثر أيضاً ناظموها، فهو كتاب نافع وعظيم وأحسن الحافظ ابن حجر رحمه الله ترتيبه ترتيباً متقناً ومنسقاً، وحقق فيه أيضاً المسائل الاصطلاحية تحقيقاً علمياً نادراً.


قال رحمه الله
:
بِسْـــــمِ اللهِ الرحمن الرَّحيــــمِ


قد فسرنا البسملة وشرحناها في عدة مجالس غير هذا .
((قال الشيخ)) هذا الكلام لأحد تلاميذه، والشيخ كلمة تطلق للكبير، إما في السن أو في الشأن والمكانة، فيقال: الشيخ الفلاني وإن لم يكن كبيراً في السن إلا أن مكانته تكون كبيرة وله شأن فيقال فيه: الشيخ، أو يقال الشيخ فيمن كان كبير السن، والمراد هنا بالشيخ من كان كبير الشأن.
((الإمام)) الإمام هو الذي يُقتدى به، وقد كان رحمه الله إماماً يقتدي به الكثيرون ممن جاء بعده ومن تلاميذه أيضاً.
((العالم)) العالم هو الموصوف بالعلم، وصيغة المبالغة منها يقال: العلاّمة، العلاّمة صيغة مبالغة، العالم الموصوف بالعلم والعلامة الموصوف بكثرة العلم.
((الحافظ)) الحافظ هذا لقب من ألقاب المحدثين وهو يطلق على من حفظ عدة من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن أتقن أيضاً علم الحديث وعرف صحيح الأحاديث من ضعيفها وعرف العلل وعرف الرجال أيضاً وحفظ قدراً من الأحاديث كما ذكرنا، وهذا القدر يختلف من زمن إلى زمن آخر، فقد قال تقي الدين السُّبكي : سألت الحافظ المزي عن حد الحافظ الذي انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ؟ فقال المزي رحمه الله: يُرجع إلى أهل العرف، يرجع في ذلك إلى أهل العرف فهذا يختلف من وقت إلى آخر .
قال رحمه الله:((الإمام العالم الحافظ وحيد دهره وأوانه وفريد عصره وزمانه)) هما جملتان بمعنًى واحد أي أنه كان رحمه الله مميزاً تميزاً لا يشاركه فيه أحد في وقته.
(( شهاب الملة والدين)) الشهاب هو النجم المضيء، فهو نجم مضيء في الملة والدين، الملة بمعنى الدين، فهُما بمعنى واحد.
((أبو الفضل))كنيته أبو الفضل، الكنية ما صُدِّر بأبٍ أو أم، فـ أبو الفضل كنية الحافظ ابن حجر.
((أحمد)) هذا اسمه.
((بن علي العسقلاني)) العسقلاني نسبة إلى عسقلان، وهي بلد بفلسطين من بلاد الشام، بلاد الشام تشمل فلسطين والأردن وسوريا ولبنان، هذه كلها بلاد الشام، ولكن حدودها لا تقتصر على الحدود الموجودة اليوم، يوجد زيادة ونقص على حسبه، كله مفصَّل في كتب معاجم البلدان.
((الشهير بابن حجر)) اختلف أهل العلم في هذا، هل هو لقب له، أم لقب لأحد أجداده، أم هو اسم لأحد أجداده، الأمر في هذا سهل ولكنه اشتُهر بهذا اللقب.
((أثابه الجنة بفضله وكرمه)) أي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يثيبه، أي أن يجازيه الجنة بفضله وكرمه، لا بعمله، الأمر كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" ما منكم أحد يدخل الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته"
.
هذا كله من كلام تلميذ الحافظ ابن حجر فيبدأ الآن الكلام للحافظ رحمه الله
:
((الحمد لله الذي لم يزل عالماً قديراً، حياً قيوماً سميعاً بصيراً)) ذكرنا أن الحمد هو وصف المحمود بصفات الكمال محبة وتعظيماً، ويبدأ العلماء بالحمد اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يبدأ خطبه بالحمد، ولو أنه بدأ بالبسملة لكان أنسب لأن الكتابة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبدؤها بالبسملة، والخطب والمحاضرات كان يبدؤها بالحَمْدَلَة، على كلٍ الأمر سهل إن شاء الله .
الذي لم يزل عالماً قديراً حياً قيوماً سميعاً بصيرا، الذي لم يزل في القِدم موصوفاً بهذه الصفات المذكورة ولا يزال موصوفاً بها في الحديث أيضاً وفيما سيأتي، فلم يزل ولا يزال موصوفاً بأنه عالم قدير حي قيوم سميع بصير، القيوم هو القائم بنفسه الذي لا يحتاج لأحد من خلقه، والقائم على جميع خلقه فجميع خلقه محتاجون إليه، هذا معنى القيوم، وأما بقية الأسماء فواضحة معانيها .
((وأشهد أن لا إله إلا الله)) الشهادة هي إخبارٌ عن أمرٍ أنت تؤمن به وتعتقده، فهنا كأنك تقول: أُخبر وأُنبؤ عن إيماني ويقيني بأنه لا معبود بحق إلا الله تبارك وتعالى، فإذا عبدت غيره معه تكون ناقضاً لكلمتك هذه.
((وحده لا شريك له)) وحده أي منفرداً لا شريك له في عبادته ولا فيما يختص به سبحانه، ((وأُكَبِّره تكبيراً)) أي وأعظِّمه تعظيماً، ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) أيضاً أُخبر عن إيماني ويقيني بأن محمداً الذي بعثه الله تبارك وتعالى بالرسالة عبده، فلا نغلو فيه ونتجاوز الحد ونعطيه أكثر مما أعطاه الله سبحانه وتعالى ورسوله، ولا نقصر في حقه ولا ننتقصه عنه، ونؤمن بأنه مرسل من عند الله تبارك وتعالى برسالة الإسلام فيلزمنا على ذلك أن نصدقه فيما أخبر وأن نطيعه فيما أمر وأن نجتنب ما عنه نهى وزجر .
((وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله للناس كافة بشيراً ونذيراً))، صلى الله على سيدنا أي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلي عليه، وصلاة الله على نبيه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، سيدنا وهو سيدنا ولا شك فقد قال - صلى الله عليه وسلم - :" أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخرمحمد ابن عبد الله الهاشمي الذي أرسله للناس كافة بشيراً ونذيرا، أرسله الله سبحانه وتعالى للناس كافة، وهذه من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - فقد كان النبي يرسل إلى أمته خاصة والنبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل للناس كافة كما قال - صلى الله عليه وسلم - وقال الله تبارك وتعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ } [ سبأ/28] فهو مرسل لجميع الخلق ، وقال - عليه الصلاة والسلام - أنه بُعث للناس كافة للأحمر وللأسود.
بشيراًيبشر من أطاعه بالجنة، ونذيراًينذر من عصاه بالنار،((وعلى آل محمد))آل محمد هم أقاربه من المؤمنين، وقلنا أقاربه فقط لأنه عطف عليهم الصَّحب فقال: وآل محمد وصحبه، ولنا إذا لم يعطف عليهم الصحب والأتباع أن نقول: وآل محمد أقاربه وأتباعه لأن الآل تأتي على معنى الأقارب وتأتي على معنى الأتباع.
((وعلى آل محمد وصحبه)) الصَّحب هم أصحابه الذين صحبوه، والصحابي هو من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به ومات على ذلك، فهؤلاء كلهم من الصحابة لهم فضيلة الصُّحبة، ((وسلم تسليماً كثيراً)) أي سلِّمه من الآفات والنقائص.

((أما بعد: )) هذه كلمة يؤتى بها للتحول من أسلوب إلى أسلوب آخر في الخطاب، وقد استعملها النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاء ذكرها في الصحيح،وهنا بعد أن انتهى المؤلف رحمه الله من الحمد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والثناء عليه، أراد أن يبدأ بموضوع الكتاب فانتقل من أسلوب إلى أسلوب آخر في الكلام (من موضوع إلى موضوع آخر) فأراد أن ينتقل بهذه العبارة فقال: أما بعد، ومعناها مهما يكن من شيء بعد فكذا وكذا ، ((فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث، قد كثرت)) التصانيف جمع تصنيف وهو المؤلَّف، سمي تصنيفاً لأن المؤلِّف يجمع بين أنواع الكلام ويجعلها أصنافاً، يجعل كل صنفٍ وحده، فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت، الاصطلاح هو عبارة عن اتفاق قوم على تسمية شيء باسم يُنقل عن موضوعه كالصحيح مثلاً عند أهل الحديث، الصحيح في اللغة هو ضد السقيم، نقله علماء الحديث واتفقوا على أن يسموا الصحيح هو ما توفرت فيه شروط الصحة :ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاهولا يكون شاذاً ولا معللاً، اتفق علماء الحديث على أن يأخذوا كلمة الصحيح هذه وينقلوها إلى هذا المعنى، هذا يسمى اصطلاح، الآن الصحيح بمعنى ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللا، الصحيح بهذا المعنى هو اصطلاح وإلاّ أصل كلمة الصحيح في اللغة ليس هذا معناها، معناها ضد السقيم، رجل صحيح أي ليس مريضاً، فنُقلت هذه اللفظة إلى هذا الاصطلاح الذي اتفق عليه أهل الحديث، فذكرنا أنه اتفاق قوم على تسمية شيء باسم يُنقل عن موضوعه الأصلي الذي هو الوضع العربي الذي وُضع عليه
.
هذا معنى الاصطلاح
التصانيف في اصطلاح أهل الحديث، أهل الحديث هم الذين يشتغلون بالحديث ويعتنون به، قد كثرت، التآليف في هذا العلم قد كثرت، ((للأئمة في القديم والحديث)) يعني أن أئمة كُثر من علماء الحديث قد ألّفوا في علم الحديث، هذا معنى كلامه .
((فمن أول من صنف في ذلك: القاضي أبو محمد الرامَهُرْمُزي كتابه "المحدِّث الفاصل" لكنه لم يستوعب)) الإمام الرامهرمزي هذا، هو الحسن بن عبد الرحمن بن خلاّد، الرامهرمزي، رامَهُرْمُزْ بلاد في خوزستان، بلاد ما وراء النهر فوق إيران، هذه البلاد منها هذا العالم، الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد،توفي سنة 360هـ فهو من علماء القرن الرابع، ألّف كتاباً في علم الحديث سماه "المحدِّث الفاصل"، وهذا الكتاب (كتاب مطبوع) يقول فيه الحافظ ابن حجر: لكنه لم يستوعب أي لم يستوعب جميع أنواع علوم الحديث، وهذا حال التآليف في أي فن من الفنون لا يستوعب مؤلفه كل ما فيه حتى يأتي مَن بعده ويستدرك عليه ثم يأتي مَن بعده ويحقق وينقح ويزيد وينقص إلى أن يصبح العلم كاملاً مكتملاً وهذا شأن العلوم الاصطلاحية.
((والحاكم أبو عبد الله النيسابوري)) أيضاً ممن ألَّف في هذا العلم الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، محمد بن عبد الله ابن البَيِّع صاحب كتاب "المستدرك"، ألَّف في هذا الفن، له كتاب "معرفة علوم الحديث" وهو مطبوع أيضاً.
((لكنه لم يهذِّب ولم يرتِّب)) يعني لم ينقح الكتاب ولم يرتبه ترتيباً جيداً .((وتلاه أبو نعيم الأصفهاني فعمل على كتابه مستخرِجاً، وأبقى أشياء للمتعقِّب)) يعني أبو نعيم الأصفهاني ألَّف أيضاً كتاباً وأبقى أشياءً للمعترض، لمن أراد أن يعترض عليه، يعني في الكتاب أشياء تستحق الاعتراض أو أنه أبقى أشياء للمتعقب أي لمن يأتي عقبه أي لمن يأتي بعده، يعني أن كتابه ليس كاملاً.
((ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي)) الإمام الشهير المعروف صاحب كتاب "تاريخ بغداد" وله كتبٌ كثيرة في علم الحديث، ((فصنف في قوانين الرواية)) أي في قواعد علم المصطلح،(( كتاباً سماه "الكفاية")) في علم الرواية ومطبوع وكتابٌ نفيس عظيم في علم المصطلح،(( وفي آدابها كتاباً سماه "الجامع لآداب الشيخ والسامع" وقَلَّ فنٌّ من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً)) له كتب كثيرة ما من نوع من أنواع الحديث إلا وتجد له فيه كتاب إلا ما ندر،(( فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: كل من أنصف علِم أن المحدثين بعد الخطيب عيالٌ على كتبه)) أي أنهم بحاجة إلى كتبه كحاجة العيال لأبيهم، (( ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب)) أخذ بحظ ،((فجمع القاضي عياض كتاباً لطيفاً سماه "الإلماع"، وأبو حفصٍ الميّانجي جزءاً سماه "ما لا يسع المحدث جهله". وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت وبُسِطت)) أي توسع فيها أصحابها، البسط يعني التوسع ،((ليتوفر علمها)) كي تزداد فوائدها، (( واختُصِرَت ليتيسر فهمها)) تصانيف اختصرها أصحابها ليسهل فهمها على الدارس،(( إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشَّهرزوري نزيلدمشق فجمع لما وُلِّيَ تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور)) وهو "علوم الحديث" المشهور "بمقدمةابن الصلاح" الذي اختصره الحافظ ابن كثير في كتابه "الباعث الحثيث" والذي شرحناه في مجالس سابقة، ((فهذَّب فنونه)) هذَّب أينقَّح، فنونه أيأصناف أصول علم الحديث، ((وأملاه شيئاً بعد شيء))كان كلما جهَّز نوع أملاه على تلاميذه ولذلك لم يخرج الكتاب مرتباً ترتيباً جيداً، ((فلهذا لم يحصل ترتيبه)) لم يحصل ترتيبه يعني لم يرتب ترتيباً جيداً لأنه كان كلما جهز نوعاً كان يلقيه على تلاميذه مباشرة، ((على الوضع المتناسب)) الذي تتناسب فيه الفنون بعضها مع بعض،((واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرَّقة)) يعني ابن الصلاح اعتنى بمؤلفات الخطيب، درسها وقرأها جيداً وجمع فوائدها وأخذ خلاصتها وجعلها في كتابه هذا،((فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها مِنْ غيرها نُخَبَ فوائدها))أخذ مقاصد كتب الخطيب وزاد عليها فوائد من مواضع أخرى ((فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه)) عظمت فائدة هذا الكتاب لأنه أخذ خلاصة الكتب التي قبلها وجمع فوائدها ووضعها فيه،((وساروا بسَيره )) مشوا على طريقة هذا الكتاب ((فلا يُحصى كم ناظم له ومختصر))الكثرة هذه، كثرة مَن يَنْظم الكتاب ويختصره ويشرحه وكذا ،هذه تدل على أن العلماء قد أعجبهم هذا الكتاب وكان له من العلم مكانة عالية،((ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر)) من ينتصر لصاحب الكتاب ويدافع عنه وآخر يعترض عليه وثالث ينتقده ..
إلخ، هذا حال الكتب المصنفة.
((فسألني بعض الإخوان أن ألخص له المهم من ذلك)) كثر القيل والقال في شروح هذا الكتاب وفي الاستدراكات وفي المنتصرين له، فأشكل الأمر على بعض طلبة العلم فطلبوا من الحافظ ابن حجر أن يلخص لهم خلاصة في هذا المصطلح، هنا الآن الحافظ ابن حجر يذكر لك سبب تأليفه لهذا الكتاب،((فلخَّصته في أوراقٍ لطيفة)) في أوراق قليلة وهي : قال :((سميتها:"نخبة الفِكَرْ في مصطلح أهل الأثر")) نُخبة أي الشيء المختار، يعني تنتخب من هذه المجموعة شخصاً لعملٍ ما، فتختار منهم أحسنهم وأصلحهم لهذا العمل، هذا معنى الانتخاب، نخبة الفِكَر، يعني بالفكر: الأفكار، خلاصتها وأفضلها في هذا العلم، اختارها وجعلها في هذا الكتاب فسمى كتابه :"نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، مصطلح أهل الحديث، ((على ترتيبٍ ابتكرته)) رتب الكتاب ترتيب اخترعه هو من عنده، لكن كان اختراعاً نفيساً من رجلٍ خبير، ((وسبيلٍ انتهجته)) طريق سِرتُ فيه، ((مع ما ضممتُ إليه من شوارد الفرائد)) أي النفائس الحسنة الفريدة التي لا يشترك معها غيرها في حسنها، ((وزوائد الفوائد)) زوائد المسائل التي فاتت المتقدمين. ((فرَغَّب إلي ثانياً أن أضع عليها شرحاً يحل رموزها، ويفتح كنوزها، ويوضح ما خفي على المبتدئ من ذلك)) يعني بعض الإخوان رغَّبوا إليه وطلبوا منه بعد أن ألَّف نخبة الفكر أن يفك لهم ألفاظ هذا الكتاب، يحل رموزها يعني يفك لهم الألفاظ، ويفتح كنوزها، يبين لنا المعاني الدقيقة الثمينة التي فيها، ويوضح ما خفي على المبتدئ من ذلك، يوضح لهم ما لم يفهمه من قرأها من المبتدئين، ((فأجبته إلى سؤاله رجاء الاندراج في تلك المسالك)) أي مسالك المصنفين والمؤلفين في علم مصطلح الحديث، ((فبالغتُ في شرحها في الإيضاح والتوجيه)) أي في توجيه معناها التوجيه السليم الذي أراده هو،((ونبهتُ على خبايا زواياها)) خبايا زواياها أي ما سُتِر في الزوايا التي تكون بعيدة شيئاً ما عن الظهور، كالزاوية تلك ما خُبِّئ فيها، الزاوية تكون أخفى من غيرها فتخبَّأ فيها الأشياء، تسمى خبايا زواياها يعني الزاوية فيها خبايا لا تظهر فأظهرها هو، ((لأن صاحب البيت أدرى بما فيه)) فشبَّه الأمر كله بالبيت الذي له زوايا، والزوايا التي فيها أشياء مخبأة، ((وظهر لي أن إيراده على صورة البسط أَلْيَقْ)) على صورة التوسع، ((ودمْجَها ضمن توضيحها أوْفَق)) دمجها يعني أدخل الشرح في المتن حتى صارت كالشيء الواحد، وهذا رآه أوفق وأقرب إلى الصواب، ((فسلكتُ هذه الطريقة القليلة السالك. فأقول طالباً من الله التوفيق فيما هنالك:))...
وبدأ بعد ذلك بشرح الكتاب.
نؤجل ذلك إلى الدرس القادم إن شاء الله تبارك وتعالى

قائمة الخيارات
0 [0 %]
بقلم: أبي الحسن علي الرملي
الخميس 2 محرم 1434
عدد المشاهدات 5082
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق