تفسير سورة الرعد 19-31
{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ}[19]
يقول تعالى: مُفرِّقا بين أهل العلم والعمل وبين ضدهم: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ} يا محمد {أَنَّمَا} أن الذي {أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} الثابت الذي لا شك فيه، ففهم ذلك وعمل به فانتفع به {كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} كالأعمى عن الخير، الذي لا يعلم الحق ولا يعمل به، بينهما فرق كبير.
قال السعدي: "فحقيق بالعبد أن يتذكر ويتفكر أي الفريقين أحسن حالا وخير مآلا فيؤثر طريقها ويسلك خلف فريقها، ولكن ما كل أحد يتذكر ما ينفعه ويضره".
{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ} أي: أنما يعتبر ويتعظ بآيات الله أصحابُ العقول السليمة الصحيحة، جعلنا الله وإياكم منهم.
قال السعدي: "الذين هم لُبّ العالم، وصفوة بني آدم، فإن سألت عن وصفهم، فلا تجد أحسن من وصف الله لهم بقوله..":
{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ}[20]
الذين استجابوا لله هم {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} الذين يوفون بما عاهدوا الله عليه أو عاهدوا عليه عباده {ولا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} ولا ينكثون العهود الموثقة مع الله أو مع غيره.
قال السعدي: "فدخل في ذلك جميع المواثيق والعهود والأيمان والنذور، التي يعقدها العباد.
فلا يكون العبد من أولي الألباب الذين لهم الثواب العظيم إلا بأدائها كاملة، وعدم نقضها وبخسها". انتهى
{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}[21]
{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} وهم الذين يَصِلُون كلَّ ما أمر الله بوصله من الأرحام.
فيصلون آباءهم وأمهاتهم ببرهم بالقول والفعل وعدم عقوقهم، ويصلون الأقارب والأرحام بالإحسان إليهم قولا وفعلا.
{وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أي: يخافونه {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} ويخافون أن يحاسبهم الله على كل ما اكتسبوه من الإثم فلا يتجاوز عن شيء منه.
قال السلف في سوء الحساب: "يُحاسب العبدُ بذنبه كلِّه، لا يُغفر له منه شيء". انتهى
فيمنعهم خوفهم منه، ومن القدوم عليه يوم الحساب، أن يتجرؤوا على معاصي الله، أو يقصروا في شيء مما أمر الله به؛ خوفا من العقاب ورجاء للثواب.
{وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ}[22]
{وَالَّذِينَ صَبَرُوا} على ما أمرهم الله به فعملوا به، وصبروا عما نهاهم عنه فتركوه وابتعدوا عنه، وصبروا على أقدار الله المؤلمة بعدم التسخط على ما أصابهم.
ولكن بشرط أن يكون ذلك الصبر {ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} يريدون به التقرب إلى الله، ويريدون رضاه لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة.
{وَأَقَامُوا الصَّلاةَ} كما أمروا على أكمل وجه {وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا} وأنفقوا من أموالهم خفية عن الناس للبعد عن الرياء {وَعَلانِيَةً} وأمام الناس مع الإخلاص وأمن الرياء، ليقتدي بهم غيرهم، ولغير ذلك من المصالح، دخل في ذلك النفقات الواجبة كالزكوات والكفارات، والنفقات المستحبة، فينفقون حيث دعت الحاجة إلى النفقة، سرًّا وعلانية {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} أي: ويدفعون سوء من أساء إليهم بقول أو فعل، بالإحسان، لم يقابلوه بالإساءة، بل قابلوه بالإحسان.
قال السعدي: "فيعطون من حرمهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويصلون من قطعهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، وإذا كانوا يقابلون المسيء بالإحسان، فما ظنك بغير المسيء؟!".
{أُولَئِكَ} الموصوفون بهذه الصفات {لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} لهم العاقبة المحمودة يوم القيامة.
فسرها بقوله:
{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ}[23]
{جَنَّاتُ عَدْنٍ} العدن: الإقامة، أي جنات يقيمون فيها مُنَعَّمِين إقامة لا يزولون عنها.
{يَدْخُلُونَهَا} هم {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ} ومن استقام من آبائهم وأمهاتهم {وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} وأولادهم، يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها إكمالًا لأُنْسهم بلقائهم، ولتقر أعينهم بهم.
قال السعدي: أي الزوج أو الزوجة وكذلك النظراء والأشباه، والأصحاب والأحباب، فإنهم من أزواجهم وذرياتهم".
{وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} من جميع أبواب منازلهم في الجنة يهنئونهم بالسلامة ودخول الجنة وكرامة الله لهم، ويقولون:
{سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}[24]
{سَلامٌ عَلَيْكُمْ} وتحييهم الملائكةُ، بقولهم لهم: سلام عليكم؛ أي: سلمتم من الآفات أي: حلت عليكم السلامة والتحية من الله وحصلت لكم، وذلك متضمن لزوال كل مكروه، ومستلزم لحصول كل محبوب.
{بِمَا صَبَرْتُمْ} أي: بسبب صبركم على طاعة الله، وعلى أقداره المؤلمة، وصبركم عن معصيته {فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} فنعم عاقبة الدار التي كانت عاقبتكم.
قال السعدي: "فحقيق بمن نصح نفسه وكان لها عنده قيمة، أن يجاهدها، لعلها تأخذ من أوصاف أولي الألباب بنصيب، لعلها تحظى بهذه الدار، التي هي منية النفوس، وسرور الأرواح الجامعة لجميع اللذات والأفراح، فلمثلها فليعمل العاملون وفيها فليتنافس المتنافسون". انتهى
{وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}[25]
لما ذكر حال أهل الجنة ذكر أن أهل النار بعكس ما وصف المؤمنين به، فقال عنهم: {والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} أي: والذين ينكثون عهد الله من بعد ما أكده عليهم على أيدي رسله، وغلظ عليهم، فلم يقابلوه بالانقياد والتسليم، بل قابلوه بالإعراض والعصيان {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} ويقطعون ما أمر الله بوصله من الأرحام {وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ} بل أفسدوا في الأرض بالكفر والمعاصي {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} وهي البعد من رحمته {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} أي ولهم ما يسوؤهم في الدار الآخرة، وهي: الجحيم بما فيها من العذاب الأليم.
{اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ}[26]
{اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ} أي يوسعه {لِمَنْ يَشَاءُ} من عباده {وَيَقْدِرُ} أي ويضيقه على من يشاء، لما له في ذلك من الحكمة والعدل.
والرزق ليس علامة على رضى الله ومحبته لمن وسع عليه، ولا على سخطه على من ضيق عليه وبغضه له، فربما وسع على الكافر والعاصي، وضيق على المؤمن والطائع، وله حكمة في كل شيء سبحانه.
{وَفَرِحُوا} أي: الكفار {بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فرحا أوجب لهم أن يطمئنوا بها، ويغفلوا عن الآخرة.
قال ابن كثير: ثم حقر الحياة الدنيا إلى ما ادخره تعالى لعباده المؤمنين في الدار الآخرة، فقال: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ} أي: شيء قليل ذاهب.
{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}[27]
{وَيَقُولُ} لك يا محمد {الَّذِينَ كَفَرُوا} من مشركي قومك {لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} هلا أنزل عليك آية من ربك تدل على صدقك كأن يكون معك ملك، أو يلقى إليك كنز، وبزعمهم أنها لو جاءت لآمنوا، فأجابهم الله بقوله: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ} بعدله {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أي: يوفق من رجع إليه بالتوبة من كفره والإيمان به، يهديه بفضله.
قال السعدي: "فليست الهداية والضلال بأيديهم حتى يجعلوا ذلك متوقفا على الآيات، ومع ذلك فهم كاذبون.
{وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ}
ولا يلزم أن يأتي الرسول بالآية التي يعينونها ويقترحونها، بل إذا جاءهم بآية تبين ما جاء به من الحق، كفى ذلك وحصل المقصود، وكان أنفع لهم من طلبهم الآيات التي يعينونها، فإنها لو جاءتهم طبق ما اقترحوا فلم يؤمنوا بها لعاجلهم العذاب". انتهى
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}[28]
ثم ذكر تعالى علامة المؤمنين فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} أي: وتسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله من تسبيح وتهليل وتكبير وقراءة قرآن وغير ذلك.
{أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} قال السعدي: "أي: حقيق بها وحريٌّ ألا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها والأنس به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له، يكون ذكرها له". انتهى
[29] {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ}
{الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: آمنوا بقلوبهم بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وصدقوا هذا الإيمان بالأعمال الصالحة التي أمرهم الله بها، أعمال القلوب كمحبة الله وخشيته ورجائه، وأعمال الجوارح كالصلاة ونحوها {طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} قال بعض السلف في معنى طوبى لهم: خير لهم، وقال آخرون: حسنى لهم، وقالوا: فرح وقرة عين لهم.
وهذه الأقوال معناها واحد لا منافاة بينها.
وقال آخرون: الجنة لهم. وقال آخرون: طوبى شجرة في الجنة.
{وَحُسْنُ مَآبٍ} وحسن مرجع في الآخرة.
{كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ}[30]
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ} في جماعة من الناس، أي إلى قومك تدعوهم إلى الهدى {قَدْ خَلَتْ} مضت {مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ} جماعات من الناس.
قال ابن كثير: "يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة {لِتَتْلُوَ عَلَيهِمُ الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ}، أي: تبلغهم رسالة الله إليهم، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كُذّب الرسلُ من قَبلك، فلك فيهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشدّ من تكذيب غيرك من المرسلين. انتهى
أرسلناك إليهم {لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ} لتقرأ عليهم {الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي القرآن.
{وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} أي: هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون باسم الرحمن، لا يقرون به، ولهذا رفضوا كتابته يوم الحديبية، والحديث في صحيح البخاري، وقد قال الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بنِ عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن".
{قُلْ} لهم يا محمد {هُوَ} الرحمن {رَبِّي} الذي خلقني ورزقني ويدبر أمري {لا إِلَهَ} لا معبود بحق {إِلا هُوَ} قال السعدي: وهذا متضمن للتوحيدين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فهو ربي الذي رباني بنعمه منذ أوجدني، وهو إلهي الذي {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} عليه اعتمدت في جميع أموري {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} وإليه مرجعي.
قال ابن كثير: "أي: إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه". انتهى
{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}[31]
يقول تعالى مادحًا للقرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، ومفضلا له على سائر الكتب المنزلة قبله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} عن أماكنها {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ} أي شققت فجعلت أنهاراً {أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} أي أحيوا حتى كلموا؛ لكان هذا القرآن.
وقال ابن كثير: أي: لو كان في الكتب الماضية كتاب تُسيَّر به الجبال عن أماكنها، أو تُقطَّع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك، لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به جاحدون له". انتهى
{بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا} قال المفسرين: أي لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ لم ينفع ما اقترحوا من الآيات.
وقال ابن كثير: "أي: مرجع الأمورِ كلِّها إلى الله عز وجل، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل الله فلا هادي له، ومن يهد الله فما له من مضل". انتهى
{أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} أي أفلم يعلم ويتبين الذين آمنوا بالله {أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} أنَّه لو يشاء الله هداية الناس جميعًا دون إنزال آيات لهداهم جميعًا دونها؛ لكنه لم يشأ ذلك، يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
{وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا} بسبب ما يفعلونه من كفر {قَارِعَةٌ} داهية شديدة تقرعهم {أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ} أو تنزل تلك الداهية قريبًا من دارهم، وهم مصرون على كفرهم {حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ} قال ابن كثير: "يعني فتح مكة، وقال الحسن البصري: يوم القيامة". انتهى {إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} إن الله ينجز ما وعد به إذا جاء وقته المحدد له.
قال السعدي: "وهذا تهديد لهم وتخويف من نزول ما وعدهم الله به على كفرهم وعنادهم وظلمهم". انتهى