الخميس 13 شوال 1441 هـ
04 يونيو 2020 م
جديد الموقع   تفسير القرآن: الآيات 246 - 249 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 243-245 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 238-242 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 236-237 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 234-235 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآية 233 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 231-232 من سورة البقرة   تفسير القرآن: تفسير سورة البقرة الآيات 225- 230   تفسير القرآن: الآيات 222-224 من سورة البقرة   تفسير القرآن: الآيات 220-221 من سورة البقرة      

الآيات 142- 145 من سورة البقرة

تفسير سورة البقرة 142- 145

{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)}

{سيقول السفهاء} أي سيقول الجهال من الناس، وكل من خالف الحكمة في تصرفه فهو سفيه، وهم اليهود، والمنافقون {ما ولاهم} أيُّ شيء صرفهم وحولهم عن قبلتهم؟ لأن المسلمين كانوا يصلون إلى بيت المقدس في فلسطين من الشام، بقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتخذونها قبلة ستة عشر شهراً، ثم نسخت القبلة وأمروا بالتوجه إلى الكعبة في مكة في الحجاز، فقال السفهاء هذا القول، وقوله: {عن قبلتهم} الأولى وهي بيت المقدس، أي لماذا تركوا قبلتهم واتجهوا إلى الكعبة؟ فأجابهم الله تبارك وتعالى، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم{قل} يا محمد {لله المشرق والمغرب} لله ملك المشرق والمغرب؛ يعني بذلك ملك ما بين قطري مشرق الشمس، وقطري مغربها، وما بينهما من العالم، فيوجه الناس إلى أي جهة شاء {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} يهدي من يشاء من خلقه فيوفقه إلى الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ويعني بذلك إلى قبلة إبراهيم الذي جعله للناس إماما، ويخذل من يشاء منهم فيضله عن سبيل الحق. أي قل: يا محمد إن الله هدانا بالتوجه شطر المسجد الحرام لقبلة إبراهيم وأضلكم أيها اليهود، والمنافقون، وجماعة الشرك بالله، فخذلكم عما هدانا له من ذلك

{وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)}

{وكذلك جعلناكم أمة وسطا} كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام، وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل؛ كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطاً، أي عدلا خياراً، والأمة هي القرن من الناس، والصنف منهم وغيرهم، وأما الوسط فإنه في كلام العرب: الخيار {لتكونوا شهداء} أي جعلناكم خيارا عدولا لتشهدوا على الناس بأن الرسل قد بلغتهم؛ فمنهم من آمن، ومنهم من كفر {ويكون الرسول عليكم شهيداً} الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يشهد عليكم أنه بلغكم

{وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} أي ما شرعنا لكم استقبال بيت المقدس {إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} فجعل الله القبلة قبلتين أولى وأخرى ليختبر العباد ويمتحنهم من يؤمن ومن يكفر، فنسخ القبلة للاختبار، والمراد بقوله لنعلم، هو علم يترتب عليه الجزاء؛ فالله تبارك وتعالى يعلم كل شيء من غير اختبار للعباد يعلم من يؤمن ومن يكفر، من يتبع النبي صلى الله عليه وسلم ومن ينقلب على عقبيه، يعني يرجع عما كان عليه، فما معنى ليعلم؛ معناه علم يترتب عليه الجزاء؛ لأن علم الله الكائن في الأزل يعني في القدم، لفظ الازل أصح ولكن فسرناه بالقدم للتوضيح، علم الله في الأزل لا يترتب عليه الجزاء حتى يُمتحن العبد، ويُنظر{ما جعلنا} يعني: ما شرعنا القبلة التي كنت عليها ــــ وهي اتجاهك إلى بيت المقدس ــــ إلا لنعلم من يتبع الرسول إذا صرفناك عنها ممن ينقلب على عقبيه، انقلب على عقبيه أي انتكس ورجع إلى ما كان عليه، والمعنى لنعلم من يبقى على الإيمان متبعا النبي صلى الله عليه وسلم، ممن يرجع إلى الكفر شكا في الدين وظنا أن النبي صلى الله عليه وسلم في حيرة من أمره.

{وإن كانت لكبيرة} وإن كانت هذه الواقعة ــــ وهي تحويل القبلة ــــ لكبيرة أي عظيمة شاقة {إلا على الذين هدى الله} إلا على الذين هداهم الله؛ والمراد بالهداية هنا هداية العلم البيان، وهداية التوفيق.

{وما كان الله ليضيع إيمانكم} أي لا يفعل الله ذلك، «يضيع» بمعنى يتركه سدًى بدون مجازاة عليه؛ والمراد بـ {إيمانكم} صلاتهم إلى بيت المقدس؛ وهذا عام للذين ماتوا قبل تحويل القبلة، ومن بقوا حتى حولت، سبب نزول هذه الآية ما قاله البراء رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي نحو بيت المقدس ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله؛ فأنزل الله {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فقال رجال من المسلمين وددنا لو علمنا علم من مات قبل أن نُصرف إلى القبلة فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}، وقال السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} إلى آخر الآية.

وأخرج البخاري في صحيحه عن البراء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا. وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأنه صلى أو صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت وكان الذي مات على القبلة قبل البيت رجال قتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ}. انتهى

{إن الله بالناس لرؤوف رحيم}، {الرؤوف} قال العلماء: إن الرأفة أشد الرحمة؛ فهي رحمة خاصة؛ و{رحيم} أي متصف بالرحمة.

{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)}

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس ويكثر النظر إلى السماء ينتظر نزول الوحي بأمر الله بالتحول إلى الكعبة، فأنزل الله هذه الآية كما جاء في الحديث الذي ذكرناه سابقا {قد نرى} يا محمد نحن {تقلب وجهك} أي تحول وجهك {في السماء} أي نحو السماء {فلنولينك} أي فلنوجهنَّك؛ وقيل: فلنحولنَّك إلى {قبلة ترضاها} أي تحبها {فول وجهك} أي فتوجه بوجهك، أو حول وجهك {شطر} نحو المسجد الحرام، والمراد بـ «الوجه» جميع البدن؛ لأن البدن بهيئته وطبيعته إذا استقبل الوجه جهة صار جميع البدن مستقبلاً لها {المسجد الحرام} «المسجد» في الأصل مكان السجود {الحرام} أي المحرم، والمراد الكعبة.

{وحيث ما كنتم} أي فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحولوا وجوهكم في صلاتكم نحو المسجد الحرام {فولوا وجوهكم شطره} أي اتجهوا إلى الكعبة عند الصلاة. قال الطبري: فأوجب جل ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين؛ فرض التوجه نحو المسجد الحرام في صلاتهم، حيث كانوا من أرض الله تبارك وتعالى.

{وإن الذين أوتوا الكتاب} أي اليهود والنصارى، والمراد بالكتاب هنا الجنس أي التوراة والإنجيل {ليعلمون أنه الحق} أي يعلمون أن استقبالك المسجد الحرام صدق وأنه أمر من الله، والحق معناه الشيء الثابت؛ فإن أضيف إلى الخبر فهو الصدق؛ وإن أضيف إلى الحكم فهو العدل {من ربهم} «الرب» الخالق المالك المدبر لجميع الأمور.

ثم هددهم فقال: {وما الله بغافل} «الغفلة» اللهو والسهو عن الشيء {عما يعملون} عن أيِّ عمل يعملونه سواء كان يتعلق بالجوارح، أو يتعلق بالقلوب؛ فيشمل الاعتقاد، ويشمل القول والفعل، فلم يسه عن أي عمل يعملونه، وسيجازيهم على كل أعمالهم.

{وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)}

{ولئن أتيت} بمعنى جئت {الذين أوتوا الكتاب} يعني اليهود، والنصارى {بكل آية} «الآية» العلامة على صدق ما أتيتهم به، يعني: إن أتيتهم بكل برهان وحجة يدل على صدق ما أتيت به من فرض التحول من قبلة بيت المقدس في الصلاة إلى المسجد الحرام {ما تبعوا قبلتك} أي الكعبة؛ لعنادهم، واستكبارهم.

{وما أنت بتابع قبلتهم} وما لك من سبيل يا محمد إلى اتباع قبلتهم، وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها، وأن النصارى تستقبل المشرق، فأنى يكون لك السبيل إلى اتباع قبلتهم مع اختلاف وجوهها. يقول: فالزم قبلتك التي أمرت بالتوجه إليها، ودع عنك ما تقوله اليهود، والنصارى وتدعوك إليه من قبلتهم واستقبالها.

{وما بعضهم} أي الذين أوتوا الكتاب {بتابع قبلة بعض} فاليهود لا تتبع قبلة النصارى؛ والنصارى لا تتبع قبلة اليهود؛ لأن النصارى يقولون: إن اليهود كفار، واليهود يقولون: إن النصارى كفار ليسوا على حق؛ ولهذا يكذبون عيسى صلى الله عليه وسلم {ولئن اتبعت أهواءهم} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لكن هل من الممكن أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتبع أهواءهم من بعد ما جاءه من العلم؟ الجواب: لا يمكن؛ ولكن هذا تحذير لأمته صلى الله عليه وسلم، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به الأمة.

{أهواءهم} جمع هوى، وهو ما تميل إليه نفوسهم ويحبونه ويرضونه من الباطل.

{من بعد ما جاءك من العلم} «العلم» الوحي الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر القبلة {إنك إذاً لمن الظالمين} أي إنك في حال اتباعك أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم {لمن الظالمين} يعني أنك إذا فعلت ذلك من عبادي الظلمة أنفسهم المخالفين أمري، والتاركين طاعتي، وواحد منهم.

قائمة الخيارات
0 [0 %]
الثلاثاء 7 شعبان 1441
عدد المشاهدات 62
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدين القيم © 2008-2014 برمجة وتصميم طريق الآفاق