تفسير سورة الرعد من الآية 32-43

تفسير سورة الرعد من الآية 32-43
{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}[32]
يقول تعالى لرسوله -مثبتا له ومسليا- {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} فلست أول رسول كذبه قومه واستهزؤوا به، فقد استهزأت أمم من قبلك -أيها الرسول- برسلها وكذبوا بهم، فاصبر على أذاهم لك، وامض في دعوتك لهم {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} فأمهلت الذين كفروا برسلهم مدة حتى ظنوا أنهم غير معذبين {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} ثم أنزلت بهم العذاب {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} فانظر كيف كان عقابي لهم، كان عذابًا أليمًا شديدا.

قال السعدي: "فلا يغتر هؤلاء الذين كذبوك واستهزؤوا بك بإمهالنا، فلهم أسوة فيمن قبلهم من الأمم، فليحذروا أن يُفعل بهم كما فُعِل بأولئك".


{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}[33]

يقول تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} أفالربُّ الذي هو دائمٌ لا يَبِيدُ ولا يَهْلِكُ، قائمٌ بحفظ أرزاقِ جميعِ الخلقِ، عالمٌ بهم وبما يعملونه، رقيبٌ عليهم، لا يفوته علم شيء منه أينما كانوا؛ كمن هو هالكٌ بائدٌ، لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَفْهَمُ شيئًا، ولا يَدْفَعُ عن نفسِه ولا عمن يَعْبُدُه ضررا، ولا يَجْلِبُ إليهما نفعًا، كلاهما سواءٌ؟

يعني كالأصنام التي يعبدونها، لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل، ولا تملك نفعًا لأنفسها ولا لعابديها، ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها، هل تستوي مع الله القادر على كل شيء؟!

{وَجَعَلُوا} وجعل الكفار {لِلَّهِ شُرَكَاءَ} يعبدونهم مع الله، وهو الله الأحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له {قُلْ} لهم يا محمد إن كانوا صادقين: {سَمُّوهُمْ} سموا لنا الشركاء الذين عبدتموهم مع الله إن كنتم صادقين في دعواكم {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ} أم تخبرون الله {بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ} بما لا يعلم في الأرض من وجود إله.

قال السعدي: "فإنه إذا كان عالم الغيب والشهادة وهو لا يعلم له شريكا، عُلِمَ بذلك بطلانُ دعوى الشريك له، وأنكم بمنزلة الذي يُعَلِّمُ الله أن له شريكا وهو لا يعلمه، وهذا أبطل ما يكون؛ ولهذا قال: {أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} أي: غاية ما يمكنهم من دعوى الشريك له تعالى أن يدعوا ذلك بظاهر قولهم، يعني أن ينطقوا به ويقوله قولا مسموعا، وهو باطل لا أصل له في الواقع، والحقيقة أنه لا معبود بحق إلا الله.

{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} أي ما لله من شريك ولكن حُسّن للذين كفروا {مَكْرُهُمْ} وهو كفرهم، وكذبهم على الله {وَصُدُّوا} وصرفهم الله تبارك وتعالى {عَنِ السَّبِيلِ} أي: عن الطريق المستقيمة الموصلة إلى الله؛ لكفرهم به {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ} عن الطريق المستقيم {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} فلن يستطيع أحد هدايته؛ لأن الهداية بيده وحده تبارك وتعالى.

قال الطبري: "يقول تعالى ذكرُه: ومَن أضَلَّهُ اللَّهُ عن إصابة الحقِّ والهدى بخذلانه إياه، فما له أحدٌ يهديه لإصابتهما؛ لأن ذلك لا يُنالُ إلا بتوفيقِ الله ومعونته، وذلك بيد الله وإليه، دونَ كلِّ أحدٍ سواه". انتهى

{لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ}[34]

{لَهُمْ} للكفار الذين ذكر صفتهم هنا {عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بما ينالهم من القتل والأسر وغير ذلك، ولهم عذاب في الآخرة {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ} من عذاب الدنيا لشدته ودوامه {وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} أي وليس لهؤلاء الكفار من أحد يحميهم من عذاب الله ويدفعه عنه.

{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ}[35]

يقول تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ} صفة الجنة {الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} التي وَعَد الله بها عباده المتقين له، أي الذين يعملون بأوامره ولا يعصونها، ويجتنبون ما نهاهم عنه {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا} أنها تجري في خلالها {الأنْهَارُ} من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

{أُكُلُهَا دَائِمٌ} ما يؤكل في الجنة دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم ولا يبيد، ثابت دائم لهم إلى غير نهاية {وَظِلُّهَا} أيضًا دائم، قال الطبري: "لأنه لا شمس فيها" {تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا} أي هذه الجنة التي وصفها الله تبارك وتعالى لنا هي عاقبة ومآل الذين اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، مصيرهم إلى هذه الجنة ومستقرهم فيها.

{وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} وعاقبة ومآل الكافرين ومستقرهم النار يدخلونها ماكثين فيها أبدًا.

نسأل الله العافية والسلامة، أولئك في فرح وسرور وهناء، وهؤلاء في عذاب دائم لا ينقطع. الفرق عظيم.

{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ}[36]

يقول تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} أي والذين أعطيناهم التوراة من اليهود، والإنجيل من النصارى {يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ} أي: من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به، وهذه حال مَن آمن مِن أهل الكتابين {وَمِنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} أي: ومن طوائف الكفار المنحرفين عن الحق، من ينكر بعض هذا القرآن ولا يصدقه، مما لا يتفق مع أهوائهم.

وقال مجاهد: {وَمِنَ الْأَحْزَابِ}: اليهود والنصارى، من ينكر بعض ما جاءك من الحق. وكذا قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

{قُلْ} لهم يا محمد: {إِنَّمَا أُمِرْتُ} إنما أمرني ربي تبارك وتعالى {أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ} وحده {وَلا أُشْرِكَ بِهِ} ولا أعبد معه غيرَه.

قال الطبري: {وَلَا أُشْرِكَ بِهِ}: وأجعلَ -أي ولا أجعل- له شريكًا في عبادتي، فأعبد معه الآلهة والأصنامَ، بل أُخْلِصُ له الدين حنيفًا مسلمًا". انتهى

{إِلَيْهِ} وحده {أَدْعُو} أي: إلى طاعته وإخلاص العبادة له أدعو الناس {وَإِلَيْهِ} وحده {مَآبِ} أي: إليه مرجعي ومصيري.

{وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ}[37]

{وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ} القرآن {حُكْمًا} محكما متقنا {عَرَبِيًّا} باللغة العربية، قال ابن كثير: "أي: وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتبَ مِن السماء؛ كذلك أنزلنا عليك القرآنَ مُحكمًا مُعربًا، شرّفناك به وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}. انتهى

{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ} يا محمد {أَهْوَاءَهُمْ} ما تحبه نفوس الكفار من الأحزاب وتميل إليه {بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} الذي علمك الله إياه {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ} فليس لك من ناصر ينصرك من الله {وَلا وَاقٍ} ولا مانع يمنعك من عذابه ويخلصك منه.

والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من هذا، ولكنه تهديد وتحذير لغيره خصوصا أهل العلم، يعني لا أحد ينجو إذا فعل هذا الفعل.

قال ابن كثير: "وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعد ما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام". انتهى

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}[38]

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا﴾ من البشر ﴿مِّن قَبْلِكَ﴾ يا محمد، في الأمم الماضية ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ أي وأولاداً، فلست أولَ رسول يُرسل إلى الناس من البشر يتزوج النساء ويولد له ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ أن يأتي بعلامة وخارق من الخوارق كتسيير الجبال ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلا إذا أذن الله له فيه، فليس ذلك إليه بل إلى الله ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أي: لكل وقت وحال حكم مكتوب وقدر مقدور، فلا يستعجلوا بالعذاب أو الآيات، فإنها لا تأتي إلا في وقتها المقدر لها عند الله.

{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}[39]

﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من الأقدار التي تقدر ليلة القدر، ففي كل سنة تقدر أقدار السنة في ليلة القدر ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ويكتب ما يشاء منها ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، الذي لا يتغير فيه شيء، فما كتب فيه لا يتغير ولا يتبدل.

{وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}[40]

﴿إِن مَّا نُرِيَنَّكَ﴾ وإن أريناك يا محمد ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ بعض ما نعد هؤلاء المكذبين من العذاب في حياتك الدنيا فذاك ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ وإن توفيناك قبل أن نريك ذلك ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ فما عليك إلا إبلاغ ما أرسلت به، وقد فعلت ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ وعلينا نحن محاسبتهم على أعمالهم وجزاؤهم عليها.

{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}[41]

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أولم ير هؤلاء المشركون الذين يسألون النبي الآيات ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أنا نأتي الأرض نفتحها للمسلمين، وننقصها من جوانبها بضمها إلى بلاد الإسلام؟ أفلا يخافون أن نفتح له أرضهم كما فتحنا له غيرها؟ ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا راد لقضائه ولا ناقضَ لحكمه.

قال الطبري: يقولُ: والله هو الذي يَحْكُمُ فيَنْفُذُ حكمه، ويَقْضِى فيَمْضِى قضاؤُه، وإذا جاء هؤلاء المشركين باللَّهِ مِن أهل مكةَ حكم الله وقضاؤُه، لم يستطيعوا ردَّه. ويعني بقولِه: {‌لَا ‌مُعَقِّبَ ‌لِحُكْمِهِ}: لا رادَّ لحكمهِ". انتهى

﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فلا يستعجلوا بالعذاب، فما هو آت قريب.

{وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ۗ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ}[42]

﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقد مكر الذين من قبل هؤلاء برسلهم حين كذبوهم وأرادوا قتلهم ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ فلا يضر مكرهم إلا بإذنه، هو سبحانه ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ يعلم الله تبارك وتعالى ما يعمل هؤلاء من مكر، ويعلم أعمال جميع الخلق، وسيجازيهم عليها ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ إذا قدموا على ربهم لمن تكون العاقبة المحمودة والجنة، ألهم أم للرسل ومن اتبعهم؟

{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}[43]

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بك وكذبوك: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ من الله تبارك وتعالى ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي حسبي الله وهو الشاهد علي وعليكم، شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة، وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان. قاله ابن كثير، وقال غير واحد: "حسبي شهادة الله على صدقي، أني رسول إليكم" ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ من اليهود والنصارى ممن آمنوا، لإقرارهم بأن صفاتي موجودة في كتبهم المنزلة من عند الله.

قال ابن كثير: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ اسم جنس يشمل علماءَ أهل الكتاب، الذين يجدون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعتَه في كتبهم المتقدمةِ مِن بشارات الأنبياء به، كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} الآية.

وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الآية. وأمثال ذلك مما فيه من الإِخبار عن علماء بني إسرائيل أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة". انتهى

انتهت سورة الرعد والحمد الله على توفيقه.