الاحد 23 ذو القعدة 1441 هـ
12 يوليو 2020 م
جديد الموقع   تفسير القرآن: الآيات 285-286 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 283-284 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآية 282 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 278-281 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 275-277 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 270-274 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 267-269 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 260-266 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآية 259 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 257-258 من سورة البقرة      

تفريغ الشريط الأول من شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام

 شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام

(الدرس الأول )

للشيخ

أبي الحسن علي الرملي

- حفظه الله -

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد :

فتعلمون بارك الله فيكم أن العلم الشرعي ينقسم إلى واجب عيني وواجب كِفائي ، وعلم الصيام من الواجب العَيني على كل مسلم وجب عليه الصيام ، لذلك ولأن الصيام أو شهر الصيام وهو شهر رمضان قد اقترب على الأبواب عزمت على شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام ، وقبل أن أبدأ بمادة الكتاب أحببت أن يكون درسنا اليوم مقدمة بين يدي شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام ، سأذكر في هذه المقدمة تعريف الصيام وحكمه وفضله وكيف بدأ ، وعلى من يجب ، وأول ما فُرِض مِن الصيام .

فأبدأ بحول الله تبارك وتعالى

الصيام لغة : هو الإمساك .

يقال : صام النهار إذا وقف سير الشمس ، ويقال : صامت الخيل إذا وقفت .

قال أهل العلم : ويُستعمل في كل إمساك ؛ أي إمساك عن الطعام، إمساك عن الكلام ، إمساك عن السير.

يستعمل الصيام في جميع أنواع الإمساك ، ومنه ما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً } أي إمساكاً عن الكلام .

الصيام شرعاً : التعبد لله بالإمساك عن المفطِّرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس .

هذا تعريف الصيام من الناحية الشرعية .

التعبد لله بالإمساك أي أنه لا بد من نية التقرب إلى الله تبارك وتعالى بماذا ؟

بالإمساك

عن ماذا ؟

عن المفطِّرات ، والمفطرات سيأتي ذكرها إن شاء الله في دروسنا القادمة ، منها الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر الصادق ، أي الفجر الأبيض الذي ينتشر شمالاً وجنوباً ويكون فجراً أبيض ولا تلحقه ظلمة هذا الفجر يسمى الفجر الصادق ، فيبدأ الإمساك من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس ، أي إلى أن يغرب قرص الشمس تماماً .

هذا هو الصيام الشرعي .

أما حكمه : فصيام شهر رمضان واجب بالكتاب والسنة والإجماع ، دليل واحد في إثبات الحكم الشرعي يكفينا ولكن تعدُّد الأدلة واختلافها يقوي ويمكِّن حكم المسألة فوجوب صيام شهر رمضان دلت عليه أدلة ( أدلة الكتاب والسنة والإجماع ) قال الله تبارك وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .

كُتب عليكم : أي فُرض عليكم الصيام .

وقال سبحانه : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .

هذا أمر من الله تبارك وتعالى لمن شهد شهر رمضان أن يصومه فهذا يدل على وجوب صيام شهر رمضان .

وأما السُّنة فقال - صلى الله عليه وسلم - :" بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان " متفق عليه من حديث ابن عمر .

ففي هذا الحديث جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - صيام رمضان ركناً من أركان الإسلام وجاء في حديث الأعرابي الذي سأل عن الإسلام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له :" وصيام رمضان " جاء أعرابي وسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام فذكر له خصال الإسلام وذكر منها " وصيام رمضان " قال : هل علي غيرها ؟ قال - صلى الله عليه وسلم - :" لا ، إلا أن تَطَوَّع " متفق عليه من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه .

هذا أيضاً دليل على وجوب صيام رمضان .

وأما الإجماع فقال ابن قدامة رحمه الله في المغني : وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان .

وذكر النووي رحمه الله في المجموع أن صوم رمضان ركن وفرض بالإجماع . وقال : ودلائل الكتاب والسنة والإجماع متظاهرة عليه وأجمعوا على أنه لا يجب غيره ( أي صيام شهر رمضان .(

بهذا تبين لنا أن صيام شهر رمضان واجب بالإجماع وواجب بدليل الكتاب وواجب بدليل السنة .

وأول ما فُرض من الصيام صيام يوم عاشوراء ، بداية عندما فرض الصيام لم يُفرض شهر رمضان مباشرة ، وإنما فرض على المسلمين من الصيام صيام يوم عاشوراء ، وهو اليوم العاشر من شهر محرم وكان واجباً على الصحيح - عندما نقول على الصحيح إشارة إلى أن في المسألة خلافا - لكن الصحيح أن صيام يوم عاشوراء كان واجباً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صامه وأمر بصيامه وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة النبوية ، كان الأمر بصيام يوم عاشوراء في السنة الثانية من الهجرة النبوية أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يُفرض رمضان ، كانوا : أي المسلمين يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان ، وكان يوماً تُستر فيه الكعبة ( أي يوم عاشوراء ) فلما فرض الله رمضان قال - صلى الله عليه وسلم" : من شاء أن يصومه فليصمه ومن شاء أن يتركه فليتركه " .

أي كان بداية هو المطلوب من المسلمين فقط ، ثم بعد ذلك نُسخ فرضه وصار الفرض صيام شهر رمضان ، ونسخت فرضية ووجوب صيام عاشوراء ، وصار المسلمون مخيرين في صيامه أو تركه .

فقال عليه الصلاة والسلام :" من شاء أن يصومه فليصمه ومن شاء أن يتركه فليتركه " وصيامه بعد ذلك أصبح مستحباً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنه يكفر سنة ماضية.

جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صامه وأمر بصيامه جاء من حديث ابن عمر ، ومن حديث عائشة ، ومن حديث ابن عباس وغيرهم .

قالت عائشة رضي الله عنها : إن قريشاً كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصيامه حتى فُرض رمضان وقال - صلى الله عليه وسلم - :" من شاء فليصمه ومن شاء أفطره " .

وقال جابر بن سمرة : كان رسول الله يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده - هذه كلها ألفاظ تدل على أنه كان واجباً - فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده .

يتعاهدنا عنده أي يتفقدنا هل صمنا أم لا ؟ وهذه الأحاديث التي ذكرناها منها ما هو في الصحيحين ومنها ما هو في أحدهما .

* فائدة : قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يصم رمضان إلا تسع مرات ؛ فإنه فُرض في العام الثاني من الهجرة بعد أن صام يوم عاشوراء وأمر الناس بصيامه مرة واحدة ، فإنه قدم المدينة في شهر ربيع الأول من السنة الأولى وقد تقدم عاشوراء فلم يأمر ذلك العام بصيامه - أي لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم في العام الأول بصيام عاشوراء - فلما أهلّ العام الثاني أمر الناس بصيامه ، وهل كان - الكلام لشيخ الإسلام - وهل كان أمر إيجاب أو أمر استحباب ؟ على قولين - أي في المسألة قولان لأصحاب أحمد - قال : على قولين لأصحابنا -أي الحنابلة - وغيرهم .

والصحيح أنه كان أمر إيجاب وهذا هو الصحيح لأن الأدلة تدعمه ، أُبتُدئ في أثناء النهار لم يؤمروا به من الليل أي لم يتقدم الأمر من ليلة يوم العاشر من محرم ، لا ، أوجبه النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم في أثناء النهار ، فلما كان في أثناء الحول رجب أو غيره فُرض شهر رمضان .

هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

نذكر لكم الآن ما كان عليه الحال من الصيام ، حال التخيير بين الصوم والإطعام أي بعد أن فُرِض شهر رمضان لم يُفرَض على الصورة التي عليه الآن ، أول ما فرض صيام شهر رمضان كان المسلمون مخيرين بين أن يصوموا أو يفطروا ويطعموا عن كل يوم مسكينا ، هذا الحال كان بداية ثم بعد ذلك نسخ الله سبحانه وتعالى هذا الحكم وفرض الصيام على جميع المسلمين ونسخ التخيير .

قال سلمة بن الأكوع : كنا في رمضان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بطعام مسكين حتى نزلت { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } أي عندما نزلت هذه الآية نسخت التخيير .

وفي رواية لما نزلت { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي حتى نزلت هذه الآية التي بعدها فنسختها . والحديث متفق عليه .

فالآية { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } أي على الذين يقدرون على صيامه {فدية طعام مسكين } أي من كان قادراً على الصيام ولم يرد أن يصوم وأراد أن يفطر فله ذلك ، ولكن يجب عليه أن يطعم مسكيناً ، ثم نسخت هذه الآية بآية { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .

فالآية هذه منسوخة كما قال سلمة بن الأكوع ، وكذلك جاء عن ابن عمر .

حديث سلمة بن الأكوع في الصحيحين ، وحديث ابن عمر عند البخاري في صحيحه .

وصورة ثانية : ما كان عليه حال الصيام من تحريم الأكل والشرب والجماع بعدما ينام الصائم ، الصائم بعدما يأتي وقت الإفطار إذا نام وجب عليه أن يمسك إلى اليوم الثاني ، هذا حكم كان سابقاً .

قال البراء بن عازب رضي الله عنه : كان الرجل من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا كان صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي .

إذا نام وجب عليه أن يمسك لا يأكل ولا يشرب إلى أن تغرب شمس اليوم التالي - وإن قيس بن صرمة كان صائماً فلما حضر الإفطار أتى امرأته ( أي جاء عندها ) قال : هل عندكِ طعام ؟ قالت : لا ، ولكن أَنطلق فأطلب ( أي أبحث وأنظر كي آتِ لك بالطعام ) وكان يومه يعمل فيه بأرضه ( يعني كان رجلا يتعب في عمله ) فغلبته عيناه ( يعني نام ) فجاءت امرأته فلما رأته قالت : خيبة لك ، (أي لقد أصبتَ بالحرمان ، حرماناً لك ؛ حزناً وشفقة عليه ) ، فأصبح فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه ( أغمي عليه لم يتحمل هذا الجهد والتعب ) فذَكَرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } ففرحوا بها فرحاً شديدا ، خفف الله عنهم { وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ } فخفف الله عنهم وأذن لهم في الأكل والشرب حتى يطلع الفجر الصادق .

هذا ما كان عليه الصيام في بداية ما شرعه الله سبحانه وتعالى .

و أما فضل صيام شهر رمضان فقد جاءت فيه أحاديث كثيرة نذكر منها حديثين : الأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه أنه قال : " الصوم لي وأنا أجزي به يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي والصوم جنة ( أي وقاية ) وللصائم فرحتان ؛ فرحة حين يفطر ، وفرحة حين يلقى ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " متفق عليه .

فهذه فضيلة عظيمة في هذا الحديث للصائم .

وقال - صلى الله عليه وسلم - :" من صام رمضان إيماناً واحتسابا ( أي صامه خالصاً لوجه الله سبحانه وتعالى ) غُفر له ما تقدم من ذنبه " .

هذه فضيلة عظيمة جدا أن يُغفر لك ما تقدم من ذنبك .

وهو حديث متفق عليه .

الآن نبدأ بذكر من يجب عليه الصيام : يجب الصيام على المسلم كذا قال أهل العلم قالوا : يجب الصيام على المسلم ، أخرجوا بذلك الكافر ومعنى عدم وجوب الصيام على الكافر هنا أنه لا يُطلب منه فعله في حال كفره ، الصيام لا يُطلب من الكافر في حال كفره أن يصوم لكن لا يعني ذلك أنه لا يعاقب عليه ، لا ، الصحيح من أقوال أهل العلم أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أي أنه يجب عليهم أن يأتوا بها ، ولكنها لا تُقبل منهم إلا بعد الإسلام .

والدليل على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة قول الله تبارك وتعالى { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ } فعدّدوا أشياء كانت سبباً في دخولهم نار جهنم ، من هذا الأشياء : الصلاة ، ومنها عدم إطعام المسكين ، ومنها أنهم كانوا يخوضون في الباطل مع الخائضين .

دل ذلك على أنهم يعذبون في نار جهنم لتركهم ما أوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين ، ولكن كما ذكرنا لا تُقبل منهم إلا بعد الإسلام .

ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ } لم تقبل نفقاتهم لماذا ؟ لكفرهم ، إذاً فلا بد أن يسلموا كي يُقبل منهم العمل .

وإذا أسلموا لا يجب عليهم قضاء ما فاتهم في حال الكفر ؛ لقول الله تبارك وتعالى { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ } أي ينتهوا عن كفرهم ويسلموا يُغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم .

وقال - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص : أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ؟ وهو حديث متفق عليه .

وهذا يدل على أن من دخل في الإسلام ؛ تهدم كل ذنوبه الماضية ، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على الناس .

إذاً المسلم هو الذي يجب عليه أن يصوم وهو الذي يؤجر على صيامه ، أما الكافر كما ذكرنا لا يُطلب منه الصيام في حال كفره ولكنه يعذب على تركه إذا لم يسلم .

الشرط الثاني : من شروط وجوب الصوم : البلوغ .

البالغ هو الذي أكمل خمس عشرة سنة قمرية ، أو نبت شعر عانته الخشن أو أنزل المني .

أي علامة من هذه العلامات ظهرت في الشخص ، دلت على بلوغه ، إن نبت شعر العانة أو أنزل المني أو بلغ خمس عشرة سنة قمرية أكملها يعتبر بالغاً يؤاخذ على تركه الصيام ويجب عليه أن يصوم .

هذه علامات البلوغ عند الذكر والأنثى ، وتزيد الأنثى ؛ في الحيض ، الحيض أيضاً علامة من علامات البلوغ عند الأنثى ، فإذا توفرت عند المرأة واحدة من هذه العلامات الأربعة التي ذكرناها فإنها تكون بالغة ، وإذا توفر عند الرجل واحدة من العلامات الثلاثة التي ذكرناها يكون بالغاً .

ومن بلغ وجب عليه أن يصوم فقد أصبح مكلفاً ، وأخرجوا بشرط البلوغ الصبي غير البالغ فهذا غير مكلف أي أنه لا يأثم إن لم يصم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم الصبي حتى يحتلم أي إلى أن يبلغ " أخرجه أبو داوود وغيره ، قال أهل العلم : فلا يجب صوم رمضان على الصبي ولا يجب عليه قضاء ما فات قبل البلوغ بلا خلاف ، إذاً المسألة محل إجماع ومتى ما أجمعوا أراحونا والحمد لله .

وإذا أطاق الصوم وجب على الولي أن يأمره به ، إذا قدر الصبي على تحمل مشقة الصيام وجب على وليه أن يأمره به لماذا ؟ كي يعتاد الصغير على الصيام لكن متى ذلك ؟ إذا بلغ سبع سنين بشرط أن يكون مميزاً يعقل ، يميز بين الأشياء ويفهم ويضربه على ترك الصيام لعشر ( لعشر سنين ) يُعلمه ويُعوده في سن السابعة فإذا بلغ العاشرة يضربه إذا لم يصم ، إذا بلغ العاشرة يكون قد بلغ سن الضرب ، وهذا قياساً على الصلاة.

وهذا يبين لنا أن الضرب طريقة صحيحة في التربية لكن لا بد أن تُضبط بضوابط :

الضابط الأول : أن لا تكون أول العلاج ، أن لا تكون أول طرق التربية .

الضابط الثاني : أن يكون الضرب ضرب تأديب وليس ضرباً وحشياً يُراد منه الأذية ، لا ، أن يكون الضرب ضرب تأديب فقط ، تربية .

أخرج البخاري ومسلم عن الرُّبَيّع بنت مُعَوِّذ قالت : أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة " من كان أصبح صائماً فليتم صومه ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه فكنا - تقول الربيع - فكنا بعد ذلك نصومه - أي يوم عاشوراء - ونُصوِّم صبياننا الصغار منه إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العِهن - أي الصوف - فإذا بكى أحدهم على طعام أعطيناها إياه عند الإفطار - أي يلعب ويلهو بها إلى أن يأتي موعد الإفطار " .

هذا دليل على أن السلف رضي الله عنهم كانوا يُصومون صبيانهم وهذا كان متى ؟ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه ماذا تسمى عند أهل الحديث ؟ سنة تقريرية أي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أقرهم على هذا الفعل فهذه سنة تقريرية .

فتصويم الصبيان سنة .

هل يؤجر الصبي على صيامه ؟ نعم يؤجر .

ما الدليل ؟ ما ورد عن ابن عباس أنه قال : رفعت امرأة صبياً فقالت : يا رسول الله ألهذا حج ؟ قال : نعم ولكِ أجره .

أي أن الصبي له حج يؤجر عليه وأنتِ لك أجر أي لأمه وأبيه اللذين أعانوه على ذلك وربوه عليه .

فيجب أن نحرص على أن نربي أبنائنا تربية شرعية دينية صحيحة .

الثالث من شروط وجوب صوم رمضان : العقل

؛ أي يجب أن يكون الشخص الذي يريد أن يصوم رمضان أو الذي يجب عليه أن يصوم رمضان عاقلاً .

أخرج بذلك المجنون ، فالمجنون لا يجب عليه أن يصوم رمضان ؛ لأنه غير مكلف وما الدليل على أنه غير مكلف ؟

قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم " رفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم " .

إذاً فالمجنون الذي لا عقل له غير مكلف ؛ لأن العقل أصلاً هو مناط التكليف ، العبد لا يكلف إلا إذا كان له عقل يدرك به ويعرف المصلحة من المفسدة ويعرف ما يجب عليه مما لا يجب عليه .

ولا قضاء عليه إن عَقِلْ ؛ لأنه لم يكن مكلفاً في حال الجنون ، هو غير مكلف بأحكام الشريعة .

فإذا عقل ( رجع إليه عقله ) فهو غير مكلف بقضاء ما فاته ، كالصبي عندما يحتلم لا يكلف بقضاء ما لم يصمه في حال الصبا ، كذلك المجنون لا يكلف بقضاء ما لم يصمه في حال الجنون .

قال أهل العلم : والمغمى عليه لا يلزمه الصوم في حال الإغماء بلا خلاف ، بالاتفاق أن المغمى عليه لا يلزمه الصوم ؛ إذ لا عقل له هو غير متحكم بأفعاله لا عقل له فهو غير مكلف بصيام رمضان.

وهل يلزمه القضاء ؟ حصل خلاف بين أهل العلم في ذلك كثير وجمهورهم يوجبون عليه القضاء .

الشرط الآخر : القدرة على الصيام من غير مشقة كبيرة .

ويجب صيام شهر رمضان على القادر على الصيام من غير مشقة كبيرة .

أخرجوا بذلك المريض .

المريض لا يجب عليه الصيام في شهر رمضان في حال مرضه والمسافر والشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصيام والحامل والمرضع التي تلحقها أو تلحق ولدها مشقة شديدة أو يلحق بهما ضرر .

كل هؤلاء لا يجب عليهم أن يصوموا شهر رمضان .

منهم من يجب عليه أن يقضي ، ومنهم من لا يجب عليه أن يقضي سيأتي تفصيل ذلك كله في موضعه إن شاء الله لشرح الكتاب الذي نحن بصدد شرحه .

ولا يجب صيام شهر رمضان على الحائض والنفساء ولا يصح منهما .

أخرج البخاري في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما سئل عن نقصان دين المرأة قال عليه الصلاة والسلام :" أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم ؟ " نعم إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم دل ذلك على أن المرأة في حال الحيض لا تصلي ولا تصوم .

وعندما سئلت عائشة رضي الله عنها ما بال المرأة تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ ( المرأة الحائض ) فقالت عائشة رضي الله عنها : كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة .

ونقل أهل العلم الاتفاق على أن حكم النفساء كحكم الحائض ، أيضاً النفساء لا يجب عليها أن تصلي ولا يجب عليها أن تصوم أيضاً وهذا محل اتفاق بين أهل العلم بحمد الله .

هذا ما أردنا أن نقدمه بين يدي شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام . والله أعلم

 

 

 

 

قائمة الخيارات
0 [0 %]
بقلم: أبي الحسن علي الرملي
الثلاثاء 2 رمضان 1431
عدد المشاهدات 3056
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق