الثلاثاء 9 رمضان 1439 هـ
22 مايو 2018 م
جديد الموقع   الصوتيات: شرح بلوغ المرام-ح17-18   الصوتيات: شرح بلوغ المرام-ح16-الجزء2   الصوتيات: شرح بلوغ المرام-ح16-الجزء1   الصوتيات: التعليق على السؤال 77 فما بعده من الأجوبة المفيدة (وهو الأخير) الأعمال منها ما يختص به ولي الأمر وأخذ العلم عن النووي وابن حجر   الصوتيات: التعليق على السؤال ٧٢ و٧٣ و٧٤ و٧٥ و٧٦ ‪‎ هل يوجد في السعودية فرق منحرفة وحكم الطعن في علمائها وموالاة الكفار ودفع الأموال الطائلة لهم   الصوتيات: التعليق على السؤال ٦٩ و٧٠ و٧١ دراسة غير العقيدة عند أهل البدع وتكفير المعتزلة ومن شابههم   الصوتيات: التعليق على السؤال ٦٦ و٦٧ و٦٨ التعصب للرجال والفرق بين الغيبة والتحذير من أهل البدع وطلب العلم عند أهل البدع   الصوتيات: شرح بلوغ المرام-ح14-15   الصوتيات: التعليق على السؤال ٦٢ و٦٣ و٦٤ و٦٥ ما هي السلفية وحكم من مدح رؤوس أهل البدع وتبديع المبتدع والعذر بالجهل   الصوتيات: التعليق على السؤال ٥٩ و٦٠ و٦١ هجر أهل البدع وكيفية مناصحة ولاة الأمر وسبب تفريق الأمة      

شرح ثلاثة الأصول الدرس الثامن

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين ؛ أما بعد

فهذا المجلس الثامن من شرح الأصول الثلاثة وأدلتها .

الأصل الثاني من الأصول الثلاثة ، وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة ، وقد عرّف المؤلف رحمه الله الإسلام ثم ذكر أن الدين الإسلامي ثلاث مراتب . وقد انتهينا من المرتبة الأولى وهي الإسلام ، ومعنا الآن المرتبة الثانية .

قال المؤلف : " المرتبة الثانية : الإيمان ، وهو بضع وسبعون شعبة ، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ، وأركانه ستة :

أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خير وشرّه .

والدليل على هذه الأركان الستة ؛ قوله تعالى { ليس البر أن تولّوا وجوهكم قِبَلَ المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب و النبين }، ودليل القدر قوله تعالى { إنّا كلَّ شيء خلقناه بقدر } .

المرتبة الثالثة : الإحسان ، ركن واحد وهو : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " والدليل قوله تعالى { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ، وقوله { وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلُّبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم } ، وقوله { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنّا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه }.

والدليل في السنة حديث جبرائيل المشهور عن عمر رضي الله عنه ؛ قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منّا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفّيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤدي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً " قال : صدقت ، فعجبنا له يسأله ويصدّقه . قال : فأخبرني عن الإيمان ، قال : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه " ، قال : صدقت ، قال : فاخبرني عن الإحسان ، قال : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ، قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " ، قال : فأخبرني عن أماراتها ، قال : " أن تلد الأمُة ربّتها ، وأن ترى الحفاة العُراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان " قال : فمضى فلبثنا مليّاً ، فقال : " يا عمر أتدري من السائل ؟ " قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : " هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم أمر دينكم " .

قال : " المرتبة الثانية " أي من مراتب الدين الإسلامي .

" الإيمان " ؛ الإيمان لغة : التصديق .

وشرعاً : هو اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح ، وهو بضع وسبعون شعبة كما سيأتي .

واعتقاد القلب ؛ هو تصديق القلب وعمله .

وقول اللسان ؛ كالتلفظ بالشهادتين .

وعمل الجوارح ؛ كالصلاة والصيام والزكاة والحج ، وما شابه ذلك .

فهذا كلّه داخل في الإيمان ، الذي يشمل دين الله بالكامل .

والإيمان والإسلام كلمتان إذا اجتمعتا افترقتا ، وإذا افترقتا اجتمعتا ، أي أن الإسلام والإيمان إذا افترقتا في الذكر ؛ فقلت مثلاً : فلان مؤمن ، فهذا يعني أن الإسلام والإيمان بمعنى واحد ؛ وهو الأعمال التعبدية الظاهرة والباطنة .

وإذا قلت : فلان مسلم ، وسكتّ ؛ فهي بنفس المعنى ؛ لأن الإيمان والإسلام قد افترق في الذكر ؛ فذكرت واحداً ولم تذكر الثاني ، أما إذا جمعتهما في الذكر فقد افترقتا في المعنى ؛ فكان لكل واحد منهما معنى ؛ فيكون الإيمان بمعنى الأعمال الباطنة ، والإسلام بمعنى الأعمال الظاهرة ، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام ، فإنهما اجتمعتا ؛ فقد سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ثم عن الإيمان ، فاجتمعتا في الذكر وافترقتا في المعنى ؛ ففسر الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والقدر خيره وشرّه ؛ وكلّها أعمال باطنة ، وفسّر الإسلام بأنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ، وكلها أعمال ظاهرة .

قال المؤلف : " وهو بضع وسبعون شعبة " والبضع من الثلاثة إلى التسعة ، فالبضع والسبعون قد تكون ثلاثا و سبعين أو أربعا وسبعين إلى تسع وسبعين .

قال : " فأعلاها قول لا إله إلا الله " أي أعلى شعب الإيمان قول لا إله إلا الله ، فبهذه الكلمة يدخل المرء في الإسلام فهي أصل الإسلام .

قال : " وأدناها " أي أقلها ؛ أي أقل شعب الإيمان .

" إماطة الأذى عن الطريق " وهو إزالة كل ما يؤذي الناس ، من حجر وشجر وشوك وغيره .

قال " والحياء شعبة من الإيمان " والحياء هو ما يدفع إلى التحلّي بالأخلاق الحسنة الحميدة ، أما الحياء الذي يمنع من فعل الطاعة أو الذي يجر إلى السكوت عن الفساد ؛ فلبس من الإيمان وهو حياء مذموم .

فشمل هذا الحديث من أجزاء الإيمان ؛ القول اللساني ، وعمل الجوارح الذي عبّر عنه بإماطة الأذى عن الطريق ، وكذلك أعمال الباطن الممثّلة هنا بالحياء ، فالإيمان يشمل هذا كلّه ، وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان ؛

فالإيمان اعتقاد وقول وعمل ؛ ثلاثة أركان لا يصلح إلا بها ؛ فإذا اعتقد ولم يقل مع القدرة على القول ؛ لم يكن مؤمناً ، وإذا اعتقد وقال ولم يعمل ؛ فلا يكون مؤمناً ، أما إذا اعتقد وقال وعمل ؛ فقد أتى بالإيمان الشرعي ؛ فلا يصحّ إيمان إلا باجتماع هذه الثلاث .

قال المؤلف رحمه الله - : " وأركانه ستة " وأركانه هي أساساته وأجزاءه التي يقوم عليها .

قال : " أن تؤمن بالله " ويشمل الإيمان بوجوده ،وبانفراده بالربوبية وبالألوهية والإيمان بالأسماء والصفات ، فتؤمن بأن الله موجود ، وأنه هو وحده الخالق الرازق المدبّر ، وأنه المستحق للعبادة وحده ، ولا يستحق أحد معه العبادة ، وأن تؤمن بالأسماء والصفات التي سمّى بها نفسه أو وصف بها نفسه ؛ في كتابه أو في سنة نبيّه صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ، أي فلا تحرفها عن معناها الذي أراده الله منها ، ولا تعطّل صفاته ؛ فتنفيها بعدما أثبتها ربنا تبارك وتعالى ؛ فإذا أثبت الله لنفسه اليد فتثبت له اليد ، أثبت لنفسه الوجه تثبت له الوجه، أثبت لنفسه المحبة تثبت له المحبة ؛ وهكذا . فلا تعطّل صفة من صفات الله التي أثبت لنفسه ، ولا تكيفها ولا تمثلها بصفات المخلوقين ؛ فتكون بذلك مؤمنا بحق .

ثم قال رحمه الله - " وملائكته " ، الملائكة عالم غيبيّ ، مخلوقات خلقها الله تبارك وتعالى من نور ؛ كما جاء وصفهم في الحديث في " صحيح مسلم " ، وجعلهم طائعين خاضعين له ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ويتكلمون ويسمعون ويكتبون ولهم أجنحة ، ينزلون من السماء ويصعدون إليها ، وهذه كلها أوصاف ثبتت لهم في الكتاب والسنة ، نؤمن بها كلها .

ونؤمن بهم بالجملة ، ومن سمّي لنا في الكتاب والسنة ؛ نؤمن به باسمه ، ومن أخبرنا بعمله ؛ كجبريل عليه السلام نؤمن بعمله ؛ ينزل على الرسل بالوحي ، وإسرافيل موكّل بنفخ الصور وهو كذلك من حملة العرش ، وميكائيل موكل بالقطر ، ومالك موكّل بالنار ، ورضوان موكّل بالجنة ؛ وبمن يتعاقبون في الليل والنهار ، وبالحفظة وبمن وكّل بقبض الأرواح مع ملك الموت وغيرهم.

قال " وكتبه " أي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله ؛ منها صحف إبراهيم والزبور والتوراة والإنجيل ، والقرآن المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، نصدق به ونعمل بما جاء فيه من أوامر ونواه .

قال " ورسله " والرسل هم الذين أوحى الله إليهم بالشرائع ، وهم خلق من البشر ليس لهم حقّ في الربوبية ، وما لهم في الألوهية من شيء ولا لهم حق في العبادة ، فلا نعبدهم ولا نتقرّب إليهم ؛ إنما نعبد الله وحده .

فلا نغلو فيهم ونعطيهم أكثر من حقّهم ولا نزهد فيهم ونستنقصهم ونعطيهم أقل من حقّهم ، بل نعطيهم درجتهم ومنزلتهم ، ومنزلة النبوة منزلة عالية رفيعة ، فلا إفراط ولا تفريط ، لا نفعل بهم كفعل اليهود ولا كالنصارى .

والرسل هم الذين أوحى الله إليهم بالشرائع وأمرهم بتبليغها ، أولهم نوح عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، نؤمن بهم كما قدمنا .

وأما محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فنؤمن بشريعته التي جاء بها وأنه يجب علينا أن نتّبعها ولا نتركها .

ومن سمّي لنا من الرسل آمنا بأسمائهم ، ومن لم يسمّ آمنّا به إيماناً مجملاً .

قال : " واليوم الآخر " ؛ وهو يوم القيامة ، وسمّي بذلك لأنه لا يوم بعده ، وهو يوم القيامة الذي فيه الحساب ، فإما عذاب وإما رحمة من الله تبارك وتعالى .

فنؤمن أن الناس سيبعثون بعد موتهم وسيحاسبون على أعمالهم ، ثم يجازون عليها إما بالنار أو بالجنة ، على ما تواترت به أدلّة الكتاب والسنّة .

قال رحمه الله - : " ونؤمن بالقدر خيره وشرّه " .

والقَدَرُ لغة مصدر قدّرت الشيء أقدّره ؛ إذا أحطت بمقداره .

وشرعاً ؛ هو ما قدّره الله في الأزل أن يكون في خلقه بناء على علمه السابق بذلك .

أو تقول : هو تقدير الله للكائنات حسب ما سبق في علمه واقتضته حكمته .

والإيمان بالقدر يكون بالإيمان بمراتبه ؛ وهي : العلم والكتابة والمشيئة والخلق ، فمن آمن بهذه المراتب فقد آمن بالقدر .

العلم ؛ أن تؤمن بأن الله علم الأشياء قبل كونها ، وأنه عالم بكل شيء .

والكتابة ؛ أن تؤمن بأن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، فكل شيء مكتوب عنده في اللوح المحفوظ .

والمشيئة ؛ أن تؤمن بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، ولا شيء يخرج عن مشيئته تبارك وتعالى .

والخلق ؛ أن تؤمن بأن الله خالق كل شيء ، لا يخرج عن خلقه شيء من المخلوقات ، فهو خالق المخلوقات وخالق أفعالها .

كل واحدة من هذه المراتب أنكرتها طائفة من أهل البدع والضلال .

ثم قال رحمه الله - : " والدليل على هذه الأركان الستة ؛ قوله تعالى { ليس البر أن تولّوا وجوهكم قِبَلَ المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب و النبين } " .

و " { البر } " كل عمل يفضي بصاحبه إلى الجنة .

فمعنى الآية أنه ليس البر التوجه إلى الشرق أو الغرب ، ولكن البر هو طاعة الله وامتثال أمره والتوجه حيث وُجّه ، وإتباع ما شرع ، وهذا هو البر والإيمان الكامل .

وقد ذكر في هذه الآية الأركان الستة ، أما القدر فسيأتي في قوله :

" ودليل القدر قوله تعالى { إنّا كلَّ شيء خلقناه بقدر } " ، هذا هو دليل الركن السادس .

انتهى المؤلف من المرتبة الثانية ، ثم بدأ بالمرتبة الثالثة فقال رحمه الله - :

" الإحسان ، ركن واحد وهو : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " والدليل قوله تعالى : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ، وقوله { وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلُّبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم } ، وقوله { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنّا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه } " .

والإحسان ضد الإساءة ، وهو مع الخلق كما قال الحسن البصري : " بذل الندى وكفّ الأذى وطلاقة الوجه " .

وبذل الندى ؛ هو إعطاء المعروف للناس ، أي إيصال الخير منك إليهم .

وكف الأذى ؛ هو أن تكفّ عنهم أذاك وشرّك .

وطلاقة الوجه ؛ هو كما قال عليه السلام : " تبسّمُك في وجه أخيك صدقة " ، فطلاقة الوجه من الإحسان إلى الناس .

وأما مع الخالق وهو المقصود هنا - فكما قال عليه السلام : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ، فتصوّر لو أنك وقفت تعبد الله وأنت تراه ؛ فكيف ستكون عبادتك ، وخشوعك وخضوعك وتذلّلك ، سيكون في أعلاه وقمته ، فهكذا يكون الإحسان في العبادة أن تعبد الله كأنك تراه .

قال " { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } " والشاهد قوله " { والذين هم محسنون } " .

قال : " وقوله { وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلُّبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم } ، وقوله { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنّا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه } " . أي أن الله يشاهدك ويراك ويعلم ما تفعل .

قال : " والدليل من السنة : حديث جبرائيل المشهور عن عمر رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منّا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفّيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤدي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً " قال : صدقت ، فعجبنا له يسأله ويصدّقه . قال : فأخبرني عن الإيمان ، قال : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه " ، قال : صدقت ، قال : فاخبرني عن الإحسان ، قال : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ، قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : " أن تلد الأمُة ربّتها ، وأن ترى الحفاة الحُفاة العُراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان " قال : فمضى فلبثنا مليّاً ، فقال : " يا عمر أتدري من السائل ؟ " قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : " هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم أمر دينكم "

قوله : " والدليل من السنة " ؛ أي على كل ما ذكر من مراتب الدين الإسلامي .

قال : " حديث جبرائيل المشهور عن عمر رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم " . فقد كان الصحابة جالسين مع النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمون العلم ويتربّون على يديه ، وهذا ما ينبغي على العلماء فعله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ الجلوس للناس وتعليمهم الأخلاق وطريقة التعامل مع البشر عن طريق سنة النبي عليه السلام وتربيتهم عليها .

قال " ذات يوم " أي في يوم من الأيام .

قال " إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر " أي ثيابه بيضاء وشعره أسود ، يريد بهذه الأوصاف شيئا سيأتي .

قال " لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد منا " هذا ما يريده من ذكر شدّة بياض ثيابه وشدّة سواد شعره ، أن هذا البياض في الثياب والسواد في الشعر لا يظهر معه أنه كان مسافراً ، ولو كان مسافراً لاغبرت ثيابه و تشعث رأسه ؛ ولكنه لا يظهر عليه السفر ومع هذا لا يعرفه منهم أحد ، فهذا مستغرب ؛ إذ لا هو قادم من سفر ولا هو مقيم فيعرف .

قال " حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه " أي أسند ركبتيه إلى ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كجلسة المتعلم الجالس تأدّباً مع المعلم .

قال : " ووضع كفّيه على فخذيه " أي على فخذي نفسه .

قال " وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤدي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً " فذكر له أركان الإسلام الخمسة ، وهو دليل على المرتبة الأولى .

" قال : صدقت - قال الراوي - فعجبنا له يسأله ويصدّقه " وهو أمر مستغرب ؛ فبما أنك تعلم أنه صدق ؛ فلم تسأل ؟!

قال : قال : فأخبرني عن الإيمان ، قال : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه " ، قال : صدقت ، قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ، وهذا دليل على المراتب الثلاثة.

قال " قال : فأخبرني عن الساعة " والآن هو يسأله عن وقت قيام الساعة .

قال " قال : " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " أي اشترك السائل والمسئول بعدم العلم بها ؛ لئن الله قد انفرد بالعلم بها .

قال " قال : فأخبرني عن أماراتها " الأمارة هي العلامة ؛ أي أخبرني عن علاماتها ، فإن لم تكن تعلم وقتها ؛ فأخبرني عن علاماتها التي تدلّ عليها .

قال " قال : " أن تلد الأمُة ربّتها " أي مربيتها ، أو سيدتها ، قالوا هو كناية عن كثرة الإماء ، وقد حصل هذا ، فقد كثرن لدرجة أن الإماء صرن يلدن سيداتهن ، وذلك بأن يجامع الرجل أمته ، فتلد منه بنتاً ؛ فتكون هذه البنت سيدة لهذه الأمة التي هي أمّها.

قال " وأن ترى الحُفاة " الذين لا يلبسون في أقدامهم شيئا لشدّة الحاجة " العُراة " الذين لا يملكون ما يسترون به أجسادهم من فقرهم " العالة " هم الفقراء " رعاء الشاء " الذين يرعون الشياه " يتطاولون في البنيان " وقد تحقق هذا الأمر في يومنا هذا ؛ فإن كثيراً من البدو الذين كانوا جياع فقراء يتطاولون في البنيان ويبنون العمائر الطويلة . وهذا من صدقه عليه السلام فيما أخبر به ، فقد أخبر بهذا البنيان الذي يوجد اليوم من ناطحات سحاب عند أناس ما كان أحدهم يجد طعاماً.

قال :قال : فمضى " أي فانطلق " فلبثنا مليّاً " أي مكثنا طويلا ، فقال : " يا عمر أتدري من السائل ؟ " قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : " هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم أمر دينكم " ، وهذا الشاهد ؛ فإنه سمّى هذا كله ديناً ، إذن فالدين هو المراتب الثلاثة التي ذكرت .

 

 

قائمة الخيارات
27 [3 %]
بقلم: أبي الحسن علي الرملي
الثلاثاء 13 ربيع ثان 1433
عدد المشاهدات 3434
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق