الثلاثاء 9 رمضان 1439 هـ
22 مايو 2018 م
جديد الموقع   الصوتيات: شرح بلوغ المرام-ح17-18   الصوتيات: شرح بلوغ المرام-ح16-الجزء2   الصوتيات: شرح بلوغ المرام-ح16-الجزء1   الصوتيات: التعليق على السؤال 77 فما بعده من الأجوبة المفيدة (وهو الأخير) الأعمال منها ما يختص به ولي الأمر وأخذ العلم عن النووي وابن حجر   الصوتيات: التعليق على السؤال ٧٢ و٧٣ و٧٤ و٧٥ و٧٦ ‪‎ هل يوجد في السعودية فرق منحرفة وحكم الطعن في علمائها وموالاة الكفار ودفع الأموال الطائلة لهم   الصوتيات: التعليق على السؤال ٦٩ و٧٠ و٧١ دراسة غير العقيدة عند أهل البدع وتكفير المعتزلة ومن شابههم   الصوتيات: التعليق على السؤال ٦٦ و٦٧ و٦٨ التعصب للرجال والفرق بين الغيبة والتحذير من أهل البدع وطلب العلم عند أهل البدع   الصوتيات: شرح بلوغ المرام-ح14-15   الصوتيات: التعليق على السؤال ٦٢ و٦٣ و٦٤ و٦٥ ما هي السلفية وحكم من مدح رؤوس أهل البدع وتبديع المبتدع والعذر بالجهل   الصوتيات: التعليق على السؤال ٥٩ و٦٠ و٦١ هجر أهل البدع وكيفية مناصحة ولاة الأمر وسبب تفريق الأمة      

شرح ثلاثة الأصول الدرس العاشر الأخير

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ؛ أما بعد
فهذا المجلس العاشر والأخير من شرح ثلاثة الأصول وأدلتها .
قال المؤلف – رحمه الله - : " ودينه باق . وهذا دينه ، لا خير إلا دلّ الأمة عليه ، ولا شرّ إلا حذرها منه ، والخير الذي دلّ عليه : التوحيد ، وجميع ما يحبه الله ويرضاه . والشر الذي حذر منه : الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه . بعثه الله إلى الناس كافة ، وافترض الله طاعته على جميع الثقلين : الجن والأنس ، والدليل قوله تعالى : { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } ، وأكمل الله به الدين ، والدليل قوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } .
والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } . والناس إذا ماتوا يبعثون ، والدليل قوله تعالى : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } ، وقوله تعالى : { والله أنبتكم من الأرض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا }.
وبعد البعث محاسبون ومجزيّون بأعمالهم ، والدليل قوله تعالى : { ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ؛ ومن كذب بالبعث كفر ، والدليل قوله تعالى { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبّؤن بما عملتم وذلك على الله يسير } .
وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين ، والدليل قوله تعالى { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ، وأولهم نوح عليه السلام ، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، والدليل على أن أولهم نوح عليه السلام قوله تعالى { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } .
وكل أمة بعث الله إليها رسولا من نوح إلى محمد ؛ يأمرهم بعبادة الله وحده ، وينهاهم عن عبادة الطاغوت ، والدليل قوله تعالى : { ولقد بعثنا في كل امة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } .
وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله . قال ابن القيم – رحمه الله تعالى – الطاغوت : ما تجاوز به العبد حدّه من معبود أو متبوع ، أو مطاع ؛ والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة : إبليس لعنه الله ، ومن عُبِد وهو راض ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه ، ومن ادّعى شيئا من علم الغيب ؛ ومن حكم بغير ما أنزل الله .
والدليل قوله تعالى : { لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } وهذا معنى لا إله إلا الله .
وفي الحديث : " رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله " .
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم " .
قوله : " ودينه باق " أي دين محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء به من عند الله عز وجل باق إلى يوم القيامة ؛ لأنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم ، فأبقى الله دين الإسلام إلى قيام الساعة .
قال : " وهذا دينه " أي دين الإسلام .
قال : " لا خير إلا دل الأمة عليه ، ولا شرّ إلا حذّرها منه " فقد قال اليهود لسلمان الفارسي رضي الله عنه : لقد علمكم نبيّكم كل شيء ، قال : نعم لقد علمنا كل شيء حتى الخراءة – أي آداب قضاء الحاجة - .
وقال أبو ذر : لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يقلّب جناحيه في الهواء ؛ إلا وذكر لنا منه علماً .
وهذا الأثر مع الذي قبله ؛ يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن كلّ شيء قبل موته ، فلا نحتاج لقول أحد مع وجود كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال : " والخير الذي دلّ عليه : التوحيد ، وجميع ما يحبه الله ويرضاه " ، وكل ذلك موجود في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يخرج الخير الذي يحبه الله ويرضاه عن هذين الكتابين أبداً .
قال : " والشر الذي حذر منه : الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه . بعثه الله إلى الناس كافة " وسيأتي الدليل على ذلك ، " وافترض الله طاعته على جميع الثقلين : الجن والأنس " فقد قال الله عز وجل { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } وقال { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } .
قال : " والدليل " أي على انه عليه السلام أرسل إلى الناس كافة ؛ { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } ، وقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي .. " - قال - : " وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت للناس عامة " . متفق عليه .
إذن فالنبي صلى الله عليه وسلم مبعوث لجميع الناس ؛ وهو من خصائصه عليه السلام ؛ فقد كان يبعث الأنبياء من قبله كل نبي إلى قومه .
قال : " وأكمل الله به الدين ، والدليل قوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } فدينه تبارك وتعالى كامل لا يحتاج من أحد أن يستدرك عليه أو يكمله ؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " وقال : " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " ؛ لأنه لا يجوز لإنسان أن يستدرك على ربه عز وجل ، وأن يأتي بدين من عنده ، فدين الله كامل لا نقصان فيه ؛ وهو ما في الكتاب والسنة ، فلا نخرج عنهما .
ودين الله عز وجل شامل لمصالح العباد كلها إلى قيام الساعة ، وهو صالح لكل زمان ومكان ، وكل مشكلة قد تطرأ على الناس في هذا الزمان وغيره إنما يكون حلها وعلاجها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، منها ما نُصّ عليه في كتاب الله أو سنة رسوله ، ومنها ما يستخرج بالاستنباط من الأدلة الكلية والقواعد العامة المأخوذة منهما . فنحن أغنياء بكتاب الله وسنة رسوله عن عقول البشر وشطحاتهم . وقد جرّب الناس عقولهم ؛ فما تمكّنوا من إصلاح أمورهم إلى يومنا هذا ، والواقع أمامنا شاهد بذلك ؛ فهذه الخلافات والنزاعات والفتن كلها بسبب البعد عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتخاذهما دستوراً توضع الأحكام بناء عليهما ، لا بناء على عقول البشر .
قال : " والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } " ، فيبيّن هاهنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر من البشر يموت كما يموتون ؛ فكل البشر سيذوق الموت .
وقد شهد الصحابة رضوان الله عليهم موته صلى الله عليه وسلم وعاينوه وقرّروه ، فليس لأحد بعد ذلك أن يخرج عن هذه النصوص الواضحة الصحيحة وعن المنهج الذي كان عليه الصحابة ، فيدّعي أنه عليه السلام لم يمت ، ويستغيث به أو بغيره من المخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى .
قال : " والناس إذا ماتوا يبعثون " هذا مبحث الإيمان بالبعث بعد الموت وهو ركن من أركان الإيمان .
قال : " والدليل قوله تعالى : { منها خلقناكم } ، أي من الأرض ، { وفيها نعيدكم } أي إلى الأرض ، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بالبعث يوم القيامة .
قال : " وقوله تعالى : { والله أنبتكم من الأرض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا }" . وهي بمعنى الآية التي قبلها .
قال : " وبعد البعث محاسبون ومجزيّون بأعمالهم ، والدليل قوله تعالى : { ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } " فكل يجازى بما عمل ؛ فيجب الحرص على عمل الخير والبر ليكون الجزاء خيرا .
والناس في المحاسبة ثلاثة أقسام ؛
فمنهم من لا يحاسب ؛ وهؤلاء الذين ذكروا في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب .
ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا ولا يناقش الحساب ؛ وهؤلاء هم الناجون من العذاب .
ومنهم من يحاسب ويناقش الحساب .
وأما الكفار فقد اختلف أهل العلم ؛ هل يحاسبون أم يصرفون إلى جهنم مباشرة .
قال : " ومن كذب بالبعث كفر ، والدليل قوله تعالى { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبّؤن بما عملتم وذلك على الله يسير } " ، فإن البعث ركن من أركان الإيمان من أنكره فقد كفر .
قال : " وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين ، والدليل قوله تعالى { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ، و الإيمان بالرسل هو أحد أركان الإيمان فقد أرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين بالجنة والنعيم لمن أطاعهم وآمن ، ومنذرين بالنار والعذاب لمن عصاهم وكفر ؛ وبهذا تكون قد قامت الحجة على الناس .
قال : " وأولهم نوح عليه السلام " والناس من آدم إلى نوح كانوا على التوحيد ، إلى أن صوّر قوم نوح صور الصالحين ثم مرّ عليهم الزمن ووسوس لهم الشيطان فعبدوهم ، فأرسل الله نوحاً مبشراً ومنذراً .
قال : " وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، والدليل على أن أولهم نوح عليه السلام قوله تعالى { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } " ، فكان نوح عليه السلام أول الرسل ، ويؤكد ذلك حديث الشفاعة ؛ أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له : أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض .
وأما قوله " وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم " ففد قال الله عز وجل : { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } . وقال عليه الصلاة والسلام : " وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي " .
والرسل كثر ؛ منهم من سمى الله في كتابه ومنهم من لم يسمّ .
قال : " وكل أمة بعث الله إليها رسولا من نوح إلى محمد ، يأمرهم بعبادة الله وحده ، وينهاهم عن عبادة الطاغوت ، والدليل قوله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } " والدليل ما ذكره ، وكذلك قوله عز وجل : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } .
وكل رسول بعثه الله كان يأمره بدعوة الناس إلى إفراد الله تعالى بالعبادة ، والكفر بعبادة من سواه ؛ وهي دعوة جميع الرسل ، فقال الله { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } فالتوحيد أصل دعوة الرسل .
قال : " وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله " ولا يصح إيمان عبد إلا بهذين الشطرين ؛ الإيمان بالله ، والثاني الكفر بالطاغوت ، وهو معنى " لا إله إلا الله "
قال : " قال ابن القيم – رحمه الله تعالى – الطاغوت : ما تجاوز به العبد حدّه من معبود أو متبوع ، أو مطاع " ؛
أصل كلمة الطاغوت من الطغيان وهو مجاوزة الحدّ .
وفي الشرع ؛ هو ما عرّفه المؤلف – رحمه الله – لكنه لا يسمّى طاغوتاً إلا إذا كان راضيا بما ذكر ، أما إذا كان كعيسى عليه السلام وعلي رضي الله عنه وغيرهم من الصالحين ؛ فلا يسمّى طاغوتا ؛ لعدم رضاهم بعبادة من عبدهم .
فما تجاوز به العباد الحدّ ؛ فعبدوه أو اتبعوه في تحريم الحلال أو تحليل الحرام ؛ فهو طاغوت .
قال : " والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة : إبليس لعنه الله ، ومن عُبِد وهو راض " أي وهو راض بتلك العبادة ، ولم ينههم عنها ولم ينكرها مع قدرته على ذلك .
قال : " ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه " سواء أجابوه لدعوته أو لم يجيبوه ؛ فهو طاغوت .
قال : " ومن ادّعى شيئا من علم الغيب " والغيب ما غاب عنك ؛ وهو قسمان :
غيب نسبي ؛ وهو أن يغيب على البعض ويظهر للآخرين .
وغيب حقيقي ؛ وهو ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ؛ وهذا القسم دعوى العلم به كفر ؛ لأن من ادعى علم الغيب مكذب لقوله تعالى : { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله } . وقد قال عليه السلام – وهو نبي الله – أنه لا يعلم الغيب ؛ فغيره من باب أولى . فعلم الغيب من خصائص الله تبارك وتعالى .
قال : " ومن حكم بغير ما أنزل الله " ، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في آخر هذا الكتاب .
قال – رحمه الله – : " والدليل " أي على وجوب الحكم بما أنزل الله والكفر بالطاغوت ؛ " قوله تعالى : { لا إكراه في الدين } " أي لا يُكْرَه أحد على الدخول في الدين فالحق بين واضح " { قد تبيّن الرشد من الغيّ } " أي قد تميّز الإيمان من الكفر بوضوح لا يخفى على أحد " { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي استمسك بالإسلام الحق ؛ " وهذا معنى لا إله إلا الله " .
قال : " وفي الحديث : " رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله " ؛ وهو حديث ضعيف ؛ ومن شاء أن يراجع ضعفه ؛ ففي " جامع العلوم والحكم " لابن رجب
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
مسألة الحكم بغير ما أنزل الله
الحكم بما أنزل الله من توحيد الربوبية ؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبية الله تبارك وتعالى وملكه وتصرّفه . وهو من أعظم الواجبات ولا سبيل إلى استقامة العباد على طاعة الله وتوحيده إلا بالحكم بما أنزل الله عز وجل .
وأما الحاكم إذا حكم بغير ما أنزل الله ؛ فنقول فيه كما قال أهل السنة والجماعة ؛
إذا حكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن الحكم بما أنزل الله لا ينفع أو أن الحكم بغيره أفضل ، أو أنه لا يصلح في هذا الزمن وهو للزمن الأول فقط ، أو أنه يعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله ؛ فهذا يعد كفراً مخرجاً من ملّة الإسلام .
أما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن الحكم بما أنزل الله أفضل وهو الصحيح والحكم بغيره غير جائز ، وأن حكم الله صحيح قائم في كل زمان ؛ فهذا يقال فيه أن كفره كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق كما قال ابن عباس رضي الله عنه ، وكذا مجاهد وطاووس وغيرهم من أئمة السلف .
إذن ففي المسألة تفصيل بالنسبة للحاكم بغير ما أنزل الله ؛ وهو دائر ما بين الكفر الأصغر والكفر الأكبر ؛ فإن كان يعتقد بأن الحكم بغير ما أنزل الله أفضل أو أنه حكم جائز ؛ فكفر مخرج من الملّة ، وإن كان يعتقد أن الحكم بما أنزل الله هو الأفضل والأحسن ولا يجوز الحكم بخلافه ؛ فكفره كفر أصغر لا يخرج به من الملة .
والأدلة على ما ذكرنا في كتاب الله كثيرة ؛ منها قوله عز وجل : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } و { من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } و { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلّموا تسليما} والأدلة في الكتاب والسنة كثيرة على وجوب الحكم بما أنزل الله وشرع .
أما التفريق بين الحكم بغير ما أنزل الله في مسألة معينة والحكم بغير ما أنزل الله في التشريع العام ؛ فقول خطأ - مع تبني بعض أهل العلم له – لأنه تكفير باللازم .
ومعنى التشريع العام ؛ أن يضع الحاكم قانوناً ويلزم الناس به ويجعله تشريعا عاماً لهم .
فيقولون يلزم من ذلك أنه راض بهذا القانون ويعتقده أفضل من حكم الله .
لكن هذا اللازم ليس بلازم ؛ فقد صرّح بعض الذين يريدون غير حكم الله بخلاف هذا ؛ فقال فيما يدّعيه : نحن لو حكّمنا شرع الله ما استطعنا أن نعترض عليه ولا أن نخالفه ، لكن إذا وضعنا قانونا من عندنا استطعنا أن نتلاعب فيه كما نشاء .
فهذا من اتباع الهوى وليس من باب تفضيله حكمه على حكم الله سبحانه وتعالى .
فإذن هناك أسباب أخرى غير تفضيل حكمهم على حكم الله سبحانه ، تدفعه هذه الأسباب إلى الحكم بغير ما أنزل الله .
ونحن لا ندافع عن الذين ظلموا أنفسهم ونحذرهم من هذا الفعل الذي مآل صاحبه إلى الهاوية والهلاك عياذا بالله ، وكفاه شرّا أنه دائر بين أحد الكفرين إما الأكبر أو الأصغر .
لكن ما يجعلنا نركّز على مثل هذه المسائل ؛ هو أن أهل الأهواء اتخذوها ذريعة إلى الخروج على الحكام وسفك دماء المسلمين وإلى الإفساد في الأرض بحجة الجهاد ؛ وحقيقة كان عملهم فسادا وليس جهاداً ؛ فقد أفسدوا في الأرض فسدا عريضا بحجة تكفير الحكام ، وبناء عليه كفروا الوزراء والجيش والأمن ، ثم استباحوا الدماء والأموال والأعراض نسأل الله العافية والسلامة من بلائهم.
واحتج هؤلاء بقول الله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } وكذلك بقوله تعالى { إن الحكم إلا لله } ، وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " كلمة حق أريد بها باطل " فقد أرادوا من وراء ذلك استباحة دماء وأموال هؤلاء القوم الذين ظلموا أنفسهم .
وقد قال الحافظ ابن عبد البر – رحمه الله – في كتابه " التمهيد " في آية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } : " ليست على ظاهرها ، والخوارج يستدلّون بآيات ليست على ظاهرها " ؛ وذكر منها هذه الآية .
وكذلك قال الآجري في " الشريعة " : " ومما يتّبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } " .
و الحرورية هم الخوارج .
وهذه الآية هي متعلَّق الخوارج من قديم الزمان لسفك دماء المسلمين واستباحة أموالهم وأعراضهم ، نسأل الله العافية والسلامة .
فالواجب على المسلم أن يتقي الله سبحانه وتعالى ويبتعد عن التكفير بقدر ما يستطيع حتى يأتيه أمر واضح من الكتاب والسنة وفهم سلف هذه الأمة ، ولو رجعنا إلى سلف هذه الأمة لوجدنا أنهم يفسرونها على المعنى الذي ذكرناه ، وأهل السنة والجماعة متفقون على التفسير الذي ذكر فيه التفصيل ، فيجب الوقوف عند هذا التفسير - وهو تفسير السلف – كي لا نخرج عن الطريق المستقيم .
وكما ذكرنا فإنهم اتخذوا مسألة التشريع العام ذريعة للخروج ، ولو سلّمنا معهم بأن الحاكم بالتشريع العام يلزمه ما ذكروه من لازم ، وأنه كافر بهذا اللازم ؛ فإن هذا التكفير تكفير اجتهادي وليس تكفيرا نصيا أو كفراً بواحاً كما قال صلى الله عليه وسلم ؛ فلا يجوز الخروج على الحاكم به . ومع هذا فإنهم لا يقدّرون مصالحا ولا مفاسدا ولا يعتبرون القدرة ، ولا شيئا من الأمور التي اعتبرها علماء الإسلام في مسألة الجهاد ، وتفاصيل موضوع الجهاد موجودة في كتب الفقه ، وإن يسر الله الوصول إليها فصلنا القول فيه ، والله أعلم .




قائمة الخيارات
12 [5 %]
بقلم: أبي الحسن علي الرملي
الاحد 3 جمادة الاولى 1433
عدد المشاهدات 3835
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق