Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
العودة   منتديات شبكة الدين القيم > :: منـبـر الـمـشـرف العــام أبي الحسـن عـلـي الـرمــلي - حفظه الله - :: > منبر الدروس المفرغة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-11-2017, 13:33   #1
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي * متجدد * تفريغات شرح كتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر رحمه الله

الدرس الأول (تفريغ أخينا الفاضل أبي محمد عبد الله بهاء جزاه الله خيرا) :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:


فهذا الدرس الأول من دروس شرح كتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر، هذا الكتاب سمّاه مؤلفه رحمه الله: " بلوغ المرام من أدلة الأحكام "، ومعنى البلوغ: الوصول، والمَرام: المطلب، فمعناه أن الشخص يصل إلى مطلبه من أدلة الأحكام الشرعية. وبيّن المؤلف في مقدمته أنه سيذكر في كتابه هذا أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، وذكر أنه مختصر، يعني: موضوع الكتاب ذِكر أصول الأدلة الشرعية للأحكام الفقهية من الأحاديث النبوية، فهو سيذكر الأصول فقط ولن يذكر جميع أدلة الأحكام الشرعية العملية، بل سيذكر أصولها فقط، ومعنى الأصول: الأدلة التي تدل على ما يكثر وقوعه من الناس في عباداتهم، فهو مختصر كما ذكر هو نفسه المؤلف. والمختصر: ما قل لفظه وكثر معناه، وعادة أهل العلم يؤلفون المختصرات لتيسيرها للحفظ. خلاصة الأمر أن المؤلف سيذكر في هذا الكتاب الأدلة الشرعية للأحكام الفقهية التي تكثر الحاجة إليها من السنة النبوية، وقد اعتنى العلماء بذكر الأدلة الشرعية المتعلقة بالأحكام الشرعية من القرآن والسنة، فصنّفوا في ذلك مصنّفات، فجمعوا الآيات القرآنية التي تدل على الأحكام الشرعية في كتب مستقلة، ومن ذلك: كتاب " أحكام القرآن " لابن العربي وللزجّاج ولغيرهما، واعتنوا أيضاً بجمع الأحاديث التي تدل على حكم شرعي عملي، كهذا الكتاب الذي بين أيدينا منها، ومن أجمعها أيضاً:" المحرَّر " لابن عبد الهادي وكذلك " منتقى الأخبار " للمجد ابن تيمية، وأما كتب الحديث التي روت الأحاديث بالأسانيد فأجمع هذه الكتب لأحاديث الأحكام: السنن الكبرى للبيهقي، وكذلك سنن أبي داود السجستاني، فهذان الكتابان من مظانّ أحاديث الأحكام، إذا مر بك حديث في بيان حكم شرعي ترجع إلى هذين الكتابين، فغالباً لن يخرج عنهما.
ومؤلف الكتاب الذي معنا هو الحافظ ابن حجر العسقلاني، اسمه: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، نسبة إلى " عسقلان ": مدينة في فلسطين، في شمال غزة، فأصله من هناك، وأما مولده ونشأته ففي مصر، ولد سنة 773 هـ وتوفي سنة 852 هـ رحمه الله، وهو من علماء القرن التاسع، هو غني عن التعريف وقد مرت بنا ترجمته عندما شرحنا كتابه:" نزهة النظر "، الرجل معروف بعلمه خاصة في الحديث، وله مؤلفات كثيرة في هذا الفن وفي غيره من أشهرها: تهذيب التهذيب وتقريب التهذيب، فتح الباري، وكذلك نزهة النظر، والنكت على مقدمة ابن الصلاح، والإصابة في تمييز الصحابة، وغيرها كثير، مصنفاته كثيرة، كان من أهل الحديث كما ذكرنا وكتبه نفيسة لا يستغني عنها طالب علم الحديث إلا أن في شروحاته بعض الخلل في العقيدة ينبغي على طالب العلم أن يتنبه لذلك فلا يقرأ كتبه التي هي كفتح الباري وغيره إلا عالم يستطيع أن يميز بين الأمور أو يقرأ ما علّق عليه أهل العلم وبيّنوا الصواب من الخطأ في مؤلفاته التي يذكر فيها المسائل العقائدية كفتح الباري.
نحن هنا إن شاء الله في شرحنا لهذا الكتاب سنحاول ألا نطيل إطالة مملة وألا نوجز إيجازاً مخلاً، وشرحنا سنركز فيه على الصنعة الحديثية مع التركيز أيضاً على فهم متون الأحاديث، فالتركيز لن يكون على الرواية فقط بل على الرواية والدراية، وسيكون شرحنا إن شاء الله مرتبطاً بالشروح الماضية للكتب السابقة لذلك ذكرنا أن هذا الكتاب لن يناسب المبتدئ، هناك أساسيات ذكرناها في سلسلة التأصيل العلمي لن نعرّج عليها هنا، سنبني عليها، لذلك الذي فاتته تلك الأساسيات وجاء يتابع معنا ستبقى عنده حلقة مفقودة ولن تحصل عنده الفائدة التامة، ربما يستفيد، مجلس علم فيه بركة وفيه فائدة إن شاء الله، لكن ليست الفائدة المرجوّة، لذلك أنصح من أراد أن يتابع معنا أن يدرس قبل ذلك، أقل شيء يكون عنده علم بالورقات، عنده علم بمصطلح الحديث على الأقل يكون قد درس البيقونية والباعث أو البيقونية والنزهة مثلاً، هذا أقل الأحوال، لكن أيضاً لن تكون الفائدة تامة حتى يكون قد أكمل السلسلة التأصيلية التي كنت قد درّستها لطلبتي فيحتاج شيئاً من المصطلح، يحتاج شيئاً من أصول الفقه، يحتاج إلى شيء من الفقه أيضاً، مبدئي، حتى يستطيع أن يستفيد فائدة تامة من شرحنا على هذا الكتاب، وبإمكان الذي لم يدرس ما سبق أن يستدرك، قبل أن يبدأ معنا يستدرك، الآن نحن هذا الدرس سيكون درساً في الأسبوع وسنمضي فيه إن شاء الله، بإذن الله لن نتوقف ولن نغير هذا الدرس بإذن الله كما فعلنا في السابق وسنمضي إلى أن ييسر الله سبحانه وتعالى ويعيننا ونكمل الكتاب، وهو درس في الأسبوع فبإمكانه هو الآن في هذه المدة أن يتعجّل قليلاً ويدرس الدروس الماضية كي يلتحق بنا.
الآن بالنسبة لكتاب المؤلف، قال رحمه الله بعدما حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، لن نعرج على شرح هذه الفقرة، لأن الحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كله كنا قد شرحناه في السابق فأمره ظاهر، الآن طالب العلم لو قرأ أي كتاب في شرح هذا الكتاب سيفهم المكتوب سواء كان من شرح الشيخ ابن عثيمين أو غيرها من الشروح.
قال المؤلف:( هذا مختصر ) فيصف كتابه يقول هو مختصر، أي قليل الألفاظ كثير المعاني، ( يشتمل على أصول الأدلة الحديثية ): فما وضعه في هذا الكتاب أدلة حديثية فقط، ولم يذكر الأدلة القرآنية، ذكر أصول الأدلة الحديثية فقط ( للأحكام الشرعية ): أي العملية، ذكر أصول الأدلة الشرعية الحديثية العملية، فأخرج بذلك الأحكام العقلية والعادية، بقوله الأحكام الشرعية أخرج الأحكام العقلية والأحكام العادية ( حررته تحريراً بالغاً ) أي خلّصه مما يعقده، خلصه مما يجعله صعباً مشكلاً وبالغ في ذلك يعني: أكثر من هذا الفعل، تحرير الكتاب أو المسألة، تحرير الكتاب تخليصه مما يعقّده، يعني تجويده، تصويبه، إصلاحه تسهيله، ترتيبه ( ليصير من يحفظه بين أقرانه نابغاً ) أي يسَّرَ هذا الكتاب لطالب العلم حتى يصير طالب العلم بين أقرانه وزملائه يعني نابغاً يعني مبرّزاً متميزاً على غيره متقدماً عليهم، لا شك أن حفظ هذا الكتاب يقوّي حجة طالب العلم، فهو مفيد جداً، بل لا أنصح طالب علم بتفويت هذا الخير، الحفظ - بارك الله فيكم - ليس فقط أن تمسك حديثاً: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته ........ انتهى الأمر، لا، هذه الخطوة الأولى من الحفظ، أنت عندما تردد هذا الحديث مرتين ثلاثة أربعة عشرة، خلاص تحفظه، لكن في اليوم الثاني تجد نفسك قد نسيت كل شيء، لذلك الحفظ يحتاج إلى كثرة تكرار، تكرر، عشرين، ثلاثين مرة، أربعين، حسب ما ييسر الله لك من وقت، كرر وعلى قدر ما تكرر على قدر ما يرسخ محفوظك، لا تستعجل، قلّل الكمية وكثّر التكرار، في اليوم الثاني عندما تريد أن تبدأ ابدأ من البداية وكرّر، ثم ابدأ بمحفوظك الجديد، وهكذا في كل يوم، راجع، في الصباح راجع مرة وفي المساء راجع مرة، واليوم الثاني راجع من الأول إلى النهاية ثم ابدأ من جديد، وهكذا، هكذا عندك تكرار، تفرّق الأوقات حتى لا تمل، هكذا يكون الحفظ، وأيش حجتنا نحن ؟ دعوتنا بماذا تكون ؟ بالكتاب والسنة، فأنت بحاجة إلى أن تحفظ أدلة الكتاب والسنة، ربما في بداية الطلب لا تشعر بأهمية هذا، لكن بعد ذلك لما يفتح الله سبحانه وتعالى عليك وتدرّس أو تفتي ستعلم أهمية هذا الأمر، ومن لم يتمكّن من الحفظ يكثر من القراءة، قد نفعنا الله بهذه الطريقة كثيراً وقد قرأتها لأحد العلماء جزاه الله خيراً، انتفعنا به كثيراً، ربما كتاب لا تقوى على حفظه أو لا يكون عندك من الوقت ما يسع لحفظه، تكثر من القراءة فيه، لا مرة ولا اثنين ولا عشرة ولا عشرين، أكثِر، ترسخ في ذهنك المعاني بشكل سليم هذا إذا لم تحفظ، ربما تجد نفسك في النهاية قد حفظت بعض متونه.
قال المؤلف:( ويستعين به الطالب المبتدي ولا يستغني عنه الراغب المنتهي ) يعني هذا الكتاب نافع للمبتدي ونافع للمنتهي، المنتهي الراغب في معرفة الأدلة الشرعية لا يستغني عنه، والطالب المبتدي يستعين به على معرفة العلم الصحيح، قال:( وقد بيّنت عقب كل حديث مَن أخرجه من الأئمة ) يعني يذكر الحديث أولاً ثم يذكر بعده من أخرجه من الأئمة المعتبرين، أيش يعني أخرجه ؟ يعني رواه بإسناده، فهو يذكر من أخرجه من الأئمة المعتبرين، أئمة الحديث الذين يروون الأحاديث بأسانيدهم، فيعزو الحديث لكتب الحديث المشهورة المعتمدة عند أهل الحديث، هذا شرطه، قال: ( لإرادة نصح الأمة ) لماذا يفعل ذلك ؟ لماذا يعزو الحديث إلى مرجعه ؟ إلى مصدره ؟ لنصح الأمة، فالنصيحة واجبة، وعزو الحديث إلى مصدره حتى يُعلَم أن الحديث له أصل، فلولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، لو جاءك شخص قال لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا .... أيش عرفك أن هذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يقله، أيش تقول له ؟ مَن أخرج الحديث ؟ هذه الخطوة الأولى، السؤال الأول، تقول له: من أخرج الحديث؟ أين أجد أصله؟ كل حديث له أصل، ما تأتي تكذب عليّ، و[ كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع ]، ربما سمعته أنت من أي أحد قاله وأتيتني به، لا، هات، مَن أخرجه ؟ إذاً من أجل أن أعرف هذا الحديث له أصل أم لا، أسأل عن تخريجه، نقول أخرجه أحمد في مسنده، جميل، هنا الآن أنا خطوت الخطوة الأولى، وصلت إلى أول رأس الخيط، أرجع إلى مسند الإمام أحمد، موجود الحديث ؟ نعم موجود، جميل، إذاً الحديث له أصل في كتب السنة، إذا لم يكن له أصل في كتب السنة لا أقبله، ليس بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، كذب، تلقائي معروف خلاص، موجود في كتب السنة المعتمدة جميل، إذاً علمنا بذلك أن الحديث له أصل، الخطوة الثانية: ليس كل حديث مروي بإسناد في هذه الكتب صحيحاً، لا، هناك أحاديث مكذوبة، هناك أحاديث ضعيفة، الخطوة الثانية نسأله من صححه؟ من أجل أن نعرف هذا هل هو حديث صحيح أم ضعيف، أيش يعني صحيح أو ضعيف، يعني ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاله أو ليس بثابت، الحديث الصحيح هو ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله إما يقيناُ أو ظناً،، الحديث الضعيف لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، يعني لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم يقيناً أو ظناً، يعني إما غلبة ظن عندنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله أو نحن مستيقنون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله، ربما هكذا ربما هكذا، بعض أنواع الحديث هكذا وبعضها هكذا، صحة وضعفاً، إذاً معنى حديث ضعيف أي أنه لم يثبت عندنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، معنى الحديث الصحيح أنه ثبت عندنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، جميل، إذاً صار عندي خطوتين لا بد منهما للتأكد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم هل قاله أم لا، والتحري لدينك أمر مطلوب واجب، إذاً لما يذكر لي شخص حديثاً أطالبه أولا بماذا ؟ من أخرجه؟ هذا الذي فعله المؤلف الآن، يذكر لك الحديث ويذكر لك تخريجه، هذا شرطه، يقول لك أخرجه فلان وأخرجه فلان ...، لكن الخطوة الثانية لم يذكر فيها المؤلف شيئاً، لم يذكر هل يتقيد بذلك أم لا، كثير من الفقهاء في كتب الفقه لا يتقيدون بهذه الخطوة الثانية، المؤلف تقيّد بذلك، يصحّح ويضعّف في كتابه هذا، ربما صراحة يقول لك: هذا الحديث صحيح أو ضعيف، وربما يكتفي بالنقل عن عالم من العلماء السابقين، يقول لك مثلا: صححه ابن خزيمة، صححه الترمذي، صححه البخاري، ضعفه فلان ...... إلى آخره، ويبيّن كل هذا، أما هل يُسلَّم أو لا يُسلَم؟ هذا هو موضوعنا الذي نحن الآن سندرسه إن شاء الله ونعلم: هل يُسلَّم له أو لا يسلم مما ذكره من صحةٍ وضعفٍ، على كلٍّ: المؤلف قام بما اشترطه على قدر ما استطاع من ذلك وعلى قدر ما آتاه الله من علم وما جعله يتبناه من قواعد لهذا الفن، فربما نحن نوافقه وربما نخالفه، ولكن لا بد من الأدلة، يعني عند الموافقة وعند المخالفة نذكر الدليل، لماذا خالفناه ؟ إذا قال هو صحيح ونحن قلنا ضعيف، لماذا ؟ لا بد من ذكر الدليل، نحن طلبة علم الآن، ندرس نتعلم، طالب علم الحديث لا يكتفي بقول هذا صحيح وهذا ضعيف، هات الدليل، { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } عندي الدليل مطلوب في كل أمر ديننا، لا يوجد عندي شيء يستثنى في هذا، هات، بيّن لي الدليل، قال المؤلف صحيح، أنت قلت ضعيف، طيب هات الدليل لماذا قلت ضعيف ؟ درسنا علم المصطلح ودرسنا العلل وعرفنا الآن كيف يعلَّل الحديث وكيف يصحّح وكيف يضعّف، إذاً لا بد أن تبين لي، إذا ضعف هو يبين لي العلة، بعد ذلك هل أوافقه على هذا التعليل أم لا، فنحن نسير بناءً على الأدلة وبناء على طريقة السلف في ذلك، نتحرى هذا الأمر بقدر الاستطاعة، أنا أتحرى هذا الأمر أن أذكر الأدلة وأن أنتهج منهج السلف الصالح رضي الله عنهم في تعليل الأحاديث، في تصحيحها وفي تضعيفها مع قلة علمنا وضعف هممنا وتقصيرنا، نسأل الله أن يغفر لنا ذلك إلا أننا نحاول أن ننصح وأن نبين لأن الله أمرنا بذلك، وعلى قدر ما رزقنا من علم، نفعل ذلك تبرئة للذمة ونصحاً للأمة وطاعة لربنا تبارك وتعالى لأنه أمرنا بالبيان وبالتعليم وبالبلاغ، فنفعل ذلك، لسنا لأننا أعلم ممن سبقنا ولا لكثرة علمنا بل نحن من الضعف بمكان، نسأل الله أن يعفو عنا، لكن الله سبحانه وتعالى رزقنا شيئاً وأمرنا بتبليغه فها نحن نبلغ والله المستعان، نسأل الله أن يعفو عنا.
قال المؤلف:( فالمراد بالسبعة ) إذاً المؤلف الآن ذكر أنه سيخرج الحديث وفي أثناء تخريجه له اصطلاحات سيستعملها، ولما كانت هذه الاصطلاحات خاصة ليست عامة بيّنها في المقدمة، وقد ذكرنا نحن في المصطلح سابقاً ونذكركم بهذا أن المؤلف إذا بيّن مراده في المقدمة لا مشاحة في الاصطلاح، لعلكم تذكرون، الذي لا يذكر يراجع من أجل أن يتذكر ما ذكرناه في هذه الفقرة في الباعث، المؤلف هنا الآن بيّن اصطلاحه وماذا يريد من قوله أخرجه السبعة، إذا قال أخرجه السبعة، من هم السبعة ؟ قال:( فالمراد بالسبعة: أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه ) إذاً المراد بالسبعة هم الستة، أصحاب الكتب الستة وأحمد في مسنده، قال:( وبالستة من عدا أحمد ) يعني مراده بالستة أصحاب الكتب الستة، والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، ( وبالخمسة مَن عدا البخاري ومسلم ) أصحاب الكتب الخمسة، يعني شيل البخاري ومسلم مَن يبقى ؟ أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، هؤلاء الخمسة، قال:( وقد أقول: الأربعة وأحمد ) يعني بدل ما يقول الخمسة، هما اصطلاحان بنفس المعنى، يعني يقول لك هو الآن أنا أستعمل اصطلاحين بنفس المعنى، ربما أقول لك: أخرجه الخمسة وربما أقول لك أخرجه الأربعة وأحمد، وكلا اللفظين بمعنى واحد، الخمسة هم أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، الأربعة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه إضافة إلى أحمد، قال:( وبالأربعة من عدا الثلاثة الأول ) الثلاثة الأول أحمد والبخاري ومسلم، الأربعة أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ( وبالثلاثة من عداهم والأخير ) الأخير من هو ؟ ابن ماجه، من عدا الثلاثة الأول أحمد والبخاري ومسلم والأخير ابن ماجه، من صفا عندنا إذاً أبو داود والترمذي والنسائي، هؤلاء هم الثلاثة،( وبالمتفق عليه البخاري ومسلم ) إذا قال هذا حديث متفق عليه يعني أخرجه البخاري ومسلم، هذا اصطلاح عام، إذا اتحد الصحابي، صحابي الحديث واحد وأخرجه البخاري ومسلم يقولون هذا الحديث متفق عليه وإذا اختلف الصحابي وكان متن الحديث واحداً وأخرجه البخاري ومسلم يقولون أخرجه البخاري ومسلم لا يقولون متفق عليه، هذا اصطلاح مشهور عند أهل الحديث بهذه الطريقة لكن المؤلف الآن لم يذكر هذا، قال بالمتفق عليه يعني أخرجه البخاري ومسلم، الظاهر أنه لا يفرق اختلف الصحابي أو اتحد، الآن إن شاء الله من خلال عمله يتبين معنا، قال:( وقد أذكر معهما غيرهما ) يعني ربما يكتفي عند تخريج الحديث بقوله أخرجه البخاري ومسلم وربما يزيد لفائدة، يقول: أخرجه البخاري ومسلم مثلاً وابن خزيمة واللفظ له مثلاُ، فهنا لماذا ذكر ابن خزيمة ؟ لأن اللفظ له فزاد ابن خزيمة، مع أن في التخريج إذا قلت أخرجه البخاري أو أخرجه مسلم أو متفق عليه انتهى الأمر، لا داعي أن تزيد لي لماذا ؟ لأن هؤلاء قد اشترطوا الصحة، فأنت بقولك أخرجه البخاري ومسلم أو متفق عليه قد حققت لي الخطوتين، عرفت أصل الحديث أين، وعرفت هل هو صحيح أم ضعيف، بقولك أخرجه البخاري أو مسلم أو متفق عليه، قال:( وما عدا ذلك فهو مبيَّن ) يعني إذا ذكر مخرجين غير من ذكرهم هنا سيبينهم، ما عاد فيهم إشكال يقول أخرجه البيهقي أخرجه ابن أبي شيبة، أخرجه ابن خزيمة، أخرجه ابن حبان، صار الأمر واضح ما عنده اصطلاح خاص فيه، فلذلك ما احتاج إلى بيانه، هذا ما أردنا أن نذكره في مقدمة هذا الشرح ونبدأ إن شاء الله في الدرس القادم بمادة الكتاب، ربما نعجّل إن شاء الله في الدرس القادم ونعطي أكثر من درس في هذا الأسبوع أو في بداية الأسبوع القادم وربما نؤجله إلى الثلاثاء القادم على حسب الظروف لأن هذه المقدمة ونبدأ بالدرس إن شاء الله من المجلس القادم، لكن الآن نكتفي بهذا القدر لأن التسجيل إذا طال أكثر من هذا الموقع لا يستقبله، الموقع يستقبل أحجام صغيرة من التسجيلات فنكتفي بهذا القدر، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك ونتوب إليك

آخر تعديل بواسطة أبو زيد رياض الجزائري ، 06-11-2017 الساعة 13:41
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-11-2017, 13:35   #2
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

الدرس الثاني (تفريغ أخينا الفاضل أبي محمد عبد الله بهاء جزاه الله خيرا) :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فاليوم معنا الدرس الثاني من دروس شرح بلوغ المرام، قال المؤلف رحمه الله:
( كتاب الطهارة)

( باب المياه)


شرحنا معنى الكتاب ومعنى الطهارة ومعنى الباب وبيّنّا لماذا يبدأ العلماء بالمياه في كتب الفقه، شرحنا ذلك وبيّنّاه في شرح الدرر البهية فلا حاجة لإعادة ذلك هنا، وهذا الشرح إن شاء الله سيكون مبنيّاً على ما ذكرناه وفصّلناه في كتب التأصيل العلمي السابقة، في الدرر البهية والورقات ولب الأصول وعلم الحديث، فهو كالمتمم لها، فلا نطيل بذكر الأساسيات فهذه الأساسيات والمبادئ كلها قد ذُكِرَت هناك، لذلك قلت أنا هذا الكتاب يصلح للذين درسوا تلك الأساسيات وانتهوا من مرحلة التأصيل، على الأقل يكونون قد درسوا شيئاً من الفقه، شيئاً من الأصول، شيئاً من علم الحديث، ومن لم يكن هذا حاله فأنصحه أن يرجع إلى الدروس التي درّسناها وهي موجودة صوتية وموجودة مفرغة على شبكة الدين القيم وعلى منتديات الدين القيم ويبدأ من هناك، وبعد أن ينتهي بالتسلسل الذي ذكرناه والذي بيّنّاه ومشينا عليه، بعدها يأتي ويلتحق بنا في دروس البلوغ، على أقل الأحوال يدرس الورقات، يدرس كتاب الطهارة والصلاة من الدرر البهية، يدرس علوم الحديث، بإمكانه بعد ذلك أن يمشي معنا وأن يفهم ما سنذكره إن شاء الله تعالى. مهم جداً في طلب العلم التدرج وعدم العجلة، فلا يقفز طالب العلم، القفز هذا من الأشياء المضرّة بطالب العلم، القفز وكثرة التقطع والتنقل، هذا غير جيد لطالب العلم، والعجلة كذلك، هذه أشياء كلها مضرّة بطالب العلم.



الحديث الأول:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ.



قوله: ( عن أبي هريرة): حذف المؤلف رحمه الله الإسناد اختصاراً لكنه عوّض ذلك بذكر من خرّج الحديث بعد ذكره له، فتخريج الحديث يغنيك عن الإسناد، لأنك إذا أردت الإسناد تجده في المخارج التي ذُكِرَت، فقال لنا هو الآن: "أخرجه الأربعة" فتجد الحديث هناك بإسناده، فأغنى ذلك عن ذكر الأسانيد، لذلك يخرّج العلماء.

يقول لك: أخرجه فلان، أيش يعني أخرجه فلان؟ يعني أن الحديث تجده في الكتاب الفلاني بإسناده مذكورا، اذهب هناك واطّلع على إسناده إذا شئت.

وأبو هريرة – رضي الله عنه - صحابي شهير مكثر، من أراد ترجمته فليرجع إليها في " سير أعلام النبلاء " أو في كتاب " الإصابة في تمييز الصحابة " لابن حجر، هذا الكتاب هو أنفس ما أُلّف في الصحابة، في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جمع جهود مَن قبله، عندنا عدة كتب أُلّفت في الصحابة، جمع تلك الجهود الحافظ ابن حجر في كتابه " الإصابة "، أبو هريرة – رضي الله عنه - غني عن التعريف وقد سبق أن ترجمنا له في أكثر من درس.

[الكلام على طرق الحديث وحكمه]

نبدأ أولاً بتخريج الحديث وجمع طرقه والحكم عليه، يعني بالصنعة الحديثية، قبل الكلام على متن الحديث من الناحية الفقهية.

قال:( أخرجه الأربعة) وقد بيّن لنا في المقدمة ماذا يعني بهذا، يعني أصحاب السنن الأربعة، يعني أخرجه أبو داود في سننه وأخرجه الترمذي في جامعه وأخرجه النسائي في سننه الصغرى، النسائي كما تعلمون له كتابان، له السنن الكبرى وله السنن الصغرى، الكتاب الذي هو معتمد عند العلماء على أنه من ضمن كتب السنن التي يسمونها بالكتب الستة هو " السنن الصغرى " لا الكبرى، الكبرى أعم وأشمل وفيه كلام عن العلل، أما الصغرى فلا، منتقى ومستخلص من الكبرى، اختلف العلماء فيمن انتقاه: هل هو تلميذ النسائي ابن السّنّيّ أم النسائي نفسه ؟ والثاني الظاهر أنه أرجح والله أعلم.

قال: الأربعة، قلنا الأربعة أبو داود في سننه والترمذي في جامعه والنسائي في سننه، عندما نقول: النسائي في سننه ونعزو إلى هذه الكتب فنعني به السنن الصغرى لا الكبرى، وابن ماجه: يعني أخرجه ابن ماجه أيضاً في سننه، وقد تحدثنا عن هذه السنن وعمّا فيها وفصّلنا هذا كله في دروسنا في الباعث الحثيث، إذاً الآن الحديث تجده مخرّجاً بإسناده في هذه الكتب الأربعة.

نفهم تلقائياً من هذا التخريج ماذا؟ أن الحديث ليس في البخاري ولا في مسلم، من أين ؟ لأنه من المَعيب عند أهل العلم بالتخريج أن تخرّج الحديث في غير الصحيحين وهو في الصحيحين، هذا معيب، يعني إذا كان الحديث موجوداً في صحيح البخاري أو في صحيح مسلم أو متفق عليه وتذهب وتخرّجه في كتاب آخر هذا غلط لأن صحيحي البخاري ومسلم قد امتازا بالصحة، فأنت إذا قلت أخرجه البخاري قد أفدتني فائدتين، أفدتني بأن الحديث مخرّج بإسناده في صحيح البخاري وأفدتني بأن الحديث صحيح إلا ما انتُقد طبعاً وهذه قليلة ليس هذا موطن الحديث عنها، قد ذكرنا وفصلنا هذا القول في كتب المصطلح، في شرحنا على المصطلح، طيب.

لذلك - بارك الله فيكم - عند التخريج إذا كان الحديث متفقاً عليه فلا يصح أن تقول أخرجه البخاري وتسكت أو أخرجه مسلم وتسكت، بل تقول: متفق عليه، لأن هذا أقوى، الحديث المتفق عليه أقوى من الحديث الذي انفرد بإخراجه البخاري أو مسلم، فلذلك عند التخريج أنت بحاجة إلى أن تقول: هو حديث متفق عليه، لكن إذا كان متفقاً عليه وقلت أخرجه البخاري أو مسلم فهذا عيب في التخريج، وإذا كان في البخاري وقلت في مسلم أيضاً هذا عيب وإن كان أخف وأهون من أن تأتي وتخرجه من كتب السنن وهو في أحد الصحيحين، لكن هذه طريقة أهل العلم في التخريج، إذا كان الحديث متفقاً عليه فتقول: متفق عليه، هذي أعلى مرتبة، ثم أخرجه البخاري وحده تقول البخاري، إذا أخرجه مسلم وحده تقول مسلم، ثم إذا لم يكن في الصحيحين تنتقل بعد ذلك إلى كتب السنن. الآن الحافظ ابن حجر ماذا فعل ؟ قال:( أخرجه الأربعة) أفادنا فائدة أن هذا الحديث ليس في الصحيحين ولا في أحدهما، هذا تفهمه تلقائياً من طريقة التخريج، هذا إذا كان المخرّج عالماً بالحديث، يعرف كيف يخرّج، تلقائياً عندما يقول لي في السنن أعرف أنه ليس في الصحيحين، إذا ذهب وخرّجه في سنن البيهقي أعرف أن الحديث ليس في الكتب الستة، أو قال أخرجه أحمد وسكت، أعرف أن الحديث ليس في الكتب الستة، هذه طريقة أهل العلم في التخريج إذا كان المخرّج عالماً بعلم الحديث، أرجع وأقول هذا لأن الذي ليس له علم بعلم الحديث أو كان ضعيفاً في التخريج لا يراعي هذه المعاني أو ربما يراعيها ولكنه لا يستطيع أن يقف على الحديث في جميع مصادره .

قال:( وابن أبي شيبة واللفظ له): أخرجه أيضاً ابن أبي شيبة، انظر الآن الحافظ ابن حجر مع أن ابن أبي شيبة أعلى إسناداً من الأربعة وأكبر سناً ولكنه لم يكتف بالتخريج له، أخذ لفظه نعم، لكن عند التخريج خرّج للأربعة أولاً لأنه عند أهل العلم: الكتب الستة أشهر من غيرها فيقدمونها في الذكر.

ابن أبي شيبة هذا هو أبو بكر ابن أبي شيبة، إذا أطلق العلماء العزو إليه فيعنون به أشهر كتبه وهو " المصنَّف " له أيضاً كتاب آخر اسمه " المسند " لكن هم إذا أطلقوا يعنون " المصنف "، فيكون هذا الحديث موجوداً في المصنف لابن أبي شيبة، وهذا الكتاب معروف بفائدته في ذكر الآثار والإكثار من ذكر الآثار الموقوفة والمقطوعة، تعرفون الفرق بين الموقوف والمقطوع، نظرتم الآن، هذه الدروس كلها مبنية على ما سبق، الآن لا تحتاجون أن أصف لكم ما هو الموقوف وما هو المقطوع، لماذا ؟ لأنه كله قد تقدم معكم في المصطلح، كما ذكرنا لكن ابن أبي شيبة الآن أعلى إسناداً وأكبر سناً فكان ينبغي عند التخريج أن يُقدَّم لأن التقديم في التخريج يكون بهذه الطريقة، الأعلى إسناداً، الأكبر سناً يُقدَّم، أكبر سناً غالباً يكون أعلى إسناداً، غالباً أقول ليس دائماً، فلذلك يقدم على غيره، لكن في الصحيحين والكتب الستة لا، الأمر ليس كذلك، لأن هذه الكتب أشهر وأكثر انتشاراً بين أيدي أهل العلم، لذلك العلماء كانوا يقدّمون هذه الكتب على غيرها، لكن إذا خرّجت عن الكتب الستة تراعي هذا المعنى، وبعض العلماء يقدم مسند الإمام أحمد على ذكر الأربعة، لأن الإمام أحمد أعلى إسناداً وأكبر سنّاً من هؤلاء لكن البعض الآخر لا، يقدم الستة دائماً، الصحيحين والأربعة ثم يذكر غيرهم بعد ذلك، الأمر سهل في هذا، القضية اصطلاحية .

الآن نحن عندما نبحث من أجل أن نقف على الإسناد ونحن نحرص على أن نبدأ بالإسناد الأعلى لأننا كما ذكرنا فائدة العلو في الإسناد أنه يكون أقل خطأً، فعندما بحثنا في هذا الحديث عن الأعلى إسناداً وجدنا الحديث موجوداً عند مالك في الموطأ، ومالك أكبر من كل من عزا إليهم المؤلف، أكبر حتى من أحمد، فإذاً الرجوع إلى موطأ الإمام مالك هو الأفضل في مثل هذا الموطن، فرجعنا إلى موطّأ الإمام مالك فوجدناه يروي هذا الحديث عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ آلِ بَنِي الْأَزْرَقِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَنَّهُ أخبره أنه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». ومن طريق مالك أخرجه جمع كبير منهم القاسم بن سلّام وابن أبي شيبة وأحمد والدارِمي والأربعة وابن الجارود وابن خزيمة وغيرهم، خرّجوه من طريق الإمام مالك رحمه الله.

صفوان بن سليم: المدني الزهري مولاهم، ثقة عابد فقيه قال فيه الإمام أحمد: ثقة، من خيار عباد الله الصالحين اهـ. وثقه جمعٌ، وأخرج له الشيخان ورواية مالك عنه في الصحيحين.

سعيد بن سلمة: في رواية: من آل بني الأزرق، وفي رواية أخرى: من آل الأزرق، وفي رواية أخرى، من آل ابن الأزرق، هكذا جاء في روايات للحديث، قال في التهذيب: روى عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة حديث البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته، وعنه صفوان بن سليم والجُلاح أبو كثير وهو حديث في إسناده اختلاف، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في " الثقات ".

لاحظ هنا مَن وثقه ؟ النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، هذا تكلمنا عنه في السابق أن النسائي وابن حبان يوثقان المجاهيل، إذا ذكر ابن حبان الشخص ولم يذكره بجرح ولا تعديل، ذكره في الثقات، فهذا يذكر المجاهيل بهذه الطريقة، والنسائي يوثق المجاهيل أحياناً.

قال ابن حجر: قلت: وصحّح البخاري فيما حكاه عنه الترمذي في العلل المفرد حديثه وكذا صححه ابن خزيمة وابن حبان وغير واحد انتهى. سيأتي إن شاء الله أن الحديث صححه أئمة كبار ومنهم البخاري فهو توثيق ضمني لسعيد وشيخه المغيرة، هكذا اعتبره بعض أهل العلم، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذه النقطة.

أما المغيرة بن أبي بردة الكناني: فذكر الحافظ في التهذيب الخلاف في اسمه واسم سعيد بن سلمة الذي قبله، وذكر قول أبي داود فيه أنه معروف وذَكَرَ توثيق النسائي وذِكرَ ابن حبان له في الثقات، ثم قال في آخر ما ذكر: وصحح حديثه عن أبي هريرة في البحر ابن خزيمة وابن حبان وابن المنذر والخطابي والطحاوي وابن منده والحاكم وابن حزم والبيهقي وعبدالحق وآخرون، انتهى.



[ذكر الخلاف في تصحيح الحديث]

خالف في تصحيح الحديث ابن عبد البر وابن حزم بخلاف ما نقل عنه ابن حجر، ابن حزم نُقل عنه نقلان إلا أن يكون له قولان في المسألة، الله أعلم، ربما يكون له قولان، وأما ابن عبد البر فقال في التمهيد: [اختلف أهل العلم في إسناده، وقال البخاري صحيح، لا أدري ما هذا منه؟ - الكلام لابن عبد البر - ولو كان صحيحاً عنده لأخرجه في كتابه -قال - وهذا الحديث لم يحتجّ أهل الحديث بمثل إسناده - قال - وهو عندي صحيح ] انظر بعدما تكلم في الإسناد، الظاهر أنه يتكلم في الإسناد بسبب المغيرة وسعيد بن سلمة، فيهما جهالة على ظاهر الحال، لكن قال في النهاية: [هو عندي صحيح لأن العلماء تلقَّوه بالقبول والعمل به، لا يخالف في جملته أحد من الفقهاء وإنما الخلاف في بعض معانيه] انتهى نقلاً عن ابن الملقن في البدر المنير. ثم أخذ ابن الملقن يرد على ابن عبد البر كلامه، ونقل عن الشافعي قوله: [ في إسناد هذا الحديث من لا أعرفه ] قال البيهقي في السنن:[ يحتمل أن يريد سعيد بن سلمة أو المغيرة أو كلاهما ] انتهى، وصححه البيهقي رحمه الله.

وتوبع مالك عليه وروي بأوجه كثيرة أجودها وأصحها رواية مالك رحمه الله وله شواهد ذكرها ابن الملقن وتكلم عليها في " البدر المنير " أفضلها حديث أبي هريرة هذا.

وخلاصة القول فيما عُلِّل به هذا الحديث، ذكرها ابن الملقن في " البدر المنير ":
أولاً: جهالة سعيد والمغيرة:


وهذه أقوى شبهة تُذكر على هذا الحديث، وهذه الجهالة تزول بتصحيح الإمام البخاري للحديث، فإما أن يكون البخاري قد صحّح الحديث لأن المغيرة وسعيد عنده ثقتان أو أنه صححه لشواهده، وعلى جميع الأحوال الحديث يعتبر صحيحاً. ويزول هذا الإشكال إذا علمنا أن تصحيح البخاري يلزم منه توثيقه لسعيد والمغيرة عندئذ نقول: الحديث صحيح لتوثيق البخاري لهما، وتوثيق البخاري قوي، أو أن نقول قد صححه البخاري لما له من شواهد وشواهده تكفي في تصحيحه.

العلة الثانية التي ذكروها للحديث: وهي الاضطراب:

وهذه العلة ضعيفة، فرواية مالك من أجود الروايات التي وردت وأصوبها وهي صحيحة قدّمها أهل العلم على غيرها، قال البخاري: وحديث مالك أصح.

العلة الثالثة: الإرسال:

قالوا: روى الحديث يحيى بن سعيد عن رجل من أهل المغرب يقال له المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة أن ناساً من بني مدلج أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ...فذكر الحديث، قالوا: يحيى بن سعيد أحفظ من صفوان بن سُليم وأثبت من سعيد بن سلمة، لكن في ترجيح هذه الطريق نظر، فقد اختُلف على يحيى فيها بخلاف رواية مالك فلم يحصل خلاف على مالك فيها فتقدَّم رواية مالك على رواية يحيى.

العلة الرابعة: الاختلاف في اسم سعيد بن سلمة:

والصحيح رواية مالك ومن وافقه فيها، ولا يضر الخلاف إذا عُرف حال الرجل وكذلك يقال في المغيرة، اختلفوا في اسمه أيضاً، الاختلاف في الاسم لا يضر إذا عرف الشخص وعرف حاله، خلاص ما في مشكلة في الاختلاف في الاسم.

وللحديث شواهد ضعيفة يطول الكلام فيها، أطال ابن الملقن في البدر المنير الكلام على الحديث وذكر ما ذكرناه هنا ملخصاً وزاد عليه، من أراد فليرجع إليه، والحديث بالجملة ثابت إن شاء الله والله أعلم .



[فقه الحديث]

أول ما يستفاد من الحديث أن ماء البحر طاهر في نفسه مطهّر لغيره، وهذه أعظم فوائد هذا الحديث، فيصح التطهر بماء البحر، فالطهور الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم على الصحيح كما جاء في معاجم اللغة أنه طاهر في نفسه مطهّر لغيره، طيب.

فقه الصحابة في هذا الموضوع:

فائدة: تستفيدون أنه عندما تريدون أن تعرفوا مذاهب الصحابة في المسألة، إما أن ترجعوا إلى نقولات الترمذي وابن المنذر أو أن ترجعوا إلى الكتب التي هي مظنة الآثار كالمصنف لابن أبي شيبة والمصنف لعبد الرزاق، وكذلك أيضاً كتاب " اختلاف الفقهاء " لمحمد بن نصر المروزي، وكذلك كتاب " الطهور " للقاسم بن سلّام -هذا في مسائل الطهارة -، القاسم بن سلام اعتنى بنقل كلام أهل العلم من السلف رضي الله عنهم في هذه القضايا. هذه مراجع ترجع إليها لمعرفة الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم في فقههم في باب معين من أبواب الفقه.

قال الترمذي بعد أن أخرج الحديث:[ وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر وابن عباس] للفائدة ابن عباس أثره ذكره شيخنا رحمه الله في الجامع الصحيح وصححه هناك، قال: [أبو بكر وعمر وابن عباس، لم يَرَوا بأساً بماء البحر، وقد كره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء بماء البحر - الكلام للترمذي ما زال - منهم ابن عمر وعبدالله بن عمرو، وقال عبدالله بن عمرو: هو نار]، لذلك كرهه، قال: هو نار، هذا الكلام كله للترمذي، قال أبو عبيد القاسم بن سلّام وهو ممن توفي في سنة 224هـ بعدما ذكر آثاراً عن الصحابة وغيرهم في جواز التطهر بماء البحر، قال:[ وهذا قول سفيان بن سعيد ومالك والأوزاعي وعليه أهل الحجاز والعراق والشام، أنه طاهر مجزئ، وفيه قول سواه ] يعني فيه قول مخالف لهذا القول ثم ذكر عن أبي هريرة بإسناد ضعيف وذكر عن ابن عمر وعن عبدالله بن عمرو ما ذكره الترمذي ثم أخذ يقوّي القول لأول وينتصر له ويضعف القول الثاني، في كلام طيب له من شاءه فليراجعه في كتابه " الطهور "، وقال ابن المنذر في الأوسط:[ وممن روينا عنه أنه قال ماء البحر طهور أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعقبة بن عامر ] وذكر الآثار هذه بأسانيدها، فهذا مرجع أيضاً لمعرفة الآثار بأسانيدها، كتاب ابن المنذر " الأوسط " من أنفس كتب الفقه وأحسنها على مذهب أهل الحديث رحمه الله، ثم قال:[ وبه قال عطاء وطاووس والحسن ] عطاء بن أبي رباح تلميذ ابن عباس، وطاووس بن كيسان تلميذ ابن عباس، والحسن البصري، أئمة من أئمة التابعين هؤلاء جميعاً، قال:[ وهو قول مالك وأهل المدينة والثوري وأهل الكوفة ] مالك كان في المدينة لذلك يذكرون أهل المدينة معه لكن هو كان إماماً مبرزاً بينهم، وكذلك الثوري من أهل الكوفة لكنه كان إماماً مبرزاً فيهم، لذلك يذكرونه هو كرأس ثم يذكرون بعد ذلك أهل تلك المدينة، [ والأوزاعي وأهل الشام ] لاحظ، كان إماماً، كان إمام أهل الشام في زمنه، الأوزاعي، الثوري إمام أهل الكوفة في زمنه، مالك إمام أهل المدينة في زمنه، قال:[ وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد ]، قال ابن المنذر:[ وبه نقول، لظاهر نص الكتاب وهو قوله:{ فلم تجدوا ماء فتيمموا } وماء البحر من المياه داخل في جملة قوله { فلم تجدوا ماء } وللثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته ] من هنا أخذ أهل العلم أن ابن المنذر يصحح الحديث، قال: الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:[ وللرواية التي روّيناها عن أبي بكر وعمر وهو قول عوامّ أهل العلم ] يعني أكثر أهل العلم على هذا القول، شوف طريقة ابن المنذر رحمه الله، هذه طريقة السلف رضي الله عنهم، ذكر الأدلة الشرعية وذكر أقوال الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ثم الأئمة المتبوعين كمالك والشافعي وأحمد، قال:[ وقد روّينا عن ابن عمر وعبدالله بن عمرو غير ذلك ] يعني قول آخر مخالف لهذا القول الذي يقول بجواز الطهارة بماء البحر، هذا القول الثاني يقول بعدم جواز التطهر بماء البحر، ثم ذكر عن ابن عمر أنه قال:[ التيمم أعجب إلي منه ] يعني عندما يقول لك الآن أنت تتيمم أفضل مما تتوضأ بماء البحر إذاً ماء البحر لا يجزئ في الوضوء عنده، لأنه كيف تنصرف إلى التيمم مع وجود الماء، لا يصح الانصراف إلى التيمم إلا عند فقد الماء، إذاً هذا الماء لا يجزئ في الوضوء لذلك انصرف ابن عمر في الفتوى إلى التيمم، قال عبدالله بن عمرو:[ لا يجزئ منه الوضوء ولا الغسل من الجنابة، والتيمم أعجب إلي ] وعلل ذلك بأن تحته نار، قال ابن المنذر:[ وروينا عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا ألجئت إلى البحر فتوضأ منه ] يعني عند الضرورة فقط، يعني كأنه في نفسه منه شيء، قال ابن المنذر:[ وَفِي قَوْلِهِ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ مَاءِ الْبَحْرِ ] انتهى كلام ابن المنذر، هذا فقه السلف وهذه طريقة أهل الحديث مع المسائل العلمية، تعلموا من ابن المنذر وانظروا كيف، وكذلك من الترمذي رحمه الله، هذه طريقة أهل الحديث، ذكر ابن المنذر أولاً خلاف الصحابة ثم التابعين ثم أتباعهم من أهل الحديث خاصة ثم ذكر القول الراجح وأدلة ترجيحه، ويذكر أيضاً القول المخالف ومن قال به وحجتهم في ذلك. وقال ابن قدامة في المغني رداً على حجة عبدالله بن عمرو، قال:[ وَقَوْلُهُمْ: " هُوَ نَارٌ " إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ نَارٌ فِي الْحَالِ ] يعني هو الآن تذهب تنظر إليه تراه ناراً، قال:[ هُوَ خِلَافُ الْحِسِّ ] لكن نحن الذين نراه لا نراه ناراً نراه ماءً [ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ من الْوُضُوءَ بِهِ في حَالِ كَوْنِهِ مَاءً ] انتهى، يعني كونه نار ا في المستقبل لما تقوم الساعة مثلاً، أو أن في بطنه ناراً لكنها غير ظاهرة هذا كله لا يمنع من الوضوء به لأنه هو الآن ماء فنحن نتوضأ من الماء، إذاً لا يصح القول بعدم الوضوء أو الغسل منه .

المسألة الثانية: حِلُّ ميتة البحر:

معلوم أن الميتة محرّمة لا يجوز أكلها لقوله تعالى:{ حرمت عليكم الميتة }، ولكن ميتة البحر جائزة بهذا الحديث وبقوله تعالى:{ أحل لكم صيد البحر وطعامه }، قال ابن عباس وغيره:[ ما لفظ من ميتته ] يعني ما ألقاه البحر من ميتة، هذا معنى { وطعامه }، قال ابن قدامة رحمه الله في " المغني "::[ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السَّمَكَ وَغَيْرَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَاءِ الَّتِي لَا تَعِيشُ إلَّا فِيهِ ٍ] حيوانات البحر التي تعيش في البحر فقط، قال:[ إذَا مَاتَتْ فَهِيَ حَلَالٌ، سَوَاءٌ مَاتَتْ بِسَبَبٍ أَوْ غَيْرِ سَبَبٍ ] بغض النظر، المهم أنها من حيوانات البحر وأنها ماتت [ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ حَدِيثٍ ] الظاهر من كلام أحمد هذا أنه يصحح الحديث هو نفسه أيضاً [ وَأَمَّا مَا مَاتَ بِسَبَبٍ، مِثْلُ أَنْ صَادَهُ إنْسَانٌ، أَوْ نَبَذَهُ الْبَحْرُ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ ] يعني انحسر عنه البحر [ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى إبَاحَتِهِ ٍ] إذاً لا خلاف في أن حيوان البحر إذا صاده الإنسان أو ألقاه البحر على الشاطئ مثلاً أو انحسر الماء عنه يعني انكشف، قال هذا كله محل اتفاق بين العلماء في أنه جائز لكن حصل بينهم خلاف في مسألة، ما هي ؟

قال:[ وَكَذَلِكَ مَا حُبِسَ فِي الْمَاءِ بِحَظِيرَةٍ حَتَّى يَمُوتَ، فَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي حِلِّهِ. قَالَ أَحْمَدُ: - هذا هو محل الخلاف - الطَّافِي يُؤْكَلُ ] إذاً الخلاف في الطافي [ وَمَا جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ أَجْوَدُ، وَالسَّمَكُ الَّذِي نَبَذَهُ الْبَحْرُ لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِيهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّافِي ] تعرفون أيش معنى الطافي ؟ سمكة تموت وتظهر على وجه البحر، فوق، هذا معنى الطافي، قال:[ وَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ] يعني الإمام أحمد لا يرى بأساً به وإن كان حصل فيه خلاف [ وَمِمَّنْ أَبَاحَ الطَّافِيَ مِنْ السَّمَكِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَأَبُو أَيُّوبَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ] يعني من الصحابة [ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ - من أتباع التابعين وهو من الأئمة الأربعة - وَالشَّافِعِيُّ. وَمِمَّنْ أَبَاحَ مَا وُجِدَ مِنْ الْحِيتَانِ عَطَاءٌ، وَمَكْحُولٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ. وَكَرِهَ الطَّافِيَ جَابِرٌ، وَطَاوُوسٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ] يعني من الصحابة ومن التابعين وأصحاب الرأي الذين هم أصحاب أبي حنيفة يكرهون الطافي، هذا هو الخلاف الحاصل بين أهل العلم في هذه المسألة، قال:[ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَلْقَى الْبَحْرُ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ، فَكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا، فَلَا تَأْكُلُوهُ» ] هذه حجّتهم، الذين كرهوا الطافي بالذات، هذا الحديث أخرجه أبو داود وهو حديث ضعيف لا يُعتمَد عليه، الحديث الذي معنا صحيح، إذاً المذهب القوي هو مذهب أبي بكر الصديق ومن تبعه على ذلك، وأما مذهب جابر ومن تبعه فهو ضعيف لأن الحديث الذي يعتمدون عليه ضعيف، قال ابن قدامة:[ وَلَنَا ] هذه عادة ابن قدامة في الكلام، لما يذكر المسألة ويذكر الخلاف فيها ويذكر أدلة كل طرف ثم يرجح هو ويذكر سبب ترجيحه، دليله، ثم يرد على دليل المخالف، هذه طريقة ابن قدامة، وهي أيضاً طريقة أهل الحديث، قال:[ ولنا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُ مَا مَاتَ فِيهِ ] يعني بغض النظر سواء كان طافياً أو ألقاه البحر [ وَأَيْضًا الْحَدِيثُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ – رضي الله عنه-: الطَّافِي حَلَالٌ ] ذكره البخاري تعليقاً، [ وأيضاً الحديث الذي قدمناه، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: الطافي حلال، وَلِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ فِي الْبَرِّ أُبِيحَ، فَإِذَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ أُبِيحَ، كَالْجَرَادِ ] هذا من باب القياس [ فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ، فَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ] يعني حديث جابر لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول جابر [ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ الثِّقَاتُ فَأَوْقَفُوهُ عَلَى جَابِرٍ، وَقَدْ أُسْنِدَ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ ] أسند يعني رُفع من وجه ضعيف، رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم والصحيح الوقف، قال:[ وَإِنْ صَحَّ فَنَحْمِلُهُ عَلَى نَهْيِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ رَسَا فِي أَسْفَلِهِ، فَإِذَا أَنْتَنَ طَفَا، فَكَرِهَهُ لِنَتْنِهِ، لَا لِتَحْرِيمِهِ ] هذا توجيه الحديث على التسليم بصحته فيحمل على الكراهة لأنه مخالف لحديث دل على الإباحة فالجمع بينهما بالطريقة التي ذكرها، هذه طريقة أهل العلم في التعامل مع المسائل التي يحصل فيها نزاع بينهم، وبهذا يكون الترجيح، الترجيح عند أهل الحديث يكون بالدليل الشرعي الصحيح لا لمناهج فاسدة يبحثون فيها عن التيسير وما شابه من طرق باطلة فاسدة حصلت مؤخرا، طيب.

هذا ما يتعلق بفقه الحديث، بقي عندنا آخر شيء وهو:

[فوائد الحديث]

الفائدة الأولى:

جواز ركوب البحر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر السائل على ركوبه البحر ولم ينكر عليه ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وكل ما ورد من أحاديث تدل على عدم جواز ركوب البحر فهي ضعيفة، والله تبارك وتعالى امتن على خلقه بأن سخر لهم الفلك تجري في البحر بما ينفع الناس، فلا يصح أن يمتن الله سبحانه وتعالى عليهم بشيء يحرمه عليهم أبدا، فإذاً الصحيح جواز ركوب البحر، والأحاديث التي وردت في النهي عن ركوب البحر لا يصح منها شيء.

الفائدة الثانية:

في الحديث الأخذ بالأسباب وأنه لا ينافي التوكل، وهذا أُخذ من قولهم:[ ونحمل معنا القليل من الماء ] أي للشرب، والأدلة كثيرة على وجوب الأخذ بالأسباب في الجملة وعدم جواز الإعراض عنها مع عدم الاعتماد عليها، بل الاعتماد على الله تبارك وتعالى، واعتقاد أنها تؤثر بجعل الله لها مؤثرة وأن الأمر لله أولاً وآخراً .



الفائدة الثالثة:

فيه جواز الوضوء والغسل بماء البحر كما تقدم، وينقلون عن الشافعي أنه قال: هذا الحديث نصف علم الطهارة.

الفائدة الرابعة:

فيه تفسير معنى الطَّهور وأنه المطهر لغيره مع كونه طاهراً في نفسه، لأن الرجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء به فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: هو الطهور، إذاً فيه رد على من خالف في هذه المسألة وزعم أن الطهور فقط أنه طاهر ليس بمطهر أو لا يلزم أن يكون مطهرا.

الفائدة الخامسة:

فيه أن الماء المتغير بما يتعذر صونه عنه طهور، لأن ماء البحر تغير طعمه بالملح الذي خالطه، لكنه لا ينفك عنه ومثله الماء الذي خالطته الطحالب أو خالطته الأتربة وما شابه.

الفائدة السادسة:

ميتة البحر حلال، والميتة: ما خرجت روحه من غير ذكاة، سواء ألقاها البحر أو طافت على وجهه، والطافي هو الذي يموت في البحر بلا سبب، كلها داخلة في لفظ هذا الحديث، هكذا فسّروا الطافي: هو الذي يموت في البحر بلا سبب، لا يلفظه البحر، يصعد على وجه البحر، هذه كلها سواء ألقاه البحر أو طفا أو أي شيء، المهم أنه من حيوان البحر ومات، هذا يجوز أكله، لا يستثنى من ذلك شيء على الصحيح، وهذا القول هو قول الإمام مالك والشافعي رحمهما الله، والبعض استثنى بعض الأمور واستدل بأدلة لا تقوم حقيقة، ضعيفة.

الفائدة السابعة:

يستحب للعالم المفتي إذا سئل عن مسألة وعلم أن السائل بحاجة إلى أمر آخر يجهله أن يبين له ذلك، وهذا مأخوذ من زيادة النبي صلى الله عليه وسلم في الجواب على السؤال، السائل سأل فقط عن الوضوء بماء البحر فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤاله وزاده بيان حكم أكل ميتته لأنه إذا خفي عليه الوضوء بماء البحر فغالباً يكون قد خفي عليه حكم الأكل من ميتة البحر .

الفائدة الثامنة:

قال أهل العلم فيه فائدة: أن من خاف على نفسه العطش فإنه يمسك الماء عنده ويتيمم وذلك لأن سؤالهم يشعر بأن من معه ماء يسير لا يتوضأ به وهو يخشى العطش على نفسه، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يردهم عن اعتقادهم، هذا ما ذكره أهل العلم، أظن الكلام هذا لابن رجب، على كلٍّ هذه المسألة في ذاتها مجمع عليها لا خلاف فيها أن الماء إذا لم يكن معك إلا ماء قليل للشرب فقط وتخشى على نفسك العطش أنك تتيمم ولا تستعمل الماء وتبقيه للشرب.

هذا ما عندي في هذا الموضوع، والله أعلم، ونكتفي بهذا القدر

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك .

آخر تعديل بواسطة أبو زيد رياض الجزائري ، 06-11-2017 الساعة 13:42
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 17:58.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي