تفسير سورة الرعد 7-18
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦٓۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٞۖ وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ} [7]
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بالله} من قومك يا محمد، تماديًا في الصدود والعناد {لَوۡلَآ} هلّا {أُنزِلَ عَلَيۡهِ} على محمد {ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِ} دليل وعلامة تدل على صدق نبوته، مثل ما أنزل على موسى وعيسى، وهذا كقولهم: {لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ}، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَآ أَنتَ} يا محمد {مُنذِرٞۖ} لهم، أي مخوف، يخوف الناس من عذاب الله أن ينزل بهم إذا لم يطيعوه، وليس لك من الآيات إلا ما أعطاك الله {وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ} إمام يرشدهم إلى الطريق، ويدلهم عليه، ويتبعونه ويقتدون به.
قال السعدي: "أي: ويقترح الكفار عليك من الآيات، التي يُعيِّنونها ويقولون: {لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} ويجعلون هذا القول منهم عذرا لهم في عدم الإجابة إلى الرسول، والحال أنه منذر ليس له من الأمر شيء، والله هو الذي ينزل الآيات.
وقد أيده بالأدلة البينات التي لا تخفى على أولي الألباب، وبها يهتدي من قصده الحق، وأما الكافر الذي -مِن ظلمه وجهله- يقترح على الله الآيات، فهذا اقتراح منه باطل وكذب وافتراء.
فإنه لو جاءته أي آية كانت لم يؤمن ولم ينقد؛ لأنه لم يمتنع من الإيمان لعدم ما يدله على صحته، وإنما ذلك لهوى نفسه واتباع شهوته {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} أي: داع يدعوهم إلى الهدى من الرسل وأتباعهم، ومعهم من الأدلة والبراهين ما يدل على صحة ما معهم من الهدى". انتهى
{ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ} [8]
{ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} في بطنها، يعلم كلَّ شيء عنه.
قال ابن كثير: "يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، كما قال تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} أي: ما حملت من ذكر أو أثنى، أو حسن أو قبيح، أو شقي أو سعيد، أو طويل العمر أو قصيره، كما قال تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ} الآية". انتهى المراد.
{وَمَا تَغِيضُ} تَنقص {ٱلۡأَرۡحَامُ} أن تلد المرأة قبل تسعة أشهر، أو بنزول الدم الذي يتغذى عليه الجنين في أثناء الحمل {وَمَا تَزۡدَادُۚ} في الحمل عن تسعة أشهر، أو عدم نزول الدم {وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ} أي وكل شيء عنده سبحانه مُقَدَّر بمقدار لا يزيد عليه ولا يَنقُص عنه.
قال السمعاني: "الغيض هُوَ النُّقْصَان"، وقال:" وَفِي غيضِ الْأَرْحَام وزيادتِها ثَلَاثَةُ أَقْوَال:
الأول: أَنه النُّقْصَان عَن سَبْعَة أشهر -أي أن تلد قبل سبعة أشهر-، وَالزِّيَادَة على تِسْعَة أشهر.
وَالثَّانِي أَنه: النُّقْصَان بِإِسْقَاط السِّقْط، وَالزِّيَادَة بِتمَام الْخلق.
وَالثَّالِث: أَنه النُّقْصَان بِالْحيضِ على الْحمل، وَالزِّيَادَة بِعَدَمِ الْحيض على الْحمل؛ فَإِن الْوَلَد يَنتقِص إِذا أَهْرَاقَتِ الْمَرْأَةُ الدَّم على الْحمل وتتم إِذا لم تُهْرِق.
وَعَن مَكْحُول أَنه قَالَ: دم الْحيض غذَاء الْوَلَد فِي الرَّحِم". انتهى
ويوجد أقوال أخرى ذكرها الطبري رحمه الله.
{عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ} [9]
قال ابن كثير: {عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ} أي: يعلم كلَّ شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء {الْكَبِيرُ} الذي هو أكبر من كل شيء {الْمُتَعَالِ} أي: على كل شيء {قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} وقهر كل شيء فخضعت له الرقاب، ودان له العباد طوعا وكرهًا. انتهى
وقال الطبري: يقول تعالى ذكره: والله عالم ما غاب عنكم وعن أبصاركم فلم تروه، وما شاهدتموه، فعاينتم بأبصاركم، لا يخفى عليه شيء، لأنهم خلقه وتدبيره.
{الكبير} الذي كل شيء دونه {المتعال} المستعلي على كل شيء بقدرته.
وهو"المتفاعل" من"العلو"، مثل"المتقارب" من "القرب"، و"المتداني" من الدنوّ. انتهى
{سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ} [10]
{سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ} يستوي في علمه تبارك وتعالى من أخفى منكم - أيها الناس - القول، ومن أعلنه {وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ} ويستوي في علمه كذلك من هو مستتر بظلمة الليل عن أعين الناس {وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ} ومن هو ظاهر بأعماله في وَضَح النهار.
لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك، سواءٌ عنده سِرُّ خلقِه وعلانيتُهم، فلا يستتر عنه شيء ولا يخفى.
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} [11]
{لَهُ} أي: لله تبارك وتعالى {مُعَقِّبَاتٌ} ملائكة يعقب بعضهم بعضا على الإنسان، أي يذهب بعضهم ويأتي آخرون بعدهم مباشرة {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} من أمامه {وَمِنْ خَلْفِهِ} من وراء ظهره {يَحْفَظُونَهُ} يحفظون الإنسان {مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} أي: يحفظونه من كل سوء بأمر الله تبارك وتعالى، فإذا جاء ما قدره الله عليه تركوه فوقع المقدر.
قال ابن كثير: أي: للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال، من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار.
فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات.
وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعةٍ آخرين بالليل بدلاً.
حافظان وكاتبان؛ كما جاء في الصحيح: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيصعد إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بكم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون..". انتهى المراد."
{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ} من عافية ونعمة {حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}
قال الطبري رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: "إن اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بقومٍ من عافيةٍ ونعمةٍ، فيُزِيلُ ذلك عنهم ويُهْلِكُهم، حتى يُغَيِّرُوا ما بأنفسِهم من ذلك، بظلمِ بعضِهم بعضًا، واعتداءِ بعضِهم على بعضٍ، فيُحِلَّ بهم حينئذٍ عقوبتَه وتغييرَه". انتهى
وقال السعدي رحمه الله: بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها؛ فيسلبهم الله عند ذلك إياها.
وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة".
{وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا} أي: هلاكاً وشدة وأمرًا يكرهونه {فَ} إنه {لا مَرَدَّ لَهُ} فلا يَقْدِرُ على ردِّ ذلك عنهم أحدٌ غيرُ اللَّهِ {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ} من غير الله {مِنْ وَالٍ} يتولى أمورهم فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه، فليحذروا من الإقامة على ما يكره الله خشية أن يحل بهم من العقاب ما لا يرد عن القوم المجرمين. قاله السعدي.
{هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} [12]
يقول تعالى: {هُوَ} الله تبارك وتعالى {الَّذِي يُرِيكُمُ} أيها الناس {الْبَرْقَ} وهو ما يُرى من النور اللامع ساطعًا في السماء من خلال السحاب {خَوْفًا} من أذاه {وَطَمَعًا} في نفعه.
قال قتادة: خوفًا للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعًا للمقيم يرجو بركته ومنفعته، ويطمع في رزق الله.
{وَيُنْشِئُ} ويخلق، أي: ويخلقها منشأة جديدة {السَّحَابَ الثِّقَالَ} وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض. قال مجاهد: والسحاب الثقال الذي فيه الماء. قاله ابن كثير.
{وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ} [13]
{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} قال السعدي: وهو الصوت الذي يُسمع من السحاب المزعج للعباد، فهو خاضع لربه مسبح بحمده".
وقال الطبري: "ويُعَظِّمُ اللَّهَ الرعدُ ويُمَجِّدُه، فيُثْنِى عليه بصفاتِه، ويُنَزِّهُه مما أضاف إليه أهلُ الشركِ به، ومما وصَفوه به، مِن اتخاذِ الصاحبةِ والولدِ، تعالى ربُّنا وتَقَدَّس". انتهى
ولا يصح شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعريف الرعد أو البرق، أو في أذكار خاصة بهما.
قال: {و} تسبح {الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} أي: خوفاً ورهبةً منه تبارك وتعالى {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ} المحرقة، وهي هذه النار التي تخرج من السحاب {فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} على من يشاء من مخلوقاته فيهلكه {وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ} والكفار يخاصمون في وحدانية الله {وَهُوَ} الله تبارك وتعالى {شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ} قال السعدي: أي: شديد الحول والقوة فلا يريد شيئا إلا فعله، ولا يتعاصى عليه شيء، ولا يفوته هارب.
فإذا كان هو وحده الذي يسوق للعباد الأمطار والسحب التي فيها مادة أرزاقهم، وهو الذي يدبر الأمور، وتخضع له المخلوقات العظام التي يخاف منها، وتزعج العباد وهو شديد القوة؛ فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له". انتهى
{لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ} [14]
{لَهُ} أي: لله وحده {دَعْوَةُ الْحَقِّ} قال الطبري: "وإنما عنَى بالدعوةِ الحقِّ توحيدَ اللَّهِ، وشهادةَ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ".
قال السعدي: "وهي: عبادته وحده لا شريك له، وإخلاص دعاء العبادة ودعاء المسألة له تعالى، أي: هو الذي ينبغي أن يصرف له الدعاء، والخوف، والرجاء، والحب، والرغبة، والرهبة، والإنابة؛ لأن ألوهيته هي الحق، وألوهية غيره باطلة {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} من الأوثان والأنداد التي جعلوها شركاء لله.
{لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ} أي: لمن يدعوها ويعبدها بشيء قليل ولا كثير لا من أمور الدنيا ولا من أمور الآخرة {إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ} الذي لا تناله كفاه لبعده {لِيَبْلُغَ} ببسط كفيه إلى الماء {فَاهُ} فإنه عطشان ومِن شدة عطشه يتناول بيده، ويبسطها إلى الماء الممتنع وصولها إليه، فلا يصل إليه.
كذلك الكفار الذين يدعون معه آلهة لا يستجيبون لهم بشيء ولا ينفعونهم في أشد الأوقات إليهم حاجة لأنهم فقراء كما أن من دعوهم فقراء، لا يملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير.
{وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ} لبطلان ما يدعون من دون الله، فبطلت عباداتهم ودعاؤهم؛ لأن الوسيلة تبطل ببطلان غايتها، ولما كان الله تعالى هو الملك الحق المبين، كانت عبادته حقًّا متصلة النفع لصاحبها في الدنيا والآخرة.
وتشبيه دعاء الكافرين لغير الله بالذي يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه من أحسن الأمثلة؛ فإن ذلك تشبيه بأمر محال، فكما أن هذا محال، فالمشبه به محال، والتعليق على المحال من أبلغ ما يكون في نفي الشيء كما قال تعالى: {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط}.
{وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ}[15]
{وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ} أي: جميع ما احتوت عليه السماوات والأرض كلُّها خاضعة لربها، تسجد له {طَوْعًا وَكَرْهًا} فالطوع لمن يأتي بالسجود والخضوع اختيارا كالمؤمنين، والكَره لمن يستكبر عن عبادة ربه، وحاله وفطرته تكذبه في ذلك {وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} أي: ويسجد له ظلال المخلوقات أولَ النهار وآخرَه، وسجود كل شيء بحسب حاله كما قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ}
فإذا كانت المخلوقاتُ كلُها تسجد لربها طوعا وكرها؛ كان هو الإله حقا المعبود المحمود حقا، وإلهيةُ غيرِه باطلة، ولهذا ذكر بطلانها وبرهن عليه بقوله..". فذكر الآيات الآتية. انتهى كلامه رحمه الله.
{قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ} [16]
{قُلۡ} يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الذين يعبدون مع الله غيره {مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ} من خالق السماوات والأرض، ومدبر أمرهما؟!
{قُلِ} يا محمد: {اللهُ} هو خالقهما ومدبر أمرهما، وهم يقرون بهذا ويعترفون به، لقول الله تبارك وتعالى:
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه}
{قُلۡ} لهم يا محمد {أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ} أي لم فعلتم ذلك؟! وأنتم تقرون بأنه خالقهما ومدبر أمرهما.
لأي شيء اتخذتم من غير الله آلهة تعبدونها وتتقربون إليها وهم:
{لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا} فإذا كانوا لا يملكون نفعا ولا ضرا لأنفسهم، فهم لا يملكون لكم نفعا ولا ضراً بطريق الأولى.
هذا استفهام إنكار وتوبيخ.
ثم ضرب الله لهم مثلاً، فقال: {قُلۡ} لهؤلاء المشركين يا محمد {هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ} الذي لا يرى، ولا يعرف الطريق وحده {وَٱلۡبَصِيرُ} الذي يرى ويعرف طريقه.
فكما أن الأعمى والبصير لا يستويان، فكذلك لا يستوي المؤمن الذي يرى الحق ويتبعه، والكافر الذي لا يعرف الحق ولا يتبعه.
{أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ} فكما أن الظلمات التي لا تُرى فيها طريق الحق لتسلك، والنور الذي ترى فيه طريق الحق وتسلك لا يستويان؛ فكذلك لا يستوى الكفر الذي هو ضلال عن طريق الحق، والإيمان الذي هو سلوك طريق الحق، طريق الإيمان.
{أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِ} أم جعلوا لله سبحانه شركاء معه في الخلق خلقوا مثل خلق الله {فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ} فاختلط عندهم خلق الله بخلق شركائهم؟
قال السمعاني: "وَمعنى الْآيَة: أَنهم كَمَا عرفُوا أَن الْأَصْنَام لَا تخلق كخلق الله؛ فَلَا يَنْبَغِي أَن تعبد كعبادة الله". انتهى
{قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ} قل لهم يا محمد: الله وحده هو خالق كل شيء لا شريك له في الخلق، وهو المنفرد بالألوهية، الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، القهار: الْغَالِب الَّذِي لَا يغلبه شَيْء المذلِّل لعباده.
قال ابن القيم: "القهَّار لا يكون إلا واحدًا، وأنَّه يستحيل أن يكون له شريك؛ بل القهر والوحدة متلازمان".
{أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ} [17]
ثم ضرب مثلا للحق والباطل، وبقاء الحق وزوال الباطل، فقال {أَنزَلَ} الله تبارك وتعالى {مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} من السحب مطرا، فنزل المطر على الأرض {فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا} فاحتملته الأودية بمقدار ملئها، ومنها الصغير ومنها الكبير {فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ} سيل الماء الذي سال بسبب المطر، حمل معه {زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ} الزبد: الرَّغَوة التي تعلو السيل، ورابياً أي الزبد عاليا على السيل.
وقال البغوي: الزبد: الخَبَث الذي يظهر على وجه الماء، وكذلك على وجه القِدر.
قال الطبري: "فهذا أحدُ مثلي الحقّ والباطل، فالحق هو الماءُ الباقي الذي أنزله الله من السماء، والزبد الذي لا يُنتفع به هو الباطل".
والمثل الآخر الذي ضربه الله تبارك وتعالى لبقاء الحق، وزوال الباطل: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عليهِ في النِّارِ} ومما يشعلون النار عليه من معادن الأرض كالذهب والفضة والنحاس والحديد {ٱبۡتِغَآءَ} طلب {حِلۡيَةٍ} تتحلون بها، أي لتصنعوا منها حلية؛ كالأساور والسلاسل {أَوۡ مَتَٰعٖ} كالأواني إذا أذيبت {زَبَدٞ مِّثۡلُهُ} أي يخرج منها زبد مثل زبد السيل، وهو خَبَثُه الذي ينفيه الكير، يعني الشوائب التي تخرج من الذهب والفضة والنحاس عند إذابتها وتصنعيها على النار.
وكما مثل الله بالماء وما يوقد عليه من المعادن {كَذلك يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ} كذلك يُمثّل الحقَّ والباطل {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ} الرغوة وما لا ينفع الذي علا السيل وما أُوقد عليه من المعادن {فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ} باطلا مرميا به فلا نفع منه {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} من الماء والذهب والفضة والنحاس {فَيَمۡكُثُ} يبقى {في الأَرضِ} فالماء تشربه الأرض، أو يبقى في البرك، والذهب والفضة وما شابهها تبقى للناس ينتفعون بها، كذلك الباطل يضمحل وينمحق، ويبقى الحق ثابتاً {كَذَٰلِكَ} كما مثل الله هذا المثل، كذلك {يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ} يمثل الأمثال.
قال أهل العلم: ضرب الله مثلًا لتلاشي الباطل وبقاءِ الحق بماء مطر نازل من السماء حتى سالت به الأودية، كلٌّ حسب حجمه صغرًا وكبرًا، فحمل السيل الغُثَاء والرَّغْوَة مرتفعًا فوق الماء.
وضرب مثلًا آخر لهما ببعض ما يوقد الناس عليه من المعادن النفيسة ابتغاء صهرها وصنع ما يتزين الناس به، بمثل هذين المثلين يضرب الله مثل الحق والباطل، فالباطلُ في المثل الأول، مثلُ الغُثَاء والزَّبَد الطافي على الماء، وفي المثل الثاني مثلُ ما ينفيه صَهُر المعدن من الصدأ.
والحق في المثل الأول مثل الماء الصافي الذي يُشرب منه أو تنتفع به الأرض، وينبت الثمار والكلأ والعشب، وفي المثل الثاني: مثل ما بقي من المعدن بعد صهره فينتفع الناس به، كما ضرب الله هذين المثلين يضرب الله الأمثال للناس؛ ليتضح الحق من الباطل. انتهى بتصرف.
{لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ} [18]
لما بيّن تعالى الحق من الباطل ذكر أن الناس على قسمين: مستجيب لربه، فذكر ثوابه، وغيرُ مستجيب فذكر عقابه فقال: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ} أي آمنوا بالله وأطاعوه وأطاعوا رسوله، لهم {الْحُسْنَى} وهي الجنة {وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ} لم يطيعوه ويؤمنوا به ولم يؤمنوا برسوله ويطيعوه {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا} من ذهب وفضة وغيرها {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} مضاعفاً {لافْتَدَوْا بِهِ} لبذلوا كل ذلك فداءً لأنفسهم من العذاب.
{أُولَئِكَ} الذين لم يستجيبوا لله {لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ} قال الطبري: "لهم عندَ اللَّهِ أن يَأْخُذَهم بذُنوبِهم كلِّها، فلا يَغْفِرَ لهم منها شيئًا، ولكن يُعَذِّبُهم على جميعِها". ثم أخرج عن إبراهيم النخعي أنه قال: "يا فرقدُ، أتدرى ما سوءُ الحسابِ؟"، قلتُ: لا. قال: "هو أن يُحاسَبَ الرجلُ بذنبِه كلِّه، لا يُغفَرُ له منه شيءٌ". {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} ومسكنهم الذي يسكنونه يوم القيامة جهنم {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} وبئسَ الفِراشُ والوِطاءُ جهنمُ التي هي مأواهم يومَ القيامةِ.