Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 22-05-2017, 17:51   #21
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

مركز الخليج


الدرس الواحد والعشرون





الحمد الله والصلاة و السلام على رسول الله، وصلنا عند المثال السابع والثامن.
قال المؤلف رحمه الله: "المثال السابع والثامن:" من الأمثلة التي ذكرها المؤلف مما اعترض أهل البدع على أهل السّنة فيها وقالوا أنتم أولتم كما أولنا نحن، فذكروا أمثلة لذلك اعتراضاً على أهل السّنة لماذا تأولون وتنكرون علينا التأويل، ونحن ذكرنا قلنا:
الأمر الأول: نحن لا نُسلم في كثير مما ذكرتموه بأنّه تأويل، نحن لا نسلم بأنّه تأويل، بل هو ظاهر النصوص.
الأمر الثاني: لو سلمنا أنّه تأويل فتأويلنا يختلف عن تأويلكم، فتأويلكم لا ينبني على دليل صحيح شرعي سليم أو حتى على عقل سليم خالٍ من شبهات الضلال، أمّا تأويلنا فمبني على أدلة شرعية صحيحة.
هكذا يكون الجواب بشكل مجمل، ثم فصّل الشيخ رحمه الله في إجابتهفقال: "المثال السابع والثامن: قوله تعالى: "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"، وقوله: "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ"".
هنا قال أهل التعطيل ظاهر الآية الأولى: "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" أنّ الله بنفسه أقرب إلى الأنسان من حبل الوريد، نحْنُ: هذا عائد إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا الجمع جمع تعظيم.
أَقْرَبُ إِلَيْهِ: إلى المحتضر الذي حضره الموت، الذي قارب على الموت.
حَبْلِ الْوَرِيدِ: الذي هو العرق الموجود في صفحة العنق، عرق غليظ موجود في صفحة العنق.
يعني: أنّ الله سبحانه وتعالى أقرب إليه من هذا العرق الذي هو جزءٌ منه، وعرق قريب إلى القلب مع ذلك هذا العرق كونه جزء منه الله سبحانه وتعالى أقرب إلى المُحتَضر (الإنسان) من هذا العرق، فما المقصود بالقرب هنا؟ قال أهل التعطيل: وظاهر الآية الأولى أنّ الله بنفسه أقرب إلى الإنسان ومع ذلك أنتم لا تقولون بهذا، لا تقولون بأنّ الله أقرب إلى الإنسان بذاته، لا تقولون هذا، تقولون الله مستوٍ على عرشه، وأولتم هذه الآية بمعنى قرب الملآئكة وقلتم بأنّ الله سبحانه وتعالى، أي: ملائكته القريبين، وقالوا هذا تأويل، وبعضكم قال: هو قريب بعلمه ورؤيته وقدرته، البعض قال هذا، والبعض قال هذا، وكلا الأمرين عندهم تأويل، يقولون: أوَّلتم لأنّكم خالفتم ظاهر الآية التي ظاهرها أنّ الله بنفسه أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وكذلك في الآية الثانية: "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ" أي: الله سبحانه وتعالى أقرب إلى المُحتَضَر من الناس الذين حوله، وهنا قال: "حيث فُسّر القرب فيهما بقرب الملائكة" أهل السّنة من السلف رضي الله عنهم والمعروف عن السّلف أنّهم يفسرون هاتين الآيتين بقرب الملائكة وقالو: معنى "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" أي: ملائكة الله تبارك وتعالى، فقال أهل التعطيل: هذا خلاف الظاهر، والظاهر من الآية أنّ الله هو بنفسه قريب من المُحتَضَر.
فقال الشيخ رحمه الله: "والجواب: أنّ تفسير القرب فيهما بقرب الملائكة ليس صرفا للكلام عن ظاهره لمن تدبره" من تأمل الآية جيداً سيجد أنّ ما ادعوه من أنّه ظاهر الآية ليس بظاهر، فلا نسلم معهم بأنّ ظاهر الآية ما ذكرتموه، كيف؟ قال الشيخ: "أمّا الآية الأولى: فإنّ القرب مقيّد فيها بما يدلّ على ذلك، حيث قال: "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"" لو جاءت الآية هكذا فقط لقلنا نعم معكم حقّ وظاهر الآية، لكن للآية تتمة أكملوا الآية: ""إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ"، ففي قوله: "إِذْ يَتَلَقَّى" دليل على أنّ المراد به: قرب الملكين المتلقيين" إذاً الظاهر اختلف الآن عند قطع الآية عن وصلها، لذلك فسّرها السّلف رضي الله عنهم بما ذكرنا من قرب الملائكة، اقتنعت بهذا الكلام الحمد لله، ما اقتنعت به وقلت وأصررت على أنّه تأويل، أقول لك هذا تأويل بالدليل لأنّه قد ثبت عندنا بالأدلة الشرعية القطعية أنّ الله سبحانه وتعالى مستوٍ على عرشه وأنّه ليس مخالطا لخلقه وليس معهم بذاته مختلطاً بهم وثبتت الأدلة الشرعية القطعية بذلك، إذاً لو أوّلنا فتأويلنا مبني على دليل شرعي وليس على أوهام، مع أنّ ما ذكره الشيخ قوي وواضح، سياق الآية يدلّ على ظاهرها.
قال المؤلف رحمه الله: "وأمّا الآية الثانية: فإنّ القرب فيها مقيد بحال الاحتضار" الاحتضار: يعني الإنسان قارب على الموت فالقرب فيها يكون مقيّد فيها بهذه الحال وليس قرباً مطلقاً، قال: "والذي يحضر الميت عند موته هم الملائكة"من أين لنا هذا؟ قال: "لقوله تعالى: "حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ"" من الذي توَّافه؟ رسلنا: يعني الملائكة، إذاً هذه الآية هي التي دلّتنا على ظاهر تلك الآية، قال: "ثم إنّ في قوله: "ولكن لا تُبْصِرُونَ"" هذا دليل آخر على أنّ الظاهر ليس ما ذهبوا إليه ولكن الظاهر أنّهم الملائكة، لماذا؟ للأمر الأول أنّه ثبت أنّ الملائكة هم الذين يحضرون الميت عند قرب موته، وكذلك قوله: "ولكن لا تُبْصِرُونَ"، قال: "دليلاً بيّنا على أنّهم الملائكة، إذ يدلّ على أنّ هذا القريب في نفس المكان" يعني: القريب الذي ذكره الله سبحانه وتعالى موجود في نفس المكان الذي فيه من حول الميت، قال: "ولكن لا نبصره، وهذا يعين أن يكون المراد قرب الملائكة، لاستحالة ذلك في حقّ الله تعالى"، قال: "بقى أن يُقال: فلماذا أضاف الله القرب إليه، وهل جاء نحو هذا التعبير مرادًا به الملائكة؟" يعني: لماذا قال الله سبحانه وتعالى: "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد"؟ لماذا لم يقل الملائكة أقرب إليه من حبل الوريد؟ قال: "فالجواب: أضاف الله تعالى قرب ملائكته إليه لأنّ قربهم بأمره، وهم جنوده ورسله" يعني: لمّا كانوا قد يفعلون هذا الفعل بأمره كأنّه هو الذي فعله لذلك أضاف الأمر إلى نفسه، فهل هذا التعبير معروف في القرآن؟ قال: "وقد جاء نحو هذا التعبير مرادًا به الملائكة، كقوله تعالى: "فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ"" قوله هنا: "فَإِذَا قَرَأْنَاهُ" والمراد قراءة جبريل، قال: "فإنّ المراد به قراءة جبريل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنّ الله تعالى أضاف القراءة إليه" أضاف القراءة إلى نفسه سبحانه وتعالى، قال: "لكن لمّا كان جبريل يقرؤه على النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى صحّت إضافة القراءة إليه تعالى، وكذلك جاء في قوله تعالى: "فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ"، وإبراهيم إنّما كان يجادل الملائكة" مع أنّه قال ماذا؟ يجادلنا، أي: أنّه يجادل من؟ الملائكة، قال: "وإبراهيم إنّما كان يجادل الملائكة الذين هم رسل الله تعالى"، إذاً التعبير مستعمل في القرآن، يضيف الله سبحانه وتعالى الأمر إلى نفسه ويريد به الملائكة، وثبت عندنا بالأدلة أنّ ظاهر النصوص هو ما ذكره السّلف في تفسيرها من أنّها الملائكة وليس الله سبحانه وتعالى هو المراد والله أعلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "المثال التاسع والعاشر: قوله تعالى عن سفينة نوح: "تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا"، وقوله لموسى: "وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي"".
الآن هاتان الآيتان ظاهرهما عند أهل التأويل أنّ سفينة نوح تجري في عين الله وأنّ موسى يُرّبى فوق عين الله، هكذا فهموا ظاهر هاتين الآيتين، قالوا: أنتم لا تقولون بهذا، إذاً قد تأوَّلتم، قال المؤلف: "والجواب: أنّ المعنى في هاتين الآيتين على ظاهر الكلام وحقيقته" ماذا يعني؟ يقول بالظاهر الذي ذكروه؟! لا، ولكن لا يُسلّم لهم أنّ الظاهر الذي ذكروه هو ظاهر من الآيتين، قال: "لكن ما ظاهر الكلام وحقيقته هنا؟" هذا محل النزاع بيننا وبينكم، قال: "هل يُقال: إنّ ظاهره وحقيقته أنّ السفينة تجري في عين الله، أو أنّ موسى عليه الصلاة والسلام يُرَبَّى فوق عين الله تعالى؟ أو يُقال: إنّ ظاهره أنّ السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها" أي: تحفظها، "وكذلك تربية موسى تكون على عين الله تعالى يرعاه ويكلؤه بها"يعني: يحفظه، هذا المعنى الثاني هو ظاهر الآية وليس المعنى الأول، قال: "ولا ريب أنّ القول الأول باطل من وجهين: الأول: أنّه لا يقتضيه الكلام بمقتضى الخطاب العربي، والقرآن إنّما نزل بلغة العرب، قال الله تعالى: "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"، وقال تعالى: "نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ""إذاً القرآن كلّه بلسان عربي فصيح ولا يمكن أن تأتي لعربي وتذكر له هاتين الآيتين أو تكلّمه بنفس الأسلوب ويفهم عليك المعنى الذي ذكروه بأنّه ظاهر الآيتين، قال: "ولا أحد يفهم من قول القائل: فلان يسير بعيني. أنّ المعني: أنّه يسير داخل عينه. ولا من قول القائل: فلان تخرج على عيني. أن تخرجه كان وهو راكب على عينه. ولو ادعى مدعٍ أنّ هذا ظاهر اللفظ في هذا الخطاب لضحك منه السفهاء فضلاً عن العقلاء" لأنّه لا يُفهم عند العرب أبداً ولا يتخاطبون بهذا الأسلوب، "الثاني: أنّ هذا ممتنع غاية الامتناع" أي: لا يمكن أن يحصل أبداً، لماذا؟ قال: "ولا يمكن لمن عرف الله وقدّره حقّ قدره أن يفهمه في حقّ الله تعالى، لأنّ الله تعالى مستوٍ على عرشه بائنٌ من خلقه، لا يحلّ فيه شيء من مخلوقاته، ولا هو حالٌ في شيء من مخلوقاته، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًاً"، وهذا الذي دلّت عليه الأدلة الكثيرة والتي تقتضي تنزيه الله سبحانه وتعالى عن هذا أبداً ودائماً فلذلك لا يمكن أن يُفهم هذا المعني لا بدلالة اللغة ولا بما يقتضيه تعظيم الله سبحانه وتعالى.
قال المؤلف: "فإذا تبين بطلان هذا من الناحية اللفظية والمعنوية، تعين أن يكون ظاهر الكلام هو القول الثاني: أنّ السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها، وكذلك تربية موسى تكون على عين الله يرعاه ويكلؤه بها، وهذا معنى قول بعض السلف: "بمرأى مني"، فإنّ الله تعالى إذا كان يكلؤه بعينه لزم من ذلك أن يراه، ولازم المعنى الصحيح جزء منه، كما هو معلوم من دلالة اللفظ، حيث تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام"، إذاً بعض السلف فسّر وقال: "بمرأى مني" يعني: أراه، فإذا كان الله سبحانه وتعالى يراه فهو يحفظه ويرعاه، هذا معنى الكلام والله أعلم.
انتهى المؤلف الآن من أمثلة القرآن وسيبدأ بأمثلة السّنة، ذكر عشرة أمثلة من القرآن وسيذكر لنا خسمة أمثلة من السّنة.
قال المؤلف رحمه الله: "المثال الحادي عشر: قوله تعالى في الحديث القدسي" الحديث القدسي المقصود به هو الحديث الذي يرويه النبي عن ربّه سبحانه وتعالى، ليس هو بالقرآن لكنّه يرويه عن ربّه تبارك وتعالى فألفاظه ليست متعبداً بها كألفاظ القرآن، القرآن ألفاظه متعبد بها، تقرأه عبادةً لله سبحانه وتعالى أمّا الحديث القدسي فلا، هذا أحد الفروق بين القرآن والحديث القدسي.
قال: "قوله تعالى في الحديث القدسي: "وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويدّه التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" هذا من أفضل الأحاديث التي وردت في بيان فضيلة الإكثار من النوافل، يعني هذا نعمة الله سبحانه تعالى على العبد أن يكثر من النوافل، فإذا أكثر من النوافل نال محبة الله وما فيه شيء أعظم من أن تنال محبّة الله سبحانه وتعالى، لأنّ الله سبحانه وتعالى إذا أحبّك وُفقت في الدينا والآخرة ونلت أعالي الدرجات في الدينا وفي الآخرة، أعالى المنازل، هذا الحديث قال فيه ربّنا تبارك وتعالى: "ما تقرب إلي عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه" إذاً التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالفرائض أفضل من التقرب إلى الله بالنوافل لكن أيضاً إذا أردت أن تنال محبّة الله يجب أن تجمع بينهما: الفرائض والنوافل، قال: "ولا يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبّه" يعني: ما يزال يكثر من هذا الشيء ويستمر عليه، الإكثار من النوافل والاستمرار عليها إلى أن يصل إلى محبّة الله سبحانه وتعالى، "فإذا أحببته" إذا أحبّه الله سبحانه وتعالى ما هي الفضيلة التي يحصل عليها؟ قال: "كنت سمعه الذي يسمع به" أي أنّ الله سبحانه وتعالى يوفقه في سمعه ويجعل سمعه على استقامة، فيجعل سمعه لله سبحان وتعالى، في الطاعة، فيما ينفعه في الدنيا وفي الآخرة وكذلك بصره، وكذلك يده، "وبصره الذي يبصر به" كان الله سبحانه وتعالى بصره الذي يبصر به، يعني الله سبحانه وتعالى يوفقه فيما ينظر إليه فيمنعه من النظر إلى الحرام، وينظر إلى ما أحلّ الله سبحانه وتعالى وما فيه قربة إلى الله سبحانه وتعالى، "ويدّه التي يبطش بها" فيمنعه الله سبحانه وتعالى من فعل الحرام بيده ويوفقه إلى فعل الحلال بيده والقربات، "ورجله التي يمشي بها" هل يقول أحدٌ عاقل بأنّ ظاهر هذا الحديث أنّ الله سبحانه وتعالى يكون رِجل العبد؟! أعوذ بالله! كيف يكون ظاهراً هذا الحديث بهذا المعنى وهو لا يظهر لأحدٍ ولا يمكن لأحدٍ أن يفهم المعنى على هذا المعنى أبداً، لايمكن أن يُقال أنّ هذا ظاهر الحديث أبداً، قال: "ولئن سألني لأعطيّنه" هذا هو التوفيق كلّه، أي أنّ الله سبحانه وتعالى يوفقه في حياته كلّها ويجعله عبداً مطيعاً لله سبحانه وتعالى ويعطيه ما يحبّ، "ولئن سألني لأعطيّنه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه" يعني: دعائه يكون مستجاباً عند الله سبحانه وتعالى، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم هذه الفضيلة، أحثكم على الإكثار من النوافل، الصيام، الصلاة، الصدقة، أفضل النوافل التي يحبّها الله سبحانه وتعالى أكثرو من ذلك، قراءة القرآن، "لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله"، هذه الأشياء الإكثار منها تقربك إلى الله سبحانه وتعالى، طلب العلم، لكن مع استحضار النيّة، احذر! دائماً استحضر النيّة، طلب العلم، التدريس، التعليم لمن كانت عنده أهلية من أعظم القرب إلى الله سبحانه وتعالى في هذا الزمن بالذات التي كثر فيه الجهل كلّما كانت الحاجة للعبادة أكبر عند الناس كلما كان أجرها أعظم، عندما يكون الجهاد بالسيف الحاجة إليه أعظم يكون الجهاد بالسيف أفضل من طلب العلم، وعندما يكون الجهل هو المنتشر، هو العام بين الناس، والمقاتلين كثر عندئذٍ ماذا؟ يكون طلب العلم وتعليمه أفضل من القتال بالسيف، وهذا دائماً الناس بحاجة إلى طلب العلم وتعليمه خصوصاً بعد القرون الثلاثة الأولى، الجهل قد عمّ وانتشر ومازال في ازدياد، إذاً فطلب العلم وتعليمه أفضل دائماً، وأحسن القرب إلى الله سبحانه وتعالى إذا خلصت النية.
هنا الآن يقول أهل التعطيل: ظاهر هذا الحديث أنّ الله يكون سمع الإنسان وبصره ويده ورجله، أعوذ بالله! فيه عاقل يقول هذا الكلام؟! قال فهل تقولون يا أهل السّنة بذلك؟ لا، لا نقول بذلك، ونعوذ بالله من هذا ولا نوافقكم أنّ هذا ظاهر الحديث، لا يمكن لعبد أن يكون هذا المعنى ظاهراً له، أبداً، لا يظهر لأحدٍ يعقل.
قال المؤلف: "والجواب: أنّ هذا الحديث صحيح، رواه البخاري في باب التواضع، الثامن والثلاثين من كتاب الرقاق، وقد أخذ السلف أهل السّنة والجماعة بظاهر الحديث، وأجروه على حقيقته. ولكن ما ظاهر هذا الحديث؟ هل يُقال إنّ ظاهره أنّ الله تعالى يكون سَمْعَ الوَلِيّ وبصره ويده ورجله؟"نعوذ بالله من هذا، أبداً، "أو يُقال: إنّ ظاهره أنّ الله تعالى يسدد الولي"يعني: يوفقه، "في سمعه وبصره ويده ورجله، بحيث يكون إدراكه وعمله لله وبالله وفي الله" عمله يعمله لله، يعني: خالصاً يتقرب به إلى سبحانه وتعالى ويستعين بالله في ذلك ويعمله في الله سبحانه وتعالى، يحبّ في الله ويبغض في الله.
قال المؤلف: "ولا ريب أنّ القول الأول ليس ظاهر الكلام، بل ولا يقتضيه الكلام لمن تدبر الحديث، فإنّ في الحديث ما يمنعه من وجهين:
الوجه الأول: أنّ الله تعالى قال: "وما يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبّه"، وقال: "ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"، فأثبت عبدًا ومعبودًا"إذاً صار فيه عندنا اثنين ليس واحداً، وأنتم إذا قلتم أنّ الله سبحانه وتعالى يصير هو سمع الإنسان، إذاً صار عندنا شيء واحد، العبد والمعبود شيء واحد، نعوذ بالله من هذا القول، قال: "فأثبت عبدًا ومعبودًا، ومتقرِباً ومتقرَباً إليه، ومحبّاً ومحبوباً، وسائلاً ومسؤولاً، ومعطياً ومعطىً، ومستعيذًا ومستعاذًا به، ومعيذًا ومعاذًا"يعني: أثبت اثنين ليس واحداً، "فسياق الحديث يدلّ على اثنين متباينين" يعني: منفصلين، مختلفين، "كلّ واحد منهما غير الآخر وهذا يمنع أن يكون أحدهما وصفاً في الآخر أو جزءاً من أجزاءه"، لا يمكن أن يحصل هذا.
"الوجه الثاني: أنّ سمع الوليّ وبصره ويدّه ورجله كلّها أوصاف أو أجزاء في مخلوق حادث بعد أن لم يكن" يعني: كلّها أجزاء لمخلوق، "ولا يمكن لأيّ عاقل أن يفهم أنّ الخالق الأول الذي ليس قبله شيء يكون سمعاً وبصراً ويداً ورجلاً لمخلوق بل إنّ هذا المعنى تشمئز منه النفس أن تتصوره"يعني: مجرد تصور الذهن، ما تستطيع أن تتصوره، "ويحسر اللسان أن ينطق به ولو على سبيل الفرض والتقدير، فكيف يسوغ أن يُقال إنّه ظاهر الحديث القدسي، وأنّه قد صرف عن هذا الظاهر؟ سبحانك اللهم وبحمدك لا نحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"، قال المؤلف رحمه الله: "وإذا تبين بطلان القول الأول وامتناعه، تعين القول الثاني، وهو: أنّ الله تعالى يسدد هذا الولي"يعني: يوفقه، "في سمعه وبصره وعمله، بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره وعمله بيده ورجله كلّه لله تعالى إخلاصاً، وبالله تعالى استعانةً، وفي الله تعالى شرعاً واتباعاً، فيتم له بذلك كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة، وهذا غاية التوفيق، وهذا ما فسّره به السلف، وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ، موافق لحقيقته، متعين بسياقه، وليس فيه تأويل، ولا صرف للكلام عن ظاهره، ولله الحمد والمنة"، مُتعيّن بسياقه، يعني لابدّ أن يُؤخذ به عيناً، والسياق هو الذي دلّ عليه، والسياق هو الذي جعله متعيناً وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره ولله الحمد والمنّة.
إذاً المشكلة كلّها مع أهل البدع هو في فهم معنى الظاهر، هل يُسلّم لهم أنّ الظاهر هو ما ذكروه أم لا؟ هذه نقطة الخلاف بيننا وبينهم فنحن لا نُسلم لهم أصلاً أنّ المعاني التي ذكروها هي ظاهرة لأنّهم لا ينظرون إلى القرائن التي تكون مع اللفظ فينظرون إلى اللفظ بجمود فيقولون هذا ظاهره، لا، أبداً، أنظروا إلى بقية القرائن تفهمون الظواهر فهماً صحيحاً.

نكتفي بهذا القدر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لطاعته.


مركز الخليج


آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 18:37
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:51   #22
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي


مركز الخليج

الدرس الثاني والعشرون



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فقال المؤلف رحمه الله: "المثال الثاني عشر: قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تعالى أنّه قال: "من تقرّب مني شبرًا تقرّبت منه ذراعاً، ومن تقرّب مني ذراعاً تقرّبت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة""، "من تقرّب مني شبراً": الشبر معروف، "تقرّبت منه ذراعاً": الذراع الذي يبدأ من المرفق إذا مددت كفك إلى طرف الإصبع الأوسط، هذا تقريباً في حدود نصف متر أو أكثر قليلاً، "ومن تقرّب مني ذراعاً تقرّبت منه باعاً": الباع: إذا مددت يديك يميناً ويساراً، الباع من طرف يدك اليمنى إلى طرف يدك اليسرى مع صدرك مع العضدين، كلّ هذا يسمى باعاً، هذا تقريباً مترين يعني، "ومن أتاني يمشي أتيته هرولة"، الباقي كلّه مفهوم، طيب، هذا الحديث حديث قدسي قال فيه الله سبحانه وتعالى: "من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقرّبت منه باعاً، ومن أتاني يمشى أتيته هرولة"، قال الشيخ: "وهذا الحديث صحيح، رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، من حديث أبي ذرّ رضى الله عنه، وروى نحوه من حديث أبي هريرة أيضاً، وكذلك روى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة رضى الله عنه في كتاب التوحيد، الباب الخامس عشر، وهذا الحديث كغيره من النصوص الدّالة على قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى" الأفعال الاختيارية: يعني الأفعال التي يفعلها الله تبارك وتعالى باختياره كالنزول مثلاً والاستواء على العرش والمجيء والإتيان وما شابه، هذه أشياء كلّها يفعلها الله سبحانه وتعالى متى شاء، قال: "وأنّه سبحانه فعّال لما يريد" لا شكّ في ذلك، يفعل ما يريد سبحانه وتعالى، "كما ثبت ذلك في الكتاب والسّنة، مثل قوله تعالى: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ"، وقوله: "وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً"، وقوله: "هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ"" إذاً هنا يأتي الله سبحانه وتعالى وهذا من الأفعال الاختيارية، وكذلك المجيء، يجيء الله سبحانه وتعالى وهذا أيضاً من الأفعال الاختيارية، "وقوله: "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى"" أيضاً الاستواء من الأفعال الاختيارية، "وقوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر"" فنزوله إلى السماء الدنيا أيضاً من الأفعال الاختيارية، قال: "والهرولة مثل ذلك" والهرولة أيضاً مثل ذلك، " وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلّا الطيب، إلّا أخذها الرحمن بيمينه"، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدّالة على قيام الأفعال الاختيارية به تعالى" الشاهد من الحديث الأخير قوله: "أخذها الرحمن بيمينه"، فالأخذ هذا من فعل الله تبارك وتعالى، يفعل الله سبحانه وتعالى ما يشاء، وكذلك صفة الهرولة مثل ذلك أيضاً على ما ذكر المؤلف رحمه الله، "فقوله في هذا الحديث: "تقربت منه"، و: "أتيته هرولة" من هذا الباب" فالتقرب إليه والهرولة من الأفعال الاختيارية، قال المؤلف رحمه الله: "والسلف أهل السّنة والجماعة يجرون هذه النصوص على ظاهرها، وحقيقة معناها اللائق بالله عزّ وجلّ من غير تكييف ولا تمثيل" يعني: أنّهم يثبتون صفة الهرولة ويثبتون أيضاً لله سبحانه وتعالى أنّه يتقرب من عبده، "قال شيخ الإسلام ابن تيميه في شرح حديث النزول، (ص 466، ج 5) من "مجموع الفتاوى": "وأمّا دنوّه نفسه وتقرّبه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر" اهـ" إذاً لا يتأول أهل السّنة هذا الحديث ويجرونه على ظاهره ويثبتون هذه الصفات الفعلية لله سبحانه وتعالى، وليس في ذلك نقص في حقّ الله سبحانه وتعالى، فهي كبقية الأفعال الاختيارية، والقول فيها ما قدّمناه في بداية هذا الكتاب، قال المؤلف: "وذهب بعض الناس" يعني الآن المسألة ليس فيها قول واحد عند أهل السّنة، فيها قولان، وانتبهوا هنا بارك الله فيكم لهذه المسألة، الآن سيذكر لنا المؤلف مذهباً ثانياً في هذا الحديث عند أهل السّنة والجماعة، الخلاف بينهم وليس مع أهل البدع، ربّما يكون الخلاف مع أهل البدع إذا نفوا هذه الصفات، صفة الهرولة وصفة التقرّب هذه، إذا نفاها أهل البدع بدعوى أنّه يلزم منها التشبيه عندئذ يكون الخلاف بينهم خلاف بين من؟ بين سنّي وبدعي، لكن إذا كان الخلاف سببه هو الاختلاف في ظاهر الحديث هنا الخلاف يكون بين من؟ يكون بين أهل السّنة أنفسهم، هل ظاهر الحديث يثبت صفة الهرولة أم ظاهر الحديث بخلاف ذلك؟ هذا محل الخلاف بين أهل السّنة، وأخشى يوماً من الأيام أن يأتي البعض ويجعل هذه المسألة محل الولاء والبراء مطلقاً بدون تفصيل، لا، لا بدّ أن تفصّل هذا التفصيل، إذا أنكرت صفة الهرولة بدعوى أنّ ذلك يلزم منه التشبيه فهذا على طريقة وأصول المبتدعة المتكلمين، أمّا إذا قلت: لا، أنا لا أقول بهذا، لو أنّ النص كان ظاهراً في ذلك لأثبتّها لكنني لا أوافق بأنّ النّص ظاهره هذا، فهذا الخلاف معه خلاف في فهم الحديث وليس خلافاً في سنةٍّ وبدعةٍ، انظر الآن ماذا سيقول المؤلف في المذهب الثاني، قال المؤلف: "وذهب بعض الناس إلى أنّ قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: "أتيته هرولة" يُراد به: سرعة قبول الله تعالى وإقباله على عبده المتقرب إليه، المتوجه بقلبه وجوارحه، وأنّ مجازاة الله للعامل له أكمل من عمل العامل، وعلل ما ذهب إليه" إذاً هذا القول الثاني وهو أنّ صفة الهرولة لا تُثبَت لله بل المراد منها الإسراع في المثوبة وفي الرحمة وفي الإقبال على العبد بذلك، هذا المقصود، وليس المقصود إثبات صفة الهرولة، ربّما يقول قائل: طيب هذا هو قول أهل البدع لأنّهم لا يثبتون صفة الهرولة لله سبحانه وتعالى، نقول: لماذا؟ هو هذا الفاصل، لماذا لا يثبتونه؟ يقولون يلزم منه التشبيه، هذا قول أهل البدع كما يقولون في بقية الأفعال الاختيارية أمّا السّني فلا، يثبت الأفعال الاختيارية لأنّها وردت فيها نصوص واضحة، ظاهرها واضح، لا إشكال فيها، أمّا هذا فلا يوافق معنا بأنّ الظاهر فيه إثبات صفة الهرولة، لا يوافق معنا في ذلك، إذاً هو أصوله أصول أهل السّنة ولكنّه يختلف معنا في فهم الحديث فقط بخلاف المبتدع، أصوله فاسدة ونفى صفة الهرولة لا لأنّ ظاهر الحديث يقتضي ذلك بل للفرار من اللازم الذي يدّعيه وهو التشبيه فيما يزعم، طيب، إذاً هذا القائل يفسّر هذا التفسير، لماذا؟ قال: "وعلل ما ذهب إليه بأنّ الله تعالى قال في الحديث" انظر: "وعلّل" هذا هو المهم في الموضوع، لتفرّق بين السلفي والمبتدع في هذا القول، وعلل: ننظر إلى علته، ما هي العلّة عندك في هذا الأمر؟ قال: "وعلل ما ذهب إليه بأنّ الله تعالى قال في الحديث: "ومن أتاني يمشي" ومن المعلوم أنّ المتقرّب إلى الله عزّ وجلّ، الطالب للوصول إليه، لا يتقرّب ويطلب الوصول إلى الله تعالى بالمشي فقط، بل تارة يكون بالمشي كالسير إلى المساجد، ومشاعر الحجّ، والجهاد في سبيل الله، ونحوها، وتارة بالركوع والسجود ونحوهما، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد، بل قد يكون التقرّب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه والعبد مضطجع على جنبه، كما قال الله تعالى: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: "صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب"" إذاً يريد أن يقول هنا: ما الذي جعلك تفسّر الهرولة هنا بأنّها الإسراع في الأجر والإسراع بالرحمة وما شابه، يقول: تأمل الحديث من بدايته، ماذا يقول الله سبحانه وتعالى فيه؟ قال: "من تقرّب مني شبراً تقرّبت منه ذراعاً ومن تقرّب مني ذراعاً تقرّبت منه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة"، فالهرولة كانت في مقابل ماذا؟ الإتيان مشياً، أي: أنّ العبد كلّما أسرع إلى الله تبارك وتعالى بالطاعات كلّما كان الله سبحانه وتعالى أسرع منه في رحمته وفي مثوبته، هذا معنى الحديث، يقول هذا القائل: هذا هو ظاهره، لماذا قلت هذا هو ظاهره؟ قال: لأنّ العبد عندما يتقرّب إلى الله لا يتقرّب إليه بالمشي فقط بل ربّما يتقرّب إليه وهو في مكانه كالساجد، "أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد" لا يمشي، أنواع القُرَب مختلفة وليس كلّها مشي، ولا شكّ أنّ المراد بهذا الحديث جميع أنواع القرّب، كلّما تقرّب إلى الله بالقُرَب أكثر وأسرع كلّما أثابه الله وآجره على ذلك بأسرع مما أسرع هو، إذاً بما أنّ هذا هو المقصود إذاً هذا هو ظاهر الحديث، كما فسّرنا في السابق أنّ الظاهر يُفهم بسياقه فمعه قرائن تدلّ على المعنى المراد منه، إذاً لا إشكال، قال الشيخ: "قال: فإذا كان كذلك صار المراد بالحديث بيان مجازاة الله تعالى العبد على عمله، وأنّ من صَدَق في الإقبال على ربّه وإن كان بطيئا جازاه الله تعالى بأكمل من عمله وأفضل، وصار هذا هو ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية المفهومة من سياقه" واضح، هذا هو، صار عنده الظاهر مختلف عن الظاهر عندنا بالقرينة، إذاً الخلاف بيننا وبينه في فهم الظاهر، الخلاف في فهم الظاهر مع هذا المخالف وهو سنّيّ سلفي وليست مشكلته في أنّ صفة الهرولة هذه من الصفات الفعلية التي إن أثبتناها لله نكون قد شبّهنا الله بخلقه، لا، هذا ليس قول، هذا قول أهل البدع وهو يتبرّأ من هذا ولكن عنده ظاهر الحديث خلاف ما ذهبنا إليه وعنده من السلف من قال بهذا المعنى، وهذا القول هو قول العلامة الفوزان حفظه الله، ولاحظ ماذا سيقول المؤلف حيث إنّه جعل المسألة فيها سعة كما سيأتي إن شاء الله، قال: "وإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية، لم يكن تفسيره به خروجا به عن ظاهره، ولا تأويلاً كتأويل أهل التعطيل، فلا يكون حجّة لهم على أهل السّنة، ولله الحمد" رأيت كيف الشيخ رحمه الله أدخل أصحاب هذا القول في أهل السّنة، فانتبهوا بارك الله فيكم، لا تتعجلوا في الأحكام على الناس، اليوم والله هناك فوضى كبيرة جداً في الأحكام على النّاس وهناك غلوّ وفيه شدّة وفي ميوعة وفي أشياء كثيرة، نسأل الله العافية، والموفَّق من وفّقه الله سبحانه وتعالى، انظر الآن إلى الذين يقولون: خلق الله آدم على صورته، يقولون مطلقاً: من قال بأنّ الضمير يعود إلى آدم فهو جهمي، افهم كلام السلف يا أخي، لماذا قال السلف هذا؟ لماذا قالوا: من قال بأنّ الضمير يعود إلى آدم فهو جهمي، لماذا قالوها؟ التعليل هذا مهم جداً، لا تكن ظاهرياً جامداً لا تفقه إنّما تسمع كلاماً وتردده، لماذا قالوا هذا؟ لأنّ الضّال المبتدع لا يقبل أن يثبت مثل هذه الأحاديث لأنّها عنده تستلزم التشبيه فيُعطِّل لأجلها، لأجل هذا اللازم، لذلك قالوا هذا القول، لكن لو جاء عالم جليل سلفي فاضل وأثبت الصورة لله سبحانه وتعالى في حديث آخر لكنّه تأول في هذا الحديث، وقال ظاهره بأنّ الضمير يعود إلى آدم ولا يعود إلى الله سبحانه وتعالى، ليست مشكلته مع نفي الصفة ولا يقول: إن أثبتناها يلزم من ذلك التشبيه، هو سني وأصوله سنّيّة سلفية ولكن خالفنا في أنّ ظاهر الحديث هو ما ذهبتم إليه، الخلاف معه خلاف في فهم ظاهر الحديث وليس خلافاً في العقيدة، لأنه يثبت الصورة لله سبحانه وتعالى، يثبت الصفة، فما فيه مشكلة، أثبت الصفة في حديث آخر، إذاً انتهى الأمر، لماذا تكبير الأمور، تعظيمها، والتسبب في تفريق الصّف السّلفي من أجل مسائل هي محلّ اجتهاد، إذا لم يخالفْنا في العقيدة، ما خالفَنا في العقيدة، هو يثبت الصورة كما نثبتها نحن لكن خالف في فهم الحديث وإنّ كان مخطئاً ونحن نعرف أنّه مخطئ لأنّه كان اللازم في مثل هذا التقيد بما فسّره عليه السلف رضي الله عنهم، هذا هو الواجب، لكن أيصل هذا إلى حدّ تبديعه وتضليله؟ نعوذ بالله، أبداً، الخلاف الذي ينبني التبديع والتضليل ولا نبالي إن حصل تمزق وتشتت بعد ذلك بسبب هذا الظرف يعرفهُ العلماء الأكابر، لذلك نقول ارجعوا إليهم في مثل هذه القضايا وانظروا ما يقولون، قال المؤلف رحمه الله: "وما ذهب إليه هذا القائل له حظ من النظر" يعني له وجه في الاجتهاد، "لكنّ القول الأول أظهر وأسلم وأليق بمذهب السلف" إذاً المؤلف يبيّن أنّ هذه المسألة محلّ اجتهاد وللقول الآخر نصيب، أي ليس قولاً شاذّاً منكراً بل هو اجتهاد وقوي شيئاً ما لكنّ الشيخ يرجّح خلافه، قال: "ويجاب عن من جعله قرينة من كون التقرب إلى الله تعالى، وطلب الوصول إليه لا يختص بالمشي: بأنّ الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر فيكون المعنى: من أتاني يمشي في عبادة تفتقر إلى المشي لتوقفها عليه، بكونه وسيلة لها كالمشي إلى المساجد للصلاة، أو من ماهيتها كالطواف والسعي، والله تعالى أعلم" طبعاً ربّما للطرف الآخر أن يقول: هذا خلاف الظاهر وهذا تأويل، وهو خلاف الظاهر، على كل حال: المسألة كما ذكرنا لكم والتفصيل فيها هو ما ذكرنا.
قال المؤلف رحمه الله: "المثال الثالث عشر: قوله تعالى: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً"".
"والجواب: أن يُقال ما هو ظاهر هذه الآية وحقيقتها، حتى يقال: إنّها صرفت عنه؟ هل يُقال: إنّ ظاهرها أنّ الله تعالى خلق الأنعام بيده كما خلق آدم بيده؟ أو يُقال: إنّ ظاهرها أنّ الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها، لم يخلقها بيده، لكن إضافة العمل إلى اليد والمراد صاحبها معروف في اللغة العربية التي نزل بها القرآن، أمّا القول الأول فليس هو ظاهر اللفظ لوجهين:" يعني: أنّ الله خلق الأنعام بيديه، قال: "أحدهما: أنّ اللفظ لا يقتضيه بمقتضى اللسان العربي الذي نزل القرآن به، ألا ترى إلى قوله تعالى: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ"، وقوله: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بعض الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"، وقوله: "ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ"، فإنّ المراد: ما كسبه الإنسان نفسه وما قدّمه وإنّ عمله بغير يده، بخلاف ما إذا قال: عملته بيدي، كما في قوله تعالى: "فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ"، فإنّه يدلّ على مباشرة الشيء باليد" يعني: دخلت حرف الباء على اليد فهنا تكون اليد الحقيقية ولا شكّ بخلاف الصورة الأخرى، "الثاني: أنّه لو كان المراد أنّ الله تعالى خلق هذه الأنعام بيده، لكان لفظ الآية: خلقنا لهم بأيدينا أنعاماً، كما قال الله تعالى في آدم: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ"، لأنّ القرآن نزل بالبيان لا بالتعمية، لقوله تعالى: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ"" قال: "وإذا ظهر بطلان القول الأول، تعين أن يكون الصواب هو القول الثاني، وهو: أنّ ظاهر اللفظ أنّ الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها، ولم يخلقها بيده، لكن إضافة العمل إلى اليد كإضافته إلى النفس بمقتضى اللغة العربية" يعني: هذا هو الأسلوب العربي، "بخلاف ما إذا أضيف إلى النفس وعُدِّي بالباء إلى اليد، فتنبه للفرق، فإنّ التنبه للفروق بين المتشابهات من أجود أنواع العلم، وبه يزول كثير من الإشكالات" يعني: الفرق أن يضيف اليد إلى نفسه ويعدّيها بالباء يعني يدخل عليه حرف الباء، هذا مهم جداً.
قال: "المثال الرابع عشر: قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ"".
"والجواب: أن يُقال: هذه الآية تضمنت جملتين: الجملة الأولى: قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ"، وقد أخذ السلف أهل السّنة بظاهرها وحقيقتها، وهي صريحة في أنّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، كما في قوله تعالى: "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ"، ولا يمكن لأحد أن يفهم من قوله تعالى: "إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ" أنّهم يبايعون الله نفسه، ولا أن يدّعي أنّ ذلك ظاهر اللفظ، لمنافاته لأول الآية والواقع، واستحالته في حقّ الله تعالى، وإنّما جعل الله تعالى مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعة له لأنّه رسوله، وقد بايع الصحابةَ على الجهاد في سبيل الله تعالى، ومبايعة الرسول على الجهاد في سبيل من أرسله مبايعة لمن أرسله، لأنّه رسوله المبلغ عنه، كما أنّ طاعة الرسول طاعة لمن أرسله، لقوله تعالى: "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ"، وفي إضافة مبايعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى من تشريف النبي صلى الله عليه وسلم وتأييده، وتوكيد هذه المبايعة، وعظمها، ورفع شأن المبايعين، ما هو ظاهر لا يخفى على أحد، الجملة الثانية: قوله تعالى: "يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ"، وهذه أيضا على ظاهرها وحقيقتها، فإنّ يد الله تعالى فوق أيدي المبايعين، لأنّ يده من صفاته، وهو سبحانه فوقهم على عرشه، فكانت يده فوق أيديهم" لكن لا يلزم من ذلك المُماسّة، كما تقول: القمر فوقنا، هل يلزم من ذلك أن يكون مماسّاً لرؤوسنا؟ لا، إذاً عندما يقول: "يد الله فوق أيديهم" والله سبحانه وتعالى عالٍ على خلقه إذاً فيده فوقهم، قال: "وهذا ظاهر اللفظ وحقيقته، وهو لتوكيد كون مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم مبايعة لله عز وجل، ولا يلزم منها أن تكون يد الله جلّ وعلا مباشرة لأيديهم، ألا ترى أنّه يُقال: السماء فوقنا، مع أنّها مباينة لنا بعيدة عنا، فيد الله عزّ وجلّ فوق أيدي المبايعين لرسوله صلى الله عليه وسلم مع مباينته تعالى لخلقه، وعلوه عليهم، ولا يمكن لأحد أن يفهم أنّ المراد بقوله: "يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ" يد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أن يدعي أنّ ذلك ظاهر اللفظ، لأنّ الله تعالى أضاف اليد إلى نفسه، ووصفها بأنّها فوق أيديهم، ويد النبي صلى الله عليه وسلم عند مبايعة الصحابة لم تكن فوق أيديهم، بل كان يبسطها إليهم، فيمسك بأيديهم كالمصافح لهم، فيده مع أيديهم لا فوق أيديهم"، إذاً تبيّنَ من ذلك وجود الفارق بين يد الله سبحانه وتعالى ويد نبيِّه عليه الصلاة والسلام.
قال المؤلف رحمه الله: "المثال الخامس عشر: قوله تعالى: في الحديث القدسي: "يابن آدم، مرضت فلم تعدني" الحديث".
"وهذا الحديث رواه مسلم في باب فضل عيادة المريض، من كتاب البرّ والصلة والآداب، رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: يابن آدم، مرضت فلم تعدني. قال: ياربّ، كيف أعودك وأنت ربّ العالمين؟ قال: أما علمت أنّ عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنّك لو عدته لوجدتني عنده؟ يابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، قال: ياربّ، وكيف أطعمك وأنت ربّ العالمين؟ قال: أما علمت أنّه استطعمك عبدي فلاناً فلم تطعمه، أما علمت أنّك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يابن آدم، استسقيتك فلم تسقني، قال: ياربّ، كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلاناً فلم تسقه، أما إنّك لو سقيته وجدت ذلك عندي""، قال المؤلف رحمه الله: "والجواب: أنّ السلف أخذوا بهذا الحديث ولم يصرفوه عن ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم، وإنّما فسّروه بما فسّره به المتكلم به، فقوله تعالى: مرضت، واستطعمتك، واستسقيتك، بينه الله تعالى بنفسه، حيث قال: أما علمت أنّ عبدي فلاناً مرض، وأنّه استطعمك عبدي فلان، واستسقاك عبدي فلان، وهو صريح في أنّ المراد به مرض عبد من عباد الله، واستطعام عبد من عباد الله، واستسقاء عبد من عباد الله، والذي فسّره بذلك هو الله المتكلم به، وهو أعلم بمراده، فإذا فسّرنا المرض المضاف إلى الله، والاستطعام المضاف إليه، والاستسقاء المضاف إليه، بمرض العبد واستطعامه واستسقائه لم يكن في ذلك صرف للكلام عن ظاهره، لأنّ ذلك تفسير المتكلم به، فهو كما لو تكلم بهذا المعنى ابتداء، وإنّما أضاف الله ذلك إلى نفسه أولاً للترغيب والحثّ، كقوله تعالى: "مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ"، وهذا الحديث من أكبر الحجج الدامغة لأهل التأويل، الذين يُحرّفون نصوص الصفات عن ظاهرها بلا دليل من كتاب الله تعالى، ولا من سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنّما يحرّفونها بشبه باطلة، هم فيها متناقضون مضطربون، إذ لو كان المراد خلاف ظاهرها كما يقولون لبينه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولو كان ظاهرها ممتنعا على الله كما زعموا لبيّنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما في هذا الحديث، ولو كان ظاهرها اللائق بالله ممتنعا على الله لكان في الكتاب والسّنة من وصف الله تعالى بما يمتنع عليه ما لا يُحصى إلّا بكلفة، وهذا من أكبر المحال".
"ولنكتف بهذا القدر من الأمثلة لتكون نبراساً لغيرها، وإلّا فالقاعدة عند أهل السّنة والجماعة معروفة، وهي: إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في قواعد نصوص الصفات، والحمد لله ربّ العالمين"،يبدأ بعد ذلك المؤلف بالخاتمة، أظن الكلام كلّه هذا الذي تقدم واضح وكلّه على ما تقدم من الأمثلة كلّها الجواب فيها متشابه، وبعد ذلك قس البقية على هذا، أي شيء يأتونك به ويقولون هو صرفٌ عن الظاهر قل لهم: الظاهر الذي ادعيتموه ليس بظاهر، ثم بيّنْ لهم الأمر لأنّ حقيقة دائماً ظاهر النصوص مخالف لما عليه أهل الأهواء والباطل والله أعلم، نكتفي بهذا القدر، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته، تبقى عندنا الخاتمة، الدرس القادم إن شاء الله نبدأ بها.


مركز الخليج


آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 19:26
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:52   #23
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي


مركز الخليج

الدرس الثالث والعشرون



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:
اليوم معنا خاتمة كتاب القواعد المثلى، وهي خاتمة نفيسة حقيقةً وفيها علمٌ يجب على كلّ طالب علم أن يتقنه، ردٌّ على بعض شبهات أهل البدع وذكر للشروط والموانع للتبديع والتكفير والتفسيق.
قال المؤلف رحمه الله: "الخاتمة: إذا قال قائل: قد عرفنا بطلان مذهب أهل التأويل في باب الصفات، ومن المعلوم أنّ الأشاعرة من أهل التأويل" الأشاعرة: أتباع أبي الحسن الأشعري على ما كان عليه من مذهبٍ قديم، وهم من أهل التأويل، يعني: من الذين يحرّفون النصوص عن معانيها وينفون عن الله ما أثبت لنفسه من صفات، قال: "فكيف يكون مذهبهم باطلاً، وقد قيل إنّهم يُمثّلون اليوم خمسة وتسعين بالمائة من المسلمين؟ وكيف يكون باطلاً وقدوتهم في ذلك أبو الحسن الأشعري؟ وكيف يكون باطلاً وفيهم فلان وفلان من العلماء المعروفين بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم؟"هذه ثلاث شبه ذكرها المؤلف رحمه الله يدندن بها بعض أهل الباطل ليلبّسوا بها على أهل الحقّ خلاصتها الاحتجاج بالكثرة، كيف يكون مذهبهم باطلاً وهم أكثر الناس في العصور المتأخرة فيما يزعم الزاعم؟ وكيف يكون باطلاً وقدوتهم في ذلك أبو الحسن الأشعري؟ يعني: قدوتهم رجل ممن تعظم مكانته في نفوس الكثيرين، وكيف يكون باطلاً وقد اتبع هذا المنهج بعض أهل العلم الذين عُرِفوا بخدمتهم لدين الله ومحبّتهم وتعظيمهم لكتاب الله وسنة رسوله كالنووي وكالحافظ ابن حجر، كيف يكون باطلاً وكل هذا فيه؟ اسمع إلى الجواب بارك الله فيك، "قلنا: الجواب عن السؤال الأول: أنّنا لا نُسلم أن تكون نسبة الأشاعرة بهذا القدر بالنسبة لسائر فرق المسلمين" يعني: إذا نظرت إلى فرق المسلمين كلّها وقارنتها بالأشاعرة حقيقةً الأشاعرة ليسوا بهذه النسبة المذكورة، كم ذكروا؟ قالوا: 95% يعني: ما بقي من المسلمين إلّا 5% ، إذاً الدعوى في البداية غير مسلّمة، "فإنّ هذه دعوى تحتاج إلى إثبات عن طريق الإحصاء الدقيق" وأنّى لهم ذلك؟ غير متيسّر، "ثم لو سلّمنا أنّهم بهذا القدر" الآن على التسليم بأنّ ما قالوه صحيح، "أو أكثر فإنّه لا يقتضي عصمتهم من الخطأ، لأنّ العصمة في إجماع المسلمين لا في الأكثر" هذا هو الجواب، لو سلّمنا لكم بأنّ عدد الأشاعرة بين المسلمين بهذه النسبة فهل يدلّ ذلك على أنّهم أهل حقّ لأنّهم الكثرة أو الأكثر؟ لا، فالكثرة لا تدلّ على حقّ ولا على باطل، خصوصاً بعد العصور الثلاثة الأولى، لماذا؟ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنّ الحقّ سيبقى هو الغالب وهو الأكثر في العصور الثلاثة الأولى في قوله عليه الصلاة والسلام: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ثلاث قرون، ثم ذمَّ القرون التي من بعد ذلك، الذّم يقع على الأغلب، إذاً الأغلب في الغالب سيكونوا ليس على الجادة، فإذاً موطن الاستدلال عندهم باطل، غير صحيح، بل الأمر بالعكس، الكثرة لا يُحتَجُّ بها أبداً بارك الله فيكم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يأتي يوم القيامة النّبي ومعه الرّجل والنبي ومعه الرّجلان والنّبي وليس معه أحد" وأنت إذا قارنت بين كثير من دعوات الانبياء وبين من خالفهم، من خالفهم يكون أكثر دائماً أو غالباً، فالكثرة لا يُحتَجُّ بها، إذا أجمعوا عندئذٍ ممكن أن تقول لأنّه قد ثبتت العصمة للإجماع أمّا الكثرة فلا، قال: "ثم نقول: إنّ إجماع المسلمين قديماً ثابت على خلاف ما كان عليه أهل التأويل، فإنّ السلف الصالح من صدر هذه الأمّة، وهم الصحابة الذين هم خير القرون والتابعون لهم بإحسان وأئمة الهدى من بعدهم، كانوا مجمعين على إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات، وإجراء النصوص على ظاهرها اللائق بالله تعالى من غير: تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهم خير القرون بنصّ الرسول صلى الله عليه وسلم، وإجماعهم حجّة ملزمة، لأنّه مقتضى الكتاب والسّنة، وقد سبق نقل الإجماع عنهم في القاعدة الرابعة من قواعد نصوص الصفات" إذاً قد قلبوا الحقائق فالصواب أنّ الحقّ مع القرون الثلاثة الأولى وأنّ منهجهم هو المنهج الحقّ، هذا ما ثبتت به الأدلة، ولم تثبت الأدلة أنّ الأكثر في العصور المتأخرة يكون الحقُّ معهم بل بالعكس، في الغالب يكون الباطل هو الذي معهم، وقد ذمّ الله سبحانه وتعالى أكثر الناس في مواطن كثيرة، فالكثرة لا تدلّ لا على حقّ ولا على باطل، إنّما الحقّ والباطل يُعرَف بالدليل أو بالإجماع، بالكتاب والسّنة أو بالإجماع، هذه بالنسبة للشبهة الأولى، الشبهة الثانية، قال:
"والجواب عن السؤال الثاني: أنّ أبا الحسن الأشعري وغيره من أئمة المسلمين لا يدّعون لأنفسهم العصمة من الخطأ" إذاً نفس أبو الحسن الأشعري هل هو معصوم؟ ليس معصوماً، يخطئ، بشر، إذاً مهما عظم الرّجل في نفسك فهو محل للخطأ، احفظ هذا جيداً، أي إنسان يعظُم في نفسك علماً وديانةً فهو معرّضٌ للخطأ إلّا النبي صلى الله عليه وسلم فإنّه لا يقع منه الخطأ في التشريع أبداً، في التشريع لا يكون الخطأ نهائياً ولا يُقَرُّ على خطأ أبداً عليه الصلاة والسلام، فهو المعصوم لذلك قوله حجّة، أمّا بقية البشر فأقوالهم ليست بحجّة، هم بشر يخطئون ويصيبون مهما عظموا، مهما جلّوا في نفسك، قال: "بل لم ينالوا الإمامة في الدين إلّا حين عرفوا قدر أنفسهم، ونزّلوها منزلتها، وكان في قلوبهم من تعظيم الكتاب والسّنة ما استحقوا به أن يكونوا أئمة" متى تكون إماماً أنت في الدين؟ هذا أمر مهم، متى يكون الشخص إماماُ في الدين؟ ومتى يعظُمُ في نفوس المسلمين؟ ومتى تكون لكلمته مكانة في نفوس الناس؟ متى يحصل هذا؟ "قال الله سبحانه وتعالى: "وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً"" إمام، من هو الإمام الذي يُقتدى به، يسمع كلامه، قال: "وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ"، "وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً" ماذا يفعلون؟ "يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا" يُرشدون الناس إلى دين الله سبحانه وتعالى وإلى الحقّ وإلى الهداية، يدعون الناس إلى كتاب الله و سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، يُعظّمون الكتاب والسّنة في أنفسهم، يُعظّمون الأدلة الشرعية، يُعظّمون أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم ويعرفون أنّهم مهما بلغوا من العلم فلا يأتي علمهم أمام علم أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم بشيء، فيتبعون ولا يبتدعون، هذا أمر مهم، نحن أُمِرنا بالاتباع ولم نؤمر بالاختراع والابتداع، دائماً ضع هذا في رأسك، إيّاك أن تحاول أن تبحث عن الأقوال الشاذة والغريبة وتتبعها وأن تُحدث في دين الله وتظنّ نفسك أنّك بذلك تصير عالماً وتصير إماماً، أبداً، الإمامة تنالها، بتعظيمك لشرع الله، تعظيمك لدين الله، عِظَم اتباعك لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم سبب عظيم لإمامتك في الدين، تأمل الذين جعلهم الله أئمة في هذا المنهج، في هذا الدين، في هذه السّنة، تأمل حالهم واقرأ تراجمهم تجدهم أئمة في العلم، أئمة في الدين، في التقوى، أئمة في الاتباع، يحرصون كلّ الحرص على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وعلى اتباع منهج السلف الصالح رضي الله عنهم، هكذا يكون المرء إماماً في دين الله "لَمَّا صَبَرُوا" لا بدّ من الصبر، الصبر على كلّ ما يمرُّ بك، الصبر على الأذى الذي ينالك في دعوتك إلى الله سبحانه وتعالى، لا بدّ من هذا، من الأذى في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، لا بدّ أن تؤذى، تحتاج أن تصبر وأيضاً الصبر على طاعة الله وعلى اتّباع النبي صلى الله عليه وسلم، الصبر على ترك المحرّمات وعدم الاغترار بما يحصل حولك من أهل الفسق والفجور، ولا تغرّك الدنيا بملذّاتها وحلاوتها وفتنتها، كلّ هذا تحصل به الإمامة في الدين، "لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ" يقين بشرع الله سبحانه وتعالى، إيمان، تقوى، صلاح، كلّ هذا إذا اجتمع في الإنسان صار الإنسان إماماً في الدين، فمتى جعلهم الله هؤلاء أئمة؟ لمّا كانوا موقنين بشرع الله معظمين لكتاب الله ولسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرجون عنها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، قال: "وقال عن إبراهيم: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شاكراً لأنعمه اجتباه وهداد إلى صراط مستقيم"" إنّ إبراهيم كان أمة: يعني كان إماماً، قانتاً لله: يعني كان مطيعاً لله سبحانه وتعالى، حنيفاً: مائلاً عن الشرك، كان على استقامة على التوحيد، "وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ" يشكر الله سبحانه وتعالى على نعمه وذلك بتسخير هذه النعم في طاعة الله سبحانه وتعالى، "اجْتَبَاهُ" يعني: اصطفاه الله سبحانه وتعالى، "وَهَدَاهُ" يعني: وفّقه الله سبحانه وتعالى، "إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" إلى الطريق الحقّ الذي يحبّه الله ويرضاه، هذه صفة الإمام الذي يُقتدى به، يعظّم شرع الله ودين الله ويستقيم عليه.
قال: "ثم إنّ هؤلاء المتأخرين الذين ينتسبون إليه لم يقتدوا به الاقتداء الذي ينبغي أن يكونوا عليه، وذلك أن أبا الحسن كان له مراحل ثلاث في العقيدة:" إذاً الجواب الأول على هذه الشبهة أنّ أبا الحسن الأشعري ليس معصوماً، الجواب الثاني: أنّ أبا الحسن الأشعري قد ترك ما أنتم عليه الآن من مذهب التأويل، فأبو الحسن الأشعري مرّ بثلاث مراحل في العقيدة كما سيذكرها المؤلف رحمه الله، قال: "كان له مراحل ثلاث في العقيدة: المرحلة الأولى: مرحلة الاعتزال" أي أنّه أول ما بدأ عقيدته رحمه الله كان في الاعتزال، المعتزلة الذين ينفون عن الله سبحانه وتعالى الصفات كلّها ويثبتون له الأسماء فقط، كان زوج أمّه معتزلياً وتربّى عنده وأخذ عنه الاعتزال، والأصل العظيم عند المعتزلة والجهمية وغيرهم هو تقديم العقل على النقل والحكم على الله سبحانه وتعالى بالعقل، فما أثبته العقل عندهم أثبتوه وما نفاه العقل نفوه، لذلك نفوا جميع الصفات، قالوا: لأنّها يلزم منها التشبيه، قال: "اعتنق مذهب المعتزلة أربعين عاماً، يقرره ويناظر عليه، ثم رجع عنه، وصرّح بتضليل المعتزلة، وبالغ في الرّد عليهم" هذه المرحلة الأولى، "المرحلة الثانية: مرحلة بين الاعتزال المحضّ والسّنة المحضّة، سلك فيها طريق أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلّاب" هذا ابن كلاب قد اخترع مذهباً هو قريب جداً من مذهب الأشاعرة الذي كانوا عليه، وهو مذهب بين المذهبين، بين مذهب المعتزلة ومذهب أهل السّنة والجماعة في صفات الله سبحانه وتعالى، فأثبتَ بعض الصفات ونفى البعض الآخر، لكنّ الأصل واحد بارك الله فيكم، ركّزوا على هذا، الأصل الذي بنى عليه الكُلّابية والأشاعرة قولهم هو أصل واحد مع المعتزلة والأشاعرة، وهو تقديم العقل على النقل، لذلك من الباطل ومن أعظم الباطل أن يُقال أنّ الأشاعرة من أهل السّنة والجماعة، أبداً، كيف يكونون من أهل السّنة والجماعة وليس في نفوسهم من تعظيم السّنة وتقديمها على كلّ شيء ما في نفوس أهل السّنة والجماعة، ما يجب أن يكون في نفس المرء حتى يكون سنّيّاً، بل هم عقلانيون متكلمون لا يصحّ أن يُقال بأنّهم من أهل السّنة، لأنّهم يقررون العقيدة بالكلام، ويقررون العقيدة بالعقل، إذاً هذه تسميتهم الحقيقية، إذاً هم الأشاعرة والمعتزلة والجهمية على أصل واحد، فأبو الحسن الأشعري عندما ترك الاعتزال ترك تفريعات المعتزلة على أصلهم ولكنّه لم يترك الأصل وهو تقديم العقل على النقل، "قال شيخ الإسلام ابن تيميه (ص 471) من المجلد السادس عشر من "مجموع الفتاوى" لابن قاسم: "والأشعري وأمثاله برزخ بين السّلف والجهمية" برزخ: يعني في الوسط ما بين السّلف والجهمية وفاصل بين السّلف والجهمية، "أخذوا من هؤلاء كلاما صحيحاً، ومن هؤلاء أصولاً عقلية" لاحظ هنا قوله: "أخذوا من هؤلاء كلاماً صحيحاً، ومن هؤلاء أصولاً عقلية ظنّوها صحيحةً، وهي فاسدة" اهـ" الآن المرحلة الثانية هذه هي التي اخترع فيها أبو الحسن الأشعري مذهب الأشاعرة الذي هم عليه الآن ثم أبو الحسن الأشعري تراجع عن هذا القول، قال: "المرحلة الثالثة: مرحلة اعتناق مذهب أهل السّنة والحديث، مقتديا بالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، كما قرّره في كتابه: "الإبانة عن أصول الديانة"، وهو من آخر كتبه أو آخرها" وكذلك كتاب: "مقالات الإسلاميين" له، قرّر فيه عقيدة أهل السّنة والجماعة، وكذلك: "رسالة إلى أهل الثغر"، هذه الكتب الأخيرة التي ألّفها قبل موته رحمه الله، طبعاً الأشاعرة يقول لك: بعض الكتب هذه مكذوبة ويتأولون في بعض الكتب، المهم لا يريدونها، لأنّهم لا يريدون الحقّ، فصرفوا هذه الكتب، حتى نسبتها لأبي الحسن الأشعري ما عادوا يعترفون بها، لماذا؟ لأنّهم يريدون التخلص منها بأي طريقة، هذه طريقتهم، "قال في مقدمته: "جاءنا يعني النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، جمع فيه علم الأولين، وأكمل به الفرائض والدين، فهو صراط الله المستقيم، وحبله المتين، من تمسك به نجا، ومن خالفه ضلّ وغوى، وفي الجهل تردى، وحثّ الله في كتابه على التمسك بسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال عزّ وجلّ: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" إلى أن قال: "فأمرهم بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم كما أمرهم بطاعته، ودعاهم إلى التمسك بسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أمرهم بالعمل بكتابه، فنبذ كثير ممن غلبت شقوته، واستحوذ عليهم الشيطان، سنن نبي الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم، وعدلوا إلى أسلاف لهم قلّدوهم بدينهم، ودانوا بديانتهم، وأبطلوا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفضوها، وأنكروها وجحدوها افتراء منهم على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين"، ثم ذكر رحمه الله أصولاً من أصول المبتدعة وأشار إلى بطلانها ثم قال: فان قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والجهمية والحرورية" الذين هم الخوارج "والرافضة والمرجئة، فعرّفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون، قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عزّ وجلّ وبسنّة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما رُوي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون" لاحظ هنا كيف صار التأصيل هنا تأصيلاً سنّيّاً، "وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنّه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل" ثم أثنى عليه بما أظهر الله على يدّه من الحقّ، وذكر ثبوت الصفات، ومسائل في القدر والشفاعة، وبعض السمعيات، وقرّر ذلك بالأدلة النقلية والعقلية، والمتأخرون الذين ينتسبون إليه أخذوا بالمرحلة الثانية من مراحل عقيدته، والتزموا طريق التأويل في عامة الصفات، ولم يثبتوا إلّا الصفات السبع المذكورة في هذا البيت:
حي عليم قدير والكلام له *** إرادة وكذاك السمع والبصر

على خلاف بينهم وبين أهل السّنة في كيفية إثباتها، ولمّا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ما قيل في شأن الأشعرية (ص: 359) من المجلد السادس من "مجموع الفتاوى" لابن قاسم قال: "ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأمّا من قال منهم بكتاب "الإبانة" الذي صنّفة الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يُعدّ من أهل السّنة"، وقال قبل ذلك في (ص: 310) : "وأمّا الأشعرية فعكس هؤلاء، وقولهم يستلزم التعطيل، وأنّه لا داخل العالم ولا خارجه، وكلامه معنى واحد، ومعنى آيه الكرسي وآيه الدين والتوراة والإنجيل واحد، وهذا معلوم الفساد بالضرورة" اهـ.
وقال تلميذه ابن القيم في "النونية" (ص: 312) من شرح الهرّاس، ط الإمام:
واعلم بأنّ طريقهم عكس ال *** طريق المستقيم لمن له عينان

إلى أن قال:
فاعجب لعميان البصائر أبصروا *** كون المقلد صاحب البرهان

ورأوه بالتقليد أولى من سوا *** ه بغير ما بصر ولا برهان

وعموا عن الوحيين إذ لم يفهموا *** معناهما عجباً لذي الحرمان

وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي في تفسيره "أضواء البيان" (ص: 319، ج 2) على تفسير آية استواء الله تعالى على عرشه التي في سورة الأعراف: "اعلم أنّه غلط في هذا خلق لا يحصى كثرة من المتأخرين، فزعموا أنّ الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من معني الاستواء واليد مثلاً في الآيات القرآنية هو مشابهة صفات الحوادث وقالوا: يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعاً" قال: "ولا يخفى على أدنى عاقل أنّ حقيقة معنى هذا القول: أنّ الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله تعالى، والقول فيه بما لا يليق به جلّ وعلا والنبي صلى الله عليه وسلم الذي قيل له: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" لم يبين حرفاً واحدًا من ذلك، مع إجماع من يُعتد به من العلماء على أنّه صلى الله عليه وسلم لا يجوز في حقّه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد، لا سيّما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين، حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين فزعموا أنّ الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، والنبي صلى الله عليه وسلم كتم أنّ ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه، وكلّ هذا من تلقاء أنفسهم، من غير اعتماد على كتاب أو سنّة، سبحانك هذا بهتان عظيم، ولا يخفى أنّ هذا القول من أكبر الضلال، ومن أعظم الافتراء على الله جلّ وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم" والحقّ الذي لا يشكّ فيه أدنى عاقل أنّ كلّ وصفٍ وَصَفَ الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث" قال: "وهل ينكر عاقل أنّ السابق إلى الفهم المتبادر لكلّ عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟ لا، والله لا ينكر ذلك إلّا مكابر، والجاهل المفتري الذي يزعم أنّ ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنّه كفر وتشبيه، إنّما جرّ إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جلّ وعلا، وعدم الإيمان بها، مع أنّه جلّ وعلا هو الذي وصف بها نفسه، فكان هذا الجاهل مشبهاً أولاً، ومعطلاً ثانياً، فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفاً بالله كما ينبغي، معظماً لله كما ينبغي، طاهرًا من أقذار التشبيه لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه أنّ وصف الله تعالى بالغ من الكمال والجلال، ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعدًا للإيمان بصفات الكمال والجلال، الثابتة لله في القرآن والسّنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، على نحو قوله: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"" ا.هـ كلامه رحمه الله"، كلّ هذا الذي ذكره الشيخ هو ما قرّرناه في السابق، في نفس المعنى، وهو كلام متين وجميل جداً وردٌ مفحم وقاطع على ما يقوله أولئك القوم، قال المؤلف رحمه الله: "والأشعري أبو الحسن رحمه الله كان في آخر عمره على مذهب أهل السّنة والحديث، وهو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ومذهب الإنسان ما قاله أخيرًا إذا صرح بحصر قوله فيه، كما هي الحال في أبي الحسن، كما يعلم من كلامه في "الإبانة" وعلى هذا: فتمام تقليده اتباع ما كان عليه أخيرًا، وهو التزام مذهب أهل الحديث والسّنة، لأنّه المذهب الصحيح الواجب الاتباع، الذي التزم به أبو الحسن نفسه" يعني هذا من لابدّ له من أن يقلد أبا الحسن فليقلده في مذهبه الأخير، ولا يُعرض عن الحقّ ويقلده فيما أخطأ فيه، واعترف هو بخطأِهِ، ورجع عنه، إذاً خلاصة الأمر أنّ أبا الحسن الأشعري رحمه الله ليس معصوماً عن الخطأ هذا الأمر الأول، الأمر الثاني: أنّه قد تراجع عن هذا المذهب الباطل الذي أنتم عليه، وبهذا تزول الشبهة الثانية.
وأمّا الجواب على الشبهة الثالثة، وهو أنّ من أتباع الأشعرية، أو ما كان عليه أبو الحسن الأشعري من مذهب باطل علماء عُرِفُوا بالنصح لكتاب الله ولسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم وعُرفوا بتعظيمهم لشريعة الله وبخدمة دين الله سنين طويلة: كالنووي مثلاً ومن شابهه، قال المؤلف رحمه الله: "والجواب عن السؤال الثالث من وجهين: الأول: أنّ الحقّ لا يوزن بالرجال" هذا هو الجواب الأول، الحقّ لا يُعرف بالرّجال، إنّما يعرف الحقّ بالكتاب والسّنة وبما كان عليه السّلف الصالح رضي الله عنهم لأنّ الله سبحانه وتعالى قد أمرنا باتباعهم، والأخذ بما كانوا عليه، ليس الواحد والأثنين، وإنّما كان عليه المنهج العام عند أولئك الأئمة، أي نعم، هذا هو المنهج الذي أُمرنا باتباعه، وأُمرنا أن نكون عليه، والحقّ لا يوزن بالرجال، يعني: لا يمكن أن تحكم على الحقّ بالرّجل إنّما الرّجل هو الذي تحكم عليه بناءً على الحقّ، أهو صاحب حقٍّ أم هو صاحب باطلٍ، قال: "وإنّما يُوزن الرّجال بالحقّ، هذا هو الميزان الصحيح" ليس العكس، الآن الكثير من الناس قلبوا، وجعلوا الحقّ يُعرف بالرّجال فقط، هذا باطل، الرّجل بشر يخطئ ويصيب، ويكون على الحقّ ويكون على الباطل، أولاً: لا تدري أنت أهو من أصحاب الأهواء أو من أصحاب طلبة الحقّ، ثانياً: إن كان ممن يطلبون الحقّ، أصاب الحقّ أم أخطأه، إذاً ما يوزن الحقّ بالرّجال أبداً، قال: "وإن كان لمقام الرجال ومراتبهم أثر في قبول أقوالهم، كما نقبل خبر العدل، ونتوقف في خبر الفاسق، لكن ليس هذا هو الميزان في كلّ حال، فإنّ الإنسان بشر، يفوته من كمال العلم وقوة الفهم ما يفوته، فقد يكون الرجل ديّناً وذا خلق ولكن يكون ناقص العلم أو ضعيف الفهم، فيفوته من الصواب بقدر ما حصل له من النقص والضعف، أو يكون قد نشأ على طريق معين، أو مذهب معين" يعني: كما حصل مع النووي رحمه الله، "لا يكاد يعرف غيره فيظن أنّ الصواب منحصر فيه، ونحو ذلك"،قال: "الثاني: أنّنا إذا قابلنا الرّجال الذين على طريق الأشاعرة بالرجال الذين هم على طريق السّلف وجدنا في هذه الطريق من هم أجلّ وأعظم وأهدى وأقوّم من الذين على طريق الأشاعرة" إذا أردت أن تقارن بهذه الطريقة فقارن بهذا الأسلوب، وإن وُجِدَ النووي مع الأشاعرة، فإنّ مع أهل السنة مالك مثلاً، والشافعي الذي يتبعه النووي أجلّ وأعظم من النووي، فلماذا إذاً لا تنظر إلى المسألة بهذه الطريقة، قال: "فالأئمة الأربعة أصحاب المذهب المتبوعة ليسوا على طريق الأشاعرة، وإذا ارتقيت إلى من فوقهم من التابعين لم تجدهم على طريق الأشاعرة، وإذا علوت إلى عصر الصحابة والخلفاء الأربعة الراشدين لم تجد فيهم من حذا حذو الأشاعرة في أسماء الله تعالى وصفاته، وغيرهما مما خرج به الأشاعرة عن طريق السلف"، قال: "ونحن لا ننكر أنّ لبعض العلماء المنتسبين إلى الأشعري قدم صدق في الإسلام، والذّب عنه، والعناية بكتاب الله تعالى وبسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم رواية ودراية، والحرص على نفع المسلمين وهدايتهم، ولكن هذا لا يستلزم عصمتهم من الخطأ فيما أخطئوا فيه، ولا قبول قولهم في كلّ ما قالوه، ولا يمنع من بيان خطئهم وردّه، لما في ذلك من بيان الحقّ وهداية الخلق"، لكن لا نتبعهم في باطلهم وإن كانوا قد عظُموا في أنفسنا بسبب حبّهم لشريعة الله، وتعظيمهم لشريعة الله، وحرصهم على اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، واغتروا بما كان عليه علماءهم و أئمتهم في وقتهم واتبعوهم فيما هم فيه من الباطل، وإن كان هذا هو الحاصل لكننا ننكر ما كانوا عليه، ونبين للناس الباطل الذي هم عليه، ونبين للناس أنّهم لا يُتَبَعون في مثل هذا، قال: "ولا ننكر أيضا أنّ لبعضهم قصدًا حسنا فيما ذهب إليه، وخفي عليه الحقّ فيه، ولكن لا يكفي لقبول القول حسن قصد قائله، بل لا بدّ أن يكون موافقا لشريعة الله عزّ وجلّ" لا تأتي وتقول لي: والله فلان نيّته طيبة، نيّته بينه وبين الله سبحانه وتعالى، وهذه لا تكفي حتى لو سلّمنا لك بأنّ نيّته طيبة، لا يكفي هذا، هو مأمور باتباع الشريعة، مأمور باتباع السلف، مأمور بأن يأخذ بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة وإذا ترك ذلك فقد قصّر، ويُلام على تقصيره ذاك، مع حسن نيته، قال: "فإن كان مخالفا لها وجب ردّه على قائله كائنا من كان، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ"، ثم إن كان قائله معروفاً بالنصيحة والصدق في طلب الحقّ، اُعتذر عنه في هذه المخالفة، وإلّا عومل بما يستحقه بسوء قصده ومخالفته"، لاحظ هنا قوله: "ثم إن كان قائله معروفاً بالنصيحة والصدق في طلب الحقّ، اعتُذِر عنه في هذه المخالفة"، طبعاً هذا يُلّبس بعض أهل الباطل حالياً بأنّهم يدَّعون في صاحبهم وإمامهم هذه الدعوة، يقولون لك: هو من هذا القبيل، عندما نجد له عملاً كعمل الحافظ ابن حجر من كتب عظيمة، خدمة لدين الله سبحانه وتعالى، لا يستغني عنها طالب علم اليوم من طلبة الحديث عندئذٍ نقول: والله هذا من هذا القبيل، لكن إذا عُرِفَ بانصرافه إلى الدنيا وانشغاله بها وحبّه لها وحبّه لجمع المال وحبّه للتمتع بها، لا يُقال في مثل هذا بأنّه على هذا الوصف الذي ذكره الشيخ هنا، حتى وإن عمل أعمالاً هي مشتركة بين خدمة دين الله وجمعاً للمال، هذا لا يُثبت لنا ما كان يعمله الحافظ ابن حجر وغيره، فيجب التفريق بارك الله فيكم، ولا تُلبّسوا على البشر، وعلى خلق الله سبحانه وتعالى، ولا يتلبس عليكم الأمر فيخدعوكم بمثل هذا الكلام، "وإلّا عومل بما يستحقه بسوء قصده ومخالفته". طيب، هنا سيبدأ بتكفير أهل التأويل وتفسيقهم.
نكتفي بهذا القدر ونترك هذا للدرس القادم، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته.


مركز الخليج


آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 19:29
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:53   #24
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي


مركز الخليج

الدرس الرابع والعشرون وهو الأخير



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فقد وقفنا عند قول المؤلف: "فإن قال قائل: هل تكفرون أهل التأويل أو تفسقونهم؟"، أهل التأويل: المقصود بهم الذين يحرّفون نصوص الكتاب والسّنة في أسماء الله وصفاته، فهنا سؤال: "فإن قال قائل: هل تكفرون أهل التأويل أو تفسقونهم؟" يقول الشيخ: "قلنا: الحكم بالتفكير والتفسيق ليس إلينا بل هو إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم" هذه القاعدة الأولى: أنّ الحكم بالتكفير والتفسيق، كذلك التبديع، والمؤلف لم يذكره لأنّ البدعة إمّا أن تكون بدعة مكفّرة فيدخل في التكفير أو أن تكون بدعة مفسّقة فيدخل في التفسيق، هذا كلّه أمره إلى الله سبحانه وتعالى وليس إلينا، ليس نحن الذين نحكم بذلك، إنّما الأحكام تأتي من عند الله سبحانه وتعالى، نحن نجتهد في تطبيقها على الأشخاص المعيّنين، هذا دورنا، وإلّا فالحكم لله سبحانه وتعالى، لذلك تجد أهل العلم من أهل السّنة المنصفين لا تجدهم يكفّرون من يكفرهم أو يفسقون من يفسقهم، ما هي ردّة فعل، لا، إنّما على حسب الدليل من الكتاب والسّنة، فإذا ثبت أنّ الفعل مكفِّر أو مبدِّع أو مفسِّق وثبت أنّ شخصاً معيّناً قد وقع في هذا الفعل وثبتت شروطه وانتفت موانعه عندئذٍ يُنزّلون الحكم على الشخص المعيّن كما أُمروا في شرع الله سبحانه وتعالى، قال: "فهو من الأحكام الشرعية" يعني: الحكم على الشخص بالكفر أو الفسق أو البدعة هو حكم شرعي، "التي مردها إلى الكتاب والسّنة، فيجب التثبت فيه غاية التثبت، فلا يُكفّر ولا يُفسق إلّا من دلّ الكتاب والسّنة على كفره أو فسقه" خصوصاً التكفير أمره خطير لأنّه يترتّب على ذلك أمور أعظم من الأمور التي تترتب على التبديع والتفسيق، من ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لأخيه كافر ولم يكن كذلك إلّا رُدّت عليه" هذا أمرٌ عظيم، والتكفير يترتب عليه استباحة الدماء واستباحة الأموال والتفريق بين الأزواج وعدم التغسيل وعدم التكفين وعدم الدفن في مقابر المسلمين، أحكام كثيرة، التوريث كذلك، وغيرها، فالأمر خطير، لذلك لا بدّ من التثبت منه جيداً، إذا ثبت إسلام شخص لا يُخرَج عن الإسلام بسهولة حتى نتثبت في الأمر تماماً، قال: "والأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته" والأصل في المسلم الظاهر العدالة: يعني المسلم الذي عدالته ظاهرة فالأصل بقاء إسلامه وبقاء عدالته، يعني إن ثبت عندنا أنّ شخصاً مسلماً عدلاً ليس بفاسق ولا هو مبتدع، فالأصل عندنا أنّه مسلم عدل ليس بمبتدع حتى يأتي دليل واضح على خروجه عن الإسلام أو عن العدالة أو عن السّنة، قال: "وبقاء عدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه لأنّ في ذلك محذورين عظيمين: أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به" يعني: تكذب على الله وتكذب على الشخص الذي رميته بالكفر أو التفسيق وهو ليس بكافر ولا فاسق، اليوم وللأسف لمّا ركّ دين الكثير من الناس وضعف صار الرمي بالتكفير والتفسيق والتبديع من أسهل ما يكون عند الكثير من الناس الذين لا يتورّعون في مثل ذلك، وهذا ملموس ولعلكم تلتمسونه بكثرة وخصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي هذه، بارك الله فيكم، الإنسان إذا تحلّى بالورع والتقوى حاول أن يجتنب مثل هذه الأحكام بقدر استطاعته حتى يأتيه دليل واضح، بعد ذلك ينزّله على الشخص المعيّن، هذا إذا كان أهلاً لتنزيل الأحكام، إذا كان ماذا؟ إذا كان أهلاً لتنزيل الأحكام ، اليوم أكثر الذين تصدّروا لهذا ليسوا أهلاً لذلك، تقمّصوا أثواب العلماء وصاروا يرمون الناس يمنة ويسرة، بل والله للأسف أقول: البعض يظنّ نفسه سَيَنالُ رتبة الصلابة في السّنة بمثل هذه الأفعال، أن يُقال: والله انظروا انظروا ما شاء الله، صلب في السّنة، قوي، ما شاء الله، لماذا؟ والله يشطب في الناس أولاً بأول، فلان كافر، فلان فاسق، فلان مبتدع، وماشي على الوتيرة هذه، لا والله خاب وخسر، الرفعة ونيل المراتب عند أهل العلم تُنال بتقوى الله سبحانه وتعالى، أن تعرَف منك التقوى وأن يُلتمَس منك الصلاح وأن يُلتمَس منك العلم وأن يُلتمس منك النصح لكتاب الله ولسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وللإسلام والمسلمين، عندئذ تنال الرتبة الرفيعة، انظروا إلى سيرة السّلف الذين كانوا يلقّبون بمثل هذه الألقاب، إمامٌ في السّنة، صلبٌ في السّنة، فلان لا ترى مثله في بلده، من أين تجد هذه؟ هذه الألقاب لماذا حصلوا عليها؟ هل لأنّهم فعلوا كفعلك الفاسد هذا؟ لا والله، لهم كلام في أهل البدع بحقّ وليس بباطل، وبِوَرَع أيضاً، لكن انظر إلى سيرتهم، تجدهم ينامون بالسّنة ويمشون بالسّنة ويصحون بالسّنة ويُعلّمون بالسّنة وأخلاقهم السّنة، أفعالهم السّنة، أقوالهم السّنة، بهذا رفعهم الله سبحانه وتعالى، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص وحسن الاتباع وأن يجنّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجنّبنا أصحاب القلوب المريضة هؤلاء الذين قد طمس الله على قلوبهم بالحسد والكذب والمرض في نفوسهم، نسأل الله السلامة والعافية، هذا المحذور الأول الذي تقدم معنا وهو أنّك تفتري الكذب على الله وعلى المحكوم عليه أيضاً، المحذور الثاني: قال: "الثاني: الوقوع فيما نبز به أخاه إن كان سالماً منه، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كفّر الرّجل أخاه فقد باء بها أحدهما"" هذا الذي ذكرناه، هذا من أعظم مخاطر التكفير، يعني: إذا كفّرته وهو ليس أهلاً للتكفير رجع الكفر عليك، "وفي رواية: "إن كان كما قال وإلّا رجعت عليه"، وفيه عن أبي ذرّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ومن دعا رجلاً بالكفر" يعني: قال له: أنت كافر، "أو قال عدو الله وليس كذلك إلّا حار عليه"" يعني: إلّا رجع عليه هذا الوصف، قال: "وعلى هذا فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين:" لاحظ الآن كيف يتدرج معك المؤلف رحمه الله وغفر له وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، يتدرج معك في طريقة إيقاع حكم التكفير أو التفسيق أو التبديع على الشخص المعيّن، لاحظ كيف يتدرّج معك، الأمر الأول حاول أن ينبّهك إلى خطورة هذا الفعل ثم بعد ذلك إذا كنت أهلاً لذلك امش على هذه الخطوات التي سيذكرها لك، نعم.
قال المؤلف رحمه الله: "وعلى هذا فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين: أحدهما: دلالة الكتاب أو السّنة على أنّ هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق" يعني: عندما تريد أن تحكم على شخص بكفر أو بفسق يجب أن تثبت بأدلة الكتاب والسّنة أنّ هذا الفعل كفر، تريد أن تحكم على من سبّ الله بأنّه كافر مثلاً، أول شيء تفعله تستحضر الدليل على أنّ سبّ الله كفر، هل ثبت في الأدلة الشرعية أنّ من سبّ الله كافر، "قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم" إذاً عندي دليل شرعي، إذاً لست أنا من وضع هذا الحكم، إنّما وضعه الله سبحانه وتعالى وأنا تأكدت من ذلك من خلال رجوعي إلى كتاب الله وسنّة رسوله وإجماع علماء الإسلام، كذلك التفسيق، أريد أن أحكم على شخص بفسق، القاعدة عندي أنّ من ارتكب كبيرة ولم يتب منها أنّه فاسق، طيب، هل السارق فاسق؟ تريد أن تثبت أنّه ارتكب كبيرة، هل يوجد في الكتاب والسّنة ما يدلّ على ذلك؟ نعم، "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" والضابط عندنا في الكبيرة أنّه إذا كان في العمل حدٌّ من حدود الله، الحدود التي يجب إقامتها على الشخص في الدنيا، أنّها كبيرة، إذاً فالسّرقة كبيرة، فإذا سرق شخص ولم يتب إلى الله سبحانه وتعالى فهو فاسق، بهذه القواعد وبهذه الضوابط، بهذه الطريقة أنت أثبتَّ بدايةً أن الفعل أو القول أو الاعتقاد كفر أو فسق أو بدعة، تمام، ننتقل إلى الخطوة الثانية، قال: "الثاني: انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين، بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقّه، وتنتفي الموانع" أولاً: تحتاج أن تثبت أنّ هذا الفعل الذي أثبتَّ أنّه كفريّ أو فسقيّ أنّ زيداً من الناس قد فعله، هذا الأمر الأول تريد أن تتأكد من هذا الموضوع، فكم من أبرياء يُتّهمون بأشياء هم بريئون منها لشبهةٍ حصلت أو لكذبة كذَبَها كذّاب أو غير ذلك، إذاً الأمر الأول: تثبت أنّ الفعل أو القول أو الاعتقاد كفريّ، الأمر الثاني: أن تثبت أنّ زيداً من الناس قد وقع في هذا الكفر، الأمر الثالث: أن تتأكد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع لتنزيل الحكم على المعين، بناءاً على ذلك نصل إلى ماذا؟ إلى أنّ الذي يُنزّل هذه الأحكام على المعيّنين يجب أن يكون عالماً أم جاهلاً؟ يجب أن يكون عالماً بكلّ هذه الضوابط وبكلّ هذه الأمور، يعلم موجبات التكفير، موجبات التفسيق، موجبات التبديع، يعلم الشروط والموانع، ويتحقق من وقوع الشخص في المكفّر أو المفسّق، أنظر؟ قضية تحتاج إلى شغل، ما هي فوضى كالموجود اليوم، كلّ من هبّ ودبّ يتصدر لمثل هذه الأحكام الخطيرة، لا، المسألة تحتاج إلى انضباط، تحتاج إلى تقوى، إلى صلاح في الشخص، نحن بالنسبة للشروط والموانع قد ذكرناها في شرحنا على نواقض الإسلام، ذكرناها هناك وأطلنا الكلام فيها واستوعبناها إن شاء الله، هنا المؤلف أيضاً يركّز على هذا الجانب، نعم.
قال المؤلف رحمه الله: "ومن أهم الشروط: أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت أن يكون كافراً أو فاسقاً" الشرط الأول: العلم، وكلّ شرط ضده مانع، يعني: يمنع من التكفير: الجهل، أيش المقصود بالعلم والجهل؟ يعني: أنّ الشخص الذي وقع في الكفر أو وقع في الفسق أو وقع في البدعة يكون عالماً بأنّ هذا الفعل كفر أو فسق أو بدعة ومع ذلك وقع فيه، هذا هو الشرط الأول، طيب إذا كان يجهل أنّ هذا الفعل كفر هو معذور بجهله، شخض تربّى ونشأ في بيئة بعيدة عن أهل التوحيد، نشأ وهم يستغيثون بالنبي صلى الله عليه وسلم، يطلبون من الأولياء الرزق والولد وما شابه، الآن هذا الشخص وقع في الكفر أم لا؟ وقع في الكفر، لأنّنا نحن نثبت أنّ عبادة غير الله كفر "وقضى ربّك ألّا تعبدوا إلّا إيّاه وبالوالدين إحساناً"،"واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً" طيب، هنا إذاً أثبتنا أنّ عبادة غير الله كفر، شرك، وأثبتنا أنّ زيداً من الناس قد وقع في هذا الأمر وعبَدَ غير الله بالاستغاثة به أو بدعائه أو بالذبح له أو بالنذر له، إلى آخره، ولكنّه لا يعلم أنّ هذا شرك وأنّه مُحرّم، ويظنّ أنّه قربة لله سبحانه وتعالى، وهنا زيادة مهمة ضعها بين قوسين وركّز عليها (ولم يقصّر في التعليم) هو في بيئة بعيدة عن العلم، بعيدة عن التوحيد وعن أهل التوحيد، ومهتم بأمر دينه ويحاول أن يتعلم ولكن ما فيه عنده علم أو ما خطر بباله أصلاً أن يكون هذا الأمر يحتاج إلى سؤال، عنده من المسلّمات بناءاً على البيئة التي عاش فيها، وظنّ أنّ هذا من التوحيد الذي لا يحتاج إلى سؤال أصلاً، وما جاءه أحد وقال له: هذا شرك وهذا حرام، أبداً، ولا خطر على باله هذا الأمر، مثل هذا معذور بجهله؟ نعم معذور، لكن لو كان يعيش بين أهل التوحيد ويسمع من يقول بأنّ هذا شرك ولا يجوز وعاند، ما بالى، أعرض عن كلامهم وانصرف، ولم يبالِ بالعلم ولا بأهله، مثل هذا لا يُعذر لأنّه مُعرّض عن دين الله، عن تعلّمه، فإذاً بارك الله فيكم تحذرون من مسألة المبالغة في العذر بالجهل، وتحذرون أيضاً من التفريط في ذلك، فالناس اليوم ما بين إفراط وتفريط، قد فصّلتُ ذلك في الصوتية الثانية من شرحي على شرح السنة للبربهاري، من أراد الزيادة فليطلع عليها هناك، قال: "ومن أهم الشروط: أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت أن يكون كافراً أو فاسقاً" يعني: يعلم أنّ سبّ الله كفر مثلاً، يعلم أنّ الذبح لغير الله شرك، مثل هذا إذا فعله يكون قد فعل شيئاً هو عالم بأنّه مُحرّم أو كفر، بالنسبة لسبّ الله ننبه على الموضوع هذا، أسمع كثيراً من الشباب يدندن: لا بدّ من إقامة البيّنة لمن يسبّ الله سبحانه وتعالى، لا بدّ أن تعلّمه لعله يكون جاهلاً، هذا القول في حد ذاته هو جهل، هل هناك على وجه الأرض شخص يجهل أنّ الواجب تعظيم الله سبحانه وتعالى؟ في هذا الشيء موجود؟ ليس موجوداً، كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، قال: هذا فرض ذهني، يعني غير موجود على الأرض إنّما هو في ذهنك فقط موجود، وهذا الحقّ، لا تجد عالم يقول بهذا الكلام، إنّما هو خرج من بعض الجهّال، ما فيه أحد يجهل أنّ الواجب هو تعظيم الله سبحانه وتعالى وأنّ سبّ الله مُحرّم لا يجوز، فلا يُقال مثل هذا، ممكن يُعذر بأعذار أخرى لكن الجهل لا، وليس من موانع التكفير سوء التربية، أيضاً تحذرون من هذا القول، هذا خطأ، سوء التربية ليس عذراً في عدم تكفيره، هذه زلّة من بعض الأفاضل، لأنّ هذا القول مخالف لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الواضح والصريح في ذلك: "كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه" هل كان عذر لليهودي والنصراني والمجوسي إذا بلغ أن يبقى على نصرانيته ومجوسيته ويهوديته كونه قد تربّى على ذلك، ليس عذراً له باتفاق أهل العلم، إذا بلغته الحجّة وبقي على ما هو عليه فلا عذر له، إذاً سوء التربية ليس بعذر، والله أعلم، قال المؤلف رحمه الله: "لقوله تعالى:" لماذا قال بهذا القول وهو العذر بالجهل؟ قال: "وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى" لاحظ قوله: "مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً" متى سيُصلى جهنم؟ من بعد ما تبين له الهدى وليس قبل ذلك، قال: "وقوله: "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ"بعد ماذا؟ "بعد إِذْ هَدَاهُمْ" أي: بعد الهداية وليس قبل ذلك، "حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ" إذاً لا بدّ من بيان ما يتقون، "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ" لاحظ هنا قوله: "حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ" إذاً بعد الهداية، بعد أن يوفقهم الله سبحانه وتعالى ويهديهم، ما كان ليضلّهم ولا يحرّفهم عن الحقّ حتى يبين لهم ما يتقون، إذاً هذا هو الشاهد، إذاً لا تحصل العقوبة من الله إلّا بعد البيان، "إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ"، قال: "ولهذا قال أهل العلم: لا يكفر جاحد الفرائض إذا كان حديث عهد بإسلام حتى يبين له" ذكر العلماء مثالاً على ذلك، من كان حديث عهد بإسلام أو في قرية نائية بعيدة عن العلم وقال: الخمر ليس حراماً، اليوم لا تتعجبوا، اليوم يوجد بعض القرى النائية البعيدة عن ديار الإسلام من هم مسلمون في الأصل ولكنّهم لا يعلمون أنّ الخمر حرام، يقول لك: الخمر يُشرب، ما في بأس، لماذا؟ ما بلغهم العلم، ما يعلمون، تربّوا على الجهل، جيل بعد جيل، خصوصاً تلك الدول التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي الذي حرص جداً على القضاء على الإسلام في تلك البلاد، لا يعلمون، يحتاجون إلى دعوة، كذلك القرى التي في إفريقيا يحتاجون إلى دعوة، يحتاجون إلى نشاط، هؤلاء يحتاجون إلى إيصال العلم الصحيح لهم، إذاً من كان حديث عهد بإسلام وجحد فريضة من الفرائض، فريضة الصلاة أو الصيام أو الحجّ، أنكرها: ما فيه صلاة ولا صيام ولا حجّ، لكنّه حديث عهد بإسلام، ما يعرف ما هو الإسلام، أو كان في قرية نائية بعيدة عن الإسلام ولم يبلغه أنّ هذه الفريضة واجبة فمثل هذا يعتبر معذوراً عند أهل الإسلام وهذا في كتبهم مقرر بكثرة، نعم.
قال المؤلف رحمه الله: "ومن الموانع أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه ولذلك صور:" ما معنى بغير إرادة منه، يعني: يفعل الفعل أو يقول القول وهو لا يريده وإنّما وقع منه إمّا بالإكراه أو بالخطأ، فإذاً الشرط هنا ما هو؟ لأننا قلنا ما من مانع إلّا ضده شرط، وما من شرط إلّا وضده مانع، طيب المانع هنا عدم القصد للفعل أو القول، إذاً الشرط: هو قصد الفعل أو القول، ما الذي يجعله غير قاصد؟ إمّا الإكراه أو الخطأ، إذاً الإكراه والخطأ من موانع التكفير لأنّ فاعل ذلك بالخطأ أو بالإكراه معذور، فتسمى هذه موانع، شرطه أن يكون قاصداً للقول أو الفعل، أنبه هنا على خطأ يقع من البعض فيقع في قول المرجئة وهو لا يشعر، نقول: الشرط أن يقصد الفعل أو القول ولا نقول: يشترط قصد الكفر، لاحظ الفرق كبير، قصد الفعل أو القول سيأتي أمثلة من كلام الشيخ رحمه الله، لكن أن تقول لا يكفر حتى يقصد الكفر هذا قول المرجئة لأنّ المرجئة يقولون: الإيمان في القلب فقط، الأعمال ليست داخلة في الإيمان فلا علاقة لها بالكفر، فلا يُقال في الفعل هو نفسه بأنّه كفر لكن الكفر في القلب، لذلك يقول لك: لابدّ أن يقصد الكفر، قصد الكفر في قلبه حتى يكفر لأنّ الإيمان في القلب، إذاً الكفر أين يكون؟ في القلب، هذا قول المرجئة، أهل السّنة: لا، عندهم الفعل نفسه كفر لأنّ الأعمال من الإيمان والأعمال أيضاً من الكفر، الأعمال من الإيمان أي داخلة في الإيمان، أذاً هي أيضاً تسمى كفراً، فالعمل نفسه كفري، تسجد للصنم، السجود للصنم هذا كفر، الفعل نفسه كفر، هذا عند أهل السّنة والجماعة، المرجئة عندهم هذا الفعل ليس بكفر ولكنه دليلٌ على الكفر فقط، المهم في القضية الآن أن تفهم: أنّ الشرط هو قصد الفعل أو القول وليس الشرط هو قصد الكفر، بما أنّه فعل الفعل الكفري وتحققت فيه الشروط وانتفت الموانع فهو كافر ما علينا من قلبه وماذا فيه، نحن لنا الحكم على الظاهر ونفس الفعل كفرٌ، من فهم هذا الحمد لله ومن لم يفهمهُ فليفهم أنّ الإيمان عند أهل السّنة والجماعة اعتقاد وقول وعمل، والكفر يكون بالاعتقاد والقول والعمل، هذا المهم في الموضوع الآن، نرجع إلى موضوعنا: "ومن الموانع أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه ولذلك صور:" يعني: يفعل الشخص الفعل الكفري أو يقول القول الكفري لكنّه لا يريد قوله ولا يريد فعله، وقع منه إمّا بالإكراه أو بالخطأ، قال: "منها: أن يُكرّه على ذلك فيفعله لداعي الإكراه لا اطمئناناً به، فلا يكفر حينئذ لقوله تعالى: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلّا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذاب عظيم"" أذاً من يفعل الفعل مكرَهاً يُقال له: اسجد للصنم أو أقطع رقبتك الآن وأنا واقف أمامك فيسجد للصنم، هذا معذور لا يكفر بهذا الفعل أو سُبّ النّبي صلى الله عليه وسلم أو أقطع رقبتك، سَبّ النبي كفر ويكون ذاك جاداً في قطع رقبته فله رخصة في ذلك ولا يكفر إن سَبّ، لماذا؟ لأنّه مكرّه، "إلّا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا" من الذي يشرح بالكفر صدراً؟ من فعله من غير أكراه وهو مريد للقول أو الفعل هذا قد انشرح صدره بالكفر واطمئن به، ما عنده مشكل مع سبّ الرّب أو سبّ الدّين يخرجها من فمه كأنّه يذكر اسمه أو شيء من هذا القبيل، أي: أشياء مباحة ما فيه أي مشكلة، مطمأن مرتاح جداً مع ذكره لهذه الكلمات، بل والله أعرف البعض يقول: لا أرتاح حتى أسبّ الرّب، ماذا تريد أكثر من هذا؟ انشراح صدر بالكفر نسأل الله السلامة والعافية، قال: "ومنها" يعني: الصورة الآن التي ذكرها أن يكون مكرهاً فيكون قد فعل الفعل وهو غير مريد له، "ومنها أن يُغلق عليه فكره" يعني: تفكيره أغلق عليه ما يستطيع أن يستعمل عقله الآن في هذا الموقف فيخرج منه الألفاظ خطأً أو يقع منه الفعل خطأً، "ومنها: أن يُغلق عليه فكره، فلا يدري ما يقول لشدّة فرح أو حزن أو خوف أو نحو ذلك" أيّ سبب من الأسباب لكنّ المهم أنّ فكره قد أغلق عليه وما يعرف ما الذي يخرج من فمه هذا غير قاصد لهذا القول، والمثال في الحديث، قال: "ودليليه ما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله أشدّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلّها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدّة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربّك، أخطأ من شدّة الفرح"" ماذا قال؟ اللهم أنت عبدي وأنا ربّك، قلب، لكن لماذا خرج هذا منه؟ خرج خطأً من شدّة الفرح الذي أصابه فأغلق عليه فكره فخرجت اللفظة بهذه الطريقة، فهل يكفر بذلك؟ لا يكفر، لماذا؟ لأنّه مخطأ، والخطأ مرفوع عن هذه الأمّة كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال المؤلف رحمه الله: "قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله (ص 180، ج 12) "مجموع الفتاوى" لابن قاسم: "وأمّا التكفير، فالصواب: أنّ من اجتهد من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحقّ فأخطأ لم يكفر، بل يُغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فشاقّ الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر، ومن اتبع هواه وقَصَّر في طلب الحقّ وتكلم بلا علم فهو عاصٍ مذنب، ثم قد يكون فاسقاً، وقد يكون له حسنات تَرْجَحُ على سيئاته" اهـ" هذا بينه وبين الله سبحانه وتعالى قد تكون له حسنات ترجح على سيئاته لكن نحن في الدنيا ننظر إلى الخطأ الذي وقع فيه، فإن خالف فيه عقيدة أهل السّنة والجماعة المقررة والمجمع عليها أو خالف أدلة الشرع المحكمة فهذا نحكم عليه بظاهر ما ظهر لنا من حاله، إذ أنّه بوقوعه في هذه البدعة أظهر لنا ضلاله وانحرافه عن الحقّ لأنّه خالف أدلة محكمة واضحة وصريحة، بل وخالف إجماع السلف رضي الله عنهم، فنحن نحكم عليه بما ظهر لنا من حاله وأمره بينه وبين الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك ما في قلبه بينه وبين الله سبحانه وتعالى، أمّا نحن في الدنيا نحكم على الناس بما ظهر لنا من حالهم كما قال لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاعدة نفيسة وقد قرّرها الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه "الأم" أنّ الحكم على الناس يكون بناءً على الظاهر كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين، فنحكم عليهم بما ظهر لنا من حالهم، قال: "وقال في (ص 229، ج 3) من المجموع المذكور في كلام له: "هذا مع أنّي دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني، أنّي من أعظم الناس نهياً عن أن يُنسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلّا إذا عُلم أنّه قد قامت عليه الحجّة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى" طبعا الفاسق والكافر والعاصي يعني بالفسق: فسق البدعة وإلّا لماذا فرّق بين الفسق والمعصية وكلّها عنده بابها واحد، قال: "وأنّي أقرر: أنّ الله قد غفر لهذه الأمّة خطأها، وذلك يعمّ الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، ومازال السّلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية" وذكر أمثلة ثم قال: "وكنت أبين أنّ ما نُقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حقّ لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين" الإطلاق: أن تقول من فعل كذا فهو كافر ومن فعل كذا فهو فاسق لكنّك لا تعيّن شخصاً معيناً، إذا أردت أن تقول زيد كافر وعمرو كافر مثلاً فلا بدّ أن تتحقق عندئذ الشروط وتنتفي الموانع، أمّا الإطلاق بشكل عام أن تقول من سبّ الله فهو كافر، من سجد لصنم فهو كافر، هذا إطلاق عام، أنت ما ذكرت شخصاً معيناً، هذا الأمر فيه أوسع من التنزيل على المعين، فذاك لا بدّ فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، لكنّ المعروف عن السّلف رضي الله عنهم أنّ من خالف أدلة الشرع المحكمة أنّهم يطلقون عليه التبديع على أقل الأحوال، وربّما تكون بدعته هذه كفرية وربّما تكون بدعته هذه فسقية على حسب المسألة وعلى حسب الشخص، ولا بدّ من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، قال: "إلى أن قال: "والتكفير هو من الوعيد، فإنّه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لكن قد يكون الرّجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجّة، وقد يكون الرّجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئا"، قال: "وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرّجل الذي قال: إذا أنا متّ فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليّم، فوالله لئن قدر الله علّي ليعذبني عذاباً ما عذّبه أحدًا من العالمين، ففعلوا به ذلك، فقال الله: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له"، قال: "فهذا رجلٌ شكّ في قدرة الله" لماذا؟ لأنّه قال: لأن قدر الله عليّ، وهذا يشكّ في قدرة الله، يعني: ربّما يقدر وربّما لا يقدر، قال: "فهذا رجلٌ شكّ في قدرة الله وفي إعادته إذا ذُرِّيَ، بل اعتقد أنّه لا يُعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا" اهـ ، وبهذا عُلم الفرق بين القول والقائل وبين الفعل والفاعل، فليس كلّ قول أو فعل يكون فسقاً أوكفراً يُحكم على قائله أو فاعله بذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله (ص 165، ج 35) "مجموع الفتاوى": "وأصل ذلك: أنّ المقالة التي هي كفر بالكتاب والسّنة والإجماع يُقال هي كفر قولاً يطلق كما دلّت على ذلك الدلائل الشرعية" قولاً يطلق يعني: لا يُعيّن به شخص معين، قال: "فإنّ الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ليس ذلك مما يحكم فيه النّاس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كلّ شخص قال ذلك بأنّه كافر حتى يثبت في حقّه شروط التكفير وتنتفي موانعه، مثل من قال: إنّ الخمر أو الرّبا حلال لقرب عهده بالإسلام أو لنشوئه في بادية بعيدة أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنّه من القرآن ولا أنّه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان بعض السّلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالها" إلى أن قال: "فإنّ هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجّة بالرسالة، كما قال الله تعالى: "لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ" وقد عفا الله لهذه الأمّة عن الخطأ والنسيان" اهـ كلامه، وبهذا عُلم أنّ المقالة أو الفعلة قد تكون كفرًا أو فسقاً، ولا يلزم من ذلك أن يكون القائم بها كافرًا أو فاسقاً، إمّا لانتفاء شرط التكفير أو التفسيق أو وجود مانع شرعي يمنع منه" لكن من انتسب إلى غير الإسلام أعطي أحكام الكفّار في الدنيا، أي: شخصٌ ماأظهر الإسلام فهو كافر ويعطى أحكام الكافر في الدنيا، "ومن تبين له الحقّ فأصرّ على مخالفته تبعاً لاعتقادٍ كان يعتقده أو متبوع كان يُعظّمه أو دنيا كان يؤثرها فإنّه يستحق ما تقتضيه تلك المخالفة من كفر أو فسوق"، قال المؤلف: "فعلى المؤمن أن يبني معتقده وعمله على كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم فيجعلهما إماماً له يستضيء بنورهما ويسير على منهاجهما، فإنّ ذلك هو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى به في قوله: "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، وليحذر ما يسلكه بعض الناس من كونه يبني معتقده أو عمله على مذهب معين، فإذا رأى نصوص الكتاب والسّنة على خلافه حاول صرف هذه النصوص إلى ما يوافق ذلك المذهب على وجوه متعسفة، فيجعل الكتاب والسّنة تابعين لا متبوعين، وما سواهما إماماً لا تابعاً، وهذه طريق من طرق أصحاب الهوى لا أتباع الهدى، وقد ذمّ الله هذه الطريق في قوله: "وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ" والناظر في مسالك الناس في هذا الباب يرى العجب العجاب، ويعرف شدّة افتقاره إلى اللجوء إلى ربّه في سؤال الهداية والثبات على الحقّ، والاستعاذة من الضلال والانحراف، ومن سأل الله تعالى بصدق وافتقار إليه عالماً بغنى ربّه عنه وافتقاره هو إلى ربّه فهو حري أن يستجيب الله تعالى له سُؤْلَه، يقول الله تعالى: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن رأى الحقّ حقّاً واتبعه، ورأى الباطل باطلاً واجتنبه، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وصلحاء مصلحين، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهبّ لنا منه رحمة إنّه هو الوهاب، والحمد لله ربّ العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبي الرّحمة وهادي الأمّة إلى صراط العزيز الحميد بإذن ربّهم، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين.
تم في اليوم الخامس عشر من شهر شوال سنة 1404 هـ.
بقلم مؤلفه الفقير إلى الله: محمد الصالح العثيمين"
رحمه الله وغفر له وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، هذا خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الكتاب، وإنّي أحذر كلّ التحذير من التقليد الأعمى والتعصب للأشخاص فللأسف والله بعض الطلبة من الذين يدّعون السّنة ويدّعون السّلفية عندما خالف شيخه أدلة محكمة ونصوصاً واضحة صار يتعصب له ويحاول أن يُغيّر ويُبدل في الأدلة الشرعية من أجل أن يُخرج قول شيخه هو الصواب، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وأيّ سلفية هذه التي تُدّعى، ليس كلّ من ادعى السّلفية فهو سلفي، نسأل الله السلامة والعافية، نوصيكم بتقوى الله سبحانه وتعالى وأن تستعملوا هذا العلم في نشره وفي إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى، والعمل بكتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن في زمن كثرت فيه الفتن والناس في حاجة إلى من يعلمهم أمر دينهم، فأخلصوا في ذلك لله سبحانه وتعالى وابتعدوا عن أمراض النفوس من حبّ الريّاسة والتصدر ومن الحسد والكذب والغلّ الذي يحصل عند كثير من طلبة العلم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم التقوى وأن يُعلّمنا العلم النافع وأن يجعلنا هداة مهتدين، والحمد لله ربّ العالمين.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلّا أنت نستغفرك ونتوب إليك.


مركز الخليج


آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 19:32
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:54   #25
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي


مركز الخليجمركز الخليج

تم والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات
جزى الله خيراً كلّ من كان عوناً في هذا العمل الطيب المبارك
وأخص بالذكر:
شيخنا الحبيب:
أبا الحسن علي بن مختار الرملي
حفظه الله تعالى وزاده من فضله
إخوتنا في معهد البصيرة العلمي بأورفا -تركيا-
فقد كانت لهم اليد الطولى في تفريغ الشرح
وفقهم الله وزادهم من فضله.


مركز الخليجمركز الخليج


آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 19:39
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 14:40.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي