Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 20-12-2012, 07:19   #1
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي القائد الدميث شرح الباعث الحثيث

القائد الدميث إلى شرح الباعث الحثيث
الجزء الأول

الحمد لله الذي وصل من انقطع إليه بدينه القويم ، ورفع من أسند أمره إليه باتباع سنة نبيه الكريم ، وهدى من وفقه إلى صراط مستقيم ، وصل اللهم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين ، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أما بعد ؛
فنبدأ إن شاء الله تبارك وتعالى مستعينين به بشرح الباعث الحثيث للحافظ ابن كثير – رحمه الله .
وقبل أن نبدأ بمادة الكتاب نقدم مقدمة صغيرة بين يديه بإذن الله سبحانه وتعالى .
علم الحديث - بارك الله فيكم - علم جليل ؛ وذلك لأنه يتعلق بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وثمرته عظيمة ، حيث يمكننا من معرفة ما يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مما لا يصح .
وبهنخرج من حيز التقليد إلى دائرة الاجتهاد في معرفة ما يقبل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم وما يرد ، ووقوفنا على الحديث ؛ هل هو صحيح أم ضعيف ؛ يقوي إيماننابه ويزيده ؛ فليس إيمان المقلد كإيمان المجتهد . هذه الثمرة الأولى .
والثمرة الثانية من ثمار تعلم هذا العلم ؛ الدفاع عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم والذب عنها ، فبتعلم هذا العلم ؛ نستطيع أن نرد عن السنة شبهات أهل البدع والضلال التي كثرت في هذا الزمان ، فهذه من ثمار تعلم هذا العلم .
أما تعريفه ، فالحديث لغة : هو الجديد والخبر .
واصطلاحا : ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلُقية .
اقتصر بعض أهل الحديث على هذا التعريف ، وزاد بعضهم : وما أضيف إلى الصحابي أو إلى التابعي من قول أو فعل .
هذا بالنسبة لتعريف الحديث ، وهناك مصطلحات أخرى مرادفة لتعريف الحديث ، ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علما ؛ منها : السنة ، والخبر ، والأثر .
فالمصطلحات أربعة ؛ الحديث والسنة والخبر والأثر ، بعض أهل العلم يذهب إلى أن هذه المصطلحات مترادفة ؛ أي أنها بنفس المعنى ؛ أي أن الحديث والسنة والخبر والأثر هي ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية ، هذا قول من أقوال أهل العلم .
وقول لبعض أهل العلم يقولون بالتفريق بين الحديث والخبر ، فيقولون : الحديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم – أي ما اختص بالنبي صلى الله عليه وسلم – والخبر ما جاء عن غيره من صحابي أو تابعي أو غيره ، هذا قول ثان .
وقول ثالث ؛ أن الخبر أعم من الحديث ؛ أي أن الخبر يشمل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء عن غيره ، أما الحديث فيختص بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، هذه أقوال أهل العلم في التفريق بين الحديث والخبر .
وأما التفريق بين الأثر والخبر ؛ ففرق بينهما فقهاء خراسان ؛ فسموا كلام السلف أثرا ، يسمون كلام الصحابة والتابعين وأتباع التابعين أثرا ، وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم يسمونه خبرا .
والبعض جعل الخبر والحديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والأثر أعم منهما ، أي جعلوا الخبر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء عن غيره .
هذه كلها اصطلاحات ، ولا مشاحّة - أي لا مضايقة ولا منازعة - في الاصطلاح ، سمي أنت ما شئت واختار من الاصطلاحات ما شئت ، وعموما مادام الاصطلاح لا ينبني عليه حكم فاسد ؛ فلا مشاحّة فيه ، والأمر سهل ؛ ولكن تحتاج أن تكون مطلعا على اصطلاحات القوم ؛ كي تفهم كلامهم فهما صحيحا على مرادهم .
وأما السنة والحديث ؛ فبعض أهل العلميجعلون السنة والحديث مترادفين ، وبعضهم يجعل السنة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله أو فعله أو تقريره فقط ، ويخرج الصفة الخلقية منها ، وهذا قول الأصوليين .
فالأصوليون يقولون : السنة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير ، ويقفون هنا ، ولا يدخلون الصفة فيها ؛ لماذا ؟ يقولون الصفة لا نستفيد منها أحكاماشرعية، ونحن نريد السنة التي هي مصدر من مصادر الشريعة .
أما أهل الحديث ؛ فبما أنهم يريدون أن يعتنوا بكل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يهمهم أن يؤخذمنه حكم أو لا يؤخذ ،فقالوا الحديث كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية .
وأما السنة عند الفقهاء ؛ فهي ما أمر به الشارع أمرا غير جازم . فهي هنا حكم تكليفي ، ويقابلها الواجب ، والفرض ، والحرام ، والمكروه ، والمباح .
وأما السنة عند أهل الحديث ؛فما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية ، سواء كان هذا الشيء الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم واجبا أو مستحبا ؛ لا فرق .
وتطلق السنة عند العلماء ، بمعنى ما يقابل البدعة ، كما يقولون طلاق سني وطلاق بدعي . وتطلق السنة أيضا بمعنى الشريعة ، كما يقول عليه الصلاة والسلام : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ " .
إذن الحديث : ما أضيف إلى النبي من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية أو ما أضيف إلى صحابي أو تابعي من قول أو فعل ، عند السلف رضي الله عنهم .
أما علم الحديث ، فعلم الحديث ينقسم إلى قسمين ؛
علم الحديث دراية، وعلم الحديث رواية .
علم الحديث دراية ؛ هو علم مصطلح الحديث ؛ وهو معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى معرفة حال الراوي والمروي .
أما علم الحديث رواية ؛ فهو ما يختص بالمتن من معرفة غريبه ومعناه ، وضبط ألفاظه وتحريرها ومعرفة هل هذا المتن مضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم أم إلى غيره ، وهل هو مقبول أم هو مردود ، هذا كله من علم الحديث رواية .
ما الفرق بين العلمين ؟
الفرق بين العلمين ، أن العلم الأول معرفة القواعد العامة لعلم الحديث الذي هو علم مصطلح الحديث . تطبيق هذه القواعد ومعرفة غريب الحديث – أي معرفة الكلمة الغريبة في الحديث التي لا يفهم معناها – فمعرفة غريب الحديث ومعرفة معنى الحديث كل هذا من شغل علم الحديث رواية ، فهذا هو الفرق ، كالفرق بين أصول الفقه والفقه ، فأصول الفقه هي عبارة عن قواعد عامة تعينك على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية .
أما استنباط الحكم من الدليل الشرعي من القرآن والسنة هذا فقه ، الصورة هنا كالصورة هناك تماما .
وبعض أهل العلم يقلب ، فيسمي الأول علم الحديث رواية ، ويسمي الثاني علم الحديث دراية ، والأمر في هذا سهل إذ المسألة مسألة اصطلاحية.
كيفية التصنيف في هذا العلم .
يبين لنا ذلك الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في " نزهة النظر " ، قال – رحمه الله - :
فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت للأئمة في القديم والحديث ، فمن أول من صنف في ذلك القاضي أبو محمد الرامهرمزي كتابه " المحدث الفاصل " لكنه لم يستوعب – أي لم يستوعب جميع أنواع الحديث – والحاكم أبو عبد الله النيسابوري – هؤلاء من أول من صنف علم الحديث - لكنه لم يهذب ولم يرتب – كعادة التصنيففي بدايته - وتلاه أبو نعيم الأصفهاني ، فعمل على كتابه " مستخرجا " ، وأبقى أشياء للمتعقب .
ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي ، فصنف في قوانين الرواية كتابا سماه " الكفاية " – الكفاية في علم الرواية ، وهو كتاب مطبوع - وفي آدابها كتابا سماه (( الجامع لآداب الشيخ والسامع )) .
وقل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف - أي : الخطيب البغدادي - فيه كتابا مفردا ، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة : كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه – أي لابد أن يرجعوا إلى كتبه ، فهم يحتاجونها ويعتمدون عليها ولا بد .
هذا بالنسبة لأول من صنف في هذا العلم كتابا مستقلا ، أما في تصنيف بعض موضوعات هذا العلم ، فقد سبق إليه كما فعل الإمام الشافعي – رحمه الله – في كتابه " الرسالة " ، وكذلك في كتابه " الأم " ، وهناك كلمات منقولة عن الإمام أحمد – رحمه الله – وعن أبي داود ، وعن غيرهم من علماء السلف .
أما الكتاب الذي بين أيدينا فهو كتاب الحافظ ابن كثير ، كما علمنا أن الخطيب البغدادي – رحمه الله – صنف في علم المصطلح ، وقل فن من فنون هذا العلم إلا وقد صنف فيه كتابا مستقلا ، فجاء بعد ذلك ابن الصلاح فجمع من تأليفات الخطيب البغدادي كتابا سماه " علوم الحديث " أو " معرفة أنواع علوم الحديث " ، واشتهر ب"مقدمة ابن الصلاح "، هذا الكتاب انتشر ولقي قبولا بين أهل العلم وطلابه في زمن ابن الصلاح – رحمه الله – وبعد زمنه ، فاختار ابن كثير – رحمه الله – هذا الكتاب كي يختصره ، لأنه وجد أن هذا الكتاب قد نفع الله به ؛ فأراد أن ييسره ويسهله على طلبة العلم ، فاختصر هذا الكتاب بالكتاب الذي بين أيدينا ، وهو كتاب " الباعث الحثيث " .
أما عن اسم الكتاب ، وهل هو " اختصار علوم الحديث " أو " الباعث الحثيث " ، فهو لا شك أنه اختصار لعلوم الحديث ، لكن ماذا سماه ابن كثير ؛ الله أعلم ، لا يوجد عندنا ما نستطيع معه الجزم باسم هذا الكتاب .
الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ، وهو أول من طبع هذا الكتاب ؛ قال في أثناء كلامه عن كتاب علوم الحديث لابن الصلاح ؛ قال : فاختصره – أي ابن كثير – في رسالة لطيفة سماها الباعث الحثيث على معرفة علوم الحديث .
أضاف الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة التسمية لابن كثير ، فيقول بأن ابن كثير هو الذي سمى هذا الكتاب الباعث الحثيث ، وسماه بهذا الاسم الشيخ صديق حسن خان في كتابه " أبجد العلوم " وهو قبل محمد عبد الرزاق حمزة ، لكن الشيخ أحمد شاكر ينفي أن يكون ابن كثير هو واضع اسم كتاب الباعث الحثيث ، على كل حال ، فكما قال الشيخ أحمد شاكر – رحمه الله – بعد أن ذكر ما ذكره ، قال " والأمر في هذا قريب " . أي سهل ، بما أن هذا الاسم انتشر عند أهل العلم وطلابه ، فلا بأس من جعله اسما على هذا الكتاب ، وخاصة أن كثيرا من الكتب قد سميت بأسماء لم يضعها أصلا أصحابها ، كصحيح البخاري ، فلم يسمه الإمام البخاري بـ "صحيح البخاري" ولكن انتشر عند أهل العلم بهذا الاسم ، والأمر في هذا قريب وسهل إن شاء الله .
مادة الكتاب :
قال راوي الكتاب عن ابن كثير :
(بسم الله الرحمن الرحيم ، قال شيخنا الإمام العلامة، مفتيالإسلام ) المفتي هو الذي يتصدى للفتوى بين الناس ( قدوة العلماء ) الذي يقتدي به العلماء( شيخ المحدثين ) أي كبيرهم في زمنه ( الحافظ ) لقب من ألقاب المحدثين ، يستعمله أهلالحديث،وللمحدثين ألقاب منها ؛ المحدث ، و الحافظ ، و الحاكم ؛
المحدث هو من عرف الأسانيد والعلل وأسماء الرجال ، وميز صحيح الحديث من سقيمه، وعرفغريبه ومعناه .هذا هو المحدث الذي اشتغل بعلم الحديث واعتنى به من ناحية القبول والرد ومن ناحية فهم معناه .
أما الحافظ ؛ فهو الذي جمع صفة المحدث وزاد عليه حفظ قدر كبير من الأحاديث ، فعلى ذلك يكون الحافظ أعلى درجة من المحدث .
أما الحاكم ؛ فهو من أحاط علمه جميع الأحاديث المروية متنا وإسنادا وجرحا وتعديلا وتاريخا ، وعلى حسب ظني وعلمي أنه لا يوجد إنسان يحيط علما بكل الأحاديث المروية صحيحها وضعيفها ، لكن لو قالوا : أكثر المرويات متنا وإسنادا وجرحا وتعديلا وتاريخا ، لكان هذا الأمر قريبا .
ولقب الحاكم بناء على تعريفهم أعلى منلقب المحدث والحافظ .
( المفسر ) هو العالم بتفسير القرآن( بقية السلف الصالحين ) أي من بقي منخيار السلف الصالحين (عماد الدين ) هذا لقب لقبه به أهله أو أهل العلم في زمنه؛ وهذه الألقاب : عماد الدين ، ومحيي الدين ، وزين الدين ، وصلاح الدين ؛ كانت مشتهرة في ذلك الزمن، ومعناه الذي يستند الدين إليه . واللقب : ما أشعر بمدح أو ذم ( أبو الفداء ) هذه كنيته ، والكنية ما بدئ بأب أو أم ، كـ أبي فلان و أم فلان( إسماعيل بن كثير القرشي ) نسبة إلى قريش ( الشافعي ) نسبة إلى الإمام الشافعي ، فقد كان شافعي المذهب رحمه الله ( إمام أئمة الحديث والتفسير )أي في زمنه (بالشام ) هي بلاد الشام التي هيالأردن وفلسطين وسوريا ولبنان ، وحدودها مع جيرانها تختلف قليلا ، لكن بالجملة هي هذه الدول الأربعة ( المحروس ) أي حفظه الله سبحانه وتعالى ( فسح الله للإسلام والمسلمين في أيامه، وبلغه في الدارين ) دار الدنيا ودار الآخرة ( أعلى قصده ومرامه ) أي أعلى ما يقصده وما يريده (
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى ) الآن بدأ كلام ابن كثير رحمه الله .
( أما بعد : فإن علم الحديث النبوي - على قائله أفضل الصلاة والسلام - قد اعتنى بالكلام فيه جماعة من الحفاظ ) حفاظ الحديث ( قديماً وحديثاً، كالحاكم ) الحاكم النيسابوري ، و قلنا إن الحاكم لقب له أما هو ؛ فمحمد بن عبد الله بن حمدويه المعروف بابن البيع ، مات سنة 405 هـ رحمه الله ، ومن أشهر كتبه كتاب " المستدرك على الصحيحين " وله كتاب في علم مصطلح الحديث ، وهو كتاب " معرفة علوم الحديث " مطبوع ( والخطيب ) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي ، مات سنة 463 هـ له كتب كثيرة من أشهرها وأنفسها كتاب " تاريخ بغداد " وله في علم المصطلح أيضا كتب كثير من أشهرها كتاب " الكفاية في علم الرواية " وهو مطبوع أيضا ( ومن قبلهما من الأئمة ) أي وألف في هذا الفن من قبل الحاكم والخطيب جماعة أيضا ، كأبي محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي ، له كتاب " المحدث الفاصل " ( ومن بعدهما ) أيضا لهم تأليفات ( من حفاظ الأمة )كابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن أبي عمرو ، مات سنة 643 هـ، له كتاب " علوم الحديث " أو " معرفة علوم الحديث " مطبوع ، وهو الكتاب الذي عمل ابن كثير على اختصاره كما سيأتي .
قال ابن كثير رحمه الله :
( ولما كان من أهم العلوم وأنفعها ) أي علم الحديث ، بل هو أهم العلوم بعد علم كتاب الله تبارك وتعالى ( أحببت أن أعلق فيه مختصراً نافعاً)أحب أن يكون له مشاركة في هذا العلم ، كونه من أهم العلوم (جامعاً لمقاصد الفوائد ) أي أنه لم يضيع شيئا من المطلوب لدراسة هذا العلم ، مع أنه أراد أن يكون كتابا مختصرا ، وذكر هذا الكلام رحمه الله لينفي توهم أنه ربما يكون قد أخل بالمقصود بسبب الاختصار ، فقوله هذا يعني أنه مع أنه اختصر الكتاب لكنه لم يخل بمقصود فوائد هذا العلم ( ومانعاً من مشكلات المسائل الفرائد ) أي أن هذا المختصر سيكون مانعا من الإشكالات الموجودة في بعض المسائل الفريدة التي تحتوي عليها بعض المطولات ، فلن يكون فيه إشكالات بل سيكون الكلام سهلا ميسرا لطلبة العلم - .
(ولما كان الكتاب )الذي هو " علوم الحديث " ( الذي اعتنى بتهذيبه )التهذيب بمعنى التصفية والتنقية ، هذبه أي صفاه ونقاه واختاره من بقية الكتب (الشيخ الإمام العلامة، أبو عمرو بن الصلاح تغمده الله برحمته من مشاهير المصنفات في ذلك )أي لما كان هذا الكتاب الذي هو كتاب ابن الصلاح من الكتب المشهورةفي علم الحديث (بين الطلبة لهذا الشأن )بين طلبة علم الحديث(وربما عُني بحفظه بعض المهرة من الشبان ) لشهرة هذا الكتاب واعتناء طلبة العلم به ( سلكت وراءه ) أي سرت خلفه ( واحتذيت حذاءه )أي اقتديت به ( واختصرت ما بسطه )أي ما توسع فيه ( ونظمت ما فرطه )أي رتبت ما فرقه ، يعني سبب اختياره لكتاب ابن الصلاح واختصاره له ؛ أنه اشتهر بين طلبة الحديث ، واعتنوا به ، وحفظه بعضهم ، فاختصر ما توسع فيه ابن الصلاح ، ورتب الكتاب ترتيبا متناسقا . وهذا كله شرح من ابن كثير يبين فيه سبباختيار هذا الكتاب ، ولماذا أراد أن يشارك في هذا العلم - .
( وقد ذكر من أنواع الحديث ) أي ذكر ابن الصلاح رحمه الله في كتابه " علوم الحديث " من أنواع الحديث ( خمسة وستين، وتبع في ذلك الحاكم أبا عبد الله الحافظ النيسابوري شيخ المحدثين ) عندما ألف ابن الصلاح رحمه الله كتابه " علوم الحديث " ذكر في كتابه خمسة وستين نوعا من أنواع علوم الحديث ، وتبع في ذلك الحاكم ، أي أن الحاكم سبقه إلى ذلك (وأنا - بعون الله - أذكر جميع ذلك ) أي الأنواع الخمسة والستين سيذكرها الحافظ ابن كثير رحمه الله ( مع ما أضيف إليه من الفوائد الملتقطة من كتاب الحافظ الكبير أبي بكر البيهقي )أفادنا الحافظ ابن كثير أنه لا يريد أن يقتصر على اختصار كتاب ابن الصلاح فقط ، بل يريد أن يزيد فوائد أخرى يأخذها من كتاب الحافظ أبي بكر البيهقي - ؛ ( المسمىبـ )كتاب (" المدخل إلى كتاب السنن " ، وقد اختصرته أيضاً ) أي أن ابن كثير اختصر كتاب المدخل أيضا، وأخذ منه فوائد وأضافها إلى هذا الكتاب ( بنحو من هذا النمط )بنفس الطريقة التي اختصر فيها كتاب ابن الصلاح اختصر كتاب " المدخل إلى كتاب السنن " ( من غير وكس ) الوكس ؛ هو النقص (ولا شطط)الشطط مجاوزة القدر ، أي من غير نقص ولا زيادة ( والله المستعان، وعليه التكلان )وأنا أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننيعلى شرحهوأن لا يكلني إلى نفسي .
( ذكر تعداد أنواع الحديث ) أنواع الحديث التي ذكرها ابن الصلاح رحمه الله :
( صحيح، حسن، ضعيف، مسند، متصل، مرفوع، موقوف، مقطوع، مرسل، منقطع، معضل، مدلَّس، شاذ، منكر، ماله شاهد، زيادة الثقة، الأفراد، المعلَّل، المضطرب، المدْرَج، الموضوع، المقلوب، معرفة من تقبل روايته، معرفة كيفية سماع الحديث وإسماعه، وأنواع التحمل من إجازة وغيرها، معرفة كتابة الحديث وضبطه، وكيفية رواية الحديث وشرط أدائه، آداب المحدث، آداب الطالب، معرفة العالي والنازل، المشهور، الغريب، العزيز، غريب الحديث ولغته، المسلسل، ناسخ الحديث ومنسوخه، المصحَّف إسناداً ومتناً، مختلف الحديث، المزيد في الأسانيد،خفي المرسل، معرفة الصحابة، معرفة التابعين، معرفة أكابر الرواة عن الأصاغر، المدبج ورواية الأقران، معرفة الإخوة والأخوات، رواية الآباء عن الأبناء، عكسه) أي رواية الأبناء عن الآباء ( من روى عنه اثنان متقدم ومتأخر،من لم يرو عنه إلا واحد، من له أسماء ونعوت متعددة، المفردات من الأسماء، معرفة الأسماء والكنى، من عرف باسمه دون كنيته، معرفة الألقاب، المؤتلف والمختلف، المتفق والمفترق، نوع مركب من اللذين قبله ، نوع آخر من ذلك، من نسب إلى غير أبيه، معرفة الأنساب التي يختلف ظاهرها وباطنها، معرفة المبهمات، تواريخ الوفيات، معرفة الثقات والضعفاء، من خلّط في آخر عمره، معرفة الطبقات، معرفة الموالي من العلماء والرواة، معرفة بلدانهم وأوطانهم .
فهذا تنويع الشيخ أبي عمرو وترتيبه رحمه الله )هذه الأنواع التي ذكرها أبو عمرو رحمه الله في كتابه " معرفة علوم الحديث " ورتبها أيضا في كتابه على الترتيب المذكور ( قال ) أي ابن الصلاح ( وليس بآخر الممكن في ذلك )هذا التنويع ليس بآخر الممكن ، بل بإمكانه أن يزيد أنواعا أخرى ( فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى)أي يمكن تنويع علوم الحديث إلى أكثر مما ذكر ( إذ لا تنحصر أحوال الرواة وصفاتهم، وأحوال متون الحديث وصفاتها)لأن هذا التنويع مبني على صفات الرواة وعلى صفات متون الحديث وأحوالها ؛ وكون صفات الرواة وأحوالهم وصفات متون الحديث وأحوالها تختلف وتتنوع إلى أنواع كثيرة ؛ فمن الممكن أن ننوع علوم الحديث إلى أنواع كثيرة أيضا ، هذا ما أراده ابن الصلاح رحمه الله .
قال ابن كثير – رحمه الله – متعقبا له :
( قلت : وفي هذا كله نظر)أي عليه اعتراض ، ولا يسلم له ( بل في بسطه هذه الأنواع إلى هذا العدد نظر ) أي إن هذا العدد كثير ، لا يسلم له به ( إذ يمكن إدماج بعضها في بعض،وكان أليق مما ذكره) كان أفضل لو دمج بعض الأنواع في بعض .
ومن الأمثلة على إمكانية دمج بعضها ببعض ، دمج رواية الآباء عن الأبناء ؛ في رواية الأكابر عن الأصاغر ؛ لأن الآباء أكابر والأبناء أصاغر ، فتدخل في رواية الأكابر عن الأصاغر ، فلا داعي لتقسيمه إلى نوعين - .
( ثم إنه قد فرق بين متماثلات منها بعضها عن بعض، وكان اللائق ذكر كل نوع إلى جانب ما يناسبه )في البداية اعترض على التقسيم إلى خمسة وستين نوعا ، فقال يمكن أن تدمج بعضها في بعض ؛ فتكون الأنواع أقل ، والآن الاعتراض على ترتيب هذه الأنواع بهذه الصورة .
فقال هنا إن ابن الصلاح فرق بين أنواع متماثلات ؛ كتفريقه بين المدلس والمرسل الخفي ؛ فبينهما علاقة ، لذلك تجد الحافظ ابن حجر في " النزهة " جمع بينهما ولم يفرق ؛ لاشتراكهما في كونهما سقطا خفيا في الإسناد ، لذا جمع بينهما الحافظ ابن حجر في " نزهة النظر " .
وكذلك فرق بين هذين النوعين وغيرهما من الأنواع التي فيها سقط في الإسناد ، كالمعلق والمنقطع والمعضل والمرسل فكلها تشترك في كونها سقط في الإسناد ، فكان ينبغي أن يجمعها مع بعضها ويذكرها ذكرا واحدا ليفرق بينها طالب العلم ، ويتمكن منالتمييزبين الأنواع .
واعتذروا عن ذلك لابن الصلاح ؛ بأنه كان يحرر النوع ، ثم يمليه على طلبته مباشرة ، فما أسعفه الوقت لترتيب كتابه .
وهناك أنواع أخرى معمول بها لم يذكرها ابن الصلاح – رحمه الله كالمعروف والمحفوظ ، وهي أنواع لم يذكرها ابن الصلاح أصلا ، وذكرها الحافظ ابن حجر في " نزهة النظر " ، ونحن إن شاء الله سنذكر كل نوع أهمله ابن الصلاح في موطنه المناسب في شرحنا هذا .
قال ابن كثير - :
( ونحن نرتب ما نذكره على ما هو الأنسب، وربما أدمجنا بعضها في بعض، طلباً للاختصار والمناسبة ) ابن كثير رحمه الله بعدما تعقب المؤلف بهذين التعقبين اللذين ذكرهما ، قال إنه سيتدارك هذا الأمر؛ لكن ابن كثير نفسه لم يفعل ذلك ؛ بل تبع ابن الصلاح فيالتنويع وعلى الترتيب أيضا ، والله أعلم بالسبب الذي جعله يترك ما نوى فعله ( وننبه على مناقشات لا بد منها، إن شاء الله تعالى) وله مناقشات جيدة ونافعة ومفيدة وتعقبات صحيحة، وهذا من فوائد كتاب ابن كثير رحمه الله ، فإنه لم يكن اختصارا جامدا ؛ بل اختصر الكتاب ، وزاد عليه بعض الفوائد النافعة. والله أعلم
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2012, 07:21   #2
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الجزء الثاني

الجزء الثاني

(قال ) أي: ابن الصلاح ( : اعلم - علمك الله وإياي - أن الحديث عند أهله ) أهل الحديث ( ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف ) ابن الصلاح تبع في هذا الكلام الخطابي ، والخطابي من علماء القرن الرابع ، مات سنة 388 هـ ، وكلامه الذي ذكره ابن الصلاح ذكره الخطابي في " معالم السنن " شرح سنن أبي داود له ، وهو مطبوع .
قال العراقي رحمه الله تعليقا على هذا الكلام : " ولم أر من سبق الخطابي إلى تقسيمه ذلك ، وإن كان في كلام المتقدمين ذكر الحسن ..." إلى آخر ما قال .
تقسيم الحديث إلى هذه القسمة الثلاثة ؛ صحيح وحسن وضعيف ؛ ذهب إليها بعض أهل الحديث ، و البعض الآخر منهم ذهب إلى تقسيمه إلى صحيح وضعيف فقط ، والسلف قبل الترمذي على هذا .
وقول ابن الصلاح هنا " أن الحديث عند أهله ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف ؛اعترض عليه ابن كثير كما سيأتي .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - " وأما قسمة الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف ؛ فهذا أول من عرف أنه قسمه هذه القسمة ؛ أبو عيسى الترمذي ، ولم تعرف هذه القسمة عن أحد قبله ، وأما من قبل الترمذي من العلماء ؛ فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي ، لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف .." إلى آخر كلامه رحمه الله .
فإذن العلماء قبل الترمذي ، كانوا يقسمون الحديث إلى قسمين ؛ صحيح وضعيف ، مقبول ومردود ، هذا ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - .
ولا يعني ذلك أن الحسن لم يرد عنهم ولم يستعملوه ؛ بل ورد عنهم ؛ عن الشافعي والبخاري وعلي بن المديني ، أنهم استعملوا كلمة الحسن .
ولكن أهل العلم اختلفوا في مراد هؤلاء بالحسن ، هل استعمالهم له استعمال لغوي أم استعمال اصطلاحي ؟
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ينقل أن العلماء قبل الترمذي كانوا يقسمون الحديث إلى صحيح وضعيف ، إذن فمعنى ذلك أن الحسن الواقع في كلام السلف يراد منه الحسن اللغوي وليس الحسن الاصطلاحي ، وإن كان الحافظ ابن حجر رحمه الله أثبت أن علي بن المديني تكلم بالحسن وأراد منه الاصطلاحي .
وهذا بناء على فهم الحافظ رحمه الله لكلام ابن المديني .
ثم قال الحافظ ابن حجر تعليقا على كلام ابن الصلاح هذا : والظاهر أن قوله " عند أهله " من العام الذي أريد به الخصوص ، أي الأكثر أو الأعظم أو الذي استقر عليه اتفاقهم بعد الاختلاف المتقدم " .
أي أن أهل الحديث لم يذهب جميعهم إلى هذا التقسيم ، بل هو لفظ عام أراد به بعض أهل الحديث وليس جميعهم ، هذا معنى كلام ابن حجر في تأويل كلام ابن الصلاح .
فابن حجر يثبتأن السلف كانوا يستعملون الحسن بالمعنى الاصطلاحي .
والذين كانوا يقسمون الحديث إلى قسمين ؛ كانوا يدخلون الحسن لذاته في الصحيح ، والحسن لغيره في الضعيف ، وهو قسم الضعيف المعمول به ، فكان الضعيف عندهم قسمان ؛ قسم يعمل به وقسم لا يعمل به ، القسم الذي يعمل به هو الضعيف إذا انجبر ، والقسم الذي لا يعمل به هو الضعيف الذي لا ينجبر .
هذا ما ذكره أهل العلم في مسألة التقسيم ، والمسألة في النهاية اصطلاحية ، فهم جميعهم يعملون بالصحيح والحسن ، ويردون الضعيف ؛ ولكن الخلاف خلاف اصطلاحي ولا مشاحة في الاصطلاح إذا لم يبن على الاصطلاح معنى خاطئا ، فلك أن تقسم الحديث إلى قسمين ولك أن تقسمه إلى ثلاثة ما دمت تتفق مع العلماء على قبول الصحيح والحسن ، ورد الضعيف .
( قلت) أي ابن كثير رحمه الله (: هذا التقسيم إن كان بالنسبة إلى ما في نفس الأمر) أي إن كان بالنسبة إلىالقبول والرد ( فليس إلا صحيح أو ضعيف، وإن كان بالنسبة إلى اصطلاح المحدثين فالحديث ينقسم عندهم إلى أكثر من ذلك، كما قد ذكره آنفاً هو وغيره أيضاً) يقول ابن كثير هنا ؛ من أين أتيتم بهذا التقسيم ،فإن أردتم به قسمة الحديث من ناحية القبول والرد ؛ فما عندنا إلا مقبول أو مردود ، وإن أردتم أنها قسمة اصطلاحية ؛ فالحديث في اصطلاح أهل الحديث ينقسم إلى أنواع كثيرة ، وأنتم قبل قليل ذكرتم خمسة وستين نوعاً من أقسام الحديث ؟.
أجاب عن هذا السيوطي في " تدريب الراوي " ؛ فقال : " المراد الثاني " أي في اصطلاح المحدثين ، قال : " والكل راجع إلى هذه الثلاثة " ، أي جميع الأنواع التي ذكروها ترجع إلى هذه الثلاث ، فصار عندنا قسمة جملية ، وقسمة تفصيلية ، فقسمة الحديث بالجملة ؛ صحيح وحسن وضعيف ، وبالتفصيل أكثر من ذلك .
أقول : هذا ما ذكره السيوطي ؛ لكن في الحقيقة ما يرجع إلى هذه الثلاث هو ما يتعلق بالقبول والرد ، كما قال السخاوي رحمه الله في " فتح المغيث " ، وأما ما لا يتعلق بالقبول والرد فلا يرجع إلى هذه الثلاث ، وإن كان له تعلق بها .
هذا كله نقاش في مسائل اصطلاحية .
قول ابن كثير " آنفاً " أي قبل قليل ، تقول فعلت الشيء آنفا، أي في أول وقت يقرب مني .
خلاصة الأمر : من العلماء من قسم الحديث إلى صحيح وضعيف ؛ وهؤلاء يدخلون الحسن لذاته في الصحيح ، والحسن لغيره في الضعيف ، ويعملون به .
ومنهم من قسمه إلى صحيح وحسن وضعيف ، وهؤلاء يعملون بالصحيح والحسن ويردون الضعيف .
ثم قال ابن كثير رحمه الله - :
( قال ) أي ابن الصلاح (: أما الحديث الصحيح ) لغة ؛ ضد السقيم
و أما اصطلاحا( فهو الحديث المسند ) نقف الآن وقفة عند قوله " المسند " ، ماذا يريد بقوله المسند ؟ ذكر ابن الصلاح في كتابه أن العلماء عرفوا المسند بثلاثة أقوال ؛ مقتضى هذه الأقوال الثلاثة ؛
أن المسند بمعنى المرفوع .
وأنه بمعنى المتصل .
وأنه بمعنى المتصل المرفوع .
هذه خلاصة الأقوال الثلاثة ، فماذا يريد ابن الصلاح من قوله " المسند " هنا ؟
أقول : إن أراد المعنى الأول أو الثاني أو الثالث ؛ فقد ذكر بعد ذلك قيودا تغني عن هذه الثلاث ، فبأي بمعنى من هذه المعاني الثلاث أراد كلمة المسند ؛ فهي زائدة لا داعي لها.
فلو أراد مثلا المسند بمعنى المرفوع ؛ فقوله في التعريف " إلى منتهاه " تغني عنها ، لأنه قوله إلى منتهاه ؛ يدخل فيه المرفوع وغير المرفوع ، فإن أراد المرفوع فقط ؛ فبإمكانه أن يقول : إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويستغني عن كلمة المرفوع .
وإن أراد المسند بمعنى المتصل ؛ فقوله " الذي يتصل إسناده " يغني عنه .
وأما إن أراد المسند بمعنى المتصل المرفوع ؛ فقوله " الذي يتصل إسناده إلى منتهاه يغني عن هذه الجملة .
إذن فهي كلمة زائدة في التعريف لا حاجة إلها .
هذا كله نقاش لضبط التعريف فقط ، والأمر فيه سهل .
ثم قال :
( الذي يتصل إسناده ) الاتصال : هو سماع كل راو من الذي يليه من أول الإسناد إلى منتهاه .
أما الإسناد : فالإسناد والسند بمعنى واحد عند المحدثين ، وهو سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن .
فالذي يتصل إسناده ؛ أي الحديث الذي يرويه الرواة الذين سمع كل واحد منهم من الذي يليه ؛ كأن يروي الحديث مثلا البخاري فيقول : حدثني القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيشترط لنقول هذا الإسناد متصل ، أن يكون البخاري قد سمع من القعنبي ، و القعنبي قد سمع من مالك ، ومالك قد سمع من نافع ، ونافع قد سمع من ابن عمر ، وابن عمر قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم .
هذا الشرط الأول من شروط الحديث الصحيح .
ثم قال :
(بنقل العدل)هذا الشرط الثاني ، يجب أن يكون ناقل الحديث عدلا .
والعدل هو : المسلم البالغ العاقل الخالي من أسباب الفسق وخوارم المروءة .
وسيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله .
( الضابط ) أي الحافظ ، والحفظ حفظان ؛ حفظ صدر وحفظ كتاب.
حفظ الصدر : أن يثبت ما سمعه حتى يتمكن من استحضاره متى شاء .
وحفظ الكتاب : هو صيانته لديه مذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه ، والمراد بالحفظ هنا الحفظ التام .
( عن العدل الضابط ) وقلنا هنا لو اختصر الكلام وقال " عن مثله " لكان أخصر .
(إلى منتهاه) أي من بدايته إلى نهايته ، ويدخل في ذلك المرفوع والموقوف والمقطوع ، أي إذا كانت نهايته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نهايته إلى الصحابي أو التابعي .
(ولا يكون شاذاً ) الشذوذ لغة؛ التفرد .
واصطلاحا : مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، ويدخل في لفظ المقبول صاحب الحديث الصحيح ، وصاحب الحديث الحسن ، فإذا خالف الراوي المقبول في روايته رواية من هو أولى منه في الحفظ أو أكثر منه في العدد، فرواية هذا الراوي تكون شاذة، ورواية من خالفه محفوظة ، وسيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله .
(ولا معللاً )المعلل : ما فيه علةقادحة .
والعلة : هي سبب خفي قادح ، يقدح في صحة الحديث ، مع أن الظاهر السلامة منها .
وسنزيد القول فيهفي موضعهإن شاء الله .
ثم قال رحمه الله - :
( ثم أخذ ) ابنالصلاح رحمه الله (يبين فوائد قيوده ) والقيود : هي الكلمات التي ذكرها في تعريف الصحيح ، والتي وضعها ليخرج بها ما ليس من المعرف .
فإذا أردنا تعريف شيء ما ، أتينا بكلمة عامة ، تشمل عدة أفراد أو عدة أشياء ، ثم نبدأ بإخراج ما لا نريده من أنواع تدخل تحت تلك الكلمة العامة ؛ بكلمات ، وهذه الكلمات تسمى قيودا أو فصولا .
فإذا أردت تعريف الإنسان مثلا - ؛ قلت : الإنسان حيوان ناطق ، فلتعريف هذا الإنسان قلت هو حيوان ، ولما كانت كلمة حيوان تشمل الإنسان وغيره أي تشمل كل ما هو حي، فالإنسان حي ، والحيوان الذي يمشي على أربع حي ، والطيور حية أيضا ، فلا بد هنا من الإتيان بكلمة لتقييد اللفظ وإخراج كل ما لا تريده منه فتقول الإنسان: حيوان ناطق ، فكلمة ناطق هنا نوع من الجنس ؛ كالقيد أو فصل في العام ، قيدت به اللفظ العام وأخرجت كل ما كان مشتركا مع الإنسان في اللفظ الأول ، وأبقيت ما كان ناطقا وليس هو إلا الإنسان ، فهذا ما تعنيه كلمة القيد .
(وما احترز بها من المرسل والمنقطع والمعضل) فعندما قال يتصل إسناده، أخرج بهذا الشرط الثلاثة التي ذكرها ابن الصلاح ، وهي المرسل ، والمرسل ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو منقطع فالتابعي لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم بل بينه وبينه واسطة ، فلا يدخل في الصحيح لأنه أخرجه بقيد " الذي يتصل إسناده" ، وكذلك أخرج كل ما فيه سقط بهذا القيد ، ومنه المرسل والمعلق وهو ما حذف من إسناده واحد فأكثر ، والمنقطع وهو ما سقط منه واحد أو أكثر بشرط عدم التوالي ، والمعضل وهو ما سقط منه اثنان فأكثر بشرط التوالي ، والمرسل الخفي وهو ما رواه الراوي الذي عاصر الذي روى عنه ولكنه لم يلقه فروى عنه ولم يسمع منه فبينهما واسطة ، وفيه سقط ، والمدلس وهو ما رواه المدلس بصيغة عن أو قال أو أن ، وهي الصيغ التي فيها احتمال السماع فاحتمال السقط فيه واردة .
فهذه الأنواع كلها من أنواع الضعيف التي خرجت بقيد اتصال السند .
ثم قال :
( والشاذ ) أي وأخرج الشاذ بقيد " ولا يكون شاذا " ، فالشاذ ليس من الصحيح .
قال :
( وما فيه علة قادحة) وقد أخرج هذا بقيد " ولا يكون معللاً " ، فقصد ابن الصلاح بقوله " معللاً " ؛ ما فيه علة قادحة ، فلا يحتاج بعد قوله "معلل " إلى قوله " بعلة قادحة "؛ لأن المعلل عنده ما كانت علته قادحة ،لذلك ذكر أن ما يخرج بقيد " ولا يكون معللا" ما فيه علة قادحة.
(وما في راويه نوع جرح) وأخرج ما في راويه نوع جرح سواء كان في العدالة أو في الضبط بقوله : " بنقل العدل الضابط " ، وأخرج أيضا بهذا القيد ؛ المجهول ؛ مجهول الحال ومجهول العين ؛ لأننا لم نعرف أهو عدل ضابط أم لا عدل ولا ضابط ، إذ شرطنا في الصحيح أن يكون الراوي عدلا ضابطا ، فإذا كان مجهولا لا يقبل خبره .
فهذه الأنواع كلها خرجت بالقيود المذكورة .
( قال ) أي ابن الصلاح (: فهذا هو الحديث الذي يُحكم له بالصحة، بلا خلاف بين أهل الحديث ) فالمحدثون متفقون على صحة الحديث الذي توفرت فيه هذه الشروط الخمسة.
قال ابن كثير رحمه الله نقلا عن ابن الصلاح : (وقد يختلفون في بعض الأحاديث ) فمع أنهم اتفقوا على هذه الشروط للحديث الصحيح ؛ لكنهم عند التطبيق يختلفونفي بعض الأحاديث ، أي في صحتها ، فما هو سبب هذا الاختلاف ؟ قال ابن الصلاح : ( لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف ) أي في توفرها في الحديث المعين ، فبعض المحدثين ينظرون إلى حديث معين فيقولون شروط الصحيح متوفرة فيه ، والبعض الآخر يقول لا فيه فلا ضعيف أو يقول إسناده منقطع .. وهكذا .
فهم متفقون على أن الشروط الخمسة يجب أن تتوفر ولكنهم اختلفوا في وجودها في الحديث المعين .
مثلا محمد بن عمرو بن علقمة ، البعض من أهل الحديث يحتج بحديث محمد بن عمرو بن علقمة على لأنه عنده عدل ضابط، والبعض الآخر يضعف حديثه ؛ لأنه عنده عدل ولكنه ليس بضابط الضبط المطلوب ، كذلك ابن لهيعة ؛ فالبعض يصحح له والبعض يضعف له ؛ إذن هم متفقون على أن الراوي إذا كان عدلا ضابطا ؛ يقبل حديثه ، ولكنهم اختلفوا في الراوي المعين ؛ هل توفرت فيه صفة العدالة وصفة الضبط أم لم تتوفر .
وكذلك بقية الشروط ، فالبعض يقول في إسناد معين هذا إسناد متصل ، وآخر بقول هذا إسناد غير متصل فلان لم يسمع من فلان ، كذلك البعض يقول هذا الحديث شاذ ، وآخر يقول ليس بشاذ ليس فيه مخالفة ، أو أن الراوي قد حفظه ..إلخ ، فهذا سبب من أسباب الاختلاف .
والأمر الآخر :
( أو في اشتراط بعضها، كما في المرسل ) أي ويختلفون في الحكم على الحديث بالصحة لاختلافهم أيضا في اشتراط بعض هذه الشروط ، الخلاف في كونها شرطا ؛ كشرط الاتصال هم يوافقون على أن الحديث إذا كان متصلا أنه صحيح ولكنهم يخالفون في كون المرسل ليس بحجة ، فهم متفقون بداية على أن الشروط الخمسة إذا توفرت في الحديث فهو صحيح ، لكن البعض يقول ؛ المرسل يقبل أيضا ، وإن كنت أنا معكم أقبل المتصل ، لكن أقول أيضا المرسل مقبول فلا أقركم على أن الاتصال المنافي للإرسال شرط للصحيح بمعنى أن الحديث لا يكون صحيحا إلا إذا لم يكن مرسلا .
الآخر يقول : لا ؛ المرسل لا يقبل ، والحديث لا يكون صحيحا إلا إذا كان متصلا .
من هنا يأتي الخلاف أيضا في تصحيح وتضعيف بعض الأحاديث .
( قلت ) الكلام الآن لابن كثير (: فحاصل حد الصحيح ) وهنا يريد ابن كثير أن يذكرالخلاصة (: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله ) حذف ابن كثير هنا لفظة " المسند " وغير كلمة " العدل الضابط " الثانية إلى " عن مثله " وقد أحسن في ذلك لاختصار التعريف( حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه ) هذه إطالة ، فلو قال إلى منتهاه واكتفى لكان أفضل(ولا يكون شاذاً، ولا مردوداً ) المردود يطلق على الحديث الضعيف ، ويطلق أيضا على بعض أنواعه ، وهو قيد زائد ؛ لأن ما ذكره ابن الصلاح رحمه الله من القيود يخرج جميع أنواع الضعيف (ولا معللاً بعلة قادحة) زاد ابن كثير : "بعلة قادحة " وقلنا إن المعلل عند ابن الصلاح ؛ هو المعلل بعلة قادحة ، فقوله " بعلة قادحة " زيادة لا داعي لها ( وقد يكون مشهوراً أو غريباً ) أراد ابن كثير أن يبين أنه ليس من شرط الصحيح أن يكون مشهورا، كما ذهب إلى ذلك البعض ، بل قد يكون الحديث الصحيحغريباأيضا ، فكأن ابن كثير رحمه الله أراد أن يرد على هؤلاء البعض ، ويبين لهم أن الحديث الصحيح ليس من شرطه أن يكون مشهورا أو عزيزا ، فحتى الحديث الغريب يمكن أن يكون صحيحا ، كما يمكن أن يكون ضعيفا ، وكذا الحال بالنسبة للعزيز والمشهور .
فالذي يترجح عندنا أن أصح تعريف للحديث الصحيح : " هو ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللا " . وهو ملفق من تعريف ابن الصلاح وابن كثير .
قال رحمه الله - :
( وهو متفاوت في نظر الحفاظ في محاله) أي أن الحديث الصحيح ليس كله على مرتبة واحدة عند النقاد من أهل الحديث ، فربما اشتركت مجموعة من الأحاديث في وصف الصحة ، لكنها تختلف في درجاتها ، فبعضها يكون في أعلى درجات الصحيح ، والبعض في وسطه ، والبعض في أدناه ، ولكنها جميعها يطلق عليها الصحيح ، وسبب الاختلاف في ذلك ؛ اختلاف وجود أوصاف الصحة فيه من حيث القوة والضعف ، فالراوي قد يكون عدلا حافظا ، وصل في درجة الحفظ إلى القمة ، والآخر يكون عدلا حافظا ، لكن حفظه ليس كحفظ الأول ، فالأول حديثه صحيح ، والثاني حديثه صحيح ، ولكن صحة الأول ليست كصحة الثاني ؛ لأن الأول رواته أشد حفظا وأقوى عدالة ، فلهذا يكون حديثهم أقوى ، وكذلك جميع صفات الصحيح ؛ فكلما توفرت أكثر، كلما كان أقوى من غيره وإن اشترك مع غيره في أصل الصحة .
فقوله هنا " وهو متفاوت في نظر الحفاظ في محاله " أي في تطبيق هذه القواعد على الأحاديث المعينة، فعند تطبيق هذه القواعد على الأحاديث ، نجد أن هذه الأحاديث تفاوتت في درجة الصحة
قال :
(ولهذا ) أي : لأن الأحاديث الصحيحة تتفاوت في الصحة وليست في درجة واحدة ؛ ( أطلق بعضهم ) أي بعض علماء الحديث ونقاده على بعض الأسانيد أنها ( أصح الأسانيد على بعضها) وليست أصح الأحاديث ، فهناك فرق بين قولهم أصح الأسانيد وأصح الأحاديث (فعن أحمد ) بن حنبل الإمام المعروف ( وإسحق ) بن راهويه صاحب الإمام أحمد ؛ وهما إمامان من أئمة السنة والحديث – رحمهما الله ؛ قالا (: أصحها: الزهري ) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، تابعي جليل وعالم حافظ ثقة كبير ( عن سالم ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عدل حافظ ثقة إمام ( عن أبيه ) عبد الله بن عمر بن الخطاب ، الصحابي الجليل ، المعروف الذي لا يحتاج إلى تعريف ، فقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه : إن هذا الإسناد أصح الأسانيد ؛ الزهري عن سالم عن ابن عمر . (وقال علي بن المديني) الملقب بحية الوادي ، إمام من أئمة الحديث وعالم جبل في علم العلل ( والفلاس ) هو عمرو بن علي الفلاس ، حافظ ثقة من أئمة الحديث ، قالا (: أصحها ) أي أصح الأسانيد ( محمد بن سيرين ) الأنصاري البصري ثقة ثبت عابد كبير القدر رحمه الله معبر ( عن عبيدة ) بفتح العين ، السلماني الكوفي فقيه ثبت ( عن علي ) بن أبي طالب الصحابي الجليل . ( وعن يحيى بن معين) صاحب الإمام أحمد وهو من أعرف الناس بالرجال كان إماما كبيرا رحمه الله (: أصحها ) أي أصح الأسانيد (الأعمش ) سليمان بن مهران الكوفي ثقة حافظ لكنه مدلس ( عن إبراهيم ) بن يزيد النخعي حافظ ثقة إمام ( عن علقمة ) بن قيس النخعي الكوفي ثقة ثبت فقيه عابد (عن ابن مسعود ) هو عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل .
في قوله " الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود أنها أصح الأسانيد " نظر ؛ إلا في حالة واحدة ؛ وهي أن يصرح الأعمش بالتحديث ، فإن صرح بالتحديث صار من أصح الأسانيد ، أما مع العنعنة فلا ، لأن الأعمش مدلس ، وإذا كان مدلسا وروى الحديث بالعنعنة ،فاحتمالية أن يكون قد دلسه واردة ، فهذه توهن قليلا من حال الإسناد ، لذلك - والله أعلم - عندما ذكر الحافظ ابن حجر هذا الإسناد في أصح الأسانيد حذف الأعمش ؛ فقال أصحها : إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود ، الظاهر أنه لهذه النكتة فعل ذلك . والله أعلم ( وعن البخاري ) الإمام محمد بن إسماعيل صاحب " الصحيح " إمام كبير قال : ( مالك ) بن أنس إمام دار الهجرة ( عن نافع ) مولى ابن عمر ( عن ابن عمر ) عبد الله بن عمر بن الخطاب الصحابي الجليل ( وزاد بعضهم ) وهو أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي ( : الشافعي عن مالك ) أي الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، وزاد بعضهم أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر . ( إذ هو ) أي الإمام الشافعي ( أجل من روى عنه ) لكن هذا يحتاج إلى تفصيل ، إن كان من حيث جلالة القدر فيسلم له ؛ وأما من حيث الحفظ والإتقان فعورض بعبد الله بن مسلمة القعنبي ؛ فقد قيل هو أثبت في مالك من الإمام الشافعي ، فقد قال فيه علي بن المدين ويحيى بن معين والنسائي ونصر بن مرزوق ؛ قالوا : القعنبي أثبت الناس في الموطأ ، فهو مقدم في الرواية عن الأمام مالك .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر مجموعة من الأسانيد التي قيل فيها إنها أصح الأسانيد ، لكن ما هي فائدتها ؟!
قال الحافظ ابن حجر : أفادت ترجيح ما نص على أصحيته إذا عارضه ما لم ينص على أصحيته ، وإن كان صحيحا .
أي فائدة هذه الأسانيد التي قال الأئمة الحفاظ إنها أصح الأسانيد أنها إذا تعارضت أحاديث مروية بأسانيد قيل إنها أصح الأسانيد ، مع أحاديث مروية بأسانيد لم يقل فيها إنها أصح الأسانيد ؛ أمكن ترجيح الأحاديث التي وصفت أسانيدها بأنها أصح الأسانيد على الأحاديث الأخرى .
والراجح أن الإسناد لا يطلق عليه مطلقا أنه أصح الأسانيد ؛ بل يقيد بالصحابي أو بالبلد ، فيقال مثلا : أصح أسانيد أهل المدينة ؛ مالك عن نافع عن ابن عمر . أو يقال أصح أسانيد علي بن أبي طالب ؛ محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي بن أبي طالب . أصح الأسانيد عن أبي هريرة ؛ إبراهيم عن علقمة عن أبي هريرة . أصح الأسانيد عن ابن عمر ؛ مالك عن نافع عن ابن عمر ، فنقيد إما بالصحابي أو بالبلد ، هذا أصح ما قيل في هذه المسألة .

أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2012, 07:22   #3
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الجزء الثالث

القائد الدميث شرح الباعث الحثيث
الجزء الثالث

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد ؛
تقدم معنا أن بعض علماء الحديث يقسمون الحديث إلى صحيح وضعيف ، والسلف على هذا ، ويدخلون الحسن لذاته في الصحيح ، والحسن لغيره في الضعيف ، ويحتجون بهما . والبعض الآخر يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف ، والمسألة اصطلاحية والأمر فيها سهل .
والحديث الصحيح : هو ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللاً . وهو الذي اتفق أهل الحديث على صحته .
ويحصل الخلاف بينهم لسببين؛
الأول : وجود هذه الشروط وتحققها في الحديث المعين ، فالبعض من أهل الحديث يصحح الحديث بناء على أن هذه الشروط قد تحققت عنده ، والبعض الآخر ينازعه في توفر هذه الشروط أو أحدها في هذا الحديث المعين ، فينازع مثلا في كون جميع رواة هذا الحديث عدولا حفاظا ، أو ينازع في اتصال سنده ، أو غير ذلك من شروط الحديث الصحيح ، من أجل ذلك يقع الخلاف بين أهل العلم في الحكم على الحديث المعين .
والسبب الثاني : أن بعض أهل العلم يقبل الأحاديث التي توفرت فيها هذه الشروط ويقبل غيرها من الأحاديث ، كأن يكون ممن يقبل المرسل أو يقبل البلاغات أو غير ذلك .
لهذين السببين يقع الخلاف بين أهل العلم في التصحيح والتضعيف .
وذكر المؤلف – رحمه الله – أن الحديث الصحيح ليس على درجة واحدة ، بل من الصحيح ما يبلغ الدرجة العليا ومنه ما ينزل عن ذلك ، لذلك تكلموا في بعض الأسانيد في وصفها بأنها أصح الأسانيد ، واختلفوا في ذلك وذكرنا أن الراجح في ذلك أننا لا نصف إسنادا معينا بأنه أصح الأسانيد مطلقا ، بل يوصف بأنه أصح الأسانيد بتقييده بالصحابي أو ببلد معين .
قال مؤلفنا – رحمه الله - :
(فائدة : أول من اعتنى بجمع الصحيح: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ) البخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري ، نسبة إلى بخارى ، وهي اليوم مدينة من مدن أوزبكستان ، تقع شمال أفغانستان وبينها وبين إيران تركمانستان ، وهو صاحب الصحيح وكتابه اسمه " الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه " واشتهر عند أهل العلم بـ " صحيح البخاري " وسبب تأليف هذا الكتاب ؛ سببان :
الأول : قال البخاري – رحمه الله – كنا عند إسحاق بن راهويه ، وهو شيخه وصاحب الإمام أحمد ، فقال إسحاق : لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال البخاري : فوقع ذلك في قلبي ، فأخذت في جمع الجامع الصحيح . كذا جاءت هذه الرواية في مقدمة " فتح الباري " . وفي " تاريخ بغداد " ؛ قال لنا بعض أصحابنا : لو جمعتم كتابا مختصرا ... إلى آخر الكلام ، هذا السبب الأول .
والسبب الثاني : قال البخاري – رحمه الله - : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وكأنني واقف بين يديه ، وبيدي مروحة أذب بها عنه ، فسألت بعض المعبرين فقال لي : أنت تذب عنه الكذب ، وهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح .
أخرج هذه القصة أيضا الخطيب البغدادي في تاريخه ، ومن طريقه أخرجها الحافظ ابن حجر في مقدمة " الفتح " .
وعنى كلام المؤلف – رحمه الله – هنا ؛ أن أول من أفرد الصحيح في كتاب مستقل هو الإمام البخاري وبعده مسلم ، وقبل ذلك لم تكن الأحاديث الصحيحة قد أفردت في كتاب مستقل .
قال :
( وتلاه ) أي جاء بعده في إفراد الصحيح في كتاب مستقل ( صاحبه وتلميذه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ) هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري من بني قشير ، قبيلة من العرب معروفة ، و النيسابوري نسبة إلى نيسابور من مدن إيران اليوم ، وهو تلميذ الإمام البخاري وعلى يديه تخرج .
قال المؤلف – رحمه الله - :
( فهما أصح كتب الحديث ) أي صحيح البخاري وصحيح مسلم هما أصح كتب الحديث ، وهذا صحيح ، بل هما أصح كتابين بعد كتاب الله تبارك وتعالى ؛ البخاري ثم مسلم .
اعترض بعض أهل العلم على قول ابن الصلاح : " أول من اعتنى بجمع الصحيح: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري " اعترضوا عليه بـ " موطأ مالك " و بـ " مسند أحمد " و " سنن الدارمي " فهؤلاء كلهم جمعوا قبل البخاري وبعضهم من شيوخه ؛ فأجاب أهل العلم على هذا الاعتراض ، فقالوا : هذا الاعتراض فيه تفصيل ؛ فإن أراد ابن الصلاح الصحيح الذي تقدم تعريفه وتقدم بيانه - والظاهر أنه المراد لابن الصلاح - ؛ فلا يرد عليه موطأ مالك ، والاعتراض خطأ ؛ لأن موطأ مالك فيه المرسل والمنقطع وفيه البلاغات أيضا التي يقول فيها الإمام مالك بلغني من غير ذكر الواسطة ، وهذه ليست من الصحيح الذي تقدم تعريفه .
وإن أراد الصحيح من حيث هو ، أي الذي يعتقد صاحبه أنه صحيح بغض النظر عن توفر الشروط المتقدمة فيه ؛ فيكون الاعتراض صحيحا ؛ لأن الذي يحتج بالمراسيل وما شابهها ؛ يعتبر موطأ مالك صحيحا ، لكن الظاهر كما ذكرنا أن ابن الصلاح يريد بالصحيح الذي قدم تعريفه ، وبناء عليه فلا يصح الاعتراض على كلامه ؛ لما ذكرناه .
وربما اعترض معترض فقال : وجدت أحاديث معلقة في صحيح البخاري ؛ قال أهل العلم : هذه المعلقات ليست من موضوع كتاب البخاري أصلا ؛ لذلك حذف البخاري – رحمه الله – أسانيدها ليخرجها عن موضوع الكتاب ، بخلاف ما في موطأ مالك من المراسيل وما شابهها ، فهي مسموعة لمالك على حالها ، أي سمعها منقطعة أو مرسلة ، بخلاف البخاري فقد سمعها موصولة ، ولكنه حذف بعض أسانيدها عمدا ؛ ليبين لنا أنه لا يريد أن يدخلها في أصل موضوع الكتاب .
و مالك أدخل المراسيل في كتابه ليحتج بها ، بخلاف البخاري فقد وضعها استئناسا بها فقط ، هذا هو الفرق فيما عند الإمام مالك في الموطأ من مراسيل و مقاطيع ومنقطعات وبلاغات ، وما في صحيح البخاري من معلقات .
فالمعلقات في صحيح البخاري ليست من أصل الكتاب ، فقد سمى الإمام البخاري كتابه " الجامع الصحيح المسند " ، والمسند ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسند ظاهره الاتصال أو بسند متصل على ما أراد البخاري رحمه الله في كتابه ، إذن فما حذف منه بعض إسناده فلا يريد أن يجعله من هذا الكتاب بل يذكره استئناسا .
ثم قال المؤلف – رحمه الله - :
(والبخاري أرجح ) أي كتابه أصح من كتاب مسلم ؛ لأسباب هي :
أولا : شرط الاتصال :
( لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا ) أي الصحيح (: أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنه سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة ) هذا واحد من أوجه الترجيح بين صحيح البخاري وصحيح مسلم ، وهو شرط الاتصال ؛ وهو منصب على العنعنة ، فالراوي الذي يحدث عن شيخه بصيغة العنعنة ، كأن يقول مالك عن نافع ؛ متى تحمل العنعنة هنا على الاتصال ؟
اشترط البخاري – رحمه الله – أن يثبت عنده اللقي ، إن ثبت عنده أن هذا الراوي التقى بشيخه ؛ عندئذ يحمل عنعنته عنه على الاتصال .
أما مسلم ؛ فإذا ثبت عنده أن الراوي تعاصر مع شيخه أي عاشا في نفس العصر ، واللقاء بينهما ممكن ، أي يمكن لقاء أحدهما الآخر ، فيكونان مثلا في نفس البلد ، أو الأول في الشام و الآخر في المدينة وثبت أن الذي في الشام رحل إلى المدينة ؛ فمثل هذه الحالة مع حرص المحدثين على الأخذ من بعضهم ؛ تكون احتمالية اللقاء بينهم كبيرة جدا ؛ لذلك يحمل مسلم مثل هذه الصورة على الاتصال ، مالم يكن الراوي مدلسا .
ولا شك أن شرط البخاري أقوى من ناحية الاتصال ، وشرط مسلم أضعف . ووافق البخاري على شرطه هذا علي بن المديني وأبو حاتم الرازي وأبو زرعة الرازي والإمام أحمد والإمام الشافعي وغيرهم ، بل نقلوا عن جمهور المتقدمين أنهم يذهبون إلى هذا المذهب ، وجمهور المتأخرين يذهبون إلى ما ذهب إليه مسلم – رحمه الله .
الثاني من أوجه ترجيح البخاري على مسلم : قوة الرجال :
فالرجال الذين تُكُلم فيهم عند البخاري أقل من الرجال الذين تكلم فيهم عند مسلم ، والرجال الذين تكلم فيهم عند البخاري في الغالب هم من شيوخه ، والمحدث أعلم بشيوخه من غيرهم ؛ فهو يعلم أحاديثهم ، ويعلم المعلول منها من الصحيح ، فينتقي الصحيح من غيره .
بخلاف مسلم فالرجال الذين انتقدوا عند مسلم من طبقات فوق طبقة شيوخه .
الثالث : الخلو من العلة في الحديث ، فالأحاديث التي انتقدت في صحيح البخاري لوجود علة فيها ؛ أقل من الأحاديث التي انتقدت في صحيح مسلم .
الرابع : نفس البخاري ومسلم ، فالبخاري أعلم في علم العلل وعلم الرجال من مسلم ؛ بل مسلم تلميذ البخاري ، وكان يقر له بالعلم والتقدم ، بل قال الدارقطني - رحمه الله – لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء ، فهو شيخه وأعلم منه بعلم الحديث والعلل ، فمن هذا الباب يقدم كتابه على كتاب مسلم .
هذه بعض أوجه الترجيح ، ومن أراد التوسع فليرجع إلى مقدمة فتح الباري للحافظ ابن حجر ، وكذلك "فتح المغيث " للسخاوي " تدريب الراوي " و " توضيح الأفكار " و " النكت " للحافظ ابن حجر ، فقد استوعبوا الكلام في هذا الموضوع .
قال – رحمه الله -
( ومن هاهنا ينفصل لك النزاع ) بين أهل العلم (في ترجيح تصحيح البخاري على مسلم ، كما هو قول الجمهور ) أي جمهور علماء الإسلام على هذا ، ومن مارس علم الحديث وعلم الرجال ، ونظر في صحيح البخاري وصحيح مسلم اطمأن قلبه تماما إلى أن صحيح البخاري أقوى وأشد من صحيح مسلم ، وكلاهما صحيح ، (خلافاً لأبي علي النيسابوري شيخ الحاكم، وطائفة من علماء المغرب ) فقد خالف هؤلاء في هذه المسألة ، أي ترجيح البخاري على مسلم .
فأما أبو علي النيسابوري ، وهو شيخ الحاكم فقال : " ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج " .
وهذا الكلام عن أبي علي النيسابوري صحيح عنه ، أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ، في ترجمة مسلم بن الحجاج عن أبي القاسم السوذرجاني - قال الخطيب فيه : كان دينا ثقة صالحا - عن محمد بن إسحاق بن مندة - وهو الحافظ الثقة المعروف صاحب كتاب " الإيمان " وكتاب " التوحيد " و " معرفة الصحابة " - عن أبي علي النيسابوري – رحمه الله- ، فهذا إسناد صحيح ذكرناه هنا ؛ لأن عند البعض في الكتاب حاشية تقول " فإنه روي عنه أنه قال : ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج ، لكن أشار الحافظ في مقدمة الفتح ، إلى عدم ثبوت ذلك عن أبي علي ؛ فراجعه .
فراجعناه ، فوجدنا أن الحافظ – رحمه الله – لم يشر إلى عدم صحة ما قاله أبو علي النيسابوري – رحمه الله - ولم يشكك في ذلك ؛ وإنما نازع في كون كلام أبي علي النيسابوري صريحا في تفضيل صحيح مسلم على صحيح البخاري ، فهذا الذي نازع فيه الحافظ ابن حجر – رحمه الله – فقال :
" وأما قول أبي علي النيسابوري ؛ فلم نقف قط على تصريحه بأن كتاب مسلم أصح من كتاب البخاري ، بخلاف ما يقتضيه إطلاق الشيخ محي الدين في مختصره في علوم الحديث وفي مقدمة شرح البخاري أيضا حيث يقول : اتفق الجمهور على أن صحيح البخاري أصحهما صحيحا وأكثرهما فوائد ، قال أبو علي النيسابوري وبعض علماء المغاربة : صحيح مسلم أصح انتهى " أي صحيح مسلم أصح من صحيح البخاري .
قال الحافظ ابن حجر معترضا على هذا النقل : " ومقتضى كلام أبي علي ؛ نفي الأصحية عن غير كتاب مسلم عليه ، وأما إثباتها له فلا ؛ لأن إطلاقه يحتمل أن يريد ذلك ، ويحتمل أن يريد المساواة ..." ثم أخذ الحافظ يوجه كلام أبي علي النيسابوري.
وبعبارة أسهل ؛ نقل النووي – رحمه الله – أن أبا علي النيسابوري يقول إن كتاب مسلم أصح من كتاب البخاري ، وعبارة أبي علي النيسابوري " ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج " ، قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - : قوله هذا لا يقتضي أن صحيح مسلم أصح من صحيح البخاري صراحة ، بل هو يحتمل ذلك ويحتمل المساواة أيضا ، فهو ينفي أن يكون هناك كتاب أصح من صحيح مسلم ، لكنه لا ينفي أن يوجد كتاب يساويه ، كأن تقول مثلا : لا أعلم أحدا أعلم من فلان على وجه الأرض ، فيقال لك : وفلان ؟ فتقول هو ليس أعلم منه ، ولكنه يساويه .
إذن فاللفظ يحتمل أن يكون صحيح مسلم أصح من جميع الكتب غيره ، ويحتمل أن يكون ليس هناك كتاب أصح من صحيح مسلم ، ولكن هناك كتب تساويه في الأصحية .
هذا الذي نازع فيه الحافظ ابن حجر ، فالمنازعة كانت في كون كلام أبي علي النيسابوري صريحا في المراد ، وليست المنازعة في إثبات هذا الكلام عن أبي علي النيسابوري فينبغي التنبه لذلك .
وقد ذكرنا هذا استطرادا من أجل التنبيه على هذه الحاشية فقط .
وقد أجاب العلماء على كلام أبي علي النيسابوري فقالوا : إن أراد بالأصحية أنه أصح من صحيح البخاري ، أو حتى يساوي صحيح البخاري ؛ فهو كلام مردود عليه وهو خطأ ، سواء منه أو من غيره .
وأما إن أرادوا التنظيم والترتيب بحيث إنه جمع طرق الحديث في مكان واحد ، ولم يفرق الحديث الواحد ، وأنه في نفس الوقت أيضا لم يدخل في كتابه أي شيء آخر غير الأحاديث النبوية؛ فمن هذه الناحية نعم صحيح مسلم أجود من صحيح البخاري ، لكن هذا ليس فيه أنه أصح من صحيح البخاري ، فإنه إن تميز من هذه الناحية على صحيح البخاري ؛ إلا أن صحيح البخاري يتميز عليه بالأصحية ، ويتميز أيضا بالمسائل الفقهية التي أودعها الإمام البخاري – رحمه الله – في كتابه هذا .
قال المؤلف – رحمه الله - :
( ثم إن البخاري ومسلماً لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث، فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما، كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده، بل في السنن وغيرها ) .
البحث الآن في مسألة : هل البخاري ومسلم أودعا في كتابيهما جميع الأحاديث الصحيحة أم لا ؟
قال ابن الصلاح إنهما لم يلتزما بإخراج جميع الأحاديث الصحيحة عندهما ، والدليل على ذلك دليلان ذكرهما ابن الصلاح ، ذكر ابن كثير واحدا واختصر الثاني ؛ أما الدليلان فهما :
الأول : أن البخاري نفسه قد صحح بعض الأحاديث التي لا توجد في صحيحه ، كما ينقل عنه الترمذي رحمه الله كثيرا من ذلك في " سننه " وفي كتاب " العلل الكبير " ، فإنه ينقل عن الإمام البخاري تصحيحات لأحاديث كثيرة ليست في صحيحه ، منها على سبيل المثال حديث عائشة : " كان رسول الله يذكر الله على كل أحيانه " هذا الحديث أخرجه البخاري تعليقا ، فليس هو على شرطه ، وأخرجه مسلم متصلا.
قال الترمذي في " العلل الكبير " : سألت محمدا عن هذا الحديث فقال هو حديث صحيح .
إذن فهناك أحاديث يعتقد الإمام البخاري أنها صحيحة ولكنه لم يدخلها في أصل موضوع كتابه .
فهذا دليل على أن البخاري – رحمه الله – لم يلتزم بإخراج جميع ما عنده من صحيح .

وأما الدليل الثاني ؛ وهو قول البخاري – رحمه الله – ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول " وهذا دليل أنه اشترط الصحة في كتابه واقتصر على بعض الأحاديث ولم يخرج كل ما صح عنده خشية الإطالة في الكتاب ، بل لم يخرج كل ما عنده من أحاديث صحيحة على نفس شروط الصحيح ، كلامه يدل على هذا ، وهو موجود في " تاريخ بغداد " للخطيب البغدادي في ترجمة الإمام البخاري .
وقال مسلم بن الحجاج – رحمه الله - : ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا ، إنما وضعت ما أجمعوا عليه وهذا الكلام تنصيص منه ، قاله في صحيحه ، تحت الحديث (رقم 404 ) .
واختلفوا في معنى قوله " إنما وضعت ما أجمعوا عليه " ؛
قيل ما وجد فيه شرائط الصحيح المجمع عليها ، وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم .
وقيل ما لم تختلف الثقات فيه في نفس الحديث متنا وإسنادا ، لا ما لم تختلف في توثيق رواته .
وقيل أراد ما أجمع عليه أحمد ويحيى بن معين وعثمان بن أبي شيبة وسعيد بن منصور .
وقيل غير ذلك .
والذي يهمنا ؛ أنه لم يخرج في صحيحه كل ما هو صحيح عنده ، كما نص هو على ذلك .
إذن فنعلم من ذلك أن البخاري ومسلما لم يخرجا كل الأحاديث الصحيحة عندهما ، بل أخرجا بعضا ، وتركا بعضا آخر .
ثم قال المؤلف – رحمه الله - :
( قال ابن الصلاح : فجميع ما في البخاري بالمكرر سبعة ألاف حديث ومائتان وخمسة وسبعون حديثا ، وبغير تكرار أربعة آلاف ) ذكر ابن الصلاح في كتابه قبل أن يذكر هذا الكلام ؛ كلام أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم الآتي :فقال :
(وقد قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم:
قل ما يفوت البخاري ومسلماً من الأحاديث الصحيحة ) وهو شيخ الحاكم وكلامه هذا أخرجه الخطيب البغدادي في " تاريخه " بسند صحيح ، ذكر ابن الصلاح هذا الكلام وأخذ يرد عليه .
الآن المسألة الأولى التي كنا نتحدث عنها ؛ هل يوجد أحاديث صحيحة خارج الصحيحين أم لا ؟ وقررنا أن البخاري ومسلما لم يلتزما بإخراج جميع الأحاديث الصحيحة .
المسألة الثانية التي نناقشها الآن ؛ هل الذي لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما كثير أم قليل ؟
أبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم يقول : قل ما يفوت البخاري ومسلما من الأحاديث الصحيحة .
أراد ابن الصلاح – رحمه الله – أن يرد عليه ؛ فأتى بمقدمتين ؛
الأولى ؛ أنه نقل كلام البخاري – رحمه الله – وقد اختصره ابن كثير – رحمه الله - ، وهو قوله : " أحفظ مائة ألف حديث صحيح " ، وكلام البخاري هذا رواه عنه الخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد " في ترجمته .
المقدمة الثانية : معرفة كم حديث في صحيحه ، فقال ابن الصلاح " فجميع ما في البخاري، بالمكرر: سبعة آلاف حديث ومائتان وخمسة وسبعون حديثاً. وبغير تكرار : أربعة آلاف" .
وقد حصل النزاع في التعداد أصلا ، فالحافظ ابن حجر -رحمه الله – ذكر أن المتون الموصولة بلا تكرار ألفان وستمائة واثنان ، وعدة أحاديث بالمكرر بما فيها من التعليقات والمتابعات واختلاف الروايات تسعة آلاف واثنان وثمانون ، وعلى كل حال فالتعداد قريب بعضه من بعض .
إذن كل الأحاديث التي في البخاري بجميع صورها لا تتجاوز عشرة آلاف حديث ، بينما قال البخاري أحفظ مائة ألف حديث صحيح ، فالفرق كبير جدا ، فالذي لم يخرجه البخاري في صحيحه من الأحاديث الصحيحة كثير ، فهذا ما أراد أن يصل إليه الحافظ ابن الصلاح رحمه الله ، وهذا جواب أول .
لكن قال بعض أهل العلم : قال ابن الصلاح نفسه في موضع آخر ؛ إن الحافظ ابن حجر يريد بهذا الكلام الطرق والموقوفات والمقطوعات والأحاديث المرفوعة ، فيشمل كلامه كل هذا ، قالوا فإن أراد البخاري – رحمه الله – هذا المعنى ؛ فيكون كلام ابن الأخرم صحيحا ، أي أنه قل ما يفوت البخاري ومسلما من الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة .
والكلام صحيح إن أراد ابن الأخرم – رحمه الله – الأحاديث الصحيحة التي على شرطهما ، وإن كان يوجد أحاديث صحيحة على شرطيهما خارج كتابيهما ، لكنها ليست كثيرة ، أما مطلق الأحاديث الصحيحة ، فهي كثيرة ؛ هذا بالنسبة للجواب الأول .
الجواب الثاني ؛ سيأتي وهو استدراك الحاكم على الصحيحين .
قال ابن كثير – رحمه الله - :
(وجميع ما في صحيح مسلم بلا تكرار: نحو أربعة آلاف) ، وقد قال الحافظ محمد بن يعقوب الأخرم : قل ما يفوت البخاري ومسلما من الأحاديث الصحيحة (وقد ناقشه ابن الصلاح في ذلك، فإن الحاكم ) النيسابوري ( قد استدرك عليهما أحاديث كثيرة) اعتبر ابن كثير أن الرد على ابن الأخرم من وجه واحد ، وهو هذا الذي ذكره ، والظاهر أنه اعتبر ذكر تعداد ما في البخاري ومسلم من الأحاديث فائدة زائدة ، لكن الصحيح كما ذكر ابن حجر – رحمه الله – أن هذا من ابن الصلاح رد على كلام ابن الأخرم ، وهو الرد الأول ، أما الرد الثاني فهو الذي ذكره ابن كثير هنا . (وإن كان في بعضها مقال إلا أنه يصفو له شيء كثير) أي وإن كان في بعضها ضعف ، وبعضها الآخر لم تتحق فيه بعض الشروط التي اشترطها البخاري ومسلم في صحيحيهما ، إلا أنه هناك أحاديث كثيرة تم الاستدراك فيها ، أي إنها على شرط الشيخين .
ولا وجه للاستدراك أصلا ؛ لأنهما لم يشترطا إخراج كل ما عندهما من الأحاديث الصحيحة على شرطهما ، لكن على كل حال ؛ ما استدركه الحاكم استفدنا منه ، لكن حقيقة من نظر في عمل الحاكم وجده توسع كثيرا في ذكر الأحاديث ونسبتها لشرط البخاري أو لشرط مسلم أو لشرطهما ، و أوهامه كثيرة في الكتاب ، وسنذكر ما قاله الحافظ الذهبي في ذلك .
( قلت : في هذا نظر )هذا كلام ابن كثير ( فإنه يلزمهما بإخراج أحاديث لا تلزمهما) لأنها ليست على شرطهما ( لضعف رواتها عندهما، أو لتعليلهما ذلك ) فقد يخرج أحاديث يكون فيها بعض الرواة ضعفاء ، فيقول هو على شرط البخاري أو على شرط مسلم ، وأحيانا يخرج الحديث ويكون معلولا ، فيقول على شرط البخاري أو على شرط مسلم .
فلا بد من التنبه للحكم على الحديث أنه على شرط البخاري أو على شرط مسلم ؛ فإنها مسألة دقيقة وينبغي التدقيق فيها قبل أن تقول هذا الحديث على شرط البخاري أو على شرط مسلم .
ومعنى " على شرط البخاري " أي أنهم نفس الرجال الذين أخرج لهم البخاري في " صحيحه " ، وليس هذا فحسب ؛ بل يجب أن تنظر في الرجال ما حالهم ؛ لأن بعض الرجال الذين أخرج لهم البخاري في صحيحه فيهم ضعف ؛ لكن البخاري انتقى من أحاديثهم ؛ فلا تقل هو على شرط البخاري مطلقا .
ثم إنك تحتاج إلى أن تنظر في روايته عن شيخه ؛ هل أخرج البخاري للراوي الفلاني عن شيخه فلان بالتحديد ، أم لا .
فمن الأخطاء التي وقع فيها بعض أهل العلم أن يقول " رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس " هذا إسناد على شرط الشيخين ، فيقال له هذا خطأ ؛
أولا : سماك أخرج له مسلم ولم يخرج له البخاري .
ثانيا : عكرمة أخرج له البخاري ولم يخرج له مسلم .
ثالثا : رواية سماك عن عكرمة رواية مضطربة ، فلم يخرجاها ، فتحتاج أن تنتبه هل أخرجا للشيخ ، وهل أخرجا للتلميذ ، ثم هل أخرجا رواية هذا التلميذ عن هذا الشيخ بالتحديد ، أم لا ؛ فيجب أن تنظر إلى أفراد الرواة ، و تنظر إلى روايتهم عن شيوخهم ؛ حتى تعزو هذا الإسناد إلى شرط البخاري أو مسلم . (والله أعلم ) .
أما بالنسبة لمستدرك الحاكم ، فنختم بكلام الذهبي فيه – رحمه الله – في كتابه " سير أعلام النبلاء ؛ قال :
" سمعت أبا سعد الماليني يقول: طالعت كتاب " المستدرك على الشيخين "، الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره، فلم أر فيه حديثا على شرطهما "
قلت – الذهبي - : هذه مكابرة وغلو، وليست رتبة أبي سعد أن يحكم بهذا، بل في " المستدرك " شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صحيح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المائة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردت منها جزءا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء، وبكل حال فهو كتاب مفيد قد اختصرته، ويعوز عملا وتحريرا " . والله أعلم
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2012, 07:24   #4
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الجزء الرابع

القائد الدميث إلى شرح الباعث الحثيث
الجزء الرابع

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أما بعد ؛
فهذا هو المجلس الرابع من مجالس شرح الباعث الحثيث .
بعد أن ذكر المؤلف أن البخاري ومسلما لم يشترطا إخراج كل ما عندهما من صحيح ، وذكر أن الصحيح في غير الصحيحين كثير ، بدأ – رحمه الله – يبين لنا مظان الصحيح ، أي الأماكن التي نظن أننا سنجد فيها الأحاديث الصحيحة في غير الصحيحين ، فقال – رحمه الله - :
( وقد خرجت كتب كثيرة على الصحيحين، قد يوجد فيها زيادات مفيدة، وأسانيد جيدة، كصحيح أبي عوانة) وهو مستخرج أبي عوانة ، وأبو عوانة هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الإسفرايني ، مشهور بكنيته ، له مستخرج على صحيح مسلم ، وهو مطبوع ( وأبوي بكر الإسماعيلي، والبرقاني) أي أبو بكر الإسماعيلي وهو أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل مشهور بأبي بكر الإسماعيلي ، من تلاميذ ابن خزيمة ، له مستخرج على صحيح البخاري لم يطبع ، وأبو بكر البرقاني هو أحمد بن محمد بن أحمد الخوارزمي أبو بكر البرقاني ، من تلاميذ الدارقطني ومن تلاميذ أبي بكر الإسماعيلي الذي قبله ، له مستخرج على الصحيحين ، لم يطبع أيضا ( وأبي نعيم الأصبهاني ) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد مشهور بأبي نعيم الأصبهاني ، صاحب كتاب " حلية الأولياء " له مستخرج على صحيح مسلم طبع بعضه ، وله مستخرج على صحيح البخاري لم يطبع (وغيرهم ) وكما ذكرنا فالمستخرجات كثيرة منها ما طبع ومنها ما لم يطبع .
تكلم المؤلف هنا على المستخرجات ، وهي : أن يأتي المصنف الذي يريد أن يؤلف مستخرجا ، إلى كتاب من كتب أهل الحديث المسندة ، فيخرج أحاديث هذا الكتاب نفسها ، بأسانيد له هو ، من غير طريق مؤلف الكتاب ، فيجتمع مع مؤلف الكتاب في شيخه أو شيخ شيخه فما فوق ، نوضح الصورة بطريقة أسهل :
على تقدير أنني ألفت كتابا جمعت فيه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، من طرق عن شيوخ مختلفين ، من هؤلاء الشيوخ شيخي الشيخ مقبل بن هادي الو ادعي ، فرويت عنه بعض الأحاديث ، وهو يرويها عن شيخه محمد أمين المصري .
فيأتي أحدكم يريد أن يؤلف مستخرجا على كتابي الذي ألفته ، بأسانيد له هو يصل بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فيأتي للحديث الأول مثلا ؛ فيجدني أرويه عن الشيخ مقبل عن شيخه محمد أمين المصري ، إلى آخره ، فيبحث لنفسه عن إسناد يصل فيه لشيخي أنا ، ولا يرويه من طريقي بل من طريق تلميذ آخر للشيخ مقبل يصل به إلى الشيخ مقبل ثم يكمل بنفس الإسناد والمتن الذي ذكرته أنا في كتابي ، ثم يروي جميع الأحاديث التي في كتابي على هذا النحو .
ولا يترك الوصول إلى شيخي إلا إذا لم يجد له إسنادا يوصله إلى شيخي ، وربما يبحث عن إسناد يوصله إلى شيخ شيخي ، وهكذا ، بل ربما ترك الحديث كله لأنه لم يجد له إسنادا عنده يصل فيه إلى شيخي أو شيخ شيخي أو من فوقه ، وربما رواه من طريقي لأنه لم يجد له غير هذه الطريق مثلا ، هذه صورة المستخرج .
فإذا أراد أحد ممن أتى بعد البخاري - رحمه الله - أن يؤلف مستخرجا على صحيح البخاري ، يلزمه أن يسوق الأحاديث التي في صحيح البخاري بأسانيد له هو يصل بها إلى شيوخ البخاري أو من فوقهم .
وهذه المستخرجات وإن كان شرطهم أن يرووا نفس الأسانيد ونفس المتون ؛ إلا أنهم أحيانا قد تقع لهم زيادات مفيدة ، أي زيادات في طرق الأسانيد ، وزيادات في المتون ، فتكون بعض الألفاظ زائدة في المتن ، وأحيانا يروي متنا كاملا زيادة على الكتاب الذي استخرج عليه .
وقد نأخذ بهذه الزيادات إذا كانت صحيحة وليست موجودة في الصحيحين ، ولكن لا بد أن نكون على حذر ؛ لأن الحديث إذا كان أصله في الصحيحين ورواه أصحاب المستخرجات أو غيرهم من أصحاب الكتب وزادوا فيها زيادات ، في الغالب تكون هذه الزيادات غير صحيحة ،ولعدم صحتها أعرض عنها أصحاب الكتب الصحيحة ، لكن كما قال المؤلف – رحمه الله – ربما تجد فيها بعض الصحيح .
والمستخرجات ليست خاصة بالصحيحين ، فهناك مستخرجات على الصحيحين وهناك مستخرجات على غير الصحيحين .
قال المؤلف :
( وكتب أخر التزم أصحابها صحتها ) أي وتجد الصحيح أيضا في كتب أخرى التزم أصحابها صحتها (كابن خزيمة ) أي كصحيح ابن خزيمةوهو مطبوع وأصل الكتاب لم يوجد كاملا ، بل وجد بعضه وطبع ( وابن حبان البستي ) أي صحيح ابن حبان ، وقد طبع كاملا ( وهما خير من المستدركبكثير) أي مستدرك الحاكم ( وأنظف أسانيد ومتوناً) أي أن أصحاب الكتب الثلاثة هذه - صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان و المستدرك – اشترطوا الصحة ، أي أن لا يخرجوا في كتبهم هذه إلا ما صح من الأحاديث ، لكن لا يعني هذا أن كل ما أودعوه في كتبهم صار صحيحا ؛ لأن ابن حبان والحاكم وكذلك ابن خزيمة عندهم تساهل في تصحيح الأحاديث ؛ والسبب في تساهلهم إما في أصل شرط الصحة ، أو في الحكم على الحديث بالصحة ، فليس كل ما في هذه الكتب الثلاثة صحيح ، ففيها الصحيح وفيها الضعيف ، لكنك تجد جملة لا بأس بها من الأحاديث الصحيحة .
قال :
( وكذلك يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد والمتون شيء كثير مما يوازي كثيراً من أحاديث مسلم، بل والبخاري أيضاً) أي تجد في مسند الإمام أحمد أسانيد ومتون كثيرة هي صحيحة قوية بل بعضها بقوة الأحاديث التي عند مسلم ، وبعضها بقوة الأحاديث التي عند البخاري ( وليست عندهما ) أي هذه الأحاديث التي في مسند أحمد وهي صحيحة قوية ، ليست في صحيح البخاري ولا في صحيح مسلم ( ولا عند أحدهما، بل ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة، وهم: أبو داود) سليمان بن الأشعث السجستاني توفي سنة 275هـ ( والترمذي) محمد بن عيسى بن سورة الترمذي توفي سنة 279 هـ ( والنسائي) أحمد بن شعيب بن علي المشهور بالنَّسائي توفي سنة 303 هـ ( وابن ماجة) محمد بن يزيد القزويني توفي سنة 273 هـ ، هؤلاء هم أصحاب الكتب الأربعة التي تسمى السنن الأربعة ، أما أصحاب الكتب الستة ، فهؤلاء مع البخاري ومسلم .
وهذه الكتب الأربعة فيها من الصحيح الشيء الكثير ؛ لكن لا يطلق على كتاب أنه صحيح مطلقا إلا على البخاري ومسلم ، أما غيرهما من الكتب فيوجد فيها الصحيح وغيره .
( وكذلك يوجد في معجم الطبراني الكبير والأوسط ) أي كذلك يوجد أحاديث صحيحة في معجم الطبراني الكبير والأوسط ، والطبراني هو سليمان بن أحمد الشامي الطبراني ، توفي سنة 360هـ ، وكان حافظا كبيرا رحمه الله ، وله ثلاثة معاجم ؛ معجم الطبراني الكبير ، و الأوسط ، والصغير ، وكما قال المؤلف – رحمه الله – يوجد فيها من الأحاديث الصحيحة شيء لا بأس به
والمعجم : هو الكتاب الذي تجمع فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ ، والغالب أن يكون الترتيب على حروف الهجاء ( ومسندأبي يعلى ) أي وتجد الصحيح في مسند أبي يعلى الموصلي أحمد بن علي بن المثنى توفي سنة 307 رحمه الله ، وكتابه المسند مطبوع ( والبزار ) هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر البزار توفي سنة 292 هـ وكتابه المسند مطبوع ( وغير ذلك من المسانيد) وتجد الصحيح في غير ذلك من المسانيد ، و المسانيد جمع مسند ، والمسند الكتاب الذي جمع فيه مؤلفه مرويات كل صحابي على حدة، فمثلا أخذ أحاديث أبي هريرة وجعلها على حدة ، وأخذ أحاديث ابن عمر وجعلها على حدة وهكذا ( والمعاجم والفوائد ) هي الكتب التي جمع فيها مؤلفوهاأحاديثهم الغرائب ، مثل فوائد تمام وفوائد أبي الشيخ الأصبهاني ( والأجزاء ) جمع جزء ، والجزء الحديثي هو ما أفرده مؤلفه في مسألة واحدة أو ما رواه عن راو واحد ، كجزء رفع اليدين للبخاري مثلا ، فقد أفردت فيه مسألة رفع اليدين ، وجزء البغوي ، أفردت فيه أحاديث البغوي ؛ وهكذا ، وهذه الكتب المعاجم و المسانيد والفوائد والأجزاء ؛ من النادر أن تجد فيها حديثا صحيحا لا يوجد في الكتب المشهورة . ( ما يتمكن المتبحر في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه) أي أن من تمكن من علم الحديث يستطيع أن يستخرج من هذه الكتب أحاديث صحيحة لا بأس بها (بعد النظر في حال رجاله، وسلامته من التعليل المفسد. ويجوز له الإقدام على ذلك)يعني أنه يجوز للعالم الذي تمكن من علم الحديث أن يقدم على تصحيح الأحاديث وتضعيفها ( وإن لم ينص على صحته حافظ قبلهموافقة للشيخ أبي زكريا يحيى النووي، وخلافاً للشيخ أبي عمرو.) فليس من شرطه ألا يحكم على حديث من الأحاديث بالصحة أو الضعف إلا أن يسبق من قبل عالم قبله ، وقد ذهب لكون هذا شرطا ابن الصلاح رحمه الله ؛ فقال يتعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد ، فكأنه أغلق باب الاجتهاد في هذه المسألة .
ولكن العلماء ردوا عليه قوله هذا ، الإمام النووي – رحمه الله – لم يقبل هذا القول ورد عليه ، فالحافظ ابن كثير – رحمه الله – رجح ما ذهب إليه جمهور العلماء ، وقال أهل العلم : لا سلف لابن الصلاح في ذلك ، وعمل العلماء على خلاف ذلك ، ولا دليل له على قوله ، ولا يخلو عصر من العصور من مجتهد في علم الحديث وفي غيره .
فإذن قول ابن الصلاح قول مردود عليه ، ويجوز الاجتهاد في تصحيح الأحاديث وتضعيفها ؛ وإن لم يسبق المجتهد بقول حافظ من الذين سبقوه ، هذا هو الصحيح في المسألة ؛ لكن شرطه أن يكون متمكنا في هذا العلم .
( وقد جمع الشيخ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي في ذلك كتاباً سماه " المختارة " ولم يتم) جمع الشيخ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث الصحيحة كتابا سماه المختارة لكنه لم يكمله تأليفا ( كان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم. والله أعلم ) والمقصود بقول ابن كثير " من مشايخنا " ؛ هو شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله ، وكلام ابن تيمية موجود في " مجموع الفتاوى " ( 1 / 256 ) ، وقد رجح شيخ الإسلام كتاب المختارة لضياء الدين المقدسي على مستدرك الحاكم ، ولا شك أن الأحاديث الصحيحة في كتاب المختارة أنظف وأصح من الأحاديث التي في " مستدرك " الحاكم ، ولا يعني هذا أن كل ما في المختارة صحيح ، بل فيه أحاديث ضعيفة .
(وقد تكلم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح على الحاكم في مستدركه فقال: وهو واسع الخطو في شرط الصحيح، متساهل بالقضاء به ) أي متساهل في الحكم على الأحاديث بالصحة ، وشروط الصحة عنده واسعة.
( فالأولى أن يتوسط في أمره ، فما لم نجد فيه تصحيحاً لغيره من الأئمة، فإن لم يكن صحيحاً، فهو حسن يحتج بهإلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه) مقتضى كلام ابن الصلاح هنا ؛ بما أننا قلنا بعدم جواز الاجتهاد في العصور المتأخرة ، فماذا نفعل مع الحاكم وهو متساهل في التصحيح ، قال ننظر إلى عالم من علماء الحديث غير الحاكم هل صحح هذا الحديث الذي نبحث عن صحته أم لا ، فإن لم نجد شيئا ؛ ننزل بمرتبة الحديث من الصحيح إلى الحسن ، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه .
أقول : وكيف ستظهر العلة إلا أن يكون العالم عالما بعلم الحديث ، ويستطيع أن يرجح المعلول من غير المعلول ، ومعنى ذلك أنه إذا رجح فقد ضعف ، فالنتيجة أنه سيجتهد ؛ لذلك فالصحيح في ذلك كله أن الحاكم لا يعتمد على تصحيحه لتساهله ، والأحاديث التي أخرجها في كتابه ينظر في أسانيدها ، وهل هي معللة أم لا ، ويحكم عليها بما تستحقه من الصحة أو الضعف ، هذا هو الراجح .
( قلت ) أي ابن كثير – رحمه الله – ( في هذا الكتاب ) أي في المستدرك ( أنواع من الحديث كثيرة ) منه الصحيح ومنه الحسن ومنه الضعيف ومنه الموضوع ( فيه الصحيح المستدرك ) أي الصحيح الذي توفرت فيه شروط الصحيحين أو أحدهما ، وكان استدراكه صحيحا وفي محله ( وهو قليل ، وفيه صحيح قد خرجه البخاري ومسلم أو أحدهما لم يعلم به الحاكم ) وقد وضعه وهما ، أخرجه عنده وظن أنه لم يخرج في البخاري ولا في مسلم (وفيه الحسن والضعيف والموضوع أيضا ) هذا التحقيق في موضوع المستدرك .
إذن لابد من البحث في أحاديثه والحكم عليها .
( وقد اختصره شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي ) الإمام المعروف صاحب " سير أعلام النبلاء" ( وبين هذا كله ) بين الضعيف والحسن والموضوع ( وجمع منه جزء كبيرا مما وقع فيه من الموضوعات ، وذلك يقارب مائة حديث ، والله أعلم )
قال المؤلف – رحمه الله - :
( تنبيه : قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله - : " لا أعلمكتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك " ؛ إنما قاله قبل البخاري ومسلم ) هنا أورد البعض على ترجيح البخاري ومسلم على بقية الكتب ؛ كلام الشافعي في ترجيح موطأ مالك ، فقال العلماء ردا على هذا القول :
إنما قاله قبل البخاري ومسلم ، فالإمام الشافعي – رحمه الله – متقدم عن البخاري ومسلم ، بل هو شيخ البخاري ، فقال هذا الكلام قبل أن يؤلف البخاري ومسلم كتابيهما .
قال :
( وقد كانت كتب كثيرة مصنفة في ذلك الوقت في السنن ) أي أن هذا الكلام قاله مقارنة بتلك الكتب التي كانت مؤلفة في ذلك الوقت ، وليس مقارنة بالبخاري ومسلم ، فقد كانت هناك كتب مصنفة في ذلك الوقت غير البخاري ومسلم ، كالسن (لابن جريج وأبن إسحاق ، وهو غير السيرة )، فلابن إسحاق كتاب السنن وكتاب السيرة ، (و ) كذلك ( لأبي قرة موسى بن طارق الزبيدي ، ومصنف عبد الرزاق بن همام ، وغير ذلك ) فهناك مصنفات كثيرة موجودة عندما قال الإمام الشافعي ذلك الكلام ؛ فموطأ مالك أصح وأكثر صوابا من مثل هذه الكتب المذكورة هنا.
( وكان كتاب مالك، وهو " الموطأ " ، أجلها وأعظمها نفعاً، وإن كان بعضها أكبر حجماً منه وأكثر أحاديث) فمن حيث الحجم كان بعضها أكبر من موطأ الإمام مالك ، لكن من حيث الصحة والعظمة ؛ فكتاب مالك أصح وأجود (وقد طلب المنصور ) وهو الخليفة العباسي ( من الإمام مالك ) صاحب الموطأ إمام دار الهجرة ( أن
يجمع الناس على كتابه ) أي أن يجعل كتابه هذا هو الكتاب المعتمد ، ويلغي غيره ( فلم يجبه إلى ذلك) لم يقبل مالك – رحمه الله – ( وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف ) وهو كذلك لا شك ، وهذا دليل على إيثاره للسنة وتعظيمه لها وحرصه عليها – رحمه الله - ( وقال: " إن الناسقدجمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها " ) هكذا يكون الذي يحب السنة ويعظمها ويخاف ضياعها ( وقد اعتنى الناس بكتابه " الموطأ " ، وعلقوا عليه كتباً جمة. ومن أجود ذلك كتابا " التمهيد " ، و " الاستذكار " ، للشيخ أبي عمر بن عبد البر النمري القرطبي، رحمه الله ) شرح ابن عبد البر كتاب الموطأ في كتابيه " التمهيد " شرح فيه الأحاديث المرفوعة ، و " والاستذكار " وقد شرح فيه الأحاديث الموقوفة ، وأجاد – رحمه الله – فشرحه كان شرحا نفيسا نافعا ، وهناك كتب أخرى كتبت على الموطأ ؛ منها ما ألف في رجال الموطأ ، ومنها ما ألف في شرح الموطأ .
( هذا مع ما فيه من الأحاديث المتصلة الصحيحة ) هذه أنواع الأحاديث الموجودة في موطأ مالك ؛ منها أحاديث متصلة صحيحة ،( والمرسلة ) ومنها أحاديث مرسلة ، ( والمنقطعة) ومنها أحاديث منقطعة ، ( والبلاغات ) ومنها بلاغات ؛ أي قال فيها الإمام مالك بلغني عن فلان ، ولم يذكر إسنادا ( التي لا تكاد توجد مسندة إلا على ندور ) أي لا تكاد توجد في موضع آخر مسندة إلا ما ندر ، هذا ما يتعلق بموطأ مالك ، لكن لا شك أن فيه بعض الأحاديث الصحيحة وإن كان الغالب أن الأحاديث الصحيحة التي فيه وجاءت مسندة قد أخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما .
قال :
( وكان الحاكم أبو عبد الله ) النيسابوري صاحب المستدرك ( والخطيب البغدادي ) صاحب تاريخ بغداد ( يسميان كتاب الترمذي: " الجامع الصحيح " وهذا تساهل منهما) ولا شك ( فإن فيه أحاديث كثيرة منكرة) بل فيه أحاديث ضعيفة هو نفسه يضعفها، ويحكم على بعضها بالنكارة وعلى بعضها بالضعف ، فلا يصح أن يوصف هذا الوصف، فصاحبه نفسه ما أراد للكتاب أن يكون على هذه الصفة وقد أدخل فيه الأحاديث الضعيفة والأحاديث المنكرة ( وقول الحافظ أبي علي بن السكن، وكذا الخطيب البغدادي في كتاب السنن للنسائي: إنه صحيح، فيه نظر ) أي أنه كلام غير صحيح إذ يوجد فيه أحاديث صحيحة ويوجد فيه أحاديث ضعيفة ، ففيه أحاديث يرويها بأسانيد فيها مجاهيل .
وإن كان من حيث الترتيب ؛ أعتبره أصح من بقية السنن؛ من سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه ، فتأتي سنن النسائي ثم سنن أبي داود ثم جامع الترمذي ثم سنن ابن ماجه ، هذا ترتيبها من حيث الصحة عندي ، طبعا هذا كله بعد الصحيحين ؛ لكن أن توصف بالصحة مطلقا هي أو بقية السنن ؛ فلا ، الصحة حقيقة لا يصح إطلاقها بمعناها إلا على صحيح البخاري وصحيح مسلم .
قال :
( وأن له شرطاً في الرجال أشد من شرط مسلم غير مسلَّم ) هذا كلام قاله بعض أهل العلم ، وهنا المؤلف يقول إنه كلام غير مسلم ؛ بل شرط مسلم أقوى من شرط النسائي وخصوصا في توثيق الرجال ، فالنسائي يتساهل في التخريج للمجهولين ( فإن فيه رجالاً مجهولين: إما عيناً أو حالاً ) وهذا أمر معروف في كتاب النسائي ومن اشتغل به عرف هذا في كتابه ، فهو يدخل أحاديث في أسانيدها رجال مجهولون .
ومجهول العين ؛ هو الراوي الذي لم يرو عنه إلا راو واحد ، ولم يوثقه عالم معتبر .
ومجهول الحال ؛ هو الراوي الذي روى عنه راويان ولم يوثقه عالم معتبر في التوثيق .
( وفيهم المجروح ) أي ويخرج أيضا لبعض الرواة المجروحين (وفيه ) أي سنن النسائي ( أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة، كما نبهنا عليه في " الأحكام الكبير " ) وهو كتاب لابن كثير لا يعلم عنه شيء .
قال– رحمه الله - :
وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن مسند الإمام أحمد: إنه صحيح: فقول ضعيف، فإن فيه أحاديث ضعيفة، بل وموضوعة، كأحاديث فضائل مرو، و شهداء عسقلان، والبرث الأحمر عند حمص، وغير ذلك، كما نبه عليه طائفة من الحفاظ ) المراد بالمسند هنا ؛ هو جمع أحاديث كل صحابي حدة والتي أضيفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسند ظاهره الاتصال ، ومسند الإمام أحمد من هذا القبيل ، جمع الإمام أحمد أسانيد كل صحابي على حدة بأسانيده التي ظاهرها الاتصال .
وهل كل ما أودعه الإمام أحمد في مسنده صحيح ؟
هنا محل الخلاف ؛ والصحيح أنه ليس كل ما في مسند الإمام أحمد صحيحا ؛ بل فيه الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة ، كما قال ابن كثير – رحمه الله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " إن كان المراد بالموضوع من في سنده كذاب ؛ فليس في المسند من ذلك شيء ؛ وإن كان المراد ما لم يقله النبي لغلط راويه أو سوء حفظه ؛ ففي المسند والسنن من ذلك الشيء الكثير " . انتهى
ومسند الإمام أحمد حقيقة مؤلف نفيس ؛ فال فيه الحافظ ابن حجر – رحمه الله - " هذا المصنف العظيم الذي تلقته الأمة بالقبول والتكريم ، وجعله إمامهم حجة يرجع إليه ويعول عند الاختلاف عليه " .
قال – رحمه الله - :
( ثم إن الإمام أحمد قد فاته في كتابه هذا - مع أنه لا يوازيه كتاب مسند في كثرته وحسن سياقته - أحاديث كثيرة جدا ) لا شك أن مسند الإمام أحمد ليس جامعا لجميع الأحاديث ، لكن فيه عدد كثير من الأحاديث (بل قد قيل إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريباً من مائتين) قال الشيخ أحمد شاكر :هذا غلو كثير . انتهى. أي ليس لهذه الدرجة ؛ نعم فاتته بعض الأحاديث لكن ليس بالشكل الذي ذكر .
ثم قال المؤلف – رحمه الله - :
( وهكذا قول الحافظ أبي طاهر السلفي في الأصول الخمسة، يعني البخاري ومسلماً وسنن أبي داود والترمذي والنسائي: إنه اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب: تساهل منه. وقد أنكره ابن الصلاح وغيره) أي الكلام هذا غير مسلم ، وهو أن يكون كل ما في هذه الكتب الخمسة صحيحا ، قالوا نعم إن أراد أن أصول ما في هذه الكتب صحيح ؛ فيسلم له هذا ، أما كل ما فيها صحيح ؛ فهذا الذي لا يسلم (قال ابن الصلاح: وهي مع ذلك أعلى رتبة من كتب المسانيد. كمسند عبد بن حُميد، والدارمي، وأحمد بن حنبل، وأبي يعلى، والبزار، وأبي داود الطيالسي، والحسن بن سفيان، وإسحاق بن راهويه، وعبيد الله بن موسى، وغيرهم ) أي هذه الأصول الخمسة أصح من غيرها من كتب الحديث ، وخصوصا المسانيد . والفرق بين السنن و المسانيد ؛
أن السنن تؤلف على الأبواب الفقهية ، ويخرج صاحبها أصح ما يجد من حديث في الباب الذي يريد أن يذكره ، فمثلا يذكر باب دخول الخلاء ، ينتقي أصح ما عنده في باب دخول الخلاء ويذكره بغض النظر عن كون الحديث صحيحا أو ضعيفا ، فقد يكون ضعيفا ولكنه أحسن ما في هذا الباب .
أما في المسانيد ، فلا يعتبرون هذا الشرط بل يخرجون كل حديث وجد عندهم من مسند صحابي معين ، بغض النظر عن حال هذا الحديث .
لذلك كانت السنن أقوى من المسانيد .
قال هنا :
( فإنهم يذكرون عن كل صحابي ما يقع لهم من حديثه) أي أصحاب المسانيد بخلاف أصحاب السنن ؛ فهم يعتبرون شيئا من معنى الصحة ، أما أصحاب المسانيد فلا يعتبرون ذلك . والله أعلم

أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2012, 07:25   #5
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الجزء الخامس

القائد الدميث إلى شرح الباعث الحثيث

الجزء الخامس



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ؛
فهذا المجلس الخامس من مجالس شرح الباعث الحثيث
قال المؤلف رحمه الله :
( وتكلم الشيخ أبو عمرو على التعليقات الواقعة في صحيح البخاري، وفي مسلم أيضاً، لكنها قليلة، قيل: إنها أربعة عشر موضعاً )
المعلق هو ما حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر .
نأخذ مثالا ؛ إن روى الإمام البخاري رحمه الله حديثا فأسقط شيخه أو أكثر من أول الإسناد فهو معلق فربماأسقط شيخه ، وربما أسقط أكثر من شيخه من أول الإسناد ، ويمكن أن يسقطه كله ، فيقول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا ؛ أو قال أبو هريرة كذا وكذا ، وربما يذكر جزءا من الإسناد كأن يقول البخاري مثلا عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بين بهز بن حكيم والبخاري أكثر من راو .
الشيخ أبو عمرو تكلم عن تعليقات البخاري ومسلم ، وذكر أن التعليقات التي في صحيح مسلم قليلة ، قيل إنها أربعة عشر موضعا ، ذكرها النووي في مقدمة شرح مسلم ، وقال ابن حجر : إنها اثنا عشر حديثا ، ووجدت هذه الأحاديث موصولة ماعدا حديثا واحدا ، وذكرها الحافظ العراقي كلها،وذكرهاابن حجر في " النكت على مقدمة ابن الصلاح " .
قال ابن كثير رحمه الله - :
(وحاصل الأمر: أن ما علقه البخاري بصيغة الجزم فصحيح إلى من علقه عنه، ثم النظر فيما بعد ذلك ) فالتعليقات التي في صحيح البخاري نوعان :
النوع الأول وهو ما وصله البخاري في صحيحه في موضع آخر ، أي البخاري يخرج الحديث مثلا معلقا في كتاب الطهارة ثم يخرجه في كتاب آخر أو في نفس الكتاب موصولا ، فيذكره أولا معلقا ، ثم يذكره في موضع آخر موصولا ويذكر شيخه ومن فوقه فهذا لا إشكال في كونه من أصل مادة الكتاب وحكمه حكم البقية المسندة .
والنوع الثاني الذي لم يصله في موضع آخر من كتابه وهوقسمان :
القسم الأول : ما يرويه بصيغة الجزم .
والقسم الثاني :ما يرويه بصيغة التمريض .
صيغة الجزم : هي التي يكون فعلها مبنيا للمعلوم كـ ( قال، حكى ، روى ) .
وصيغة التمريض فعلها مبني للمجهول كـ ( قيل ، حكي ، روي ) .
فيقول ابن كثير : ما علقه البخاري بصيغة الجزم ؛كأن يروي البخاري حديثا عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبهز ليس شيخا للبخاري ؛ فيقول ابن كثير هو من البخاري إلى بهز بن حكيم صحيح، أي الرواة الذين أسقطهم البخاري إلى بهز ثقات ، فبقي عليك أن تنظر في بهز ومن بعده الذين أظهرهم لك البخاري ، والذين أظهرهم هنا بهز وأبوه وجده .
فمعنى الكلام أن البخاري قد علق الحديث هنا إلى بهز بن حكيم ، والخبر صحيح إلى بهز فبقي أن تنظر فيمن بعد ذلك .
فالحديث الذي يعلق عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يذكر فيه أحد من الرجال ، ظاهر كلام ابن كثير الذي أخذه عن ابن الصلاح أنه يكون صحيحا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا لم يذكر أحدا من رجال الإسناد فيكون الإسناد صحيحا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما إذا ذكر بعض رجال السند ؛ فمعنى ذلك أن الإسناد صحيح إلى ذلك الرجل ، ثم انظر في بقية الإسناد ، قالوا لأن البخاري لن يستجيز إطلاق ذلك إلا إذا صح عنده ذلك عنه .
(وما كان منها بصيغة التمريض ) مثل روي وحكي ويروى ويذكر إلى آخره ( فلا يستفاد منها صحة ولا تنافيها أيضاً ) فما علق بصيغة الجزم ؛ فهو صحيح إلى من علق عنه ، أما ما علق بصيغة التمريض ، فلا نستفيد منه ضعفا ولا صحة ، هذا معنى كلام ابن كثير رحمه الله الذي أخذه عن ابن الصلاح . لماذا لا يستفاد منه صحة ولا ضعفا ؟
قال :( لأنه قد وقع من ذلك كذلك وهو صحيح ) أي قد وقع من الأحاديث المعلقة المروية بصيغة التمريض في صحيح البخاري وهي صحيحة ، (وربما رواه مسلم) أي الحديث الذي وقع عند البخاري بصيغة التمريض ، وجد عند مسلم ، وكونه وجد في صحيح مسلم ؛ فلا نستدل بتعليق البخاري الحديث في صحيحه بصيغة التمريض على أنه ضعيف .
هذا ما ذكره ابن الصلاح ، والصواب بعد ذلك كله أن نقول: بما أن الحديث المعلق الذي لم يصله البخاري في صحيحه في موضع آخر لم يشترط البخاري صحته ؛ إذن فالصواب أن ينظر فيه ويبحث عن حاله ، سواء كان التعليق بصيغة الجزم أو بصيغة التمريض ، ثم يحكم عليه بالصحة أو الضعف . هذا هو الراجح في المعلقات عند البخاري في صحيحه .
قال رحمه الله - :
( وما كان من التعليقات صحيحاً فليس من نمط الصحيح المسند فيه) أي إن وجدت حديثا معلقا عند البخاري وهو صحيح ؛ فلا يعني ذلك أنه بنفس قوة الأحاديث المسندة الموجودة عند البخاري ، ولا هو من شرط الكتاب (لأنه قد وسم كتابه "بالجامع المسند الصحيح المختصر في أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه " ) أي الأحاديث المعلقات عند البخاري ليست من شرط البخاري في كتابه ؛ لأنه سمى كتابه الجامع المسند ، أي أحاديثه متصلة الأسانيد ؛ فخرج بذلك الأحاديث التي ليست مسندة ، فليست من أصل الكتاب .
قال :
(فأما إذا قال البخاري " قال لنا " أو " قال لي فلان كذا " ، أو " زادني " ونحو ذلك، فهو متصل عند الأكثر ) أي فهو متصل عند أكثر علماء الحديث ( وحكى ابن الصلاح عن بعض المغاربة أنه تعليق أيضاً ) فقالوا : ( يذكره للاستشهاد لا للاعتماد) أي يذكرها كشواهد لأحاديث أخرى أو متابعات ، ولا يعتمد عليها ( ويكون قد سمعه في المذاكرة ) المذاكرة أن يجلس الشيخ مع آخر فيذكر ما عنده من حديث ، وذاك الآخر يذكر ما عنده أيضا من أحاديث على سبيل التذكر والمدارسة، وهذه تكون أضعف من مجالس التحديث والإملاء ( وقد رده ابن الصلاح ) أي هذه الدعوة من هؤلاء المغاربة ردها ابن الصلاح ( بأن الحافظ أبا جعفر بن حمدان قال : إذا قال البخاري : وقال لي فلان ؛ فهو مما سمعه عرضا ومناولة ) وهذا قول آخر في الصيغ المذكورة ؛ أن هذا ليس من المعلقات بل هو مما سمعه البخاريعرضا ومناولة .
والعرض : هو أن تمسك الكتاب وتقرأ على الشيخ أحاديثه وهو يقرك ، فإن سكت أو قال نعم ؛ فهو حديثه ، وإن اعترض وقال لا ، فهو ليس بحديثه .
والمناولة : أن يناوله شيخه كتابه ويقول له هذا سماعي .
فأبو جعفر يقول هنا : قول البخاري " قال لي فلان " هذه أحاديث أخذها إما عرضا أو مناولة ، وليست سماعا من لفظ الشيخ .
قال أهل العلم : على سبيل التسليم ؛ فله حكم الاتصال .
ولكن أقوالهم هذه مردودة عليهم جميعا ؛ الذين قالوا هو تعليق و الذين قالوا هو عرض أو مناولة ؛ قالوا لأننا وجدنا البخاري يقول في بعض الأحاديث في مواضع " قال لي " ثم وجدناه يذكر نفس الحديث في موضع آخر في كتاب آخر يقول فيه " حدثنا فلان " ، فهذا يوضح أن الحديث عنده بنفس طريقة التحمل .
( وأنكر ابن الصلاح على ابن حزم رده حديث الملاهي حيث قال فيه البخاري : وقال هشام بن عمار ؛ فقال : أخطأ ابن حزم من وجوه ؛ فإنه ثابت من حديث هشام بن عمار )
البخاري رحمه الله روى حديث الملاهي ، وهو حديث أبي عامر أو أبي مالك ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف " هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ، قال فيه : " وقال هشام بن عمار " أي لم يروه بلفظ حدثنا أو أخبرنا أو سمعت هشام بن عمار ؛ بل قال " وقال هشام بن عمار " .
فعده ابن حزم حديثا معلقا ، ورده بناء على ذلك .
وقد شذ ابن حزم - رحمه الله في تضعيفه لهذا الحديث ، لذلك تجد أكثر من يتابعه على تضعيف هذا الحديث من أهل الأهواء الذين يتبعون أهواءهم ؛ لأن صحة هذا الحديث واضحة ، وإليك البيان :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الاستقامة " : " والآلات الملهية قد صح فيها ما رواه البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به داخلا في شرطه " .
وقال الإمام الألباني رحمه الله - : " وهذا النوع من التعليق صورته صورة التعليق ، كما قال الحافظ العراقي في تخريجه لهذا الحديث في المغني ، وذلك لأن الغالب على الأحاديث المعلقة أنها منقطعة بينها وبين معلقها ، ولها صور عديدة معروفة وهذا ليس منها لأن هشام بن عمار من شيوخ البخاري الذين احتج بهم في صحيحه في غير ما حديث " انتهى
والرد الأقوى على ابن حزم في تضعيفه لحديث المعازف ؛ هو ما ذكره ابن كثير رحمه الله - ؛ قال :
( قلت : وقد رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه ، وخرجه البرقاني في صحيحه، وغير واحد، مسنداً متصلاً إلى هشام بن عمار وشيخه أيضاًكما بيناه في كتاب " الأحكام " ولله الحمد)
أي سلمنا لك يا ابن حزم أن الحديث عند البخاري معلق، ولكن خرجه أحمد وأبو داود وغيرهم من العلماء متصلا إلى هشام بن عمار ؛ فالعلة التي تتعلق بها قد زالت ، بل قد رووه أيضا متصلا إلى شيخ هشام بن عمار ، أي أن هشام بن عمار قد توبع عليه .
وقد تكلم عليه الشيخ الألباني رحمه الله في كتابه " تحريم الآت الطرب " بما يشفي العليل ويروي الغليل ، وبين أن الحديث صحيح متصل عن هشام بن عمار وعن شيخه ، فالشبهة ضعيفة جدا ؛ لذلك لا يتعلق بها إلا أهل الأهواء .
قال :
( ثم حكى )أي ابن الصلاح ( أن الأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول سوى أحرف يسيرة )أي :أحاديث قليلة( انتقدها بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره ) أي : أن ابنالصلاح - رحمه الله - حكى أن الأمة تلقت الأحاديث التي في " الصحيحين " بالقبول وحكى ذلكغيره أيضاً وليس ابن الصلاح فقط ، سوى أحرف يسيرة ، أي : ما عدا أحاديث قليلة، فما تلقتهالأمة بالقبول لا يجوز لأحد أن يضعفها ؛ لأنه مسبوق بالإجماع ، ويجب إغلاقهذاالباب في وجوه أهل الأهواء والبدع الذين يتحينون الفرص لهدم سنة النبي - صلى اللهعليه وآله وسلم -
فإذا كان الحديث في الصحيحين وقد تلقته الأمّة بالقبول ولم ينتقده أحدمن الحفاظ فلا يجوز لأحد أن يقدم على تضعيفه ؛ لأنه مسبوق بالإجماع .
سوى أحرف يسيرة عددها مائتان وعشرون حديثاً تقريبا ، انتقدها بعض الحفاظكالدارقطني وغيره ، ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح الأحاديث التي انتقدت على البخاري ، وذكر النووي - رحمه الله - الأحاديث التي انتقدت على مسلم ، ودافع عنها .
قال :
(ثم استنبط )أي ابن الصلاح(من ذلك )أي : من تلقي الأمةلأحاديث الكتابين بالقبول( القطع بصحة ما فيها من الأحاديث)إلا ما انتُقد منها ، أي : أن هذه الأحاديث التي في " صحيح البخاري " وفي " صحيحمسلم " مقطوعٌ بصحتها ما عدا ما انتقده الحفاظ منها .
قال :
( لأن الأمة معصومة عنالخطأ فما ظنت صحته وجب عليها العمل به ) ، الأمة معصومة عن الخطأ لقول النبي - صلىالله عليه وسلم :" لا تجتمع أمتي على ضلالة" ، فما اعتقدت الأمّة أنه صحيح فوجب العمل به( لا بد وأن يكون صحيحاً في نفس الأمر )أي : في حقيقة الأمر .
قال:
( وهذا جيد وقد خالف في هذه المسألة الشيخ محي الدين النووي وقاللا يُستفاد القطع بالصحة من ذلك . قلتُ )أي : ابن كثير(وأنا مع ابن الصلاح فيما عوّلعليه وأرشد إليه والله أعلم ) .
هذه المسألة هيهل أحاديث الصحيحين التي لم تُنتقد تفيد القطع بصحتها ؟
هل هي صحيحة قطعاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أم أنها تفيد غلبة الظن فقط ؟
هنا حصل الخلاف .
ابنالصلاح يقول نعم أحاديث الصحيحين التي لم تُنتقد تفيد القطع.
النووي يقول لا هيتفيد الظن الغالب فقط ولا تفيد القطع .
ونحن نبدأ في المسألة منأوّلها .
قبل أن نتحدث عن أحاديث الصحيحين بخصوصها نتكلم عنالمسألة عموماً ، يجب أن نعلم بداية أن جمهور العلماء قسموا الحديث إلى قسمين :
إلى أحاديث متواترة وأحاديثآحاد .
فما هو المتواتر ؟
المتواتر هو ما رواه جمع كثير عن جمع كثير يستحيل تواطؤهمعلى الكذب من أوله - أي من أول الإسناد - إلى آخره. ويكون مستندهم الحس.
هذا المتواتريفيد العلم اليقيني .
أما أحاديث الآحادفتنقسم إلى ثلاثة أقسام : إلى حديث مشهور وعزيز وغريب ، هذه الثلاثةتُسمى أحاديث آحاد ؛
فالمشهور : هو ما كان في أقل طبقة من طبقات إسناده ثلاثة فأكثر بشرطأن لا يصل إلى حد التواتر ،وسيأتي الكلام عليه بإطالة في موضعه .
وأما العزيز : فما كان في أقلطبقة من طبقات إسناده اثنان.
وأما الغريب : فما كان في أقل طبقة من طبقاته واحد فقط.
إذاً الحديث الذي يرويه واحد أواثنان أوثلاثة أو أربعة أو خمسة ما لميصل إلى حد التواتر هذا يسمى عند أهل العلم حديث آحاد .
والحديث المتواتر سواء كان تواتره تواتراً لفظياً أو معنوياً يفيد اليقين .
والمتواتر اللفظي هو أن يأتي الحديث بنفس اللفظ كقوله " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار "،فيكون بنفس اللفظ .
وأما المعنوي كعذابالقبر مثلاً وردت فيه أحاديث كثيرة ، كحديث الدعاء في الصلاة ؛ " اللهم إني أعوذ بك منعذاب جهنم ومن عذاب القبر " وكالحديث الذي في الصحيحين " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على رجلين يعذبان في قبورهما وما يعذبان في كبير " فهذا يدل على عذاب القبر وذاكيدل على عذاب القبر ، لكن الحديث ليس واحد ، ويوجد أحاديث كثيرة تدل على عذابالقبر فأحاديثه متواترة تواتراً معنوياً ؛ أي أن الأحاديث ليست بنفس اللفظ ولكن كلها تدل على عذاب القبر .
الحديث المتواتر سواءكان تواتره لفظياً أو معنوياً قطعي لا خلاف في ذلك بين أهل العلم .
ولكن الخلاف حصل في أحاديث الآحاد ، فعندنا في حديث الآحاد ثلاثةمذاهب ؛ هل هي تفيد اليقين أم تفيد الظن فيها ثلاثة مذاهب للعلماء :
المذهب الأول : أنها تفيد اليقين ، ومن الذين قالوا بهذا القول ابن حزم ، ودليلهم ؛ هو أن الله سبحانه وتعالى كلفنا بالعملبخبر الآحاد , وبما أن الله سبحانه وتعالى كلفنا بالعمل بخبر الآحاد إذاً فيجب أنيكون الخبر يقينياً ، لماذا ؟ قالوا : لأن الظن لا يُعمل به لقول الله تبارك وتعالى:{ إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } فقالوا إذاً أحاديث الآحادليست ظنية بل هي يقينية لأننا مأمورون بالعمل بها .
المذهب الثاني : مذهب الذين يقولونبأنه لا يفيد إلا الظن ، ودليلهم هو أن كل راوٍ معرض للخطأ وممكن أن يقع منه ، وممكن أن يقع منه أيضاً الكذب ، قالوا بما أن الراوي منالممكن أن يقع منه الخطأ ومن الممكن أن يكذب إذاً فخبره لا يفيد اليقين ، ولكن يفيدالظن ، هذا القول الثاني .
القول الثالث : وهو القول الوسط ، و عندهم فيه تفصيل؛قالوا : أحاديث الآحاد عندنا ليست سواء ؛ فمنها ما احتف به قرائن - والقرينة أمر يشير إلىالمطلوب - ، القرينة دليل يقوي الخبر .
قالوا من أحاديث الآحاد ما احتفّت به قرائن دالةعلى صدقه ، فهذا يفيد اليقين ومنها ما لا يحتفّ به قرائن وهذا يفيد الظن .
قالوا : من هذهالقرائن إخراج الحديث في الصحيحين وعدم انتقاده فهذه قرينة تدل على أن الحديثثابتٌ يقيناً .
وهذا هو القول الصحيح القوي والراجح في المسألة، بل نقل شيخ الإسلام ابنتيمية - رحمه الله - اتفاق أهل الحديث قاطبة على أن أحاديث الصحيحين يقينية الثبوت - أيالتي لم تنتقد - وسيأتي نقل كلام ابن تيمية - رحمه الله - وفي هذه الأقوال بعض الإشكالات خصوصاً الذينيقولون بأن أحاديث الآحاد كلها تفيد الظن ، إذ يُفتح المجال أمام أهلالبدع والضلال لرد هذه الأحاديث خصوصاً في مسائل الاعتقاد فأهل البدع والضلاليقولون ما كان يقينيًّا يُؤخذ به في العقيدة وما كان ظنياً فلا يؤخذ به في العقيدةفأنت عندما تقول بأن أحاديث الآحاد كلها تفيد الظن يسرت لهم السبيل لردّ أحاديثالنبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا القول خطأ .
والحديث إذا احتفت به قرائن أزالتشبهة احتمالية الخطأ من الراوي أو الكذب عنه، كونه قد احتف بقرائن هذه القرائن قوت خبرالراوي بحيث أزالت عنه شبهة أن يكون قد أخطأ الراوي في الحديث أو كذب فيه .
وأماقول الذين قالوا بأن كل الأحاديث تفيد اليقين لأن الله أمرنا بالعمل بها وأن العملبالظن غير جائز فقولهم غير صحيح لأن الظن نوعان:
نوع من الظن بُني على دليل فهذا الظنواجب العمل به كما قال -عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي جاء : "إنما أنا بشروإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " - يعني عنده لسان يستطيع أنيفصح عن حجته أكثر من غيره - " فأقضي له على نحو ما أسمع " - على حسب ما سمعت ، أقضي على حسبما عندي من بينات - " فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار أقطتعها له فلايأخذها " .
أو كما قال -عليه الصلاة والسلام - هذا دليل على أن النبي - صلى الله عليهوسلم - هنا ذكر أنه يقضي بغلبة الظن وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قادراً على أن يقضي باليقين وأن الله سبحانه وتعالى لا يقره على خطأ ؛ لكن أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبين لنا حكماً شرعياً هاهنا أننا نعمل بغلبة الظنوالقاضي يقضي على حسب ما عنده من بينات وأدلة ظاهرة ثم الباطن أمره إلى الله.
إذاًهذا دليل على جواز العمل بغلبةالظن ، وهناك أدلةأخرى كثيرة ذكرها العلماء في كتب المصطلح وفي كتب أصول الفقه.
إذاً فالظن عندنا ظنان:
ظن مذموم وهو الذي ذمه الله في كتابه وهو الظن الذي لا يبنى على دليل وليست معهقرينة .
وظن ممدوح ويجب العمل به وهو الظن الذي معه دليل ومعه بينة .
هذا هو الرد علىالذين قالوا بأن أحاديث الآحاد كلها يقينية ويجب العمل بها لأننا أمرنا بالعمل بهذهالأحاديث .
وأما الذين قالوا بأنها كلها ظنية فقد ذكرنا الرد عليهم أن احتماليةالخطأ واحتمالية الكذب الواردة على الراوي قد ارتفعت وزالت باحتفاف الخبر بالقرائنكأحاديث الصحيحين مثلاً اتفاق البخاري ومسلم على تصحيح حديث ما ؛ قرينة قوية إذالبخاري ومسلم جبلان إمامان في علم العلل في علم الحديث فعندما يصححان حديثا؛ فهذهقرينة قوية على قوة هذا الحديث وصحته .
وتلقي الأمة له بالقبول وعدمانتقاد أحد من علماء الحديث وعلماء العلل لهذا الحديث مع حرص العلماء على بيانالصحيح منها والضعيف قرينة قوية جداً ثانية تدل على أن أحاديث الصحيحين أحاديث قويةويقينية الثبوت . هذا خلاصة ما أردنا أن نذكره في هذا الموضوع .
قال :
( حاشية ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية مضمونه أنه نقلالقطع بالحديث التي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة )بغض النظر عن كونهم منأهل السنة أم ليسوا من أهل السنة هؤلاء كلهم قالوا بالقطع بالأحاديث التي هي فيالصحيحين ( منهم القاضي عبد الوهاب المالكي والشيخ أبو حامد الإسفراييني والقاضي أبوالطيب الطبري والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية وابن حامد وأبو يعلى ابنالفراء وأبو الخطاب وابن الزاغوني وأمثالهم من الحنابلة وشمس الأئمة السرخسي منالحنفية قال : وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم كأبي إسحق الإسفرايينيوابن فورك قال وهو مذهب أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة)مذهب أهل الحديث كلهم،ومذهب السلف عامة .
وهذا الكلام لشيخ الإسلام موجود في " مجموع الفتاوى " (13/ 351)
قال:
(وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطاً فوافق فيه هؤلاءالأئمة ) .
هذا والله أعلم والحمد لله رب العالمين.

أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2012, 07:28   #6
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الجزء السادس

القائد الدميث إلى شرح الباعث الحثيث
الجزء السادس

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، وصل اللهم وسلم وبارك على أشرف الخلق سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
معنا اليوم (النوع الثاني : الحسن )
قال المؤلف رحمه الله :
( وهو في الاحتجاج به كالصحيح عند الجمهور )
الحسن لغة: هو ضد القبح ، وأما اصطلاحا فسيأتي تعريفه بإذن الله تعالى
أما المسألة الأولى التي بدأ بها المؤلف رحمه الله فهي مسألة الاحتجاج بالحديث الحسن ، هل يحتج بالحديث الحسن أم لا ؟ وهل حصل خلاف بين أهل العلم في الاحتجاج به أم لا؟
يقول المؤلف هنا رحمه الله وهو ( أي: الحسن ) في الاحتجاج به كالصحيح ، أي أنه محتج به عند الجمهور.
وقوله هنا عند الجمهور يقتضي أن فيه خلافا ، أي أن العلماء اختلفوا في الاحتجاج بالحديث الحسن ؛ فالجمهور يقبلونه وبعض أهل العلم يردونه ، لكن هل هذا الكلام على إطلاقه ؟
نقل الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عن غير واحد من أهل العلم أنهم نقلوا الاتفاق على أن الحديث الحسن يُحتج به كما يحتج بالصحيح،و المؤلف هنا قال : إن الاحتجاج بالحديث الحسن مذهب الجمهور ، والتوفيق بين القولين هو أن هناك فرقا بين الحديث الحسن لذاته والحديث الحسن لغيره .
الحسن لذاته اتفق العلماء على الاحتجاج به ، وأما الحسن لغيره فهو الذي وقع الاختلاف في الاحتجاج به والجمهور على أنه محتج به ، ومن جميل ما ذكره الشيخ الألباني رحمه الله ولا أعرف أحدا سبقه إلى هذا الاستدلال أنه استدل بقول الله تبارك وتعالى : {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } أي في الشهادة ؛ فاستدل الشيخ - رحمه الله - على حجية الحسن لغيره بهذه الآية وهو دليل قوي ، أي كما قوت شهادة إحدى المرأتين شهادة الأخرى كذلك تقوي رواية الراوي الضعيف رواية ضعيف آخر وهو استدلال قوي وفي محله ، فالقول الصحيح هو قول الجمهور أن الحسن لغيره يحتج بهأما الحسن لذاته فاتفقوا على الاحتجاج به كما ذكر الحافظ ابن حجر - رحمه الله في " النكت " .
هذا ما يتعلق بالاحتجاج بالحديث الحسن .
قال المؤلف – رحمه الله :
(وهذا النوع ) أي : الحسن ( لما كان وسطاً بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر، لا في نفس الأمر ؛ عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة ، وذلك لأنه أمر نسبي، شيء ينقدح عند الحافظ، ربما تقصر عبارته عنه) .
هنا أراد المؤلف رحمه الله- أن يبين السبب الذي لأجله اختلف العلماء في تعريف الحديث الحسن ، فقد حصل بينهم خلاف كبير ، وانتقادات واعتراضات على تعريف الحديث الحسن ، فلماذا حصل هذا بينهم ؟
يقول المؤلف - رحمه الله - : لأنه يقع في الوسط بين الصحيح والضعيف ، في نظر الناظر ، أي في نظر المحدث الذي يريد أن يحكم على الحديث بالحسن أو بالضعف، الحسن في درجة وسطى بين الصحيح والضعيف لا في حقيقة الأمر .
وهو أمر نسبي يختلف من شخص إلى آخر، فربما يحكم شخص على رجل بأنه صدوق لأن حفظه عنده لم يصل إلى درجة الكمال ، وآخر يقول هو ثقة ، ثالث يقول هو ضعيف لأنه لا يعتمد على حفظه ، فبناءًا على ذلك ؛ الذي قال بأن هذا الراوي ثقة يقول حديثه صحيح .
والذي قال بأنه صدوق يقول بأن حديثه حسن .
بينما الذي قال بأنه ضعيف يقول حديثه ضعيف .
فلذلك يحصل الخلاف بينهم أي أن الحسن ليس له ميزان منضبط نستطيع أن نزنه به ونحكم على الحديث بناءًا على هذا الميزان ، ليس هو كيل معين أو وزن معين نقول إن وصل إليه الراوي صار حديثه حسنا ، لا المسألة تختلف من نظر شخص إلى آخر .
هذا هو السبب الذي أختلف العلماء في تعريف الحديث الحسن لأجله .
قال المؤلف رحمه الله :
(وقد تجشم كثير منهم حده) تجشم : أي تكلف بمشقة ، و حَدّه : أي تعريفه ، فتكلف الكثير من العلماء أن يوجدوا تعريفا للحديث الحسن (فقال الخطابي) رحمه الله - صاحب كتاب " معالم السنن " ، شرح سنن أبي داود : ( هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله) هذا أول تعريف للحديث الحسن ، ماذا يعني بقوله ما عرف مخرجه ؟
فسرها العلماء بتفسيرين :
الأول: قالوا معناه ما عُرف من أين خرج الحديث ؛ شامي ، أي أنه خرج من الشام ، خرج من العراق ، خرج من اليمن وهكذا .
وهذا كيف يُعرف ؟
قالوا بأن يكون من رواية راو قد أشتهر برواية حديث أهل بلده كقتادة مثلا، قتادة أشتهر برواية حديث البصريين فإن جاء الحديث عن قتادة علمنا من أين خرج الحديث ؛ من البصرة .
وكأبي إسحاق السبيعي مثلا ، أبو إسحاق السبيعي اشتهر برواية حديث أهل الكوفة فإن جاء الحديث عن أبي إسحاق علمنا أن الحديث خرج من الكوفة ، وكذلك عطاء بن أبي رباح إن جاء الحديث عن عطاء بن أبي رباح علمنا أن الحديث خرج من مكة ؛ لأن حديث المكيين كثير منه يدور على عطاء فلما اشتهر عطاء برواية حديث المكيين .
هذا المعنى الأول الذي ذكره أهل العلم.
والمعنى الثاني لقوله ما عُرف مخرجه ؛ قالوا : أي ما عُرف رجاله ، قالوا لأن كل واحد من رجال الحديث خرج الحديث منه ودار عليه ، وهو كناية عن اتصال السند ،إذ ما فيه انقطاع وشبه انقطاع هذا لا يُعرف مخرج الحديث منه .
فإذاً معنى قول الخطابي ما عرف مخرجه أراد به ما أتصل إسناده .
واشتهر رجاله : اشتهر رجاله بماذا ؟ الكلام هنا لا يصلح ضابطا للمسألة ، لأن الكلام مطلق لم يقيده بشيء معين.
قال العلماء وإن كنا نعلم أنه أراد بقوله اشتهر رجاله أنهم اشتهروا بالعدالة والضبط المتوسط وليس الضبط التام ، لأن الضبط التام لصاحب الحديث الصحيح أما إذا كان الراوي ضبطه متوسطا وليس تاما يكون حديثه حسنا ، قالوا وإن كنا نعلم هذا إلا أن لفظه ينبغي أن يكون مقيدا .
(قال: وعليه مدار أكثر الحديث)يعني أن أكثر الأحاديث الموجودة هي من النوع الحسن (وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء ) ، أي أكثر العلماء على الاحتجاج بالحديث الحسن . ويستعمله عامة الفقهاء ؛ أكثر الفقهاء يعملون به .
( قلت ) والكلام لابن كثير (: فإن كان المعرف هو قوله ) يعني إن كان تعريف الحديث الحسن عند الخطابي هو فقط قوله : (ما عرف مخرجه واشتهر رجاله ) دون تتمة الكلام (فالحديث الصحيح كذلك ) فالحديث الصحيح عُرف مخرجه واشتهر رجاله .
عرف مخرجه : أي أن إسناده متصل .
اشتهر رجاله : اشتهروا بماذا ؟ بالعدالة وبتمام الضبط إذ إنه لم يقيد ولم يقل اشتهر رجاله بالضبط المتوسط كي نخرج الصحيح ، لا ، بل قال : واشتهر رجاله وسكت . إذاً يدخل فيه صاحب الحديث الصحيح ، فلذلك أورد عليه ابن كثير هذا الكلام .
قال فالحديث الصحيح كذلك ( بل والضعيف) أيضا يدخل في هذا التعريف ؛ لأن من نوع الضعيف ما عرف مخرجه واشتهر رجاله ، اشتهروا بماذا ؟ اشتهروا إما بالعدالة وقلة الضبط ، أو بعدم العدالة أيضا ، المهم أنهم مشهورون ، فالشهرة ليست ضابطا دقيقا .
(وإن كان بقية الكلام من تمام الحد ) أي إن كان كلام الخطابي في التعريف قوله : ( هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء ) ؛ قال إن أراد بأن التعريف هو بهذا التمام ( فليس هذا الذي ذكره مسلماً له: أن أكثر الحديث من قبيل الحسان) لم يوافق ابن كثير رحمه الله على أن أكثر الأحاديث هي من قبيل نوع الحسن
قال : ( ولا هو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء) هذا انتقاد على التعريف ؛
وانتقاد آخر :
قالوا وهو أيضا لم يشترط عدم الشذوذ وعدم العلة ، وهما شرطان معتبران في الحسن .
هذا هو التعريف الأول وهذه بعض الانتقادات عليه .
( قال ابن الصلاح: وروينا عن الترمذي أنه يريد بالحسن: أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب) هذا تعريف ثان للحسن ، من يتهم بالكذب هو الذي عُرف بالكذب في كلام الناس ولم يثبت عنه أنه كذب في حديث النبي الله صلى الله عليه وسلم ، لكن مراد الترمذي هنا عندما ذكر هذا أن يكون راويه لا يبلغ درجة صاحب الحديث الصحيح ولا صاحب الحديث الحسن ولا يشتد ضعفه ؛ فيدخل فيه المستور والمجهول ونحو ذلك ، هذا مراد الترمذي . والله أعلم .
( ولا يكون حديثاً شاذاً ) الشاذ مخالفة المقبول لمن هو أولى منه ، فإذا كان الحديث شاذا لا يكون حسنا (ويروى من غير وجه نحو ذلك)
أي لا يكون للحديث إسناد واحد فقط ، بل يكون الحديث قد روي بإسناد آخر يدعم الإسناد الأول حتى يسمى الحديث حسنا .
هذا تعريف الترمذي للحديث الحسن
قال ابن كثير معترضا على تعريف الترمذي :
( قالوا :وهذا إذا كان قد رويعن الترمذي أنه قاله ففي أي كتاب له قاله وأين إسناده عنه) يعني أن ابن كثير لا يسلم بأن هذا الكلام قد قاله الترمذي أصلا ، ويعترض فيقول من أين أتيت به يا ابن صلاح ؟ وقد تعجب العلماء من إنكار ابن كثير هذا مع سعة اطلاعه وقوة حفظه رحمه الله ؛ لأن هذا الكلام موجود في آخر العلل الذي في آخر جامع الترمذي ، فقد وضع الترمذي كتابا صغيرا في العلل في آخر جامعه ، فكلام الترمذي موجود في آخر هذا الكتاب ، فالنقل صحيح من ابن الصلاح ولكن الخطأ من ابن كثير رحمه الله .
قال تتمة لاعتراضه :
( وإن كان قد فُهم من اصطلاحه في كتابه " الجامع " ) يعني لا يخلو الأمر من أحد أمرين يا ابن الصلاح ؛ إما أنك نقلته عن الترمذي وأنه قاله فأين هو ؟ أو أنك فهمته استنباطا من كلام أو من عمل الترمذي في جامعه ؛ فإن كان الأول فأثبته أين وقفت عليه ؟ وإن لم يكن موجودا وقد فهمته فهما من عمل الترمذي (فليس ذلك بصحيح) لا نسلِّم لك بهذا الفهم .
وقلنا بأن الصواب مع ابن الصلاح والكلام موجود في آخر العلل الذي في آخر الجامع .
قال : ( فإنه يقول في كثير من الأحاديث: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ) يستدل الآن ابن كثير على خطأ ابن الصلاح فيما نقله عن الترمذي .
أين الدليل في كلامه ؟ وجه الدلالة قوله : ( غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) ، مع قوله فيه إنه ( حسن ) ، حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، أي أنه لم يأت من وجه آخر ، ليس له إسناد آخر عند الترمذي رحمه الله ، ومع ذلك قال فيه حسن ، فيقول ابن كثير هنا ؛ وفي الكلام الذي نقلته عن الترمذي ؛ يقول الترمذي : يُشترط في الحسن عنده أن يُروى من غير وجه نحو ذلك ، إذاً المسألة الآن صار فيها تناقض .
قلنا بأن الكلام ثابت للترمذي صحيح عنه ، فكيف نجمع بين هذا وبين ما ذكره ابن كثير رحمه الله ؟
قال أهل العلم : الحديث الحسن الذي يقول فيه الترمذي حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه غير الحديث الحسن الذي عرَّفه ، أي أن الحسن قسمان :
القسم الذي عرَّفه الترمذي هو الحسن لغيره ، والقسم الذي يقول فيه هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه يريد به الحسن لذاته .
هذه طريقة الجمع بين كلام الترمذي وعمله .
فالحسن إذاً قسمان: حسن لذاته و حسن لغيره
والترمذي عرَّف الحسن لغيره وما تطرق للحسن لذاته ، بهذه الطريقة نجمع بين كلام الترمذي وبين عمله
ومع ذلك قال أهل العلم تعريف الترمذي للحسن لغيره ليس على طريقة التعريفات .
( قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: وقال بعض المتأخرين:) أراد بذلك ابن الجوزي (الحديث الذي فيه ضعف قريب مُحتمل، هو الحديث الحسن، ويصلح للعمل به)
وهذا تعريف جديد للحسن ، قالوا : الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل ؛ هو الحديث الحسن ويصلح للعمل به ، اعترضوا عليه وقالوا هذا أيضا ليس بمضبوط بضابط يتميز به القدر المحتمل من غيره ، فما هو هذا القدر المحتمل ؟ لا نستطيع أن نميز فيه بين الحسن وبين الضعيف مثلا .
(ثم قال الشيخ: وكل هذا مستبهملا يشفي الغليل) أي غير واضح ، فابن الصلاح يقول الآن ؛ كل هذه التعريفات التي ذكرتها لكم مستبهمة أي غير واضحة ، والغليل : هو حرارة العطش ، أي : هذه التعريفات لا تشفي أي لا تروي المتعطش لفهم الحديث الحسن ، قال :
(وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن الصحيح ) أي تعريفاتهم يمكن أن يدخل فيها الصحيح ، وناقش بعض العلماء كلام ابن الصلاح وقالوا قد أخرج الترمذي - رحمه الله - الصحيح وبعضهم أيضا دافع عن الخطابي ؛ إلا أنها تبقى تعريفات ليست دقيقة ( وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث) أي أكثر النظر و البحث كي يصل إلى تعريف الحسن ( فتنقح لي واتضح ) أي خلص لي وتبين (أن الحديث الحسن قسمان (: أي أنه لن يستطيع في النهاية أن يعرِّف الحسن بتعريف جامع مانع على طريقة التعاريف إلا إذا قسم الحسن إلى قسمين وعرف كل قسم على حدة :
(" أحدهما " : الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور ) يريد الآن أن يعرف الحديث الحسن لغيره ؛ فيقول الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور ، أي أنه لا بد أن يكون فيه ضعف .
والمستور في اصطلاح المحدثين هو الذي عرفت عدالته الظاهرة وهي ما يُعلم من ظاهر حال الشخص ولم تعلم عدالته الباطنة ، هذا المستور في أصله .
لكن قال شيخنا الو ادعي - رحمه الله - : يعني ولو ضعيفا ، أي أنه أراد أن لا يخلو رجال إسناد الحديث من رجل ضعيف (لم تتحقق أهليته) أي لم يثبت أنه أهل لقبول الرواية عنه ( غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ، ولا هو متهم بالكذب ) وهنا نبه أنه لا ينبغي أن يكون صاحب الحسن لغيره شديد الضعف ، فإذا كان متهما بالكذب أو مغفلا كثير الخطأ بحيث يقال فيه في سلم الجرح والتعديل ضعيف جدا أو متروك، فمثل هذا لا يصلح في الشواهد والمتابعات ، ولا يتقوى حديثه .
فشرط الحديث الضعيف الذي يتقوى ويصبح حسنا لغيره؛ هو أن يكون راويه الضعيف ضعيفا ضعفا خفيفا وليس ضعفا شديدا ( ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر ) ومتن الحديث لفظه أي كلام النبي صلى الله عليه وسلم
فإذا روي مثله - مثله يعني مطابق له تماما - تريد أن تقوي مثلا حديث " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " بحديث آخر ، يجب أن يكون إسناد الحديث الضعيف هذا قد روي بنفس المتن " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " نفس المتن مثله .
أو نحوه ؛ أي بمعناه ، أي لو جاء في رواية ثانية مثلا : الطلاق يبغضه الله ؛ فهذا حديث معناه قريب من معنى الأول ففي هذه الحالة يتقوى به ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه .
نحوه : أي بمعناه وليس شرطاً أن يكون مطابقاً له
مثله : أي مطابقاً له
أو نحوه من وجه آخر أي بإسناد آخر سواء كان عن نفس الصحابي أو عن صحابي آخر (فيخرج بذلك ) أي بمجيئه من وجه آخر ( عنكونه شاذاً أو منكراً. ثم قال: وكلام الترمذي على هذا القسم يُتنزل) أي كلام الترمذي ننزله على هذا المعنى أي الحسن لغيره .
إذاً علمنا أن الحسن لغيره هو أن يأتي حديث في سنده ضعف لكن هذا الضعف خفيف وليس شديدا ، فالحديث إذا كان ضعيفا ضعفا شديدا لا يتقوى أبدا ، فلا يتقوى إلا إذا كان ضعفه خفيفا بمعنى أن أحد رواته مثلا قيل فيه سيء الحفظ ، فلان ضعيف ، فلان لا يحتج به ، كلمات تشير إلى الضعف الخفيف في الراوي ، مثل هذا إذا وجدنا له متابعا أو شاهداً قبلنا روايته وأصبح حديثه حسنا .
أما إذا قيل في الرواي كذاب أو متروك أو هالك أو منكر الحديث هذا يدل على الضعف الشديد وهذه كلها ستأتي إن شاء الله في سلم الجرح والتعديل ونعرف هناك ما الذي يدل على الضعف الشديد وما الذي يدل على الضعف الخفيف ، فإن كان الراوي ضعفه خفيفا وجاء حديثه من وجه آخر قُبل وتقوى وصار حسنا لغيره .
( قلت ) الكلام لابن كثير ( لا يمكن تنزيله لما ذكرناه عنه. والله أعلم ) أي لا يمكن أن ننزل ما قاله ابن الصلاح على ما عرّفه الترمذي قبل قليل ؛ لأنه لا يثبت عن الترمذي ، ولأن الكلام هذا إن كان استنباطا فقد بينا بطلانه .
وقلنا بأن كلام الترمذي رحمه الله ثابت عنه فلا وجه لكلام ابن كثير ولا لاعتراضه ها هنا .
(قال: " القسم الثاني " : أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانةولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان) أي أن يكون راويه عدلا مشهورا بالصدق والأمانة ، أي أنه عدل وفي هذه يتفق مع صاحب الحديث الصحيح ، إنما الافتراق بينهما في الحفظ ؛ فصاحب الحديث الصحيح حفظه تام قوي .
وصاحب الحديث الحسن حفظه أقل وأضعف إلا أنه ليس سيئا بحيث يرد حديثه .
( ولا يُعد ما ينفرد به منكراً ) لأن الراوي إذا انفرد بالحديث وعدّوه منكرا فهو من أخطائه ،فلا يصلح أن يُحسّن ( ولا يكون المتن شاذاً ولا معللاً ) كشروط الصحيح ، فهذا تعريف ابن الصلاح للحسن لذاته.
وأقرب التعاريف للصواب - ولا نقول صوابا ، ولكن أقرب التعاريف للصواب - ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله أو قريب منه - وهو أنه نفس تعريف الصحيح : ما اتصل إسناده بنقل العدل الذي خف ضبطه - هذا هو الفرق بينه وبين الصحيح - عن المقبول إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللا .
لماذا أعرضنا عن قولنا " عن مثله " كما قلنا في الصحيح ؟ لأنه لا يشترط في الحسن أن يكون جميع رواة السند قد خف ضبطهم ، بل راو واحد فقط إذا خف ضبطه صار الحديث حسنا ، فأكثر من راوي من باب أولى أيضا يكون حسنا، لكن ليس من شرط الحديث الحسن أن يكون جميع الرواة قد خف ضبطهم ، فلو قلنا عن العدل الذي خف ضبطه عن مثله ؛ لأوهم ذلك أننا نشترط أن يكون جميع رواة السند قد خف ضبطهم لذلك أعرضنا عنها وقلنا عن المقبول ، إذا أقرب التعاريف للصواب أن نقول هو ما اتصل إسناده بنقل العدل الذي خف ضبطه عن المقبول إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللا .
وهو قريب جدا مما ذكره ابن الصلاح هاهنا .
( قال: وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي ) أي على الحسن لذاته (قال والذي ذكرناه يجمع بين كلاميهما)
هذا خلاصة ما ذكر في تعريف الحسن
والخلاصة مرة ثانية أن الحسن ينقسم إلى قسمين:
حسن لذاته وحسن لغيره
والحسن لذاته تعريفه نفس تعريف الصحيح ما عدا قولنا العدل الضابط نغيرها ونقول العدل الذي خف ضبطه ، وبدل قولنا عن مثله نقول عن المقبول . فقط هذا بالنسبة للحسن لذاته .
والفرق بينه وبين الصحيح هو في ضبط الراوي فقط ؛ فصاحب الحديث الصحيح ضبطه قد تم ، بينما صاحب الحديث الحسن خف ضبطه عن صاحب الحديث الصحيح .
أما الحسن لغيره فهو الحديث الضعيف ، ولكن ضعفه ليس شديدا وجاء ما يدعمه ويسنده فصار حسنا لغيره . والله أعلم
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2012, 08:59   #7
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الجزء السابع

القائد الدميث شرح الباعث الحثيث
الجزء السابع

قدمنا في الدرس الماضيتعريف الحديث الحسن وذكرنا أن الحسن قسمان :
الحسن لذاته والحسن لغيره ، وذكرنا أنالحسن لذاته هو ما اتصل إسناده بنقل العدل الذي خف ضبطه عن المقبولإلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللا .
والحسن لغيره هو الحديث الضعيف الذي فيه ضعف خفيف وجاءما يشهد له ويتابعه فيتقوى به إلى درجة الحديث الحسن لغيره .
وذكرنا أن جمهور أهلالعلم على الاحتجاج بالحديث الحسن لغيره ونقل الحافظ وغيره الاتفاق على الإحتجاجبالحديث الحسن لذاته .
قالالمؤلف رحمه الله :
( قال الشيخ أبو عمرو )أي ابن الصلاح(لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة كحديث " الأذنان من الرأس " : أن يكون حسناً، لأن الضعف يتفاوت، فمنه ما لا يزول بالمتابعات، يعني لا يؤثر كونه تابعاً أو متبوعاً، كرواية الكذابين والمتروكين، ومنه ضعف يزول بالمتابعة، كما إذا كان راويه سيء الحفظ، أو روي الحديث عن حضيض الضعف إلى أوج الحسن أو الصحة. والله أعلم.
يريد ابن الصلاح - رحمه الله - أن ينبه في هذه الفقرة على أن الحديث الضعيفليس كله يرتقي إلى درجة الحسن ؛ بل من منه ما ينجبر بالمتابعات والشواهدويرتقي إلى الحسن ويصبح حسناً لغيره ، ومن الضعيف ما لا يرتقي إلى درجة الحسن ويبقىضعيفاً مهما وُجد له من شواهد ومتابعات ، فالضعيف ضعفاً خفيفاً ينجبر ، والضعف الخفيفهذا يُعرف بكلام علماء الجرح والتعديل في الراوي ؛ فإذا قالوا في الراوي مثلاً سيئالحفظ ، أو مدلس أو كان الراوي مجهولالحال أو جاء الحديث مرسلاً ؛ فإن هذا النوع من أنواع الضعف يعتبر ضعفاً خفيفاً يتقوى إن وجدنا ما يشهد لهأو يتابعه .
فالذيأراده ابن الصلاح في هذه الفقرة أن يبين لنا أن الحديث الضعيف منه ما ينجبر ومنه مالا ينجبر ، ومثَّل لما لا ينجبر مع كثرة طرقه بحديث الأذنين من الرأس .
" الأذنان منالرأس " حديث اختلف أهل العلم فيه فبعضهم ذهب إلى ما ذهب إليه ابن الصلاح ؛ وهو أن طرقهكلها واهية ضعيفة جداً لا يَجبر بعضها بعضا ، والبعض ذهب إلى أن بعض طرقه ضعْفه يسيرويتقوى بالبعض الآخر فقوّوا الحديث من هذا الباب ، بل ذهب البعض إلى تحسين بعض طرقهبذاتها .
فالخلاف فيه قوي، وشيخنا الوادعي - رحمه الله - كان يقول في الحديث إنه يُحسَّن أويُصحَّح ، وقال الحافظ ابن حجر : ينبغي أن يمثَّل في هذا المقام بحديث " مَنْ حفظ على أمتيأربعين حديثاً كُتب فقيهاً " .
فقد نقل النووي اتفاق الحُفّاظ على ضعفه مع كثرة طرقه ،فلا يعني أن له طرقا كثيرة أنه يحسّن ويصبح حسناًلغيره ، لا ، لأن طرقه واهية لذلك لا يتقوى بعضها ببعض ، فإذاً ليس كل حديث نجد لهأكثر من طريق يصبح حسناً ، لا ، فيوجد أحاديث ضعيفة ضعفها يسير فهذه تتقوى إن وجدنالها أسانيد أخرى ضعفها يسير ، ويوجد أحاديث ضعفها شديد ولا يوجد لها أسانيد ضعفهاخفيف يتقوى بعضها ببعض فهذه وإن كثرت طرقها لا ترتقي إلى درجة الحسن لغيره ، يعنيالخلاصة ينبغي أن تفرِّق بين الضعيف الذي ينجبر والضعيف الذي لا ينجبر .

ثم قالالمؤلف - رحمه الله - :
( قال وكتاب الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن ) أي أن كتابالترمذي فيه الكثير من الأحاديث الحسان ، وهو يكثر من الحكم على الأحاديث بذلك ( وهو الذي نوّه بذكره) أي : رفع ذكرالحديث الحسن وشهره ،( ويوجد في كلام غيره من مشايخه كأحمد والبخاري وكذا من بعدهكالدارقطني )أي ويوجد إطلاق الحسن على الحديث في كلام غير الترمذي أي الترمذي لميتفرد بإطلاق كلمة الحسن على الأحاديث بل سُبق إلى ذلك ووُجد في كلام غيره من أهلالعلم من مشايخه ومشايخ مشايخه فأحمد - رحمه الله - لم يكن من مشايخ الترمذي بل هو شيخشيوخ الترمذي أما البخاري فهو شيخه ،وكذا مَن بعد الترمذي كالدارقطني وجد في كلامهماستعمال الحسن لكن هل أراد مَن هم قبل الترمذي بالحسن ؛ الحسن الاصطلاحيأم أرادوا معنى اللغوي؟
اختلف أهل العلم في ذلك ؛ فبعضهم قال : أرادوا المعنى الاصطلاحيفي بعض الأحيان،والبعض الآخر قال : لم يرد مَن قبل الترمذي بالحسن المعنى الاصطلاحي ،وأول من استعمل الحسن للمعنى الإصطلاحي هو الترمذي ومَن تمعّن ونظر في كلام السلف لميجد كلاماً واضحاً لهم في إرادة المعنى الإصطلاحي بإطلاقهم لفظ الحسن ، لكن كلماتمحتمِلة تحتمل المعنى الاصطلاحي وتحتمل المعنى اللغوي لذلك حصل الخلاف بين أهل العلمفي هذا الأمر ، ولكن كما ذكرنا السلف الذين لم يطلقوا كلمةالحسن على المعنى الاصطلاحي كانوا يُدخلون الحسن لذاته في الصحيح ، أما الحسن لغيره فكانوايدخلونه في الضعيف المعمول به .
( قال )- رحمه الله -(: ومن مظانِّه) هذه الكلمة يستعملهاالعلماء بمعنى المواضع التي يظن وجود الشيء فيها ، أي كأنه هنا يقول : من المواضعالتي يُظن أن يوجد الحديث الحسن فيها سنن أبي داود .
قال :
(ومن مظانه سنن أبي داود ، رُويناعنه أنه قال) - أي أبو داود رحمه الله - : ( ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه )أما الصحيحفمعروف ،وما يشبهه ويقاربه الحسن .
قالأبو داود رحمه الله :
( وما كان فيه وهن شديد بيّنته )الوهن : الضعف، هاهنا يبين لنا أبو داودالسجستاني رحمه الله صاحب سنن أبي داود أن الحديث الذي فيه ضعف شديديبينه لا يسكت عنه ، إذاً ما سكت عنه أبو داود فليس بشديد الضعف ، هذا ما يُؤخذ منكلام أبيداود ، أييمكن أن يكونضعيفاً ويمكن أن يكون حسناً ويمكن أن يكون صحيحاً ( وما لم أذكر فيهشيئاً فهو صالح)قال شيخنا مقبل الوادعي - رحمه الله وبارك في عمله - : الذي لم يذكرفيه شيئاً - أي أبو داود - منه ما هو في صحيح البخاري ومنه ما هو صالح للحُجية ليس فيصحيح البخاري ولكنه صحيح أو حسن ومنه ما هو صالح للشواهد والمتابعات .
قال الشيخرحمه الله : كلامه هذا يُطبّق في كتابه فإذا لم يقل في الحديث شيئاً نعرف أنه صالح أوصحيح ،أي صالح في الشواهد والمتابعات أو صحيح .
قال شيخنا رحمه الله : طالب العلملا بد أن يبحث ويحكم على الحديث الذي يستحق الصحة بالصحة والذي يستحق الحُسن بالحُسنوالذي يستحق أن يكون صالحاً في الشواهد والمتابعات كذلكالذي هو ضعيف ، إذاً فقولأبي داود رحمه الله : وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح ، أي منه ما هو صالح للحجيةومنه ما هو صالح للشواهد والمتابعات .
قال : ( وبعضها أصح من بعض ) أي أنالأحاديث التي في كتاب السنن تتفاوت فبعضها أقوى من بعض .
(قال :وروي عنه )أي عن أبي داود ( أنهيذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه ) أي أنه يذكر في كلباب أصح ما عرفه فيه من الأحاديث ولا يعني ذلك أنه صحيح ، ولكنهأجود من غيره ، هذا الذي يريده بكلمة : أصح ما عَرف فيه أي أنه أجود من غيره في هذاالباب . هذا معنى كلام أبي داود رحمه الله .
( قلتُ)ابن كثير ( ويُروى عنه أنه قالوما سكتُّ عنه فهو حسن )لكن هذه اللفظة : " فهو حسن " بدل قوله فهو صالح ، لا تصح، لأن المحفوظ عنه أنه قال : فهو صالح، وابن كثير رواها بصيغة التمريض التي تُشعربضعفها وقد أشار الحافظ في النكت إلى عدم ثبوتها ، أشار إشارة إلى هذا فالصحيحالمحفوظ عنه أنه قال : " وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح " ، فيدخل في ذلك ما كان صالحاًللاحتجاج أو صالحاً للاستشهاد والمتابعة .

( قال ابن الصلاح : فما وجدناه في كتابهمذكوراً مطلقاً) أي لم يذكر فيه شيء إنما ذكر الحديث وسكت( وليس في واحد من الصحيحين )أي ليس في البخاري ولا في مسلم (ولا نص على صحته أحد)من العلماء والأئمة في الحديث(فهو حسن عند أبي داود ) قال الذهبي رحمه الله في تعليقه على كلام أبي داود : قد وفّىفإنه قد بيّن الضعيف الظاهر وسكت عن المحتمل فما سكت عنه لا يكون حسناً عنده ولا بدكما زعمه ابن الصلاح وغيره بل قد يكون مما فيه ضعف .
فالذهبي رحمه الله هاهنا قد ردكلام ابن الصلاح الذي فيه حمْل الأحاديث التي في سنن أبي داود والتي سكت عنها علىالحُسن والتي ليست في الصحيحين ولا نص أحد من الأئمة على صحته ، قال هي تُحمل علىأنها حسنة ، فالذهبي رحمه الله رد كلام ابن الصلاح وذكر أن من هذه الأحاديث التيسكت عنها أبو داود منها ما هو في درجة الحَسن ومنها ما هو في درجة الضعيف ، ذكره عنهالسُّبكي في طبقات الشافعية ، والصحيح كما قال شيخنا الوادعي رحمه الله أن طالب العلميأخذ الحديث ويبحث عن حاله ، يجمع طرقه وينظر فيه ويحكم عليه بما يستحق من صحة أو حسنأو ضعف هذا هو الراجح في جميع الأحاديث الموجودة في كتب السنن والمسانيد ما عداالصحيحين ، صاحبا الصحيحين اشترطا الصحة ووفّيا بشرطهما فما لم ينتقده العلماء منأحاديثهما فلا ينبغي لأحد أن يتجرأ على ذلك ولا أن ينتقد أو يضعِّف شيئاً من أحاديثالصحيحين ما لم يُسبق إلى ذلك أما بقية السنن والمسانيد والصحاح فكل هذه ينظرطالبالعلم في أحاديثها ويحكم عليها بما تستحق هذا أرجح الأقوال في هذه المسألة .
( قلت )الكلام لابن كثير(الروايات عن أبي داود بكتابه السنن كثيرة جداً ويوجدفي بعضها من الكلام )أي من كلام أبي داود على الأحاديث( بلوالأحاديث ما ليس في الأخرى)، فروايات تلاميذه عنه لكتابهالسنن كثيرة ويوجد في روايات بعض تلاميذه عنه مِن نقْل كلام أبي داود ما لا يوجد فيالروايات الأخرى ،مثلاً تجد في رواية اللؤلؤي من كلام منقول عن أبي داود في نقد بعض الأحاديث ما لاتجده في رواية ابن داسة أو في رواية الرملي ، ورواية اللؤلؤي أكملالروايات بالنسبة لسنن أبي داود .
قال الحافظ ابن حجر في رواية أبي الحسن ابنالعبد عن أبي داود من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في روايةاللؤلؤي ، أبو الحسن ابن العبد أحد تلاميذ أبي داود واللؤلؤي أيضاً أحد تلاميذ أبيداود الذين نقلوا عنه سنن أبي داود فيقول الحافظ ابن حجر في رواية أبي الحسن ابنالعبد عن أبي داود من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في روايةاللؤلؤي وإن كانت روايته أشهر ، أي رواية اللؤلؤي .
ثم ذكر حديثاً وذكر أنه في بعضالروايات تكلم على الحديث بكلام ذُكر بعضها في رواية ثانية وذكر أن أبا داود ضعَّفحديثاً خارج السنن وسكت عنه فيها ، فثبت إذاً عن أبي داود أنه ضعف بعض الأحاديث التيسكت عنها في سنن أبي داود إذاً فلا يصح أن نحمل كل الأحاديث التي سكت عنها أبو داودفي سننه على أنها حسنة .

قال :
(ولأبي عبيد الآجري عنه أسئلة في الجرح والتعديلوالتصحيح والتعليل كتاب مفيد)مطبوع (ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه فقوله : وما سكت عنه فهو حسن ، ما سكت عليه في سننه فقط أو مطلقاً ؟ هذا مما ينبغي التنبيهعليه والتيقظ له )يريد ابن كثير أن يذكر هنا أن لأبي داود كلاما كثيرافي الأحاديث وسكت عن الكثير منها سواء في السنن أو في غيرها من المواضع ، فهلكلام ابن الصلاح؛ بأن الحديث الذي سكت عنه أبو داود يعتبر حسناً ، هليريد بذلك أحاديث السنن أم أحاديث السنن وغيرها ؟ هذاما يريد أن يذكره ابن كثير - رحمه الله - وقد اعترض أهل العلم على هذا الاعتراض ، فقالواكلام ابن الصلاح واضح في أنه يتكلم عن السنن لا يتكلم عن غيرها والله أعلم.
وعلى كلحال خلاصة هذا الموضوع هو ما ذكرناه أن كل حديث ينظر فيه طالب العلم ويحكم عليه بمايستحق .
ثم قال رحمه الله
( قال : وما يذكره البغوي )البغوي الحسين بن مسعود الفراء أبو محمد صاحب كتاب مصابيح السنة وكتاب شرح السنة(في كتابه المصابيحمن أنالصحيح ما أخرجاه أو أحدهما وأن الحسن ما رواه أبو داود والترمذي وأشباههما)في كتابه المصابيح اتبعاصطلاحاً خاصاً به ؛ فبدل أن يُخرِّج الحديث يذكر الحديث ثم يقول صحيحويذكر الحديث ثم يقول حسن فيُطلق الصحيح على ما أخرجهالبخاري أو مسلم أو ما أخرجه البخاري ومسلم معاً فيسميه صحيحاً ويطلق الحسن على مارواه أبو داود والترمذي وأشباههما فيقول فيه : حديث حسن فالذي لا يعرف اصطلاح البغوي يظن أن الصحيح هوبمعنى الصحيح عند أهل الحديث والحسن هو الحسن عند أهل الحديثبالاصطلاح المعروف (فهواصطلاح خاص لا يُعرف إلا له وقد أنكر عليه النووي ذلك لما في بعضها من الأحاديثالمنكرة )،قالوا : لكن هنا البغوي اصطلح اصطلاحاً خاصاً أي أن كلمة الصحيح والحسنعند البغوي كلمة تخريج وليست كلمة حكم على الحديث ، لكن الكلمة عند أهل الحديث هي حكمعلى الحديث فعندما تقول صحيح أي معمول به ، حسن أي معمول به ، ضعيف أي غير معمول به غيرمقبول أما عندما تقول صحيح عند البغوي فمعناها أخرجه البخاري أو أخرجه البخاريومسلم أو أخرجه مسلم وعندما تقول حسن أي أخرجه أبو داود أو أخرجه أبو داود والترمذيوهكذا إذاً فهي كلمة تخريج وليست كلمة حكم على الحديث عند البغوي في المصابيح وهذااصطلاح خاص بالبغوي ؛ ولذلك انتقده بعض أهلالعلم عليه فقالوا بعض الأحاديث التي يذكر فيها هذا هي منكرة فكيف يقول فيها حسن ؟قالوا لهم هذا اصطلاح له وأراد به التخريج ، ما أراد به الحكم على الحديث ولا مُشاحة في الإصطلاح إذا بيّن الشخص اصطلاحهوبين مراده في أول كتابه فلا يُنتقد ولا يُعترض عليه ، ويقال لا مشاحة في الاصطلاح بشرط أن لا يبني على اصطلاحه أحكاماًشرعية مخالفة للصواب . والله أعلم .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2012, 09:00   #8
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الجزء الثامن

القائد الدميث شرح الباعث الحثيث
الجزء الثامن


تقدم معنا في الدروس الماضية مبحث الصحيح والحسن وتقسيمالحديث إلى صحيح وحسن وضعيف
وذكرنا أن الصحيح هو ما اتصل إسناده بنقل العدلالضابط عن مثله إلى منتهاه ، ولا يكون شاذاً ولا معللا

وعنى أهل الحديثبالاتصال : سماع كل راوٍ من الذي يليه
والإسناد عندهم هو سلسلة الرواة الموصلةإلى المتن
فاتصال الإسناد أي سماع كل راوٍ من رواة الإسناد من الذي يليه من أولالإسناد إلى منتهاه ، ويجب أن يكون راوي الحديث الصحيح عدلاً .
وعنى أهل العلمبالعدل المسلم البالغ العاقل الخالي من أسباب الفسق وخوارم المروءة .
واشترطوا أيضاًكي يقبلوا منه الحديث أن يكون حافظاً ضابطاً ، والضبط هو الحفظ وهو نوعان : ضبط صدروضبط كتاب ، وضبط الصدر أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء ، وضبطالكتاب هو صيانته لديه مذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه
و من شروط الصحيحأن لا يكون شاذاً والشاذ هو مخالفة المقبول لمن هو أولى منه ، فإن خالف الراويالثقة أو الصدوق من هو أولى منه بالحفظ أي أحفظ منه أو مَن هم أكثر منه عدداً يسمىحديثه شاذاً أي لا يعتبر صحيحا ، وأما المعلل فهو ما فيه علة خفية قادحة فالحديث إذاكان معللا لا يكون صحيحاً .
هذا هو الصحيح وهذه شروطه التي قدمنا ذكرها.

وعرفنا الحسن وذكرنا أن الحسن قسمان : الحسن لذاته والحسن لغيره .
الحسنلذاته هو ما اتصل إسناده بنقل العدل الذي خف ضبطه عن المقبول إلى منتهاه ولا يكونشاذاً ولا معللا
هذا الحديث يسمى حسناً لذاته .
صفة الحديث الحسن لذاته هينفس صفة الحديث الصحيح إلا أنه يختلف عنه بأن أحد رواته قد خف ضبطه عن ضبط أصحابالصحيح فما كان حفظه قوياً ومتيناً كحفظ أصحاب الصحيح وجائز أن يكون في إسنادالحديث الحسن راوٍ واحد أو أكثر قد خف ضبطهم ، فإذا وجد في إسناد الحديث الحسن راوٍواحد أو أكثر قد خف ضبطهم يسمى هذا الحديث حديثاً حسناً لذاته ، أي هو حسن بمفردهقائم بذاته ، ولكن قد حصل في بعض رواته بعض الخلل في حفظه ولكن هذا الخلل لم ينزلهعن رتبة الاحتجاج ، هذا الحسن لذاته.

وذكرنا أن الحسن لهقسم آخر وهو الحسن لغيره
والحديث الحسن لغيره هو الذي يكون في أصله ضعيفاً ، بسبب ضعف أحد رواته ولكن ضعفه ليس شديداً ؛ لأنالضعف منه ما هو شديد ومنه ما هو خفيف فإذا كان الضعف شديداً لا يتقوى الحديث ولايشتد بغيره ، أما إذا كان الضعف خفيفاً تقوى إذا جاء ما يشهد له أو من يتابع راويهفإذا جاء ما يشهد له أو وجدنا متابعة لراويه الضعيف تقوّى به وشد عضده وارتقى إلىأن يكون حسناً لغيره بعد أن كان ضعيفا ، وهذا كشهادة المرأة مع المرأة ، شهادةالمرأة وحدها لا تُقبل لكن إن أعانتها أختها وشهدت معها قُبِلت واحتج بهاوعُمل بها كذلك الحسن ؛ فالحديث الضعيف ضعفاً خفيفاً إذا وُجد حديث آخر ضعيفضعفاً خفيفاً يشهد له يقويه ويُعمل به لأن غلبة الظن هنا حاصلة في أن هذا الحديثثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا الحديث الحسن لذاته والحسن لغيره

وذكرنا بداية أن الحديث ينقسم عند أهله إلى صحيح وحسن وضعيف وتقدمت معنابعض هذه المباحث

ومن المباحث التي تقدمت معنا أيضاً أن البخاري رحمه اللهومسلماً قد جمعا الكثير من الأحاديث الصحيحة في كتابيهما ولكنهما لم يستوعبا كلالأحاديث الصحيحة في كتابيهما وتركا الكثير منها ويوجد في غيرالبخاري ومسلم من الأحاديث الصحيحة الشيء الكثير؛ في سنن أبي داود والترمذي والنسائيوابن ماجه وفي مسند أحمد وفي غيرها من كتب السنن والمسانيد ، وذكرنا أن الأحاديثالتي في كتب الصحاح وفي كتب السنن لا يطلق القول بصحتها إلا أحاديث الصحيحين التي لم تُنتقد ؛ فكلها صحيحة وتؤخذ بالتسليم أما التيانتقدت فهذه لا تؤخذ بالتسليم بل يُنظر فيها ، ينظر كلام الناقد ويقارَن بينهوبين تصحيح صاحب الصحيح ؛ البخاري أو مسلم وينظر الصواب مع من ويُتَّبَع ، هذا هوالراجح في الأحاديث التي انتُقدت على الصحيحين
والراجح أيضاً في أحاديثالصحيحين التي لم تُنتقد أنها تفيد اليقين ؛ سواء الأحاديث المتواترة أو أحاديث الآحادالتي احتُفت بالقرائن - ومنها أحاديث الصحيحين كلها - فهذه تفيد اليقين وأما حديث الآحادالذي لم يحتف بالقرائن فيفيد الظن ، فهذه مباحث مرت معنا فيما تقدم منالدروس الماضية ، وهذا تلخيص سريع لمجملها

وفي أثناء شرحنا للباعث أنهيناالكلام عن كتاب المصابيح للبغوي ثم قال المؤلف رحمه الله :
( قال ) أي ابن الصلاح( والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن إذ قد يكونشاذاً أو معللا )


أي إن مر بك قولٌ لبعض أهل الحديث في حديث من الأحاديث: إسناده صحيح أو إسناده حسن ، لا يلزم من قوله في الحديث إسناده صحيح أو إسناده حسنأن الحديث صحيح أو حسن لماذا ؟
لأننا ذكرنا بأن شروط الصحيح خمسة،وكذلك شروط الحسن؛
اتصال السند بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولايكون شاذاً ولا معللا
هذه خمسة شروط لا بد أن تتوفر في الحديث الصحيح والحسن مع فارق الضبط التام في الصحيح و الضبط الخفيف فيالحسن
هذه الشروط الخمسة إن توفرت حُكمعلى الصحيح بالصحة أو بالحُسن ، لكنقول المحدث في الحديث : إسناده حسن أو إسنادهصحيح ضَمِنَ لنا ثلاثة شروط من شروط الصحة أو الحُسْن ؛ فإذا قال في الحديث إسنادهصحيح يعني أنه حديث رواه الثقات وسمع كل واحد منهم من الآخر من أول الإسناد إلىمنتهاه ، هذا الذي ضَمنه لنا ، وهو معنى قوله إسناده صحيح ولا يعني ذلك أنه ليس بشاذٍ ولا معلل ، لم يضمن لنا عدم الشذوذ وعدم العلة ممكن أن يكونالحديث إسناده صحيح ولكنه معلل أو إسناده صحيح ولكنه شاذ ، وممكن أن يكون إسنادهحسناً ولكنه مُعَلّ أو شاذ

أما إذا قال : هذا حديث صحيح فقد التزم بقوله هذا بأن هذا الحديث قد توفرت فيه الشروط الخمسة : إتصال السند بنقل العدل الضابط مع عدم الشذوذ وعدم العلة

إذاً ، فلا يلزم من قولك إسناده صحيح أن يكون الحديثصحيحاً ولا إسناده حسن أن يكون الحديث حسناً .

ومثال ذلك : حديث تحريكالأصبع الذي رواه زائدة بن قدامة ، فإذا نظرت في إسناده قلت إسناده صحيح ،لكن إذا جمعت طرقه تبينت لك المخالفة و تبين لك أن زائدة قد خالف الرواة الآخرون فيذكر التحريك . كذلك الحديث المعلل ؛ إذا نظرت إلى إسناده تجده إسنادا صحيحاًولكن إذا جمعت طرقه تبينت لك العلة فيه .
والمحدث الحافظ لا يقول في الحديث إسناده صحيحوإسناده حسن ويترك الحكم بالصحة عليه مطلقاً إلا وفي نفسه شيء من هذا الحديث كماقال الحافظ ابن حجر .
قال - رحمه الله - : " الإمام من أئمة الحديث لا يعدل عنقوله صحيح إلى قوله صحيح الإسناد إلا لأمر ما " أي وُجد شيء في نفسه بسببهذا الشيء حكم على الإسناد ولم يحكم على الحديث بالكامل فينبغي التنبه لهذا فبعضطلبة العلم يقع في هذا الزلل ويقول في الحديث : صححه الدارقطني وصححه فلان ، وإذا رجعت إلى كلام الدارقطني وغيره وجدته يقول إسناده حسن أو إسنادهصحيح ، فهذه الكلمة لا تكفي في الحكم على الحديث بالحُسن أو بالصحة .
ثم قال المؤلف رحمه الله :
( وأما قول الترمذي. " هذا حديث حسن صحيح " فمشكل، لأن الجمع بينهما في حديث واحد كالمعتذر، فمنهم من قال: ذلك باعتبار إسناد حسن وصحيح )

يريد المؤلف - رحمه الله - أن يصل إلى معنى قول الترمذي في بعض الأحاديث هذا حديث حسن صحيح ، وقد علمنا أنالصحيح شيء والحسن شيء آخر ، فالحسن أنزل من الصحيح رتبة فكيف يجتمع معه ويكونالحديث حسناً صحيحاً ؟

هذا مما أشكل على أهل العلم فاختلفوا في فهم مرادالترمذي من هذه الكلمة ، فقال المؤلف هنا: ( فمُشكل ) أي هذا الكلام مشكل ؛ كيف جمعبينهما ؟
فطريقة فهم كلام الترمذي ؛ أن بعض أهل العلم قال : ذلكباعتبار إسنادين : حسن وصحيح أي كأن الترمذي عنده للحديث الذي قال فيه حسن صحيحإسنادان ، الإسناد الأول : صحيح والإسناد الثاني حسن ، أي كأنه يقول : هذا الحديث جاءبإسناد صحيح وجاء بإسناد حسن ، هذا اجتهاد لبعض أهل العلم في فهم معنى كلام الترمذيحديث حسن صحيح فاعترض عليه ابن كثير - رحمه الله - فقال
(قلتُ : وهذا يردّه أنه يقولفي بعض الأحاديث : هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه(
وهذا اعتراض في محله ؛ إذاً المعنى الذي ذُكِر في تفسير كلام الترمذي لايصح ،لأنه يقول في بعض الأحاديث : هذا حديث حسن صحيح غريب - أي تفرد به بعضالرواة - لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، أي ليس له إلا إسناد واحد ، إذاً فالقول بأن الترمذي يريد بقوله حسن صحيح أن له إسنادين ؛ غير صحيح ،مردود بما ذكر ؛ فما هو الصواب ؟
عندنا قولآخر
قال :
( ومنهم من يقول : هو حسن باعتبار المتن صحيح باعتبارالإسناد(
أي أنهيريد بقوله (حسن ) وصف المتن بأنه حسن ، و بقوله ( صحيح ) الحكم على الإسناد بأنهصحيح.
هذا قول آخر
والمراد بوصف المتن بأنه حسن : المعنى اللغوي أي أن هذاالمتن تُقبل عليه النفوس وتصغي إليه الأسماع ؛ لأن متنه جميل يُستظرَف ويُستعذبويعجب معناه سامعه ويستحسنه . فاعترضوا عليه ،قال : (وفي هذا نظر أيضا )أي لا يسلم ( فإنه يقول ذلك في أحاديث مروية في صفة جهنموفي الحدود والقصاص ونحو ذلك ) وهذه الأحاديث التي فيها وصف جهنم ووصف لعذابهاونارها ، وفيها حدود وقصاص قتل وتقطيع وجلد ، هذه لا ينطبق عليها معنى الحسن اللغويإذاً فهذا القول أيضاً ضعيف.
قال ابن كثير - رحمه الله - : (والذي يظهر لي أنهيُشرِّب الحكم بالصحة على الحكم بالحسنِ كما يُشرِّب الحُسْنَ بالصحة )
يعني أن الترمذي - رحمه الله - عنده درجة وسطى بين الصحيح والحسن ، فإذا كان الحديث في أنزل درجات الصحة يعطيه شيئاً من معنىالحسن فينزل إلى رتبة متوسطة بينهما فيصبح حسناً صحيحا وإذا كان الحديث في أعلىمراتب الحسن يُشرِّبه شيئاً من الصحة فيصبح في درجة متوسطة بين الصحيح والحسن .
قالابن كثير - رحمه الله - : (فعلى هذا يكون ما يقول فيه حسن صحيح أعلى رتبة عنده منالحسن ودون الصحيح ، و يكون حكمه على الحديث بالصحة المحضة ) أي التي ليس معها الحسن ( أقوىمن حكمه عليه بالصحة مع الحُسْنِ .والله أعلم )أي درجة وسطى هي أنزل من درجة الصحيحوأعلى من درجة الحسن .

هذا ما ذهب إليه ابن كثير - رحمه الله - في تفسير كلامالترمذي ، وهو أقرب الأقوال إلى الصواب ؛ وإن اعترض عليه بعض أهل العلم ولكنهم لم يعترضوا عليه بشيء واضح إنماقالوا هذا كلام فيه تحكم ، وعلى كل حال لا نستطيعأن نجزم بأن الترمذي أراد هذا المعنى أو الذي قبله أو الذي قبله وعلى كل حال نحننحكم على كل حديث موجود في سنن الترمذي ولم يخرجه البخاري ولا مسلم ؛ بمايستحقه من صحة وضعف بعد البحث عن طرق الحديث ومعرفة حال رجاله ومعرفة شواهدهومتابعاته ، فنحكم عليه بما يستحق من صحة وضعف ؛ هذا هو الراجح في هذه المسألة .


النوع الثالث : الحديث الضعيف
(قال ) : أي ابن الصلاح في علوم الحديث ( وهو ما لم يجتمع فيه صفاتالصحيح ولا صفات الحسن المذكورة فيما تقدم ) أي إذا انتفت صفة من صفاتالحديث الصحيح أو صفة من صفات الحديث الحسن نزل من رتبة الصحيح إلى رتبة الضعيف .

فالحديث الذي لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن يكون حديثاً ضعيفاًولا بد .

( ثم تكلم على تعداده وتنوعه ) لأن الحديث الضعيف له أنواع (باعتبار فقدهواحدة من صفات الصحة أو أكثر أو جميعها ) ، أي : إذا فقد الحديث الصحيح صفة من صفاتهأعطانا نوعاً من أنواع الضعيف ، وإذا فقد صفتين أعطانا نوعاً آخر ، وإذا فقد ثلاثأعطانا نوعاً ثالثاً ، وإذا فقد أكثر من صفة أعطانا أكثر من نوع من أنواع الضعيف .
قال : ( فينقسم حينئذ إلى الموضوع والمقلوب والشاذ والمعللوالمضطرب والمرسل والمنقطع والمعضل وغير ذلك ) وكلها ستأتِي - إن شاء الله - معنا في أنواعمفردة في المباحث القادمة .

النوع الرابع : المُسند

المسند عند المحدثين يطلق ويراد به الكتاب الذي جُمِع فيه ما أسندهالصحابة أي ما رَوَوْه من أحاديث ، كأن تأتي لأحاديث أبي هريرة وتجمعها على حدة ، وتأتيلأحاديث عمر وتجمعها على حدة وهكذا وتضعها في كتاب تسميه مُسنداً كمسند الإمام أحمد ومسند أبييعلى ومسند البزار وغيرها .

هذا معنى من معاني المسند.

والمعنى الثاني هو الذي سيذكره المؤلف رحمه الله قال : ( قال الحاكم) الحاكم النيسابوري في كتابه " معرفة علوم الحديث " قال : ( هو مااتصل إسناده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم( -


إذاً يُشترط فيالحديث - عند الحاكم- كي يسمى مسنداً أن يكون إسناده متصلا ؛ هذا واحد ، وأن يكون مرفوعاًإلى النبي - صلى الله عليه وسلم ؛ هذا شرط ثانٍ .

( وقال الخطيب ) أي الخطيب البغدادي ( هو ما اتصلإلى منتهاه)
المسند عند الخطيب يختلف عن المسند عند الحاكم؛ فالخطيب :قال المسند هو ما اتصل إلى منتهاه ، فعنده شرط واحد للمسندفقط هو الاتصال ، فإذا ورد خبر من الأخبار بسند متصل يسميه الخطيبمسنداً لأنه قال هو ما اتصل إلى منتهاه ، سواء انتهى إلى تابعي ، إلى صحابي إلىالنبي - صلى الله عليه وسلم - يسمى هذا مسنداً عند الخطيب .

( وحكى ابن عبدالبر ) هذا قول ثالث ( أنه المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواء كانمتصلاً أو منقطعا ) فعند ابن عبد البر شرطواحد أيضاللمسند لكنه يختلف عن شرط الخطيب.
فقداشترط الخطيب ليسمي الحديث مسندا أن يكون متصل الإسناد

وأما ابن عبد البر فاشترط أنيكون مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بغض النظر عن إسناده وعن حاله؛ فإذا قلت أنت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم رفعت الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا عند ابنعبد البر يسمى مسنداً

قال رحمه الله - :
(فهذه أقوال ثلاثة)فما هو الراجح ؟
السلف علماءالحديث عندما كانوا يطلقون المسند ماذا كانوا يقصدون بهذه الكلمة ؟

قالالحافظ ابن حجر رحمه الله : والذي يظهر لي بالاستقراء - أي بعد تتبُّع كلام أهلالحديث واستقراء مؤلفاتهم - من كلام أئمة الحديث وتصرُّفهم أن المسند عندهم ماأضافه من سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه بسند ظاهره الاتصال .

فالمسند عند الحافظ ابن حجر له شرطان وتنبه
للفرق بين كلام الحافظ ابن حجر وكلام الحاكم ، الحاكم ماذا قال؟
قال هو ما اتصل إسناده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
والحافظابن حجر قال : ما أضافه من سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه أي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
يشترط أن يكون مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا ذكره الحاكم .
الشرط الثاني هو الذي يختلف فيه كلام الحافظ ابن حجر معكلام الحاكم؛

" بسند ظاهره الاتصال " الشرط الثاني عند الحافظ ابن حجر أن يكون السند ظاهره الاتصال أي إذا كان فيالإسناد انقطاع خفي أو خفيف يدخل في المتصل عند الحافظ ابن حجر ، أما عند الحاكم فلايدخل لأن ابن حجر قال:
" بسند ظاهره الاتصال " ، وأما الحاكم قال :ما اتصل إسناده ، فلا بد أن يكونمتصلاً حتى يسمى مسنداً عند الحاكم

هذا الفرق بين كلام الحاكم وكلام الحافظابن حجر رحمهم الله جميعا

هذا ما يتعلق بتعريف المسند
من أين أخذ الحافظ ابن حجرهذا ؟
أخذه من الاستقراء؛
نظر إلى مسند الإمام أحمد مثلاً وجد أنالإمام أحمد يُدخل في كتابه بعض الأحاديث التي فيها انقطاع خفيف ، فيها إرسال خفي، فيها تدليس ، يدخل في كتابه أحاديث كهذه ، فقال يريدون بالمسند ما أضافه مَنْسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسند ظاهرهالاتصال ؛ لأنهم يدخلون في كتبهم التي ألفوها على أنها مسندة يدخلون فيها الأحاديثالتي هذه صفتها ، من هنا أخذ الحافظ ابن حجر تعريفه هذا والله أعلم.


النوع الخامس : المتصل

ما هو المتصل ؟
المتصل هو ما اتصلإسناده بسماع كل راوٍ ممن فوقه من أول الإسناد إلى منتهاه .
إذا روى لناالإمام مالك - رحمه الله - حديثاً مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى اللهعليهوسلم - لا بد أن يكون مالك قد سمع من نافع ونافع قد سمع من ابن عمر وابن عمرسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - كي يسمى هذا الإسناد إسناداً متصلا فالمتصلهذا وصفه.
قال المؤلف رحمه الله - :
(ويقال له الموصول أيضا ) ، يقال له المتصل ويقال له الموصول ( وهو ينفيالإرسال والانقطاع ) أي إذا كان الإسناد متصلاً لا يكون مرسلاً
وقد تقدم معناالمرسل ؛
فقلنا : هو ما أضافه التابعي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ،التابعي لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا لا يكون متصلاً ، وهلهو حجة ؟ لا ليس بحجة هو من قسم الضعيف وهو ينفي الإرسال والانقطاع .
الانقطاع هنا : ما فيه سقْط في إسناده ، تشمل هنا كلمة الانقطاع : المنقطع والمعضل والمعلق ، جميع أنواع المنقطع .
( ويشمل المرفوع إلى النبي - صلى اللهعليه وسلم - والموقوف على الصحابي أو مَن دونه)أي ليس المتصلمختصاً بالمرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لا ، حتى الموقوف على الصحابيأو على التابعي كذلك يسمى متصلاً ، إذا كان رواته قد سمع كل واحد منهم من الآخر منأوله إلى منتهاه ، سواء كان الحديث ينتهي إلى التابعي أو إلى الصحابي هذا كله يسمى متصلاً وليس من شرط المتصل أن يكون مرفوعاً إلى النبي - صلىالله عليه وعلى آله وسلم - .


النوع السادس :المرفوع


قال - رحمه الله - :
( وهو ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليهوسلم - قولاً منه ) ، كأن يقول قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " إنما الأعمال بالنيات " ؛ فهذا القول أضفناه إلى النبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فيسمى مرفوعاً (أو فعلاًعنه) كأن يقال " توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - فغسل يديه مرتين " هذا الفعل أضفناه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسمى مرفوعاً (وسواء كان متصلاً أومنقطعاً أو مرسلاً ) فالمرفوع هو ما أضيفإلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء كان قولاً أو فعلاً بغض النظر عن حال الإسناد ، سواء كان متصلا ، منقطعا ، أو ليس لهإسناد أصلاً ، إذا أضفت قولاً أو فعلاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسمىمرفوعاً.

( ونفى الخطيب أن يكون مرسلا ) أي الخطيب البغدادي - رحمه الله - لم يدخلالمرسل في ضمن المرفوع فالحديث المرسل عند الخطيب ليس مرفوعاً ، ( فقال : هو ما أخبرفيه الصحابي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم )هذا عند الخطيب رحمه الله هذاإن أراد من قوله : وما أخبر فيه الصحابي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قيْدذكر الصحابي فيه ، فلعله أراد فقط أن ينبه إلى إضافة الحديث إلى النبي - صلى الله عليهوسلم -
على كل حال الصحيح هو ما ذكرناه ، ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليهوسلم - من قول أو فعل سواء كان الإسناد مرسلاً أو منقطعاً أو غير ذلك بغض النظر عنحال الإسناد ، المهم أنك أضفت الكلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أضفتالفعل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون الحديث مرفوعاً ويسمى عند أهل الحديث؛ مرفوعا
.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2012, 09:02   #9
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الجزء التاسع

القائد الدميث شرح الباعث الحثيث
الجزء التاسع

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد ؛
فائــــدة: إذا قال علماء الحديث، الحديث الفلاني رفعه فلان وأرسله فلان، الآن عندنا حديث واحد، اختلف فيه رواته فرفعه أحدهم وأرسله الآخر، فما المراد بالمرفوع هنا؟ ليس مرادهم المرفوع الذي ذكرناه آنفا ، وإنما مرادهم هنا المرفوع بمعنى الموصولأي المتصل أي أن أحد رواته وصله والآخر أرسله .
حتى المرسل مضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم مرفوع لكن عندما قال رفعه فلان وأرسله فلان بين لنا هنا أن مراده بالرفع هنا الاتصال لا الرفع الذي هو إضافة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن المرسل أيضا مضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون هناك اختلاف بين الراويين لكن هذا الراوي أرسل وذاك الراوي وصل، هكذا يكون بينهما اختلاف .
النوع السابع الموقوف
الموقوف :هو ما أضيف إلى الصحابي من قول أو فعل ، ما أضيف إلى الصحابي كقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله ؟ هذا من قول علي وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلي صحابي فيمسى موقوفا .
فما أضيف إلى الصحابي من قول أو فعل فهو موقوف ، والموقوف الفعلي كقول البخاري أمّ ابن عباس وهو متيمم . هذا من فعل ابن عباس ، وابن عباس صحابي فيسمى موقوفا .
قال المؤلف رحمه الله :

( الموقوف ومطلقه يختص بالصحابي) ، إذا قلت هذا الحديث موقوف وسكت أطلقت ، أفهم من كلامك أن الحديث من قول صحابي ، لكن إذا قلت هو موقوف على الحسن البصري قيدت فذكرت اسم الشخص ، هنا يفهم من كلامك أنه من كلام الحسن البصري مع القيد هذا ، أما إذا أطلقت وقلت هو موقوف فقط وسكت ولم تسم أحدا يفهم أنه موقوف على الصحابي ،هذا الأصل في الموقوف.
ثم قال المؤلف رحمه الله ( ولا يُستعمل فيمن دونه إلا مقيدا) أي بذكر اسم الشخص الذي أسندت الحديث إليه ؛ فتقول هو موقوف على الحسن البصري هو موقوف على سعيد بن المسيب وهكذا .
وهل يدخل فيه التقرير؟ عرفنا المرفوع أنه يدخل فيه القول والفعل والتقرير، طيــب الموقوف هل يدخل فيه التقرير؟ حصل خلاف بين أهل العلم في ذلك فبعضهم عد التقرير كذلك موقوفا ، والصحيح أن التقرير لا يدخل هنا، لماذا؟ لأن إقرار الصحابي على فعل لا يلزم منه أنه يجيز هذا الفعل فيُنسب إليه مذهب في ذلك ؛ لأن أسباب سكوت الصحابي عن الفعل وعدم إنكاره كثيرة ، أما النبي صلى الله عليه وسلمفإقراره حجة لأنه لا يسكت على باطل فهو معصوم صلى الله عليه وسلم .
ولكن قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : إن خلا عن سبب مانع من السكوت والإنكار فحكمه حكم الموقوف . انتهى
ثم قال المؤلف رحمه الله: ( وقد يكون إسناده متصلا وغير متصل ) كذلك ، بغض النظر عن حال الإسناد ، المهم عندنا النظر إلى المتن هل أضيف إلى صحابي ؟ إن أضيف المتن إلى صحابي فهو موقوف سواء كان الإسناد متصلا أو غير متصل ، هذا هو تعريف الموقوف ومر تعريف المرفوع وسيأتي تعريف المقطوع .
قال المؤلف رحمه الله : (وهو الذي يسميه كثير من الفقهاء والمحدثين أيضا أثرا وعزاه ابن الصلاح ) أي عزا ابن الصلاح هذه التسمية ( إلى الخراسانيين ) ، أي فقهاء خراسان ، وقال :( إنهم يسمون الموقوف أثرا ) ، وتقدم معنا في أول الدروس تكلمنا عن الفرق بين الخبر والأثر والسنة والحديث .
نقل النووي رحمه الله عن أهل الحديث أنهم يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف معا . وأصل الأثر ما ظهر من مشي الشخص على الأرض .
قال المؤلف رحمه الله ) : قال ) أي ابن الصلاح ( وبلغنا عن أبي القاسم الفوراني ) هو عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران أبو القاسم الفوراني توفي سنة إحدى وستين وأربعمائة ( أنه قال :الخبر ما كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والأثر ما كان عن الصحابة ) المسألة اصطلاحية ، وكما يقول العلماء : لا مشاحة في الاصطلاح ، الأمر فيه سهل بشرط ألا تبني على اصطلاحك أحكاما شرعية فاسدة ، ومعنى لا مشاحة أي لا مضايقة ولا مُنَازعَة ، ( قلت ) الكلام لابن كثير رحمه الله ( ومن هذا يسمي كثير من العلماء الكتاب الجامع لهذا وهذا ) أي الجامع للأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة ( بالسنن والآثار) أي من باب أنه يفرق فيجعل السنن غير الآثار (ككتابي السنن والآثار للطحاوي والبيهقي وغيرهما . والله أعلم ) ، علق الشيخ الألباني رحمه الله هنا فقال : ذِكر كتاب الطحاوي مثالا لما ذكر المؤلف فيه نظر ، أي غير مسلَّم له ، لماذا ؟ قال : لأن كتابه شرح معاني الآثار وكتابه الآخر مشكل الآثار إنما يعني به المرفوع .
وتعليق الشيخ الألباني رحمه الله هنا في محله، لماذا؟ لأن جعْل المؤلف هذا من باب التفريق بين السنة والأثر في كتب الطحاوي بالذات غير صحيح ؛ لأن هذا الأمر لا يتم إلا إذا سمى الطحاوي كتابه أو كتابيه بالسنن والآثار ثم أدخل فيهما الأحاديث المرفوعة والموقوفة ، فنقول هنا أراد الطحاوي بالسنن الأحاديث المرفوعة وأراد بالآثار الأحاديث الموقوفة ، فهنا نسلم بأن الطحاوي مشى على هذا التفريق ، لكن الطحاوي رحمه الله سمى كتابيه بماذا؟ بمشكل الآثار وشرح معاني الآثار أي أفرد الآثار ولم يذكر معها السنن إذاً فهو يسمي الأحاديث المرفوعة آثارا وإذا وُجد في كتابيه آثار موقوفة أيضا فمعنى ذلك يكون قد ذهب إلى ما ذكره النووي رحمه الله وأنه يطلق الآثار على الأحاديث المرفوعة والموقوفة أيضا فلا يتم كلام ابن كثير هاهنا بالنسبة للطحاوي ، أما بالنسبة للبيهقي فنعم، لأن البيهقي سمى كتابه معرفة السنن والآثار وأراد بالسنن - والله أعلم - الأحاديث المرفوعة ، والآثار أراد بها الأحاديث الموقوفة .
فهذا من الباب الذي ذكره ابن الصلاح عن الفقهاء وبعض المحدثين ، أما الطحاوي فهو من باب كلام النووي رحمه الله، أنه يطلق الأثر على المرفوع والموقوف، هذا هو الصحيح في هذه المسالة . والله أعلم
النوع الثامن المقطوع
هذه الأنواع الثلاثة بينها ارتباط ، المرفوع ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، الموقوف ما أضيف إلى الصحابي .
والمقطوع ما أضيف إلى التابعي من قول أو فعل .
قال المؤلف رحمه الله ( وهو الموقوف على التابعين قولا أو فعلا ) المقطوع هو الموقوف على التابعين قولا أو فعلا ، وحكى الخطيب البغدادي عن بعض أهل الحديث أنه ما رُِوي عن التابعي أو مَن دونه - يشمل تابعي التابعي ومن تحته - موقوفا عليه من قوله أو فعله . انتهى
فعند بعض أهل الحديث هو الموقوف على التابعي أو مَن دونه أي تابعي التابعي ومن بعده موقوفا عليه من قوله أو فعله فالمسألة فيها خلاف ، لكن الظاهر أن الأكثر على ما ذكره ابن الصلاح . والتابعي هو من لقي الصحابي ، ثم قال ( وهو غير المنقطع ) أي أن المقطوع والمنقطع نوعان مختلفان وليسا نوعا واحدا ، فالمقطوع هو : الموقوف على التابعين قولا أو فعلا ، بينما المنقطع : ما سقط من إسناده واحد فأكثر بشرط عدم التوالي ، أي المنقطع هو سقط في الإسناد ، بخلاف المقطوع .
قال رحمه الله ( وقد وقع في عبارة الشافعي) محمد بن إدريس الإمام المعروف (والطبراني ) سليمان بن أحمد أبو القاسم الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة ، توفي سنة ستين وثلاثمائة ( إطلاق المقطوع على منقطع الإسناد غير الموصول ) فبعض أهل الحديث يطلقون المقطوع على المنقطع ويريدون به المنقطع ، منهم الشافعي والطبراني وَوُجِد أيضا في كلام غيرهما كالدارقطني والحميدي وغيرهما ، فهو استعمال موجود في كلامهم ولكنه قليل .
قال المؤلف رحمه الله ( وقد تكلم الشيخ أبو عمرو) ابن الصلاح ( ها هنا على قول الصحابي كنا نفعل أو نقول كذا إن لم يضفه إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ) جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا ، هل قال كنا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ لم يقل ذلك ، قال هذا الكلام دون أن يضيفه إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، قال المؤلف ( فهو من قبيل الموقوف ) أي أنه من فعل الصحابة ولا يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
لكن الصحيح أنه مرفوع كما سيأتي ، قال ( وإن أضافه إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر البرقاني عن شيخه أبي بكر الإسماعيلي إنه من قبيل الموقوف ) إذا فليس هناك فرق بناءا على هذا القول بين ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما لم يضَف، فبعض أهل العلم يذهب إلى أن قول الصحابي كنا نفعل كذا أو نقول كذا هو من قبيل الموقوف مطلقا سواء أضِيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يضَف والبعض يفرِّق فيقول ما أضافه الصحابي إلى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم - فقال كنا نفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كذا أو كنا نقول على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كذا - قال هذا من قبيل المرفوع ، وما لم يُضِفه قال هو من قبيل الموقوف.
والقول الثالث في المسألة أن كل ذلك من قبيل المرفوع ، ففي المسألة ثلاثة .
قال المؤلف رحمه الله ( وحكم الحاكم النيسابوري برفعه ) أي هذا الثاني الذي أضيف إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم حكم الحاكم النيسابوري برفعه ؛( لأنه يدل على تقرير) فلو كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان باطلا لأُنكِر وهو في زمن التنزيل أي في زمن التشريع الذي يقِر الصواب ويمنع الخطأ، ( ورجحه ابن الصلاح) وهو قول الجمهور ويدل عليه احتجاج أبي سعيد الخدري رضي الله عنه على جواز العزل بفعلهم له في زمن نزول الوحي فقال :"كنا نعزل والقرآن ينزل ، لو كان شيء يُنهى عنه لنهى عنه القرآن " ، أي لو كان هذا الفعل محرَّما لنهى عنه القرآن ، فاستدل أبو سعيد الخدري على جواز العزل بإقرار الشرع له ، فإضافة فعل الصحابة إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أنه من قبيل المرفوع وهذا استدلال واضح .
والصحيح أنه مرفوع مطلقا ، إذا قال الصحابي كنا نفعل كذا أو كنا نقول كذا إن أضافه إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يضفه فكله من قبيل المرفوع ، وهو الذي اعتمده الشيخان في صحيحَيهما كما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله .
ثم قال ابن كثير ( قال : ومن هذا القبيل قول الصحابي: كنا لا نرى بأسا بكذا أو كانوا يفعلون أو يقولون أو يُقال كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه من قبيل المرفوع ) كله من نفس الباب من قبيل المرفوع ، هذا هو الصحيح .
قال ( وقول الصحابي أُمرنا بكذا أو نُهينا عن كذا ) كقول أم عطية : "أُمِرنا أن نخرِج في العيدين العواتق وذوات الخدور" ، وكقولها أيضا : " نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا " ، وكذلك حرم علينا ، وأبيح لنا ، ورخص لنا ( مرفوع مسند عند أصحاب الحديث ) وإن لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أصلا؛ لأن الظاهر من قولهم هذا أنهم يريدون بذلك الآمر الناهي الشرعي وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، لذلك هو من قبيل المرفوع .
(وهو قول أكثر أهل العلم ، وخالف في ذلك فريق ) أي جماعة ( منهم أبو بكر الإسماعيلي . وكذا الكلام على قوله من السنة كذا ) كقول أنس بن مالك : من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعا وقسم ... الحديث ، قسم بعد السبعة ، قال أبو قلابة : ولو شئت لقلت إن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن شهاب الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمرعن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له: إن كنت تريد السنة فهجِّر بالصلاة ، قال الزهري : فقلت لسالم : أفعَله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: وهل يعنون بذلك إلا سنته؟ أي سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهذا واضح ، فهذا كله مرفوع عند الجمهور.
( وقول أنس أُمِر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ) من الذي أمره؟ مثل هذه الكلمة يطلقونها على الآمر الشرعي وهو النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم قال المؤلف رحمه الله (قال : وما قيل من أن تفسير الصحابي في حكم المرفوع ) القائل هو الحاكم النيسابوري، قال بأن تفسير الصحابي في حكم المرفوع ( فإنما ذلك فيما كان سبب نزول أو نحو ذلك ) تفسير الصحابي لا يكون دائما في حكم المرفوع أي أنه في حكم قول النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الصحابة أحيانا يفسرون القرآن باجتهادهم ، فلا يعتبر في حكم المرفوع دائما إنما يعتبر في حكم المرفوع إذا كان سبب نزول ؛ كقول جابر بن عبد الله : كانت اليهود تقول " من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول " ؛ فأنزل الله تعالى{ نساؤكم حرث لكم .. }الآية ، هذا له حكم الرفع لأنه سبب نزول ، ما كان سبب نزول فله حكم الرفع .
قوله أو نحو ذلك ؛ مما لا يمكن أن يؤخَذ إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أي لا مجال للاجتهاد فيه ولا مجال لإعمال الرأي فيه ، فمثل هذا يعطَى حكم المرفوع ؛ كأن يحكي لنا أمرا من الأمور الغيبية ولا يكون هو ممن يُعرَف برواية الإسرائيليات فهذا يعطَى حكم المرفوع ، ولا يعطى كل تفسير للصحابي حكم المرفوع .
ثم قال المؤلف رحمه الله( أما إذا قال الراوي عن الصحابي يرفع الحديث )أي يقول الراوي : يضيف الصحابي الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( أو ينميه ) كذلك ( أو يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم ) يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم واضح أنه مرفوع ، لكن إذا قال يبلغ به وسكت ؛ كذلك له حكم المرفوع عند أهل الحديث . كأن يقول الراوي حدثنا فلان عن فلان عن أبي هريرة يبلغ به، ماذا يعني يبلغ به ؟ أي يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أي يرفعه ( فهو عند أهل الحديث من قبيل المرفوع الصريح في الرفع والله أعلم ) فهذه الألفاظ إذا مرت بك في حديث فاعلم أنهم يعنون بذلك أن الحديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والله أعلم وهو الموفق .

آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 20-12-2012 الساعة 09:04
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2012, 09:06   #10
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الجزء العاشر

القائد الدميث إلى شرح الباعث الحثيث
الجزء العاشر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد :
فوصلنا إلى النوع التاسع من أنواع علوم الحديث التي ذكرها ابن الصلاح - رحمه الله - في كتابه معرفة علوم الحديث ، وهو المرسل .
يقول المؤلف رحمه الله :
( النوع التاسع : المرسل .



قال ابن الصلاح : وصورته التي لا خلاف فيها حديث التابعي الكبير الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم )
أولاً وقبل كل شيء يجب أن نعرف أن التابعي هو : الذي لقي أحد الصحابة

والصحابي : هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به
ومات على ذلك .
تابعي التابعي : هو من لقي التابعي .
ويجب أن نعرف الفرق بين التابعي الكبير و التابعي الصغير.
التابعي الكبير : هو الذي لقي جماعة من الصحابة وجالسهم

وكانت جلّ روايته عنهم .
أي أكثر رواية هذا التابعي عن الصحابة ، هذا يسمى تابعياً كبيرا .
التابعي الصغير : فهو الذي لم يلق منهم إلا العدد القليل أو لقي
جماعة إلا أن أكثر روايته عن التابعين .
فالفرق بين التابعي الكبير والتابعي الصغير
أن التابعي الكبير : أكثر روايته عن الصحابة
والتابعي الصغير : أكثر روايته عن التابعين
وهذا التفريق ذكرناه لأن بعض أهل العلم يفرقون في تعريف
المرسل بين التابعي الكبير والتابعي الصغير .
لا يختلف أهل الحديث على أن الصورة التي ذكرها ابن الصلاح هنا داخلة في المرسل ، وهي ما أضافه التابعي الكبير إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
التابعي الكبير إذا روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يسمى هذا الحديث مرسلا وهذا بالاتفاق .
وغير هذه الصورة من الصور اختلفوا فيها .
ثم قال :
( كعبيد الله بن عدي بن الخيار ثم سعيد بن المسيب وأمثالهما إذا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هؤلاء من كبار التابعين لأن أكثر روايتهم عن الصحابة ، فإذا أضاف الحديث عبيد الله أو سعيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكون الحديث مرسلا ، إذا قال سعيد بن المسيب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى هذا الحديث مرسلا .
(قال )
أي ابن الصلاح : ( والمشهور) أي عند أهل الحديث ( التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك ) المشهور عند العلماء أن المرسل ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير تفريق بين الكبير والصغير
( وحكى ابن عبد البر عن بعضهم )
عن بعض أهل الحديث ( أنه لا يعد إرسال صغار التابعين مرسلا ) بعضهم يفرق بين التابعي الكبير والتابعي الصغير لكن هؤلاء قلة ، حتى قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : لم أر التقييد بالكبير صريحا عن أحد ، لكن نقله ابن عبد البر عن قوم .
وهو وإن وجد إلا أن المشهور خلافه ، فالقول المشهور عند العلماء أنه لا فرق بين رواية التابعي الكبير ورواية التابعي الصغير ، كلها تسمى أحاديث مرسلة إذا أضافوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا الواسطة .
( ثم إن الحاكم يخص المرسل بالتابعين ، والجمهور من الفقهاء والأصوليين يعممون التابعين وغيرهم )


الآن دخلنا في خلاف جديد
الخلاف الأول في التابعين فقط هل يختص المرسل بكبار التابعين أم يشمل كبار التابعين وصغارهم .
و الخلاف الثاني : ذكر عن الحاكم أنه يخص المرسل بالتابعين ، وكثير من أهل الحديث معه يخصون المرسل بما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم
قال : والجمهور من الفقهاء والأصوليين يعممون التابعين وغيرهم ، فلو قال مالك مثلا وهو من تابعي التابعين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا يعدونه مرسلا ، وكذلك من هو أنزل من مالك .
.
( قلت ) الكلام لابن كثير ( كما قال أبو عمرو ابن الحاجب في مختصره في أصول الفقه : المرسل قول غير الصحابي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هذا المذهب الثاني ؛
أي حديث يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الواسطة بين القائل وبين النبي صلى الله عليه وسلم يسمى مرسلا عندهم لا يختص بالتابعي .
ليس ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقط ، بل وما
أضافه تابع التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذلك عندهم
مرسل ، وما أضافه من بعده إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذلك
وهناك مذهب ثالث :
قال النووي رحمه الله : "المرسل عند الفقهاء والأصوليين والخطيب وجماعة من المحدثين ما انقطع إسناده على أي وجه كان - على أي وجه كان الانقطاع - فهو عندهم بمعنى المنقطع . انتهى كلامه
فيدخل فيه على هذا القول ؛ المعلق والمنقطع والمعضل والمرسل الظاهر والمرسل الخفي ، كل هذا يسمى عندهم مرسلا .
كثير من أهل الحديث خصوصا المتقدمين تجدهم يطلقون المرسل على هذا المعنى .
فالمرسل عندهم أعم من المرسل عند طائفة من أهل الحديث
فإذا تأملت كتاب المراسيل لابن أبي حاتم تجد أن أبا حاتم الرازي وأبا رزعة الرازي تجدهما يطلقان المرسل على ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المنقطع .
خذ الكتاب وتأمله ستجدهما يطلقان هذا الاصطلاح على المنقطع وعلى المرسل الذي هو ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فالخلاف حاصل لكن كما قال النووي رحمه الله: الخلاف خلاف اصطلاحي وليس خلافا في المعنى ولا مُشاحة في الاصطلاح ، لكن تنبه لمراد العالم عندما يقول هذا حديث مرسل ماذا يعني بالمرسل ؟ هل يعني به ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أم يعني به المنقطع.
إذاً عندنا اصطلاحات في المرسل :
- ما أضافه التابعي الكبير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، هذا قول .
- الثاني ما أضافه التابعي مطلقا -الكبير أو الصغير- إلى النبي صلى الله عليه وسلم
- الثالث: ما أضافه التابعي أو من دونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
- الرابع : أنه كل منقطع .
هذه أربعة مذاهب في تعريف المرسل وهناك مذاهب أخرى ذكرها الحافظ ابن حجر في النكت .
أشهر مذهبان هما :
1- ما أضافه التابعي الى النبي صلى الله عليه وسلم.
2- وإطلاق المرسل على كل منقطع.
ثم قال : ( هذا ما يتعلق بتصوره عند المحدثين ) أي إدراك حقيقته تكون بتعريفاته وقد ذكرنا لكم تعريفه عند المحدثين .
وقال : ( وأما كونه حجة في الدين ) هذه مسألة ثانية ، المسألة الأولى تكلمنا عن التعريف لكي نتصوره ، والآن نتكلم على حجيته هل هو حجة أم ليس بحجة ؟
قال : ( فذلك يتعلق بعلم الأصول )
هذا المبحث أصالة ليس من مباحث مصطلح الحديث بل هو من مباحث أصول الفقه ولكن أهل الحديث ناقشوه في كتب المصطلح
قال : ( وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا المقدمات)
وللأسف لا نعلم عن هذا الكتاب شيئا .
( وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه : أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة) أي في مقدمة صحيحه ، وهذا هو المعتمد : أن المرسل في أصله ليس بحجة ، وعلى هذا الكثير من أهل الحديث ومنهم البخاري ومسلم - رحمهما الله -.
قال :( وكذا حكاه ابن عبد البر عن جماعة أصحاب الحديث ، وقال ابن الصلاح : وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث ونقاد الأثر و تداولوه في تصانيفهم )
أي الذي استقر عليه عمل المحدثين عدم الاحتجاج بالحديث
المرسل ، لماذا ؟
لأن المرسل سقط منه على أقل الأحوال راو ، وهذا الراوي لا نعرف حاله ، لا نعرف أهو حافظ أم ليس بحافظ؟ أهو عدل في دينه أم ليس بعدل ؟ فإذا لم نعلم حاله فلا يجوز لنا أن نقبل خبره ؛ لأننا لا نقبل الخبر إلا من عدل حافظ ، يجب أن يكون الراوي عدلاً في دينه حافظاً لما يرويه ويحكيه هذا الذي يقبل منه الخبر .
( قال ) أي ابن الصلاح ( والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما في طائفة . والله أعلم )
أي في جماعة من أهل العلم قالوا بالاحتجاج بالمرسل . والله أعلم
وحجة هؤلاء أن من أسنده فقد أحالك ومن أرسله فقد تكفل لك بمن أسقط من الرواة ، أي الذي أسند وكّل إليك الأمر في النظر في حال الرواة الذين أظهرهم لك ، وأما من أرسل فقد تكفل لك بحال الرواة الذين أسقطهم ولكن هذا الكلام غير صحيح
فمن تتبع بعض المراسيل ووجدها مسندة وجدها تروى من طريق بعض الضعفاء ، فهذا الكلام لا يُسلَّم .
( قلت ) الكلام لابن كثير : ( وهو محكي عن الإمام احمد في رواية )
في رواية مروية عن الإمام أحمد أن المرسل حجة ؛ كقول مالك
وأبي حنيفة .
( وأما الشافعي فنص على أن مرسلات سعيد بن المسيب حسان )
أي أن مالك وأبا حنيفة يحتجان بالمرسل وأحمد عنه أكثر من
رواية ، رواية من الروايات أنه يحتج به ، والشافعي رحمه الله لا يحتج بالمرسل مطلقا ، نقلوا عنه أنه يحتج بمراسيل سعيد بن المسيب
( قالوا : لأنه تتبعها فوجدها مسندة . والله أعلم ) أي أنه لا يحتج
بالمرسل مطلقا إنما يحتج بمراسيل سعيد بن المسيب ؛ لأنه تتبعها فوجدها مسندة ووجدها قوية لذلك احتج بها .
قال الشافعي رحمه الله : " لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده ، ولا أثره عن أحد فيما عرفناه عنه إلا ثقة معروف ، فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعه . انتهى كلامه من كتابه الأم
أي أنه تتبع الأخبار التي أرسلها سعيد بن المسيب ووجد ما يدل على قوتها ولا يرويها إلا عن ثقات ؛ لذلك احتج بمراسيل سعيد بن المسيب .
قال : ( والذي عول عليه كلامه في الرسالة ) أي الذي اعتمده
الشافعي رحمه الله في المراسيل في كتابه الرسالة
( أن مراسيل كبار التابعين حجة إن جاءت من وجه آخر ولو مرسلة ) .
إذاً لا تقبل عنده مطلقا بل بشروط ، شرَطَ أن يكون المرسَل – بفتح السين - عن تابعي من التابعين الكبار ، وأن يكون قد جاء من وجه آخر ولو كان الوجه الآخر هذا مرسلا ، ولكن إذا جاء من وجه آخر مرسلا له شرط وهو أن يكون المرسِل - بكسر السين - ممن قبِل العلم من غير رجاله الذين قبل عنهم .
بمعنى أنه لو جاءنا حديث مرسل من رواية الشعبي عن النبي
صلى الله عليه وسلم وحديث آخر مرسل من رواية سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم
ننظر إلى شيوخ الشعبي وإلى شيوخ سعيد بن المسيب ؛ فإذا وجدنا أن الشيوخ مختلفون عندئذ نقوي رواية الشعبي برواية سعيد بن المسيب والعكس؛ لأن الشعبي من كبار التابعين وسعيد بن المسيب من كبار التابعين وكلاهما أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم وشيوخهما يختلفون فنحتج بروايتهما
فاحتمال أن يكون الساقط هو رجل واحد غير وارد ، لذلك
قوى الشافعي رحمه الله رواية هذا برواية هذا
بشرط أن تكون الرواية واحدة في اللفظ أو في المعنى ، معنى رواية
الشعبي نفس معنى رواية سعيد بن المسيب بهذا تكون التقوية
قال ( أو اعتضدت بقول صحابي أو أكثر العلماء أو كان المرسل -بكسر السين - لو سمى لا يسمي إذا سمى إلا ثقة)
أو كان المرسل - بكسر السين - لا يروي إلا عن ثقة ، إذا كان المرسل - بكسر السين - لا يروي إلا عن ثقة وكان من كبار التابعين ، الإمام الشافعي رحمه الله يقبل مرسله ( فحينئذ يكون مرسله - بفتح السين - حجة ولا ينتهض إلى رتبة المتصل )
يحتج به ، ولكنه في القوة ليس في قوة الحديث المتصل ، فإذا تعارضا يقدم الحديث المتصل .
هذا مذهب الشافعي رحمه الله
أي باختصار أنه لا يحتج بالمرسل مطلقا إنما يحتج بمراسيل
كبار التابعين إذا وُجد لها شاهد أو كانت من رواية الذي لا يروي إلا
عن ثقة هذا معنى كلام الشافعي رحمه الله .
( قال الشافعي : وأما مراسيل غير كبار التابعين فلا أعلم أحدا قبلها )
أي صغار التابعين مراسيلهم لا تقبل ، في ظاهر كلام الشافعي
رحمه الله أنها لا تقبل حتى وإن وجد لها شاهد .
( قال ابن الصلاح رحمه الله : وأما مراسيل الصحابة كابن عباس وأمثاله ففي حكم الموصول لأنهم إنما يروون عن الصحابة وكلهم عدول فجهالتهم لا تضر . والله أعلم )
نحن نعلم - بإجماع أهل السنة والجماعة - أن الصحابة كلهم ثقات
عدول ، فإذا روى أحد الصحابة الصغار الذين يروون عن الصحابة عادة ؛ إذا روى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يُعلم من سنه أنه لم يدرك
الحادثة التي رواها ويُعرف منه أنه لم يسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ تكون روايته مرسلة ولكنها مقبولة يحتج بها ؛ فمراسيل الصحابة الذين يروون عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعتبر صحيحة ويحتج بها ؛ لأن الساقط معروف أنه صحابي ، فإذا علمنا أن الساقط صحابي فلا يضر سقوطه ؛لأن الصحابة كلهم ثقات عدول
فمراسيل الصحابة كلها يُحتج بها ؛ إلا إذا كان الصحابي ليس له إلا
رؤية وكانت أكثر روايته عن التابعين ؛ فمثل هذا من حيث الرواية لا تعتبر روايته من قبيل المتصل فلا يحتج بها بل هي حكمها حكم رواية كبار التابعين .
( قلت ) الكلام لابن كثير ( وقد حكى بعضهم ) أي بعض العلماء (الإجماع على قبول مراسيل الصحابة ، وذكر ابن الأثير وغيره في ذلك خلافا ) في المسالة خلاف شاذ قليل لا يعتبر.
( ويُحكى هذا المذهب عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ؛لاحتمال تلقيهم ذلك عن بعض التابعين)
هذه شبهتهم ،الذين قالوا بأن مراسيل الصحابة لا يحتج بها عللوا ذلك
باحتمال أن يكون هذا الصحابي قد روى هذا الحديث عن أحد التابعين
تتمة كلامه ( وقد وقع رواية الأكابر عن الأصاغر والآباء عن الأبناء كما سيأتي إن شاء الله تعالى )
أي قد وجد في الرواية أن الكبير يروي عن الصغير والأب يروي عن ابنه فرواية الصحابي عن التابعي ممكنة هذه حجتهم .
رد على هذه الشبهة الحافظ ابن حجر رحمه الله فذكر أن الصحابة عندما رووا كانت رواياتهم كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة ولا يوجد لهم روايات عن التابعين إلا الشيء القليل النادر الذي لا يؤثر على الظاهر لا يعتبر .
وإذا رووا بينوها بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليست أحاديث مرفوعة إنما هي إسرائيليات وحكايات وأشياء موقوفة
أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فما روى الصحابة عن تابعي ضعيف شيئا في الأحكام فيما يعلم
( تنبيه : والحافظ البيهقي في كتابه السنن الكبير وغيره يسمي ما رواه التابعي عن رجل من الصحابة مرسلا)
ننتبه الآن : إذا روى تابعي وقال عن رجل من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
مثلا إذا قال الزهري : عن رجل من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
قال : البيهقي يسمي هذا مرسلا .
قال: ( فإن كان يذهب مع هذا إلى أنه ليس بحجة فيلزمه أن يكون مرسل الصحابة أيضاً ليس بحجة والله اعلم )
الإشكال عند البيهقي ليس في كون الرجل قد أبهُم اسمه، فبما أننا قد عرفنا بأنه صحابي فإبهام اسمه لا يضر
الإشكال عند البيهقي - والله أعلم - في كوننا لا نعلم هل سمع التابعي من الصحابي أم لا ؟
عندما يقول الزهري مثلا عن رجل من الصحابة
ما أدرانا أن الزهري قد أدرك هذا الصحابي ؟
هل سمع منه أم لم يسمع منه ؟
لذلك وصف البيهقي رحمه الله مثل هذه الرواية بالمرسلة أي منقطعة ؛ لأنها مظنة الانقطاع ؛ هذا ما يدل عليه لفظ البيهقي رحمه الله ، قال : فهو بمعنى المرسل ، فلم يقل هو مرسل ، بل قال : هو بمعنى المرسل أي احتمالية الإرسال فيه قائمة ؛ فكلام البيهقي قوي وفي محله
إذا قال التابعي عن رجل من الصحابة فينبغي أن ينظر هل سمع هذا التابعي من هذا الصحابي أم لم يسمع ؟
أما إذا قال التابعي : حدثني رجل من الصحابة ؛ فقد انتهى الإشكال ؛ لأن الرجل من الصحابة والصحابة كلهم ثقات عدول لا يهمنا
معرفة اسمه ، لكن يهمنا أن نتأكد من سماعه منه .
هذا والله أعلم وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 20-12-2012 الساعة 09:12
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 02:35.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي