Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 19-12-2012, 08:42   #1
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي * مكتمل * تفريغات شرح متن لمعة الاعتقاد في العقيدة.

[الدرس الأول]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه ، أما بعد :

فهذا الدرس الأول من دروس لمعة الاعتقاد للشيخ الإمام العلامة موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي .
الكتاب هذا الذي بين أيدينا كتاب في العقيدة، وكلمة العقيدة مأخوذة من العقد وهو الربط والشد ، هذا الأصل اللغوي لها،
وهي في الاصطلاح ما عقد الانسان قلبه عليه .
والعقيدة والايمان والسنّة (على بعض معانيها) والشّريعة كلّها بمعنى واحد .
السّلف كانوا يسمون كتب العقيدة بالسنّة، وأيضاً سمّاها بعضهم بالشريعة وبعضهم بالإيمان وبعضهم بالاعتقاد .
والعقيدة هي أهم أمور دين الله سبحانه وتعالى، لأن العقيدة يترتب عليها العمل فلا يعمل المرء حتى يعتقد، فإذا اعتقد عمل بمقتضى اعتقاده.
والكتاب الذي سندرسه هو "لمعة الاعتقاد"
واللّمعة في اللّغة لها عدّة معاني :
منها البُلغة من العيش، والبلغة ما يكفي لسدّ الحاجة، فهنا "لمعة الاعتقاد": ما يكفي لسدّ حاجة المسلم ممّا يجب أن يعقد قلبه عليه ويدين الله سبحانه وتعالى به.
هذا معنى اسم الكتاب
وأمّا المؤلف فهو الشيخ الإمام العلامة المجتهد موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجمّاعيلي ثم الدمشقي الحنبلي وهو صاحب كتاب المغني ، المغني أشهر كتب المؤلف ، المغني فقه على ما يسمى اليوم فقه مقارن، ويعنون بالفقه المقارن: ذكر المذاهب وأدلّتها.
المؤلف حنبلي المذهب وله عدة مؤلفات منها هذا المغني ومنها الكتاب الذي بين أيدينا وهو لمعة الاعتقاد،
توفي رحمه الله سنة ستمائة وعشرين هجري ، وكان فقيهاً كبيراً ، كان أفقه أهل الشّام في زمنه رحمه الله.
أثنى عليه العلماء ثناءً عطراً في التّقوى والصّلاح والزّهد والعلم وكان بارعاً في الفقه وله مشاركة في فنون أخرى ومنها الحديث، وهو ابن خالة عبد الغني المقدسي صاحب كتاب عمدة الأحكام،
فهو إمام مشهود له بالعلم والتقوى والصلاح، ألّف الضياء المقدسي رحمه الله في سيرته كتاباً ونقل الذهبي رحمه الله في سيرة المؤلف عن هذا الكتاب بعض الفقرات ، من ذلك :
قال الضياء المقدسي رحمه الله :"وسمعت الحافظ اليونيني يقول : لما كنت أسمع شناعة الخلق على الحنابلة بالتشبيه، عزمت على سؤال الشيخ موفق"
كان الناس في ذاك القرن ، القرن السادس والسابع كان الكثير منهم على المذهب الأشعري وكان الحنابلة يُعرفون بتمسّكهم بمذهب السلف، مذهب أهل السنّة والجماعة ، ولا يعني ذلك أن كلّ الحنابلة على هذا المذهب ، لا ، لكن كان الحنابلة مشهورين معروفين بذلك ، فاليونيني كان يعيش في ذاك العصر فسمع من علماء زمنه التشنيع على الحنابلة وأنّهم كانوا مشبّهة، وهذا حال المعطّلة،
إذا قلنا المعطّلة فنعني بهم: الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وكل من كان على منهجهم في تعطيل صفات الله تبارك وتعالى عن حقيقتها ، هؤلاء نسمّيهم معطّلة، يسمّهم العلماء معطّلة لماذا ؟لأنّهم أبطلوا حقائق معاني الصفات، المعاني التي أرادها الله تبارك وتعالى في كتابه أو في سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فهؤلاء المعطلة كانوا يسمّون أهل السنّة مشبّهة ويسمونهم مجسّمة وغير ذلك من الأسماء التي هي باطلة وإنّما يريدون بذلك تنفير الناس عن مَن حمل مذهب السلف كما سمعتم من اليونيني، قال: لما كنت أسمع شناعة الخلق على الحنابلة ، -شناعة الناس يشنعون عليهم بالتشبيه -عزمت على سؤال الشيخ الموفق - يريد أن يعرف هل هذا التشنيع حقيقي أم لا ؟ - فسأل موفق الدّين الذي هو ابن قدامة، قال:" وبقيت أشهراً أريد أن أسأله فصعدت معه الجبل فلما كنّا عند دار ابن محارب قلت: يا سيدي وما نطقت بأكثر من يا سيدي - بس ما زاد على هذا - فقال لي : التشبيه مستحيل - عرف ماذا يريد - قال التشبيه مستحيل فقلت: لمَ ؟ قال: لأن من شرط التشبيه أن نرى الشيء ثم نشبِّهه ، من الذي رأى الله ثم شبّهه لنا ؟" وذكر الضياء حكايات في كرامات ابن قدامة رحمه الله تعالى .
وقال أبو شامة وهو من الأشاعرة :" كان إماماً -يذكر في ابن قدامة- علماً ، في العلم والعمل ، صنف كتباً كثيرة لكن كلامه في العقائد على الطريقة المشهورة من أهل مذهبه – إلِّي هم من ؟ الحنابلة - فسبحان من لم يوضَّح له الأمر فيها على جلالته في العلم ومعرفته بمعاني الأخبار " كيف وصل وبلغ هذا المبلغ من العلم ثم بقي على الضلالة التي عليها الحنابلة؟ هكذا يقول أبو شامة ، يستغرب من هذا الأمر ولكن الذهبي رحمه الله له تعليقات لطيفة وجميلة ، انظر ماذا قال
قال :" قلت : وهو وأمثاله يتعجبون منكم " نفس الشيء كما أنكم تتعجبون منه هو أيضاً وأمثاله ومن كان على مذهبه، مذهب السلف يتعجبون منكم مع علمكم وذكائكم كيف قلتم - أي في الصفات - وكذا كل فرقة تتعجب من الأخرى ولا عجب في ذلك ونرجو لكل من بذل جهده في تطلّب الحقّ أن يُغفر له من هذه الأمة المرحومة"
الشاهد في ذلك أن ابن قدامة رحمه الله كان إماماً من أئمة أهل السنّة على المذهب الحنبلي رحمه الله ، وهذه العقيدة التي بين أيدينا ليست عقيدة الحنابلة بل هي عقيدة السلف قاطبة ، ليست عقيدة الحنابلة فحسب بل هي عقيدة السلف قاطبة، عقيدة أصحاب القرون الثلاثة الأولى الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم :"خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم"
يحاول بعض أهل البدع وبعض الفرق أن تنسب هذه العقيدة للحنابلة وأن تلصقها بهم كي يصلوا إلى أنّها عقيدة باطلة تختصّ بطائفة معيّنة فقط ممّن مشى على مذهب إمامه في هذه العقيدة وأرادوا من ذلك أن يفصلوا عقيدة الإمام أحمد عن عقيدة بقيّة أئمة الإسلام كالإمام مالك والشافعي رحمهم الله وهذا من أبطل الباطل وأكبر المحال ، فمالك رحمه الله والشافعي لهما كلام واضح في تقرير عقيدة السلف ، العقيدة التي كان عليها الإمام أحمد رحمه الله ولكن الإمام أحمد بالذات أكثر من الرد على تلك الفرق لأنهم قد اشتدت شوكتهم وصارت لهم كلمة في زمنه، وهذا الذي لم يكن على زمن الإمام مالك والإمام الشافعي وإلا فكلّهم رحمهم الله كانوا على عقيدة واحدة في الأسماء والصفات وغيرها من مسائل الاعتقاد كما سيأتي معنا إن شاء الله بعض النقولات عن هؤلاء الأئمة ، وأمّا الحنبليّة فهذه الحنبلية أو الشافعية أو المالكية فهذه مذاهب فقهية يختار منها الرجل ما تبين له أنه أكثر قرباً إلى الحق وإلى الصواب ويمشي عليه إن شاء ، مع أنّنا نقول ينبغي على طالب العلم أن يكون متّبعا للكتاب والسنّة ولمنهج سلف هذه الأمّة ولا يتقيّد بمذهب معيّن، لا يتقيد لا بمذهب شافعي ولا بمذهب حنبلي بل يكون على منهج أهل الحديث في العقيدة وفي الفقه، فإذا كانت المسألة فيها دليل من كتاب الله أو من سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبين له أن الحق في قول الشافعي فيأخذ بقول الشافعي ، وإذا تبين له أن الحق في قول أحمد أخذ بقول أحمد، وإذا تبين له أن الحق في قول مالك أخذ بقول مالك، فلا يتقيد بمذهب رجل معين ولا ينزّل كلام الرجال منزلة كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فما أمرنا الله تبارك وتعالى لا أن نكون حنابلة ولا أن نكون مالكية ولا أن نكون شافعية ولا غير ذلك من هذه الأمور ولو كان الإنسان ينتسب إلى هذه المذاهب ولكنه إذا جاءه الحديث من الكتاب والسنّة وتمسّك به وترك المذهب الذي عليه فلا ينكَر عليه في ذلك لأنه متّبع لكتاب الله ولسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم وإن كان متمسّكا بأصل شيخه، وأمّا الإنكار فإنّما يكون على الذين يتركون كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويتمسّكون بقول فلان وفلان ، هؤلاء ينكَر عليهم وبشدّة.
قال المؤلف رحمه الله :"بسم الله الرحمن الرحيم"

البدء بالبسملة اقتداءً بكتاب الله تبارك وتعالى ، المؤلف وغيره ممّن يكتبون ويصنّفون يبدءون بالبسملة اقتداءً بكتاب الله تبارك وتعالى وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقد كان عليه الصلاة والسلام في الرسائل يبدأ بالبسملة ، كان عند كتابة الرسائل يبدأ بالبسملة كما في رسالته إلى هرقل ، وأما في الخطب فكان صلّى الله عليه وسلّم يبدأ بالحمد، وأمّا الأحاديث الواردة في ذلك "كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع " وما شابه ذلك من أحاديث فلا يثبت فيها شيء، وإنّما الاقتداء بكتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العمليّة.
ومعنى البسملة أي : أبدأ تأليفي هذا الكتاب مستعيناً بالله ذي الرحمة العامة والخاصة ، هذا معنى بسم الله الرحمن الرحيم .
قال المؤلف رحمه الله :"الحمد لله المحمود بكلّ لسان"
"الحمد" وصف المحمود بالكمال مع المحبّة والتّعظيم ، و"أل" فيه للاستغراق : أي جميع المحامد لله تبارك وتعالى .
"المحمود" هو الله سبحانه وتعالى
"بكلّ لسان" : هنا المحمود بكل لسان أي الذي يستحقّ أن يُحمد بكلّ لسان ، لماذا قلنا هذا ؟
لأن الله سبحانه وتعالى لم يحمد بكلّ لسان ، فألسنة الكفرة والملحدين لا تحمد الله سبحانه وتعالى، لذلك نقول هنا "المحمود بكلّ لسان" أي الذي يستحقّ أن يحمد بكلّ لسان .
"المعبود في كلّ زمان" : في كل زمن يوجد من يعبده تبارك وتعالى فلا ينقطع زمن من الأزمان من عابديه .
"الذي لا يخلو من علمه مكان" : وهذا لسعة علمه ، هذا لسعة علم الله تبارك وتعالى ، علمه أحاط بكلّ شيء .
" ولا يشغله شأن عن شأن" : لكمال قدرته يحي ويميت ، ويرزق ويمنع من غير أن يشغله شيء من هذه الأشياء عن شيء آخر وهذا لكمال قدرته تبارك وتعالى .
"جلّ عن الأشباه" جلّ : أي عظم شأنه فلا يشبهه شيء من مخلوقاته ، تنزّه عن ذلك، قال الله تبارك وتعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ الشورى/11]هذه الآية أصل في نفي التمثيل عن الله تبارك وتعالى وفي إثبات الصفات له وأنهما أمران لا يتناقضان البتّة، أمران لا يتناقضان أن تنفي التمثيل أو أن يكون هناك مثيلاً لله تبارك وتعالى مع إثبات الصفات له تبارك وتعالى، فأنت تثبت لله أنه سميع وأنه بصير ولكن في نفس الوقت تقول : سمعه ليس مثل سمع المخلوقات، وبصره ليس كبصر المخلوقات وهكذا .
"والأنداد" ، قال :"جلّ عن الأشباه والأنداد" : الندّ الذي هو المثل والنظير .
"وتنزّه عن الصاحبة والأولاد" : وهذا لعدم حاجته للولد وللصاحبة، فالله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى الصاحبة والولد لكماله تبارك وتعالى.
"ونفذ حكمه في جميع العباد":الحكم حكمان :
حكم قدري ، وحكم شرعي أما الحكم الشرعي فليس نافذاً في جميع العباد، فكثير من العباد لا ينقادون مع شرع الله تبارك وتعالى.
وأمّا الحكم القدري فهو نافذ في جميع العباد، كلّ ما أراده الله تبارك وتعالى إرادة كونية فهو حاصل ولا بد، لا يخرج شيء عن قدرته تبارك وتعالى.
"لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهّمه القلوب بالتصوير " : لا تستطيع القلوب أن تتصوّر ربّها تبارك وتعالى، فلا يمكن ذلك ، أن تتصور الله سبحانه وتعالى على صورة ما، لا يمكن أن يدرك ذلك بالعقل ولا يجوز لأحد أن يفعل ذلك، { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } [ طه/110]، فلا قدرة لنا على ذلك .
قال تبارك وتعالى :{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ الشورى/11] ففي هذا نفي لأن يوجد مماثل لله تبارك وتعالى وإثبات لصفات الله تبارك وتعالى ، ولا يلزم من إثبات صفة السمع والبصر وغيرها من الصفات التي أثبتها الله لنفسه في الكتاب أو في السنة أن يكون مشابهاً أو مماثلاً لخلقه، لا يلزم ذلك البتة ، يدلنا على ذلك النفي والإثبات الذي في هذه الآية التي بين أيدينا "ليس كمثله شيء" نفي للمماثل ، " وهو السميع البصير" إثبات لصفة السمع ، وصفة البصر.
قال :" له الأسماء الحسنى" أي الكاملة التي لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه .
"له الأسماء الحسنى والصفات العلى" : الصفات العلى أي الصفات العليّة الرفيعة التي لا يشبهها شيء ، هذه ثابتة لله تبارك وتعالى .
{ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }: الرحمن هو الله سبحانه وتعالى ، "الرحمن" هذا اسم ، الرحمن اسم لله تبارك وتعالى تضمّن صفة ، تضمن ماذا ؟ صفة ، فالرحمن اسم وفيه صفة ماذا ؟ صفة الرحمة، فنثبت لله تبارك وتعالى اسماً هو الرحمن، ونثبت له أيضاً صفة هي صفة الرحمة على معناها الحقيقي الذي يفهمه العرب .
وما الفرق بين الأسماء والصفات ؟
الاسم في أصله هو ما دلّ على الذّات ، الاسم ما دل على الذّات ، وأمّا الصّفة فهي معنى،
فالأسماء مثل : السّميع ، البصير ، الحكيم ، القدير ، هذه أسماء كلها تدل على الذّات، وهي أيضاً تتضمّن صفات، فيها صفات هي بالنسبة لله حقّ أمّا بالنسبة للعباد من الممكن أن يكون للعبد اسم ويتضمن صفة لكن أحياناً يتحلّى هذا العبد بهذه الصفة وتارة كثيرة لا يتحلّى بهذه الصفة .
فالأسماء إذاً تدلّ على ذاتٍ وتتضمّن صفات، فإذا قلت : يغفر لي الغفّار، فالغفّار هنا ماذا ؟ دلّت على ذاتٍ وهو الله سبحانه وتعالى فهو الذي يغفر الذنوب، ودلّت على صفة المغفرة أيضاً تثبتها لله تبارك وتعالى.
فأمّا الصفة فهي معنى، تدل على معنى فقط ولا تدلّ على الذات كالاسم.
هذا فرق بين الأسماء والصفات .
قال سبحانه وتعالى :{ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }: "الرحمن" هو الله ربّ العزّة تبارك وتعالى،
"على العرش" : العرش في أصل اللّغة هو سرير المُلك ، وسرير الملك يكون بتلك الفخامة والعظمة المعروفة وهو سقف المخلوقات ، هو أعلى المخلوقات كلّها، والرحمن سبحانه استوى عليه أي علا وارتفع بمقتضى اللّغة ، استوى في اللّغة إذا تعدّت بـحرف :" على" فمعناها العلوّ والارتفاع،
رجعنا إلى تفسير السلف، الفرق بيننا وبين أهل البدع هاهنا، نحن نرجع في ذلك إلى تفسير ماذا ؟ السلف ، أصحاب القرون الأولى التي أثنى عليها نبيّنا صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام :" خير النّاس قرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم" ثمّ ذمّ بعد ذلك القرون الأخرى، فالحقّ يكون ظاهراًً وبكثرة عند أصحاب القرون الثّلاثة الأولى وأفقه هذه الأمّة وأعلمها هم أصحاب هذه القرون الأولى ، ومن نظر وتأمّل وقارن بدا له ذلك جليّا وكما قال غير واحد من السلف : " العلم قليل ولكن كثّره الجاهلون " فكثر الكلام والقيل والقال في كتب المتأخّرين وتجد المسألة عند المتقدّمين يقتصرون فيها على كلمتين وثلاث وتنهي المسألة من أصلها، فعلم المتقدّمين فيه خير وفيه بركة عظيمة وكبيرة جدّا وعلم المتأخّرين كثير ولكنّه قليل البركة .
فرجعنا إلى تفسير السلف في هذه الآية فوجدنا أبا العالية الريّاحي رحمه الله تعالى من أئمّة التّابعين وممّن تتلمذ على جمع من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في الاستواء قال :" العلوّ والارتفاع" وهذا موجود معلّق في صحيح البخاري .
"الرحمن على العرش استوى" : أي علا وارتفع .
{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } : له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما، ما بين السماء والأرض ، وما تحت الثرى أي ما تحت الأرض ، كلّهم ملك له عبيد مدبّرون مسخّرون تحت قضائه وقدره لا يخرج من ذلك شيء .
{ وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } : لكمال علمه تبارك وتعالى ، يعلم السرّ وهو ما تُحدّث به نفسك لا يسمعه أحد ، يعلمه ربّ العزّة تبارك وتعالى .
"وأخفى" : وأخفى من ذلك الذي لم تحدّث به نفسك بعد، كلّ ذلك يعلمه ربّ العزّة تبارك وتعالى .
قال المؤلف رحمه الله :"أحاط بكلّ شيء علما" وهذا لكمال علمه تبارك وتعالى
"وقهر كلّ مخلوق عزّة وحُكما" : قهر : أي أخضعه لسلطانه ، أخضع كلّ مخلوق لسطانه .
"عزّة" : قوّة منه تبارك وتعالى .
"وحُكما" : أي جعله تحت حكمه القدري لا يتمكّن أحد منهم من الخروج عن حكم الله تبارك وتعالى
"ووسع كلّ شيء رحمة وعلما" : فعلمه وسع كلّ شيء وكذلك رحمته، لا يخرج شيء عن علمه تبارك وتعالى ، ورحمته وسعت الجميع .
{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ }: أي ما أمامهم من أمور الآخرة .
{وَمَا خَلْفَهُمْ } : من أمور الدّنيا .
{ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً }: لنقصهم وقصور إدراكهم عمّا يستحقّه الله تبارك وتعالى .
قال :"موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم ، وعلى لسان نبيّه الكريم" : أي نثبت لله تبارك وتعالى من الصّفات ما أثبته لنفسه في كتابه الذي هو القرآن، أو في سنّة نبيّه أي الأحاديث الصّحيحة، لا فرق في ذلك بين متواتر وآحاد، وإنّما أحدث هذا التّفريق أهل البدع والضلال كي يتخلّصوا من دلالة السنّة على صفات الله تبارك وتعالى، أرادوا أن يتخلّصوا من هذه الصّفات فما وجدوا من سبيل إلا بالتّفريق هذا، كي يردّوا أحاديث الآحاد ويستريحون منها وما تبقى عندهم إلا أحاديث متواترة وهي قليلة ، وأحاديث الصّفات فيها أقلّ، ويُعملون فيها معول التّحريف الذي يسمّونه تأويلاً، وبذلك يتخلّصون من السنّة تماماً في الدّلالة على صفات الله تبارك وتعالى على ما سيأتي تفصيله بإذن الله تبارك وتعالى .
ونكتفي بهذا القدر ، ونكون قد انتهينا من مقدّمة المؤلف في ذلك ونبدأ بمادّة الكتاب في الدّرس القادم إن شاء الله تبارك وتعالى .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 08:44   #2
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الثاني]

[الدرس الثاني]




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :


فهذا المجلس الثاني من مجالس شرح لمعة الاعتقاد


قال المؤلف رحمه الله :"التسليم والقبول لآيات وأحاديث الصفات"

قال:" وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقّيه بالتّسليم والقبول"،

أي كلّ ما جاء في الكتاب والسنّة من صفات الله تبارك وتعالى، إذا ثبتت عندنا صفة من صفات الله بآية من كتاب الله أو بسنّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماذا يكون موقفنا ناحية هذه الصفة ؟ أننا نتلقاها بالإيمان، يجب أن نؤمن بها، نصدّق بهذه الصفة ، نعتقد أن الله متصف بتلك الصفة، ونتلقاها أيضاً بالتسليم والقبول، بقبولها وعدم ردّها وعدم إنكارها والانقياد لما جاء عن الله تبارك وتعالى من غير اعتراض عليه بعقولنا، هذا هو الواجب علينا ناحية الصفات وناحية كلّ أمر جاء في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،

والمقصود "بما صح عن المصطفى صلّى الله عليه وسلّم" جميع الأحاديث، سواء كانت هذه الأحاديث أحاديث متواترة أو أحاديث آحاد ، كلّها تُقبل وكلها تؤخذ بالتّسليم والقبول، لا يفرِّق أهل السنّة والجماعة ما بين الأحاديث المتواترة وأحاديث الآحاد، والأحاديث الواردة في الصفات كالأحاديث الواردة في الأحكام لا فرق ، هذا ما ذكره إسحاق بن راهويه رحمه الله عندما عرض عليه أحد الأمراء هذه المسألة، فقال له حديث نزول الرحمن تبارك وتعالى ، قال : يا أمير المؤمنين هذه الأحاديث جاءنا بها الذين جاؤونا بأحاديث الأحكام ، لا فرق ، هكذا كان السلف رضي الله عنهم يتعاملون مع أحاديث الصفات، لا يفرقون بين متواتر وآحاد،

هذه البدع المحدثة التي أحدثها أهل البدع من أخذ الصفات من الأحاديث المتواترة أو من عدم رد الأحاديث المتواترة إذا جاءت في الصفات، وردّ الأحاديث الآحاد، هذه بدعة من العقلانيين، ابتدعها العقلانيون ، أمّا أهل السنّة و الجماعة فيقبلون جميع الأحاديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الصفات سواء كانت متواترة أو كانت أحاديث آحاد، لا فرق عندهم،

السبب الذي جعل العقلانيين يفرقون هذا التفريق هو الخلاص من الكثير من سنّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، عندما أصّلوا أصولهم الفاسدة واجهتهم هذه الأحاديث فأرادوا أن يتخلّصوا منها فوضعوا بدعتهم هذه"أحاديث الآحاد لا تقبل في الصفات" ماذا يقبل ؟

الأحاديث المتواترة، ثم ماذا يفعلون بالأحاديث المتواترة إذا خالفت خيالاتهم العقلية ؟ يحرّفونها ويتلاعبون بها ويغيّرونها ويشكّلونها كما يحبّون، فأحاديث الآحاد مردودة والأحاديث المتواترة محرّفة وانتهى ، وهكذا تخلّصوا من أدلّة السنّة كلّها .

قال:"وكلّ ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتّمثيل"
إذاً فلا يجوز لنا أن نتعرض لصفات الله تبارك وتعالى بالرد أي يحرُم أن نرفضها ، ما ثبت في الكتاب والسنّة من صفات الله تبارك وتعالى يحرم أن ننكره والواجب علينا أن نعتقده كما تقدّم .



"والتأويل" : المراد بالتأويل هنا صرف اللفظ عن ظاهره ، عن حقيقته التي تقتضيها اللغة العربية، صرف اللفظ عن ظاهره، هذا التأويل المراد هنا محرم، صرف اللفظ عن ظاهره أو تفسير المعنى بغير حقيقته هذا مردود محرّم استعماله في الصفات، وأي دليل شرعي في الكتاب والسنة لا يجوز لك أن تصرفه عن ظاهره المتبادَر إلا إن وُجد دليل صحيح يدلّ على هذا الصرف،

التّأويل يُستعمل على ثلاثة معان :

المعنى الأول : التفسير : التأويل بمعنى التفسير، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس :"اللّهمّ علّمه التّأويل" ومنه استعمال الكثير من المفسّرين كابن جرير وغيره عندما يقول :"وتأويل هذه الآية كذا وكذا" أي : تفسيرها .

ويأتي التأويل بالمعنى الثاني : بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، الحقيقة التي يصير إليها الكلام ومن ذلك قول يوسف عليه السلام { يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ } [ يوسف/100]، عندما وقع وتحققّت الرؤيا قال لأبيه: هذا تأويل رؤياي، أي هذا ما آلت إليه الرؤيا وما وصلت إليه، فهذه حقيقتها ، هذا المعنى الثاني للتأويل .



والثّالث هو المعنى الاصطلاحي الذي ذكرناه: وهو صرف اللفظ عن ظاهره لقرينة، وهذا غير جائز إلا مع وجود الدليل الصحيح ، نعم.

"وترك التعرض له بالرد والتأويل" أي التفسير الباطل الذي هو التحريف ، أو التأويل الفاسد، صرف اللفظ عن ظاهره بغير وجود دليل أصلا .



"والتشبيه" إثبات مشابه لله تبارك وتعالى فيما يختص به من الصفات .

"والتمثيل" أيضا يَحرم إثبات مماثل لصفاته .

"وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا وتَرْك التعرض لمعناه"
الآن في الشطر الاوّل تكلّم المصنّف رحمه الله عن القسم الأوّل من الصفات وهو القسم الواضح في معناه، لا خفاء فيه "الرحمن على العرش استوى" كلام واضح صريح ، نثبت به صفة الرحمة لله تبارك وتعالى ونثبت به صفة العلوّ والارتفاع عن العرش، هذه الصفات كما ذكر المؤلف رحمه الله، يجب الإيمان بها وتلقيها بالتسليم والقبول ولا يجوز التعرض لها بالرد أو التمثيل أو التشبيه والتأويل .



القسم الثاني : وهو ما أشكل من ذلك، هذا الذي فيه إشكال، يُشكل على بعض النّاس دون بعض، بعض الصّفات تمرّ بالشّخص يقف حائراً أمامها ، هل تُثبَت مثل هذه أم لا تثبت ؟ أم ما معناها ؟ يختلط عليه الأمر فلا يتمكّن من فهم معناها، ففي هذه الحالة يَردّ علمها إلى الله تبارك وتعالى، لا يتكلم فيها ولا يخوض فيها، يترك علمها إلى الله تبارك وتعالى.

قال :"وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا" اللفظ نؤمن به، نؤمن باللفظ لأنه ثابت أمامك ما يحتاج، لكن المعنى الذي أشكل عليك هو الذي ترده إلى الله سبحانه وتعالى .



"وترك التعرّض لمعناه ، ونَردّ علمه إلى قائله" نقول: الله أعلم به .



"ونجعل عهدته على ناقله" الذي يتحمّل مسؤوليته هو الذي نقله لنا في سنّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلم .

"اتّباعا لطريق الرّاسخين في العلم" : ما معنى الرّاسخين في العلم ؟ الذين ثبتت أقدامهم في هذا العلم وأصبح العلم بالنّسبة لهم كالجِبلِّة ، هؤلاء هم الرّاسخون في العلم .

"الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين - في القرآن - بقوله سبحانه وتعالى { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } " : كلّ هذا القرآن وما جاء فيه من صفات كلّها من عند الله تبارك وتعالى، إذاً فصار الآن عندنا أقسام الصّفات قسمان:

قسم واضح بيّن لا إشكال فيه وهذا يُثبَت لفظه ومعناه، وأكثر الصفات من هذا القبيل .



القسم الثاني: وهو ما أشكل معناه، نُثبتُ لفظه ونفوّض معناه إلى الله تبارك وتعالى، لكن هذا الإشكال لا يكون للأمّة كاملة ربّما يُشكل على شخص ، يشكل على زيد ولا يشكل على عمرو، فيكون مفهوماً بالنّسبة لعمرو، لكن بالنسبة إلى زيد أشكلت عليه هذه ففوّض معناها إلى الله تبارك وتعالى لأنّها مشكلة.. فهو داخل في قول الله تبارك وتعالى { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن/16]، هذا الظاهر من كلام المصنّف وأنّه يريد هذا المعنى، البعض فهم على المؤلّف أنّه يقرّر ما قرّره المفوّضة هاهنا، وهذا خطأ، الذي يريده المصنّف والله أعلم هذا المعنى الذي ذكرناه، فمَن أشكلت عليه أيّ مسألة علميّة من الكتاب والسنّة وجب عليه أن لا يخوض فيها إذا لم يتمكّن أن يفهم معناها، ويفوّض أمرها إلى الله سبحانه وتعالى ويترك أمرها إلى الله سبحانه وتعالى .

.ماهو مذهب المفوّضة ؟

مذهب المفوّضة هم الذين يقولون: نفوّض المعنى والكيف إلى الله،

تقول: (الرّحمن)، يقول لك: هنا (الرحمن) هذه الكلمة لا نفهم معناها ، يفوضون المعنى والكيف ، هؤلاء المفوِّضة فلا يثبتون الصفات لله سبحانه وتعالى ولكنّهم يفوّضون معانيها إلى الله سبحانه وتعالى، فهو مذهب الجهل بصفات الله تبارك وتعالى، هذا هو مذهب المفوّضة، والمفوضة هؤلاء قسم من الأشاعرة، الأشاعرة قسمان :

مفوّضة، ومؤوّلة (محرِّفة)

بعضهم يحرّف الصّفات عن معانيها الصحيحة وبعضهم يفوّض الصّفات يقول: الله أعلم بمعانيها لا نعرف، هؤلاء مفوضة ومؤوّلة.

المؤوّلة الذي يحرّفون الصفات، (الرّحمن) يقول لك: إرادة الإحسان، حرَّفها عن معناها، مال بها ، (اليد): القدرة أو الإرادة، حرّفها، هذا من الباطل، اليد شيء والقدرة شيء آخر،

الرّحمة شيء وإرادة الإحسان شيء آخر، هي من لازمها وليست هي نفسها،

فالأشاعرة يقسِّمون أنفسهم إلى قسمين : مؤوّلة ومفوّضة، وينسبون مذهب التفويض إلى السّلف، يقولون: السلف كانوا مفوّضة، لذلك يقول قائلهم : مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، وماذا يعنون بمذهب السلف هنا ؟ مذهب التّفويض، المفوضة جهلة، فجعلوا السلف جُهّال، من هذا القبيل عظّموا علمهم وعظّموا أنفسهم فاغترّوا بحالهم فانحرفوا عن جادّة الصواب، استهانوا بالسلف وعلمهم وقلَّلوا واحتقروا علمهم فأدى بهم الحال إلى ما تسمعون من مجازفات في نفي ما أثبت الله تبارك وتعالى لنفسه من الصفات .



فالخلاصة أنّ الأشاعرة منهم مؤوّلة، وهؤلاء الذين يحرّفون الكلام ولا يثبتون الصفات على حقيقتها، ويفسرونها تفسيرات باطلة من عندهم، وقسم آخر هم المفوّضة الذين يفوّضون معاني الصفات ولا يثبتون حقائقها، فهذا التّفويض باطل وغير جائز إلا في حال أن تكون الصفة قد أشكلت عليك ولم تتمكّن من فهمها فعندئذ تتوقّف فيها وتسكت .نعم .






قال رحمه الله :"وقال في ذمّ مبتغي التّأويل لمتشابه تنزيله{ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ }



"فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ" أي ميل عن الحق ولهم مقاصد فاسدة، "فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ" يتبعون ما تشابه من الآيات التي وردت،

"ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ "، هذه الآيات ذكرنا معنى التأويل فيما تقدّم فهؤلاء الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه، يتركون الآيات المحكمات ويتبعون المتشابه، القرآن منه محكم ومنه متشابه،

قال الله تبارك وتعالى { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } [ آل عمران/7]تأمّل هذه الآيات،

آيات القرآن مقسّمة إلى قسمين :

منه محكمات، ومنه متشابهات،

المحكمات قال الله تبارك وتعالى فيها " هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ" أي أصل الكتاب، الآيات التي يجب أن يُعتمد عليها في تقرير المعاني، آيات محكمات أي واضحات المعنى والدّلالة لا إشكال فيها،"هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ" أي أصل الكتاب،

" وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ " يلتبس معناها على الكثيرين، تعطي أكثر من معنى ففيها غموض، فما هو الواجب علينا ؟

الواجب علينا عندما تمرّ بنا هذه الصفات المتشابهة أن نردّها إلى المُحكمة ، ونفهما بناءً على المحكمة، فإذاً يكون الأصل عندنا في تقرير المعنى هو ماذا ؟ الآيات المحكمات، ثمّ المتشابهات تردّ إليها،

مثال ذلك: جاءت عندنا آيات كثيرة وكثيرة جدّا تدلّ على علوّ الله على خلقه،

منها قول الله تبارك وتعالى { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه/5]

ومنها قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلم للجارية :" أين الله ؟ قالت : في السّماء، قال : اعتقها فإنّها مؤمنة"

وآيات وأحاديث كثيرة جدّا أوصلها بعضهم إلى ألف دليل يدلّ على علوّ الله على خلقه،

هذه محكمة أو غير مُحكمة ؟ محكمة، دلالتها واضحة صريحة لا خفاء فيها، والأدلّة في ذلك كثيرة، هذه تسمى محكمة، فمثل هذه هي التي تقرر المعنى الذي نتحدث عنه، ثم إن جاءتنا آية أو حديث يعطي أكثر من معنى، يعطي هذا المعنى ومعنى آخر ثاني وثالث ورابع، ماذا نفعل به ؟ نرده إلى المحكم، قال الله تبارك وتعالى { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } [ الحديد/4]، آية في هذا الباب متشابهة تُرَد إلى ماذا ؟ إلى المحكم ، نقرأ الآية من أولها إلى آخرها نجدها تدلّ على العلم ، وهو معكم أينما كنتم ، بماذا ؟ بعلمه ، رددناها في ذلك إلى المحكم، هكذا يكون التعامل مع آيات الله وسنن النبي صلّى الله عليه وسلّم،تأخذ الدليل الواضح في المعنى وتجعله أصلاً، ثمّ تردّ إليه المتشابه، هذه طريقة الرّاسخين في العلم، { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } [ آل عمران/7] ،

الآن هل الوقف في هذه الآية على قول الله تبارك وتعالى { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ } نقف ثم نُكمل ونقول { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا }؟ فيكون الذي يعلم التّأويل فقط الله سبحانه وتعالى ، أم نُكمل ونقول { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } ؟ فيكون الذي يعلم التأويل مَن ؟ الله والرّاسخون في العلم، لذلك جاء عن ابن عباس أنه كان يقول :"أنا من الذين يعلمون تأويله" لأنه من الرّاسخين في العلم ، هنا عندنا تفصيل وهذا هو الراجح في فهم معنى الآية :

إن كان المقصود من التأويل : التفسير فالوقف يكون على ماذا ؟ على "والرّاسخون في العلم" فيكون الذي يعلم تفسير القرآن: الله سبحانه وتعالى والراسخون في العلم، لأن القرآن وصفه الله سبحانه وتعالى بأنّه واضح وبأنّه بيّن وأنه هدى ، فهذا كلّه يقتضي أن لا غموض في القرآن، لأنه لا يوجد آية في كتاب الله لا تفهمها الأمّة بالكامل، ربما تخفى بعض الآيات على البعض (معانيها) لكنّها لا تخفى كلّها على جميع أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، لا ، لا بد أن يوجد من يفهم كتاب الله تبارك وتعالى.

أما إذا كان المعنى : ما تؤول إليه حقيقة الأمور فيكون الوقف على "إلا الله" لأنّه لا أحد يعلم حقائق أوصاف ما يكون يوم القيامة مثلاً ونحوه إلا الله سبحانه وتعالى، حقائق هذه الأشياء لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فيكون الوقف على "إلا الله"

بهذه الطريقة نصل إلى الصواب في فهم هذه الآية.



قال { فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ }، فهذه علامة وضعها ربنا تبارك وتعالى لتمييز الذين في قلوبهم زيغ من غيرهم من أهل العلم ، الذي في قلبه مرض يترك المحكمات ويذهب إلى المتشابهات،

مثال : أحدهم من أهل الانحراف يترك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: "يأتي زمان على أمّتي يستحلّون الحر والحرير والخمر والمعازف" ويتعلق بماذا في حِلّ الموسيقى ؟ بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: "لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير داود"،

أنت تعرف مباشرة أن مثل هذا في قلبه مرض، زيغ، يتعلّق بالمتشابه ويترك المحكم، عندنا أحاديث واضحة تدل على تحريم الموسيقى والمعازف فتأتي أنت وتتعلق بحديث كهذا، المتأمل فيه يعرف أن شبهتك فيه أوهى من خطوط العنكبوت،

المزمار في لغة العرب يطلق على الصوت الحسن، هل كان أبو موسى واقفاً وفي يده مزمار ويضرب عليه أمام النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى يقال أوتيت مزماراً من مزامير داود ؟ أم داود كان عنده مزماراً يضرب عليه حتى يستدل بمثل هذا الدليل؟

المزمار يطلق على الصوت الحسن وهذا ما عناه النبي صلّى الله عليه وسلّم لأبي موسى، داود كان عنده صوت حسن وأبو موسى الأشعري كذلك، فمثل هذا عندما تسمع كلامه تعرف أنّه من الذين يتعلقون بالمتشابه ويتركون المحكمات،

كذلك أهل البدع والضلال الذين حرّفوا صفات الله تبارك وتعالى، والذين نفوا عن الله تبارك وتعالى أسماءه وهكذا ، والذين ضلوا في مسائل القدر، والذين ضلّوا في مسائل الخروج وآخره، المرجئة ، الخوارج إلى آخره، يتركون الأدلّة المحكمات ويتعلقون بالمتشابهات.

سائل: الذي يقول أن الله معنا بعلمه وبذاته، هذا يطلق عليه الكفر؟

الشيخ : هذا ضلال وهو من عقيدة أهل الحلول والاتّحاد .



قال المؤلف رحمه الله :"فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ" ابتغاء تأويل المتشابه .

"وقرنه بابتغاء الفتنة في الذمّ" لأنّهم يريدون أن يفتنوا عباد الله تبارك وتعالى عن الحق .

"ثمّ حجبهم عمّا أمّلوه، وقطع أطماعهم عمّا قصدوه بقوله سبحانه { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ }، أغلق عليهم الباب،

هذا تقعيد وتأصيل من المؤلف للواجب على المسلم ناحية الأسماء والصفات التي ترِد في كتاب الله وفي سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فعقيدة أهل السنّة والجماعة أن نثبت لله تبارك وتعالى كلّ ما أثبت لنفسه في الكتاب أو في سنّة النبي صلّى الله عليه وسلّم من الأسماء والصفات على حقائقها ، لا نحرّفها، ولا نكيّفها، على حقيقتها التي جاءت من عند الله تبارك وتعالى، على مراد الله كما سيأتي من كلام السلف رضي الله عنهم .

والقاعدة عندنا التي أخرجنا منها الآن بالآية المذكورة، أن بعض الآيات محكمة واضحة، وبعضها متشابهة فيها غموض في معانيها، فالمتشابه يُردّ إلى المحكم، هذه طريقة الراسخين في العلم، أمّا طريقة أهل البدع والضّلال والزّيغ فإنّهم يتعلّقون بالمتشابه ويتركون المحكم، هذه علامة فارقة ما بين هؤلاء وهؤلاء .

نكتفي بهذا القدر إن شاء الله .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 08:46   #3
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الثالث]

[الدرس الثالث]

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد

فهذا المجلس الثالث من مجالس شرح لمعة الاعتقاد


انتهينا في الدرس الماضي من تأصيلات المؤلف رحمه الله حول الأسماء والصفات والكلام عن المحكم والمتشابه وما ذكره الشيخ من تأصيل حول وجوب الإيمان بالأسماء والصفات وردّ المتشابه إلى المُحكم من الآيات، وبقيت فائدة حول هذا الموضوع نسينا أن نذكرها في الدرس الماضي نذكرها في درسنا هذا،
والفائدة هي أنّ الله سبحانه وتعالى وصف آيات الكتاب الكريم بأن منها محكم ومنها متشابه، كما تقدم معنا في الدرس الماضي، من ذلك قول الله تبارك وتعالى { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [ آل عمران/7]، وجاء أيضاً في كتاب الله بأنّ الله سبحانه وتعالى وصف كتابه بأنّ آياته كلها محكمة، فقال: { كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } [ هود/1]
وقال في أخرى { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً } [ الزمر/23]
فوصف كتابه كله بالمتشابه، ففي آيةٍ جعل جميع الآيات مُحكمة وفي أخرى جعل جميعها متشابهاً، وفي ثالثة جعل بعض الآيات محكمة والبعض الآخر متشابه، فطريقة الجمع بين هذه الآيات هو أن الإحكام في التفصيل الذي ذكره أنّ بعضها مُحكم وبعضها متشابه، المراد بالإحكام هنا: الوضوح، أنها آيات واضحات لا إشكال فيها، والمراد بالإحكام في الآية التي وصف فيها آياته بأنها كلها محكمة: الإتقان فجميع الآيات متقنة {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } أي أُتقِنت ، وفي وصفه للآيات بالمتشابهات أي يشبه بعضها بعضاً في الصدق والحق والحُسن.


هذا هو الجمع بين هذه الآيات.



قال المؤلف رحمه الله :كلام أئمة السلف في الصفات



"
قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم :إنّ الله ينزل الى سماء الدنيا وإن الله يُرى في القيامة وما أشبه هذه الأحاديث نؤمن بها ونصدق بها بلا كيْف"
أي لا نخوض في كيفيتها ولا نبحث عنها، لأنّنا لا علم لنا بها، وليس معنى ذلك أن الصفة لا كيفية لها، لا، الصفة لها كيفية، ولكننا لا نعلمها.


قال:"لا كيف ولا معنى"


ولا معنى يخالف معناها الحقيقي كما تفعله المعطلة الذين يحرفون الصفة عن حقيقتها، فيفسرونها بمعنى آخر، فإن المعنى الذي نزل به القرآن معروف مفهوم بمقتضى اللغة كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم (ليس به خفاء ولا جهالة) والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة، فالمعنى المراد نفيه هنا هو المعنى الباطل الذي تفسره به المعطلة، لا المعنى الحقيقي للصفة، لأن هذه الكلمة وما شابهها من بعض كلام السلف تعلق به المفوّضة، وقالوا: نفوّض الكيف والمعنى وهذا هو مذهب السّلف ، كيف ؟ الآن الإمام أحمد يقول: لا كيف ولا معنى،
وجاء عن أكثر من واحد هذا الكلام،
إذاً هم ينفون المعنى عن الصّفة فنحن نفوّض الكيف والمعنى، وهذا الكلام باطل بدليل أن الإمام أحمد نفسه ورد عنه تفسير بعض الصفات بحقيقتها وكذلك عن غيره من السلف كما جاء عن أبي العالية الرياحي أنه قال في الاستواء:"هو العلو والارتفاع"، فهنا فسر الاستواء بمعناه الحقيقي، إذاً السلف ليس من مذهبهم تفويض المعنى، المعنى عندهم معلوم، واضح، لا خفاء فيه، لكنهم يفوضون الكيف لأن الكيفية لم يذكرها لنا ربّنا تبارك وتعالى، فلا سبيل إلى معرفتها، لذلك نفوضها إلى الله سبحانه وتعالى، أمّا المعنى ، لا ، قد ذكر الله سبحانه وتعالى الصفات بكلام عربي فصيح واضح لا خفاء فيه، فنفهمها بمقتضاها اللغوي.

" ولا نردّ شيئاً منها" بل نؤمن بها جميعاً

"
ونعلم أنّ ما جاء به الرّسول حقّ، ولا نرد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم"، لا نردّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما جاء به، فما جاء به النّبي صلّى الله عليه وسلّم صدق وحق، فنؤمن به ونصدّق به.


"ولا نصف الله بأكثر ممّا وصف به نفسه" أي نقف في صفات الله عند كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، لا نزيد ولا ننقص، نقف عند الكتاب والسنّة ، الكلام في ذات الله وفي صفاته أمر عظيم، الواجب فيه الوقوف مع ما جاء في الكتاب والسنّة، فكلّه توقيفيّ لا يجوز للشخص أن يُعمل عقله وذهنه في أمرٍ كهذا .


قال :"بلا حدّ ولا غاية" أي لا نكيّف صفات الله تبارك وتعالى فنذكر حدودها وغاياتها وكيفيتها فلا يعلم ذلك إلا الله تبارك وتعالى "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " ، نفي وإثبات، هذا هو التّوحيد في الصّفات، تنفي المماثلة فلا شيء يماثل الله سبحانه وتعالى لا في ذاته ولا في صفاته "ليس كمثله شيء" ، وهو السّميع البصير" نفى ولكنّه أثبت، أثبت لنفسه سمعاً وأثبت لنفسه بصراً فنثبت له السّمع والبصر، وننفي أن يكون لأحد سمع وبصر يماثل سمع وبصر الخالق تبارك وتعالى .


"ونقول كما قال ، ونصفه بما وصف به نفسه ، لا نتعدّى ذلك" نقول كما قال الكتاب وكما جاء عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم في سنّته، ونصفه بما وصف به نفسه فلا نعطل الله تبارك وتعالى عن صفاته .


"ولا يبلغه وصف الواصفين" لا أحد يستطيع أن يصف الله، الله هو الذي يصف نفسه، فلا نصفه إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو في سنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم .


"نؤمن بالقرآن كلّه محكمه ومتشابهه" لا نردّ على الله تبارك وتعالى شيئا .


"ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شُنّعت" أي نثبت الصّفات ولو أقام أهل البدع الدّنيا ولم يقعدوها علينا من أجل إثباتنا لصفات الله التي ذكرها في كتابه أو في سنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم لالتزمنا بها ووصفنا الله سبحانه وتعالى بها بما أنّه وصف نفسه بها، فلا نبالي بتشنيع أهل البدع والضلال علينا ولو وصفونا بالمشبّهة أو بالمجسّمة أو بالحشويّة أو بغير ذلك من المعاني والألفاظ، المهمّ عندنا أنّنا نؤمن بما أمرنا الله تبارك وتعالى بالإيمان به .


"ولا نتعدّى القرآن والحديث" هذه هي عقيدتنا، لا نتجاوز كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في النّفي وفي الإثبات .

"
ولانعلم كيف كُنه ذلك" أي لا نعلم حقيقة الصّفات، لا نعلم كيفيتها، أمّا معناها فهو معلوم عندنا .


"
ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وتثبيت القرآن" هذا هو، ما نعلم إلا أن نصدّق النّبي صلّى الله عليه وسلّم ونؤمن بما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى ، هذا هو واجب المسلم ناحية صفات الله تبارك وتعالى .


قال رحمه الله :"قال الإمام أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشّافعيّ" نقل أوّلا كلام الإمام أحمد وهو إمام أهل السنّة في زمنه، في زمن الإمام أحمد قامت البدع على قدم وساق وصار لأهلها شوكة ومنعة، فصاروا يصرخون ببدعهم وضلالاتهم وينشرونها ويدعون النّاس إليها، فقام لهم الإمام أحمد رحمه الله قياماً عظيماً وصدّهم وثبت في وجوههم وجاهدهم حقّ الجهاد، فلذلك سمّي رحمه الله بـ"إمام اهل السنّة" في زمنه .
وأمّا الإمام الشّافعيّ فهو أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشّافعيّ إمام أيضا من أئمّة السنّة والحديث في زمنه رحمه الله وهو صاحب المذهب الشّافعيّ المعروف .


قال رحمه الله :"آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله"
، آمنت بالله وبما جاء عن الله أي بالقرآن، على مراد الله، أي أؤمن به وأصدّق به على ما أراد الله سبحانه وتعالى من معنى .


"وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله" في سنّته صلى الله عليه وسلم ، "على مراد رسول الله" على المعنى الذي أراده النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في سنّته .
هذا كلّه تأصيل عام لمنهج أهل السنّة سواء كان في الأسماء والصّفات أو حتى في أمور الشّريعة والدّين كلّها، كلام الشافعي رحمه الله .


قال رحمه الله :" وعلى هذا درج السلف وأئمّة الخلف" أي على هذا الذي ذكره من كلام الإمام أحمد وكلام الإمام الشّافعيّ مشى السّلف، وهم الصّحابة ومن اتّبعهم بإحسان من أصحاب القرون المفضّلة، وهي القرون الثّلاثة .


قال:" وعلى هذا درج السّلف وأئمّة الخلف رضي الله عنهم" أي ممن اتّبع السلف
، "كلّهم متّفقون على الإقرار" أي الإقرار بالصّفات والإيمان بها،
"
والإمرار" أي إمرارها من غير تكييف ولا تحريف، "والإثبات" أي إثبات معناها،
"
لِما ورد من الصّفات في كتاب الله وسنّة رسوله من غير تعرّض لتأويله" أي لتفسيره تفسيراً فاسداً (كتفسير المعطّلة) .


قال رحمه الله:التّرغيب في السنّة والتّحذير من البدعة


قال:"وقد أُمرنا بالاقتفاء لآثارهم" آثار من ؟ آثار السلف الذين قرّر قبل قليل القواعد والأصول التي ينتهجونها في أسماء الله وصفاته،
قال هنا:" وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم" فالواجب علينا أن نسير كما ساروا،
"
والاقتفاء لآثارهم": الأثر ما بقي من رسم الشّيء ، كمحلّ دوس القدم مثلاً،
"
والاقتفاء": الاتّباع، أي اتّباعهم على ما كانوا عليه من أمر الدّين، أُمرنا بذلك،
"
والاهتداء بمنارهم" الاهتداء أي نعرف الطريق بالمنارات التي وضعوها لنا، وأصل المنارة مكان مرتفع توضع عليه المصابيح أو أعلام الطرق، مثل المنارات التي ترونها عند شواطئ البحار تكون منارة عالية مرتفعة، مبنى عالٍ مرتفع وعليه ضوء يدور ويضوي ، هذه منارة، علامة كي ترشد السفن إلى الشّواطئ، هذه منارة، هذا معنى المنارة أساساً . السّلف كأنّهم في منهجهم الذي كانوا عليه وفي طريقهم الذي بيّنوه لنا وضعوا لنا منارات كهذه المنارات، فالواجب علينا أن نستضيء بهذه المنارات ونسير على نفس الطريق التي كانوا عليها، "وحُذِّرنا المحدثات" المحدثة أي الأمر الجديد في الدّين، ويُعرف الجديد كيف ؟ بعدم وروده في الكتاب والسنّة، بكونه لا أصل له في الكتاب أو في السنّة، إذاً فهو دين جديد، العامّة اليوم عندما تطبّق عندهم سنّة ماذا يقول لك ؟ ما هذا الدين الجديد الذي أتيتنا به ؟ لكن ما ضابطهم في الجديد ؟ ضابطهم في الجديد أنّهم لم يعتادوا عليه، فقط،لا، الضّابط في الجديد هو ما لا أصل له في الكتاب والسنّة، هذا هو الذي يسمّى ديناً جديداً .


"وأُخبرنا أنّها من الضلالات" ما هي ؟ المحدثات، العبادات التي تأتي جديدة ولا أصل لها في الكتاب والسنّة ولم يكن عليها السّلف الصّالح رضي الله عنهم، هذه ضلالات، محدثات، والضّلالة ضدّ الرّشاد، ضدّ الرّشد، ضدّ الهداية، أي انحراف عن الحقّ .
" فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم :(عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي عضّوا عليها بالنّواجذ وإيّاكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة) "
الآن المؤلف رحمه الله يريد أن يستدلّ على ما قدّم لك، ماذا قال في البداية ؟
"
وقد أُمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم" أين هذا الأمر ؟ قبل الحديث الذي جاء به نأتي نحن بآية من كتاب الله ، فماذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ؟ قال { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً } [ النساء/115]،
ماذا قال؟ ، قال: { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ }، مَن المؤمنون الذين كانوا عند نزول هذه الآية ؟ هم صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إذاً فالواجب أن نسير على سبيلهم ، على طريقهم، وإلاّ فلماذا ذُكروا ؟
وكذلك قال الله تبارك وتعالى{ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } [ التوبة/100] فكان الرضى من نصيب مَن ؟ الصّحابة ومن اتّبعهم بإحسان ، إذاً هذه كلّها آيات تدلّ على أنّ النّاجي هو الذي يتّبع منهج السلف، وجاء في الحديث الذي ذكره المؤلف "عليكم بسنّتي" أي الزموا سنّتي ، السنّة ما هي ؟ هي الطّريقة، والسنّة هنا المراد بها طريقة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، دينه الذي جاء به سواء كان قولاً، أو فعلاً، أو تقريراً،
"
عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي" أي طريقة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي، "عضّوا عليها بالنّواجذ" من هم الخلفاء الرّاشدون المهديّون من بعده ؟ هم : أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ، من أين ولماذا خصّصت بالأربع ؟ نقول لك: لأنّ حديث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي رواه سفينة يقول: "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة"، وإذا عددت السّنين الثّلاثين وجدتها تنتهي بعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه،
إذاً هؤلاء هم الخلفاء الرّاشدون الذين أوصى النّبي صلّى الله عليه وسلّم باتّباع سنّتهم (باتّباع طريقتهم) .

"عضّوا عليها بالنّواجذ" سنّته وسنّة الخلفاء من بعده،
(
النّواجذ) جمع ناجذ وهو الضّرس، أي احرصوا عليها وتمسّكوا بها، مثلما نقول نحن اليوم : "امسك بها بيديك وأسنانك" .


"
وإيّاكم ومحدثات الأمور" أي احذروا من محدثات الأمور ،
"
فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة" وكلّ ضلالة في النّار كما جاء في رواية،
إذاً ، الآن كلّ محدثة بدعة، وقلنا بأنّ المحدثة هي الأمر الجديد في الدّين، الذي لا أصل له في الكتاب والسنّة،
إذاً فالبدعة لغة : ما أُحدث على غير مثال سابق .
وفي الشّرع : ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشّريعة يدلّ عليه، لأنّ دين الله، دين الإسلام، هو كتاب وسنّة،
فإذا جاء دين لا أصل له لا في الكتاب ولا في السنّة فهو محدث ، فهو بدعة، والبدعة ضلالة، والضّلالة في النّار، أي صاحبها،
إذاً فالبدعة كبيرة من الكبائر، لأنّ من تعريف الكبائر: ما تُوُعّد عليه بعقاب أو عذاب، فالبدعة كبيرة من الكبائر وعظيمة من العظائم، وخطر البدعة يكمن في أنّ البدع إذا سُكت عنها وتوسّع النّاس في الإحداث والابتداع في دين الله سيؤدّي ذلك إلى انطماس شريعة الله واستبدالها بآراء وأهواء البشر كما حصل مع اليهود والنّصارى، ومع الرّافضة والصّوفيّة اليوم، فتحوا باب الابتداع على مصراعيه فأخذوا يستحسنون بآرائهم وعقولهم حتى خرجوا من دين الله تماماً، هذا هو طريق البدعة، فرحم الله السلف، نظرتهم كانت ثاقبة، فكان بعضهم يقول: "البدعة بريد الكفر"، البريد يوصلك إلى هذه النّتيجة، فالحذر الحذر من البدعة والابتداع، ومن هنا نجد السلف رضي الله عنهم يشدّدون في مسائل البدع والابتداع ويحرصون على التّحذير ممّن يدعو إلى بدعة أو ضلالة، لأنّ السّكوت عن مثل هذا يؤدّي إلى انطماس الدّين وذهاب الحقّ ، وهذا لا يجوز السّكوت عليه البتّة،
لا تأخذك الحميّة لشخص من الأشخاص إن أحببته أو رأيت فيه شيئاً من الخشوع وإن كانت فيه بدعة، فتأخذ بالدّفاع عنه والذبّ عنه لأنّك أحسنت الظنّ به، خطأ ، البدعة أمرها خطير، وغيرتك على دين الله أَولى لك من غيرتك على فلان أو فلان، محبّتك يجب أن تكون لشرع الله، تقدّم كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على شيء وعلى كلّ أحد،
المبتدع الذّي يضلّ النّاس عن سواء السّبيل والذي يريد أن يفسد شريعة الله هذا يجب التّحذير منه، من أجل أن تحافظ على شريعة الله صافيّة نقيّة ولمناصحة المسلمين، فإذا لم تبيّن أنت ولم أبيّن أنا فمن أين يعلم النّاس الحقّ من الباطل؟ .




قال المؤلف رحمه الله:"وقال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه :اتّبعوا ولا تبدعوا فقد كفيتم"، ما أجمل هذا الكلام، لا تحاول أن تجعل نفسك رأساً وتأتينا بالآراء والخيالات والغرائب الجديدة كي تجد لك مَن يتّبعك أو كي يقال: فلان قال ، ولكن كُن متّبعاً تبقى على الحقّ .

(
اتّبعوا ) أي اتّبعوا الكتاب والسنّة ومنهج السّلف رضي الله عنهم ، فالصّحابة رضي الله عنهم بيّنوا هذا الدّين، وهذا الشّرع بياناً واضحاً لا خفاء فيه، والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من قبلهم ،(ولا تبتدعوا) فلسنا بحاجة إلى بدعك وخرافاتك ،
(
فقد كفيتم) كفيتم البيان، كفاكم سلفكم أمر بيان هذا الدّين وتفهيم معناه .




"
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه" عمر بن عبد العزيز الأمويّ، الأمير ، الزّاهد ، الورع ، التّقيّ ، كان صاحب علم ، وكان أميراً عادلاً ،
قال رحمه الله :"كلاماً معناه :قف حيث وقف القوم"، السلف الصالح رضي الله عنهم ما اتبعوه وبيّنوه ووضّحوه من السنّة فخُذ به واعمل به، وما سكتوا عنه فاسكت عنه وانتَه ، وما انتهوا عن الخوض فيه فانته أنت عن الخوض فيه، فقف عنده ولا تتجاوزه.


قال:"فإنّهم عن علم وقفوا" عندما وقفوا عند نقطة معيّنة كانوا يفهمون لماذا وقفوا ، "وببصر نافذ كفّوا" ببصر قويّ توقّفوا،
"
وهم على كشفها كانوا أقوى" علمهم أقوى من علم مَن جاء بعدهم وأكثر وأغزر ، فلو كان هناك ما يحتاج إلى العلم فهم كانوا أقدر على استخراجه وبيانه،
"
وبالفضل لو كان فيها أحرى" ولو كان في كشفه فضل، فهُم من أحرص النّاس على الفضل وعلى الخير ،
"
فلإن قلتم حدث بعدهم" إن قلت قضيّة حصلت ولم تكن في زمنهم ، "فما أحدثه إلا مَن خالف هديهم ورغب عن سنّتهم " زَهِدَ في طريقتهم يعني ، "ولقد وصفوا منه ما يشفي ، وتكلّموا منه بما يكفي" وصفوا من أمر هذا الدّين ما يشفي المريض ، وتكلّموا منه بما يكفي فلسنا بحاجة إلى زيادة على ذلك،"فما فوقهم مُحسِّر" أي متعب نفسه من غير فائدة، "وما دونهم مقصّر" في طلب الحقّ
، "لقد قصّر عنهم قوم فجفوا" من الجفاء وهو التباعد، "وتجاوزهم آخرون فغلوا" من الغلوّ ، مجاوزة الحدّ وهو منهي عنه في الشّرع ، "وإنّهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم" أي إنّهم بين الغلوّ والتّقصير، بين الإفراط والتّفريط، هذا منهج السّلف رضي الله عنهم، وهذه هي طريقتهم.


يقول موسى بن أبي عائشة رحمه الله وهو أحد أئمّة السّلف :"ما أنزل الله من شيء إلا وكان للشّيطان فيه نزغتان : نزغة إلى غلوّ، ونزغة إلى تقصير" فأهل السنّة كانوا دائماً وسطا ، لا إفراط ولا تفريط .


"
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعيّ" الإمام العالم الكبير، شيخ أهل الشّام في زمنه، كان إماماً يُقتدى به وكان له مذهباً سائداً في بلاد الشّام، لأنّه كان من أهل الشّام فكان مذهبه هو السّائد في بلاد الشّام قبل أن يطغى عليه مذهب الإمام الشّافعي رحمه الله، فهو إمام من أئمّة أتباع التّابعين، إمام في زمنه في بلاد الشّام كما كان مالك في المدينة، واللّيث بن سعد في مصر، وسفيان الثّوري في الكوفة ، وعبد الله بن المبارك في خراسان، كان هؤلاء أئمّة زمانهم .


"
قال الإمام أبو عمرو الأوزاعيّ رضي الله عنه :عليك بآثار من سلف" عليك بطريقهم ، "وإن رفضك النّاس" وإن تبرّأ منك النّاس، وإن تركوك، وإن حذّروا منك ، وإن رموك بما رموك به، كلّ هذا لا تبالي به، فإن كنت على الجادة فسيُعزّك الله سبحانه وتعالى،"وإيّاك وآراء الرّجال" كم كان السّلف رضي الله عنهم يوصون بالأخذ بكتاب الله وسنّة رسوله واتّباع منهج السلّف، ويحذّرون من الآراء ، وخالف في ذلك أهل الرّأي في الفقه، وأهل الكلام في الاعتقاد، فكلّهم اعتمدوا على رأيهم في الذين وبقي على الجادّة أهل الحديث.


قال: "وإن زخرفوه لك بالقول" وإن زيّنوه لك باللّسان الجميل فلا تبالي به ولا تنظر إليه، بما أنّه رأي خارج من الرّجال فلا تنظر إليه، فالعبرة بــ قال الله ، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،
والقرون الثّلاثة هي التي كانت على الجادّة، وكان الحقّ فيها ظاهراً قويّاً منتشراً ، التي قال فيها النّبيّ صلى الله عليه وسلّم:" خير النّاس قرني ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، ثم ّ الذين يلونهم" ثمّ ذمّ القرون التي بعد ذلك، وإذا نظرت إلى منهج السّلف في هذه القرون الثّلاث تجده واضحاً نقيّاً صافياً لا غباش فيه ولا خفاء .


قال رحمه الله:" وقال محمّد ابن عبد الرّحمن الأدرميّ لرجل تكلّم ببدعة ودعا النّاس إليها : هل علِمها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ أو لم يعلموها ؟" انظر الآن يريد أن يجادله بالإلزام، يقول :
ما هذه البدعة التي تدعو إليها ؟ تدعو إلى القول بخلق القرآن (فلنفرض)، هل القول بخلق القرآن علِمه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ أم لم يعلموا ؟
قال : لم يعلموها !

انظر كيف وصلت البدعة بهم إلى أي درجة، أن يدّعوا أنّهم علموا أشياء لم يعلمها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم .

"
قال:فشيء لم يعلمه هؤلاء ، أعَلِمته أنت؟ " انتبه الرّجل، "
فقال: فإنّي أقول قد علموها" تراجع ،" قال: أفوسعهم أن لا يتكلّموا به ولا يدعوا النّاس إليه أم لم يسعهم ؟"، إن قال: نعم، قلنا له: هات، أين كلامهم ؟ ولكنّه "قال: بلى وسعهم"، وسعهم أن يسكتوا عن كلّ هذا ،"قال: فشيء وسع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وخلفاءه لا يسعك أنت ؟ فانقطع الرّجل ، فقال الخليفة وكان حاضراً : لا وسّع الله على من لم يسعه ما وسعهم ، وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه والتّابعين لهم بإحسان والأئمّة من بعدهم والرّاسخين في العلم من تلاوة الصفات ، وقراءة أخبارها ، وإمرارها كما جاءت ، فلا وسّع الله عليه" هذا تقعيد وتأصيل من المؤلف رحمه الله لعقيدة أهل السنّة والجماعة في الأسماء والصّفات، اعتمد على ماذا في تقرير ذلك ؟ الكتاب والسنّة ومنهج السّلف رضي الله عنهم ، هذا هو الذي نحن عليه وبهذا نكون قد انتيهنا من التّقعيد وسيبدأ المؤلف رحمه الله في ذكر الصّفات التي وردت في الكتاب والسنّة .
ونكتفي بهذا القدر
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 08:47   #4
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

[الدرس الرابع]




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
فهذا المجلس الرابع من مجالس شرح لمعة الاعتقاد
انتهى المصنّف رحمه الله تعالى من ذكر عقيدة أهل السنّة والجماعة في باب الأسماء والصّفات، وذكر أيضاً عقيدتهم في اتّباع السنّة ومخالفة البدعة، ويبدأ المصنّف الآن بذكر بعض آيات الصّفات .
قال رحمه الله :"فممّا جاء من آيات الصّفات قول الله عزّ وجل { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }" ، في هذه الآية إثبات صفة الوجه لله تبارك وتعالى، فنثبته له لأنّه أثبت هذه الصّفة لنفسه في كتابه وفي سنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، على حقيقتها، ولا نعطّلها كما يفعل أهل التّعطيل، كيف يعطّلونها ؟ يفسّرون الوجه: بالذّات، ولا يثبتون لله وجهاً حقيقياً، قالوا : الوجه موجود في المخلوق، من صفاته، فإذا أثبتنا الوجه للخالق شبّهنا الخالق بالمخلوق، وهذا يلزم منه النّقص، فنقول لهم: هذا لا يلزم، لا يلزم من إثبات وجهٍ لله تبارك وتعالى أن وجهه يشبه وجه المخلوق، فوجه الله يليق بجلاله وعظمته، ووجه المخلوق يليق به، فلا يلزم من كون المخلوق له وجه والله سبحانه وتعالى له وجه أن يكون الوجه كالوجه، فنحن نثبت صفة الوجه لله تبارك وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته، من غير تمثيل لقول الله تبارك وتعالى{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشورى/11]، ومن غير تكييف، لقوله تبارك وتعالى { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } [ طه/110]، ونثبت الوجه لله لقوله تبارك وتعالى { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن/27]، هذا هو التأصيل السنّي السّلفي، وقد كان السلف رضي الله عنهم يقرؤون هذه الآيات ويمرّون عليها كما جاءت، ولم يحرفها أحد منهم، ولم يخرج بها عن معناها الحقيقيّ، فنحن نفعل كما فعلوا ، ولو كان فيها محذور، ولو كانت يلزم منها معاني باطلة لبيّنها السّلف وما سكتوا عنها .
ويقول المؤلف رحمه الله :"وقوله سبحانه وتعالى { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } "، في هذه الآية إثبات صفة اليدين لله تبارك وتعالى، وكذلك في قول الله تبارك وتعالى { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ ص/75]، خلق آدم بيديه سبحانه وتعالى، وأمّا بقيّة المخلوقات فقال لها كوني فكانت، وأهل التّعطيل يقولون: معنى اليد: النّعمة أو القدرة، فقالوا في آدم: خلقه بقدرته، ففسّروا اليد بمعنى القدرة، فردّ عليهم أهل السنّة، فقالوا: وما الفرق إذاً بين آدم وبقيّة الخلق ؟ ، الله سبحانه وتعالى شرّف آدم ويذكر هذا التّشريف لإبليس عندما أمره بالسّجود لآدم قال: (ما منعك أن تسجد لمن شرَّفته ورفعت مقامه بخلقي له بيديّ) فهذه منزلة رفيعة، ففرّق الله سبحانه وتعالى ما بين خلق آدم وخلق غيره من البشر، فعندما تقولون أنتم: خلقه بقدرته فإذاً لم تبقَ لآدم مكانة ولا شرف زائد عن بقيّة الخلق،(..)، إضافة إلى أنّ الله سبحانه وتعالى قال { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ ص/75]، مثنّى، يدان اثنتان لله تبارك وتعالى، وقدرة الله واحدة، فإذاً لا يصحّ هنا أن يفسّر المثنّى بالمفرد، فهذا التأويل الذي هم عليه تأويل باطل، لأنّه تأويل لغير دليل، وإنّما هو تأويل لشُبه عقلية، منعهم من إثبات حقيقة اليدين لله تبارك وتعالى زعمهم أنّ إثبات اليدين لله تبارك وتعالى يلزم منها التّشبيه، إذ إنّ المخلوقات لها أيدي، البشر لهم أيدي، فإذا أثبتنا اليد للخالق وأثبتنا للمخلوق اليد فقد شبّهنا الله بخلقه، وهذا باطل وليس بصحيح، نقول لهم: إثبات اليد لله سبحانه وتعالى، نثبت يداً تليق بجلاله وعظمته، والمخلوق له يد تليق به، قولوا في اليد كما قلتم في الذّات، انتبه لهذه النّقطة، قولوا في اليد وبقيّة الصّفات كما تقولون في الذّات، هل لله ذات أم لا ؟ له ذات، يُقرّون هم بذلك، هل للمخلوق ذات أم لا ؟ له ذات ، هل ذات الله كذات المخلوق ؟ لا ، إذاً، الصفة كالذّات، والوجود كذلك، هل الله موجود أم ليس موجوداً ؟ موجود، العبد موجود أم ليس بموجود ؟ موجود، هل الوجود كالوجود ؟ لا، إذاً بقيّة الصّفات كذلك، ما الذي جعلكم تثبتون هذا وتقولون ليس فيه تشبيه وتنفون ذاك وتقولون فيه تشبيه ؟ ليس لكم حجّة لكم على ذلك، وكذلك القول في بعض الصّفات كالقول في البعض الآخر، الذين يثبتون لله صفة السمع والبصر والإرادة والقدرة والحياة وينفون بقيّة الصّفات نُلزمهم بهذا، نقول: لماذا أثبتّم هذه ونفيتم هذه ؟ إذا كان إثبات هذه يلزم منه التشبيه فإثبات تلك كذلك، فهذا تناقض، لكن الصحيح أن كلّ هذا إثباته لا يلزم منه التشبيه البتّة، فصفات الخالق تبارك وتعالى تليق بجلاله وعظمته وكماله، وصفات المخلوق تليق به وبنقصه .
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وقوله تعالى إخباراً عن عيسى عليه السلام أنّه قال {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ }"، هذه الآية ماذا فيها ؟ فيها إثبات صفة النّفس لله سبحانه وتعالى، وهي كقوله تبارك وتعالى{كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } [ الأنعام/54]، فأثبت النّفس لنفسه، وعيسى أثبت لنفسه نفساً وأثبت لله نفساً، ولم ينكر الله تبارك وتعالى عليه هذا القول، ولا يلزم من ذلك أن نفس عيسى تشبه نفس الله سبحانه وتعالى، لا يلزم، كما أن ذات عيسى لا تشبه ذات ربّ عيسى .
قال المؤلف رحمه الله:"وقوله سبحانه{ وَجَاء رَبُّكَ }، وقوله تعالى { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ }"، (وجاء ربّك) فيها إثبات صفة المجيء، وهي صفة فعليّة، يفلعها الله متى شاء، من الصّفات الفعليّة، وكذلك في قوله (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) هذا يوم يأتيهم الله سبحانه وتعالى لفصل القضاء يوم القيامة، وهذه الصفة، صفة الإتيان صفة فعليّة، أهل التعطيل يفسّرون المجيء والإتيان بمجيء أمره، أو إتيان أمره، وهذا باطل، الله سبحانه وتعالى يقول: (وجاء ربّك) ولم يقل: وجاء أمر ربّك، قولك: (وجاء أمر ربّك) هذا على غير الحقيقة، حقيقة اللّفظ: (وجاء ربّك) يعني جاء ربّك لا يحتاج نقاش، لو أراد الله سبحانه وتعالى الأخرى لقال: وجاء أمر ربّك . فالواجب هو فهم هذه النّصوص على ظاهرها (على حقيقتها) ومَن ادّعى غير الحقيقة يلزمه الإتيان بالدليل الصحيح، لا الدليل العقلي الموهوم، الشّبه الخيالية، هذه لا تقبل، هذه على منهج أهل السنّة والجماعة منهج السّلف الصّالح منهج أهل الحديث لا تمشي، لو أراد الله سبحانه وتعالى خلاف الحقيقة لأوجد لنا دليلاً يبيّن لنا أنّ الحقيقة غير مرادة، ولمّا لم يرِد إذاً فالمراد هي الحقيقة .
وقال المؤلف رحمه الله: "وقوله تعالى { رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ }" ، هذه آية من آيات الصّفات، ماذا تثبت ؟ تثبت صفة الرضى وهي من الصّفات الفعليّة التي نثبتها كما أثبتها الله تبارك وتعالى في كتابه، لماذا نثبتها ؟ لأن الله أثبتها، لماذا نحملها على حقيقتها ؟ لأنه لم يرد ما يدلّ على عدم الحقيقة، لماذا نقول: لا نعلم كيفيتها ؟ لقول الله تبارك وتعالى { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} [ طه/110] .
هذه هي الأصول .
أهل التّعطيل يفسّرونها بماذا ؟ بإرادة الثّواب أو بالثّواب نفسه، يَصرفونها عن حقيقتها، الثواب هو نتيجة الرضى، يلزم من الرضى الثواب، فإذاً الرّضى شيء ولازِمُه أو نتيجته شيء آخر، فلا يفسّر هذا بهذا إلا عند وجود القرينة التي تدلّ على أن الحقيقة غير مرادة .
ثم قال المصنّف رحمه الله: "وقوله تعالى { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }"، صفة المحبّة، فنثبت أن الله يحبّ ونثبت له صفة المحبّة وهي صفة فعليّة أيضاً ، نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته، لا نشبّهها بصفات المخلوق، محبة العبد محبّة تليق به، ومحبّة الله محبّة تليق بعظمته وجلاله، أهل التّعطيل يفسّرونها بإرادة الإحسان أو بالإحسان، الذي هو نتيجة المحبّة، فالمحبّة شيء ونتيجتها شيء آخر، فلا يصحّ صرف المحبّة عن حقيقتها إلا بدليل، ولا يوجد، فالواجب حمْل الآية على حقيقتها مع اعتقاد عدم المثليّة، لقول الله تبارك وتعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }، إذاً، فننفي أن تكون صفة الله مثل صفة عبده، فمن قال: يدٌ كيد، نقول له: مبتدع، ضال، مخرّف، مشبّه يد الله سبحانه وتعالى بيد خلقه؟، هذه بدعة ضلالة، ومن قال: كيفية يد الله تبارك وتعالى كذا وكذا، قلنا له: أنت مبتدع ضال، الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة)، فإذاً، نقول:{ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }، يحبّهم محبّة تليق بجلاله وعظمته، نثبت له هذه المحبّة .
يقول المؤلف رحمه الله: "وقوله تعالى في الكفّار { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ }" هذه أيضا صفة فعليّة، صفة الغضب، فنثبت لله تبارك وتعالى صفة الغضب، كما وصف نفسه في كتابه، هو أعلم بنفسه، فنثبتها لله من غير تعطيل ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تكييف، أهل التعطيل يفسّرونها بالانتقام أو بإرادة الانتقام، الأشاعرة كونهم يؤمنون بصفة الإرادة ويثبتونها لله يحوّلون هذه الصّفات كلّها إلى الإرادة، إرادة الانتقام، إرادة الاحسان، فيفسّرونها إمّا بإرادة الانتقام أو بالانتقام نفسه وهذا كله نتائج ولوازم وليست هي الحقيقة، حقيقة الغضب تختلف عن حقيقة الانتقام، فالواجب هو إثبات الصفة على حقيقتها، إن قلت لي: لا، هي بمعنى الانتقام، قلنا لك: هات، أثبِت الدليل، هذا خلاف ظاهر النص، ومثلها قولها تعالى { فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ } [ الزخرف/55]، هذه الآية جميلة في الرد على أهل البدع وعلى تفسيرهم بالانتقام ، ماذا قال ؟
{ فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ }، فلما أغضبونا انتقمنا منهم، فكانت نتيجة الإغضاب الانتقام ، ففرّق بين الغضب وبين الانتقام .
قال المؤلف رحمه الله: "وقوله تعالى { اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ }"، وهذا إثبات صفة السُّخْط لله تبارك وتعالى أو السَّخَط، يجوز هذا وهذا، والسُّخْط ( أو السَّخَط) نقيض الرضى، والغضب اشتداد السّخط، هذا بمقتضاه اللّغويّ، السخط في اللغة هو نقيض الرضى، ونثبت لله سبحانه وتعالى هذه الصفة كما أثبتها لنفسه من غير تشبيه، ولا تكييف، ولا تعطيل، حرّفها أهل التعطيل إلى الانتقام، لأنها كصفة الغضب فحرفوها بنفس التحريف، فنقول لهم كما قلنا في البداية، الأصل هي الحقيقة، الأصل الحقيقة، تريد أن تؤوّل: عليك بالدّليل .
قال المؤلف رحمه الله:" وقوله تعالى{ كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ }"، الكراهة ، صفة نثبتها لله تبارك وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته، فسّرها أهل التّعطيل بالإبعاد، { كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ } أي أبعدهم.
هذه تفاسير باللّوازم، بالنتائج، وقلنا: الأصل الحقيقة حتى تُثبت الدليل على أن الحقيقة غير مرادة، عندئذ نسلِّم لك وإلاّ فلا .
هذه بعض آيات الصفات التي وردت في كتاب الله، ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى هنا وقد ذكرنا لكم التفصيل في هذا الموضوع والأصول التي يمشي عليها السنّي .
ثمّ يبدأ المؤلف رحمه الله بذكر بعض أحاديث الصّفات نؤجّلها للدّرس القادم إن شاء الله تعالى .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 08:48   #5
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الخامس]

[الدرس الخامس]

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد :

فهذا المجلس الخامس من مجالس شرح لمعة الاعتقاد

انتيهنا في المجلس الماضي من ذكر بعض الصفات التي وردت في كتاب الله تبارك وتعالى، واليوم معنا ذكر بعض أحاديث الصفات .


قال المؤلف رحمه الله: "ومن السنّة قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:" ينزل ربّنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدّنيا"، هذا الحديث فيه إثبات صفة النّزول لله تبارك وتعالى، فنقول: ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدّنيا نزولاً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، هذه قاعدة أهل السنّة والجماعة في التّعامل مع نصوص الصّفات.
قال شريك وإسحاق بن راهويه وهما إمامان من أئمّة أهل السنّة، من أئمّة السّلف عندما ذُكر لهما حديث النّزول، قالا: (إنّما جاءنا بهذه الأحاديث مَن جاءنا بالسنّة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، الصلاة والزكاة والحجّ، وإنما عرفنا الله بهذه الأحاديث)، هذا تقرير السلف لهذه الصفة، وعندما قال أحد الأمراء وهو يناظر إسحاق بن راهويه في هذا الأمر، قال له : ويخلو منه العرش ؟ أراد أن يورد عليه إشكال، أويخلو منه العرش ؟ قال له إسحاق بن راهويه : ويجوز أن لا يخلو منه أم لا يجوز؟ قال : نعم، قال : إذاً فمالك ولهذا ؟ فدعك منه لا علاقة لك بمثل هذه الأمور،
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم:"ينزل ربّنا" ،نقول: ينزل ربّنا، ما قال يخلو منه العرش ولا قال لا يخلو منه العرش، فنسكت عمّا سكت عنه النبي صلّى الله عليه وسلّم .

أهل التعطيل الذين يعطّلون صفات الله تبارك وتعالى ولا يثبتونها له من الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم يفسّرون مثل هذه الصفة بنزول أمره، أو نزول رحمته أو نزول ملك من ملائكته، وهذا كلّه مردود عليهم بأن هذا النزول الذي فسّرتموه به على غير حقيقة اللفظ الذي أخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم ، حقيقة اللفظ: ينزل ربنا يعني ينزل ربنا، وقولكم : ينزل أمره هذا تحريف، لماذا ؟ لأنكم حملتم اللفظ على غير حقيقته لغير وجود دليل صحيح في ذلك، فهذا يسمى تحريفاً وإن كانوا هم يسمّونه تأويلاً، لكنه تأويل باطل، التأويل جائز وصحيح إذا وجد الدليل على صحته، وإذا لم يوجد الدليل على صحته فهو تحريف وتأويل باطل، مردود على صاحبه.


قال المؤلف رحمه الله:" وقوله: يعجب ربك من الشابّ ليست له صبوة"، هذا الحديث فيه إثبات صفة العَجَب لله سبحانه وتعالى، ولكن هذا الحديث ضعيف أعلّه غير واحد من أهل العلم بابن لهيعة، وابن لهيعة ضعيف، ولكن يغني عنه في إثبات هذه الصفة قول الله تبارك وتعالى { بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ } [ الصافات/12] القراءة جاءت بل عجبتَ ويسخرون، وجاءت أيضاً قراءة: بل عجبتُ ويسخرون، وكِلا المعنيين صحيح ،
بل عجبتُ ويسخرون أي عجِب الله تبارك وتعالى، ففيه إثبات صفة العَجَب لله تبارك وتعالى.
وكذلك قال صلّى الله عليه وسلّم:" قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما اللّيلة" قاله النبي صلّى الله عليه وسلّم لاثنين من الصحابة رجل وزجته استضافا رجلاً وما كان عندهما من الطعام ما يكفي فأطفئا الضوء وقدما الطعام وأوهما الرجل أنهما يأكلان معه فأكل هو الطعام ونام هنيئاً قرير العين، فقال لهما النبي صلّى الله عليه وسلّم:" قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما اللّيلة" ، وأيضاً جاء في الصحيحين قال صلّى الله عليه وسلّم:"عجب الله من قوم يدخلون الجنّة في السلاسل"، وهذا الحديث في صحيح البخاري فيه إثبات صفة العجب لله تبارك وتعالى .

أنكر هذه الصفة قوم، وقالوا: لا يعجب إلا من لم يعلم، فعندما علم تعجّب، فإذاً فيه إثبات الجهل وهذا لا يجوز على الله سبحانه وتعالى، قالوا: لا يتعجب شخص من شيء إلا وقد جهله، وبعد أن علمه اندهش منه وتعجب له، قالوا: إذاً لا يجوز أن يوصف الله سبحانه وتعالى بالعجب، لكن ردّ عليهم أهل السنّة وقالوا: فهمكم للعجب خطأ إذ إنّكم أدركتم نوعاً من أنواع العجب، والعجب نوعان وليس نوعاً واحداً:
الأول هو الذي ذكرتموه والله تبارك وتعالى منزّه عنه ولا شكّ، ولا يوصف الله سبحانه وتعالى بهذا العجب،
أمّا الثاني : وهو الذي يوصف الله تبارك وتعالى به، أن يخرج الشيء عن نظائره فتتعجّب لذلك،
مثلاً يكون عندك صبي صغير ، هذا الصبي يتكلم ويحسن الكلام وأنت تعلم أنه قادر على النطق بجملة معيَّنة ولكن العادة جرت على أن مثله ممّن هم في سنّه لا يتكلمون بهذه الكلمة، فعندما تخاطبه ويكلّمك بها تندهش وتتعجّب من خروجها منه، فأنت تعلم مسبقاً أنه قادر على قولها أم لا تعلم ؟ تعلم ، فالتّعجّب لماذا حاصل ؟ لأنّ هذا الصّبي عندما نطق بهذه الجملة خرج عن نظائره من الأولاد الذين لا يتكلّمون بهذه الجملة، فهذا خروج الشّيء عن نظائره هو التعجّب الذي يحصل والذي يوصف به الله سبحانه وتعالى ولله المثل الأعلى، يعني عندما صنع هذا الرجل الصحابي مع امرأته، عندما صنعا ما صنعا مع ضيفهما، أما كان يعلم الله تبارك وتعالى أنّهما سيفعلان مع ضيفهما ما فعلا ؟ كان يعلم ذلك، لكن لما كان ذلك في العادة لا يحصل حصل التعجب .


قال المصنف رحمه الله:"وقوله: يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثمّ يدخلان الجنّة" ، هذا حديث متفق عليه وتتمته :"يقاتل هذا في سبيل الله فيُقتل ، ثم يتوب الله على القاتل فيُستشهد" متفق عليه أيضاً، فيضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة، يكون أحدهما كافراً فيلتقيان في المعركة فالكافر يقتل المسلم، ثمّ يتوب إلى الله ويُسلم فيدخل هذا الجنّة ويدخل الآخر الجنة، يضحك الله سبحانه وتعالى من هذين، وهذا فيه إثبات صفة الضحك لله تبارك وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وكما ذكرنا وكما هو مقرر من غير تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تحريف ،
فسّرها أهل التعطيل هذه الصفة (صفة الضحك) بالثواب، قالوا: يضحك الله إلى رجلين أي يثيبهما الله سبحانه وتعالى، وهذا تفسير بالنتيجة ، أن الله يضحك لهما أي أنه سيدخلهما الجنة هذا وهذا وسيثيبهما ذاك على جهاده في سبيل الله والآخر على إسلامه وتوبته إلى الله تبارك وتعالى ففسّروا الضحك بالإثابة، والضحك شيء والإثابة شيء آخر، إذاً فهو ليس تفسيراً بالحقيقة إنّما هو تفسير بالنّتيجة وهذا لا يصح وهو تأويل وصرف للّفظ عن ظاهره وعن حقيقته لغير دليل صحيح فهو مردود على أصحابه واللعب بهذه الطريقة في صفات الله تبارك وتعالى بدعة منكرة مردودة على صاحبها .


ثمّ قال رحمه الله:"فهذا وما أشبهه ممّا صحّ سنده"، فهذه الأحاديث التي ذكرها والصفات المذكورة فيها وكلّ حديث صحّ سنده "وعُدّلت رواتهنؤمن به ولا نردّه ولا نجحده -لا نكذّب به
-
ولا نتأوّله بتأويل يخالف ظاهره -كما تفعل المعطّلة - ولا نشبّهه بصفات المخلوقين " فنقول الله سبحانه وتعالى يضحك ضحكاً يليق بجلاله وعظمته، لا يشبه ضحك المخلوقين،
يعجب عجباً يليق بجلاله وعظمته لا يشبه عجب المخلوقين،
ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته ... إلى آخره.


"ولا نشبّهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدَثين" السّمة هي العلامة ، والمُحْدَث هو المخلوق، أ ي لا نشبّهه بصفات المخلوقين كالجملة التي قبلها،
"
ونعلم أنّ الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير" أي ولا مثيل ،" لقول الله تبارك وتعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }"، هذه الآية أصلٌ في نفي التّمثيل وإثبات الصّفات أيضاً، نفي التّمثيل وإثبات الأسماء والصّفات لله تبارك وتعالى،
والتّشبيه أو التّمثيل أن تقول : يدٌ كَيَد ، ووجهٌ كوجه، وعينٌ كعَيْن ، هذا تشبيه وهو باطل ومحرّم، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عنه .

والتّعطيل : أن تنفي حقيقة الصّفة، فيقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:"يضحك"، وأنت تقول: لا يضحك بل يثيب، يقول: "له يدان"، وأنت تقول: لا يدان له وإنّما معنى ذلك النّعمة أو القدرة، أو يقول الله سبحانه وتعالى له عينان، تقول لا عينان له، بل هو بالحفظ والكلأ إلى آخره، فهذا كلّه باطل لا يجوز فعله والواجب الوقوف مع الصفة وإثباتها كما أثبتها الله تبارك وتعالى لنفسه أو كما أثبتها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لله تبارك وتعالى .


قال المؤلف رحمه الله:"وكلّ ما تُخُيّل في الذهن أو خطر بالبال فإنّ الله تعالى بخلافه" ،كلّ ما تصوّره الذهن أي العقل أو خطر على القلب بأنّ الله سبحانه وتعالى مثله، فإنّ الله تبارك وتعالى بخلافه ولا يجوز هذا التّصوّر أو هذا التّخيّل ، لأنّنا لا نعلم عن الله تبارك وتعالى إلا ما علّمنا الله تبارك وتعالى عن نفسه، الله سبحانه وتعالى غيبي لم نره، فلا يجوز إذاً أن نتكلم في شيء لا نعلمه، وما أخبرَناه عن نفسه أثبتناه له وما سكت عنه سكتنا عنه وما نفاه عن نفسه نفيناه عنه ، هذا هو الواجب .
ثمّ قال رحمه الله:" ومن ذلك قوله تعالى { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } " ، أي من الصفات أيضاً التي يجب أن نثبتها لله تبارك تعالى صفة العلوّ.

هنا الآن بدأ المؤلف رحمه الله بالصفات الثلاثة التي اشتدّ النّزاع فيها بين أهل السنّة وبين أهل البدعة، هذه الصفات الثلاث من أعظم الصفات الفارقة ما بين أهل السنّة وأهل البدع، صفة العلوّ ، وصفة الكلام ، وصفة رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة، هذه الصفات الثلاث خالف فيها أهل البدع من الجهمية والمعطّلة والأشاعرة، أهل السنّة والجماعة .

الصّفة الأولى : صفة علوّ الله تبارك وتعالى على خلقه
علوّ ذات، وعلوّ مكانة، كلّه نثبته لله تبارك وتعالى، أهل البدع يثبتون علوّ المكانة ولا يثبتون علوّ الذّات ،
والعلوّ ثابت بأدلّة كثيرة من الكتاب والسنّة حتى قال بعض أهل العلم:"عندي ألف دليل على علو الله على خلقه" ألف دليل ، وألّف في ذلك بعض أهل العلم مصنّفات منها كتاب "العلوّ" للإمام الذهبيّ رحمه الله ومنها أيضاً "صفة العلو" لابن قدامة مؤلِّف كتاب اللمعة الذي بين أيدينا، وهما كتابان نفيسان وكتاب العلوّ للذهبيّ اختصره الإمام الألباني رحمه الله في مختصر نافع طيّب حذف منه الآثار والأحاديث الضعيفة وأبقى ما صحّ من ذلك.
فعلوّ الله تبارك وتعالى ثابت بنصوص كثيرة، منها ما ذكره المؤلف رحمه الله معنا هاهنا، هذه الآية { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه/5]، (الرحمن) هو ربّ العزّة تبارك وتعالى ، (على العرش) العرش في اللغة هو سرير الملك وهو عرش عظيم لله تبارك وتعالى له قوائم، تحمله الملائكة وهو أعلى المخلوقات وسقف الجنّة، فوق الفردوس الأعلى، أعلى المخلوقات، والرّحمن تبارك وتعالى
استوى عليه أي علا وارتفع، علا وارتفع على عرشه كما جاء التفسير عن أبي العالية الريّاحي وعن مجاهد وغيرهم من السلف،
فـ الرحمن على العرش استوى بمعنى علا وارتفع على عرشه، نثبت لله تبارك وتعالى هذه الصفة وهي صفة العلوّ فإنّ الله سبحانه وتعالى عالٍ على خلقه بنصوص كثيرة منها هذا الذي ذُكر ،ومنها قول المصنف أيضاً وقوله الله تعالى { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } وهذه الآية أيضاً تدلّ على علوّ الله على خلقه، ويؤيّدها أيضاً ما سيأتي من أدلّة،
ومعنى قوله تبارك وتعالى (في السّماء) أي على السّماء، فالسماء لا تكون ظرفاً لله تبارك وتعالى، لا تحيط به ولكنّه على السماء، يؤيّد ذلك قول الله تبارك وتعالى { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } أي أنّه علا وارتفع على العرش والعرش أعلى المخلوقات، فـ (في السماء ) هنا بمعنى على السماء، وهل يصحّ هذا في اللّغة أن يقال: في السماء، وتقول: على السماء ؟
نعم يصحّ، من ذلك قول الله تبارك وتعالى { وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } [ طه/71] التّصليب يكون أين ؟ على جذوع النخل،
وكذلك قول الله تبارك وتعالى { فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ } [ التوبة/2]، أي فسيحوا على الأرض، إذاً هذا أمر مقرّر ومعروف في اللغة أنَّ (في) تأتي بمعنى (على) وهذا من ذاك.

قال المصنّف رحمه الله:" وقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم :"ربّنا الله الذي في السّماء تقدّس اسمك" هذا حديث أخرجه أبو داود وغيره ولفظه:"من اشتكى منكم شيئاً أو اشتكاه أخٌ له فليقل:" ربّنا الله الذي في السّماء تقدّس اسمك، أمرُكَ في السماء والأرض، كما رحمَتُك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حُوبَنا أنت ربّ الطيّبين أنزِل رحمةً من رحمتك شفاءً من شفائك على هذا الوجع ، فيبرأ" كذا قال في الحديث ولكنّه حديث ضعيف جدا، في إسناده زياد بن محمّد: منكر الحديث كما قال البخاري وأبو حاتم والنّسائي وغيرهم من العلماء، فهذا الحديث لا يصحّ الاستدلال به .

قال المصنف: "وقال للجارية - أي النبي صلّى الله عليه وسلّم -أين الله ؟، قالت: في السّماء، قال اعتقها فإنّها مؤمنة"، فشهد لها النبي صلّى الله عليه وسلّم بالإيمان بقولها بأن الله في السماءأي على السماء، رواه مسلم في صحيحه، ولم يطعن في هذا الحديث إلا أهل البدع والضلال الذين لم يعجبهم ما فيه من معنى ، فأهل البدع مع حديث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وضعوا لهم بعض القواعد التي تخدم مصالحهم،
عندهم هم تقرير العقائد يكون بعقولهم لا بالكتاب والسنّة، أهل السنّة والجماعة يقرّرون العقيدة بأدلّة الكتاب والسنّة، العقلانيّون من الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة يقرّرون العقيدة بما يركب على رؤوسهم، على عقولهم، وما لا ينسجم مع عقولهم لا يثبتونه، فإذا تعارضت الأدلة من نصوص الكتاب والسنّة مع ما ظنّوه بعقولهم وهي أفكار خيالات وشطحات من عندهم، فإذا تعارض ذلك مع هذا ماذا يفعلون بالكتاب والسنّة ؟ أما القرآن فيؤوّلونه كما سمعتم من تأويلاتهم في الصفات التي تقدّمت، أمّا السنّة فيقسّمونها إلى قسمين:
يقولون: منها ما هو متواتر، ومنها ما هو آحاد، فكان ماذا ؟ المتواتر يؤخذ به في العقائد، أمّا الآحاد فلا يؤخذ به في العقائد عندهم، هذا الذي يقرّرونه من اعتقاد، وبذلك يكونون قد تخلّصوا من أكثر سنّة النّبي صلى الله عليه وسلم، خلاص هكذا ارتاحوا، يقرّرون ما شاؤوا بعقولهم، إذا تعرّضتهم سنّة قالوا: هذا خبر آحاد ضعه على جنب، الجيّد فيهم يقول: طيب فلنؤوله كما أوّلنا بقيّة الأدلّة من الكتاب والسنّة، هكذا يتعاملون مع نصوص الشّرع، نسأل الله السّلامة والعافيّة .

"وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لحُصين :" كم إلهاً تعبد ؟ قال : سبعة، ستّة في الأرض وواحد في السّماء ، قال: من لرغبتك ورهبتك ؟ قال : الذي في السّماء ، قال : فاترك الستّة واعبد الذي في السّماء وأنا أعلّمك دعوتين "، فأسلَم وعلّمه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقول:" اللّهمّ ألهمني رشدي وقني شرّ نفسي" هذا أخرجه التّرمذي وغيره وهو ضعيف أيضاً .

قال رحمه الله :" وفيما نُقل من علامات النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه في الكتب المتقدّمة أنّهم يسجدون بالأرض ويزعمون أنّ إلههم في السماء"، ذكره المؤلف بصيغة التّمريض (وفيما نُقل من علامات النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ) فهو ضعيف، أخرجه الأُمَويّ في المغازي ومن طريقه أخرجه ابن قدامة في العلوّ ومن طريق ابن قدامة أخرجه الذهبيّ في العلو وذكر إسناده عن عديّ بن عميرة وقال الذّهبيّ: غريب، وهو ضعيف لا يصح.

"وروى أبو داود في سننه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "إنّ ما بين سماءٍ إلى سماء مسيرة كذا وكذا -وذكر الخبر إلى قوله- : وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك"، وهذا حديث العبّاس بن عبد المطّلب الذي فيه ذِكْر الأوعال وهو حديث أخرجه أبو داود والتّرمذيّ وغيرهما وهو ضعيف أيضاً، ولكنّ الأدلّة التي تدلّ على العلوّ كثيرة أفضل وأجود من هذه وليت المؤلف أتى بما هو أصح من هذه، فيوجد في الصحيحين أحاديث أقوى وأجود من هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله .


قال رحمه الله:"فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف رحمهم الله على نقله وقبوله ولم يتعرّضوا لردّه ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله"، وقد نَقل إجماع السلف على إثبات الصفات غير واحد من العلماء، منهم ابن عبد البر وغيره من علماء الإسلام، فالسلف مجمعون جميعاً على إثبات مثل هذه الصفات .


قال المؤلف رحمه الله:"سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله فقيل : يا أبا عبد الله: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى ؟ فقال : "الاستواء غير مجهول" وفي رواية "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول" ، وفي رواية "والكيف مجهول"، والإيمان به واجب، والسّؤال عنه بدعة، ثمّ أمر بالرّجل فأُخرج " من المجلس الذي فيه الإمام مالك رحمه الله، الإمام مالك غنيّ عن التّعريف، وشهرته أكثر من أن تذكر فهو إمام عظيم من أئمة أهل السنّة والجماعة، إمام أهل المدينة في زمنه رحمه الله،
وهذه القاعدة التي قعّدها هي أصل وقاعدة عظيمة مشى عليها السّلف جميعاً، جميع السلف كانوا عليها وهي قاعدة ينبغي للخلَف أن يتقيّدوا بها: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، ضع مكان الاستواء كلّ صفة ثبتت في كتاب الله أو في سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وامضِ على هذا،
(
الاستواء معلوم) أي معلوم في اللغة العربية، بمعنى العلوّ والارتفاع،
(
والكيف مجهول) كيفية الاستواء، كيف استوى الله سبحانه وتعالى على عرشه ؟ هذه مجهولة بالنّسبة لنا، فلا نتكلّم فيها ولا نخوض فيها ولا نسأل عنها، (والسّؤال عنها بدعة) إذ لم يكن في عهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا كان في عهد الصّحابة رضي الله عنهم .بهذه القاعدة نمشي على منهج السّلف رضي الله تبارك وتعالى عنهم .

ثم يبدأ المؤلف بعد ذلك بصفة الكلام نرجؤها إلى الدرس القادم
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 08:49   #6
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس السادس]

[الدرس السادس]
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أمّا بعد :
فهذا المجلس السّادس من مجالس شرح لمعة الاعتقاد للإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله .
قال المؤلف رحمه الله تعالى:فصل
كلام الله تعالى
كما ذكرنا في المجلس الماضي ، هذه الصّفة لله تبارك وتعالى من أعظم الصفات التي نازع فيها أهل البدع والضّلال أهل السنّة والجماعة، بل قيل: إنّ المتكلّمين لم يسمّوا بهذا الاسم إلا نسبة لهذه الصفة (صفة الكلام)، أهل السنّة والجماعة يثبتون لله تبارك وتعالى كلاماً حقيقيّاً يليق بجلاله وعظمته، يتكلّم سبحانه بحرفٍ وصوت، كلاماً حقيقياً بحرفٍ وصوت على مقتضى الأدلّة التي جاءت في كتاب الله وفي سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهي كثيرة واضحة صريحة محكمة، فلا يجوز الخروج عنها ولا القول بقولٍ يخالف ما دلّت عليه، خالف في ذلك الجهميّة والأشاعرة، فالجهميّة أتباع الجهم بن صفوان يَنفون عن الله تبارك وتعالى صفة الكلام ولا يثبتونها له، يقولون: يخلق كلاماً ثمّ يُسمعه من شاء من عباده .
الأشاعرة يثبتون كلاماً ولكن كلام نفسي وليس كلاماً بحرفٍ وصوت، ليس كلاماً حقيقيّاً الذي أراده الله سبحانه وتعالى في كتابه .
قال المصنف رحمه الله: "ومن صفات الله تعالى" أي ممّا يتّصف به الله سبحانه وتعالى ومن الصفات التي نثبتها لله تبارك وتعالى لثبوتها في الكتاب والسنّة صفة الكلام .
قال:"ومن صفات الله تعالى أنّه متكلم بكلام قديم" كلام الله كما ذكرنا كلام حقيقيّ بحرفٍ وصوت وسيأتي دليل الحرف والصّوت وهو قديم النوع حادثُ الآحاد، ماذا نعني بهذه الجملة ؟ قديم النّوع: أي أصل الصفة أزلية قديمة لم يأتِ وقت من الأوقات ليست موجودة ثمّ وُجدت، لا، هي موجودة من الأزل، صفة ذاتية فعلية أيضاً، فهي من حيث أصل الصفة هي أزلية أما بالنظر إلى آحاد هذه الصفة فهنا تكون حادثة، أي أن الكلام الذي يتكلم الله تبارك وتعالى به ككلامه لموسى عليه السلام يوم أن كلّمه الله تبارك وتعالى، هذا الكلام الذي كلّم الله به موسى، قبل أن يكلّم الله موسى ما كان موجوداً ثمّ وُجد بعد أن كلّمه الله سبحانه وتعالى فهذا الكلام يسمّى آحاد لصفة الكلام.
هذا معنى قديم النوع حادث الآحاد .
فمعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام، يتكلم به متى شاء وكيف شاء سبحانه .
قال المؤلف رحمه الله:"أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه منه مَن شاء مِن خلقه" يسمعه من الله تبارك وتعالى مَن شاء الله مِن خلقه، فالله سبحانه وتعالى يُسمعه لمن يشاء كما أسمعه لموسى وكما أسمعه لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، "سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة" ، أي مباشرة، "وسمعه جبريل عليه السلام ومَن أَذِن له من ملائكته ورسله"
قال: "وأنّه سبحانه يكلّم المؤمنين في الآخرة ويكلّمونه"، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة،
"ويأذن لهم فيزورونه"، ورد في ذلك حديث ضعيف، "قال الله تعالى { وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً }" (وكلّم الله موسى)، الله هو المتكلّم ، (وكلّم) فعل، و(الله) هو الفاعل هو المتكلّم، و(موسى) هو السّامع، و(تكليماً) مصدر مؤكّد يؤكّد الحقيقة وينفي المجاز كما قال أهل العلم ، فالتأكيد ينفي المجاز، لم يعد عندك مجال للشكّ أهو كلام حقيقيّ أو مجازي؟، أكّد قال لك: وكلّم الله موسى تأكيداً، فأشكلت هذه الآية على بعض المحرّفين فما وجد فيها حيلة مع نفيه لصفة الكلام، وكما قلنا هم لا يعظّمون كتاب الله ولا سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لا يأخذون عقائدهم من هناك، عقائدهم يقررونها بعقولهم، فلمّا أشكلت عليه هذه الآية ماذا فعل ؟ حرّفها وأراد أن يقرأها، قال: (وكلّم اللهَ-بفتح الهاء- موسى) ماذا تصبح هنا ؟ جعل الله هو السّامع وموسى هو المتكلّم ،
هذه البدع وما تجرّ أصحابها إليه، وكما قال بعض السّلف: البدعة بريد الكفر توصلك إليه.
"وقال سبحانه{ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي }"
( يا موسى إنّي اصطفيتك على النّاس) أي اخترتك من بينهم، (برسالاتي) فأرسلتك إلى خلقي الذين أرسلتك إليهم، (وبكلامي) لك من غير واسطة، فاصطفيتك على النّاس بذلك، ففيه إثبات كلام الله تبارك وتعالى لموسى وأنّ الله اصطفاه بذلك.
"وقال سبحانه { مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ }" أي من الرّسل مَن كلّمه الله وهو موسى ومحمّد صلّى الله عليه وسلّم .
"وقال سبحانه { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ }" أي إمّا أن يكلّمه الله سبحانه وتعالى من غير واسطة ولكن من وراء حجاب، أو يُعلمه إعلاماً خفيّاً سريعاً،
الشّاهد أنّ من البشر مَن يكلّمه الله سبحانه وتعالى .
"وقال سبحانه { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى* إِنِّي أَنَا رَبُّكَ }" نودي يا موسى: أي ناداه ربّ العزّة تبارك وتعالى، وإلا فمن ذا الذي سيقول: (إنّي أنا ربّك) ؟ هو الله سبحانه وتعالى،
والنّداء لا يكون إلا بصوت، النّداء لا يكون إلا بصوت، وهذا دليل على أنّ كلام الله بصوت .
"وقال سبحانه { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي }"
قال المؤلف:" وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله" من ذا الذي سيقول مثل هذا: (إنّني أنا الله لا إله إلا انا فاعبدني) ؟ هذا ردّ على الذين يقولون بأنّ القرآن مخلوق، مَن هذا المخلوق الذي سيقول: (إنّني أنا الله لا إله إلا أنا) ؟
قال المؤلف رحمه الله:" وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه" وهو الصّحابيّ المعروف :"إذا تكلّم الله بالوحي سمع صوته أهل السّماء، روي ذلك عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم"، الشّاهد فيه قوله: (سمع صوته)، إثبات الصّوت لله سبحانه وتعالى، فالله يتكلّم بصوت، هذا الحديث أخرجه أبو داود وابن حبّان وغيرهم بلفظ:" إنّ الله إذا تكلّم بالوحي سمع أهل السّماوات للسماء صلصلة كجرّ السّلسلة على الصفا - أي على الصخر - فيُصعقون فلا يزالون كذلك حتّى يأتيهم جبريل فإذا جاءهم فُزّع عن قلوبهم فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربّك ؟ يقول: الحقّ، فينادون: الحق الحق" وهو صحيح وأخرجه البخاري موقوفاً بلفظ "سمع أهل السّموات شيئاً" وأمّا كلمة "سمع صوته أهل السّماء" فهو نفس الحديث لكن بلفظ آخر احتجّ به الإمام أحمد على إثبات الصّوت، أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السنّة بإسناده وأخرجه ابن بطّة في الإبانة الكبرى وغيرهما وكما ذكرنا احتجّ به الإمام أحمد رحمه الله، وقال السجزي : رجاله أئمّة محتجّ بهم.
"وروى عبد الله بن أُنيس عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:" يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلا بُهما ، فيناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُد كما يسمعه من قَرُب، أنا الملك، أنا الديّان"، أين الشّاهد ؟ قوله: (فيناديهم بصوت)، تأكيد وإلا النّداء أصلاً يكون بصوت، فهنا تأكيد إلى أن النّداء يكون بصوت، لكن أراد أن يقول بأنّه الصّوت هذا يسمعه مَنْ بَعُد كما يسمعه مَنْ قَرُب، لا فرق ما بين البعيد والقريب في سماع هذا الصّوت .
هذا الحديث، حديث عبد الله بن أنيّس حديث حسن علّقه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه ووصله الإمام أحمد وغيره، وهو حسن،
وفيه إثبات صفة الصوت لله تبارك وتعالى، إثبات صفة الكلام بصوت وحرف لله تبارك وتعالى.
ثمّ قال المؤلف رحمه الله:" وفي بعض الآثار أنّ موسى عليه السلام ليلةً رأى النّار فهالته ففزع منها، فناداه ربّه : يا موسى، فأجاب سريعاً استئناساً بالصّوت، فقال : لبّيك لبّيك، أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت ؟ فقال: أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك، فعلم أنّ هذه الصّفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال : كذلك أنت يا إلهي أفكلامك أسمع أم كلام رسولك ؟ قال : بل كلامي يا موسى"، كلّه فيه الكلام والتنصيص على الصوت أيضاً، لكن هذا الأثر يرويه وهْب بن منبّه وهو معروف برواية الإسرائليات، فهذا الأثر من الإسرائليات، والإسرائليات كما قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:"حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " وقال:"لا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم"، فهذا الأثر لا ندري عن ثبوته بإسناد صحيح، فلذلك هو خبر كما ذكرنا من أخبار بني إسرائيل فلا نصدّقها ولا نكذّبها، لكن ما ورد فيه من إثبات صفة الكلام وبالصّوت أغنت عنه الأدلّة التي تقدّمت، والأثر أخرجه الإمام أحمد في كتاب الزّهد عن وهب بن منبّه فهو ضعيف لكن الظّاهر أنّ المؤلف رحمه الله ذكره استئناساً من باب تكثير الأدلّة فقط وإلا ما ذكر من أدلّة كافٍ في إثبات هذه الصّفة.
أمّا المخالفون لأهل السنّة في صفة الكلام فكما قدّمنا، منهم الجهميّة قالوا: ليس الكلام من صفات الله تبارك وتعالى وإنّما هو خلق من مخلوقات الله، يخلقه في الهواء أو في المحلّ الذي يُسمع منه ويضاف إلى الله سبحانه وتعالى إضافة تشريف كما تقول في البيت: بيت الله، أو في النّاقة: ناقة الله سبحانه وتعالى، هذا قولهم وهو قول باطل، إضافة التّشريف هذه لا تُحمل إلا على شيء يقوم بذاته كالكعبة، وكالناقة، أمّا شيء هو وصف لا يقوم بذاته إذا أضافه الله سبحانه وتعالى لنفسه فيكون صفة من صفاته، وهُم نفوا هذه الصفة قالوا: لأنّ الكلام لا يكون إلا للأجسام (..) وإذا أثبتنا الكلام لله سبحانه وتعالى نكون قد شبّهناه بالمخلوقات، وهذا كلام باطل ، هذا ما استدل به وسيأتي كلام الأشاعرة لهم استدلال آخر فهذا الكلام باطل، وقلنا بأنّ كلام الله سبحانه وتعالى كلام يليق بجلاله وعظمته لا يشبه كلام المخلوقين كما قلنا في الذات وكما قلنا في الوجود وكما قلنا في بقيّة الصفات، وأمّا الفرقة الثانية التي خالفت أهل السنّة والجماعة في مسألة الكلام فهم الأشاعرة، أثبتوا كلاماً لله تبارك وتعالى ولكنّه ليس كلاماً حقيقيّاً بحرفٍ وصوت بل هو كلام نفسيّ، يخلق الله سبحانه وتعالى الأشياء ويعبّر عن كلامه الذي في نفسه بخلقه الذي خلقه، هكذا يقرّرون، وهذا كلام باطل بل الله سبحانه وتعالى يتكلّم كلاماً حقيقيّاً بحرف وصوت ويسمعه من شاء من خلقه كما قدّمنا الأدلّة على ذلك من كلام المصنّف رحمه الله تعالى، والذي حملهم على هذا قالوا: بأنّ الكلام إذا أثبتناه فمعنى ذلك: يلزم على ذلك أن نثبت الآلات التي يحصل فيها الكلام كاللّسان والشّفتين والحلق إلى آخره،
قلنا: هذا كلام باطل وهذه إلزامات ناتجة أصلا عن التّشبيه عندكم، شبّهتم كلام الله سبحانه وتعالى بكلام المخلوق ثمّ أردتم أن تفرّوا من التّشبيه فوقعتم في التّعطيل، فنقول لهم: أثبِتوا لله كلاماً يليق بجلاله وعظمته وينتهي الأمر، ثمّ نقول لهم: ليس كلّ مَن يتكلّم يتكلّم بالآلات، ليس كلّ من يتكلّم يحتاج إلى الآلات، ثبت في الكتاب والسنّة أنّ الجنّة والنّار تتكلّمان أم لا ؟
ثبت، وثبت أيضاً في الكتاب والسنّة أنّ الحجر يتكلّم أم لا ؟ ثبت، والشّجر يتكلّم أم لا ؟ ثبت، وتنطق أيضاً أعضاء الإنسان يوم القيامة وتشهد عليه أم لا ؟ نعم،
فإذاً يَحدث كلاماً ومن غير أن توجد هذه الآلات فلا حاجة لها، إذاً لا يلزم من الكلام وجود هذه الآلات فلذلك نحن نقول لهم: قولوا كما نقول: نُثبت كلاماً لله سبحانه وتعالى يليق بجلاله وعظمته ولا يشبه كلام المخلوقين وينتهي الأمر، بذلك تفرّون من التّشبيه وتفرّون أيضاً من التّعطيل وتقفون مع كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .
قال المؤلف رحمه الله:فصل
القرآن كلام الله
هذه المسألة مبنيّة على ما مضى، فمن أثبت كلاماً حقيقيّاً لله بحرف وصوت قال: القرآن كلام الله تكلّم به سبحانه وتعالى، ومن نفى الكلام عن الله تبارك وتعالى وقال: الله لا يتكلم، قال القرآن مخلوق، ومن قال أنّ الكلام نفسي قديم لا يتجزّأ كما قاله الأشعريّ فيقول ماذا ؟ القرآن أيضاً مخلوق، هذه حقيقة قوله شاءوا أم أبوا ، هذه حقيقة قولهم أن القرآن مخلوق، وقد قال غير واحد تنصيصاً من السّلف: "من قال القرآن مخلوق فقد كفر"، لأنّه مكذّب لكتاب الله تبارك وتعالى .
قال المؤلف رحمه الله:"ومن كلام الله سبحانه: القرآن العظيم وهو كتاب الله المبين " أي البيّن الواضح ، الذي يبيّن الله سبحانه وتعالى فيه ما يحتاجه العباد .
"وحبله المتين" أي القويّ، الحبل الواصل بين الله سبحانه وتعالى وبين خلقه، قال الله سبحانه وتعالى { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً } [ آل عمران/103] .
"وصراطه المستقيم": أي الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الله سبحانه وتعالى، هو هذا كتاب الله تبارك وتعالى، قال الله سبحانه وتعالى { اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ } [الفاتحة/6].
"وتنزيل ربّ العالمين" نزل من عند الله تبارك وتعالى، قال سبحانه وتعالى { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ }، وقال { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ } [ ص/29] فهذا الكتاب منزل من عند الله تبارك وتعالى .
"نزل به الرّوح الأمين" جبريل عليه السلام .
" على قلب سيّد المرسلين" سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم .
"بلسان عربيّ مبين" فصيح.
"مُنْزل غيرمخلوق" منزل من عند الله، وهو كلامه وليس مخلوقاً خلافاً لمن قاله من المعطّلة .
"منه بدأ، وإليه يعود"،
(منه بدأ) كلاماً له، فهو الذي تكلّم به فبدأ منه سبحانه، وهذا ردّ على الذين يقولون: خلَق الكلام في محلٍّ فبدأ الكلام من ذلك المحلّ، فردّ عليهم السّلف وقالوا: (منه بدأ) أي بدأ من الله سبحانه وتعالى كلاماً له وليس خلْقا .
"وإليه يعود" ويرجع إليه كما جاء في الحديث أنّه يُرفع في آخر الزّمان، أنّه في آخر الزّمان يرفع فلا يبقى في الأرض منه آية .
قال:" وهو سُوَر محكمات" متقنات، سور جمع سورة من سور القرآن.
"وآياتٌ بيّنات" يعني واضحات.
"وحروف وكلمات" فهو سور، وآيات، وكلمات، وحروف .
"من قرأه فأعربه فله بكلّ حرف عشر حسنات"،
(من قرأه فأعربه) من قرأه قراءة صحيحة لا لحن فيها، هذا معنى فأعربه فله بكلّ حرف عشر حسنات .
"له أوّل وآخر" أوّله الفاتحة وآخره النّاس .
"وأجزاء وأبعاض" ثلاثون جزءاً، والبعض جزء من الكلّ .
"متلوّ بالألسنة، محفوظ في الصّدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه" تقدّم معنا معنى المحكم والمتشابه إذا وُصف القرآن بأنّ منه محكم ومنه متشابه، معنى ذلك أن المحكم: الواضح الذي لا خفاء فيه ولا إشكال، والمتشابه: الذي يحتمل أكثر من معنى وفيه إشكال، غير واضح.
"وناسخ ومنسوخ" القرآن منه ناسخ ومنه منسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي، وهذا كلّه مفصّل في كتب أصول الفقه .
قال:" { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ } " ليس قبله شيء يكذّبه، ولا بعده شيء يكذّبه .
"{تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} " وهو الله سبحانه وتعالى، موصوف بالحكمة ومحمود على أفعاله .
"وقوله تعالى{ لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً }" تحدّاهم الله سبحانه وتعالى أن يأتوا بمثل هذا القرآن وهم الفصحاء، ومع شدّة عداوتهم وحرصهم على تكذيبه لم يستطيعوا أن يفعلوا ذلك، فتبيّن بذلك أنّه كلام الله تبارك وتعالى وليس كلام البشر .
قال المؤلف رحمه الله:"وهذا هو الكتاب العربيّ الذي قال فيه الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن" عناداً ومكابرة عياذا بالله .
"وقال بعضهم:" وهو الوليد بن المغيرة وهو من أشدّ خصوم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، "إن هذا إلا قول البشر" وهل فارق الذين قالوا بأنّ القرآن مخلوق قول الوليد بشيء؟ هذا الوليد بن المغيرة يقول: (إن هذا إلا قول البشر) مخلوق،" فقال الله له { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ }" عقاباً على قوله هذا .
" وقال بعضهم : هو شعر ، فقال الله تعالى{ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ }"، هذا تكذيب لهم فهو كلام الله سبحانه وتعالى وليس كلام البشر ولا هو شعر ولا غيره.
قال:" فلمّا نفى الله عنه أنّه شعر وأثبته قرآناً، م يبقَ شبهة لذي لبّ- أي لصاحب عقل - في أنّ القرآن هو هذا الكتاب العربيّ الذي هو كلمات وحروف وآيات، لأنّ ما ليس كذلك لا يقول أحد إنّه شعر "، لماذا العرب قالت هو شعر عندما أرادت أن تكذّب بالقرآن ؟ لأنّه كلمات وحروف، لو لم يكن كلمات وحروف لما قالوا هوشعر .
"وقال عزّوجل { وَإِن كُنتُمْ } أيّها الكفّار { فِي رَيْبٍ} أي في شكّ { مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ }" إن كنتم في شكّ من هذا القرآن وأنّه ليس من عند الله تبارك وتعالى فأْتوا بسورة واحدة فقط مثله، واستعينوا بمن شئتم من خلق الله، استعينوا بمن شئتم من خلق الله كي تأتوا بسورة واحدة، وانظر مع فصاحة العرب وقوّتهم في اللّغة ومع حرص الكثيرين منهم على تكذيب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومع ذلك ما استطاع أحد منهم أن يأتي بآية وليس بسورة .
قال:" ولا يجوز أن يتحدّاهم بالإتيان بمثل ما لا يُدرى ما هو ولا يُعقل" كيف يتحدّاهم بأمر كهذا إلاّ أنّه معلوم أنّه كلمات وحروف معلومة وواضحة لهم، لذلك تحدّاهم أن يأتوا بمثله .
"وقال تعالى { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي }"، قال رحمه الله:" فأثبت أنّ القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم"، ولا يتلى إلا ما هو حروف وكلمات .
"وقال تعالى { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ }" فالقرآن محفوظ في صدور أهل العلم، والمحفوظ في صدورهم هي الكلمات والحروف، فهي التي تحفظ فالقرآن كلمات وحروف .
"وقال تعالى { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ }،
(في كتاب) أي مكتوب فهو كلمات وحروف فهي التي تُكتب، الكلمات والحروف هي التي تكتب، { لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ } [ الواقعة/79] .
قال المؤلف:"بعد أن أقسم على ذلك وقال تعالى ( كهيعص ) ، (حم * عسق)وهذه كلّها حروف ، وافتتح تسعاًً وعشرين سورة بالحروف المقطّعة" وكلّها حروف.
"وقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم :" من قرأ القرآن فأعربه" أي قرأه بشكل صحيح ،"فله بكلّ حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكلّ حرف حسنة" حديث صحيح" ، قال الإمام الألباني رحمه الله في الضعيفة تحت الحديث رقم 6584 : "وهذا غريب جدّا "، يستغرب تصحيح المؤلف، قال فإنّه لا أصل له بهذا اللّفظ مطلقاً في شيء من طرقه التي وقفنا عليها وقد تقدّم تخريجها وبيان عللها، فكيف مع ذلك يصحِّحه ؟فالحديث ضعيف لا يصحّ.
قال المؤلف رحمه الله:" وقال عليه الصلاة والسلام:"اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السّهم " أي يتقنون قراءته،"لا يجاوز تراقيهم" التَّرقوة عظم وصل بين ثغرة النّحر والعاتق،"يتعجّلون أجره ولا يتأجّلونه" أي لا يصل لهم منه شيء عند الله سبحانه وتعالى، قراءة القرآن وإتقان ذلك وسيلة وعبادة ولكنّ الغاية الكبرى منه هي الفهم والعمل، لا مجرّد القراءة، يعني كثير من النّاس اليوم يحرصون على قراءة القرآن بتجويد وبشكل جيّد، لكن لا تجد عندهم أدنى حرص على فهم معناه وعلى تطبيق ما فيه، وهذا مشكل وخلل عظيم جدّا، نزل القرآن للعمل به لا لمجرّد تلاوته، والشّاهد في هذا الحديث قوله:"قوم يقيمون حروفه"، فسمّى الحروف التي في القرآن حروفاً وهذا هو الشّاهد .
"وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما:إعراب القرآن أحبّ إلينا من حفظ بعض حروفه"، الشّاهد أنّ أبا بكر وعمر سمّيا حروف القرآن حروفاً، لكن هذا ضعيف لا يصحّ عنهما، أخرجه ابن الأنباري في الوقف والابتداء وهو ضعيف.
"وقال عليّ رضي الله عنه:" من كفر بحرف منه فقد كفر به كلّه" "، هذا صحيح، من كفر بحرف منه فقد كفر به كلّه والإجماع منعقد كما سيأتي على ذلك، لكن نسبة هذا الأثر لعليّ لم أجده لغير المؤلّف ولا وجدته بإسنادٍ البتّة والعلماء ينسبونه لعبد الله بن مسعود وهو صحيح عن عبد الله بن مسعود أخرجه عبد الرزّاق وغيره، أمّا أثر علي الذي يصلح حجّة في مثل هذا الموضع فهو الذي ساقه ابن خالة المؤلف في كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد" ولعلّ المؤلف أراد هذا ولكنّه وهِم، قال: عن عليّ أنّه سئل عن الجنب يقرأ القرآن فقال :"لا ، ولا حرفا" أي ولا حرف واحد، فهذا عليّ يصف حروف القرآن بأنّها حروف ،
وأمّا عبد الله بن مسعود فهو الذي صحّ عنه قوله:"من كفر بحرف منه فقد كفر به كلّه" .
"واتّفق المسلمون على عدّ سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه" متّفقون على هذا أنّهم يقولون: عدد سور القرآن كذا، وعدد آيات القرآن كذا، وعدد كلمات القرآن كذا، وعدد حروفه كذا .
قال:" ولا خلاف بين المسلمين في أنّ مَن جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً " فأثبتوا هذا كلّه.
"متّفَقا عليه أنّه كافر وفي هذا حجّة قاطعة على أنّه حروف" وفيه حجّة قاطعة على كفر الرّافضة، نعم
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 08:50   #7
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس السابع]

[الدرس السابع]

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أمّا بعد :

فهذا المجلس السّابع من مجالس شرح لمعة الاعتقاد

قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل
رؤية المؤمنين لربّهم يوم القيامة

"والمؤمنون يرون ربّهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه ويكلّمهم ويكلّمونه، قال الله تعالى { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }، وقال تعالى { كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }".
هذه صفة جديدة وهي رؤية المؤمنين لربّهم يوم القيامة، يؤمن أهل السنّة بذلك ويعتقدونه بناءً على ما صحّ في الكتاب والسنّة من أدلّة كما سيأتي إن شاء الله من كلام المصنّف .
قال المصنّف رحمه الله:" والمؤمنون يرون ربّهم في الآخرة بأبصارهم"، هذا تأكيد على أنّها رؤية حقيقيّة يرون الله سبحانه وتعالى، لا يرون الثّواب، ولا يرون النّعيم، ولا يرون الجنّة كما يقول أهل التّأويل، ومستعملي عقولهم، بل يرون ربّهم تبارك وتعالى حقيقة، " بأبصارهم" هذا ردّا لقول الذين يقولون بأنّ المؤمنين يرون ربّهم بقلوبهم، فردّ عليهم بهذه الكلمات الصّريحة بأنّ الرّؤية رؤية حقيقيّة .
قال:"ويزورونه" ذكرنا أنّ الحديث الوارد في ذلك وهو ضعيف .
"ويكلّمهم ويكلّمونه" ورد في ذلك أحاديث صحيحة تقدّمت معنا .
قال الله تعالى:"{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ }" من النّضرة وهي الحسن والبهجة، وجوه حسنة بهيجة، وهذه وجوه المؤمنين يوم القيامة، حسنة وجميلة ومسرورة ومشرقة بالنّعيم.
"وجوه يومئذ" أي يوم القيامة، "ناضرة" حسنة جميلة، "إلى ربّها ناظرة" أي ينظرون إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه من النّعم العظيمة التي يحصل عليها أهل الإيمان، التي ينالها أهل الطّاعة يوم القيامة، النّظر إلى وجه الله تبارك وتعالى, وأيّما لذّة أعظم وأجود وأجمل من هذه ؟.
"وقال تعالى { كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } مَن هم ؟ الكفّار، يُحجبون عن رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة عقاباً لهم على كفرهم، فهذا يدلّ على أنّ المؤمنين يرون ربّهم ، فكما قال المصنّف رحمه الله هنا:"فلمّا حجب أولئك في حال السّخط دلّ على أنّ المؤمنين يرونه في حال الرّضى وإلاّ لم يكن بينهما فرق"، إذاً عندما يعاقب الكفّار بحجبهم عن رؤيته تبارك وتعالى يدلّ ذلك على أنّه يثيب المؤمنين بإنعامه عليهم برؤيته حقيقةً، بأنّهم يرونه حقيقة .
وقال المصنّف رحمه الله :" وقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم:" إنّكم ترون ربّكم كما ترون هذا القمر لا تضامّون في رؤيته"وهذا الحديث متّفق عليه"، وأحاديث الرّؤية يقول أهل العلم بأنّها أحاديث متواترة، كثيرة جدّا وردت عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فلا ينكرها سنّي، لا ينكرها إلاّ مبتدع ضالّ، "إنّكم ترون ربّكم كما ترون هذا القمر لا تضامّون في رؤيته" أي لا تحتاجون لكي يراه جميعكم إلى أن تَنْضمّوا إلى بعضكم وتتزاحموا على رؤيته، لا تحتاجون إلى ذلك، ترونه بأرْيَحيّة كلّ واحد من مكانه الذي هو فيه، "كما ترون القمر"، كيف نشترك جميعاً في رؤية القمر بدون مُضامّة ولا مزاحمة، كذلك ترون الله تبارك وتعالى،
فالتّشبيه هنا كما سيذكر المصنّف رحمه الله قال:"وهذا تشبيه للرّؤية بالرّؤية" أي أنّكم كما ترون القمر ترون الله سبحانه وتعالى، "لا للمرئي بالمرئيّ" المرئي الذي هو القمر، ليس تشبيه المرئي بالمرئي أي ليس تشبيها لله تبارك وتعالى بالقمر، لا، ولكن تشبيه الرّؤية بالرّؤية، قال:"فإنّ الله تعالى لا شبيه له ولا نظير" لا مثيل له سبحانه،
ففي هذا الحديث يبيّن كيفية الرّؤية، ولا يشبّه نفسه بالقمر،
وقد خالف في هذه العقيدة المعتزلة فنفوا الرّؤية وقالوا: لا يرى النّاس ربّهم يوم القيامة ونفوا ذلك وقالوا هذا يلزم منه التّشبيه ويلزم منه التّجسيم وهي لوازم باطلة كما تقدّم معنا كما قرّروا في مسائل الصّفات الأخرى يقرّرون أيضاً في هذه، وهذا كلّه من الباطل الذي جاؤوا به من خيالات عقولهم فردّوا كتاب الله وردّوا سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمجرّد خيالات عقليّة ظنّوها لوازم حقيقيّة وإنّما هي لوازم باطلة.
واستدلّوا أيضا بقول الله تبارك وتعالى { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } [ الأنعام/103] فقال لهم أهل العلم: الإدراك شيء والرؤية شيء آخر، الإدراك فيه إحاطة، والإحاطة هذه مستحيلة، لا يمكن أن يحيط العبد بربّه تبارك وتعالى، أمّا الرّؤية فالرّؤية ثابتة كما تقدّم معنا في الأدلّة.
واستدلّوا أيضاً بقول الله تبارك وتعالى لموسى عندما طلب من ربّه أن يراه قال { لَن تَرَانِي } [ الأعراف/143] فقالوا: هاهنا قد نفى الله سبحانه وتعالى الرؤية في هذه الآية،
فنقول لهم هذه نفي للرّؤية في الدّنيا، فموسى عندما طلب الرّؤية طلبها وهو في الدّنيا لا في الآخرة، وفرْقٌ بين هذا وهذا،
ونحن الرّؤية الّتي نثبتها رؤية أخرويّة في الآخرة، فلا متعلّق لهم بهذه الآية ولا بالّتي قبلها .
هذا ما يتعلّق برؤية الله تبارك وتعالى
قال المصنّف رحمه الله : فصل
القضاء والقدر
هذه مسألة جديدة وهي مسألة الإيمان بالقضاء والقدر، انتيهنا الآن من مسائل الأسماء والصّفات، الآن دخلنا على مسألة جديدة من مسائل الإيمان وهي مسألة القضاء والقدر، والإيمان بالقدر من أصول الإيمان الستّ التي ذُكرت في حديث جبريل، قال في آخره:" وأن تؤمن بالقدر خيره وشرّه" فالإيمان بالقدر من أصول الإيمان، والقضاء والقدر هو تقدير الله تعالى للأشياء في القِدم، وعلمه تبارك وتعالى أنّها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة وكتابته كذلك، ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدّرها وخَلْقه لها، هذه مسألة القضاء والقدر باختصار هي أربعة مراتب، مَنْ عَلِمها وآمن بها آمن بمسألة القدر.
__ المرتبة الأولى : الإيمان بأنّ الله عالم كلّ ما يكون جملة وتفصيلا بعلمٍ سابق بقوله تعالى { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } [ الحج/70] .
__ المرتبة الثّانية: أنّ الله كتب في اللّوح المحفوظ مقادير كلّ شيء فقال سبحانه وتعالى { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } [ الحديد/22]من قبل أن نخلقها .
__ والثّالثة : لا يكون شيء في السّموات والأرض إلا بإرادة الله ومشيئته الدّائرة بين الرّحمة والحكمة، فيهدي من يشاء برحمته ويضلّ من يشاء بحكمته، ولا يُسأل عمّا يفعل والنّاس يُسألون، وقال الله سبحانه وتعالى { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [ القمر/49]،
وقال أيضاً { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء } [ الأنعام/125]، فأثبت سبحانه وقوع الهداية والضَّلال بإرادته، فلا يكون شيء على هذا الكون، في هذا الوجود إلا بإرادته سبحانه وتعالى .
__ المرتبة الرّابعة : أنّ كلّ شيء في السّموات والأرض مخلوق لله تبارك وتعالى، لا خالق غيره، كلّ ما هو على وجه هذه الأرض من المخلوقات وكلّ ماهو موجود من المخلوقات فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلقه، قال سبحانه وتعالى { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } [ الفرقان/2]، وقال { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [ الصافات/96]، وقال { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [ الزمر/62]، إذاً الله سبحانه وتعالى هو الخالق لكلّ شيء ومن هذه الأشياء أفعال العباد خلافاً لطائفة من الذين خالفوا من أهل الضّلال، الذين خالفوا في هذه المسألة وأخرجوا أفعال العباد من خلق الله تبارك وتعالى، وهذا ضلال وأيّما ضلال، فأثبتوا بذلك وجود خالق مع الله تبارك وتعالى، والله سبحانه وتعالى كما تقدّم معنا في الآيات المتقدّمة يبيّن أنّه هو الخالق لكلّ شيء .
هذه هي المراتب الأربعة، مَن آمن بها فقد آمن بمسألة القدر، والأدلّة عليها من الكتاب والسنّة كثيرة وكثيرة جداً، ذكرنا بعضاً منها.
قال المؤلّف رحمه الله:" ولا نجعل قضاء الله وقدره حجّة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أنّ لله علينا الحجّة بإنزال الكتب وبعثة الرّسل، قال الله تعالى { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ }" إذاً بإرسال الرّسل تنقطع الحجّة، إذاً فالعبد مأمور مخيّر في الطاعات وفي المعاصي، وهو مأمور بأن يطيع الله سبحانه وتعالى ومنهيّ عن معصيّة الله تبارك وتعالى وما كان الله سبحانه وتعالى معذّبا أحد حتّى يقيم الحجّة على خلقه .

قال المصنّف:"ونعلم أنّ الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والتّرك، وأنّه لم يجبر أحداً على معصيّة ولا اضطرّه إلى ترك طاعة، قال الله تعالى { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }، وقال الله تعالى { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ، وقال تعالى { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ }، فدلّ على أنّ للعبد فعلاً وكسباً يُجزى على حسنه بالثّواب، وعلى سيّئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره أيضاً" فيجتمع الأمران فهو الذي يفعل حقيقة، العبد هو فاعل لفعله حقيقة، والله سبحانه وتعالى هو الذي خلق العبد وخلق فعله أيضاً، لكنّ الله سبحانه وتعالى لم يضطرّه إلى ترك طاعة ولا جبره على معصيّة، ولا يكون هذا من ربّ العالمين تبارك وتعالى مع أنّه هو خالق أفعال العباد لكنّ العباد أيضاً يفعلون بمشيئتهم وإرادتهم فيفعلون بمشيئتهم كما قال الله تبارك وتعالى { وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير/29] فأثبت لهم مشيئة، هم يشاؤون ويريدون، لكن لا تخرج مشيئتهم عن مشيئة الله تبارك وتعالى، يعني أنّ الله سبحانه وتعالى إذا شاء شيء وهم شاؤوا شيئاً آخر يخالف مشيئة الله لا يكون هذا الشيء أبداً، لكنّ الله سبحانه وتعالى في نفس الوقت لا يجبر الإنسان على فعل المعصيّة وهو لا يريد أن يعصي، ولا يجبره على الطاعة وهو يريد أن يعصي، فهذا كلّه يكون معلوماً عندنا، فلا متعلّق لأيّ أحد بمسألة القضاء والقدر، فكلّ منّا يدرك الأشياء التي يفعلها باختياره والأشياء الذي يضطرّ إليها اضطراراً،
الأشياء التي تضطرّ إليها اضطراراً ربّنا سبحانه وتعالى لا يحاسبك عليها، ولا يؤاخذك عليها، لكن الأشياء التي تفعلها باختيارك تحاسَب عليها فعندك إذاً فرق ما بين الأفعال التي تفعلها مضطرّا إليها والأفعال التي تفعلها باختيارك ، فأنت تفعل باختيارك ومشيئتك، عندما يشرب الشّخص الخمر يشربها بإرادته وباختياره ولذلك يعذّب عليها، لو شاء الله أن يمنعه عن شربها لمنعه ولكنّه ما شاء أن يمنعه، تركه واختياره.
فإذاً كلّ واحد يعرف الفرق بين الفعل الاختياري والاضطراري في الحقيقة والحكم.
بقي تنبيه أخير وهو أنّ إرادة الله إرادتان :
إرادة كونية، وإرادة شرعيّة.
الإرادة الكونيّة هي المشيئة، الإرادة الكونية هي التي تأتي بمعنى المشيئة { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء } [ الأنعام/125]، هذه الإرادة بمعنى المشيئة والله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئاً فإنّما يقول له كن فيكون، هذه هي الإرادة الكونية، أن كل ما يحصل في هذا الكون فقد أراده الله كوناً، سواءً كان معصية أو طاعة، سواء كان يحبّه أو يكره.
وهناك إرادة ثانية اسمها :
الإرادة الشّرعيّة وهي التي بمعنى المحبّة، كما قال تبارك وتعالى في كتابه الكريم { وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } [ النساء/27]، هذه إرادة شرعيّة، وكلّ الأوامر التي أمرنا الله تبارك وتعالى بفعلها في الكتاب أو في السنّة فإنّ الله سبحانه وتعالى يريدها إرادة شرعية، هذه ربما تحصل وربّما لا تحصل في الكون، ربما توجد وربما لا توجد، أراد الله من العباد جميعاً أن يؤمنوا، لكنهم هل آمنوا جميعاً ؟ لا، آمن البعض وكفر البعض،
فهذا الإيمان يحبّه الله ويرضاه، ولكنه ربما يقع وربّما لا يقع،
بينما الإرادة الكونية لا بدّ أن تقع، ولكنها تكون فيما يحبّه الله وفيما لا يحبّه الله.
هذا الفرق بين الإرادتين
هذا ما يتعلّق بمسألة القضاء والقدر ولا يحتاج العبد أن يتوسّع في هذه المسألة كثيراً ، يتوقّف مع أدلّة الكتاب والسنّة، وآخر شيء في هذا المبحث أنّ الذين خالفوا في هذه المسألة طائفتان :
الجبرية، والقدرية.
الجبريّة : هؤلاء يقولون بأنّ العبد مجبور على أفعاله، نعوذ بالله من قولهم، وقد تقدّم الردّ عليهم فيما قرّرناه.
والطائفة الثّانية هم القدريّة الذين يقولون بأنّ العبد مستقلّ بعمله، هو الذي يوجد عمله والله سبحانه وتعالى لم يخلق أفعال العباد، وهذه أيضاً الفئة من الفئات التي ضلّت عن طريق الهداية، فالله سبحانه وتعالى يقول { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [ الزمر/62]، { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [ الصافات/96] هذه آيات واضحة في الردّ على هذه العقائد الفاسدة .

قال المصنّف رحمه الله:"الإيمان قول وعمل"، (الإيمان قول وعمل) تفسيرٌ شرعي للإيمان، الإيمان ما هو في اللّغة ؟ هو التّصديق، وقال بعض أهل العلم: هو الإقرار.
في الشّرع: الإيمان قول وعمل .
فالإيمان في الشرع أعمّ من الإيمان في اللغة، الإيمان في اللغة هو التّصديق، لكن في الشّرع أعمّ من ذلك، قولٌ باللّسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح والأركان. هذا هو الإيمان في الشّرع .
دلّت على ذلك أدلّة الكتاب والسنّة، تدلّ على أنّ الإيمان مكوّن من هذه الأركان الثلاث: القول، والاعتقاد، والعمل في أصله من أصل الإيمان، فلا يصحّ إيمان عبد إلا بأن يأتي بهذه الثلاث، فإن لم يأتِ بهذه الثلاث فلم يأتِ بالإيمان الذي شرعه الله تبارك وتعالى .
قال المصنّف رحمه الله:" والإيمان قول باللّسان، وعمل بالأركان، وعقْدٌ بالجنان- يعني بالقلب- يزيد بالطّاعة وينقص بالعصيان" وكلّ نقطة من هذه النّقاط عليها دليل .
"الإيمان قول باللّسان": لا يكون العبد مؤمناً حتى يقول بلسانه:لا إله إلا الله محمّد رسول الله، هذا الأمر الاوّل، ويدخل أيضاً في قول اللّسان التّسبيحات والذّكر والتّكبير ...إلخ.
"وعمل بالأركان": عمل بالجوارح، المقصود بالأركان هنا الجوارح التي هي الأيدي والأقدام .
"وعقد بالجنان" أي اعتقاد قلبيّ، إذاً الاعقتاد القلبي وحده لا يكفي، القول اللّساني وحده لا يكفي،
العمل بالجوارح والأركان وحده لا يكفي، حتّى تجتمع هذه الثلاثة كي يكون العبد مؤمناً .
"ويزيد بالطاعات": لأنّ أجزاء العمل، الأعمال المختلفة هذه من صلاة وصيام وزكاة وحجّ هذه أجزاء للعمل بالأركان، هذه الأجزاء كلّما زادت زاد إيمان العبد وزادت طاعته وكلّما نقصت نقص على حسب العمل، إذا كان واجباً نقص إيمانه الواجب، وإذا كانت مستحبّة نقص إيمانه المستحبّ، الكمال المستحبّ،" قال الله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }" ، هذا الدّين القيّم المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، فما هو ؟"يعبدوا الله مخلصين له الدّين" الإخلاص (عملٌ قلبيّ)،"حنفاء" مائلون عن الشّرك، "ويقيموا الصّلاة ويؤتوا الزّكاة" هذا الشّاهد من الأمر أنّه أدخل الصّلاة وأدخل الزّكاة في الدّين الذي هو الإيمان، دين الله سبحانه وتعالى دين الإسلام الذي هو الإيمان .
قال:"فجعل عبادة الله تعالى وإخلاص القلب وإيقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة، كلّه من الدّين، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان" ماذكرها المؤلف هنا، هي من تتمّة الحديث"والحياء شعبة من الإيمان"،
فذكر أمراً قلبياً وذكر عملاً من أعمال الجوارح، وذكر أيضاً النّطق بالشّهادة، فهذه الثّلاثة جعلها أجزاءً للإيمان فقال:"الإيمان بضع وسبعون شعبة"، إذاً هذه كلّها داخلة في الإيمان، كلّها داخلة في الإيمان والإيمان شُعب ، أجزاء .

قال:"فجعل القول والعمل من الإيمان، وقال تعالى { فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً }" هذا يدلّ على زيادة الإيمان ،"وقال { لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً }" يدلّ على زيادة الإيمان،
"وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" يخرج مِن النّار مَن قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال بُرّة أو خردلة أو ذرّة" أشياء صغيرة جدّا، "وفي قلبه مثقال برّة أو خردلة أو ذرّة من إيمان" فيتناقص الإيمان إلى أن يصل إلى هذه الدّرجة .
قال:"فجعله متفاضلاً" جزء: برّة، خردلة، ذرّة، وكلّ واحدها وزنها أكبر من الأخرى .
فإذاً الإيمان هو هذا الذي تقرّر عندنا في الشّرع هو : قول باللّسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح والأركان.
أعمال الجوارح كلّها من الإيمان، لكن إذا زال بعضها لا يزول الإيمان بالكليّة، لكن إذا زال العمل بالكليّة اختلّ ركن من الأركان الثلاثة وهي: (قول اللّسان واعتقاد القلب وعمل الجوارح والأركان)، فإذا ذهب عمل الجوارح والأركان بالكامل اختلّ ركن وذهب الإيمان،
إذا ذهب القول اختلّ ركن وذهب الإيمان،
إذا اختلّ الاعتقاد اختلّ ركن وذهب الإيمان، فالإيمان لا يتحقق إلا بهذه الأركان الثلاثة.
أما آحاد العمل كالزكاة مثلاً والصّيام مثلاً والحجّ، فإذا اختلّ الحجّ عند الشّخص ولم يحجّ يبقى مؤمناً ولكنّه قد نقص إيمانه الواجب، حصل عنده نقص في الإيمان الواجب وهذا مستحقّ للعقاب عند الله تبارك وتعالى، والصّلاة حصل فيها خلاف بين أهل العلم والرّاجح في ذلك أنّ من ترك الصّلاة بالكليّة ذهب إيمانه ولم يعد مؤمناً بل هو كافر خارج من ملّة الإسلام لقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:" العهد الذي بيننا وبينهم الصّلاة فمن تركها فقد كفر" ، "بين العبد وبين الكفر أو الشّرك الصّلاة"، فإذاً لا يَفصِل العبد عن الكفر أو الشّرك إلا الصّلاة، فمن تركها فقد دخل في الكفر أو الشّرك على مقتضى ما قال النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، فالحذر من التهاون في أمر الصلاة فأمرها عظيم وأول ما يحاسب به العبد يوم القيامة هي الصلاة .
نكتفي بهذا القدر والحمد لله .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 08:51   #8
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الثامن]

[الدرس الثامن]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أمّا بعد :
فهذا المجلس الثامن من مجالس شرح لمعة الاعتقاد
انتهينا في الدّرس الماضي من تعريف الإيمان، ويُكْمل المصنّف رحمه الله ما يتعلق بهذا المبحث، فيقول:فصل
الإيمان بكلّ ما أخبر به الرّسول صلّى الله عليه وسلّم
أي سواء كان من الأمور المشاهدة أو الغائبة عنّا التي لا نراها والتي لا تُعرف إلا بالأخبار الصادقة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكلّ ما ثبت عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم وجب الإيمان به، سواء أدركَتْه عقولنا أم لا ؟وسواء شاهدناه بحواسّنا أم لا ؟النّاس لا يتفاضلون بالإيمان بالمشاهَد، المشاهَد الحسّي يؤمن به الجميع، ولكن الميزة تكون بالإيمان بالأمور الغيبيّة التي غابت عنّا، بغضّ النّظر عن كونها من نوع ما لا يُدرك إلا بالعقل أو لا، وممّا لا يُدرك إلا بالحسّ أو لا، كلّ هذا الغيبي، الإيمان به يُميّز المؤمن من غيره، قد أثنى الله سبحانه وتعالى على الذين يؤمنون بالغيب .
قال المصنّف رحمه الله:"ويجب الإيمان بكلّ ما أخبر به النّبي صلّى الله عليه وسلّم " فهذا من مقتضى الإيمان به، فإن كنت بحقّ مؤمناً بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم وأنّه مبعوث من عند الله تبارك وتعالى، وأنّه صادق فيما يخبر به، إذاً يَلزمك أن تؤمن بكلّ ما أخبر به عن ربّه تبارك وتعالى.
قال:"ويجب الإيمان بكلّ ما أخبر به النّبي صلّى الله عليه وسلّم وصحّ به النّقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنّا -بغضّ النّظر - نَعلم أنّه حقّ وصدق وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطّلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج وكان يقظة لا مناماً فإنّ قريشاً أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات"
من الغيبيات التي يجب أن نؤمن بها حديث الإسراء والمعراج، الإسراء هو سَيْر اللّيل، والمعراج هي الآلة التي يُعرج بها أي يُصعد بها، وعَرَجَ أي صعد فهو في الشرع السُّلّم الذي عرج به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الأرض إلى السّماء ،هذا المعراج ، فالإيمان بالإسراء والمعراج من الإيمان بالأمور الغيبيّة التي لم نرها، ولكنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخبرنا بها، وكون النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبرنا بها وهو الصّادق الذي لا يخبر إلا بصدق، إذاً فيجب علينا أن نؤمن بها .
وقول المصنّف رحمه الله:"وكان يقظة لا مناماً" هذا ردّ على الذين يقولون بأنّ قصّة الإسراء والمعراج وما حصل مع النبي صلّى الله عليه وسلّم كان في منامه، وهذا باطل، وردّ عليهم المصنّف، قال: قريش أنكرت على النّبي صلّى الله عليه وسلّم واستعظمت هذا الخبر- الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم - وقريش لم تكن تنكر المنامات، كانوا يؤمنون بها ويعرفون المنامات، ولكنّهم أنكروا هذا الخبر، خبر الإسراء والمعراج، ممّا يدلّ على أنّهم فهموا من النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه حقيقة وليس مناماً، وهذا ردّ في محلّه وهو قويّ عليهم، أمّا قصّة الإسراء والمعراج فهي قصّة طويلة ومعلومة، النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان في مكة فجاءه جبريل عليه السلام فأخذه على دابّة يقال لها "البُراق"، دابّة عظيمة سَرَت بالنبي صلّى الله عليه وسلّم من مكة إلى بيت المقدس، فنزل صلّى الله عليه وسلّم وربطها عند البيت ونزل وصلّى بالأنبياء في بيت المقدس، ثمّ عرج به جبريل إلى السماء فمرّ بالسّماء الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة وكلّم الله تبارك وتعالى ففرض الله عليه خمسين صلاة، فلمّا رجع النّبي صلّى الله عليه وسلّم إلى السماء السادسة وكان فيها موسى أخبره أنّ أمّته لا تقدر على ذلك، فرجع صلّى الله عليه وسلّم إلى ربّ العزّة تبارك وتعالى فبقي الحال على هذا إلى أن أنزلها الله تبارك وتعالى إلى خمس صلوات وأعطانا بها أجر خمسين صلاة فضلاً وتكرّماً منه سبحانه وتعالى، فلمّا رجع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى موسى في السماء السادسة قال له أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى وأن يطلب التخفيف ولكن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له: إنّي استحييت من الله من كثرة ما راجعته في الأمر فاستقرّت الصّلوات على خمس صلوات، هذا ملخّص لقصّة الإسراء والمعراج وهي طويلة وموجودة في الصحيحين وفي غيرهما، فهو خبر ثابت صحيح لا شكّ فيه لا ينكره إلا أهل البدع والضلال وأهل الكفر والجحود والإنكار، أما أهل السنة والجماعة فيؤمنون به أنّه حقيقيّ وأنّه صحيح كما أخبر صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم .
قال المؤلف رحمه الله: "ومن ذلك " أيضاً من الأمور التي يجب على المسلم أن يؤمن بها لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخبرنا بها ، "أنّ ملك الموت لمّا جاء إلى موسى عليه السّلام ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربّه فردّ عليه عينه" هذه القصّة في الصّحيحين متّفق عليها، وفي غيرهما أيضاً، جاء ملك الموت بصورة إنسان إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه فلطمه موسى عليه السلام ففقأ عينه، فرجع ملك الموت إلى الله سبحانه وتعالى فأعاد الله تبارك وتعالى عليه عينه ثمّ قال له :(ارجع إليه وقل له يضع يده على متن ثور فله بكلّ ما غطّى يده بكلّ شعرة سنة، فقال موسى: ثمّ ماذا ؟ فقال: ثم الموت، فقال: إذاً الآن، فسأل الله سبحانه وتعالى أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية حجر، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:" فلو كنتُ ثمّة لأريتكم قبره إلى جانب الطّريق عند الكثيب الأحمر") أي عند الرّمل المجتمِع، والخبر هذا في الصّحيحين، أنكره بعض أهل البدع فقالوا : كيف يلطم موسى الملك ويفقأ عينه ؟ فردّ عليهم أهل العلم بأنّ موسى لم يكن يعلم بأنّ هذا ملك الموت، جاءه على صورة إنسان، إنسان جاء ليقبض روحك ماذا تفعل ؟ إنسان جاء ليقتلك ماذا تفعل ؟ فدافع عن نفسه بهذه الطّريقة، إذاً فلا نكارة في الأمر
قالوا: إذاً، لماذا لم يُقتصّ من موسى ؟ يعني أسئلة عقلية محضة وهي من السخافة بمكان، لم يقتص من موسى لأمرين:
__ الأمر الأول : أن الله تبارك وتعالى قد شرع لمن نُظر في بيته من غير إذنه أن يفقأ عين من نظر لأنّه من حقّه، ذاك معتدٍ.
هذا الأمر الأوّل
__ الأمر الثاني: مَن قال لهم بأنّ ملك الموت كان يريد القصاص وأنّه طالَب بالقصاص ؟ فشُبَههم مردودة وباطلة ولكن يتعلقون بأدنى شبهة لردّ أحاديث النّبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم لضعف الوازع الديني في قلوبهم وضعف تصديقهم بما أخبر به صلّى الله عليه وسلّم .
قال المؤلف رحمه الله:"ومن ذلك أشراط السّاعة" أي وممّا يجب على المسلم أن يؤمن به بأنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم أخبر به: أشراط السّاعة.
الأشراط جمع شرط، وهو في اللغة العلامة، والسّاعة في اللغة هو الوقت، والمراد به هنا: القيامة، فأشراط السّاعة: علامات قيام يوم القيامة .
قال المصنّف رحمه الله:" ومن ذلك أشراط السّاعة مثل خروج الدّجال"
الدّجال صيغة مبالغة من الدّجل وهو الكذب، وهو رجلٌ ملبِّس يخرج في آخر الزّمان يدّعي الرّبوبيّة، ومعه فتن يفتن النّاس بها، من ذلك أنّه معه جنّة ونار، ولكنّ جنّته نار، وناره جنّة كما أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفتنته عظيمة حتى إنّه ما جاء نبيّ إلا وحذّر أمّته من هذا الرّجل وكان آخرهم نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم، وهو خارج في أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم فهي آخر الأمم، وكما ذكرنا فتنته عظيمة ومِن عِظمها أوصى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالاستعاذة منه في دبر كلّ صلاة، فنحن نستعيذ منه في اليوم أكثر من خمس مرّات لعظم فتنته، وقال صلّى الله عليه وسلّم في حديث آخر:" من سمع به فلينأى عنه" فإنّ الرّجل يأتيه وهو يظنّ أنّه قادر عليه وعلى فتنته فينجرف معه ممّا معه من شبهات ومن فتن - نسأل الله العافية والسلامة - وهذا الحديث الأخير الذي ذكرناه بمعناه يدلّ على وجوب مجانبة مَن معه فتنة في الدّين، ومن هؤلاء أهل البدع والضّلال، فالشّخص يظنّ من نفسه كما نسمع كثيراً من الشّباب يقول: أنا أذهب وأسمع فما أجده حق آخذ به وما أجده باطلاً أتركه، هذا مسكين، لماذا ؟ لأنّه لا يخلو حاله: إمّا أن يكون لا يعرف معنى الشّبهة وما تفعل في القلب، أو أنّه جاهل بالعلم أصلاً، فمِن جهله يظنّ أنّ عنده من العلم ما يتمكّن معه من ردّ الشّبهات، أنت إذا كنت ممّن له قدرة على ردّ الشّبهات والضّلالات، لماذا تذهب وتتعلّم عند فلان وفلان أصلاً ؟ أنت مثلك ينبغي أن يُعلِّم، فإذا لم تكن كذلك فإذاً ليست عندك القدرة على ردّ الشّبهات التي تُعرض عليك، فمعلّمك هو الذي يعطيك، فكيف ستعرف خطأه من صوابه ؟ فهذا الكلام كلام شخص لا يعي ما يقول، وقد قال السّلف رضي الله عنهم، قال أبو قِلابة: "إيّاكم ومجالسة أهل البدع فإنّي أخشى عليكم أن يغمسوكم فيها"، فيضيّعون عليكم دينكم، وكان السّلف الذي هم أئّمة الإسلام في وقتهم لا يجالسون أهل البدع ولا يسمحون لهم أن يجالسوهم، لماذا ؟ ألم يكن الواحد منهم قادر على معرفة الحق ّ من الباطل ؟ قادر، ولكن ما أدراه أن تُلقى هذه الشّبهة في قلبه فتعلق، كما قال محمّد بن سيرين وغيره، فإذاً، مَن خشي على دينه وأراد أن يبقى في مأمن فليبتعد عن أهل البدع والضّلال .
قال:"مثل خروج الدّجال" والدّجال ينكره العقلانيّون الذين لا يؤمنون إلا بما وافق عقولهم، فيقولون: الأشياء التي أُخبِر أنّه يأتي بها، هذه لا تدخل على الدّماغ ولا تركب مع العقل، عقولكم فاسدة من أين لكم أنّها لا تركب ولا تدخل ولا يمكن أن تحصل ؟ كلّه كلام فاسد وباطل، أخبر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّها تحصل فستحصل، شئتم أم أبيتم، ومن دلائل نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ومن دلائل صدقه أنّه ما أخبر بشيء ماضٍ ولا أخبر بشيء سيكون إلا وكان كما أخبر، وما استطاع أحد في الدّنيا أن يُثبت كذباً في خبره، وهذا من دلائل نبوّته. اليوم كم تطوّرت من أحداث ؟ وكم وصل الناس إلى مباحث ما كانت تُعرف من القديم خاصة مسائل الأجنّة وهذه التي حدّث عنها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالتّفصيل، الاكتشافات الحديثة ما وجدت إلا أن تُثبت ما أخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم، هذا ممّا يؤكّد صدق نبوّته صلّى الله عليه وسلّم، وما استطاع جماعة أن يجمعوا على كذب خبر جاء عنه صلّى الله عليه وسلّم ولن يستطيعوا، لأنّ المُخبِر هو ربّ العالمين تبارك وتعالى الذي خلق هذا الكون ويعلم ما فيه .
قال:"ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتله" عيسى عليه السلام معروف أنّه رُفع في الأزمان الماضية، وكما أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم سينزل في آخر الزمان، عند المنارة في دمشق، وسيقتل الخنزير ويكسر الصليب وسيُدرك الدّجال بباب لُدّ ويقتله هناك، "لُدّ" مدينة من مدن فلسطين بجانب الرّملة يدركه على بابها فيقتله هناك عيسى عليه السّلام، وهذا يكون في آخر الزمان بعد أن يظهر المهدي، وظهور المهدي أوّل علامات السّاعة الكبرى.
"وخروج يأجوج ومأجوج"، يأجوج ومأجوج أمّتان من النّاس، أخبر الله تبارك وتعالى عنهم في كتابه الكريم، وذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم في عدّة أحاديث أنّهم سيخرجون في آخر الزّمان فقد قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصّحيحين:"فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلّق بإصبعه الإبهام والّتي تليها" ومازال يُفتح إلى أن يأذن الله سبحانه وتعالى بخروجهم، وجاء في الحديث أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:" إنّها لن تقوم السّاعة حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدّخان، والدّجال، والدّابّة، وطلوع الشّمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد النّاس إلى محشرهم" رواه مسلم في صحيحه.
قال المصنّف رحمه الله: "وخروج الدّابّة" وهي دابّة تخرج آخر الزمان تَخْطِم النّاس، تسِمُهُم، تضرب عليه سمات (علامات) على جباههم: كافر، مسلم، الكافر تخطم له بالكفر، والمسلم بالإسلام.
"وطلوع الشّمس من مغربها"، أيضاً الواجب علينا أن نؤمن بذلك لأنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم أخبر بذلك، أنّها في آخر الزّمان تُشرق الشّمس من المغرب وعندئذ لا يُقبل من أحد توبة .
"وأشباه ذلك ممّا صحّ به النّقل"، الشّاهد في هذا كلّه أنّ هذه الأخبار كلّها يجب علينا أن نؤمن بها وأن نصدّق لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخبرنا بها وهذا من أصول الإيمان العظيمة .
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 08:52   #9
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس التاسع]

[الدرس التاسع]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أمّا بعد :
فهذا المجلس التاسع من مجالس شرح لمعة الاعتقاد، ومازلنا في ذكر الإيمان الغيبي .
عدّد المؤلف رحمه الله بعض المسائل التي يجب على كلّ مسلم أن يؤمن بها لورود الدّليل بها من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهذه الأمور لا تدرَك إلا بالسمع، لا تدرك إلا بالأدلّة السّمعيّة، بأدلّة كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لا تدرك بالعقل ولا بالمشاهدة، وإنّما هي مسائل غيبيّة أخبرنا بها ربّنا تبارك وتعالى إمّا في كتابه أو على لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فوجب علينا الإيمان بها.
قال المؤلف رحمه الله:"وعذاب القبر ونعيمه حقّ"
عذاب القبر للفجّار، ونعيم القبر للأخيار، للصالحين، حقّ ثابت، العذاب ثابت والنّعيم ثابت في القبر، والقبر حفرة من حفر النّار أو روضة من رياض الجنّة دلّت على ذلك الأحاديث الصّحيحة، وعذاب القبر ثابت بأدلة متواترة في الصحيحين، ولكن التواتر نوعان :
تواتر لفظي، وتواتر معنوي .
وهذه الأدلة التي وردت في عذاب القبر تواترها تواتر معنويّ لا لفظي، ماذا نعني بالتواتر اللفظي ؟ أن يأتي حديث مثلاً بلفظ معيَّن وأن يُروى بطرق كثيرة بنفس اللّفظ كقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:"من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النّار" جاء هذا الحديث بهذا اللّفظ من طرق كثيرة، فهو متواتر تواتراً لفظياً، ورد بنفس اللفظ.
أمّا المتواتر تواتراً معونيّاً فهذا لا يرد بنفس اللّفظ ولكن تأتي عدّة أحاديث فيها ما يدلّ على ما ذكرنا فيه التّواتر، كعذاب القبر هذا، ورد حديث مثلاً أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم استعاذ من عذاب القبر كما جاء في الصّحيحين أنّه كان يقول في صلاته:" اللّهم إنّي أعوذ بك من عذاب القبر"، وورد أيضاً عن عائشة أنّها جاءتها يهوديّة فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر فاستفسرت وسألت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن عذاب القبر فصدّق وأكّد حدوث عذاب القبر وأنّ النّاس يعذّبون في قبورهم، هذا حديث آخر، وإن كان هذا حديث وذاك حديث آخر إلا أنّ الأوّل يدلّ على عذاب القبر والثّاني كذلك يدل على عذاب القبر، وكذلك الثّالث قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عندما مرّ بالقبرين، قال:" إنّهما ليعذّبان وما يعذّبان في كبير" فدلّ أيضاً هذا الحديث على عذاب القبر، فعندما تأتيك مجموعة من الأحاديث كهذه الأحاديث كلٌّ منها يفيد بوقوع عذاب القبر ، إذاً يكون عذاب القبر متواتراً تواتراً معنويّاً لا لفظياً، فأحاديث عذاب القبر متواترة كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله .
فقوله: "عذاب القبر ونعيمه حق" أي ثابت، نؤمن بذلك ونصدّق لأنه جاء به الكتاب وجاءت به السنّة، أمّا الكتاب ففي قوله تبارك وتعالى { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } [ غافر/46]، النّار يعرضون عليها آل فرعون أين ؟ في القبر ، ويوم تقوم السّاعة يُدخلون أشدّ العذاب، فهذه الآية تدلّ على عذاب القبر، أمّا الأحاديث فكما ذكرنا متواترة، فبما أنّ عذاب القبر ثبت في الكتاب وثبت في السنّة فوجب علينا الإيمان به والتّسليم لما قاله ربّنا تبارك وتعالى وبما أخبرنا به نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم، هكذا يكون الإيمان.
قال:"وقد استعاذ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم منه" لا شكّ في الصّحيحين أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقول في صلاته:"اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر" ، "وأمر به في كلّ صلاة" أيضاً في الصحيحين، أنّ الشّخص لا يدعنّ في دبر صلاته أن يقول : "اللهم إنّ أعوذب بك من عذاب القبر ومن فتنة المسيح الدّجال..." إلى آخر الحديث .
قال:"وفتنة القبر حقّ" الفتنة هنا بمعنى الاختبار والامتحان، أي الاختبار والامتحان الذي سيتعرّض له العبد في قبره حقٌّ ثابت لثبوته في الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، منها أحاديث في الصحيحين ومنها حديث البراء بن عازب قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم:"إذا أُقعد المؤمن في قبره أُتي ثمّ شهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول فذلك قوله { يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } [ إبراهيم/27] قال البراء: نزلت في عذاب القبر، فهذه الآية مع الحديث تؤكّد حصول الاختبار والامتحان وأيضاً حصول عذاب القبر، فيأتي العبد ملكان فيقعدانه ويسألانه (من ربّك ؟، وما دينك ؟، وماذا كنت تقول في الرّجل الذي بُعث فيكم ؟، فإن كان صالحاً قال: ربي الله، ونبيّي محمّد صلّى الله عليه وسلّم وديني الإسلام، وإذا كان غير ذلك قال: هاه هاه ، لا أدري) .
قال:"وسؤال منكر ونكير حقّ" أي حقّ ثابت أنّهما يسألان العبد في قبره، يأتيانه ملكان فيسألانه عن دينه وعن ربّه وعن نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، السؤال ثابت في الصّحيحين، أمّا تسمية منكر ونكير فقد وردت في رواية عند التّرمذي مختلَفٌ في صحّتها .
قال رحمه الله:"والبعث بعد الموت حقّ" المراد بالبعث خروج النّاس من القبور للحساب، وهو حقّ كما قال المؤلف أي ثابت
"
وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصّور" إسرافيل ملك من ملائكة الله تبارك وتعالى، (ينفخ في الصور) أي ينفخ في قرن كبير، ينفخ نفخة فيخرج النّاس من قبورهم، قال: "{ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ }" (من الأجداث) يعني من القبور و (ينسلون) يعني يخرجون سراعا .
لا يستثنى من فتنة القبر إلا الشّهيد لقوله صلّى الله عليه وسلّم عندما سئل: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشّهيد ؟ قال: "كفى ببارقة السّيوف على رأسه فتنة"، وكذلك "من مات مرابطاً في سبيل الله" والحديث وارد في صحيح مسلم بذلك، من مات مرابطاً في سبيل الله، هؤلاء لا يفتنون في قبورهم .
قال المؤلف رحمه الله:"ويحشر النّاس يوم القيامة حفاة عراة غرلا بُهما" بعد أن يخرج النّاس من قبورهم يُجمع الخلائق للحساب والقضاء بينهم فقال:" يحشر النّاس" أي يجمعون يوم القيامة"، (حفاة) لا نعال ولا أحذية، لا يلبسون نعالاً ولا أحذية، (عراة) لا ملابس عليهم، قالت عائشة رضي الله عنها: "وينظر الرّجال والنّساء إلى بعضهم ؟، قال:" يا عائشة الأمر أشدّ من ذلك" ما في مجال تتفرّغ تنظر إلى ذاك أو ذاك، الأمر فيه هول عظيم.
قال: (غرلا) أي غير مختونين، (بُهْما) أي ليس معهم شيء، يأتون ولا شيء معهم .

قال:"فيقفون في موقف القيامة"، قال صلّى الله عليه وسلّم : "يحشر النّاس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقُرصةٍ نقيّ ليس فيها علَم لأحد" هذا متّفق عليه، الأرض التي يحشرون عليها يوم القيامة بيضاء، عفراء، كقرصة النّقيّ أي كالرغيف المنخول، (ليس فيها علم لأحد) أرض فارغة لا شيء فيها، وهذا الحديث في الصحيحين .
قال:"حتّى يشفع فيهم نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم" أحاديث الشّفاعة في الصّحيحين، هذه الشفاعة الخاصّة بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وسيأتي التّفصيل فيها، عندما يحشر النّاس يوم القيامة، تقترب منهم الشّمس قدر ميل فيغرقون في عرقهم، كلٌّ على حسب ذنبه، ومنهم مَنْ يلجمه العرق إلجاماً لكثرة ذنوبه أعاذنا الله وإيّاكم، ويشتدّ الأمر عليهم كثيراً حتّى يأتون إلى الأنبياء، يأتون إلى الأنبياء كي يشفعوا لهم عند الله سبحانه وتعالى كي يبدأ بالحساب، فيأتون إلى آدم ويأتون إلى موسى وإلى عيسى وغيرهم من الأنبياء فيقول كلّ نبي منهم نفسي نفسي ويذكر ذنباً، إلى أن يأتوا إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيقول:"أنا لها أنا لها" ويذهب ويسجد عند ربّ العزّة تبارك وتعالى ثمّ يأذن له بالشّفاعة، فيبدأ بالحساب .
قال:"حتّى يشفع فيهم نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ويحاسبهم الله تبارك وتعالى"، المؤمن تعرض عليه أعماله ثمّ يعفو الله عنه، مجرّد عرض،
وأمّا من نوقش الحساب عُذّب، كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عندما سألته عائشة فقال لها صلّى الله عليه وسلّم:"من نوقش الحساب عذّب"، وأمّا السّبعين ألفاً فهؤلاء يدخلون الجنّة بغير حساب ولا عذاب كما جاء في الصّحيحين فلا ينجو من الحساب إلا السّبعين ألفاً الذين ذكروا في هذا الحديث، ولا ينجو من حرّ الشّمس في الموقف إلا السّبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه.
قال:"وتُنصب الموازين" أي موازين الأعمال، موازين جمع ميزان، والموازين هذه لها كفّتان كما سيأتي إن شاء الله، تنصب الموازين لوزن الأعمال، "وتنشر الدّواوين" الدّواوين جمع ديوان والمقصود به الكتب التي تكتب فيها الأعمال، "وتتطاير صحف الأعمال إلى الأَيمان والشّمائل { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً }"، نؤمن بكلّ هذا ونصدّق به لأنّ الله سبحانه وتعالى أخبرنا به، ولأنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم وهو الصادق أخبرنا أيضاً بذلك فنحن نستيقن أنّ كلّ هذا سيحصل .
قال المؤلف رحمه الله:"والميزان له كفّتان" أي الميزان التي توزن به الأعمال يوم القيامة له كفّتان، "ولسان توزن به الأعمال" أمّا له كفّتان فهذا وارد في حديث البطاقة الذي قال فيه النّبيّ صلى الله عليه وسلّم :"فتوضع السجلات في كفّة والبطاقة في كفّة" فعلمنا أنّ الميزان له كفّتان، وأمّا اللّسان فلم أجد عليه دليلاً .
قال:"والميزان له كفّتان ولسان توزن به الأعمال" وقد حصل خلاف بين أهل العلم هل الأعمال هي التي توزن ؟ أم يوزن النّاس أنفسهم ؟ أم توزن الصّحف ؟، خلاف بين أهل العلم، والظّاهر أنّ كلّ هذا يحصل لوجود الأدلّة في ذلك .
قال:"{ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } فالأعمال توزن يوم القيامة فإذا غلبت سيئات الشّخص حسناته فهو من الهالكين، وإذا غلبت حسناته سيّئاته فهو من النّاجين .
قال المؤلف رحمه الله:"ولنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم حوض في القيامة، ماؤه أشدّ بياضاً من اللّبن، وأحلى من العسل, وأباريقه عدد نجوم السّماء"، (أباريقه) يعني آنيته التي يُشرب بها، (عدد نجوم السّماء) أي كثيرة جدّاً، "من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا" لا يصيبه عطشاً البتّة، نسأل الله أن يجعلنا وإيّاكم من أهله، (لم يظمأ بعدها أبدا) طيّب وشربهم بعد ذلك في الجنّة إنّما هو للمتعة وليس لإذهاب الظّمأ، وجاءت بذلك أحاديث بمعنى ما ذكر المصنّف رحمه الله .
قال:"والصّراط حقّ يجوزه الأبرار ويزلّ عنه الفجّار"، الصّراط هو الجسر، جسرٌ ممدود على جهنّم ليعبر النّاس عليه إلى الجنّة وهو ثابت بالكتاب والسنّة، ويقرّره علماء أهل السنّة والجماعة ويؤمنون به، قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم { وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا } [ مريم/71]، فسّرها غير واحد من السّلف بأنّه وروده على الصّراط وهذا أصحّ تفسير لها، وقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:"ثمّ يضرب الجسر على جهنّم وتحلّ الشّفاعة ويقولون: -أي الأنبياء- اللّهمّ سلّم سلّم" وجاء في صفته أنّه "مدْحضة مَزَلّة عليها خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عُقَيْفاء تكون بنجدٍ يقال لها السّعدان" رواه البخاريّ وفي رواية " وبه كلاليب مثل شوك السّعدان غير أنّها لا يعلم قدر عظمها إلا الله ، يُخطف النّاس بأعمالهم" تأخذهم على حسب أعمالهم فمنهم مخدوش ومرسل - يعني يخدش ولكنّه ينجو - ومنهم مكدوس في جهنّم فتأخذه وتنزل به إلى نار جهنّم، نسأل الله أن يعافينا وإيّاكم،
جاء في صحيح أنّه يمرّ المؤمن على الجسر على الصّراط كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطّير وكأجاويد الخيل والرّكاب فناجٍ مسلَّم ، ومخدوش مرسل ، ومكدوس في جهنّم، (مخدوش مرسل) يعني مطلق، يذهب ينطلق
والسير على الصراط بالسرعات هذه المختلفة على حسب الأعمال، الأعمال هي التي تجعلك تسير بشكل أسرع من الآخرين، وجاء ذلك في صحيح مسلم في رواية واضحة في ذلك قال:" تجري بهم أعمالهم ونبيّكم قائم على الصّراط يقول: يا ربّ سلّم سلّم، حتّى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرّجل فلا يستطيع السّير إلا زحفا" لأعماله القليلة .

قال رحمه الله:" ويشفع نبيّنا صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم فيمن دخل النّار من أمّته من أهل الكبائر فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحمما فيدخلون الجنّة بشفاعته، ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ }، ولا تنفع الكافر شفاعة الشّافعين"،
الشّفاعة: هي التّوسّط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرّة، والشفاعة يوم القيامة نوعان:
شفاعة خاصّة بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وشفاعة عامّة له ولغيره من الأنبياء والملائكة والصّالحين والشّهداء، فالخاصّة بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم هي الشّفاعة العظمى، شفاعة الموقف، الشّفاعة في أهل الموقف لقيام الحساب، وأمّا الشّفاعة العامّة فهي الشّفاعة فيمن دخل النّار من المؤمنين من أهل الكبائر أن يخرجوا منها، جاء في حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" أمّا أهل النّار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس أو كما قال تصيبهم النّار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فيميتهم إماتة حتّى إذا صاروا فحما أُذِنَ في الشّفاعة فيخرجون" وأحاديث الشّفاعة في الصّحيحين كثيرة تدلّ على خروج المذنبين من النّار، وكما قال عليه الصّلاة والسّلام: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي"، فشفاعة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وشفاعة الملائكة، وشفاعة الصّالحين، كلّها ثابتة في أحاديث كثيرة لم يُنكرها إلا الخوارج والمعتزلة بناءً على أصولهم أنّ صاحب الكبيرة كافر لا يخرج من النّار، أمّا أهل السنّة والجماعة فيعتقدون أنّ صاحب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان أو أنّه فاسق يعذّب في نار جهنّم إن شاء الله سبحانه وتعالى له ذلك، يعذّب في نار جهنّم بقدر ذنوبه ثمّ يخرج منها كما صحّت بذلك الأحاديث الكثيرة.
ويُشترط لهذه الشّفاعة شرطان:
الأوّل : إذن الله في الشّفاعة، وهذا مأخوذ من قول الله تبارك وتعالى { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ البقرة/255]، فلا أحد له قدرة على أن يشفع إلا إن أذن له الله سبحانه وتعالى بذلك.
والشّرط الثّاني: أن يرضى أن يُشفع في المشفوع فيه فلا يشفع أحد في أحد إلا أن يرضى الله سبحانه وتعالى لفلان أن يشفع في فلان، قال { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } [ الأنبياء/28]، من ارتضى أن يشفعوا فيه، فأمّا الكافر فلا شفاعة له كما قال تبارك وتعالى { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } [ المدّثر/48].
قال رحمه الله:"والجنّة والنّار مخلوقتان لا تفنيان"، (مخلوقتان) أي موجودتان الآن ، (لا تفنيان) تبقيان إلى الأبد، لا تفنيان البتّة، "فالجنّة مأوى أوليائه" يأوي فيها الأولياء والصّالحون، "والنّار عقاب لأعدائه، وأهل الجنّة فيها مخلّدون" أي في الجنّة، "{ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ }" أي آيسون من رحمة الله تبارك وتعالى لا يخرجون من العذاب أبداً، لا يفتّر عنهم العذاب أبداً .

وقول المؤلف رحمه الله:"هما مخلوقتان" أي الجنّة والنّار، دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى في الجنّة { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [ آل عمران/133] أي أعدّت فهي معدّة وجاهزة وموجودة للمتّقين، وقال أيضاً في النّار{ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [ آل عمران/131] وجاء في أحاديث كثيرة أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رأى الجنّة ورأى أيضاً النّار ورأى أقواماً يعذّبون في نار جهنّم ورأى أقواماً ينعّمون في الجنّة في أحاديث كثيرة، حتّى إنّه همّ أن يأخذ منها عنقوداً من العنب كما جاء في الحديث قال:" إنّي رأيت الجنّة فتناولت منها عنقوداً ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدّنيا، ورأيت النّار فلم أرَ كاليوم منظرا قطّ أفظع منها"، وهذا الحديث متّفق عليه، وهذه القصّة في صلاة الكسوف .
وأمّا الجنّة والنّار وكونهما باقيتين لا تفنيان أبداً فأدلّة ذلك في الجنة كثيرة جدّاً، قال الله تبارك وتعالى { جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً } [ البينة/8] أي لا ينقطع خلودهم البتّة،
وأمّا في النّار فقال الله تبارك وتعالى { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً } [ النساء/169/168]، وقال أيضاً { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً } [ الأحزاب/65/64] ، وقال أيضاً { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } [ الزخرف/75/74]، وهذا كلّه ردّ على الذين قالوا بفناء النّار وهو قول مردود باطل لا يقبل من قائله لمخالفته لهذه الأدلّة الواضحة والصّريحة والمحكمة .
قال المؤلف رحمه الله:"ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح"، عندما يستقرّ أهل الجنّة في الجنّة، وأهل النّار في النّار يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، الأصل في الموت أنّه شيء معنويّ، ليس شيئاً محسوساً ولكنّ الله سبحانه وتعالى قادر على أن يفعل ما يريد فيأتي به في صورة كبش أملح، الأملح الذي هو فيه بياض وسواد إلا أنّ بياضه أكثر من سواده، "فيذبح بين الجنّة والنّار ثمّ يقال: يا أهل الجنّة خلود ولا موت، ويا أهل النّار خلود ولا موت" ما أعظم هذا الحدث عند أهل الجنّة وعند أهل النّار، أمّا أهل الجنّة فيزيد نعيمهم نعيماً، وأمّا أهل النّار فيزيد عذابهم عذابا، فأهل النّار ماكان لهم مفرّ ولا مخرج ممّا هم فيه إلاّ الموت فلمّا ذُبح الموت أمامهم ما بقي مفرّ من بقاء العذاب الذي هم فيه، نسأل الله أن يعافينا وإيّاكم وأن يحسن خاتمتنا وخاتمتكم .
قال الله تبارك وتعالى { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } [ مريم/39] نسأل الله سبحانه وتعالى العافية والسلامة.

نكفتي بهذا القدر
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 08:53   #10
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ الدرس العاشر من شرح لمعة الاعتقاد

تفريغ الدرس العاشر من شرح لمعة الاعتقاد


الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:
فهذا هو المجلس العاشر من مجالس شرح لمعة الاعتقاد.
قال المؤلف رحمه الله: فصل: حقوق النّبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه على المؤمنين.
يقول المصنّف رحمه الله "ومحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم" فالواجب على المؤمن أن يؤمن برسالة محمّد صلّى الله عليه وسلّم وأن يصدق بأنّه مرسل من عند الله.
"خاتم النبيّين"لقول الله تبارك وتعالى: "ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيّين"، وقال صلّى الله عليه وسلّم كما جاء في الحديث المتّفق عليه "لا نبيّ بعدي"، فإذاً لا نبوّة بعد محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
قال: "وسيّد المرسلين"لقوله صلّى الله عليه وسلّم "أنا سيّد النّاس يوم القيامة ولا فخر" كما جاء في رواية، فهو سيّد المرسلين، و سيّد النّاس جميعاً، فهذا من حقوق النبيّ صلّى الله عليه وسلّم التي نثبتها له لكونها ثبتت له في الأدّلة الصّحيحة.
قال: "لا يصحّ إيمان عبد حتّى يؤمن برسالته ويشهد بنبوّته" لقول الله تبارك وتعالى: "فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليما"، وقال صلّى الله عليه وسلّم: "والذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة، يهودي ولا نصراني، ثمّ يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النّار" والمراد من الأمّة هنا التي قال فيها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة" أي أمّة الدعوة التي دعاها صلّى الله عليه وسلّم إلى دينه ومنهم اليهودي والنّصراني فإذا لم يؤمنوا بالنّبي صلّى الله عليه وسلّم يكونون من أصحاب النّار، هذا الحديث أخرجه مسلم وفيه ردّ على الذين يدّعون أنّ اليهود والنّصارى مؤمنون، وبيننا وبينهم أخوّة الإيمان، هذا كلام باطل مردود على صاحبه، فالإيمان الذي عند اليهود والنّصارى لا ينفعهم، الإيمان الذي ينفع هو الإيمان الشّرعي الذي أخبر به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، الإيمان بالله، والإيمان برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فمن لم يؤمن برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلا يقبل منه، ومن لم يؤمن بالإسلام الذي جاء به محمّد صلّى الله عليه وسلّم فلن يقبل منه كما قال الله تبارك وتعالى: "فمن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" وقال الله تبارك وتعالى: "إنّ الدّين عند الله الإسلام"، فإذاً الدين عند الله سبحانه وتعالى هو دين الإسلام الذي يقرّر بأنّه لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله، فمن لم يؤمن برسالة محمّد لجميع النّاس كافّة فليس بمؤمن وإيمانه غير معتبر ولا يتعلّق به أحكام شرعيّة، لا تتعلق به أحكام شرعيّة، إيمانه ذاك إيمان فاسد غير معتبر، ولا تتعلّق به أحكام شرعيّة يعني أنّه لا يصحّ أن نقول بأنّه مؤمن وأنّه أخونا في الإيمان، لا.
الإيمان المعتبر الذي تكون به الأخوّة ويعقد عليه الولاء هو الإيمان الشرعي الذي جاء به محمّد صلّى الله عليه وسلّم، أمّا القول بأنّ اليهود والنّصارى وغيرهم من الكفرة هم مؤمنون لأنّهم يؤمنون بوجود الله تبارك وتعالى فهذا قول باطل فاسد مردود على صاحبه وإلا فكفّار قريش أيضا مؤمنون، ماذا قال الله سبحانه وتعالى فيهم "ولئن سألتهم من خلق السّموات والأرض ليقولنّ الله" فهم يؤمنون بوجود الله ويؤمنون بأنّه هو الخالق، وهو الرّازق، إذن فماذا؟ هو إيمان لا ينفع، لا ينفع الإيمان إلا بأن تؤمن بما جاء به محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
قال المصنّف رحمه الله: "ولا يقضى بين النّاس يوم القيامة إلا بشفاعته" لحديث الشّفاعة في الموقف الذي تقدّم عندما يأتي النّاس إلى الأنبياء فيقول النّبي نفسي نفسي، إلى أن يأتوا إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيقول أنا لها، أنا لها.
قال: "ولا يدخل الجنّة أمّة إلا بعد دخول أمّته"لقوله صلّى الله عليه وسلّم "نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، ونحن أوّل من يدخل الجنّة" أخرجه مسلم في صحيحه.
قال: "صاحب لواء الحمد"اللّواء كالرّاية، جاء في حديث عند التّرمذي "أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد" أخرجه التّرمذي وله شواهد يرتقي إن شاء الله إلى الحسن بها.
"والمقام المحمود"هو العمل الذي يحمد عليه فاعله وهو هنا هو المقصود به الشّفاعة.
"والحوض المورود"الذي يأتيه النّاس ويردونه وقد تقدّم دليله
"وهو إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم"جاء في ذلك حديث عند التّرمذي وابن ماجة من حديث أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إذا كان يوم القيامة كنت إمام النّبيّين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر" وهو حسن بطرقه إن شاء الله.
"أمّته خير الأمم وأصحابه خير أصحاب الأنبياء عليهم السّلام" لقوله تبارك وتعالى: "كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس" ونقلوا اتّفاق أهل السنّة على أنّ الصّحابة أفضل النّاس بعد الأنبياء.
قال المؤلف رحمه الله: "وأفضل أمّته أبو بكر الصدّيق، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ المرتضى رضي الله عنهم أجمعين، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "كنّا نقول والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيّ: أفضل هذه الأمّة أبو بكر، ثمّ عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، فيبلغ ذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فلا ينكره"، هذه زيادة (ثمّ عليّ) ليست في الحديث ، هذه الزّيادة ليست في الحديث ، الصواب في الحديث موجود في الصّحاح والسّنن بلفظ أفضل هذه الأمّة بعد نبيّها أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان فلا يزيدون ، هذه زيادة ( ثمّ عليّ) ليست من الحديث.
"وصحّت الرّواية عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال: "خير هذه الأمّة بعد نبيّها أبو بكر ثمّ عمر ولو شئت لسمّيت الثّالث".
أبو بكر الصدّيق معروف، عبد الله بن عثمان بن عامر من بني تيّم آمن بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكان أوّل من آمن به من الرّجال، وكان صاحبه ورفيقه، وأشار النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بإمامته للمسلمين من بعده وهو خير الصّحابة بل هو خير النّاس بعد الأنبياء.
وعمر هو أبو حفص الفاروق سمّي فاروقا لأنّه فرّق بين الحقّ والباطل وهو من بني عديّ وجميعهم من قريش، أبو بكر وعمر، من قريش وهو الذي استخلفه أبو بكر الصدّيق من بعده، وأبو بكر وعمر صحبا رسول الله ووزيراه، جاءت الأحاديث الكثيرة والكثيرة جدّا ببيان فضائلهما، والرّواية التي ذكرها المصنّف في قوله: "وصحّت الرّواية عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال: "خير هذه الأمّة بعد نبيّها أبو بكر ثمّ عمر ولو شئت لسمّيت الثّالث"" والثّالث هو عثمان، هذه الرّواية رواية صحيحة فيها ردّ على الرّافضة الذين يطعنون في أبي بكر وعمر ويدّعون أنّهم يتولّون عليّ بن أبي طالب فإن كانوا يتولّونه ويعتقدونه معصوما فلماذا إذن لا يأخذون بما قاله في أبي بكر وعمر؟ وإنّما هو الهوى فقط هو الذي يحكم عندهم لا الدّليل.
"وعثمان" هو أبو عبد الله ذو النّورين عثمان بن عفّان من بني أميّة، وهو قرشيّ أيضا وقد زوّجه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بابنتيه وهذه فضيلة أيّما فضيلة، وخير هذه الأمّة كما ذكر كما كانوا يقولون في عهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم "أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ عليّ بن أبي طالب من بعدهما".
وهو عليّ بن أبي طالب ابن عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أبو الحسن، قرشيّ، والد الحسن والحسين وزوج فاطمة بنت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
قال المؤلف رحمه الله: "وروى أبو الدّرداء عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "ما طلعت الشّمس ولا غربت بعد النبيّين والمرسلين على أفضل من أبي بكر"" هذا صحيح المعنى ولكنّه ضعيف الإسناد، إسناده ضعيف لا يصحّ.
قال: "وهو أحقّ خلق الله بالخلافة بعد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم" لماذا هو أحقّ ؟ يبيّن المؤلف فيقول: "لفضله وسابقته"، (سابقته) في الاسلام فهو سابق غيره ودخل في الاسلام قبل الجميع وفضله معروف وله مكانته الخاصّة من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتى قيل له: "من أحبّ النّاس إليك؟ قال عائشة، قيل ومن الرّجال؟ قال أبوها".
"وتقديم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة على جميع الصّحابة"قبل أن يموت صلّى الله عليه وسلّم في مرضه أبى أن يتقدّم النّاس إلا أبو بكر الصدّيق، وفي هذا كانت إشارة إلى أنّ أبا بكر هو الذي يستخلف من بعده.
"وإجماع الصّحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة"،لا شكّ أنّ الله سبحانه وتعالى لا يجمع هذه الأمّة على ضلالة وقد اتّفق الصّحابة رضي الله عنهم على أبي بكر الصدّيق واستقرّ الأمر له، بل "جاءت امرأة للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت يا رسول الله من أسأل من بعدك؟ قال اسألي أبا بكر" ففي هذا إشارة إلى أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقدّمه من بعده في كلّ شيء.
قال: "ثمّ من بعده عمر رضي الله عنه، لفضله وعهد أبي بكر إليه"أي في الخلافة بعد أبي بكر عمر بن الخطّاب رضي الله عنه لفضله ومكانته أيضا، وهو خير هذه الأمّة بعد أبي بكر الصدّيق وعهد أبي بكر إليه، أي لأنّ أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه هو الذي عيّنه من بعده هو الذي عيّنه من بعده.
"ثمّ عثمان رضي الله عنه لتقديم أهل الشّورى له" فعمر بن الخطّاب رضي الله عنه جعل الأمر شورى بين خيرة أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهم اختاروا عثمان من بين البقيّة، فعثمان بن عفّان له فضيلة وله مكانة عظيمة وهو أفضل هذه الأمّة بعد أبي بكر وعمر ثمّ زاد على ذلك أن اختاره أهل الشّورى للخلافة فكان أحقّ من غيره بها.
"ثمّ عليّ رضي الله عنه لفضله وإجماع أهل عصره عليه"وكان هو خير هذه الأمّة في وقته.
قال: "وهؤلاء الخلفاء الرّاشدون المهديّون الذين قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيهم: "عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي عضّوا عليها بالنّواجذ"".
(عليكم بسنّتي) أي الزموا طريقتي التي أنا عليها ولا تخالفوها.
"وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي" وكذلك الزموا سنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعده.
ومن هم هؤلاء الخلفاء الرّاشدون؟ كما سيأتينا إن شاء الله أنّهم هم هؤلاء الأربعة، وسيأتي دليله.
(عضّوا عليها بالنّواجذ) أي تمسّكوا بها بأسنانكم، أي كما نقول نحن اليوم (عضّ عليها بيديك وسنانك) أي تمسّك بها تمسّكا شديدا كي لا تتفلّت منك، فالسنّة إذن تحتاج إلى حرص وتحتاج إلى تمسّك وتحتاج إلى زهد في الدّنيا فإنّ ممّا يعكّر على العبد عبادته وطاعته في هذا الزّمن وفي غيره وخصوصا في زمننا هذا الذي انفتحت فيه الدّنيا على النّاس انفتاحاً وانبساطاً كبيراً، الذي يعكّر على العبد عبادته هي الدّنيا، الاشتغال بها، وترك التعبّد لله سبحانه وتعالى لأجلها هو هذا الذي يضيّع العبد في هذا الزّمن وقد حذّرنا الله تبارك وتعالى منها تحذيراً كبيراً في كتابه وفي سنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم وأخبر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بما سيقع في آخر الزّمان وأنّ النّاس سينشغلون بالدّنيا وسيتركون العبادة لأجلها فحذّر من هذا أشدّ التّحذير فينبغي أن نكون عقلاء وأن نأخذ بتحذير النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأن نعلم ما الذي ينفعنا فنقبل عليه، والذي يضرّنا فنبتعد عنه.
قال: "وقال صلّى الله عليه وسلّم: "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة"، فكان آخرها خلافة عليّ رضي الله عنه".
إذن هذا الحديث الثاني الذي ذكره وهو حديث صحيح يبيّن لنا من المقصود بالخلفاء الرّاشدين من بعد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
قال: " الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي"، وقال في الحديث الآخر "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة" فكانت الثّلاثين سنة تنتهي بعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، أبو بكر حكم سنتين، وعمر بن الخطّاب حكم عشر، وعثمان اثني عشر، وعليّ بن أبي طالب أربعة، إذن هؤلاء هم الخلفاء الرّاشدون المهديّون الذين جاء عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
قال المؤلف رحمه الله: "ونشهد للعشرة بالجنّة كما شهد لهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: "أبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعليّ في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزّبير في الجنّة، وسعد في الجنّة، وسعيد في الجنّة، وعبد الرّحمن بن عوف في الجنّة، وأبو عبيدة بن الجرّاح في الجنّة"، هؤلاء العشرة نشهد لهم بالجنّة كما شهد لهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولكن الذين شهد لهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالجنّة ليسوا هؤلاء فقط، بل شهد صلّى الله عليه وسلّم لغيرهم بالجنّة ولكن هؤلاء العشرة هم الذين ذكروا في حديث واحد وجاؤوا في سياق واحد.
ابو بكر وعمر وعثمان وعليّ قد تقدّموا.
أمّا طلحة فهو طلحة بن عبيد الله من بني تيّم وهو أحد السّابقين إلى الإسلام.
والزّبير هو ابن العوّام من بني قصيّ بني كلاب، ابن عمّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو أيضا من السّابقين.
وعبد الرّحمن بن عوف من بني زهرة من بني كلاب.
وسعد بن أبي وقّاص هو ابن مالك من بني عبد مناف بن زهرة.
وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدويّ، كان أيضا من السّابقين.
وأبو عبيدة هو عامر بن عبد الله بن الجرّاح من بني فهر، كذلك هو من السّابقين إلى الإسلام، توفيّ في الأردن في طاعون عمواس.
قال: "وكلّ من شهد له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالجنّة شهدنا له بها كقوله: "الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة""،فنشهد أيضا للحسن والحسين.
الحسن هو الحسن بن عليّ بن أبي طالب، والحسين بن علي بن أبي طالب حفيدا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شهد لهم صلّى الله عليه وسلّم بأنّهما من أهل الجنّة فنشهد لهما بذلك لأنّ الشّهادة بالجنّة أمر غيبيّ لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، وما علّمه الله سبحانه وتعالى للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإذا أخبرنا النّبي صلّى الله عليه وسلّم بأنّ شخصا في الجنّة فهو في الجنّة، وإن أخبرنا انّه في النّار فهو في النّار، أمّا إذا لم يخبرنا صلّى الله عليه وسلّم فليس لنا أن نعلم من جهة أخرى فلذلك نقتصر على ما جاء في الكتاب والسنّة ولذلك لا نجزم لأحد بالشّهادة، فلا نقول فلان شهيد، لأنّ شهيد ما معناها؟ معناها أنّه في الجنّة، ومن أين لنا؟ لا ندري فإنّ الشّهيد هو الذي يقتل في سبيل الله وأيّنا يدري الذي قتل في سبيل الله ومن الذي قتل في غيره؟ هذه مسألة تتعلّق بماذا؟ بالنيّات والمقاصد، فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، ومن قاتل لغير ذلك فليس في سبيل الله، إذن فليس لنا أن نجزم لأحد بالشّهادة، ثمّ إنّ الشّهادة وصف شرعيّ لا يطلق إلا على من مات في سبيل الله ولا يطلق على الكافر النّصراني واليهودي والمجوسي والمشرك كلّهم صاروا شهداء اليوم، كلّ أحد يموت يقول فلان شهيد، فلان شهيد هذه كلمة شهيد كلمة شرعيّة ووصف شرعي أعطاه الله سبحانه وتعالى لمن يقتل في سبيله وجعل له مكانه عظيمة في الجنّة فكيف تأتي وتصف واحد على غير دين الإسلام بالشّهادة؟ ثمّ إنّنا لا نصف أحدا ولا نطلق على أحد لا مسلم ولا غير مسلم ولكنّنا نرجو للمسلم الذي يجاهد في سبيل الله نقول نرجو له الشّهادة.
قال: "وقوله لثابت بن قيس "إنّه من أهل الجنّة""،فنشهد لثابت بن قيس أنّه من أهل الجنّة كما صحّ ذلك عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
قال: "ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنّة ولا نار" كما ذكرنا لأنّه أمر غيبيّ.
"إلا من جزم له الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لكنّا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء"نرجو للمحسن بإحسانه أن يدخله الله سبحانه وتعالى غلى الجنّة ، ونخاف على المسيء بإساءته أن يكون من أهل النّار وأن يعذّبه الله سبحانه وتعالى على إساءته، لكنّنا لا نجزم لأحد معيّن لا بجنّة ولا بنار.
قال المؤلف رحمه الله: "ولا نكفّر أحدا من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل"،هذا الكلام ليس على إطلاقه (لا نكفّر أحدا من أهل القبلة بكلّ ذنب)، أمّا إذا كان الذّنب من نواقض الإسلام ثبت بدليل الكتاب والسنّة أنّه ناقض من نواقض الاسلام فهذا نكفّره لأنّ الله الذي كفّره وليس نحن، فالتّكفير يكون مرجعه إلى الكتاب والسنّة، فأيّ عمل حكم عليه في الشّرع في الكتاب والسنّة بأنّه كفر فنكفّر صاحبه، فمن سبّ الله فهو كافر، من سبّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهو كافر، فمثل هذه نجزم بها ونقولها ونحكم على فاعلها بالكفر لأنّه ثبت بدليل الكتاب والسنّة أن فاعل هذا الفعل كافر، أمّا مرتكب الكبيرة فهذا لا نحكم عليه بكفر لأنّه لم يرد في دليل الكتاب والسنّة أنّه كافر بل هو مسلم فاسق، أو نقول هو مؤمن ناقص الإيمان، أو نقول هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ولكنّه ليس بكافر، فلا نكفّر صاحب الكبيرة كما تفعله الخوارج، الخوارج هم الذين يكفّرون أصحاب الكبائر، أمّا اهل السنّة والجماعة فلا يكفّرون أصحاب الكبائر لأنّ الأدلّة من الكتاب والسنّة دلّت على أنّهم ليسوا بكفّار فقال صلّى الله عليه وسلّم: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنّة"، قال أبو ذرّ: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "وإن زنى وإن سرق"، قال: يا رسول الله وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق"، إلى أن قال له: "إن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرّ" إذاً الزّاني والسّارق وغيره من أصحاب الكبائر هم من أهل الجنّة إذا ماتوا على التّوحيد، ولكن هم معرّضون للعذاب وإن شاء الله سبحانه وتعالى عذّبهم وإن شاء عفا عنهم لقول الله تبارك وتعالى: "إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، فصاحب الكبيرة تحت المشيئة، إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذّبه على كبيرته، لكن من أهل الكبائر من هو يعذّب في نار جهنّم فلا يتّكلن أحد على ذلك فبعض أهل الكبائر أخبرنا النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّهم سيعذّبون، وأنّهم سيخرجون من نار جهنّم بالشّفاعة، إذن هناك من سيعذّب من أهل الكبائر فلا يتّكل أحد على المغفرة فالله سبحانه وتعالى لا تدري أن تكون ممّن يختارهم فيغفر لهم أو لا.
قال: "ونرى الحجّ والجهاد ماضيا مع طاعة كلّ إمام، برّا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة".
"ونرى الحجّ والجهاد ماضيا مع طاعة كلّ إمام"، نرى الحج والجهاد خلف كلّ إمام مسلم، خلف كلّ إمام مسلم نرى الحج والجهاد ماضيا معه ونرى أيضا وجوب طاعته لماذا؟ لأنّ الله سبحانه وتعالى أمر بطاعته فقال: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم"، وقال عليه الصلاة والسلام أيضا "اسمع واطع وإن ولّي عليكم عبد حبشي" ، وجاء عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أحاديث كثيرة "أنّكم ستجدون من بعدي أثرة وأمورا تنكرونها، قالوا فما نفعل يا رسول الله؟ قال: اصبروا حتّى تلقوني على الحوض"، فلا يجوز الخروج على الحاكم المسلم ولا ترك طاعته إذا كان أمره موافقا لشريعة الله تبارك وتعالى وليس معصيّة ما لم نر منه كفرا بواحا كما قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم "ما لم تروا كفرا بواحا"، إذن ما لم نر كفرا بواحا ظاهرا واضحا إذن فالواجب علينا أن نسمع وأن نطيع والذين يستدلّون بأدلّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر للخروج على الحكّام هذا استدلال ليس في محلّه لأنّ الامر بالمعروف والنّهي عن المنكر والأدلّة التي وردت فيه كلّها أدلّة عامّة جاء ما يخصصّها في مسألة وليّ الأمر أنّنا وإن رأينا منه ما ننكر وإن رأينا منه أنّه يؤثر نفسه علينا في أمور الدّنيا إلا أنّه لا يجوز لنا أن نخرج عليه فليس الخروج عليه من النّهي عن المنكر الذي أمر الله به، إذن فهذه أدلّة خاصّة وردت في ولاة الأمور يجب علينا أن نقف عندها، فالدّليل الخاصّ أقوى دلالة من الدّليل العام، الدليل الخاص دلالته أقوى من دلالة الدليل العام لذلك قرّر في الأصول أنّ الخاصّ يقضي على العام فإذن وردت عندنا أدلّة خاصّة في ولي الأمر أنّ الإنكار عليه لا يكون بالخروج عليه إلا أن نرى منه كفرا بواحا هذا هو الواجب وهذه هي عقيدة أهل السنّة والجماعة، ما هذا في شرع الله إلا حقنا للدّماء وارتكاب للمفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى، لأنّ الخروج على الحاكم يؤدّي إلى مفاسد كبيرة جدّا منها التّفرّق والاختلاف والتّشتّت ومنها سفك الدّماء ومنها انتهاك الأعراض وأشياء كثيرة وكثيرة جدّا، اليوم النّاس كلّهم قد أدركوا هذا ورأوه بأعينهم فهذه المفاسد العظيمة التي تترتّب على الخروج على الحاكم أراد الشّارع الحكيم القضاء عليها وسدّها بالصّبر على الحاكم الجائر إلى أن يستريح برّ أو يستراح من فاجر.
قال: "ونرى الحجّ والجهاد ماضيا مع طاعة كلّ إمام (في طاعة الله ) إنّما الطّاعة في المعروف، أمّا إذا أمر الإمام بمعصيّة الله فلا طاعة لأحد في معصيّة الله.
"برّا كان أو فاجر"ما في عندنا فرق ما لم نر منه كفرا بواحا، هذا الضّابط الذي وضعه لنا نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم.
"وصلاة الجمعة خلفهم جائزة"نصلّي خلفهم الجمعة ونحجّ معهم ونجاهد أيضا معهم مالم نر منهم كفرا بواحا.
"قال أنس: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "ثلاث من أصل الإيمان""، الآن المؤلف رحمه الله يريد أن يستدلّ على ما ذكر.
"قال انس: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "ثلاث من أصل الإيمان: الكفّ عمّن قال لا إله إلا الله، ولا نكفّره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله عزّ وجل حتّى يقاتل آخر أمّتي الدّجال لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار" رواه أبوداود"، وهو ضعيف، هذا الحديث ضعيف، وما ذكر فيه قد بيّنّا أدلّته.
نتوقف إلى هنا وفي الدّرس القادم يكون إن شاء الله آخر درس في لمعة الاعتقاد ، وسيكون آخر درس أيضا في كتاب الصّلاة.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 09:06.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي