الدرس الثاني عشر

[المجلس الثاني عشر]


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، هذا الدرس الثاني عشر من دروس شرح الدرر البهية.
قال المؤلف رحمه الله: باب الأذان
الأذان في اللغة هو الإعلان، وفي الشرع : الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظٍ مخصوصة .
قال المؤلف رحمه الله:((يُشرع لأهل كل بلد أن يتخذوا مؤذناً))
يُشرع أي يُسن لهم ذلك، قال - عليه الصلاة والسلام - لعثمان بن أبي العاص:" واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرا".
وهل الأذان واجب أم مستحب؟
فيه خلاف، والظاهر أنه واجب وجوب كفائي، ونحن علمنا ما معنى الواجب الكفائي؟ هو الذي يُنظر فيه إلى الفعل لا الفاعل، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فالأذان واجب كفائي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به في عدة أحاديث، منها حديث مالك بن الحويرث في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ولصاحبه عندما أرادا الرجوع إلى أهلهم، قال:" ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلِّموهم ومروهم وذكر أشياء ثم قال: وصلّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم " فهنا الشاهد في الحديث قوله:"فليؤذن لكم أحدكم" فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأذان (هما كانا مسافرين)، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - إذا غزا غزوة ومر بقومٍ ولم يعلم أَهُمْ مسلمون أم ليسوا بمسلمين انتظر وقت الصلاة فإذا سمع النداء لم يغزهم وإن لم يسمع غزاهم، فالأذان إذاً شعيرة من شعائر الإسلام واجبة في الحضر والسفر، ولكن الصحيح أن هذا الوجوب وجوب كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين فلم يكن - صلى الله عليه وسلم - يأمر من كان معذوراً وصلى في بيته، لم يكن - صلى الله عليه وسلم - يأمره بالأذان ولم يأمر به أيضاً النساء، ولا من صلى في بيته عموماً، وأيضاً قال - صلى الله عليه وسلم - :" فليؤذِّن لكما أحدكما"واحد والآخر لا يؤذن، إذاً فهو وجوب كفائي وليس واجباً عينياً .
قال المؤلف رحمه الله:((ينادي بألفاظ الأذان المشروع عند دخول وقت الصلاة))
فالأذان إعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة التي هي الصلوات الخمس، وأجمع أهل العلم على أن الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس، وقال الإمام الشافعي في (..) : لا أذان ولا إقامة لغير المكتوبة ، وهذا قول جمهور علماء الإسلام، ويكون النداء بالألفاظ الواردة في الأحاديث الصحيحة لأنه تعبدي والعبادات لا تقام إلا كما وردت.
جاءت في الأحاديث اختلاف في بعض ألفاظها وهو من اختلاف التنوع أي أنه يجوز أن تعمل بكل ما صح في الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ألفاظ الأذان فجاء بتثنية التكبير وتربيع الشهادتين وبقية الأذان مثنى مثنى ، وجاء بتربيع التكبير الأول والشهادتين وتثنية باقي الأذان، فالصور مذكورة في مواضعها في الصحيحين وفي سنن أبي داود وغيرها.
قال المؤلف رحمه:((ويُشرع للسامع أن يتابع المؤذن))هذا لحديث أبي سعيد في الصحيحين قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :" إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن" هذا الحديث ماذا يقتضي؟ يقتضي أنك تقول عند قول المؤذن :(حي على الصلاة حي على الفلاح)أن تقول ماذا؟ حي على الصلاة حي على الفلاح، وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص:" إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة" أخرجه مسلم ، وعن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :"إذا قال المؤذن : الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر ، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله..إلخ الحديث إلى أن قال: فإذا قال: حي الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح ، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إلى أن قال: إذا قال ذلك من قلبه دخل الجنة " فهنا هذا الحديث يدل على أن السامع يقول إذا قال المؤذن : حي على الصلاة حي على الفلاح يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فاختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين حديث عمر بن الخطاب وحديث أبي سعيد المتقدم، بعضهم قال: أحدها مجمل والآخر مفسر والصحيح والله أعلم أن هذا جائز وهذا جائز وهو من اختلاف التنوع أي تقول هذا أحياناً وتقول الآخر أحياناً أخرى. وجاء عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال :" من قال حين يسمع النداء : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً غُفر له ذنبه" هذا ذِكرٌ آخر. وفي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال:"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة " وهذه الأحاديث كلها في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم فهذه السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يجوز الزيادة على ألفاظ الأذان بشيء من هذه الأذكار أو غيرها ، لفظ الأذان ينتهي إلى قول: لا إله إلا الله، أما الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه الأذكار فإنما تُذكر بعد الأذان ولا تُلحق بالأذان كما يفعل الناس عندنا اليوم.
ثم قال المؤلف رحمه الله:((ثم تُشرع الإقامة على الصفة الواردة)) كذلك الإقامة حكمها الوجوب الكفائي وأما صفتها فتصح بكل صفة وردت في السنة، جاء في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالاً أن يشفع الأذن ويوتر الإقامة إلا الإقام (يوتر الإقامة إلا قوله: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة اجعلها اثنتين) ، ولا يُشترط الوضوء للأذان على الصحيح من أقوال أهل العلم لعدم ورود دليل في ذلك ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يذكر الله على كل أحيانه، ويجوز أن يؤذن شخص ويقيم آخر فالحديث الوارد في أن الذي يؤذن هو الذي يقيم ضعيف لا يصح، والكلام في الأذان لا يفسده لعدم الدليل على أن الكلام مؤثر في صحة الأذان، ويكون الأذان من الصبي المميز ومن غيره لأن الصبي المميز تصح صلاته ومَن صحَّت صلاته صح أذانه كذلك ولا يوجد ما يمنع من الناحية الشرعية.
هذا ما يتعلق بالأذان

قال المؤلف رحمه الله: باب شروط الصلاة

الشرط عرَّفنا معناه في دروس أصول الفقه وذكرنا أنه في اللغة هو العلامة، وأما في الاصطلاح فما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود كالوضوء للصلاة، الوضوء للصلاة إذا عُدم الوضوء عُدمت الصلاة، بطلت الصلاة، أما إذا وُجد الوضوء لا يلزم أن توجد الصلاة، ممكن أن تتوضأ ولا تصلي لكن إذا بطُل الوضوء بطلت الصلاة، فالشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود، والفرق بينه وبين الركن أن الركن جزء من حقيقة الشيء، جزء أساسي في تركيبة الشيء، أما الشرط لا، خارج عن الشيء وليس جزءًا منه، يعني الوضوء الآن هل هو من أفعال الصلاة ؟ لا، لكن إذا بطل بطلت الصلاة، هذا هو ضابط الشرط، الركن لا، هو جزء من الصلاة كالركوع مثلاً جزءٌ من الصلاة، إذا لم تركع بطلت الصلاة لأنك أنت لم تأتِ بحقيقتها الشرعية، فالحقيقة الشرعية لا توجد إلا بوجود الأركان (الأساسات هذه)، فعلى ذلك ما سيذكره المؤلف رحمه الله هي شروطٌ للصلاة بمعنى أنها يجب أن تتحقق عند الصلاة وإلا كانت سبباً في بطلانها، هذا هو المفروض أن يكون .

قال المؤلف رحمه الله:(( ويجب على المصلي تطهير ثوبه وبدنه ومكانه من النجاسة))

ثلاثة أشياء يجب أن يطهرها من النجاسة قبل أن يبدأ بالصلاة، أن يطهر ثوبه الذي سيصلي فيه، وبدنه أيضاً، ومكانه الذي سيصلي فيه، يطهرها كلها من النجاسة ، قال المؤلف:((ويجب على المصلي)) إذاً هذه واجبات، والعلماء يطلقون الواجب ويكون واجباً لكن من الواجبات عندهم ما هي شروط، ومن الواجبات مَنْ ليست بشروط، مقتضى كلام المؤلف الآن أن هذه الواجبات واجبات شروط لأنه عندما بوَّب قال: باب شروط الصلاة ، ثم قال: ويجب على المصلي تطهير ثوبه وبدنه ومكانه من النجاسة، إذاً فهذه واجبات شروط، أما الوجوب فمُسَلَّم، وجوب طهارة الثوب والمكان والبدن عند إرادة الصلاة هذا مسلَّم صحيح وأما الشرطية فلا،كما سيأتي، دليل وجوب طهارة الثوب لقول الله تعالى { وثيابك فطهر }على أحد التفاسير، وكذلك كل دليل ورد في إزالة القذارة عن الثوب أو غسل الثوب أو ما شابه من هذه الأدلة كحديث مثلاً : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في نعليه ثم جاءه جبريل وأخبره أن في نعليه أذىً فخلع النبي - صلى الله عليه وسلم - نعليه وهو في الصلاة فدل ذلك على وجوب التنظف من النجاسة وأنت في الصلاة، وكذلك أيضاً أَمْر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحائض التي أصاب ثوبها دمٌ، أمرها بغسله ثم الصلاة فيه، هذا أيضاً يدل على وجوب غسل النجاسة من الثوب الذي ستصلي فيه، وأما البدن فأدلة الوجوب كل ما ورد في الاستنجاء والاستجمار وأيضاً حديث الرجل الذي يعذب في قبره وما يعذب في كبير، كان لا يستنزه من البول، هذه كلها تدل على وجوب تنظيف البدن من النجاسات، وأما وجوب نظافة المكان فلحديث بول الأعرابي في المسجد الذي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بسكب الماء عليه لتنظيفه فهذه كلها تدل على الوجوب لكن الشرطية أمر زائد عن الوجوب لا يثبت فقط للأوامر إنما يحتاج إلى أمر زائد، ما هو هذا الأمر الزائد؟ الأمر الزائد أو كيفية إثبات الشرطية، كيف نثبت أن هذا العمل أو الفعل شرط؟ إما بنفي القبول، يعني لا بد أن يوجد عندنا دليل يدل على أن المشروط يُعدم بعدم الشرط وذلك بنفي القبول كقوله - صلى الله عليه وسلم - :" لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" الأصل في نفي القبول أنه للشرطية، يدل على الشرطية إلا إذا وُجدت قرينة أو دليل يصرفه عن هذا الأمر. أو بنفي ذات العبادة كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلاً:" لا صلاة بغير وضوء" لا صلاة، الصلاة منفية، ومثلاً لو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا صلاة لمن صلى في مكان متنجس مثلاً، هنا يثبت عندنا أن تنظيف المكان من النجاسة شرط، لكن لم يرد حديث كهذا طبعاً لكن فيه نفي الصلاة، لا صلاة، فإذاً نفي القبول أو نفي ذات العبادة أو أن يرد نهي عائد إلى ذات العبادة أو إلى (..) إلى ذات العبادة أو إلى شرط من شروطها كما سيأتي إن شاء الله تفصيله في موضعه، أو إجماع يدل على الشرطية، أو أن ينعقد إجماع من قبل العلماء على أن هذا الشيء شرط في هذه العبادة، وهذا الباب (الي هي إزالة النجاسات) ليس فيها إجماع، الخلاف فيها قائم، فإذاً، إثبات الشرطية بمثل هذا لا تصح، فنقول بالوجوب ولا نقول بالشرطية، بل حديث أبي سعيد المتقدم يدل على عدم الشرطية من أين؟ من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بنعليه وفيهما نجاسة فلو كان تنظيف الثياب من النجاسات شرط لبطلت صلاته وأعادها حتى لو كانت في حال النسيان أو عدم العلم .
وهذا الذي ذكرناه من أن هذه الأمور ليست شرطاً في صحة الصلاة وإن كان واجباً على العبد أن يتنظف منها هو قول المالكية، المالكية ذهبوا إلى ما ذكرناه هنا، والفرق بين الوجوب والشرطية إذا قلنا واجب وترك الشخص النجاسة في مكانه أو على بدنه أو في ثيابه عامداً يأثم ولا تبطل صلاته، أما إذا قلنا شرط فتبطل صلاته مع الإثم، هذا هو الفرق بين القول بالوجوب والقول بالشرطية .
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله