Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 22-05-2017, 17:42   #11
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي




الدرس الحادي عشر




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فاليوم معنا القاعدة السادسة من قواعد الصفات، وهي قاعدة مهمة جداً فيجب التنبه لما سيُقال فيها.
قال المؤلف رحمه الله: "القاعدة السادسة: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين".
يعني: عندما تثبت الصفة لا بدّ أن تحذر من الوقوع في أمرين، فالوقوع فيهما محرم، ما هما؟ قال المؤلف: "أحدهما: التمثيل، والثاني: التكييف" إذاً عندنا التمثيل مُحرّم والتكييف مُحرّم، ما معنى التمثيل والتكييف؟ تمثيل صفات الله سبحانه وتعالى بصفات المخلوقين، أو تكييف صفة الله سبحانه وتعالى بأن تقول بأنّ صفة الله لها كيفية كذا وكذا كما سيأتي إن شاء الله، التمثيل والتكييف مُحرّمان، عند إثباتك للصفة يجب عليك أن تحذر من التمثيل والتكييف، فأنت مع إثبات الصفة تنفي التمثيل وتنفي التكييف، لماذا؟ لأنّ بعض أهل البدع وقع في هذا المحذور، لذلك أنت تنفيه فتقول: نثبت لله سبحانه وتعالى اليد من غير تكييف ولا تمثيل، لأنّ التكييف والتمثيل مُحرّمان، فما هما التمثيل والتكييف؟ قال المؤلف رحمه الله: "فأمّا التمثيل: فهو اعتقاد المثبت أنّ ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل" إذاً عرّف المؤلف التمثيل ثم سيأتي بالأدلة التي تدلّ على تحريمه، فما هو التمثيل؟ التمثيل: أن يعتقد المثبت للصفات، أنت تثبت صفة اليد لله سبحانه وتعالى، تمام، إذا اعتقدت أنّ يد الله سبحانه وتعالى مثل أيدينا أو كأيدينا، هذا معنى التمثيل، عندئذٍ تكون وقعت في المحذور، وقعت في المحرّم، وهو أنّك شبّهت صفات الله بصفات المخلوقين الناقصة، شبّهت صفات الله الكاملة بصفات المخلوقين الناقصة وهذا مشكل، وهذا محذور، مُحرّم، وإن كان هناك اشتراك في الاسم واشتراك في أصل المعنى لكن عند الإضافة، عندما تقول: يد الله وتقول: يد المخلوق يحصل انفصال كبير وعظيم بين الصفتين، فلا يصحّ أن تقول: يد الله كأيدينا، هذا هو الذي ينبغي أن تحذر منه بارك الله فيكم، قال: "فهو اعتقاد المثبت أنّ ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين" فيقول: يد الله مثل أيدينا، سمع الله كسمعنا، بصر الله كبصرنا، عين الله كأعيننا وهكذا، هذا معنى التمثيل، يشرحه لنا أئمة السلف رضي الله عنهم، نحن عقيدتنا عقيدة من؟ عقيدة السلف رضي الله عنهم، فهذا الكلام لا نأتي به من عندنا، نأتي به من كلام سلفنا رضي الله عنهم وأرضاهم الذين أثنى عليهم ربّنا تبارك وتعالى وأثنى عليهم نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ماذا قال إسحاق بن راهويه رحمه الله؟ طبعاً كلام مثله موجود في كلام الإمام أحمد وكلام أبي زرعة الرازي وكذلك موجود أيضاً في كلام نعيم بن حماد الرازي وغيرهم، قال إسحاق بن راهويه: إنّما التشبيه (ويعنون بالتشبيه التمثيل) قال: "إنّما التشبيه إذا قال يد كيد"، لاحظ هنا يد كيد أو مثل يد، هكذا يكون التشبيه لا كما يقول أهل البدع، أهل البدع من المتكلمين يقولون: إذا أثبتّ أصل اليد لله سبحانه وتعالى وأثبتّ اليد للمخلوق فقد شبهت الله بخلقه، نقول: باطل، لا يلزم هذا تشبيهاً، الآن أنت إذا قلت: للنملة يد وللفيل يد، هل يلزم من ذلك تشبيه بين اليد واليد؟ ما يلزم، إذاً مجرد الإثبات لا يدلّ على التشبيه أو التمثيل، هناك فرق، وإن كان الاشتراك يكون موجوداً في الاسم وفي أصل المعنى؛ لكن لا يلزم من ذلك أن تكون هذه كهذه، هناك اختلاف كبير بين الصفتين، صفة الحياة: الله سبحانه وتعالى موجود، حتى المتكلمين لا يستطيعون أن ينكروا هذا لأنّ من أنكر هذا كفر، وكفره واضح جلي، لأنّه يصبح ملحداً من الملحدين الذين ينكرون وجود الله سبحانه وتعالى، طيب، الله سبحانه وتعالى موجود ونحن موجودون، يستطيع أحد يقول نحن معدومون؟ نحن موجودون، وما عندنا، إمّا وجود وإمّا عدم، طيب نقول الله سبحانه وتعالى موجود ونحن موجودون، الاسم واحد وأصل المعنى واحد، لكن هل وجود الله كوجودنا؟ لا، وجود الله ليس كوجودنا، وجود الله سبحانه وتعالى لم يُسبق بعدم ولا يلحقه فناء، أمّا نحن وجودنا فمسبوق بعدم، نحن ما كنا في فترة من الفترات، حتى أوجدنا الله سبحانه وتعالى، ويمكن أن نفنى، الله سبحانه وتعالى قادرٌ على إفناءنا كما يفني الحيوانات، فيقول لها: كوني تراباً فتكون تراباً فتفنى الحيوانات، كذلك هو قادرٌ على أن يفنينا لو أراد ذلك سبحانه وتعالى، هل وجود كهذا هو وجود كوجود الله سبحانه وتعالى؟ بينهما فرق، كذلك حياة الله سبحانه وتعالى وسمع الله وبصره، كلّه بنفس المعنى، هذا هو، بهذا تتضح لك الأمور، بهذا المثال يتضح لك الأمر، نحن نثبت لله سبحانه وتعالى أنّه موجود، ونثبت أنّ المخلوق أيضاً موجود، لكن مع ذلك وجود الله سبحانه وتعالى ليس كوجودنا، إذاً ما يدّعيه المتكلمون من أنّ إثبات الصفات يلزم منه التشبيه (التمثيل) نقول: باطل، هذا اللازم ليس بلازم، هذا اللازم ليس بلازم، لأنّ معنى التشبيه والتمثيل كما قال السلف رضي الله عنهم، قالوا: أن تقول: يد مثل يد، أو يد كيد، هذا الفارق بين أهل السّنة وأهل البدع، تنبهوا هنا، التمثيل عندنا يختلف عن التمثيل عندهم، نحن متفقون على أنّ التمثيل محرّم، لكن نختلف معهم في معنى التمثيل، هم يقولون: أنّك إذا أثبت صفة لله موجودة عند المخلوق أصلها كصفة اليد والسمع والبصر إذاً فهذا تمثيل، مجرد الإثبات، نقول: هذا باطل، التمثيل: أن تقول: صفة الله مثل صفة المخلوق كما قال ربّنا في كتابه: "ليس كمثله شيء" لذلك جاء التفسير عن السلف أنّهم قالوا: التمثيل (التشبيه) هو أن تقول: يد كيد أو مثل يد، نكمل كلام إسحاق بن راهويه لأنّ كلامه هذا هو ردّ على المتكلمين وبيانٌ لعقيدة أهل السّنة التي كان عليها السلف رضي الله عنهم من الصحابة والتابعين ومن اتبعهم بإحسان، قال: "إنّما التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فهذا التشبيه" الكلام لإسحاق بن راهويه كلّه، قال أيضاً: "وأمّا إذا قال كما قال تعالى يدٌ وسمعٌ وبصرٌ ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهاً"، ردّ على من؟ على المتكلمين، ثم قال:" وهو كما قال الله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"" فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية قد نفى عن نفسه التمثيل وأثبت لنفسه صفة السمع والبصر، أهل البدع المفارقون لأهل السّنة قسمان: قسم ينفي الصفات تماماً ويقول: إذا أثبتناها فقد شبهنا الله سبحانه وتعالى بخلقه وهذا محذور، فهؤلاء يؤمنون بالجزء الأول من الآية: "ليس كمثله شيء" ولكنّهم يكفرون بالجزء الثاني: "وهو السميع البصير"، طائفة ثانية: تثبت لله السمع والبصر وتجعلها مماثلة لسمع وبصر المخلوقين فهؤلاء أهل التمثيل، وهؤلاء يؤمنون بالجزء الثاني من الآية ويكفرون بالجزء الأول، وأسعد الناس بكتاب الله هم أهل السّنة والجماعة الذين لا يتركون شيئاً من كتاب الله إلّا ويؤمنون به "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" فهم يؤمنون أنّ الله سبحانه وتعالى سميع بصير وأنّ سمعه وبصره ليس كسمع المخلوقين وبصرهم، بهذا تجتمع الآيات وعلى هذا كان السلف الصالح رضي الله عنهم، كلام إسحاق بن راهويه ذكره الترمذي رحمه الله في سننه عند الحديث رقم (662)، طبعاً كما ذكرنا لنعيم بن حماد كلام مشابه ولأبي زرعة الرازي كذلك كلام مشابه وللإمام أحمد أيضاً كلام مشابه لما ذكره إسحاق بن راهويه.
طيب المؤلف الآن فسر لنا معنى التمثيل و عرفنا نحن معنى التمثيل و هذا الذي حصل عند أهل البدع من المتكلمين، يعني تفسيرهم للتمثيل بالمعنى الذي ذكرناه هو سبب انحرافهم في نفي صفات الله تبارك و تعالى عنه، فقالوا: إذا أثبتنا الصفات لله سبحانه و تعالى لزم من ذلك التمثيل، و التمثيل مُحرّم، إذاً يجب أن ننفي الصفات عن الله تبارك و تعالى، فعقولهم عند إثبات الصفات لا تدرك إلّا التمثيل بصفات المخلوقين، فلذلك أرادوا أن ينفوا صفات الله سبحانه و تعالى عنه، لكنّ التمثيل حقيقة عند أهل السّنة و الجماعة، و هو الذي أراده الله سبحانه وتعالى في كتابه بدليل تتمة الآية: "ليس كمثله شيءٌ و هو السميع البصير" هو التمثيل أن تقول يدٌ مثل يد أو يد كيد، الآن ما الدليل على تحريم التمثيل؟ قال المؤلف: "و هذا اعتقادُ باطل بدليل السمع و العقل"يعني عنده أدلة سمعية و أدلة عقلية، المقصود بالأدلة العقلية القرآن و السّنة و الدليل العقلي هو الذي يدرك بالعقل.
قال: "أمّا السمع فمنه قوله تعالى: "ليس كمثله شيءٌ"" وهذه الكاف الموجودة في: "كمثله" أشكلت على أهل العلم، و هذا الإشكال أنّك لو قلت الكاف هنا للتشبيه، فيكون تقدير الكلام ليس مثل مثله شيء، فالنفي حقيقةً عائد على مثل المثل، فكأنّك تثبت لله مثل ولكنّك تنفي أن يكون لهذا المثل مثلٌ، هذا معنى الآية إذا كان أثبتت أنّ الكاف للتشبيه، فلذلك اختلفت كلمات أهل العلم في توجيه هذه الآية و أصحّ ما قيل في ذلك أنّها لتأكيد النفي، كأنّ الله سبحانه وتعالى كرّر الآية وقال: ليس كهو شيء و ليس مثله شيء، هذا معنى التوكيد، كأنها جاءت مرتين، ليس كهو شيء و ليس مثله شيء، فتكون تأكيد لنفي المثل عن الله تبارك وتعالى، و هذا هو الحقّ إن شاء الله في معنى هذه الآية، فلا إشكال إذاً عند الجميع، حتى عند المتكلمين، و عند أهل السّنة و كذا، أنّ الآية لا تدلّ على إثبات، لأنّهم متفقون أنّ الآية جاءت لنفي المثل عن الله سبحانه وتعالى، لكن أشكل عليهم حرف الكاف هذا و التوجيه الذي ذكرناه هو الصواب إن شاء الله في ذلك، إذاً الآية دليل على نفي التمثيل و هذا محلّ اتفاق، ما فيه خلاف إن شاء الله بين أهل السّنة و الجماعة حتى عند المتكلمين أيضاً، قال: "وقوله: "أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ"" يعني: لا يمكن أن يكون الخالق مثل المخلوق، لا يمكن ذلك لا في ذاته ولا في صفاته تبارك وتعالى، إذاً المثلية منفية فهي محرّمة، "وقوله: "هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً""يعني: هل تعلم له كفؤاً ومماثلا؟ لا يوجد مماثل لله سبحانه وتعالى، إذاً صفات الله ليست كصفات المخلوقين، "وقوله: "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ"" لم يكن له مكافئ ومماثل ومساوي أحد، لذلك لا يصحّ أن يُمثل الله سبحانه وتعالى بشيء من خلقه، هذه الأدلة السمعية تدلّ على أنّ الله سبحانه وتعالى لا يماثله شيء.
قال المؤلف: "وأمّا العقل فمن وجوه: الأول: أنّه قد علم بالضرورة أنّ بين الخالق والمخلوق تباينا في الذات"يعني: اختلافا في الذات، فذات الله سبحانه وتعالى ليست كذات المخلوقين، قال: "وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات"بما أنّ الذات قد اختلفت إذاً فالصفات كذلك تختلف، "لأنّ صفة كلّ موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات" يعني: كما أننا نرى مثلاً ذات النملة تختلف عن ذات الفيل، فإذا اختلفت ذات النملة عن ذات الفيل اختلفت الصفات كذلك، فصفات النملة تختلف عن صفات الفيل، قال: كما أنّ الذوات بين المخلوقين إذا اختلفت اختلفت صفاتهم، كذلك أيضا ذات الله سبحانه وتعالى إذا اختلفت مع ذوات المخلوقين تختلف صفاته عن صفات المخلوقين، هذه أدلة عقلية كلّها، نحن بحمد الله في إيماننا لا نحتاج كلّ هذا، نحن يكفينا أن يقول الله سبحانه وتعالى لنا: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" ونكتفي بهذا، هذه الأدلة العقلية ربّما يحتاجها بعض أهل الاختصاص من المتمكنين في هذا العلم وواجهه أحد الحائرين الذين يحتاجون أن يعرفوا الحقّ من الباطل فيحتاج أن يناقشه بمثل هذه الطريقة، لكن نحن بحمد الله لسنا بحاجة إليها، نحن يكفينا أن يقول الله سبحانه وتعالى لنا: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"، وهذا المعنى هو الذي كان الصحابة رضي الله عنهم يُعلّمونه، فيوجهون ويبينون لنا أنّه إذا جاءتنا الأدلة من الكتاب والسّنة لسنا بحاجة إلى إعمال العقل ولا إلى البحث في هذا الأمر، خلاص انتهى الأمر جاء قال الله قال رسول الله انتهى الأمر في ذلك، هكذا كان السلف رضي الله عنهم في ذلك؛ لذلك لمّا جاءت إحدى النساء إلى عائشة رضي الله عنها فقالت لها: ما بالنا نقضي الصوم ولا نقضي الصلاة، يعني الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، باشرت عائشة وقالت لها: أحرورية أنتِ؟ أنظر كيف، يعني من الخوارج أنتِ، الخوارج الذين يعتقدون أنّه يجب على الحائض أن تقضي الصوم وتقضي الصلاة، لأنّهم عارضوا ذلك بعقولهم، عارضوا شريعة الله بعقولهم، وهذه مصيبة قديمة ليست باليوم أو بالأمس، فقالت لها: أحرورية أنتِ؟ تعارضين شرع الله سبحانه وتعالى بعقلك كما عارضت الخوارج، قالت: أعوذ بالله، إنّما أسأل، فقالت هكذا أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نقضي الصوم ولا نقضي الصلاة، أنظر كيف ردّتها مع أنّها تعلم ما هو السبب، وكانت قادرة على أن تبين لها، ولكنها ماذا أرادت؟ أرادت أن تبين لها أنّ شريعة الله تبارك وتعالى يجب أن تؤخذ بالتسليم، إذا قال الله كذا قال رسوله كذا انتهى الأمر، لا تعمل عقلك في الأمر، جاءك النص من عند الله انتهت القضية، هكذا ما كان عليه سلفنا الصالح رضي الله عنهم، التسليم لكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبهذا يمتاز أهل الإيمان، يؤمنون بالغيب بمجرد أن جاءهم الخبر بالغيب من عند الله تبارك وتعالى يؤمنون به، "آلم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب" إذاً أهل الإيمان وصفهم الله سبحانه وتعالى بالإيمان بالغيب، هذه صفتهم، فيكفينا أن يأتينا الدليل من كتاب الله أو من سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الأدلة العقلية التي يذكرها المؤلف هنا يذكرها لإقامة الحجّة على بعض الحائرين من الذين نعلم منهم أنّهم يريدون الحقّ لكنّهم تائهون، واحتاجوا أن يفهموا بعض الشبهات التي أدخلها عليهم بعض المتكلمين ممكن أن نستعمل معهم مثل هذه الطريقة، وإلّا الأصل خلاف هذا.
قال المؤلف: "أنّه قد عُلم بالضرورة أنّ بين الخالق والمخلوق تبايناً في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تبايناً في الصفات"يعني: كما أنّ فيه اختلاف بين ذات الخالق وذات المخلوق كذلك يوجد اختلاف في صفات الخالق وصفات المخلوق، " لأنّ صفة كلّ موصوف تليق به كما هو الظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات"المختلفة في الذوات، كذات الفيل وذات النملة مثلاً، هذه الذات مختلفة عن الذات الأخرى، "فقوة البعير مثلاً غير قوة الذّرة" الذّرة التي هي النملة، "فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث" يعني: أنّ المخلوقات كلّها ممكنة الوجود لا واجبة الوجود وقد تطرقنا لذلك في السابق، وهذه من الألفاظ المستعملة عند المتكلمين، ممكن الوجود هي المخلوقات كلّها وواجب الوجود هو الله سبحانه وتعالى، يعني: الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يأتي وقت من الأوقات لا يكون موجوداً، أبداً، لا يمكن هذا، أمّا المخلوق ممكن أن يكون موجوداً وممكن أن يكون مفنياً، والحدوث يعني: حادث، حدث بعد أن لم يكن، هذا بالنسبة للمخلوق، أمّا الله عزّ وجلّ فلايمكن أن يحدث بعد أن لم يكن لأنّه ما جاءت فترة من الفترات ما كان الله سبحانه وتعالى غير موجود فيها، فالمخلوق يُطلق عليه الإمكان والحدوث، قال هنا: "فإذا ظهر التباين" يعني: الاختلاف، "بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث" يعني: كلّها مشتركة في كونها ممكنة وحادثة ومع ذلك بينها اختلاف كبير، قال: "فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى" لأنّها غير مشتركة مع الله سبحانه وتعالى في مسألة الإمكان والحدوث، فالمخلوقات ممكنة وحادثة لكنّ الله سبحانه وتعالى واجب الوجود وليس حادثاً، هذا معنى كلام المصنف، يعني كما أننا نرى التفاوت في الصفات بين المخلوقين وكذلك تفاوت في الذوات فمن باب أولى أن يكون التفاوت بين المخلوقين والخالق في الذات وفي الصفات.
قال: "الثاني: أن يُقال كيف يكون الرّب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهاً في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله، و هل اعتقاد ذلك إلّا تنقص لحقّ الخالق" يعني: لا يمكن أن يماثل الكامل الناقص، و إذا اعتقدت ذلك فقد أدخلت النقص على الكامل، قال: "فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصاً"و هذا واضح، نعم هذا المعنى.
قال المؤلف رحمه الله: "الثالث" من الأدلة العقلية: "أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء و يختلف في الحقيقة و الكيفية" هذا في المخلوقات أنفسها، تجد الاسم متفق لكن في الحقيقة و في الكيفية مختلف تماماً، "فنشاهد أنّ للإنسان يداً ليست كيد الفيل" لاحظ الفرق الآن، هذه تسمى يد و هذه تسمى يد، فمن حيث التسمية واحدة، و أصل المعنى واحد لكن هل يد الإنسان كيد الفيل؟ لا، "و له قوة ليست كقوة الجمل مع الاتفاق في الاسم، فهذه يدٌ و هذه يدٌ، و هذه قوةُ و هذه قوة، و بينهما تباينٌ في الكيفية و الصفات" كيفية اليد تختلف عن كيفية اليد، صفة اليد تختلف عن صفة اليد، "فعُلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة" فكذلك إذاً اتفاق اسم صفة الله سبحانه و تعالى اليد مع اتفاق اسم صفة المخلوق يد، لا يلزم أن تكون هذه اليد مثل هذه اليد كما يقوله المتكلمون، هذا ما يتعلق في مسألة التمثيل، إذاً فالتمثيل محرم و يجب نفيه، فنحن نقول نثبت الصفات لله سبحانه وتعالى من غير تمثيل، ننفي التمثيل عن الله سبحانه و تعالى لقول الله تبارك و تعالى: "ليس كمثله شيء".
قال المؤلف: "وأمّا التكييف" الآن انتقلنا إلى المحذور الثاني وهو التكييف، ما معنى التكييف؟ قال: "فهو أن يعتقد المثبت أنّ كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا، من غير أن يُقيّدها بمماثل، وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل"ما هو التكييف؟ التكييف: حكاية كيفية الصفة، لله يد مثلاً، تتصور في ذهنك أنّ يدّ الله سبحانه وتعالى طولها كذا، عرضها كذا، مربعة، مثلثة، إلى آخره، مدورة، إلى آخر التمثيلات أو التصورات التي تتصورها في ذهنك، هنا تكون قد رسمت لها كيفية معينة في ذهنك، أو نطقت بذلك فقلت هي على صورة كذا وكذا، عندئذ تكون قد وضعت لها كيفية معينة، وهذا كلّه مُحرّم، لماذا؟ لأنّ الله سبحانه وتعالى أخبرنا بأنّ له يد، له هذه الصفة، لكنّه لم يخبرنا بكيفية هذه الصفة، نحن نعتقد بأنّ لها كيفية، لا نقول بأنّ صفات الله لا كيفية لها، لأنّه الشيء الذي لا كيفية له لا وجود له، ليس موجوداً، كلّ شيء موجود له كيفية، فصفات الله لها كيفية نحن نعلم هذا، لكننا نجهلها، لذلك لا يجوز لنا أن نقول والله كيفيتها كذا وكذا، لأنّه إذا قلنا هذا كنا تكلمنا بجهل بغير علم، وأثبتنا لله سبحانه وتعالى شيئا هو لم يخبرنا عنه، فهنا نكون قد وقعنا في المحذور، أخبرنا الله سبحانه وتعالى بيده، أخبرنا بأنّ له عيناً، لكنّه لم يخبرنا بكيفيتها، ونحن لا يمكننا أن ندرك الكيفية من عندنا، يد الله أمر غيبي عنا لم نره، ولا رأينا شيئا يشبهه ويماثله، لأنّه لا مثل له، ولا أخبرنا هو تبارك وتعالى عن كيفيتها، ولا أخبرنا نبيه صلى الله عليه وسلم عن كيفيتها، بهذا تدرك الأشياء، بهذه الأمور: إمّا أن تراها، أو أن ترى مثيلاً لها وتعلم أنّ هذا مثل هذا، أو أن تخبر بها، وهذه الثلاثة منفية عن كيفية صفات الله سبحانه وتعالى، لذلك نحن نثبت الكيفية لله سبحانه وتعالى، فلمّا نقول من غير تمثيل ولا تكييف فليس معنى ذلك أنّ ليس لها كيفية، لا، هي لها كيفية، لكننا نجهلها، لا نعلمها، لذلك نفوّض أمرها إلى الله سبحانه وتعالى، هذا معنى من غير تكييف، فقال: "فهو أن يعتقد المثبت أنّ كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا، من غير أن يقيّدها بمماثل" لأنّه إذا قيدها بمماثل يكون تمثيلاً، وحقيقةً كلّ ممثل فقد كيَّف، كلّ ممثل مُكيِّف؛ لأنّه أنت عندما تقول هذه اليد مثل هذه فقد جعلت كيفيتها كاليد الأخرى، لكنّ المؤلف أراد أن يفرق بينهما الآن، فالتكييف أن تقول كيفيتها كذا وكذا من غير أن تثبت لها مماثل، وهذا اعتقاد باطل محرّم للأسباب التي ذكرناها، "بدليل السمع والعقل".
قال: "أمّا السمع: فمنه قوله تعالى: "وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً"" لا يحيطون به علما، لا يمكنهم أن يعلموا عن الله تبارك وتعالى إلّا ما أعلمهم الله تبارك وتعالى عن نفسه، أمّا يحيطون به علماً كاملاً بكلّ شيء لا يمكن هذا، "وقوله: "وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً""لا تتكلم فيما تجهل، فأنت مسؤول عن كلّ كلمة تخرج من فيك، هذا معنى الآية، ونحن نجهل الكيفية فلا علم لنا بها فالكلام في هذا الأمر محرّم، قال: "ومن المعلوم أنّه لا علم لنا بكيفية صفات ربّنا، لأنّه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولاً بما لا يمكننا الإحاطة به".
قال: "وأمّا العقل: فلأنّ الشيء لا تُعرف كيفية صفاته إلّا بعد العلم بكيفية ذاته" يعني: إمّا أن تعلمه هو نفسه بأن تراه مثلاً ، "أو العلم بنظيره المساوي له" يعني: بمساوٍ ومماثلٍ له، "أو الخبر الصادق عنه"هذه الثلاث لا رابع لها، "وكلّ هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله عزّ وجلّ، فوجب بطلان تكييفها".
يقول المؤلف: "وأيضاً فإننا نقول: أيُّ كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟" يعني: تريد أن تقدر كيفية لصفة الله تعالى، فأي كيفية من الكيفيات تريد أن تقدرها لله سبحانه وتعالى، قال: "إنّ أيَّ كيفية تقدرها في ذهنك فالله أعظم وأجلّ من ذلك" لا تستطيع أن تكيف أصلاً من عندك، لأنّك مهما حاولت تصور هذه الكيفية فلن تصب، لأنّ الله سبحانه وتعالى أعظم وأجلّ من الصورة التي سترسمها في ذهنك، أو ستنطق بها، "وأيَّ كيفية تقدرها لصفات الله تعالى فإنّك ستكون كاذباً فيها، لأنّه لا علم لك بذلك، وحينئذ يجب الكفّ عن التكييف تقديرًا بالجنان، أو تقريرًا باللسان أو تحريرًا بالبنان"يعني: لا يجوز لك أن تقدر كيفية معينة، أو أن تثبت كيفية معينة لصفات الله سبحانه وتعالى، لا بقلبك، بالجنان يعني: بالقلب، لا تتصورها في ذهنك وتعتقد هذا، ولا تقرر ذلك بلسانك، تنطق به، ولا تكتبه ببنانك يعني: بأصابعك، قال: "ولهذا لمّا سئل مالك رحمه الله تعالى"إمام دار الهجرة مالك بن أنس، "عن قوله تعالى: "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى"" انظر الإجابة العظيمة هذه، "كيف استوى؟ أطرق رحمه الله برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق) ثم قال: "الاستواء غير مجهول"" يعني: معلوم كما جاء في رواية ثانية، الاستواء معلوم معناه في اللغة العربية، الاستواء بمعنى: العلوّ والارتفاع كما صحّ عن أبي العالية الرياحي الذي أخذ عن سبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، "والكيف غير معقول" لا نستطيع أن ندرك الكيفية بعقولنا، ولم يخبرنا الله سبحانه وتعالى بها، كما جاء في رواية ثانية: والكيف مجهول، لأنّ الله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بها، "والإيمان به واجب" الإيمان بالاستواء واجب لأنّ الله سبحانه وتعالى قال: "الرحمن على العرش استوى"، "والسؤال عنه بدعة" يعني: السؤال عن الكيفية بدعة، ضلالة، أمر محدث، ما كانوا يسألون عن الكيفية، وكانوا يثبتون لله سبحانه وتعالى الصفات التي هي مثبتة في كتاب الله وفي وسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، كانوا على دلالة اللغة العربية، وما كانوا يتكلفون، قال: "ورُوِيَ عن شيخه ربيعة أيضاً" يعني نفس الكلام، شيخ الإمام مالك: ربيعة بن عبدالرحمن أحد فقهاء المدينة، "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وقد مشى أهل العلم بعدهما على هذا الميزان. وإذا كان الكيف غير معقول ولم يرد به الشرع، فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي، فوجب الكفّ عنه"، قال: "فالحذر الحذر من التكييف أو محاولته، فإنّك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها" المفاوز: الصحارى الواسعة، "وإن ألقاه الشيطان في قلبك فاعلم أنّه من نزغاته" فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وكُفّ عن ذلك، "فالجأ إلى ربّك فإنّه معاذك، وافعل ما أمرك به فإنّه طبيبك، قال الله تعالى: "وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ""نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته، إذاً عند هذا نقول: نثبت الصفات لله سبحانه وتعالى من غير تمثيل ولا تكييف، هذا هو.
والله أعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلّا أنت نستغفرك ونتوب إليك.



آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 00:03
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:46   #12
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي


مركز الخليج



الدرس الثاني عشر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فاليوم معنا القاعدة السابعة من قواعد صفات الله تبارك وتعالى.
قال المؤلف رحمه الله: "القاعدة السابعة: صفات الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها".
وهذا كما تقرَّرَ في الأسماء، فيما تقدّم من دروس كذلك نقرره هنا، لذلك المؤلف رحمه الله قد ردَّنا إلى القاعدة الخامسة في أسماء الله تبارك وتعالى لأنّ القول في الصفات في ذلك كالقول في الأسماء، القاعدة الخامسة التي قال فيها: "أسماء الله تعالى توقيفية لامجال للعقل فيها"، قال: "وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسّنة، فلا يُزاد فيها ولا يُنقص، لأنّ العقل لا يمكنه إدراك ما يستحق الله تعالى من الأسماء" وكذلك نقول في الصفات، "فوجب الوقوف في ذلك على النص لقوله تعالى: "وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً" ..." إلى آخر ما ذكر في هذه القاعدة، قال: "فلا نثبت لله تعالى من الصفات إلّا ما دلّ الكتاب والسّنة على ثبوته، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "لا يوصف الله إلّا بِما وصف به نفسه"" الإمام أحمد أحد أئمة السلف رضي الله عنه وأرضاه، كانت له مواقف عظيمة في الدفاع عن السّنة وحرب البدعة وأهلها، يقول: "لا يوصف الله إلّا بِما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث" هذا هو الحق، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم ما يليق به من الصفات وما لا يليق به، فما أثبته نثبته وما نفاه عن نفسه ننفيه، وكذلك ما جاء في سنّة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك مثبَتاً نثبته وما جاء منفياً ننفيه، ونحن تَبَعٌ لسلفنا الصالح رضي الله عنهم في ذلك، وكتب أهل العلم من السلف طافحة بالكلام عن هذه المسألة وتقرير هذا الأصل وقد توسّع الحافظ أبو بكر ابن خزيمة رحمه الله في كتابه التوحيد في ذكر الصفات التي تليق بالله سبحانه وتعالى، التي ثبتت له في الكتاب وفي السّنة.
قال المؤلف رحمه الله: "ولدلالة الكتاب والسّنة على ثبوت الصفة ثلاث أوجه:" يعني: الكتاب والسّنة تستطيع أن تستفيد منهما الصفة الثابتة لله تبارك وتعالى من أوجه ثلاث، كيف تستخرج الصفة الثابتة لله سبحانه وتعالى من الكتاب والسّنة؟ بأوجه ثلاث:
"الأول: التصريح بالصفة كالعزّة والقوّة والرحمة والبطش والوجه واليدين ونحوها" صرح الله سبحانه وتعالى بهذه الصفات، قال في صفة العزّة: "فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا" فأثبت لنفسه هذه الصفة، وقال في القوّة: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" فأثبت لنفسه القوّة، والرحمة قال فيها: "وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ"، والبطش قال فيه: "إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ"، والوجه قال: "وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ"، واليدان قال تبارك وتعالى: "بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ"، فأثبت لنفسه الوجه وأثبت لنفسه اليدين، وهكذا، إذاً التصريح بالصفة من الطرق التي نثبت بها صفات الله سبحانه وتعالى من الكتاب والسّنة.
قال المؤلف رحمه الله: "الثاني: تضمن الاسم لها" لأننا كما قررنا فيما تقدم أنّ كلّ اسم يتضمن صفة، إذاً نحن بحاجة فقط إلى أن نثبت أنّ الاسم ثابت لله سبحانه وتعالى في الكتاب والسّنة، ثم بعد ذلك نأخذ منه مباشرة الصفة، قال: "مثل: الغفور" ونأخذ منه صفة المغفرة، قال: "متضمن للمغفرة، والسميع: متضمن للسمع" يعني نأخذ منه صفة السمع، فنثبت لله سبحانه وتعالى صفة السمع لأنّه سمى نفسه السميع، وكلّ اسم يتضمن صفة، قال: "ونحو ذلك، انظر القاعدة الثالثة في الأسماء"، قال في القاعدة الثالثة في الأسماء: "إن دلّت على وصف متعدٍ تضمنت ثلاثة أمور:" وقد أحالنا على ذلك لنعرف ماذا يتضمن الاسم من الصفات، وقررنا سابقاً أنّ كلّ اسم يتضمن صفة.
قال المؤلف رحمه الله: "الثالث:" من الطرق التي نأخذ منها الصفة من كتاب الله ومن سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم: "التصريح بفعل أو وصف دالٍ عليها" التصريح بفعل وهذا الفعل يدلّ على الصفة كقول الله تبارك وتعالى: "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى" ففعل الله سبحانه وتعالى هنا الاستواء، هذا يدلّ على ماذا؟ على صفة الاستواء، قال: "أو وصف دالٍّ عليها" وصف يدلّ على الصفة، قال: "كالاستواء على العرش والنُّزول إلى السماء الدنيا والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة والانتقام من المجرمين، الدال عليها على الترتيب قوله تعالى: "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى" [طه:5]، وقول النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "ينْزل ربّنا إلى السماء الدنيا .." الحديث، وقول الله تعالى: "وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا" [الفجر:22]، وقوله: "إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ" [السجدة:22]"، إذاً يدلّ على صفة الاستواء قوله تعالى: "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى"، وكذلك يدلّ على صفة النزول قول النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "ينْزل ربّنا إلى السماء الدنيا .. "، وهذا فعل من الله سبحانه وتعالى، هذا الفعل يدلّنا على صفة، وهي صفة النزول، ينزل الله سبحانه وتعالى نزولاً إلى الدنيا، ينزل الله سبحانه وتعال إلى الدنيا كما ذكر، والمجيء، صفة المجيء يدلّ عليها قوله تعالى: "وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا"، وصفة الانتقام يدلّ عليها قوله تعالى: "إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ"، هذا ما ذكره المؤلف هنا، وهذه فائدة طيبة، كيف تعرف الصفة الثابتة لله سبحانه وتعالى؟ بإحدى هذه الطرق الثلاث التي ذكرها المؤلف رحمه الله.

قال المؤلف رحمه الله بعد ذلك: "الفصل الثالث" بعد أن انتهى الآن من تقرير قواعد الصفات، وبذلك نكون قد انتهينا من قواعد الأسماء وقواعد الصفات، الآن يريد أن يذكر لنا المؤلف من أين تُؤخذ أسماء الله وصفاته، ما هي الأدلة المعتبرة في إثبات الأسماء والصفات، وما هو الدليل الغير معتبر؟ يريد المؤلف من هذه القاعدة التي يذكرها الآن أن يردّ على المتكلمين من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والكلَّابية وغيرهم من الذين يقررون ما يجوز لله من أسماء وصفات وما لا يجوز بالعقل، فيجعلون العقل هو الدليل والمرجع في ذلك، أمّا أهل السّنة والجماعة فيعتقدون أنّ المرجع في ذلك والدليل هو الكتاب والسّنة فقط.
لذلك قال المؤلف هنا:
"الفصل الثالث: قواعد في أدلة الأسماء والصفات"
"القاعدة الأولى: الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته هي كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما".
هذا أصل من أصول أهل السّنة والجماعة، الدليل الذي نثبت به الاسم أو الصفة لله سبحانه وتعالى هو الكتاب والسّنة فقط، لأننا كما ذكرنا سابقاً هذه الأمور غيبية عنا، لا نعلم منها إلّا ما علّمنا الله سبحانه وتعالى، لذلك نحن نرجع فيها إلى الخبر عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، الخبر الصادق، وهذا الخبر الصادق جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريقه عليه الصلاة والسلام، أخذه عن جبريل وجبريل عن ربّ العالمين تبارك وتعالى، ثم رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثقات هذه الأمة وأفاضلها من الذين أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعهم بإحسان، فلذلك نحن نؤمن بما ثبت في كتاب الله وفي سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ولا نُحكِّم عقولنا على الله تبارك وتعالى، لأننا لم نرَّ الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضاً لم نرَّ ما يشبهه ويماثله لأنّه لا مثيل له، فلم يبق عندنا إلّا الخبر فقط، فلذلك نثبت الأسماء والصفات بالأخبار، الطاغوت الأعظم عند المتكلمين: إثبات أسماء الله وصفاته بالعقل، ثم إذا تعارض عندهم العقل مع النقل، مع أدلة الكتاب والسّنة يقدمون العقل، ويقولون: دلالة العقل أقوى من دلالة النقل، ويقولون بأنّ دلالة العقل يقينية ودلالة النقل ظنية، فلذلك إذا تعارض اليقيني مع الظني قُدِّم اليقيني، هذه قاعدتهم وهذا طاغوتهم الأعظم الذي جعلهم يردون أدلة الكتاب والسّنة لأجل عقولهم، أدلة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليهوسلم كلّها ظنية نعوذ بالله من الخذلان، نعوذ بالله من الضلال، وعقولهم الخربة العفنة يقينية، ثم بعد ذلك تجدهم يتحاربون فيما بينهم ويختلفون ويضطربون في إثبات بعض الصفات ونفيها، أين اليقين في هذا؟ أيّ يقين تتحدثون عنه؟ طبعاً عندهم هم شبهات حول هذه القاعدة التي يقررونها، وقد أحسن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ردّها ردوداً علمية قوية قاصمة لظهورهم، وكذلك تلميذه ابن القيم في كتابه النافع الفذ كتاب: "الصواعق المرسلة" فعلاً كانت صواعق مرسلة فحرقت شبهاتهم حرقاً، فرضي الله عنهما وجزاهما الله خيراً، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم لم يأتيا بشيء جديد من عندهما، قررا ما كان عليه السلف رضي الله عنهم، لكنّهم نشروا عقيدة السلف وحثّوا الناس على اتباعها وردوا على أهل الباطل وتصدوا لهذا الأمر، لذلك اشتهروا أكثر بكثير من غيرهم من أهل العلم، هذا الذي فعلوه، فلم يأتوا بشيء جديد ولا دين جديد إنّما هم تبعٌ لمن قبلهم، إنّما كان لهم النشر والدعوة وكان لهم التصدي لأهل البدع والرّد على خرافاتهم وضلالتهم، هذا ما كان لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولتلميذه ابن القيم رحمهم الله وجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، فلا يأتي متفلسف يتفلسف عليكم بأنّ هذا منهج ابن تيمية ودين ابن تيمية، هذا كلام باطل، كما أنّ الرازي من الذين تبنوا منهج أبي الحسن الأشعري القديم ونشره ودعا إليه وناظر عليه وردّ على مخالفيه، كذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لأهل السّنة في زمنه رحمه الله فكما أنّهم يقولون ليس المنهج الأشعري للرازي، كذلك المنهج السلفي ليس لابن تيمية رحمه الله، هذا هو، والله أعلم، المهم هنا الآن، هذه القاعدة التي ذكرها المؤلف المقصود منها هو الرّد على أصل هؤلاء القوم، ثم يأتيك بعض المتفلسفين الفاسدين منهجياً ويقول لك: الأشاعرة من أهل السّنة، أي سنّة هذه؟ أي سنّة؟ أعظم أصل عند أهل السّنة تعظيم كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم وتقديمهما على كلّ دليل آخر، هذا أعظم أصل عند أهل السّنة والجماعة، فهم هدموا أعظم أصل ثم تأتي وتقول لي: هم من أهل السّنة، ماهذه الفلسفة الفارغة؟ ولا يأتيني أحد يقول: والله إذا خالفوا في مسألة أو مسألتين أو ثلاثة، هذه فلسفة فارغة أيضاً أخرى، النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من الخوارج بمسألة واحدة، عبد الله بن عمر رضي الله عنه حذّر من القدرية وتبرَّأ منهم بمسألة واحدة، وهذا ما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم، المسألة ليست عدد، المسألة ليست في العدد، المسألة في صفة المسألة، حقيقة المسألة ما هي؟ المسألة إذا كانت منصوص عليها في أدلة الكتاب والسّنة نصوص واضحة وصريحة، نصوص محكمة، ويأتي شخص ويخالفها هذا يشنّع عليه خاصة إذا كانت مسألة من المسائل العقائدية التي حارب عليها السلف رضي الله عنهم ووالوا وعادوا عليها، مثل هذا لا يُسكت عنه ولا يُقال فيه بأنّه من أهل السّنة والجماعة، بل من دافع عنه وذبَّ عنه وطعن في أهل السّنة لأجل هذا، هذا الذي يحذر منه.
قال المؤلف رحمه الله: "وعلى هذا فما ورد إثباته لله تعالى من ذلك في الكتاب والسّنة وجب إثباته" لا شكّ في ذلك، هذا هو ديننا، "وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه، مع إثبات كمال ضده" كما تقرر في السابق تماماً، ما أثبته الله نثبته من أسماء وصفات، ما نفاه الله عزّ وجل عن نفسه من أسماء أو صفات ننفيها عن الله تبارك وتعالى، مع إثبات الضد، فإذا قلنا بأنّ الله سبحانه وتعالى لا يجهل لكمال علمه، لا يموت لكمال حياته وهكذا.
قال: "وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه، فلا يُثبَت ولا يَنفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه" هذه الصورة الثالثة، الأمر الثالث الذي ذكره المؤلف، قال: "وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه، فلا يُثبت ولا يُنفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه، وأمّا معناه فيُفصل فيه: فإنّ أُريد به حقّ يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أُريد به معنى لا يليق بالله عز وجل وجب ردّه"نوضح الأمر هذا بمثال، نمثِّل لكم بلفظ الجهة ومثله لفظ المكان، الآن المتكلمون ينفون الجهة عن الله سبحانه وتعالى، أنت كسنّي سلفي لا تبادر هنا لا بالنفي ولا بالإثبات، تأتي أول أمر تفعله تبحث في الكتاب والسّنة هل ورد لفظ الجهة مثبتاً أو منفياً عن الله سبحانه وتعالى؟ لن تجد شيئاً من ذلك، تمام، هذه الخطوة الأولى، الخطوة الثانية: نقول لهم: لفظ الجهة في الكتاب والسّنة لم يرد مثبتاً ولا منفياً عن الله فنحن نتوقف فيه، لا ننفيه ولا نثبته، لكن المعنى نقول لكم: ماذا تريدون بلفظ الجهة؟ حتى نوافقكم أو نخالفكم، فماذا تريدون بلفظ الجهة؟ إن قال المتكلم الذي يتكلم معك: أريد بالجهة شيءٌ موجودٌ مخلوق، نقول له: نحن معك، الجهة منفية عن الله سبحانه وتعالى بهذا المعنى، فهذا المعنى منفي عن الله، الله سبحانه وتعالى ليس في شيء من مخلوقاته، ليس داخلاً في المخلوقات، فننفي عن الله الجهة بهذا المعنى، اللفظ كما قلنا نتوقف فيه، لكن نقول له من حيث المعنى الله سبحانه وتعالى ليس في شيء من مخلوقاته، الله سبحانه وتعالى عالٍ على خلقه كلّهم، فليس في شيءٍ منهم، أمّا إن قال: أريد بلفظ الجهة أنّ الله سبحانه وتعالى فوق العالم عالٍ على عرشه فأنا أنفي هذه الجهة، فيقول المتكلم: أنا أنفي الجهة عن الله بهذا المعنى، أي معنى؟ أنّ الله سبحانه وتعالى فوق العالم مستوٍ على عرشه، نقول له: نفيك لهذا المعنى باطل، بل "الرحمن على العرش استوى"، فإذاً قوله هنا الله ليس في جهة باطل بهذا المعنى اللفظ نتوقف فيه كما ذكرنا، لكنّ المعنى هذا نبطله وننفيه عن الله، إذاً يُقال له: إن أردت بالجهة شيء مخلوق فالله ليس في شيء من مخلوقاته، وإن أردت بالجهة أنّ الله فوق العالم، فوق جميع خلقه، فنقول: نعم "الرحمن على العرش استوى"، هذا من خلال ما تعلّمنا من أدلة الكتاب والسّنة؛ لأنّ هذا المعنى علوّ الله على خلقه مثبت بأدلة الكتاب والسّنة فنثبته، هكذا نتعامل مع الألفاظ التي يتكلم بها المتكلمون ولم ترد في الكتاب والسّنة، أيّ صفة تُثبت لله سبحانه وتعالى تُعرض على الكتاب والسّنة فإن أثبتها أثبتناها وإن نفاها نفيناها وإن سكت عنها نتوقف في لفظها ونبحث عن معناها، هل ورد في الكتاب والسّنة ما يثبت المعنى المراد أو ينفيه؟ فإن ورد أثبتنا أو نفينا وإلّا توقفنا، هذا هو ديننا.
قال المؤلف رحمه الله: "فمما ورد إثباته لله تعالى" الآن يريد أن يُمثّل على الأنواع الثلاثة التي ذكرها، ما أثبته الله، ما نفاه الله، ما سكت عنه، "كلّ صفة دلّ عليها اسم من أسماء الله تعالى دلالة مطابقة أو تضمن أو التزام، ومنه كلّ صفة دلّ عليها فعل من أفعاله، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم القيامة، ونحو ذلك من أفعاله التي لا تحصى أنواعها، فضلاً عن أفرادها "وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ"" المقصود بأنواعها وأفرادها: مثلاً: فعل الخلق، يخلق الله سبحانه وتعالى الخلق، هذا نوع الفعل، نوع الفعل الخلق، يخلق الله سبحانه وتعالى، خلق زيد: هذا فرد من أفراد الخلق، خلق عمرو فرد آخر من أفراد الخلق، هذا معنى الأفراد والأنواع، الباقي الذي سبق كلّه قد تقدم: دلالة التضمن والمطابقة والالتزام وأخذ الصفة من الفعل كلّه قد تقدم معنا.
قال: "ومنه الوجه والعينان واليدان ونحوها" هذه كلّها نثبتها لأنّ الله سبحانه وتعالى أثبتها لنفسه، "ومنه: الكلام والمشيئة والإرادة بقسميها الكوني والشرعي" الإرادة إرادتان: إرادة كونية، وإرادة شرعية، الإرادة يعني إرادة الله سبحانه وتعالى، نتحدث عن إرادة الله سبحانه وتعالى، الإرادة الكونية: هذه لا بدّ أن تقع، كلّ ما أراده الله تعالى كوناً فهذا واقع لا بدّ، إيمان المؤمن أراده الله سبحانه وتعالى فوقع، كفر الكافر أراده الله سبحانه وتعالى كوناً فوقع، كلّ ما يقع فهو مراد لله سبحانه وتعالى كوناً لا شرعاً، لأنّه لا يقع شيء في هذا الكون إلّا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، والإرادة الكونية هذه هي معنى مشيئة الله سبحانه وتعالى، هي المشيئة نفسها، "وما تشاؤون إلّا أن يشاء الله ربّ العالمين"، أمّا الإرادة الشرعية: فهذه التي يحبّها الله و يرضاها، يعني الإرادة الكونية كلّ ما يقع فهو مريده الله سبحانه وتعالى، سواء مما يحبّه أو لا يحبّه أو يكرهه، أمّا الإرادة الشرعية: فلا تكون إلّا فيما يحبّه الله سبحانه وتعالى ويرضاه، كإيمان المؤمن، أمر الله سبحانه وتعالى بالإيمان في شرعه فهي إرادة شرعية، كفر الكافر يبغضه الله سبحانه وتعالى شرعاً ولا يريده ولم يأمر به شرعاً لكن كوناً أراده، فالإرادة الكونية والشرعية تجتمعان في المؤمن ولكن تفترقان في الكافر، الكافر كفره أراده الله كوناً لكنّه لم يرده شرعاً، لأنّه نهى عن الكفر في شرعه، في دينه، في كتابه وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، هذا الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية.
قال: "ومنه: الكلام والمشيئة والإرادة بقسميها الكوني والشرعي. فالكونية: بمعنى المشيئة، والشرعية: بمعنى المحبّة"هذا الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، يعني الإرادة الكونية بمعنى المشيئة، يعني كلّ ما شاءه الله سبحانه وتعالى وقع وحصل، وكلّ ما يشاؤه الله سبحانه وتعالى يحصل ولا بدّ، أمّا الإرادة الشرعية بمعنى المحبّة: أي ما يحبّه الله ويرضاه، وهذا الذي وضعه لنا في كتابه وفي سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، الذي أمرنا به كلّه يحبّه ويرضاه، هذا معنى الإرادة الشرعية.
قال: "ومنه: الرضا والمحبّة والغضب والكراهة ونحوها، ومما ورد نفيه عن الله سبحانه لانتفائه وثبوت كمال ضدّه"هذا النوع الثاني، "الموت والنوم والسِّنة"السّنة: مقدمات النوم، "والعجز والإعياء" التعب، "والظلم والغفلة عن أعمال العباد، وأن يكون له مثيل أو كفؤٌ، أو نحو ذلك"، قال: "ومما لم يرد إثباته ولا نفيه لفظ: (الجهة)، فلو سأل سائل: هل نثبت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسّنة إثباتا ولا نفيا، ويُغني عنه ما ثبت فيهما من أنّ الله تعالى في السماء"مامعنى في السماء؟ ليس معناه أنّ السماء تحيط به، لا، معنى في السماء يعني: في العلوّ، أي: أنّ الله سبحانه وتعالى عالٍ على خلقه، "وأمّا معناه فإمّا أن يُراد به جهة سفل أو جهة علو تحيط بالله، أو جهة علو لا تحيط به" الآن المؤلف أتى لنا بثلاثة معاني للجهة، قال: إمّا أن يُراد به جهة سفل، ضدّ العلو، يعني، أو جهة علو تحيط بالله، يعني: مكان مخلوق يحيط بالله، أوجهة علو لا تحيط به.
قال: "فالأول: باطل، لمنافاته لعلوّ الله تعالى الثابت بالكتاب والسّنة والعقل والفطرة والإجماع، والثاني: باطل أيضا، لأنّ الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، والثالث: حقّ، لأنّ الله تعالى العلي فوق خلقه ولا يحيط به شيء من مخلوقاته".
قال المؤلف: "ودليل هذه القاعدة السمع والعقل" دليل أي قاعدة؟ التي افتتح بها الكلام: الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته هي كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما، دليل هذه القاعدة: قال: "السمع والعقل" يعني: أدلة الكتاب والسّنة، والدليل العقلي.
"فأمّا السمع: فمنه قوله تعالى: "وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"" الشاهد قوله: "فاتبعوه"، هذا أمرٌ من الله سبحانه وتعالى باتباع ما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى في كلّ شيء، ومن خصّ شيئاً دون شيء فيلزمه الدليل، وإلّا فهذا عام في كلّ شيء مأمور نحن باتباعه، "وقوله: "فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ""الشاهد قوله: "واتبعوه"، فهذا أمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كلّ ما جاء به صلى الله عليه وسلم، "وقوله: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"" هذا أمرٌ أيضاً بالأخذ بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وبترك ما نهانا عنه، "وقوله: "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً""هذه أدلة عامة كلّها، أدلة عامة تدلّ على وجوب اتباع كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم في كلّ شيء، ومن ادعى أنّها في جانب دون جانب فيلزمه إقامة الدليل على التخصيص، الأصل عندنا العموم، "وقوله: "فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً""فما قال الله سبحانه وتعالى إذا تنازعتم في شيء فردوه إلى العقل، وقال: ولا قال الكتاب والسّنة دلالتها ظنية والعقل دلالته يقينية فردوه إلى العقل، هذا باطل كلّه، "وقوله: "وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ"" قال المؤلف: "إلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسّنة، وكلّ نص يدلّ على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن فهو دال على وجوب الإيمان بما جاء في السّنة، لأنّ مما جاء في القرآن الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والرّد إليه عند التنازع. والرّد إليه يكون إليه نفسه في حياته والى سنته بعد وفاته"وهذا حقّ، كلّ ما جاء في الكتاب والسّنة من الأمر بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وجوب الإيمان بما جاء في القرآن ففيه أمر باتباع سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، كلّ ما جاء فيه وجوب الإيمان بالقرآن ففيه دلالة على وجوب الإيمان بالسّنة أيضاً، السّنة مكملة للقرآن لا ينفك أحدهما عن الآخر أبداً، لأنّ الله سبحانه وتعالى في كتابه أمرٌ بالأخذ بسنّة النبي صلى الله عليه وسلم وبعدم تركها، قال: "فأين الإيمان بالقرآن لمن استكبر عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم المأمور به في القرآن؟" يعني: حقيقةً ما آمنوا بالقرآن هؤلاء المتكلمون الذي حكّموا عقولهم وتركوا كتاب الله وسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعندما تنازعنا معهم في ذلك، ونازعونا فيما كان عليه سلفنا الصالح رضي الله عنهم، ما ردّوا إلى الكتاب والسّنة كما أمرهم الله سبحانه وتعالى، قال: "وأين الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي أمر به القرآن لمن لم يقبل ما جاء في سنته؟ ولقد قال الله تعالى: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شيء""ففيه بيان لكلّ شيء، ومن أعظم الأمور أسماء الله تعالى وصفاته، فكيف لا يبنيها؟ وقد بين ما هو أدقّ من ذلك وأصغر، قال: "ومن المعلوم أنّ كثيرًا من أمور الشريعة العلمية والعملية"العلمية يعني: العقائدية، "جاء بيانها بالسّنة فيكون بيانها بالسّنة من تبيان القرآن".
قال المؤلف: "وأمّا العقل فنقول: إنّ تفصيل القول فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حقّ الله تعالى من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل، فوجب الرجوع فيه إلى ما جاء في الكتاب والسّنة"فالرجوع إلى العقل في أمور كهذه مخالف لما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم ولما كان عليه أصحابه الكرام، ومخالف لهذه الأدلة العامة التي ذكرها المؤلف مما يُثبت عندنا يقينا أنّ القوم ضُلّال قد انحرف بهم الشيطان عن جادة الصواب، فنسأل الله لنا ولكم الثبات على الحقّ، ونحمده تبارك وتعالى أن وفقنا إلى هذا المنهج، ونسأله سبحانه وتعالى أن يثبتنا عليه ويميتنا عليه، وأن يحشرنا مع من اتبعناهم فيه من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلّا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

مركز الخليج

آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 11:20
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:47   #13
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي


مركز الخليج

الدرس الثالث عشر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد: فقال المؤلف رحمه الله:
"القاعدة الثانية: الواجب في نصوص القرآن والسّنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف لاسيّما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها". كلام المؤلف هنا فيه بعض الاصطلاحات كاصطلاح الظاهر واصطلاح التحريف، وكي نفهم هذا المبحث بشكل جيد لا بدّ أن نعرف بعض الاصطلاحات التي هي من اصطلاحات الأصوليين وتُعرف في دروس أصول الفقه، لكن هنا نحن الآن بحاجة إليها، البعض منكم لم يدرس أصول الفقه بعد، فلذلك نذكر بعض الاصطلاحات ونفسّرها كي يتضح كلام المؤلف بشكل جيد، لو مررنا عليها هكذا وشرحنا بشكل سريع سيبقى الأمر فيه شيء من الغموض عند الذين لا يعرفون معاني هذه الاصطلاحات، نحن الآن في الفصل الثالث: "قواعد في أدلة الأسماء والصفات"، القاعدة الأولى ذكرها المؤلف، الآن قاعدة ثانية في أدلة الأسماء والصفات، كيف نتصرف مع الدليل عندما يأتي في مسألة الأسماء والصفات؟ يعني: عندما جاءنا "الرحمن على العرش استوى" هذا دليل شرعي، كيف نتصرف الآن مع هذه الصفة ودلالة هذا الدليل عليها، كما ذكرنا قبل أن نبدأ بذلك الآن نبدأ ببعض الاصطلاحات عند الأصوليين، الاصطلاح الأول الذي نحن بحاجة إلى معرفته هو الظاهر، كما قال المؤلف: "إجراؤها على ظاهرها دون تحريف" فنحن بحاجة إلى معرفة الظاهر ومعرفة معنى التحريف، وإتماماً للفائدة وحتى تتضح الاصطلاحات بشكل كامل نوّضح الاصطلاحات عند الأصوليين المستعملة في مثل ذلك، عندنا: النص، والظاهر، والمؤول، والمحرَّف، هذا ما نحن بحاجة إلى معرفته كي تتم الفائدة وترتسم الصورة في الأذهان بشكل تام ومستقيم.
· النص: فقالوا في تعريفه: ما لا يحتمل إلّا معنى واحداً.
· الظاهر: ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر، يعني: أحد المعنيين أقوى من المعنى الثاني.
· المؤول: فهو المعنى الأضعف إلّا أنّه جُعل أقوى بالدليل، هذا يُسمى مؤولاً.
· المحرّف: فهو حمل المعنى على المعنى الأضعف لغير دليل.
وسيأتي تفصيل ذلك بالأمثلة إن شاء الله، الأمر الأول عندنا: الدليل الشرعي عندما يأتي إمّا أن يدلّ على معنى واحد أو على أكثر من معنى، فإن دلّ على معنى واحد فهو الذي يُسمى عند الأصوليين بالنّص، يقول لك: هذا نص في المسألة، يعني انتهى الأمر، ما تحتاج إلى مجادلة وإلى كلام، لأنّه نص في المسألة، يعني: جاء فيها دليل لا يُفهم منه إلّا معنى واحداً، مثال ذلك: "تلك عشرة كاملة" هل يمكن أن تظنّ أنّ العدد تسعة أو أحد عشر؟ مستحيل، "تلك عشرة كاملة" هذا اللفظ لا يحتمل عندي إلّا معنى واحداً، كقول الله تبارك وتعالى: "إنّني أنا الله لا إله إلّا أنا" هذا النّص يعطي معنى واحد، أنّ الله سبحانه وتعالى هو المعبود بحقّ ولا معبود بحقّ معه أحد، هذا المعنى، فمثل هذا يسمى نصاً، لماذا؟ لأنّ المعنى الذي دلّ عليه واحد لا أكثر، لا يمكن أن تفهم معنى آخر لهذه الجملة، هذا النص، أمّا الظاهر: فيأتيك دليل شرعي يدلّ على معنيين أو أكثر لكنّ أحد المعاني أقوى من المعاني الأخرى، فالمعنى الأقوى يُسمى الظاهر، كقول الله تبارك وتعالى: "أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح"، من الذي بيده عقد النكاح وفكّه؟ الزوج، لكن هذا يحتمل معنى آخر وهو أن يكون الولي أيضاً، لكنّه معنى أضعف، فالسياق يدلّ على أنّه الزوج، وهذا المعنى أقوى، فهذا الآن الدليل "أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح" نقول: الظاهر أنّ المراد منه ماذا؟ الزوج، هذا ما يظهر من الدليل معناه، طيب يحتمل معنى آخر؟ نعم، يحتمل، هل يجوز أن تفهمه على المعنى المرجوح؟ المعنى الأضعف؟ لا يجوز إلّا إذا وُجد دليل يُرجّح المعنى الأضعف ويقويه على المعنى الأقوى ويصير أقوى منه، بماذا؟ بالدليل، فيسمى مؤولاً، وهذا الفعل، تقوية المعنى الأضعف على المعنى الأقوى بالدليل يُسمى تأويلاً عند الأصوليين، يسمى تأويلاً، يُقال: تأول المعنى، تأول الدليل، فالتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يدلّ على ذلك، صرف اللفظ عن ظاهره، يعني: عن المعنى الأقوى، وحمله على المعنى الأضعف، لماذا؟ لوجود دليل قوّى المعنى الأضعف على المعنى الأقوى، ويسمى تأويلاً، هذا في اصطلاح الأصوليين، التأويل له معاني أخرى ليس موضوعنا الآن، نحن موضوعنا هذا الذي نريده الآن، فالتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره لدليل، مثل: قول الله تبارك وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين" ظاهر الآية، انظر ماذا أقول الآن؟ ظاهر الآية وجوب الوضوء عند كلّ صلاة، لماذا؟ لأنّه قال: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا" فأمر بالوضوء عند ماذا؟ القيام إلى الصلاة، هذا ظاهر الآية، وتحتمل أن يكون المراد من ذلك إذا كنتم محدثين خاصة، لأنّ الوضوء مطلوب منك وأنت محدث، هذا احتمال لكنّه احتمال ضعيف، يحتاج إلى دليل لحمل الآية على هذا المعنى الثاني لأنّه ضعيف، لأن الأصل عندنا في الأمر الوجوب، وما في عندنا تفصيل في الآية، أنت فصّلت الآن، قلت الوجوب على المحدث، وعلى غير المحدث ليس بواجب أن يتوضأ، نلزمك بالدليل لأنّه خلاف ظاهر الآية، الآية ما فيها تفصيل، قال: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا": خطاب لجميع المؤمنين المحدثين وغير المحدثين، طيب ماذا نفعل الآن؟ الآن المقرر عندكم في أذهانكم أنّه لا يجب على أحد أن يتوضأ إلّا إذا كان محدثاً، وهو فقه صحيح، لكن يلزمكم الدليل لحمل الآية على هذا المعنى، ما هو الدليل؟ أنّه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه صلّى الصلوات الخمس بوضوء واحد، هذا الدليل جعل المعنى الأضعف وهو الأمر بالوضوء خاص بالمحدثين جعل هذا المعنى أقوى من عموم الوجوب الذي هو ظاهر الآية، واضح؟ هذه المسألة مهمة جداً فهمها، وهي من مباحث أصول الفقه، إذاً صار عندنا، نص: وهذا إذا كان الدليل لا يحتمل إلّا معنى واحد، ظاهر: إذا كان الدليل يحتمل معنيين أو أكثر إلّا أنّ أحد المعاني أقوى من الآخر فيُمسى القوي ظاهراً، والأضعف يسمى: مرجوحاً ويكون ظاهراً بالدليل، يسمى مؤولاً، ونؤوله، لكن لا بد من دليل لحمل المعنى عليه، لحمل اللفظ عليه لا بدّ من وجود دليل، إن حملت المعنى على المعنى الأضعف ولم تُوجد دليلاً على ذلك؛ ماذا يسمى هذا؟ يسمى تحريفاً، أنت ممكن تسميه تأويلاً، أنا لا أسلّم لك بهذا، لأني أنا أُلزمك بالدليل الشرعي الصحيح، فإذا ما أتيت بدليل شرعي صحيح فأنت مُحرّف ولست مؤولاً، وهذا معنى التحريف، إذاً التحريف هو: صرف اللفظ عن ظاهره لغير دليل، الفرق بينه وبين التأويل، التأويل: صرف اللفظ عن ظاهره لدليل، التحريف: صرف اللفظ عن ظاهره لغير دليل شرعي صحيح، هذا الفرق بين هذه الاصطلاحات، نرجع الآن إلى ما قاله المؤلف رحمه الله.
قال المؤلف: "الواجب في نصوص القرآن و السّنة" النص يأتي على معنيين، على المعنى الذي قدمناه سابقاً و هو أنّ الدليل لا يحتمل من المعنى إلا معنىً واحداً، و على المعنى الآخر و هو بمعنى الدليل، و هنا بمعنى أدلة القرآن و السّنة، فالواجب في نصوص القرآن و السّنة، أي: في أدلة القرآن و السّنة، "إجراؤها على ظاهرها"يعني: حملها على ظاهرها في المعنى ، فإذا جاءنا دليل من القرآن و السّنة، فالأصل أن تفهم الدليل بناءً على ظاهر اللفظ دون تحريفٍ، يعني: دون أن تصرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر إلّا إن وجد عندك دليل، إذا لم يوجد عندك دليل فقد حرّفت، و هذا معنى التحريف، قال: "لا سيما نصوص الصفات" يعني لا سيما أدلة الصفات، يعني: أدلة الصفات أولى بذلك و أهمّ في أن تأخذها على ظاهرها، قال: "لاسيّما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها" يعني: لماذا أدلة الصفات بالذات هي أهم من غيرها في تقرير هذه القاعدة؟ قال: "لأنّه لا مجال للعقل فيها" أمر غيبي، نحن نقف فيها مع ما ورد في الدليل، فلا يمكننا أن نُعمل عقولنا في ذلك، لذلك الواجب إجراؤها على ظاهرها و عدم التلاعب بها، هذا معنى هذه القاعدة، وهي مهمة جداً في الرّد على أهل البدع، فعندما نقول إنّ ظاهر قوله تعالى: "بل يداه مبسوطتان" أن تكون له يدان لا تماثلان أيدي المخلوقين، فإن قال لك المبتدع: ظاهر هذه الآية التمثيل، إذا أثبت أنّ لله يدين معنى ذلك أنّك تمثّل يده بيد المخلوق، نقول له: هذا باطل وأنا لا أسلم لك أنّ هذا ظاهر ولا يمكن أن يكون ظاهراً، فنصوص الصفات وأدلة الكتاب و السّنة لا يمكن أن يكون ظاهرها باطلاً، إلّا عند العقول الفاسدة، لأنّ هنا قلنا: "بل يداه مبسوطتان" أضفنا اليدين لمن؟ أضفنا اليدين لله، فإذا أضفنا اليدين لله علمنا الفارق بين اليدين اللتين لله تبارك و تعالى و اليدين اللتين للمخلوقين، كما أنّك تقول: أمسكت يد الكوب بيدي، هل يلزم من ذلك أن تكون يد الكوب مثل يدك؟ لا والفارق بينهما كبير، كيف حصل الفارق؟ بالإضافة، لمّا قلت: يد الكوب، إذاً علمنا مباشرةً الفرق بينها و بين يد الإنسان، فيد الكوب تليق بالكوب، و يد الإنسان تليق بالإنسان، ويد النملة تليق بالنملة، و يد الفيل تليق بالفيل و هكذا، فإذا أضفت اليد إلى شيء صارت مفارقة للشيء الآخر و لا بدّ، إذاً لا يصحّ أن نقول والله ظاهر الدليل التمثيل، أبداً، هذا باطل، لا أسلم معك بأنّ هذا ظاهر، بل ظاهر الدليل إثبات يد لله حقيقة تليق بجلاله و عظمته، هذا هو ظاهر الدليل، لذلك قال الله سبحانه و تعالى في كتابه الكريم: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" تقول لي والله يلزم من ذلك أنّ سمعه و بصره كسمع المخلوقين، مستحيل، الآية أولها يرد عليك في هذا "ليس كمثله شيء" و آخرها يثبت الصفة لله سبحانه و تعالى، إذاً أنت تقول هو سميع و بصير و ليس كمثله شيء في سمعه و بصره، فلمّا أضفت السمع إلى الله سبحانه و تعالى صار مفارق لسمع المخلوقين، مجرد الإضافة تكفي خلاص انتهى الأمر و ثبت الفارق، فلا يصحّ أن تقول ظاهر أدلة الصفات التمثيل، هذا الفهم السقيم كان سبباً من أسباب ظلال المتكلمين، فهذه القاعدة ردٌّ على هؤلاء، فنقول لهم: ظاهر الآية تثبت اليدين لله سبحانه و تعالى، يقول لك: لا، اليدان هنا ليس معناهما المعنى الحقيقي، ولكن المراد منهما القدرة أو النّعمة، معنى مجازي، نقول له: هل هذا المعنى المجازي الذي ادعيته، هل هو الظاهر من الدليل أم هو من تحريفك؟ فيقول هو ليس ظاهر، قل له: ما هو الدليل إذاً على صرفك للمعنى إلى المعنى الذي ذهبت إليه، لا يوجد عنده دليل شرعي، إنّما دليله الأدلة العقلية فقط، يقول لك: العقل لا يفهم يداً إلّا مثل يد المخلوق و هذا يلزم منه التمثيل، إذاً وجب التحريف، يسميه التأويل، وهذا باطل، هذه طريقتهم في الاستدلال، لذلك الآن أنت بكل سهولة عندما يمرّ معك رجل من الأشاعرة يفسر القرآن و يفسر السّنة مباشرة سيحرّف آيات الصفات و أحاديث الصفات إلى معاني هي لوازم للمعنى المراد، هي لوازم و ليست حقائق، يعني عندما تمرّ به بصفة الغضب، يغضب الله سبحانه و تعالى، يقول لك: إرادة الانتقام، معنى الغضب إرادة الانتقام أو الانتقام نفسه، الآن قل له: دعنا من تحريفاتك، هل الغضب هو الانتقام في لغة العرب؟ لا، هو يقرّ بهذا، يقول لك الغضب ليس الانتقام، لكن يلزم من الغضب الانتقام، نحن قلنا لا نتحدث عن اللازم، نتحدث عن الغضب نفسه، معروف هو ماذا في لغة العرب، لأنّه يقول أنا إذا أثبت الغضب الذي هو ظاهر الآية يلزم من ذلك التمثيل، نقول هذا اللازم باطل ليس بلازم، غضب الله سبحانه وتعالى يليق به، وغضب المخلوق يليق به وانتهى الأمر، والواجب حمل الآية على ظاهرها، وهذا أنت تسلم به، هذا الأصل هم أنفسهم يسلمون به فنلزمهم به، يحاول أن يقول لي: أنا حرفته بالدليل، نقول: ما فيه دليل، عقلك هذا ليس بدليل، عقل خربان.
قال المؤلف: "ودليل ذلك" أي دليل هذه القاعدة، "السمع والعقل" أي: أدلة سمعية التي هي أدلة القرآن والسّنة، ودليل العقل، "أمّا السمع: فقوله تعالى: "نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ"" الشاهد قوله: "بلسان عربي مبين" واللسان العربي يقتضي هذا: حمل اللفظ على ظاهره، "وقوله: "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"، وقوله: "إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ""قال: "وهذا يدلّ على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلّا أن يمنع منه دليل شرعي" المعنى واضح، يعني: هذه الأدلة تدلّنا على أنّ الواجب هو فهم النصوص بناءً على ما تدلّ عليه اللغة العربية، ومن طريقة العرب حمل الألفاظ على ظاهرها، قال: "وقد ذمّ الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبيّن أنّهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان، فقال: "أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ""فذمّ الله سبحانه وتعالى اليهود على تحريفهم، فالتحريف مُحرّم، والواجب حمل اللفظ على ظاهره، "وقال تعالى: "مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا"" قال المؤلف: "وأمّا العقل فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره" يعني: الله سبحانه وتعالى الذي تكلم بهذه النصوص أعلم بمراده، يعني: أعلم بالذي أراده منها، "وقد خاطبنا باللسان العربي المبين"يعني: الواضح البين، "فوجب قبوله على ظاهره، وإلّا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمّة" ويأتي محرّف ويدعي أنّ نصوص الصفات ظاهرها كفر، ولا يجوز أخذها على ظاهرها، وهي كثيرة جداً مع ما وصف الله تعالى كتابه بأنّه مبين، وبأنّه واضح وظاهر، وبأنّه حقّ، كلّ هذه الأوصاف تناقض ما يدعونه هم من أنّ ظاهر القرآن كفر، ظاهر أدلة النصوص كفر، نعوذ بالله، يقولون ظاهر أدلة الصفات تمثيل، والتمثيل كفر، فكلّ أدلة الصفات التي وردت معنا في الكتاب والسّنة ظاهرها كفر! أيصح بعد ذلك إن كان ذلك حقّ أيصح بأن يوصف الكتاب بأنّه مبين، بأنّه ظاهر، بأنّه واضح، بأنّه بين، هؤلاء في عقولهم لوثة، والله أعلم.


مركز الخليج

آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 11:44
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:48   #14
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي



مركز الخليج


الدرس الرابع عشر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:

فاليوم معنا القاعدة الثالثة من قواعد أدلة الأسماء والصفات، نحن كنا بدأنا قبل درسين تقريباً بالفصل الثالث وذكرنا أنّ هذا الفصل هو معقود لبيان أدلة الأسماء والصفات، فذكر المؤلف القاعدة الأولى، ثم القاعدة الثانية، واليوم معنا القاعدة الثالثة وهي من القواعد المهمة، فهي قاعدة تبيّن لنا الفرق بين أهل السّنة والجماعة في فهم صفات الله تبارك وتعالى وما الذي يجب أن نفهمه منها، وما الذي يجب أن نتوقف عنه منها، فيبيّن لنا المؤلف ذلك بياناً واضحاً بهذه القاعدة التي معنا اليوم، قال المؤلف رحمه الله:

"القاعدة الثالثة: ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر".

بعد أن قرّر المؤلف أنّ الواجب في نصوص الصفات إمرارها على ظاهرها والإيمان بها بناءاً على ذلك، يذكر الآن لنا ما الذي يجب أن يكون معلوماً لنا ونؤمن به، وما الذي يجب أن يكون مجهولاً لأنّه مجهول، فيجب أن نعتقد أنّه لاعلم لنا به ونَكِلُ علمه إلى الله تبارك وتعالى، هما أمران: قال المؤلف رحمه الله مبيّناً لذلك: "فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة"يعني: عندما تقول مثلاً: "الرحمن على العرش استوى" إثبات صفة الاستواء لله سبحانه وتعالى على العرش، الآن هذه الآية: "الرحمن على العرش استوى" ظاهرها أنّ الله سبحانه وتعالى قد علا وارتفع على عرشه، لماذا قلنا علا وارتفع مع أنّ الله سبحانه وتعالى قال: استوى؟ لأنّ استوى في لغة العرب معناها: علا وارتفع، وبهذا المعنى فسّرها أبو العالية الرّياحي رحمه الله، وهو من أئمة التابعين، أخذ عن سبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وصحّ عنه ذلك أنّه فسّر الاستواء بالعلوّ والارتفاع، من أين أخذنا معنى استوى: علا وارتفع؟ من اللغة العربية، ومن تفسير السلف الصالح رضي الله عنهم، هكذا أهل السّنة يتعاملون مع أدلة الصفات، إذاً المعنى المقصود لله تبارك وتعالى من هذا اللفظ هو ماذا؟ العلوّ والارتفاع، فهذا معلوم لنا ونؤمن به، من أين علمناه؟ علمناه بمقتضى اللغة العربية، اللغة العربية تدلّ على ذلك، اللغة العربية التي نزل بها القرآن تقتضي هذا، والسلف رضي الله عنهم فسّروه بذلك، إذاً نحن نمضي خلفهم في ذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى أمرنا باتباعهم وحذّرنا من مخالفة طريقهم، إذاً عندنا ظاهر اللغة العربية يدلّنا على هذا المعنى، والقرآن نزل باللغة العربية، وعندنا أيضاً السلف رضي الله عنهم قد فسّروه بذلك، إذاً معنى الاستواء معلوم لنا أم مجهول؟ هو معلوم لا شكّ في ذلك، بما ذكرنا من طرق العلم، هذا أمر، أمر آخر: وهو الكيفية، علمنا أنّ الله سبحانه وتعالى استوى على عرشه بمعنى: علا وارتفع، طيب ممكن تقول لي: كيف علا وارتفع؟ كيف استوى؟ نقول لك: هذا الأمر مجهول لنا؛ لأنّنا نحن تبعٌ لكتاب الله ولسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولمنهج السلف الصالح رضي الله عنهم، فبحثنا في الكتاب والسّنة وفي كلام سلفنا الصالح رضي الله عنهم فلم نجد دليلاً يدلّنا على كيفية الصفة، كيف علا وارتفع؟ لا ندري، كيف هي يده؟ لا ندري، الكيفية بالنسبة لنا مجهولة، المعنى معلوم نؤمن به؛ لكنّ الكيفية مجهولة بالنسبة لنا، تقول لي: كيف يده؟ كيف عينه؟ كيف يعلو على عرشه؟ كيف ينزل؟ نقول لك: ما ندري، الله أعلم، جاءنا الخبر عن الله تبارك وتعالى بهذه الصفات وفهمنا معناها فآمنّا بها، أمّا كيفيتها فما جاءنا في كتاب ولا في سنّة ولا وردنا عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك نقول: نحن نجهل هذا الأمر ونَكِلُ علمه إلى الله تبارك وتعالى، وجهلنا هذا وكوننا نكِلُه إلى الله سبحانه وتعالى هذا يسمى تفويضاً، نفوض الكيفية لله تبارك وتعالى، لا نعلمها، نقول: الله أعلم بها، لذلك فوّضنا الكيفية إلى الله سبحانه وتعالى، فهناك فرقٌ بين أهل السّنة وبين نوع من أنواع الأشاعرة، قسم من أقسام الأشاعرة، الأشاعرة قسمان: قسم هم كالمعتزلة في بعض الصفات، إذا جاءتهم الصفة حرّفوها ولم يؤمنوا بها، وقسم آخر: إذا جاءتهم الصفة قالوا: لا نعلم معناها ولا نعلم كيفيتها، إذاً الفرق بينهم وبين أهل السّنة: أنّهم يقولون: نحن نجهل معناها، أهل السّنة يقولون: لا، معناها مفهوم معلوم بمقتضى اللغة العربية، تمام؟ لكنّ الكيفية هي المجهولة، هم يقولون: لا، المعنى أيضاً مجهول، فنحن لا نعلمه ونفوّض علمه إلى الله سبحانه وتعالى، نقول: هذا باطل، هؤلاء الذين يسمّون من الأشاعرة بالمفوّضة، وسيأتي الحديث عنهم إن شاء الله، فالفارق بينهم وبين أهل السّنة: أنّ أهل السّنة يثبتون معنى الصفة لله سبحانه وتعالى بناءً على مقتضى اللغة العربية وعلى ما فهمه سلفنا الصالح رضي الله عنهم، أمّا الأشاعرة المفوّضة هؤلاء فيقولون لك: لا، نكِلُ الصفة إلى الله سبحانه وتعالى ونُمِرّها كما جاءت ولا نتحدث لا عن معناها ولا عن كيفيتها فنحن نجهل هذا كلّه، وهذا مقتضى الجهل، أو هذا تمام الجهل حقيقةً بكتاب الله وبسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الله سبحانه وتعالى ما أنزل إلينا كتاباً وذكر فيه كثير من آيات الصفات حتى نحن نبقى جهالاً فيها ولا نعلم معناها، مع وصفه للكتاب بأنّه مبين، وبأنّه ظاهر، وبأنّه واضح، وبأنّ دلالته حقّ إلى آخره، كلّ هذا يقتضي بأنّ هذه الآيات كلّها مفهومة المعنى، معلوم المراد منها، وسيأتي الكلام إن شاء الله في الرّد على المفوضة، لكنّ المهم عندنا الآن هو أن نفهم القاعدة، القاعدة بأنّ المعنى معنى الصفة، معنى اليد؟ اليد مفهومة معروف ما معناها، العين معروف ما معناها، الاستواء معروف ما معناه، مثل هذا، هذا كلّه نحن نعلم معناه ونؤمن به وهو حقّ، لكن تقول لي: الكيفية؟ أقول لك: الكيفية علمها عند الله سبحانه وتعالى، نحن لا نعلمها لأنّ الله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بها، وهذا معنى كلام السلف عندما يقولون: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة"، السؤال عن ماذا؟ عن الكيفية، بدعة، لأنّ الرجل عندما جاء وسأل مالك بن أنس رضي الله عنه إمام دار الهجرة عن كيفية الصفة، فقال: "الكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلّا مبتدعاً" وأخرجه من مجلسه، هذه قاعدة ذكرها الإمام مالك رحمه الله، وجاء في كلام السلف ما يؤكدها في أكثر من موضع، وعن أكثر من إمام، الاستواء معلوم ماذا يعني؟ يعني: معناه معلوم لنا بمقتضى اللغة العربية، وهو العلوّ والارتفاع، والكيف مجهول: كيفية الاستواء نحن نجهلها ولا نعلمها، لعدم وجود دليل عليها، والسؤال عن الكيفية بدعة: لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم ما تكلم في ذلك، ولا الصحابة سألوا عن ذلك، وأمره محدَث، فنحن نَكِلُ علمه إلى الله تبارك وتعالى ونفّوض الكيفية، ليس معنى ذلك أن ليس للصفات كيفيات، لا، لها كيفيات كما مرّ معنا، لكننا نحن نجهلها، قال المؤلف رحمه الله: "فباعتبار المعنى فهي معلومة" يعني: الصفة، إذا نظرنا إلى مسألة المعنى، معناها معلوم "وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة" هذه القاعدة مأخوذة من كلمة الإمام مالك التي ذكرناها "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" هذه قاعدة، الإمام مالك رحمه الله كانت له كلمات قليلات لكنّها قواعد تأصيلية، رحمه الله وغفر له، كان بحراً في العلم، فلذلك كانت كلماته لها أثرها في نفوس العلماء، قال: "وقد دلّ على ذلك: السمع والعقل" بدأ المؤلف يذكر أدلة هذه القاعدة.

قال المؤلف رحمه الله مبيناً الأدلة التي تدلّ على هذه القاعدة التي قررها: "أمّا السمع" يعني: أدلة الكتاب، القرآن، الأدلة المسموعة، قال: "فمنه قوله تعالى: "كتاب أنزلناه إليك مباركٌ ليدّبروا آياته و ليتذكر أولو الألباب""، "كتاب أنزلناه إليك مباركٌ" يعني: القرآن، كثير البركة، كثير النفع، كثير الخير، "ليدّبروا آياته" ليتأملوا في هذه الآيات، فهل ينزل الله لنا قرآناً نتدبر في آياته و معانيها غير مفهومة، غير معلومة، باطل، لا يمكن، كيف نتدبر شيئاً نجهله، لا يمكن، قال: "وليتذكر أولو الألباب" أصحاب العقول، "و قوله تعالى: "إنّا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون""يعني: أنزل الله سبحانه و تعالى هذا القرآن باللغة العربية، فيُفهم على مقتضى اللغة العربية، و معاني هذه الصفات في اللغة العربية واضحة، معلومة، مثل ما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، قال: "وقوله جلّ ذكره: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم و لعلهم يتفكرون"""لتبين للناس ما نزّل إليهم" يكون في غموض في القرآن و عدم وضوح و عدم معرفة أدلة و يترك النبي صلى لله عليه و سلم هذا البيان، ما يكون قد أدى ما أمره الله تبارك و تعالى به، باطل هذا.

قال المؤلف: "والتدبر لا يكون إلّا فيما يمكن الوصول إلى فهمه ليتذكر الإنسان بما فهمه منه" يعني: هذا الشاهد من الآية التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: "ليدّبروا آياته"، لا يمكن أن نتدبّر في شيء لا نفهم معناه، قال: "وكون القرآن عربياً يعقله من يفهم العربية يدلّ على أنّ معناه معلوم و إلّا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها" كلام واضح، قال: "وبيان النبي صلى الله عليه و سلم القرآن للناس شاملٌ لبيان لفظه و بيان معناه" هذه دلالة الآية الثالثة، قوله: "و التدبر لا يكون إلّا فيما يمكن الوصول إلى فهمه ليتذكر الإنسان بما فهمه منه" هذه دلالة الآية الأولى التي ذكرها، قوله: "وكَونُ القرآن عربياً .... أو غيرها" هذا دلالة الآية الثانية، قوله: "وبيان النبي صلى الله عليه و سلم القرآن للناس شاملٌ لبيان لفظه و بيان معناه" هذه بيان الشاهد من الآية الثالثة، يعني: عندما قال الله سبحانه و تعالى: "و أنزلنا إليك الذّكر لتبين للناس" ما هو البيان المقصود؟ قال: المقصود من البيان: بيان اللفظ و بيان المعنى، فإذاً النبي صلى الله عليه و سلم يبين لنا معاني الآيات التي أنزلت علينا و إذا كان وجد شيء فيه غموض فيجب عليه أن يبينه، و قد فعل صلى الله عليه و سلم، و ما ترك شيئاً فيه غموض، انتقل المؤلف بعد ذلك إلى الدليل العقلي، قال: "و أمّا العقل: فلأن من المحال أن يُنزل الله تعالى كتاباً، أو يتكلم رسوله صلى الله عليه و سلم بكلام، يقصد بهذا الكتاب و هذا الكلام أن يكون هداية للخلق" يعني: أنزل هذا الكتاب وأنزل بيان النبي صلى الله عليه و سلم أن يكون هداية للخلق، لماذا أنزل كتابه؟ و لماذا بيّن النبي صلى الله عليه و سلم ما بينه؟ كي يهتدي الخلق بذلك، قال: "ويبقى في أعظم الأمور و أشدّها ضرورة مجهول المعنى" مستحيل، مستحيل أن يُنزل الله سبحانه و تعالى كتابه و يتكلم الرسول صلى الله عليه و سلم بكلام، والله سبحانه وتعالى أراد من إنزال الكتاب أن يجعله هداية للخلق، ثم بعد ذلك يترك البيان فيما هو من أهم ما أنزل الكتاب لأجله، "ويبقى في أعظم الأمور و أشدّها ضرورة مجهول المعنى" يعني: في أعظم الأمور، أمور العقيدة، الأمور التي تتعلق بأسماء الله و بصفاته تبارك و تعالى، قال: "بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم منها شيء" يعني: ما معنى مجهول: معناها مثل: ألف و باء و تاء، التي لا تَفهم من معانيها شيء، قال: "لأنّ ذلك من السّفه الذي تأباه حكمة الله تعالى" يعني: لا يمكن أن يكون مثل هذا في كلام الله و كلام رسوله صلى الله عليه و سلم، ممكن أن يكون في كلام بشر، سفيه ممكن أن يتكلم بكلام كهذا، لكن أن يُقال في كلام الله سبحانه وتعالى هذا مستحيل، قال: "وقد قال الله تعالى عن كتابه: "كتابٌ أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير"" يعني: كتاب محكم، يعني: متقن ليس فيه خلل و ليس فيه نقص أبداً، يوصف الكتاب بالإحكام و بالبيان و الظهور و الوضوح، ثم بعد ذلك يترك أعظم أمر فيه مجهولاً لا يعرفه الناس! هذا من أحطّ الأقوال و أسقطها، قول المفوّضة، أنّ معاني الصفات مجهولة، و المصيبة أنّهم ينسبونه إلى السلف رضي الله عنهم.

قال المؤلف: وهذه دلالة السمع و العقل على ما علمنا بمعاني نصوص الصفات"، نعم.

قال: "وأمّا دلالتهما على جهلنا لها باعتبار الكيفية"[/color]
الآن فيما تقدم هو أدلة السمع والعقل على أنّ معاني أدلة الصفات معلومة لنا، الآن ينتقل إلى الاستدلال على أنّ كيفية الصفات مجهولة لنا، قال: "وأمّا دلالتهما" يعني: السمع والعقل "على جهلنا لها باعتبار الكيفية فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات، وبهذا عُلم بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويَدَّعون أنّ هذا مذهب السلف، والسلف بريؤون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالاً أحيانا، وتفصيلا أحيانا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله عزّ وجلّ" تقدم معنا في القاعدة السادسة من قواعد الصفات أنّه يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين: التمثيل والتكييف، وذكرنا هناك الأدلة التي تدلّ على وجوب ترك التكييف، وهي نفسها الأدلة التي نستدل بها هنا، لذلك عزا المؤلف الأدلة على ما ذكره هنا إلى القاعدة السادسة من قواعد الصفات، فمن أراد فليراجعها، ثم قال: "وبهذا" بهذا التقرير الذي ذكرناه من وجوب الإيمان بمعاني أدلة الصفات، ووجوب ترك الكلام في الكيفية وأننا نجهلها، قال بهذا الذي قررناه: "عُلم بطلان مذهب المفوّضة" من هم المفوضة؟ القسم الثاني من قسمي الأشاعرة، الأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري، كان بعد الإمام أحمد رحمه الله، وأبو الحسن الأشعري تنقل تنقلات، عاش وتربى عند زوج أمّه وكان معتزلياً، من المعتزلة الذين ينفون الصفات كلّها، ثم لمّا تعلم ودرس انتقل إلى مذهب جديد اخترعه فسُمي باسمه، عقيدة جديدة، عقيدة الأشعرية، الأشاعرة، وهذه القاعدة تنص على الإيمان بأسماء الله تبارك وتعالى والإيمان بسبع صفات من الصفات التي أثبتها الله لنفسه، كالعلم والسمع والبصر وما شابه، وجحدوا بقية الصفات، فالأصل واحد بين الأشاعرة والمعتزلة، لم يترك الأصل الذي تربى عليه وهو: تقديم العقل على النقل، والحكم على أسماء الله وصفاته بالعقل، ثم بعد ذلك بفترة انتقل إلى عقيدة أهل السّنة والجماعة، بعد أن علم بطلان ما كان عليه رحمه الله وغفر له، وقد قرّر عقيدة أهل السّنة والجماعة في أكثر من كتاب من كتبه، منها رسالة إلى أهل الثغر ومنها أيضاً كتاب مقالات الإسلاميين، ويوجد ثالث أيضاً أظن اسمه الإبانة، فتراجع عن العقيدة التي كان فيها، لكن بقي أصحابه على العقيدة القديمة، العقيدة الأشعرية، العقيدة الثانية التي سلكها، وانتشرت بعد ذلك وكانت هناك أسباب لانتشارها بين الناس منها: الحُكّام، عندما تبناها بعض الحُكّام ودعا إليها، ومنها نشاط بعض أتباعه، كالباقِلّاني، كان سبباً في انتشار الأشعرية في المغرب العربي، ومن الأسباب فساد الناس أيضاً، الكثير منهم، فحصل هذا الأمر وانتشرت هذه العقيدة، وانحرف كثير من الناس عن عقيدة أهل السّنة والجماعة، عن العقيدة السلفية التي كان عليها الأئمة كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فإذا جاءتهم نصوص عن أئمتهم هؤلاء كما ذكرنا عن مالك وعن الشافعي أيضاً نصوص مثلها حرّفوها، هم حرّفوا القرآن على أن يحرفوا نصوص وكلام أئمتهم لا يصعب عليهم ذلك، خصوصاً مع ضعف التقوى في النفوس واتباع الهوى، المفوّضة هؤلاء هم القسم الثاني من قسم الأشاعرة، الأشاعرة هؤلاء انقسموا إلى قسمين: قسم على العقيدة التي ذكرناها: الإيمان بأسماء الله وسبع صفات وجحد البقية، البقية هذه الصفات الأخرى إذا جاءت ماذا يفعلون بأدلتها؟ يحرّفونها ويسمونها تأويلا، قد تقدم شرح هذه الاصطلاحات، يسمونه تأويلاً وهو حقيقة تحريف، هذا القسم الثاني لا يُؤَوِّل، لا يُحرِّف، الآن مثل هذه يقول لك: لا، نحن نُمرّ الصفة كما هي ونكلّ علمها إلى الله، لا نعلم معناها ولا كيفيتها، فيقول لك: نجهل كلّ هذا، الآن المُحرّف إذا جاءته آية الاستواء: "الرحمن على العرش استوى" يقول لك: معنى استوى استولى، حرّفها وغيّر معناها فهو يؤمن بمعنى محرّف، أمّا المفوّض فيقول لك: لامعنى لها، نحن لانعلم معناها، معناها يعلمه الله أمّا نحن لا نعلمه فنكلّ علمها إلى الله سبحانه وتعالى، هذا الفرق بين المؤَوِّل وبين المفوّض، والصواب أن يُسمى محرّفا، ما بين المحرّف وما بين المفوّض، هذا هو الفرق بينهما، المحرّف يؤمن بمعنى هو يثبته، هو يريده، معنى محرّف، المفوّض لا يؤمن بمعنى أصلاً، يقول لك: نحن نجهله، الله سبحانه وتعالى يعلمه، السنّي السلفي يؤمن بالمعنى الذي أراده الله سبحانه وتعالى، هذا الفرق بين الأقوال الثلاثة، الفرق في معنى اللفظ الذي يدلّ على الصفة، لفظ الاستواء ما معناه؟ الأشعري المحرّف يحرّف المعنى إلى الاستيلاء، المفوّض يقول لك: لا نعلم معناه، السنّي يقول لك معناه: العلوّ والارتفاع، هذا الفرق بينهم، وهذا معنى التفويض، والأشاعرة ينسبون هذا المنهج إلى السلف الصالح رضي الله عنهم، لذلك يقولون في كلامهم: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، هذه قاعدتهم، ما قدّروا السلف حقّ قدرهم في علمهم رضي الله عنهم وفي تقواهم حتى جعلوا أنفسهم أعلم وأحكم من السلف رضي الله عنهم، وخابوا وخسروا ورغمت أنوفهم وكذبوا والله، من تأمل علم السلف وما وفقهم الله تبارك وتعالى إليه يعلم أنّ هؤلاء لا يصلحون حتى أن يكونوا طلبة عندهم، هذا مذهب المفوضة، الأمر الذي يهمني هنا الآن أن تعلموا أنّ هؤلاء يستدلون بدليل على أنّ هذا المذهب هو مذهب السلف، مذهب التفويض وهو قول كثير من السلف في الصفات، أمروها كما جاءت بغير معنى ولا كيف، هذا هو دليلهم الذي يستدلون به على أنّ مذهب السلف هو مذهب المفوضة وكيف الرّد على هذا؟ ليس لمجرد الرّد بل لبيان الحقيقة والواقع.

[COLOR="rgb(255, 140, 0)"]والرّد على هذه الشبهة من وجهين:[/COLOR]

الأول: أنّه قد جاء في كلامهم التقييد بمعنى الجهمية، يعني: بلا كيف ولا معنى يوافق المعنى الذي قالته الجهمية، فلا نثبت المعنى الذي حرّفته الجهمية وإنّما نثبت المعنى الذي أراده الله تبارك وتعالى، هذا ما أرادوه، وقد جاء في كلامهم مقيداً بهذا، منه ما قاله الإمام أحمد رحمه الله، قال: "بلا كيف ولا معنى إلّا على ما وصف به نفسه تبارك وتعالى"، وقال آخر: "ولا معنى كمعنى الجهمية"، وهذه القيود تبين مرادهم، حتى لا يُفهم على ما فهمته عليه المفوضة.

الوجه الثاني: من الرّد عليهم في ذلك أنّه قد ورد عن السلف تفسيراً لمعاني هذه الصفات في آثار كثيرة رضي الله عنهم، منها قول أبي العالية الرياحي: "الاستواء بمعنى: العلوّ و الارتفاع"، ومنها أبضاً ما قاله الإمام مالك: "الاستواء معلوم"، وسنذكر لكم الكثير منها عند شرحنا للعقيدة الواسطية إن شاء الله، قال المؤلف: "وبهذا عُلِمُ بطلان مذهب المفوّضة، الذين يفوّضون علم معاني نصوص الصفات" معنى: "الرحمن على العرش استوى" يقول لك: لا نعلم معناه، و يدّعون أنّ هذا مذهب السلف، و السلف بريئون من هذا المذهب، أي والله كلّ البراءة و قد ذكرنا دليلين على براءتهم، و قد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص، إجمالاً أحياناً و تفصيلاً أحياناً، هذا ردّ على قولهم، إثبات هذه الصفات من قِبل السلف، إثبات معانيها يرد على ما قاله المفوضة، قال: "وتفويضهم الكيفية إلى علم الله عزّ وجلّ" قد ورد عنهم بشكل واضح أنّهم كانوا يثبتون المعاني، ولكنّهم يفوّضون الكيفية، قال المؤلف رحمه الله: "قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بالعقل و النقل المطبوع على هامش منهاج السّنة" و قد طبع في كتاب مستقل، قال: الكلام لشيخ الإسلام "وأمّا التفويض فمن المعلوم أنّ الله أمرنا بتدبر القرآن و حضّنا على عقله و فهمه" يعني: على تعقله و فهم معناه، فكيف يجوز مع ذلك أن يُراد منّا الإعراض عن فهمه و معرفته و عقله على ما تقوله المفوضة، إلى أن قال: "وحينئذٍ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاماً لا يعقلون معناه" هذا لازم قولهم، قال المؤلف: "قال:" شيخ الإسلام رحمه الله "و معلوم أنّ هذا قدح في القرآن و الأنبياء"، طعنٌ فيهم، "إذ كان الله أنزل القرآن و أخبر أنّه جعله هدى، و بياناً للناس، و أمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، و أن يبين للناس ما نُزّل إليهم، و أمر بتدبّر القرآن و عقله و مع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرّب عن صفاته لا يعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بيّن للناس ما نزّل إليهم، ولا بلّغ البلاغ المبين، و على هذا التقدير فيقول كلّ ملحد و مبتدع: الحقّ في نفس الأمر ما علمته برأيي و عقلي"، بما أنّ الأمر كذلك، فكلّ واحد يستطيع أن يدّعي هذه الدعوة، قال: "و ليس في النصوص ما يُناقض ذلك، لأنّ تلك النصوص مشكلة متشابهة" بناءً على قولهم: و لا يعلم أحد معناها، "ومالا يعلم أحدٌ معناه لا يجوز أن يُستدل به، فيبقى هذا الكلام سداً لباب الهدى و البيان من جهة الأنبياء، و فتحاً لباب من يعارضهم و يقول: إنّ الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء لأننا نحن نعلم ما نقول، و نبينه بالأدلة العقلية، و الأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلاً عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أنّ قول أهل التفويض الذين يزعمون أنّهم متبعون للسنّة و السلف من شرّ أقوال أهل البدع و الإلحاد"ا.هـ" وهذا كلام شيخ الإسلام هو الذي لخصّه الشيخ ابن عثيمين سابقاً في الرّد، قال: "إنتهى كلام الشيخ و هو كلام سديد، من ذي رأي رشيد، و ما عليه مزيد، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم" نسأل الله أن يرحم شيخ الإسلام و أن يرحم الشيخ محمد بن صالح العثيمين في ذبّهم عن عقيدة أهل السّنة و الجماعة، و في هذه المؤلفات النافعة التي أنار الله سبحانه وتعالى بصيرة الكثير من العباد بها، فرحمهم الله و غفر لهم، وأسأل الله أن يأجرنا معهم، و أن يأجرهم و أن يغفر لنا و لهم.

و سبحانك اللهم و بحمدك، أشهد أن لا إله إلّا أنت نستغفرك و نتوب إليك

مركز الخليج[/B]
[/B]

آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 12:06
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:48   #15
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي



مركز الخليج


الدرس الخامس عشر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فمعنا اليوم القاعدة الرابعة وهي آخر القواعد في هذا الفصل.
قال المؤلف رحمه الله: "القاعدة الرابعة: ظاهر النصوص ما يُتبادر منها إلى الذهن من المعاني".
ظاهر النصوص: تقدم معنا تعريف ما هو الظاهر، طيب عرفنا الظاهر ما هو، فيجب أن نعلم أنّ ظاهر النصّ هو ما يتبادر إلى الذهن من المعاني، يعني: ما يسبق إلى ذهنك من معنى، أول ما تقرأ النصّ ما الذي تفهمه منه؟ أول فهم يغلب إلى الذهن فهذا هو المعنى الظاهر، وإن احتمل معنى آخر فلا يكون ظاهراً، هذا معنى كلام المؤلف، قال: "وهو يختلف بحسب السياق وما يُضاف إليه الكلام" يختلف بحسب السياق يعني: حسب الجملة التي تذكرها، الكلام تضعه في جملة تامة، من خلال الموضوع ومن خلال الجملة يُفهم الظاهر، كيف سقت الكلام؟ في أي موضوع وضعته؟ في أي جُمَل ركبته؟ هذا كلّه يدلّك على المعنى المراد من الكلام، قال: "فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق ومعنى آخر في سياق" أي: في سياق آخر، هي كلمة واحدة لكن إذا وضعتها في جملة ووضعتها في موضوع معين وسقتها فيه يكون لها معنى، وإذا وضعتها في موضع آخر يكون لها معنى آخر، قال: "وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه ومعنى آخر على وجه" كيفية تركيب الكلام، إذاً هذه قرائن تدلّك على الظاهر من اللفظ، سيمثل معنا المؤلف أمثلة تتضح بها الصورة، قال: "فلفظ (القرية) مثلاً يُراد به القوم تارة، ومساكن القوم تارة أخرى"هي لفظة واحدة، عندما تُذكر لك القرية ما المراد منها؟ هي من الألفاظ المشتركة، تطلق على سكان القرية، وتطلق على الجدران والمباني التي في القرية، طيب عندما تأتي في جملة كيف تفهمها؟ بناءاً على سياق الجملة يتضح لك ظاهر المعنى المراد، قال: "فمن الأول" يعني: معنى القرية المراد القوم، قال: "فمن الأول قوله تعالى: "وإن من قرية إلّا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذّبوها عذاباً شديداً""انظر الآن لفظ القرية هذا، جاء في هذا السياق، الآن هذه الجملة وهذا التركيب يدلّنا على ماذا؟ على معنى القرية، لماذا نحمل القرية هنا على معنى القوم لا على معنى المساكن، الجدران والبنيان؟ قال تعالى: "وإن من قرية إلّا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذّبوها عذاباً شديداً" من الذي يستحق الهلاك والعذاب؟ يستحقه الناس الذين عصوا الله سبحانه وتعالى ولم يطيعوه، فهم الذين يستحقون العذاب، لذلك فسّرنا القرية هنا بمعنى القوم، قال: "ومن الثاني" يعني: بمعنى المساكن، قال: "قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: "إنّا مهلكوا أهل هذه القرية"" ماذا يريد بالقرية هنا؟ يريد المساكن، يريد الجدران والبنيان الموجودة في القرية، يعني: إنّا مهلكوا الناس الذين يسكنون في هذه المساكن، وهذا السياق دلّنا على ذلك، فلمّا قال: "أهل هذه القرية" عرفنا أنّه يريد بالقرية المساكن، لا يمكن لأحدٍ أن يفهم هنا أنّ القرية المقصود بها القوم، ولا أن يفهم في الآية السابقة أنّ القرية المقصود بها المساكن، إذاً المعنى الذي غلب إلى الذهن وسبق في الأول: هو القوم، وفي الثاني: هو المساكن، هذا مراد المؤلف، قال: "وتقول: صنعت هذا بيدَيّ، فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: "لما خلقت بيدَيّ" لأنّ اليد في المثال أُضيفت إلى المخلوق فتكون مناسبة له، وفي الآية أُضيفت إلى الخالق فتكون لائقة به، فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل يعتقد أنّ يد الخالق كيد المخلوق أو بالعكس"ما الذي فرّق الآن بين قوله: صنعت هذا بيديّ، وقول الله تبارك تعالى: "لما خلقت بيديّ"؟ قال هنا في الأول: قال بيدي، وفي الثاني قال: بيدي، لكن الذي جعلنا نفهم المفارقة بين هذه اليد وهذه اليد هي الإضافة، لمّا أضاف اليد في الأول إلى المخلوق علمنا أنّها يد ناقصة تليق بالمخلوق، ولمّا أضاف اليد في الثانية للخالق علمنا أنّها يد كاملة تليق بالخالق تبارك وتعالى، فحصلت المفارقة بماذا؟ بالإضافة، لمّا أضاف اليد إلى المخلوق علمنا أنّها يد تناسبه، ولمّا أضاف اليد إلى الخالق علمنا أنّها يد تناسب الخالق تبارك وتعالى، إذاً لا تُماثل اليد باليد الأخرى، قال: "ونقول: ما عندك إلّا زيدٌ، وما زيدٌ إلّا عندك، فتفيد الجملة الثانية معنى غير ما تفيده الأولى مع اتحاد الكلمات، لكن اختلف التركيب فتغير المعنى به" إذاً التركيب المقصود به: التقديم والتأخير في الكلام، ترتيب الكلمات ووضعها في الجملة على نسق معين يدلّنا على معنى من المعاني المرادة، انظر إلى هذه الكلمات: ما عندك إلّا زيدٌ، وما زيدٌ إلّا عندك، نفس الكلمات، ما عندك إلّا زيد: واحد اثنين ثلاثة أربعة، هي نفسها في الثانية، (ما) و (زيد) و (وإلّا) و (عندك) لكنّ التركيب في التقديم والتأخير تغير فتغير معنى الجملة، في الأولى: ما عندك إلّا زيد: تنفي وجود أيّ أحد عنده إلّا زيد فقط، أمّا الثانية: فهي تثبت وجود زيد عنده ولا تنفي وجود غيره، قال المؤلف: "إذا تقرّر هذا فظاهر نصوص الصفات ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني"هذه خلاصة الموضوع، ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وما الذي يجعل معنى من المعاني يسبق إلى الذهن عن المعنى الآخر؟ هي القرائن التي ذكرها المؤلف: التركيب، والإضافة، والسياق، هذه كلّها قرائن تدلّك على ظاهر المعنى المراد، قال: "وقد انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام:" يعني: المعنى الظاهر، "القسم الأول: من جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقّاً يليق بالله عزّ وجلّ وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والذين لا يصدق لقب أهل السّنة والجماعة إلّا عليهم" هذا كلام جميل، الذين أخذوا بظاهر النصوص وجعلوا الظاهر هو ما يتبادر منها إلى الذهن هم أهل السّنة والجماعة، فأبقوا دلالتها على ما ظهر منها، وآمنوا به وصدّقوا وسلّموا لله تبارك وتعالى، ولم يُقدّموا عقولهم على كتاب الله وعلى سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاحظ آخر جملة من كلام المؤلف جميلة جداً، ركّزوا عليها واحفظوها، قال: "والذين لا يصدق لقب أهل السّنة والجماعة إلّا عليهم" هذا ردٌ على المميعة الذين يحاولون إدخال الأشاعرة في أهل السّنة والجماعة، هذا باطل، الأشاعرة ليسوا من أهل السّنة والجماعة، المؤلف هنا ماذا يقول لك؟ يقول لك: لا يصدق لقب أهل السّنة والجماعة إلّا على من؟ على الذين اتبعوا السلف الصالح رضي الله عنهم، قال: "وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والذين لا يصدق لقب أهل السّنة والجماعة إلّا عليهم" هؤلاء الذين يُسمون بأهل السّنة والجماعة، أمّا من قدّم العقل وجعله هو المعنى الصحيح وأبطل معنى نصوص الأدلة وحرّف ظواهرها وادّعى أنّ ظواهرها باطلة فأراد أن يحرّفها، هذا ليس من أهل السّنة والجماعة، أيُّ أهل سنّة؟! هو ما يعظّم السّنة، ما يعترف بالسّنة أصلاً في هذه الأمور، فإمّا أن يقول لك ضعيفة، أو أن يقول لك أخبار آحاد لا يُؤخذ بها في الاعتقاد، أو إذا كانت متواترة تُحرّف، أيُّ أهل سنّة هذا؟!
قال المؤلف: "وقد أجمعوا على ذلك، كما نقله ابن عبد البّر" أجمعوا على ماذا؟ على الإقرار بظواهر النصوص، والإيمان بالصفات التي دلّت عليها، الذين هم السلف، قال: "و قد أجمعوا على ذلك كما نقله ابن عبد البّر فقال: أهل السّنة مُجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلّها في القرآن الكريم و السّنة، و الإيمان بها، و حملها على الحقيقة، لا على المجاز"كما يقوله أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والكلابية، كلّهم يقولون أنّ أدلة الصفات هذه مجازية، يعني أنّ ظاهرها و معناها الحقيقي غير مراد و إنّما المراد منها معنىً آخر، فيُحرّفونه، قال: "إلّا أنّهم لا يُكيّفون شيئاً من ذلك" يعني: الكيفية يكلونها إلى الله سبحانه وتعالى، "ولا يحدُّون فيه صفة محصورة" أهـ" قال: "وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل: لا يجوز ردّ هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها" يعني: تحريفها، "والواجب حملها على ظاهرها و أنّها صفات الله لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها لكن على ما رُويَ عن الإمام أحمد و سائر الأئمة" أهـ، نقل ذلك عن ابن عبد البر والقاضي شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية من مجموع الفتاوى لابن قاسم".
قال: "وهذا هو المذهب الصحيح و الطريق القويم الحكيم و ذلك لوجهين:
الأول: أنّه تطبيق تام لما دلّ عليه الكتاب والسنة من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من أسماء الله وصفاته كما يَعلَمُ ذلك من تتبعه بعلمٍ و إنصاف.
الثاني: أن يُقال إنّ الحقّ إمّا أن يكون فيما قاله السلف، أو فيما قاله غيرهم" يعني: الحقّ لا يخلو إمّا أن يكون هذا أو هذا، قال: "والثاني باطل في قول غير السلف لأنّه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان تكلموا بالباطل تصريحاً أو ظاهراً، ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحاً ولا ظاهراً بالحقّ الذي يجب اعتقاده"أي: يلزم هذا القول وهو لازم باطل، قال: "وهذا يستلزم أن يكونوا إمّا جاهلين بالحقّ وإمّا عالمين به لكن كتموه، و كلاهما باطل، و بطلان اللازم يدلّ على بطلان الملزوم" يعني: بما أنّ هذا القول لازم لتغليط الصحابة، أو القول بأنّ الصحابة تكلموا بالباطل، إذا كان يلزم عليه لازم باطل، إذاً فالقول باطل، قال: "فتعين أن يكون الحقّ فيما قاله السلف دون غيرهم" و هذا هو الحقّ، هذا دليل عقلي.
قال المؤلف: "القسم الثاني: من جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنىً باطلاً لا يليق بالله، وهو التشبيه و أبقوا دلالتها على ذلك و هؤلاء هم المشبهة، و مذهبهم باطل محرّم من عدّة أوجه" الآن ذكر القسم الأول وهم أهل السّنة والجماعة الذين فهموا ظواهر النصوص كما أرادها الله تبارك وتعالى وعلى مقتضى اللغة العربية بالقرائن المذكورة معها من السياق والإضافة والتركيب وفهموها فهماً صحيحاً واتبعوا فيها سلفهم الصالح رضي الله عنهم، وهؤلاء هم أهل الحقّ وذكر الأدلة على ذلك، ثم يذكر القسم الثاني من الناس وهم: المشبهة، ثم القسم الثالث وهم المعطلة، هؤلاء المشبهة ماذا فعلوا؟ قالوا: ظواهر نصوص الصفات تدلّ على أنّ صفات الله مشابهة لصفات المخلوقين، فجعلوا ظواهر نصوص القرآن والسّنة كفر، لأنّ التشبيه كفر، فهم يجعلون الآن ظواهر النصوص كفر، فيقولون ظواهر النصوص تدلّ على ماذا؟ على تشبيه صفات الله بصفات خلقه، وهذا الأصل قد توافق فيه المشبهة والمعطلة، إلّا أنّ المشبهة التزموا بهذا الظاهر وقالوا بالتشبيه، والمعطلة قالوا: هذا الظاهر باطل، إذاً يجب تأويله، يعني يجب تحريفه، أصلهم واحد، أمّا أهل السّنة فلم يوافقوا على هذا، قالوا: هذا باطل، الظاهر لا يمكن أن يكون كفراً، لا يمكن أن يكون باطلاً، أنتم فهمتم فهماً سقيماً، ظواهر النصوص لا تدلّ على ذلك، لو فهمتم قول الله تبارك وتعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" فهماً صحيحاً مستقيماً لما أدى بكم ذلك لا إلى التشبيه ولا إلى التعطيل، قال المؤلف: "الأول:" يعني كلامهم هذا باطل من وجوه، الآن ما هو الباطل؟ باطل أن يكون ظاهر النصوص يدلّ على التشبيه.
قال: "الأول: أنّه جناية على النصوص وتعطيل لها عن المراد بها، فكيف يكون المراد بها التشبيه وقد قال الله تعالى: "ليس كمثله شيء"" مستحيل، لا يمكن، لكن الخلل في عقولهم.
"الثاني: أنّ العقل دلّ على مباينة الخالق للمخلوق في الذات والصفات" المباينة يعني: المفارقة تماماً، المخلوق له ذات وصفات تليق بنقصه، والله سبحانه وتعالى له ذات وصفات تليق بكماله، قال: "فكيف يُحكم بدلالة النصوص على التشابه بينهما؟" لا يمكن هذا، لا عقلاً ولا شرعاً.
قال: "الثالث: أنّ هذا المفهوم الذي فهمه المشبّه من النصوص مُخالف لما فهمه السلف منها فيكون باطلاً" إذاً لماذا؟ لأنّ السلف أعمق علماً وأغزر وأفهم لخطاب الله سبحانه وتعالى ولمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبما أنّهم لم يفهموا منها هذا الذي فهمته أنت أيها المشبه، إذاً ففهمك باطل يجب عليك أن ترجع فهمك إلى فهمهم، قال: "فإن قال المشبّه: أنا لا أعقل من نزول الله ويده إلّا مثلما للمخلوق من ذلك، والله تعالى لم يخاطبنا إلّا بما نعرفه ونعقله، فجوابه من ثلاثة أوجه"يعني: الرّد عليه من ثلاث وجوه، ويبدأ المؤلف بذكرها:
قال المؤلف: "أحدها: أنّ الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ"" الذي خاطبنا بأدلة الصفات كنزول الله سبحانه وتعالى، ينزل الله سبحانه وتعالى في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، والذي خاطبنا بصفة اليدين أيضاً "بل يداه مبسوطتان"، "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي"، من الذي خاطبنا بهذه الأدلة التي تدلّ على الصفات؟ هو الله سبحانه وتعالى، وهو أيضاً القائل: "ليس كمثله شيء" وعندما تريد أن تفهم كلام المخاطِب، يجب عليك أن تأخذ بكلّ كلامه، لا تأخذ بجزئية وتترك جزئية أخرى، كلام الله سبحانه وتعالى كلّه حقّ، ليس فيه شيء من الباطل، ولا يعارض بعضه بعضاً ولا يتناقض مع بعضه، لأنّه كلام من عند العزيز الحكيم العليم، فإذاً عندما تجد آية في أول القرآن وآية في آخر القرآن يجب عليك أن تفهمهما بناءً على أنّ قائلهما ربّ العالمين تبارك وتعالى، فلا يمكن أن يكون بينهما تناقض واختلاف أبداً إلّا في عقلك، فبما أنّ الله سبحانه وتعالى قال ينزل الله إلى السماء الدنيا وأخبر بأنّ له يدين، وأخبر بأنّ له عينين، وأخبر بأنّه سميع عليم حكيم متكلم إلى آخره، بما أنّه أخبرنا بهذا وقال لنا: "ليس كمثله شيء" علمنا من ذلك أنّ هذه الصفات ثابتة له وأنّها لا تماثل صفات المخلوقين، انتهى الأمر، الأمر واضح، قال: "ونهى عباده أن يضربوا له الأمثال""فلا تضربوا لله الأمثال"، "أو يجعلوا له أنداداً" يعني: أمثال أيضاً، "فقال: "فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ"، وقال: "فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"، وكلامه تعالى كلّه حقّ، يُصدّقُ بعضه بعضاً ولا يتناقض" هذا هو، الدليل الثاني، قال: "ثانيها: أن يُقال له: ألست تعقل لله ذاتاً لا تشبه الذوات؟"هذا الدليل عقلي من أجل أن نقنع هذا الإنسان، نقول له الآن أنت تقول بأنّ لله سبحانه وتعالى ذاتاً لا تشبه ذوات المخلوقين؟ "فسيقول: بلى" هذه بلى تُقال جواب لسؤال منفي، أمّا جواب السؤال المثبت تقول: نعم، لأنّك إذا قلت في السؤال المنفي: نعم، معنى ذلك أنّك تثبت نفيه، لا تثبت إثباته، قال: "ألست تعقل لله ذاتا لا تشبه الذوات؟" إن كان يعقل ذلك فيقول: بلى، وإن كان لا يعقل ذلك فيقول: نعم، قال: "فسيقول: بلى. فيُقال له: فلتعقل له صفات لا تشبه الصفات" يعني: كما أنّك تقول بأنّ له ذاتاً ونحن لنا ذوات، وذواتنا تخالف ذات الله سبحانه وتعالى وليست مثلها، كذلك قل في الصفات وينتهي الأمر، "فإنّ القول في الصفات كالقول في الذات، ومن فرّق بينهما فقد تناقض".
"ثالثها: أن يُقال: ألست تشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؟" من حيث الواقع هذا موجود، انظر إلى النّملة والفيل، من حيث الصفات: النملة لها يد والفيل له يد، فهل هما متشابهان، قال: "فسيقول: بلى. فيُقال له: إذا عقلت التباين بين المخلوقات في هذا، فلماذا لا تعقله بين الخالق والمخلوق"يعني: إذا فهمت وأدركت بأنّ هناك اختلافاً بين المخلوقات عندما تُسمى بنفس الاسم أو توصف بنفس الصفة وبينهما اختلاف كبير، فلماذا لا تفهم أيضاً أن هناك اختلافاً كبيراً بين صفة الخالق وصفة المخلوق حتى وإن اتحدت التسمية بالاسم أو بالصفة، قال: "مع أنّ التباين بين الخالق والمخلوق أظهر وأعظم، بل التماثل مستحيل بين الخالق والمخلوق، كما سبق في القاعدة السادسة من قواعد الصفات".
قال المؤلف: "القسم الثالث" الآن وصلنا إلى القسم الذي هو أكثر انتشاراً من القسم السابق، المشبهة قليل، أمّا المعطلة فكثير، هذا القسم شرّه عظيم، وانتبهوا الآن إلى اتفاقهم في الأصل واختلافهم في كيفية التعامل مع هذا الأصل وهو جَعْلُهم ظواهر النصوص تدلّ على التشبيه، هذا متفق بين المشبّه والمعطلة، لكن المشبّهة قبلوا بهذا وسلّموا واعتقدوا، والمعطلة نفروا منه فردّوا أدلة الكتاب والسّنة وحرّفوها لأجلّ ذلك.
قال المؤلف: "القسم الثالث: من جعلوا المعنى المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلاً لا يليق بالله، وهو التشبيه" نفس الذين سبقوا، لكنّهم استنكروا هذا، "ثم إنّهم من أجلّ ذلك أنكروا ما دلّت عليه من المعنى اللائق بالله. وهم أهل التعطيل، سواء كان تعطيلهم عاماً في الأسماء والصفات" كالجهمية: لا يثبتون اسماً ولا يثبتون صفة لله سبحانه وتعالى، "أم خاصاً فيهما" تعطيل خاص في الأسماء وخاص في الصفات كالمعتزلة، "أو في أحدهما" كالأشاعرة وغيرهم، قال: "فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معاني عينوها بعقولهم"يعني: حرّفوا النصوص عن ظواهرها وأتَوا لها بمعانٍ من عندهم، فقالوا: معنى استوى: استولى، معنى اليد قالوا: النعمة أو القدرة وما شابه، فصاروا يتلاعبون بنصوص الكتاب والسّنة، فحرّفوا الكثير والكثير جداً من نصوص الكتاب والسّنة، لا يمكن هذا، لا يمكن أن تكون الكثير من أدلة الكتاب والسّنة ظواهرها غير مرادة لو عقلوا هذا، لأنّ هذا يُنافي وصف القرآن بأنّه محكم وبأنّه ظاهر وبأنّه بيّن، وبأنّه حجّة على الخلق، كيف هذا؟! يعني: لو كانت هذه الظواهر غير مرادة، يعني أقل الأحوال ترد ولو آية واحدة تقول بأنّ هذا الظاهر غير مراد حتى يزول الإشكال، فما ورد شيء، ولا هو من الفصاحة بمكان أن يكون هذا الحال، قال: "فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معاني عينوها بعقولهم، واضطربوا في تعيينها اضطرابا كثيرًا، وسموا ذلك تأويلاً" سموه تأويلاً لأنّه صرف للفظ عن ظاهره لدليلهم العقلي، والدليل الشرعي ما فيه، إنّما أدلتهم العقلية الفاسدة أصلاً حتى عقلاً هم أنفسهم يضطربون ويختلفون، كلّهم يتحاكمون إلى العقل في هذا، لماذا اختلفوا واضطربوا؟ قال: "وسموا ذلك تأويلاً وهو في الحقيقة تحريفٌ" لماذا؟ لعدم وجود الدليل، لأننا قلنا الفرق بين التأويل والتحريف، صرف اللفظ عن ظاهره مع وجود دليل شرعي صحيح يسمى تأويلاً، أمّا صرف اللفظ عن ظاهره لغير وجود دليل يسمى تحريفاً.
نقف هنا لأنّ المؤلف سيطيل الكلام في الرّد على هذه الفرقة، نؤجله للدرس القادم إن شاء الله.

مركز الخليج


آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 16:17
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:49   #16
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي


مركز الخليج


الدرس السادس عشر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فقد وقفنا عند القاعدة الرابعة من قواعد أدلة الأسماء والصفات، وذكر المؤلف في هذه القاعدة معنى الظاهر، قال: "ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني" ثم ذكر أنّ الظاهر يختلف عند أهل السّنة عنه عند المشبهة والمعطلة، فذكر أقساماً ثلاثة للناس في المعنى الظاهر الذي يتبادر إلى الذهن من معنى نصوص الأسماء والصفات، فذكر لنا معنى الظاهر عند أهل السّنة والجماعة وذكر معناه عند المشبهة، ووصلنا عند ذكر معناه عند المعطلة وبدأ بالرّد عليهم، ذكر أنّ معناه عند المعطلة هو بنفس المعنى الذي ذهب إليه المشبهة، والمشبهة قد التزموا بهذا المعنى وشبّهوا صفات الله سبحانه وتعالى بصفات خلقه، وأمّا المعطلة فلمّا رأوا بأنّ هذا هو الظاهر فيما ظهر لهم بسبب ما عندهم من ضلال، أرادوا أن يفروا منه لأنّهم يعلمون أنّه مُحرّم، تشبيه الله سبحانه وتعالى بصفات المخلوقين حرام، فلمّا اعتقدوا أنّ الظاهر من صفات الله كفر، أرادوا أن يفروا منه، تصوروا أنّهم يعتقدون ظواهر أدلة الشرع كفر، أعوذ بالله من هذا الخذلان، على كل حال هذا الذي اعتقدوه، فهنا بعد أن اعتقدوا ذلك أرادوا أن يفرّوا من هذا الأمر فحرّفوا أدلة الأسماء والصفات حتى يتخلصوا من معانيها، كلّ بطريقته، الجهمية والمعتزلة والأشاعرة كلّ واحد منهم قد سلك طريقاً في ذلك، وتخبطوا تخبطاً شديداً جداً حتى فيما بينهم، المعتزلة أنفسهم تجد لهم مذاهب، الجهمية كذلك، الأشاعرة كذلك، تجد من الأشاعرة من يثبت من الصفات أكثر مما يثبته الآخر، وكلٌ يدّعي أنّ ما أثبته العقل يثبته، لأنّ العقل لا زمام له في هذه الأمور، لذلك حصل هذا التخبط الذي هم فيه اليوم، لكن كلّهم أصلهم واحد: تقديم العقل على النقل، نصوص العقل عندهم يقينية، نصوص النقل عندهم ظنّية، واليقيني يُقدّم على الظنّي، هذا هو طاغوتهم الذي حملهم على الكفر بكثير من نصوص الكتاب والسّنة وعدم الإيمان بها، الآن المؤلف يرد على هؤلاء المعطلة، فقال رحمه الله: "ومذهبهم باطل من وجوه: أحدها: أنّه جناية على النصوص، حيث جعلوها دالةً على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له" هذا الأمر الأول جناية على النصوص، يعني: جنوا على نصوص الله سبحانه وتعالى، ارتكبوا في حقّها إثماً عظيماً، لماذا؟ لأنّهم جعلوها دالة على معنى باطل غير اللائق بالله سبحانه وتعالى بل معنى كفري، تشبيه الله سبحانه وتعالى بخلقه كفر، فقالوا بأنّ نصوص الأسماء والصفات ظاهرها كفرٌ غير لائق بالله سبحانه وتعالى، لذلك أرادوا أن يفروا منه، فعطّلوا الأدلة وعطّلوا صفات الله سبحانه وتعالى وأسمائه، قال: "الوجه الثاني: أنّه صرف لكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عن ظاهره" يعني: عندما قالوا مثلاً استواء الله سبحانه وتعالى بمعنى العلوّ والارتفاع، هذه ظاهرها باطل إذاً ظاهرها كفرٌ يجب أن نصرف ظاهرها عن حقيقته إلى معنى الاستيلاء مثلاً، فمثل هؤلاء قد صرفوا ظاهر النص عن حقيقته لغير دليل، قال المؤلف: "والله تعالى خاطب الناس بلسان عربيٍ مبين ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي، والنبي صلى الله عليه وسلم خاطبهم بأفصح لسان البشر، فوجب حمل كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي، غير أنّه يجب أن يُصان عن التكييف والتمثيل في حقّ الله عزّ وجلّ" وهذا قد قدّمنا الكلام عليه، قال المؤلف رحمه الله: "الثالث: أن صرف كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن ظاهره إلى معنى يخالفه قول على الله بلا علم، وهو محرم لقوله تعالى: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ"" إذاً حرم ربّي أن تقولوا على الله ما لا تعلمون، وتحريف هذه النصوص التي وردت في الكتاب والسّنة هو قول على الله بلا علم، لأنّه لا دليل عليه فيكون بلا علم، قال: "ولقوله سبحانه: "وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً""إذاً لا يجوز للإنسان أن يتكلم في أمر لا علم له به، قال رحمه الله: "فالصارف لكلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن ظاهره إلى معنى يخالفه قد قفا ما ليس له به علم، وقال على الله ما لا يعلم من وجهين:
الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كذا، مع أنه ظاهر الكلام"يعني: قال ليس المراد من كلام الله وكلام رسوله الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع، مع أنّ ظاهر الكلام معناه العلوّ والارتفاع، قال: "الثاني: أنّه زعم أنّ المراد به كذا"يعني: معنى الاستواء: الاستيلاء، فصرفه عن معناه الحقيقي إلى معنى آخر، قال: "أنّه زعم أنّ المراد به كذا لمعنى آخر لا يدلّ عليه ظاهر الكلام"ظاهر الكلام لا يدلّ على أنّ معنى الاستواء الاستيلاء ومع ذلك هو صرفه إلى هذا المعنى، قال المؤلف: "وإذا كان من المعلوم أنّ تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قولٌ بلا علم، فما ظنّك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام"ما معنى هذا الكلام؟ يعني: يقول المؤلف عندما نأتي إلى قول الله سبحانه وتعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" يعني: هذا بالنسبة للمطلقات، القرء هو الحيض والطهر في لسان العرب، لمّا رجعنا إلى لسان العرب وجدنا أنّ القرء عندهم معناه: الطهر ومعناه أيضاً الحيض، معنيان متضادان، هل نحمل الآية على الطهر أم على الحيض، لمّا وجدنا في الآية أنّهما متساويان لا يوجد راجح ومرجوح عند العرب، العرب تستعمل القرء بمعنى الحيض وبمعنى الطهر، ليس عندهم معنى أرجح من معنى آخر، هل يجوز لك هنا أن تحمل معنى الآية على الطهر أو على الحيض من غير دليل شرعي، لا يجوز، مع أنّ الآية تحتمل المعنيين فلا يجوز لك أن تُرجح أحدهما على الآخر من غير دليل، فكيف إذا كانت الآية تحتمل معنى أرجح من الآخر، وتأتي أنت وتصرف المعنى من الراجح إلى المرجوح، وتقول المرجوح هو معنى الآية، ومن غير دليل، هذا أمر أعظم من الأول، هذا معنى كلام المؤلف رحمه الله، قال: "مثال ذلك: قوله تعالى لإبليس: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ""الله سبحانه وتعالى كرّم آدم وخلقه بيديه، يعني: لو كان المقصود باليدين هنا القوة أو النعمة لاعترض إبليس وقال أنا أيضاً خلقتني بقوتك، لكن معنى اليدين هنا: اليدان الحقيقيتان، ثم هذه اليد مثناة، وهذه فيها دلالة صريحة على أنّ المعنى: اليدين الحقيقيتين، وهذه الآية أوضح آية في وصف الله سبحانه وتعالى باليدين، قال: "فإذا صرف الكلام عن ظاهره وقال: لم يُرد باليدين اليدين الحقيقيتين، وإنّما أراد كذا وكذا"من القوة أو النعمة أو غير ذلك من الصفات التي تأتي فيها ذكر اليدين "قلنا له: ما دليلك على ما نفيت؟"ما هو دليلك على أنّ المراد هنا ليست اليدين الحقيقيتين؟ قال: "وما دليلك على ما أثبت" ما دليلك على أنّ المعنى القوة مثلاً، "فإن أتى بدليل وأنّى له ذلك"يعني من أين يأتي بدليل، ما عنده دليل، لو عنده دليل لقلنا بقوله، لكن ما عندهم أدلة، وإلّا لكان قائلاً على الله بلا علم في نفيه وإثباته، هذا الوجه الثالث من أوجه الرّد على المعطلة، ثم يبدأ بالوجه الرابع.
قال المؤلف: "الوجه الرابع: في إبطال مذهب أهل التعطيل أنّ صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، فيكون باطلاً" لا شكّ بأنّه باطل، لماذا؟ لأنّ الحقّ لا يمكن أن يخرج عن هؤلاء، النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن اتّبعهم بإحسان، لا يمكن للحقّ أن يخرج عنهم، لأنّ الله سبحانه وتعالى تكفّل بحفظ الحقّ في كلّ زمن من الأزمان تبقى طائفة ترفع راية الحقّ فيه وتبقى أصواتهم عالية، ليقيم الحجّة بهم على خلقه، هذه سُنّة الله في خلقه، وخصوصاً القرون الثلاثة الأولى، قال المؤلف: "لأنّ الحقّ بلا ريب فيما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمّة وأئمتها" هذا أمر واضح.
ثم قال المؤلف: "الوجه الخامس: أن يُقال للمعطل: هل أنت أعلم بالله من نفسه؟ فسيقول: لا، ثم يُقال له: هل ما أخبر الله به عن نفسه صدق وحقّ؟ فسيقول: نعم، ثم يُقال له: هل تعلم كلاماً أفصح وأبين من كلام الله تعالى؟ فسيقول: لا، ثم يُقال له: هل تظن أنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يُعمّي الحقّ على الخلق في هذه النصوص ليستخرجوه بعقولهم؟ فسيقول: لا"لأنّ الله سبحانه وتعالى قد بيّن في كتابه وفي سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم أنّه أراد أن يُظهر الحقّ، ما أراد أن يعمّيه وأن يخفيه عليهم، قال: "هذا ما يُقال له باعتبار ما جاء في القرآن" هذا بناءاً على ما جاء في القرآن، أمّا إذا جاء في السنة، قال: "أمّا باعتبار ما جاء في السّنة فيُقال له: هل أنت أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فسيقول: لا، ثم يُقال له: هل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله صدق وحقّ؟ فسيقول: نعم" أمّا إذا خالف في ذلك كفر، "ثم يُقال له: هل تعلم أنّ أحداً من الناس أفصح كلاماً وأبين من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فسيقول: لا، ثم يُقال له: هل تعلم أنّ أحداً من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله؟ فسيقول: لا، فيُقال له: إذا كنت تقرّ بذلك، فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم على حقيقته وظاهره اللائق بالله؟ وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة في نفي حقيقته تلك وصرفه إلى معنى يُخالف ظاهره بغير علم؟"يعني: يكون عندك الإقدام والشجاعة على صرف حقيقة النصوص عن ظاهرها ولا يكون عندك إقدام وشجاعة على إثبات ما أثبت الله لنفسه وما أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "وماذا يُضيرك إذا أثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه أو سنّة نبيه على الوجه اللائق به، فأخذت بما جاء في الكتاب والسّنة إثباتاً ونفياً؟" ما الذي يضرك في ذلك؟ لن يضرك شيء، بل ستسلم في نفسك في الدنيا وفي الآخرة، قال: "أفليس هذا أسلم لك وأقوم لجوابك إذا سُئلت يوم القيامة: "ماذا أجبتم المرسلين"؟ أوليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها وتعيين معنى آخر مخاطرة منك؟ فلعلّ المراد يكون على تقدير جواز صرفها غير ما صرفتها إليه"يعني: لو سلّمنا لك أنّ الأمر كما تظن بأنّ الظاهر أنّ صرفها هو الصحيح، فما أدراك أن يكون ما ظننته خطأ؟!.
قال: "الوجه السادس: في إبطال مذهب أهل التعطيل أنّه يلزم عليه لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدلّ على بطلان الملزوم"يعني: إذا قلت بقول له لازم وكان هذا اللازم باطلاً يدلّ على أنّ قولك باطل، فتنتبه لهذا، "فمن هذه اللوازم: أولاً: أنّ أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلّا حيث اعتقدوا أنّه مستلزم أو موهم لتشبيه الله تعالى بخلقه، وتشبيه الله تعالى بخلقه كفر لأنّه تكذيب لقوله تعالى: "ليس كمثله شيء"، قال نُعيم بن حمّاد الخُزاعي: أحد مشايخ البخاري رحمهما الله: "من شبّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً" ا.هـ، ومن المعلوم أنّ من أبطل الباطل أن يُجعل ظاهر كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم تشبيهاً أو كفراً أو موهماً لذلك"الكلام واضح، إذا كان هذا هو اللازم فإذاً الملزوم يكون باطلاً، هم بنوا أصلاً كلّ باطلهم على هذا المعنى.
قال: "ثانياً: أنّ كتاب الله تعالى الذي أنزله تبياناً لكلّ شيء، وهدى للناس، وشفاء لما في الصدور، ونوراً مبيناً، وفرقاناً بين الحقّ والباطل لم يبين الله تعالى فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنّما جعل ذلك موكلاً إلى عقولهم، يثبتون لله ما يشاؤون وينكرون ما لا يريدون، وهذا ظاهر البطلان"هذا يلزم من كلامهم ومن تصرفهم، أنّ الله سبحانه وتعالى مع أنّه وصف كتابه بأنّه ظاهر، وبأنّه محكم، وبأنّه نور، وبأنّه شفاء إلى آخره، يلزم من ذلك أنّ هذا كلّه إمّا باطل أنّه ليس هو كما وصفه الله سبحانه وتعالى، أو أنّ هذا الكتاب هو هكذا ولكنّه قد أبطل الله سبحانه وتعالى ما قاله في أدلة الصفات وخالف في ذلك، أعوذ بالله من قولهم هذا، قال: "وإنّما جعل ذلك موكلاً إلى عقولهم" يعني: مستحيل أن يكون هذا، أن يكون الكتاب موصوفاً بما وصفه الله سبحانه وتعالى به ثم يترك البيان في الصفات؟! هذا أمر مستحيل، وهذه من أقوى اللوازم التي نلزمهم بها.
قال: "ثالثاً: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدين وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها كانوا قاصرين أو مقصّرين في معرفة وتبيين ما يجب لله تعالى من الصفات أو يمتنع عليه أو يجوز إذ لم يرد عنهم حرف واحد فيما ذهب إليه أهل التعطيل في صفات الله تعالى وسموه تأويلاً، وحينئذٍ إمّا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمّة وأئمتها قاصرين لجهلهم بذلك وعجزهم عن معرفته، أو مقصّرين لعدم بيانهم للأمة، وكلا الأمرين باطل"وهذا أمر واضح، بما أنّه لم يأتِ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن السلف الصالح رضي الله عنهم ما قالته المعطلة، يدلُّ ذلك على أنّ قولهم باطل، لأنّه يلزم منه أحد أمرين: إمّا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد غشّوا الأمة وخدعوهم بعدم بيان هذا الأمر العظيم، أو أنّهم كانوا يجهلونه، وكلا الأمرين باطل.
قال :"رابعاً: أنّ كلام الله ورسوله ليس مرجعاً للناس لما يعتقدونه في ربّهم وإلهِهِم، الذي معرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع، بل هو زبدة الرسالات، وإنّما المرجع تلك العقول المضطربة المتناقضة وما خالفها، فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، أو التحريف الذي يسمونه تأويلاً إن لم يتمكنوا من تكذيبه"هذا واضح، هم جعلوا الآن أدلة العقل مقدمة على أدلة النقل، وجعلوا كلام الله و كلام رسوله صلى الله عليه وسلم يدلّ على الباطل، فتركوه و رجعوا إلى عقولهم المضطربة، و أي شيء عندهم يخالف هذه العقول، فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، أو التحريف الذي يسمونه تأويلا، يعني: إمّا أن يتمكنوا من تكذيب الدليل، أو تحريفه، يعني ماذا يفعلون هم بأدلة الشرع؟ وضعوا قاعدة خبر الآحاد لا يؤخذ به في العقيدة، وبذلك تخلصوا من الكثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بقيت عندهم بقية، وهي ماذا؟ وهي أخبار الآحاد التي احتفت بالقرائن، هذه تفيد اليقين، قالوا: لا، أخبار الآحاد كلّها تفيد الظّن، وبذلك تخلصوا من جميع أخبار الآحاد، بقي عندهم مشكلة في المتواتر من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أدلة القرآن، هذه أدلة لا يمكنهم تكذيبها لا من قريب ولا من بعيد، فماذا فعلوا معها؟ سلّطوا عليها سيف التحريف، حرّفوها و غيروا معانيها كي يتخلصوا منها، لأنّ عندهم القاعدة و الضابط في الأمر، أنّ هذه الأدلة ظنّية الدلالة، يعني ما تدلّ عليه ليس يقينياً، فيه احتمال أن يكون على غير ذلك، والعقل دليله يقيني فما يستنتجه العقل فهو حقّ قطعاً، وما يُفهَمُ من أدلة القرآن وأدلة الأحاديث المتواترة فهو ظني يتطرَّق إليه احتمال الخطأ ولا بدّ، هكذا عندهم أصولهم، هذه الأصول الطاغوتية، التي ردّوا بها أدلة الكتاب والسّنة في صفات الله سبحانه وتعالى، فافهمها جيداً، هذا هو أصلهم الذي بنوا عليه، ردوا أدلة الكتاب والسّنة، المعطل مقتنع معك أنّ معنى الاستواء ليس هو الاستيلاء وأنّ معنى اليدين ليست القوّة و لا النعمة في كثير من المواطن، وفي كثير من المواطن لا تحتمله أصلاً هذا المعنى، وأنّ معنى العينين كذلك، وهكذا، هو مقتنع تماماً فيما يفعل معك في هذا، لكن الذي يصده على أن يقول بقولك هو هذه القاعدة التي معنا، يقول لك: هذه الأدلة هي ظاهرها هكذا نعم أنا معك، لكن ظاهرها هذا باطل، لأنّ العقل خالفها، والعقول مضطربة، نقول: أي عقل هذا، عقل الجهمي وإلّا عقل المعتزلي وإلّا عقل الأشعري وإلّا عقل الماتريدي وإلّا عقل الكلّابي، عقل أي منكم؟ أنتم عقولكم تضطرب، وتتخبط مع أنّكم جميعاً على قاعدة واحدة، ثم أنتم فيما بينكم أيضاً تتخبطون، المعتزلي يُخالف المعتزلي و الأشعري يُخالف الأشعري و هكذا، كيف نجعل ديننا وشريعتنا وما نعتقده في ربّنا نسلمه لعقولكم الخرّبة المضطربة؟! لايمكن، نسلّم نحن ديننا لكتاب الله و سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، ننجو عند الله، لأنّ الله أمرنا بهذا، يوم أن نقف بين يدي الله سبحانه وتعالى بعقيدتنا هذه نقول لربّنا سبحانه وتعالى: قد استجبنا لأمرك، أمرتنا بالتسليم لكتابك و سنّة نبيك صلى الله عليه وسلم في كلّ شيء، فسلّمنا وآمنا واتبعنا نبيك، واتبعنا أصحابه الكرام رضي الله عنهم، حجتنا قوية والحمد لله، هذا ما نقف به بين يدي الله سبحانه وتعالى، هم بماذا سيقفون بين يدي الله سبحانه وتعالى؟ ماذا سيقولون؟ حكّمنا عقولنا عليك وعلى صفاتك، نعوذ بالله.
قال المؤلف: "خامساً: أنّه يلزم منه جواز نفي ما أثبته الله ورسوله، فيقال في قوله تعالى: "وجاء ربّك" أنّه لا يجيء، و في قوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا"، أنّه لا ينزل"أيّ تكذيب أعظم من هذا ياجماعة؟! أيّ تكذيب أعظم من هذا؟ يلزم من تحريف المعطلة لأدلة الأسماء والصفات هذا اللازم، وهو حقّ، ما قاله الشيخ حقّ، هذا لازم وهم يلتزمون به، "وجاء ربك" يقولون: ما يجيء الله سبحانه وتعالى، ينزل يقولون: الله لا ينزل، استوى، لا، الله لا يستوي، له يدان، لا، ليس له يدان، هكذا تكذيب صريح، ماذا تريد أكثر من هذا؟ نسأل الله العافية والسلامة، قال: "لأنّ اسناد المجيء والنزول إلى الله هذا مجاز عندهم" هذا الذي سمّاه ابن القيم رحمه الله: طاغوتاً، طاغوت ماذا؟ طاغوت المجاز، ما معنى المجاز عندهم؟ استعمال اللفظ في غير ما وضع له، هذا المجاز عندهم، استعمال اللفظ في غير ما وضع له يسمونه مجازاً، تجوّز في الكلام، بمعنى أنت عندما تطلق على الرجل الشجاع أسد، يقولون لك الأسد أصلاً هل وُضع للرجل الشجاع، وُضِعَ ليدل على الحيوان المفترس، لكن أنت استعملت هذا اللفظ في غير ما وضعته له العرب، هذا معنى المجاز عندهم، هذا معنى المجاز، لذلك يقول لك: أدلة الصفات كلّها مجاز، يعني حقيقتها غير مرادة، انظر عندما يقول لك حقيقة أدلة الصفات غير مرادة أدلة الأسماء والصفات حقيقتها غير مرادة، ماذا يعني هذا؟ يعني أنّ القرآن ليس بيِّن، وليس واضحاً، وليس شفاءً للصدور، ولا هو مبيناً للحقّ من الباطل، إذ إنّ حقائقه غير مرادة، و هذا يفتح باباً عظيماً من أبواب الشرّ والفساد، تشكيك الناس في دينهم وفي قرآنهم بمثل هذا الكلام، و يفتح المجال حتى للباطنية الذين يقولون: إنّ القرآن له ظاهر وباطن، قال: "لأنّ إسناد المجيء والنزول إلى الله مجازٌ عندهم، وأظهر علامات المجاز عند القائلين به صحة نفيه" هذه قاعدة مهمة، وهي من أعظم ما ردّ به القائلون بنفي المجاز، وأنّه لا مجاز في القرآن، اللذين يقولون بالمجاز قالوا باتفاق: المجاز يجوز نفيه، بالاتفاق، ما معنى يجوز نفيه؟ يعني تقول عن الرّجل الشجاع أسد، للآخر أن يقول لك: لا هو ليس أسد بل هو رجل شجاع، فأنت نفيت، يجوز نفيه هذا، ولا يوجد في القرآن شيء يجوز نفيه، نعوذ بالله، قال: "ونفي ما أثبته الله ورسوله من أبطل الباطل، ولا يمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره لأنّه ليس في السياق ما يدلّ عليه"يعني لا يمكن أن نقول: "وَجَاءَ رَبَّكَ" وجاء أمر ربَّك، ينزل ربُّنا إلى السماء الدنيا، ينزل أمره، لماذا؟ سياق الكلام الذي ذكره الله سبحانه وتعالى لا يدلّ على ذلك، ونحن ذكرنا أنّ الظاهر يُفهم من خلال السياق، من خلال التركيب، وهذا ليس موجوداً فيه، فلا يصحّ أن تحرّفه إلى هذا المعنى، كيف و قد جاء في بعض المواضع جمعٌ بين مجيء الله سبحانه وتعالى و مجيء أمره، ففرّق بين هذا وهذا، يعني بعض الأدلة يكون فيها ردود زائدة عن القواعد التي ذُكرت، كما مرَّ معنا في السابق.
نكتفي بهذا القدر لأنّه انتهى من النقاط الخمس التي تلزم أهل التعطيل، سيبدأ المؤلف بذكر أنواع المعطلة من: الجهمية و المعتزلة و الأشاعرة و ما هي أقوالهم، ونؤجل ذلك إلى الدرس القادم بإذن الله تعالى، وفقنا الله و إياكم لطاعته.


مركز الخليج

آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 16:25
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:49   #17
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

مركز الخليج



الدرس السابع عشر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فمازلنا في القاعدة الرابعة، قاعدة: "ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني" ذكر المؤلف رحمه الله هذه القاعدة وذكر معنى ما هو ظاهر من الأدلة عند أهل السّنة والجماعة، وما هو ظاهر عند المشبهة، وما معنى الظاهر عند المعطلة، ثم قال المؤلف رحمه الله بعد أن بيّن الظاهر عند أولئك القوم وردّ عليهم، قال: "ثم إنّ من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات" عرفنا من هم المعطلة، هم الذين يعطلون صفات الله سبحانه وتعالى ولا يثبتونها لله تبارك وتعالى، فتقول: له يد، يقول لك: ليس له يد، تقول: يرضى ويحبّ، يقول لك: لا يرضى ولا يحبّ، هؤلاء هم المعطلة، يعطلون صفات الله سبحانه وتعالى ولا يثبتونها له، قال: "ثم إنّ من أهل التعطيل" وهؤلاء المعطلة أقسام ليسوا كلّهم على نفس العقيدة، بل هم أقسام، وإن كان أصلهم واحد، الذي هو تقديم العقل على النقل، وإثبات الصفات لله بالعقل ونفيها عنه بالعقل، هذا هو أصلهم جميعاً، لكن بعد ذلك يختلفون فيما بينهم فينقسمون إلى أقسام، قال: "ثم إن من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات" يعني: أنّه جعل القاعدة التي قررها تنطبق على جميع صفات الله سبحانه وتعالى فأدى به ذلك إلى نفي جميع الصفات، وهؤلاء الذين يثبتون الأسماء وينفون الصفات هم المعتزلة، أصحاب واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، هؤلاء المعتزلة يثبتون الأسماء لله سبحانه وتعالى لكنّهم ينفون عنه الصفات، فيقول: هو السميع البصير لكنّه سميع بلا سمع بصير بلا بصر وهكذا، فيثبتون الاسم دون الصفة، هؤلاء يسمّون المعتزلة، ورؤوسهم: واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، قال: "أو تعدّى إلى الأسماء أيضاً" لم ينف الصفات فقط ويطرد قاعدته فيها بل وأيضاً حتى في أسماء الله سبحانه وتعالى، والذين نفوا أسماء الله سبحانه وتعالى ونفوا صفات الله سبحانه وتعالى هؤلاء يُقال لهم: الجهمية، وهؤلاء أتباع الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، وهما أول من أتى بهذه البدعة، وهي بدعة أهل الكلام من تقرير العقائد بالعقل وإثبات ما أثبته العقل ونفي ما نفاه العقل، فأول من أتى بهذه البدعة هم هؤلاء القوم، ثم بعد ذلك انقسموا من داخلهم إلى معتزلة وأشاعرة وماتريدية، وإلى آخره..، فهؤلاء الذين صار يخصهم اسم خاص بهم هم: الجهمية ينفون الأسماء والصفات عن الله سبحانه وتعالى فلا يثبتون لله اسماً ولا صفة، فقال لهم أهل العلم: أنتم لا تثبتون إله! أنتم تثبتون عدماً! ما هو الشيء هذا الذي لا اسم له ولا صفة؟! الشيء الذي لا اسم له ولا صفة هو الشيء المعدوم، ما هو موجود، لذلك كفّرهم جمع كبير جداً من أهل العلم، كفروهم، لأنّ مؤدى كلامهم إلى نفي وجود الله تبارك وتعالى، هؤلاء هم الجهمية الذين ينفون أسماء الله وصفاته، والمعتزلة يثبتون الأسماء وينفون الصفات، وهؤلاء أيضاً من أهل العلم من ذهب إلى كفرهم، ومنهم الإمام الكبير العلامة الشيخ ابن باز رحمه الله، يذهب إلى كفر هذه الطائفة أيضاً، لأنّ مؤدى كلامهم أيضاً إلى تعطيل الله سبحانه وتعالى عمّا أثبت لنفسه من صفات بالكلية، يعني إثبات الأسماء بعد ذلك لا معنى له فيؤدي إلى ما أدى إليه قول الجهمية، هذه الفئة الثانية، وننبه على أمر: أنّ بعض أهل العلم أحياناً يُطلق كلمة الجهمية على معنى عام، على معنى جميع المتكلمين الذين يقدّمون العقل على النقل، وينفون صفات الله سبحانه وتعالى عنه إمّا نفياً جزئياً أو نفياً كلياً، فيطلق هذا الاسم على الجهمية وعلى المعتزلة وعلى الأشاعرة وعلى الكُلَّابية وعلى الماتريدية، إلى آخره..، كلّ هؤلاء يدخلون في لفظ الجهمية، فتارة يطلقون لفظ الجهمية ويريدون به من نفى الأسماء والصفات خاصة، ذكرنا الآن الجهمية والمعتزلة، فينتقل الآن المؤلف، قال: "ومنهم من تناقض" التناقض هذا مشكلته مشكلة في العلم، اليوم كثير، لأنّه كلّما عَظُم الجهل في مسائل الاعتقاد كثر التناقض، فلذلك تجد شخص مثلاً اليوم يقرر لك أنّ الإيمان اعتقاد وقول وعمل ثم بعد ذلك يأتي ويقول لك: الكفر هو التكذيب فقط، تناقض عجيب جداً، عند اسم الإيمان يقرر عقيدة أهل السّنة والجماعة، وعندما يأتي اسم الكفر يقرر عقيدة المرجئة، هذا تناقض واضح جداً، يعني حتى المبتدعة القُدامى ما كانوا يتناقضون هذا التناقض، عندهم الأمور مطردة، إذا عرّف الإيمان بأنّه اعتقاد وقول وعمل قال الكفر يكون بالتكذيب ويكون بالاعتقاد ويكون بالعمل، وإذا عرّف الإيمان على أنّه التصديق قال الكفر هو التكذيب، لأنّ الأمر مرتبط بعضه ببعض، فالكفر هو نقيض الإيمان، هذا تعريفه عند الجميع، فإذا عرّفت الإيمان بأنّه اعتقاد وقول وعمل، يكون عندك الكفر أيضاً اعتقاد وقول وعمل، إذا عرّفت الإيمان على أنّه تصديق تُعرّف الكفر على أنّه تكذيب، وهكذا، اليوم صار عندنا تناقضات كثيرة بسبب التعمق في الجهل في مسائل الاعتقاد، والسبب في ذلك أنّ كثيراً ممن تصدر للكلام في أمور الاعتقاد هو لم يأخذها عن أهل العلم، لذلك أنا أنصح طلبة العلم إذا أرادوا أن يدرسوا العقيدة عند شخص ينظروا عند من درس، إن درس عند عالم سنّة هذا يكون قد أخذ العقيدة بشكل سليم، يؤتمن جانبه ما لم يظهر منه خلاف ذلك، لكن إن درس عند عالم بدعة أو لم يدرس إلّا على الكتب فهذا أمره خطير، كن منه على حذر، ما ندري هل فهم الكتب بشكل صحيح، ما فهمها بشكل صحيح، الذي أخذه عن المبتدع ذاك أكيد أخذه بشكل مبتدَع على نفس ما أخذه من شيخه، هل استطاع أن يعدِّل، ما استطاع أن يعدِّل هذه الأمور كلّها تحتاج إلى نظر، هذا هو أمر العقيدة بالذات أمر خطير، يعني ما تسلّم عقيدتك لأيّ أحد، لا بدّ من هذا الأمر أن تتحقق منه، قال: "ثم إنّ من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات فنفى جميع الصفات أو تعدّى إلى الأسماء أيضاً" فنفى الأسماء والصفات، القسم الأول هم المعتزلة، القسم الثاني هم الجهمية، "ومنهم من تناقض" اضطرب، تخبط "فأثبت بعض الصفات دون بعض" أثبت بعض الصفات ونفى البعض الآخر، "كالأشعرية" الذين يثبتون سبع صفات منها: الحياة والعلم والسمع والبصر إلى آخره..، "والماتريدية" وهؤلاء يثبتون ثمان صفات، يزيدون على الأشاعرة صفة، والبعض قال: هم يختلفون عن الأشاعرة في اثني عشرة مسألة من المسائل فقط، والبعض زاد والبعض نقّص، المهم هو أعظم فارق يعرفون به عن الأشاعرة أنّهم يثبتون ثمان صفات، يزيدون صفة التكوين إضافة إلى ما يثبته الأشاعرة، والأشاعرة يثبتون سبع صفات، هذا المشهور عنهم، وإن كنت تجد خلافات فيما بينهم في الداخل لكنّ المشهور عنهم هو هذا، وهذا ذكره بعض من ينتمي إليهم، قال: نثبت سبع صفات ولا نثبت غيرها، الماتريدية كما ذكرت لكم يثبتون ثمان صفات، الأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري، الماتريدية أتباع أبي منصور الماتريدي، والأشاعرة نسبة إلى قبيلة الأشعريين، والماتريدية نسبة إلى مدينة موجودة في بلاد ما وراء النهر، يعني من بعد إيران، هؤلاء الأشعرية والماتريدية أثبتوا ما أثبتوه بحجّة أنّ العقل يدلُّ عليه، لماذا أثبتم صفة العلم، صفة السمع، صفة البصر، صفة الحياة، صفة الإرادة، صفة الكلام، لماذا أثبتم هذه الأشياء؟ قالوا: هذه قد أدركها العقل، قد أثبتها العقل، لأنّ هذا هو ضابطهم، انظر هذا ضابط القوم، أنّ ما أثبته العقل نثبته وما لم يثبته العقل لا نثبته، لكن اختلفوا في العقل، ما الذي يثبته وما الذي لا يثبته، ثم بعد ذلك يقول لك: العقل دليله يقيني لا شكّ فيه، كيف يقيني وقد اختلفتم؟ بل ربّما أنتم أنفسكم الأشاعرة تختلفون فيما بينكم في الصفات التي يثبتها العقل والصفات التي لا يثبتها العقل، إذاً أي يقين هذا؟ إنّما هي أوهام تعلقتم بها ولبّس عليكم الشيطان بها فانجررتم خلفه فقط، هذه حقيقة الأمر، قال: "أثبتوا ما أثبتوه بحجّة أنّ العقل يدلُّ عليه، ونفوا ما نفوه بحجّة أنّ العقل ينفيه، أو لا يدلُّ عليه" هذه قاعدتهم التي اتفقوا عليها جميعاً، جهمية، معتزلة، أشاعرة، ماتريدية، كلّ أهل الكلام المتكلمون هؤلاء، الذين يسمون بأهل الكلام، هؤلاء كلّهم قاعدتهم هذه.
قال المؤلف: "فنقول لهم: نفيكم لما نفيتموه بحجّة أنّ العقل لا يدلّ عليه، يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتم به ما أثبتموه، كما هو ثابت بالدليل السمعي" يعني: أنتم الآن أثبتم صفة السمع والبصر لأنّ العقل يدركها ويثبتها، ونفيتم صفة الرّضا وصفة الحبّ عن الله سبحانه وتعالى، قلتم العقل لا يدركها، العقل لا يثبتها لله سبحانه وتعالى، وقال لهم المؤلف ما نفيتموه بحجة أنّ العقل لا يدلّ عليه يمكن إثباته بالطريق العقلي أيضاً، يعني: أنتم قلتم الآن العقل لا يثبته، نحن نقول: لا، العقل يثبته، العقل يثبته ويجعله حجّة ثابتة عنده، العقل يثبت هذه الأشياء، الآن النزاع صار بيننا وبينهم في ماذا؟ هل العقل يثبت هذه الصفة، يعني مثلاً صفة الرّضا هل يثبتها العقل أم لا؟ هم يقولون لا يثبتها، الآن السنّي السلفي يقول: العقل يثبتها، وإن كنا نحن لسنا بحاجة لنجادلهم بهذه الطريقة، لأنّ إقامة الحجّة على القوم تكفي في أن تثبت لهم وجودها في كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن تقرر لهم ما قررناه في القواعد السابقة، يكفينا هذا، نكون قد أقمنا عليهم الحجة وانتهى الأمر، لكن إذا رأيت شخصاً تائهاً محتاراً يريد الحقّ وتلبست عليه بعض الأمور فلا بأس أن تناقشه بهذه الطريقة التي ذكرها المؤلف، وإلّا الأصل عندنا أننا نحن نقف عند الدليل السمعي فقط، قال الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونلزمه بهذا، أي نعم، قال رحمه الله: "مثال ذلك: أنّهم أثبتوا صفة الإرادة، ونفوا صفة الرحمة"أثبتوا صفة الإرادة لله سبحانه وتعالى، وقالوا الله سبحانه وتعالى يريد، ما فيه عندنا مشكلة، لكن قالوا: صفة الرحمة لا نثبتها لله، لماذا؟ قالوا: صفة الإرادة العقل يثبتها، وصفة الرحمة العقل ينفيها، طيب، قال لهم المؤلف: "أثبتوا صفة الإرادة لدلالة السمع والعقل عليها" يعني : وردت في الأدلة السمعية من أدلة الكتاب والسّنة وأنّ العقل يثبتها أيضاً، هم عندهم أهم شيء العقل، الأدلة السمعية هذه أمر إضافي هكذا زائد، ما يهتمون به، قال: "أمّا السمع: فمنه قوله تعالى: "وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ"" إذاً أثبت صفة الإرادة لله سبحانه وتعالى، "وأمّا العقل: فإنّ اختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف دليل على الإرادة" يعني: دليل على أنّ الله سبحانه وتعالى يريد هذا ولا يريد هذا، قال: "ونفوا الرحمة قالوا: لأنّها تستلزم لين الراحم" اللين يعني: من الرّقة، "ورقته للمرحوم، وهذا محال في حقّ الله تعالى"هكذا فهموا الأمور الآن، الرحمة لا نثبتها لله سبحانه وتعالى، لماذا؟ قالوا: لأنّ الرحمة هي رقّة القلب ولينه، وهذا لا يُثبت في حقّ الله سبحانه وتعالى، قال: "وأولوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة إلى الفعل، أو إرادة الفعل" هكذا دائماً الأشاعرة عندما يريدون أن يحرفوا صفة من الصفات يحرّفها إلى الإرادة، أو إلى لازم الصفة، يعني مثلاً صفة الرحمة عندما يريد أن يتخلص منها لأدلة الكتاب والسّنة ماذا يقول لك؟ إرادة الإنعام، أو يقول لك الرحمة: هي الإنعام، رحمهم الله يعني: أنعم عليهم بفضله، أو رحمهم الله: أراد أن ينعم عليهم، هكذا الأشاعرة يحرّفون الصفة على هذا المعنى فيردونها إلى الإرادة لأنّهم يثبتون الإرادة، المعتزلة لا يردونها إلى الإرادة، لأنّهم لا يثبتون الإرادة، قال: "وأولوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة إلى الفعل، أو إرادة الفعل" إلى الفعل يعني: مثل الإنعام مثلاً، أو إرادة الفعل أي: إرادة الإنعام، "ففسروا الرحيم بالمنعم، أو مريد الإنعام"، قال: "فنقول لهم: الرحمة ثابتة لله تعالى بالأدلة السمعية" وهذا يعني الأدلة السمعية كثيرة: "بسم الله الرّحمن الرّحيم"، "الرّحمن علّم القرآن"، إلى آخره... "وأدلة ثبوتها أكثر عددًا وتنوعا من أدلة الإرادة" يعني: لو أردت بالعدد إثبات الرحمة في الكتاب والسّنة أكثر من أدلة إثبات الإرادة، قال: "فقد وردت بالاسم مثل: "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"" وردت بالاسم يعني: هو الرحمن اسم لله، لكنه يتضمن صفة الرّحمة، "والصفة مثل: "وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ""هذه إثبات وصف لله سبحانه تعالى، "والفعل مثل: "وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ""وأثبتت بالاسم وبالصفة وبالفعل، إثبات قوي، قال: "ويمكن إثباتها بالعقل" أنتم تقولون لا يثبتها العقل، نحن نقول يمكن أن يثبتها العقل، كيف؟ قال: "فإنّ النعم التي تترى على العباد من كلّ وجه والنقم التي تدفع عنهم في كلّ حين دالة على ثبوت الرّحمة لله عزّ وجلّ" يعني: النعم المتتابعة المتتالية التي تنزل على العباد وأيضاً النقم التي تدفع عنهم تدلّ على ماذا؟ تدلّ على ثبوت الرّحمة لله عز وجل، فبرحمته تبارك وتعالى ينعم عليهم، وبرحمته يدفع عنهم السّوء، قال: "ودلالتها على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة، لظهور ذلك للخاصة والعامة" يعني: الناس جميعاً يشتركون في معرفة أو رؤية آثار رحمة الله سبحانه وتعالى "بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة، فإنّه لا يظهر إلّا لأفراد من الناس" إذاً بهذا يكون قد أثبت عقلاً الرحمة، قال: "وأمّا نفيها بحجّة أنّها تستلزم اللين والرّقة فجوابه: أنّ هذه الحجّة لو كانت مستقيمة لأمكن نفي الإرادة بمثلها" يعني: نحن ندّعي عليكم في الإرادة التي أثبتموها مثل ما ادعيتم في الرّحمة، "فيُقال: الإرادة ميل المريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع مضرّة"إذاً فيها ميل القلب، فالإرادة ميل القلب، كما فسرتم الرحمة بماذا؟ برقّة القلب، نحن نفسر لكم الإرادة بميل القلب، قال: "وهذا يستلزم الحاجة، والله تعالى منزّه عن ذلك" طيب، كيف تجيبون عن هذا؟ إذاً الآن قلتم الرّحمة لاتثبت بالعقل وأثبتناها لكم بالعقل، وقلتم إثبات الرحمة يستلزم النقص، لأنّ الرّحمة هي رقّة القلب، قلنا لكم ممكن أن يُقال هذا أيضاً في الإرادة، إثبات الإرادة يستلزم النقص، لماذا؟ لأنّها ميلُ القلب، وبهذا يرد عليهم المعتزلة، لكنّ هذا كلّه باطل، قال: "فإن أُجيب: بأنّ هذه إرادة المخلوق أمكن الجواب بمثله في الرّحمة" وهذا ما نجيب به، هم الآن يجيبون، المعتزلة يقولون لهم: هذه إرادة المخلوق ولله إرادة تليق به، إذاً فلا يصح أن نفسِّر الإرادة بميل القلب، فنقول لهم: كذلك بالنسبة للرحمة، الرحمة التي هي رقة القلب هذه للمخلوق، ولله رحمة تليق بجلالِه وعظمته، قال: "فإن أجيب: بأنّ هذه إرادة المخلوق أمكن الجواب بمثله في الرّحمة، بأنّ الرّحمة المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق، وبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل، سواء كان تعطيلاً عاماً"كالجهمية الذي ينفون الأسماء والصفات، "أو خاصاً" كالأشاعرة والماتريدية الذين ينفون بعض الصفات، قال: "وبه عُلم أنّ طريق الأشاعرة والماتريدية في أسماء الله وصفاته وما احتجوا به لذلك لا تندفع به شبه المعتزلة والجهمية، وذلك من وجهين:" لماذا يقول المؤلف: "لا تندفع به شبه المعتزلة والجهمية" لأنّه حصل نزاع بين الأشاعرة والمعتزلة والجهمية، فأراد الأشاعرة أن يثبتوا سبع صفات، والجهمية والمعتزلة ينفونها، فحصل بينهم نزاع وردود كثيرة، فيما بين القوم، لكن حقيقةً الأشاعرة مضطربون، متناقضون فكانت حجتهم أمام الجهمية والمعتزلة ضعيفة، قال المؤلف: "وذلك من وجهين:أحدهما: أنّه طريق مبتدع لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا سلف الأمّة وأئمتها، والبدعة لا تُدفع بالبدعة، وإنّما تدفع بالسّنة"هذا الأمر الأول أنّ طريقتهم مبتدعة، بل هم وافقوهم في الأصل أصلاً، وبما أنّهم وافقوهم في الأصل لا يمكن أن يردوا عليهم بطريقة التخبط التي ساروا عليها، وطريقتهم مبتدعة، محدثة، لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا على عهد أصحابه، ما كانوا يستعملون العقل في مناقشات ومجادلات عقلية في إثبات الصفات، إنّما عندهم الشرع، وهم على يقين بأنّ الشرع لا يختلف أبداً مع العقل الصحيح الصريح الصافي النقي، لا يمكن دليل صحيح أن يختلف مع عقل صريح، هذا مستحيل، وهم يعلمون هذا السلف رضي الله عنهم، فكانوا يكتفون بتقرير الصفات بالأدلة السمعية فقط، وينتهي الأمر عندهم.
قال: "الثاني: أنّ المعتزلة والجهمية يمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السّنة، فيقولون: لقد أبحتم لأنفسكم نفي ما نفيتم من الصفات بما زعمتموه دليلاً عقليا، وأولتم دليله السمعي، فلماذا تُحرّمون علينا نفي ما نفيناه بما نراه دليلاً عقليا، ونؤول دليله السمعي، فلنا عقول كما أنّ لكم عقولاً، فإن كانت عقولنا خاطئة فكيف كانت عقولكم صائبة، وإن كانت عقولكم صائبة فكيف كانت عقولنا خاطئة، وليس لكم حجّة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم واتباع الهوى"وهذا كلام سليم، هذا إلزام من المعتزلة للأشاعرة، أنتم الآن تردون على أهل السّنة في صفة الرضى والحبّ وما شابه، تقولون هذه لم يثبتها العقل، كذلك نقول لكم نحن: والصفات التي أثبتموها لا يثبتها العقل كذلك، فلماذا تعترضون علينا؟ ولنا عقول كما لكم عقولاً، ولسنا بأولى من الخطأ منكم، قال: "وهذه حجّة دامغة، وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية، ولا مدفع لذلك" لأنّهم متناقضون والمتناقض دائماً حجته ضعيفة، قال: "ولا محيص عنه" يعني: لا خلاص منه، "إلّا بالرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب" يعني: يجعلونه باباً واحداً مستمرّاً، الطرد بمعنى: الاستمرار، فلا ينفون في موضع ويثبتون في موضع، ويتناقضون، لا، طريقتهم واحدة، قال: "ويثبون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إثباتاً لا تمثيل فيه ولا تكييف، وتنزيها لا تعطيل فيه ولا تحريف، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور" هذا كلّه واضح، وبيانه تقدم.
قال: "تنبيه: عُلِمَ مما سبق أنّ كلّ معطل ممثل، وكلّ ممثل معطل" من خلال ما تقدم، علمنا أنّ كلّ معطل ممثل، لماذا؟ لأنّه مثّل أولاً في ذهنه، فأراد أن يفرّ من هذا التمثيل ففرَّ إلى التعطيل، قال المؤلف مبيناً هذه الفقرة: "أمّا تعطيل المعطل فظاهر، وأمّا تمثيله: فلأنّه إنّما عطّل لاعتقاده أنّ إثبات الصفات يستلزم التشبيه، فمثّل أولاً، وعطّل ثانياً، كما أنّه بتعطيله مَثَّلَهُ بالناقص". قال: عطّل عنه الصفات، صفة الكلام، عطّل عنه صفة السمع، صفة البصر، عطّل عنه صفة الحبّ، صفة الرضى، صفة السخط، مثّله بالناقص، لأنّه من لا يتحلى بهذه الصفات فإنّه ناقص، قال: "وأمّا تمثيل الممثل فواضح" يقول لك: يد كيد، هذا واضح، "وأمّا تعطيله فمن ثلاثة أوجه" لماذا كان الممثل معطلاً في الحقيقة؟ قال: "الأول: أنّه عطّل نفس النّص الذي أُثبت به الصفة، حيث جعله دالاً على التمثيل، مع أنّه لا دلالة فيه عليه، وإنّما يدلّ على صفة تليق بالله عزّ وجلّ" يعني: نفس الدليل الذي أثبت به الصفة، عطّله عن حقيقته، لأنّ حقيقته ليست التمثيل، وهو أثبته بالتمثيل، قال: "الثاني: أنّه عطّل كلّ نصٍّ يدلّ على نفي مماثلة الله لخلقه"يعني: مثل قول الله تبارك وتعالى: "ليس كمثله شيء" عطّله هذا ما آمن بهذه الجزئية من الآية، "الثالث: أنّه عطّل الله تعالى عن كماله الواجب، حيث مثّله بالمخلوق الناقص"وهذه واضحة، عندما يقول: يد الله كيد الإنسان، يكون قد وصف يد الله بالنقص، عندما يقول حياة الله كحياة الإنسان يكون قد وصف حياة الله بالنقص، لذلك هو معطّل حقيقة، عطّل كمال الله سبحانه وتعالى عن كماله.
وبهذا نكون قد انتهينا من شرح قواعد الأسماء و الصفات من كتاب القواعد المثلى، وأكمل المؤلف كتابه، بذكر بعض الشبهات التي أوردها أهل التعطيل على أهل السّنة والجماعة، وردَّ عليها في الجزء المتبقي من هذا الكتاب، وسنكمله بإذن الله تعالى، لكن تعتنون بهذا الجزء الذي تقدّم اعتناءً خاصاً، فهو تقرير القواعد التي يحتاجها كلُّ سنيٍّ سلفي، ومن أتقن هذا الجزء من الكتاب فقد أتقن باب الأسماء والصفات، يبقى عليه فقط أن يعرف الصفات التي أثبتها السلف والصفات التي لم يثبتوها، كتاب التوحيد لابن خزيمة رحمه الله اعتنى إعتناءً طيباً في هذا الجانب، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لطاعته.
سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلّا أنت، أستغفرك ونتوب إليك.


مركز الخليج

آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 17:18
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:50   #18
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

مركز الخليج


الدرس الثامن عشر



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فقال المؤلف رحمه الله: "الفصل الرابع: شبهات والجواب عنها".

بعد أن انتهى المؤلف رحمه الله من بيان قواعد الأسماء والصفات بدأ بفصل جديد، وهو ذكر بعض الشبهات التي ذكرها أهل التعطيل وأوردوها على أهل السّنة والجماعة، بعد أن قرر أهل السّنة والجماعة نفي التأويل في باب الصفات وحمل الأدلة على ظاهرها أورد المتكلمون بعض الشبهات حول هذا الأمر ويعترضون به على أهل السّنة والجماعة ويقولون لهم: أنتم تناقضتم، قلتم بأنّكم لا ترتضون التأويل في باب الأسماء والصفات وتحملون النصوص على ظاهرها ومع ذلك يوجد بعض النصوص لم تحملوها على ظاهرها وأولتموها، فماذا كان جواب أهل السّنة والجماعة في ذلك؟
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "الفصل الرابع: شبهات والجواب عنها: اعلم أنّ بعض أهل التأويل أورد على أهل السّنة شبهة في نصوص من الكتاب والسّنة في الصفات، ادعى أنّ أهل السّنة صرفوها عن ظاهرها، ليُلزم أهل السّنة بالموافقة على التأويل أو المداهنة فيه، وقال: كيف تنكرون علينا تأويل ما أوّلناه مع ارتكابكم لمثله فيما أولتموه؟ ونحن نجيب بعون الله تعالى عن هذه الشبهة بجوابين: مجمل ومفصل".
الآن سيبدأ يرد المؤلف على أهل التأويل، الذين هم المتكلمون، أهل التعطيل حقيقة، الذين صرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها وحرّفوها وأعطوها معانٍ لم يردها الله تبارك وتعالى ولا أرادها رسوله صلى الله عليه وسلم، هم الآن يريدون أن يلزموا أهل السّنة بنفس طريقتهم، يقولون: كيف تنكرون علينا التأويل وأنتم تأولتم؟ الآن يرد عليهم المصنف ويقول: "ونحن نجيب بعون الله تعالى عن هذه الشبهة بجوابين: مجمل ومفصل" أمّا الجواب المجمل فهذا الجواب ينطبق على كلّ ما ذكروه في هذا الباب، وهو من جزأين، قال: "أمّا المجمل فيتلخص في شيئين:
أحدهما: أن لا نُسلم أنّ تفسير السلف لها صرف عن ظاهرها، فإنّ ظاهر الكلام ما يتبادر منه من المعني، وهو يختلف بحسب السياق وما يُضاف إليه الكلام، فإنّ الكلمات يختلف معناها بحسب تركيب الكلام، والكلام مرّكب من كلمات وجمل يظهر معناها ويتعين بضم بعضها إلى بعض".
يعني كما تقدم معنا أنّ أهل السّنة والجماعة يحملون النصوص على ظاهرها، والظاهر هذا يختلف ما بين أهل السّنة والمشبهة والمعطلة، والظاهر عند أهل السّنة يُعرف من خلال النظر في سياق الكلام وفي تركيبه وفي إضافة الكلمة إلى الأخرى وهكذا، وليس الظاهر مجرد ما يفهمه أي شخص وإن كان مشبهاً أو معطلاً أو غيره، ويفهم الظاهر بناءً على فهمه السقيم، لا، يعني: عندما يأتينا شخص ويقول لنا: ظاهر آية "وهو معكم أين ما كنتم" ظاهرها هذه أنّ الله سبحانه وتعالى مع الخلق مختلط بهم، وأنّه في كلّ مكان، فنقول له: هذا باطل، وليس هذا الظاهر بظاهر عند أهل السّنة والجماعة، فإنّ الظاهر يُعرف ويفهم بسياق الكلام، أن تأتي بالآية من أولها إلى آخرها، فستجدها تتحدث في البداية عن العلم، وفي النهاية عن العلم، ثم ذكر هذا "وهو معكم أين ما كنتم" أي: بعلمه، فظاهر الآية أنّ الله سبحانه وتعالى معنا بعلمه، وهذا واضح من أمرها، كما استدل بعضهم على أنّ عقيدة العلوّ هي عقيدة فرعون، من أين أخذ هذا؟ قال: لمّا دعا هامان قال له: لعلي اطلع إلى إله موسى، فذكر له أن يبني له صرحاً من طين كي يرتقي على الصرح ويرى إله موسى عليه السلام، قالوا: هذا يدلّ على أنّ فرعون هو الذي كان يعتقد هذا الاعتقاد، الذي هو اعتقاد علوّ الله تبارك وتعالى على خلقه، فقالوا: بأنّ أهل السّنة والجماعة عقيدتهم هذه أساساً مأخوذة عن فرعون، لماذا أُخذت عن فرعون؟ قالوا: لأنّ فرعون هو الذي قرّر هذه العقيدة، طيب، نقول لهم: الآية لو أتيتم بها من أولها لفهتم المراد منها، قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: "وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري" لاحظ هنا البداية: "ما علمت لكم من إله غيري" إذاً هو لا يعترف بالله أصلاً، ولا يعترف بوجود الله سبحانه وتعالى أصلاً حتى يُقال بأنّ هذه عقيدة فرعون، "وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي اطلع إلى إله موسى" قال في النهاية: "وإنّي لأظنه من الكاذبين" إذاً العقيدة عقيدة موسى، لمّا سأله فرعون عن إلهه الذي يدعو إليه، قال له: في السماء، فكانت العقيدة عقيدة موسى، لذلك قال مستهزأ فرعون لوزيره هامان ابنِ لي صرحاً لعلي أرتقي على هذا الصرح واطلع إلى إله موسى، ثم ماذا قال في الأخير؟ "وإنّي لأظنّه من الكاذبين" فأول الآية وآخر الآية يدلّ على ظاهرها، ظاهر الآية واضح، أنّ فرعون لا يؤمن بوجود الله سبحانه وتعالى أصلاً، وما عنده إله إلّا هو فقط، فكيف يعتقد أنّ الله في السماء؟ ثم في النهاية يقول: "لعلي اطلع إلى إله موسى وإنّي لأظنّه من الكاذبين" إذاً يُكذّب وجود الله سبحانه وتعالى وأنّه إله أصلا، فكيف يدعى هذا؟ انظر كيف الظاهر الآن، هو عندما يأتيك المعطل يقطع لك الآية قطعاً، فيقول ماذا؟ قال فرعون: "فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي اطلع إلى إله موسى" فيقطعها لك هكذا، يقطعها من أولها ويقطعها من آخرها حتى يصبح الظاهر منها ما هو يريده، إذاً الظاهر الذي يفهمه المعطل غير الظاهر الذي يفهمه السنّي، لأنّ السنّي يفهم الآية على مراد الله ولا يقطعها، لا يبترها، يفهمها بناء على سياقها، بناء على سباقها، يفهمها بناء على تركيبها، بناء على الإضافة، كلّ هذا يعتمده، حتى سبب النزول يؤثر معك في معنى الآية وفي تفسير ظاهرها، إذاً يختلف الأمر، الظاهر من فلان إلى فلان، أنت تريد الظاهر حقيقة ومن غير تلاعب انظر إلى كلّ هذه القرائن حتى تخرج بظاهر صحيح للآية، قال المؤلف: "أحدهما: أن لا نُسلم أنّ تفسير السلف لها صرف عن ظاهرها" لأننا نحن لا نُسلّم معكم بأنّ الظاهر معناه فاسد، ما في عندنا هذا، الظاهر الذي تفهمونه أنتم غير الظاهر الذي نفهمه نحن، لأننا نحن نفهمها بناءً على كلّ هذه القرائن التي ذكرناها من السياق والسباق ومن تركيب الكلام ومن الإضافة ومن سبب النزول فيتضح معنا المعنى تماماً كما أراده الله تبارك وتعالى، وهذه لغة العرب وهذه طريقتهم، انظر إلى قول الله تبارك وتعالى: "وسأل القرية التي كنا فيها"، وقال الله سبحانه وتعالى: "إنّا مهلكو أهل هذه القرية" هل تفهم من القرية الأولى هي نفس معنى القرية الثانية؟ لا، لأنّ سياق الكلام يختلف، "وسأل القرية" الآن بما أنّ السؤال وجه إلى القرية، إذاً لا بد أن يكون موجه السؤال إلى من يعقل، والقرية التي هي جدران لا تعقل حتى تفهم السؤال وتردّ لنا جواب، إذاً المراد أهل القرية، وكذلك في قوله: "إنّا مهلكوا أهل هذه القرية" فالمراد بالقرية المباني والأرض في هذه الآية، أهل القرية يعني: أهل المباني والأرض، فاختلف معنى الكلمة الواحدة في آيتين، هكذا يفهم أهل السّنة الظاهر، وعندما تدّعون أنتم أننا نحن خالفنا الظاهر، أيّ ظاهر هذا الذي تعنونه؟ إن كان الظاهر الذي عندنا فلا، السلف ما خالفوا هذا أبداً، هذا الجواب، إذاً الجواب الأول: أننا لا نسلّم لكم بمخالفة الظاهر من تفاسير السلف رضي الله عنهم لأيّ نص من النصوص، الجواب الثاني:
قال: "ثانيهما: أننا لو سلمنا أن تفسيرهم صرف لها عن ظاهرها"على التسليم لكم بهذا أنّه قد حصل هذا وجاء نص ظاهره فيه إشكال فاحتجنا أن نصرفه عن ظاهره، فتأويلنا نحن يختلف عن تأويلكم، كيف؟ قال: "فإنّ لهم في ذلك دليلاً من الكتاب والسّنة إمّا متصلاً وإمّا منفصلاً"عندما يخالفون الظاهر ويؤولون إذاً لا بد أن يكون عندهم دليل، إمّا أن يكون الدليل هذا في نفس الآية أو في نفس الحديث الذي وردت فيه الصفة، أو في حديث آخر أو آية ثانية، المهم أنّ عندهم دليل شرعي صحيح يدلّ على أنّ المعنى ليس هو الظاهر المراد، وإنّما المعنى الآخر، فإذا تأولوا يتأولون بحقّ لا بباطل، والفرق بين تأويلنا وتأويلكم أنّ تأويلنا معتمد على الدليل الشرعي: قال الله قال رسول الله أو الإجماع، أمّا تأويلكم فلا يعتمد على شيء سوى مجرد أوهام عقلية فقط، قال: "وليس لمجرد شبهات يزعمها الصارف براهين وقطعيات يتوصل بها إلى نفي ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم" إذاً هذا هو الفرق بين تأويلنا وتأويلكم، تأويلكم تأويل مبني على شبهات عقلية خيالية لا حقيقة له، تأويلنا إن وقع هذا من سلفنا فهو لدليل شرعي صحيح ونحن التـأويل بهذا المعنى لا ننفيه، وهو موجود عندنا ونستعمله في آيات الأحكام، لكن التأويل بالمعنى الذي أنتم عليه من صرف اللفظ عن ظاهره لشبهات عقلية خيالية فهذا نحن لا نسلم به.
هذا الجواب المجمل قد انتهينا منه، وبدأ الآن بالجواب المفصل، فقال:
"وأمّا المفصل: فعلى كلّ نصٍّ ادُّعِىَ أنّ السلف صرفوه عن ظاهره".
يعني: الجواب المفصل يأتي على كلّ نص من النصوص التي ادعو أنّ السلف قد تَأَوَّلُوا فيها، فقال: "ولنمثل بالأمثلة التالية: فنبدأ بما حكاه أبو حامد الغزالي" أبو حامد الغزالي مصنف كتاب: إحياء علوم الدين، والرجل كان قد دخل وتعمق في الفلسفة وفي علم الكلام وفي التصوف، وكان بعيداً جداً عن علم الحديث، فتجد مصنفاته مليئة بالأحاديث الموضوعة والمتروكة والواهية، فحقيقة كتب الرجل مليئة بالخزعبلات والخرافات والأشياء التي لا نفع منها وهي خطيرة، قال: "عن بعض الحنبلية"ينقل عن بعض الحنبلية، "أنّه قال: "إنّ أحمد لم يتأول إلّا في ثلاثة أشياء" يعني: ثلاث أحاديث، "الحجر الأسود يمين الله في الأرض، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، وإني أجد نَفَس الرحمن من قبل اليمن، نقله عنه شيخ الإسلام من مجموع الفتاوى وقال: "هذه حكاية مكذوبة على أحمد"" كونها كذب على أحمد انتهى الموضوع من أصله، ما يحتاج إلى ردّ نهائياً، خلاص انتهى الأمر، هذا مكذوب على الإمام أحمد رحمه الله، وكان هؤلاء القوم يتعمدون الردود على الحنابلة بالذات، لأنّ الحنابلة هم أصحاب المذهب الذين تمسكوا بما كان عليه إمامهم في العقيدة، الباقي تركوا عقيدة أئمتهم، مالك والشافعي أئمة أهل الحديث، أئمة أهل السّنة، وأكثر أتباعهم من الأشاعرة، ومن الصوفية، خصوصاً من المتأخرين، تلاميذهم في الغالب سالمون، لكن من بعدهم من المتأخرين، هم الذين أصابهم هذا الخلل، لكنّ أصحاب الإمام أحمد غالبهم على عقيدة شيخهم، على عقيدة إمامهم الإمام أحمد وإن كان وجد منهم من تأثر بأهل زمنه وأخذ الأشعرية عنهم، لكن كان في زمن من الأزمان السّنة معروفة بالحنابلة، حقيقة، في فترة من الفترات كان يحمل راية السّنة الحنابلة، وتلك الفترة كان المقادسة في بلاد الشام حنابلة، وكانوا هم المشهورين بعقيدة السلف والدفاع عنها، واتباع منهج السلف رضي الله عنهم، ولا ننسى أهل الحديث أيضاً، كذلك كانوا يرفعون راية السّنة ويذبون عنها، ومنهم: عبد الغني المقدسي رحمه الله، من المقادسة أيضاً، المقدسيين، المهم أنّ أصحاب المذهب الحنبلي كانوا في فترة من الفترات هم يحملون راية السّنة، لذلك كان الأشاعرة يردون عليهم ويتتبعونهم، وهم يردون على الأشاعرة ويبينون ما عندهم، فهنا يدّعون أنّ الإمام أحمد قد تأول في هذه الأحاديث الثلاث، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "هذه الحكاية كذب على أحمد"، نقولات ابن تيمية قوية جداً، حتى إنّ بعض خصومه ومخالفيه كانوا يعتمدون عليه في النقول، فكانوا يقولون: ذكره ابن تيمية، وكذّبه ابن تيمية، لقوّة الرجل في هذا الباب، فإذا قال في مثل هذه: هذه حكاية كذب على أحمد، يصعب جداً أن تجدها صحيحة، حتى وإن تتبعت وبحثت، صعب، نقولاته دقيقة وأقواله لها شأن حتى عند مخالفيه والذين يذمونه، فإذا كانت هذه الكلمة كذب، إذن انتهى الأمر، لكن مع ذلك المؤلف يبين لك مثالاً عل كيفية ردّ باطلهم، ولكن أنت تتعلم أمر، مع أهل البدع أول أمر تتعلمه: أن لا تثق بنقولاتهم ولا بأقوالهم، فأنت ربّما تسلم لهم ويكون نقلهم كذب، أو تساهلوا في النقل وأخطأوا، لأنّ الباب الذي هم فيه يريدون أن يتساهلوا فيه ويعجبهم هذا، أو خطأ حتى لم يكن مقصوداً، المهم بداية لا تسلم للمبتدع في نقله حتى تتوثق منه، لأنهم غير مؤتمنين، فهذه النقطة الأولى التي إذا رأيت قولاً استنكرته من مبتدع فبادر مباشرة إلى التثبت، انظر إلى هنا، هذا النقل تبين أنّه كذب، انتهى أمره، فالرّد في ذلك أن تقول له أثبت ذلك عن الإمام أحمد فقط.
قال المؤلف: "المثال الأول: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض"والجواب عنه: أنّه حديث باطل، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم" هذا الجواب الثاني، الآن هذه القصة أنّ الإمام أحمد تأول في هذه الثلاثة كذب، والحديث هذا نفسه "الحجر الأسود يمين الله في الأرض" هو نفسه كذب، باطل، لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يخفى على الإمام أحمد ويحتاج إلى تأويله، هذا باطل، قال: "لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن الجوزي في "العلل المتناهية": "هذا حديث لا يصح"، وقال ابن العربي: "حديث باطل، فلا يلتفت إليه". وقال شيخ الإسلام ابن تيميه: "رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يثبت" اهـ"، وعلى هذا فلا حاجة للخوض في معناه"هذا الكلام السليم، خلاص لسنا بحاجة أن نتكلم بعد ذلك، القصة كذب على الإمام أحمد، والحديث كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً انتهى الأمر، قال المؤلف: "لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمشهور يعني: في هذا الأثر إنّما هو عن ابن عباس قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنّما صافح الله وقبل يمينه" لكن أيضاً وإن كان مشهوراً، فالشهرة لا تعني الصّحة، فالأثر ضعيف، مشهور عند العلماء أنّ هذا الأثر موقوف على ابن عباس، لكنّه ضعيف أيضاً عن ابن عباس، وروي أيضاً عن عبدالله ابن عمرو أيضاً، وهو ضعيف، قد بين علله الشيخ الألباني في الضعيفة كلّها، المرفوع والموقوف على ابن عباس والموقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص، فبما أنّه ضعيف انتهى الأمر، فلا يحتاج إلى كلام أصلاً، قال: "ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنّه لا إشكال فيه، فإنّه قال: يمين الله في الأرض"هذا على التسليم بالصحة، لكنّ الصحة بعيدة، وعلى كلّ حال؛ لكن أيضاً ظاهر اللفظ ليس كما ظنوه هم، فهذا لا يحتاج إلى تأويل، لأنّه قال: يمين الله في الأرض، إذاً هي ليست يمين الله سبحانه وتعالى التي هي صفة له، فيمين الله في الأرض تختلف، قال: "ولم يطلق فيقول يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم المطلق" يعني: عندما يقول يمين الله في الأرض يختلف عن أن يقول يمين الله ويسكت هكذا، قال: "ثم فمن صافحه وقبله" يعني: الحجر الأسود "فكأنما صافح الله وقبل يمينه" أنظر كيف تمثيل لهذا بهذا مما يدلّ على أنّ هذا يختلف عن هذا، قال: "وهذا صريح في أنّ المصافح لم يصافح يمين الله أصلاً، ولكن شُبّه بمن يصافح الله، فأول الحديث وآخره يبين أنّ الحجر ليس من صفات الله تعالى، كما هو معلوم عند كلّ عاقل" اهـ (ص 398، ج 6) مجموع الفتاوى".
قال: "المثال الثاني: "قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن " هذا الحديث صحيح لا إشكال فيه، "أنّ هذا الحديث صحيح، رواه مسلم في الباب الثاني من كتاب القدر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّ قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء، ثم قال رسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" آمين، قال المؤلف: "وقد أخذ السلف أهل السّنة بظاهر الحديث" لم يؤلوه، "وقالوا: إنّ لله تعالى أصابع حقيقة، نثبتها له كما أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم" فلا إشكال إذاً في مسألة التأويل، لأنّهم أخذوا على الظاهر هنا "ولا يلزم من كون قلوب بني آدم بين إصبعين منها أن تكون مماسة لها، حتى يُقال: إنّ الحديث موهم للحلول"الحلول بمعنى: أنّ الله سبحانه وتعالى حال في كلّ شيء، عقيدة كفرية "فيجب صرفه عن ظاهره" يعني: هؤلاء جعلوا ظاهر الحديث أنّه يدلّ على الحلول، وهذا يقوي عقيدة أهل الحلول والاتحاد، وهذا باطل، فلذلك قالوا لا بد أن نؤله، نقول لهم هذا الظاهر الذي فهمتموه باطل، لا يلزم وليس بظاهر، قال: "فهذا السحاب" الآن يمثل لهم مثال ليوضح أنّه لا يلزم منه الحلول، والحديث على حقيقته، ولا يلزم من ظاهره معنى باطلاً حتى نضطر إلى تأويله، "فهذا السحاب مسخر بين السماء والأرض وهو لا يمس السماء ولا الأرض ويقال: بدر بين مكة والمدينة مع تباعد ما بينها وبينهما فقلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن حقيقة ولا يلزم من ذلك مماسة ولاحلول".
يعني الحديث على حقيقته ولا يلزم من ظاهره معنىً باطلا حتى نضطر إلى تأويله.
نقف إلى هنا إن شاء الله.


مركز الخليج


آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 17:32
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:50   #19
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي


مركز الخليج


الدرس التاسع عشر



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:

قال المؤلف رحمه الله: "المثال الثالث:" هذه الأمثلة التي معنا هي أمثلة على ما ذكره أهل التعطيل على أهل السّنة من أنّهم يتأولون بعض أدلة الصفات، ويصرفونها عن ظاهرها، ويرد علبهم المؤلف من خلال هذه الأمثلة التي ذكرها أنّ أهل السّنة والجماعة لا يتأولون في الصفات ويحملون الأدلة على ظاهرها، وإن سلّمنا بالتأويل في بعض المواضع فيكون لأدلة شرعية بخلاف ما تفعلونه أنتم من أنّ تأويلاتكم لا أدلة شرعية عليها، إنّما هي العقول التي تزعمونها، وتضطربون في عقولكم أيضاً، فهذا تأويل فاسد، أمّا التأويل بالاعتماد على الدليل الشرعي فهذا تأويل صحيح، ما فيه بأس، ومع ذلك نحن نقول لهم ما عندكم أي دليل شرعي صحيح يدلّ ظاهره على صفة ينفيها أهل السّنة والجماعة، فمثّلوا بالمثال الثالث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّي أجد نَفَس الرحمن من قبل اليمن"، قال أهل التعطيل: نَفَس الرحمن، هل تأخذونه على ظاهره، وتثبتون لله تبارك وتعالى نَفَساً يأتي من جهة واحدة وهي من قبل اليمن؟ هذا ظاهر الحديث، فهل تثبتون ذلك؟ قال المؤلف: "والجواب: أنّ هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إنّ الإيمان يمان والحكمة يمانية، وأجد نَفَس ربّكم من قبل اليمن". قال في مجمع الزوائد:" هذا كتاب للهيثمي رحمه الله، قال فيه عندما ذكر هذا الحديث "رجاله رجال الصحيح، غير شبيب وهو ثقة. قلت وكذا قال في "التقريب" عن شبيب: ثقة من الثالثة، وقد روى البخاري نحوه في التاريخ الكبير" قول المحدث: رجاله رجال الصحيح، لا يلزم منه أنّ الحديث صحيح، فربّما يكون رجاله ثقات ولكنّه منقطع، أو فيه علّة خفية، أو أنّه شاذ، فشروط الصحيح خمسة: أن يكون رجاله عدول وحفاظ، أي: أن يكونوا ثقات، هذا الشرط الأول، الشرط الثاني: أن يكون إسناده متصل أي: ليس فيه انقطاع، الشرط الثالث: أن لا يكون شاذاً، الشرط الرابع: أن لا يكون معللاً، الشرط الخامس: هما شرطان في الرجال: شرط العدالة وشرط الضبط: الحفظ يعني، أن يكون ثقة، هذان شرطان، فخمس شروط: العدالة والحفظ واتصال الإسناد وعدم الشذوذ وعدم العلة، خمسة شروط لا بدّ أن تتحقق كي يكون الحديث صحيحاً، فإذا قال المحدث: رجاله رجال الصحيح، على التسليم بأنّهم كلّهم ثقات، بمعنى أنّهم عدول وحفاظ فقد توفر عندنا شرطان من خمسة، لكنّه لم يذكر شيئاً عن بقية الشروط، قال رجاله رجال الصحيح غير الشبيب وهو ثقة، يعني ما عدا شبيب وشبيب ثقة على قوله، شبيب هذا في حقيقة الأمر لم يوّثقه معتبر، ثم هو تفرد بهذه الزيادة في الحديث، أصل الحديث: "الإيمان يمان، والحكمة يمانية" ثابت في الصحيحين، لكن بزيادة: "وأجد نَفَس ربّكم من قِبل اليمن" هذه الزيادة تفرد بها شبيب، فهي زيادة منكرة، فالحديث ضعيف لا يصحّ، وإذا كان الحديث ضعيفاً فقد أغنى عن الكلام فيه ولسنا بحاجة إلى أن نثبت الصفة التي ذكرتموها، ولا أيضا أن نتأول الخبر، الحديث ضعيف نقول لكم وينتهي الأمر، وقد ضعّفه الإمام الألباني رحمه الله في الضعيفة رقم 1097.
قال المؤلف: "وهذا الحديث على ظاهره" يعني: لو سلّمنا بأنّ الحديث صحيح، نقول لكم: هذا الحديث على ظاهره، "والنَفَس فيه اسم مصدر نفّس ينفِّس تنفيساً، مثل: فرّج يفرّج تفريجا وفَرَجا. هكذا قال أهل اللغة، كما في النهاية"النهاية في غريب الحديث والأثر، كتاب لابن الأثير وهو أجمع كتاب للألفاظ الغريبة في السّنة ولكنّ صاحبه لم يكن على عقيدة أهل السّنة والجماعة فينتبه لهذا، إذا مرّت مسألة متعلقة بالعقيدة فينتبه لهذا الأمر، "والقاموس" الظاهر أنّه يعني: القاموس المحيط للفيروز أبادي، وهو من كتب معاجم اللغة العربية المعتبرة، "ومقاييس اللغة" معجم مقاييس اللغة لابن فارس وهو من أفضل كتب معاجم اللغة، ومن أفضلها الصحاح للجوهري، وتهذيب اللغة للأزهري، هذه الثلاثة من أنفس كتب المعاجم، الصحيح للجوهري وتهذيب اللغة للأزهري ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، كتاب لسان العرب كتاب جمّاع، قد جمع كلام أئمة اللغة في كتابه لسان العرب، "قال في مقاييس اللغة: "النَّفس: كلّ شيء يفرج به عن مكروب"، فيكون معنى الحديث: أنّ تنفيس الله تعالى عن المؤمنين يكون من أهل اليمن"إذاً لا نصرف اللفظ عن ظاهره أبداً، بل نفسره بمقتضى اللغة العربية وهذا مقتضاه أمامكم، إذاً ليس هو صفة لله سبحانه وتعالى، "قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: "وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة""يعني: أهل اليمن، "وفتحوا الأمصار، فبهم نَفَّسَ الرحمن عن المؤمنين الكربات" اهـ (ص 398، ج 6) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: لابن قاسم"الكلام واضح، على كلّ حال نحن جوابنا الأساسي: الحديث ضعيف، وبما أنّه ضعيف فلا يُشكل علينا أصلاً، فنحن لا نعتمد في عقيدتنا إلّا على أحديث صحيحة فقط وينتهي الأمر.
قال المؤلف رحمه الله: "المثال الرابع قوله تعالى: "ثم استوى إلى السماء"" قال أهل التعطيل: إنّكم يا أهل السّنة حرّفتم النّص لأنّ ظاهر قوله: "ثم استوى إلى السماء" أنّه كان في الأرض نازلاً ثم صعد إلى السماء مرتفعاً، فهل أنتم تقولون بهذا الظاهر يا أهل السّنة؟ فنقول لهم: لا، لا نقول بهذا، قال أهل التعطيل: إذاً أولتم النّص، يعني: صرفتموه عن ظاهره، فلذلك لا تعيبوا علينا التأويل، فنجيبهم بجوابين: الأول إن كنا أوّلنا النّص فأولناه لدليل شرعي صحيح، لأنّه قد ثبت بالأدلة الشرعية الصحيحة القاطعة بأنّ الله سبحانه وتعالى علوه علو ذات، يعني: لا يمكن أن يكون في وقت من الأوقات أسفل خلقه أبداً، بل هو عالٍ على خلقه دائماً، وهذا أدلته الشرعية كثيرة متواترة، فعندما نتأول هذا النّص إن أوهم النّص المعنى الذي ذكرتموه لأنّ معنى كلمة الاستواء العلوّ، فقالوا: "ثم استوى إلى السماء" يعني علا إلى السماء وقبل ذلك لم يكن عالٍ عليها، يعني: كان تحتها هكذا يزعمون، لكن هذا باطل، الكلام هذا باطل، لأننا نقول استوى إلى السماء هنا إن فسرنها على معنى العلو والارتفاع فلا يلزم من ذلك أن يكون قبل ذلك غير عالٍ ولا مرتفع، بل هو علو وارتفاع آخر مع علوه وارتفاع تبارك وتعالى، انظر الآن أعطيكم مثال في المخلوق الضعيف فقط كي تتصوروا المسألة، لتقريب المسألة فقط، انظر أنت عندما تكون واقفاً بجانب الكرسي في طرف آخر أيكما أعلى أنت أم الكرسي؟ أنت أعلى من الكرسي، طيب فإذا جلست على الكرسي فقد علوت وارتفعت عن الكرسي، ولله المثل الأعلى، إذاً لا يلزم من ذلك أن يكون الله سبحانه وتعالى قبل أن يرتفع إلى السماء أن يكون تحتها أو أن يكون على الأرض، هذا اللازم باطل فنحن نثبت المعنى وننفي اللازم الذي زعمتموه ونبطله فلسنا بحاجة إلى التأويل أصلاً، لأنّ الاستواء بهذا المعنى لا يُنافي علوه تبارك وتعالى على خلقه، فذاك ارتفاع دائم لا ينتفي في وقت من الأوقات، هو دائماً عالٍ ومرتفع لذلك نقول العلوّ صفة ذاتية، العلوّ صفة ذاتية لله تبارك وتعالى، حتى وإن نزل تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فعلوه باقٍ لا ينتفي أبداً، هذا على تفسير معنى استوى بمعنى: ارتفع، ويوجد تفسير آخر سيأتي من كلام المصنف رحمه الله.
قال: "والجواب أنّ لأهل السّنة في تفسيرها قولين: أحدهما: أنّها بمعنى: ارتفع إلى السماء، وهو الذي رجّحه ابن جرير، قال في تفسيره بعد أن ذكر الخلاف" لأنّ ابن جرير الطبري رحمه الله إمام المفسرين في زمنه وبعده، وهو سلفي صاحب عقيدة صحيحة، ابن جرير الطبري، والبغوي، وابن كثير هؤلاء من المفسرين السلفيين، عقيدتهم سليمة، من أصحاب التفاسير التي انتشرت وكان لها خير ومنفعة كبيرة جداً، وإلّا المفسرون السلفيون كثر منهم ابن أبي حاتم صاحب التفسير العظيم الذي طبع بعضه، أيضاً هذا من المفسرين السلفيين، ومنهم ابن المنذر رحمه الله، طبع له بعض كتابه كذلك، وغيرهم، لكنّ الكتب التي انتشرت بين الناس واشتهرت وطبعت تامة هذه الثلاث كتب.
قال رحمه الله: "بعد أن ذكر الخلاف:" يعني: ابن جرير الطبري "وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: "ثم استوى إلى السماء فسواهن" علا عليهن وارتفع" نفس معنى كلمة استوى في اللغة العربية، "فتدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات"، قال المؤلف: "وذكره البغوي في تفسيره: قول ابن عباس وأكثر مفسري السلف، وذلك تمسكاً بظاهر لفظ: (استوى) وتفويضاً لعلم كيفية هذا الارتفاع إلى الله عزّ وجلّ"كيف ارتفع إلى هذا السماء؟ نقول: الله أعلم، لكنّه ارتفع، يقول لازم من ذلك أن تكون السماء أعلى منه؟ نقول له: باطل، هذا اللازم ليس بلازم فقط ونكتفي بهذا، وهذا يكفينا فنكون قد فسّرنا الكلمة على معناها الحقيقي.
قال المؤلف: "القول الثاني: أنّ الاستواء هنا بمعنى القصد التام، وإلى هذا القول ذهب ابن كثير في تفسير سورة البقرة، والبغوي في تفسير سورة فصلت. قال ابن كثير: أي قصد إلى السماء والاستواء ههنا ضُمّن معنى القصد والإقبال"ما معنى التضمين؟ يعني :أعطي معنى تلك الكلمة، هو معنى كلمة استوى في اللغة ليس كذلك، لكن أعطيناه معنى القصد، لماذا؟ لأنّه عُدّي بإلى، أي: لأنّ حرف الجرّ الذي جاء بعد هذه الكلمة: إلى، لاحظ في آية: "الرحمن على العرش استوى" يعني: استوى على العرش، حرف الجرّ الذي دخل على استوى هنا ما هو؟ على، فقالو: لمّا جاء حرف الجرّ (على) دلّ ذلك على العلوّ والارتفاع، لا اشكال، لكن إذا جاء حرف: (إلى) مع استوى قالوا: هنا يصبح ماذا؟ فيه اشكال في الموضع، فلذلك طريقة أهل البصرة والكوفة تختلف في مثل هذا في لغة العرب، فتارةً بعضهم يُعطي الحرف معنى حرف آخر كي يتناسب مع الكلمة، تمام؟ والبعض: لا، يعطي الفعل معنى فعل آخر كي يتناسب مع الحرف، ويسمونه: تضمين، إمّا أن تُضمن الفعل معنى فعل آخر أو أن تُضمن الحرف معنى حرف ثانٍ، انظر إلى قول الله تبارك وتعالى كما يأتي في كلام المصنف: "عينا يشرب بها عباد الله" يشرب بها؟ كيف يشرب بها؟ يشرب تُعدى بماذا؟ بحرف آخر وهو: (من) فتقول: يشرب منها، يشرب من العين ليس يشرب بالعين، لأنّك لو قلت: يشرب بالعين صارت العين هنا آلة للشرب مثل: الكوب وليس كذلك، بل يشرب منها، طيب فهنا قالوا يشرب بها: يعني يشرب منها، انظر كيف غيّر معنى حرف الجرّ، ضمّنوه معنى (من) كي يتناسب مع الفعل، وهذه طريقة لغوية صحيحة عند العرب، ما فيه أي بأس، في عند قرينة هو ماذا؟ حرف الجرّ، لا تقل والله صرفت اللفظ عن ظاهره فهو تأويل، نقول لك: هذا باطل، لأنّ حرف الجرّ هو الذي عين المعنى عندي هنا، لو لم يأتي حرف الجر هذا وجاء (على) لقلت لك والله من فسرّه بهذا التفسير فقد صرف اللفظ عن ظاهره، لكن لم يأتي كذلك، بل أتى مع حرف (إلى)، فلذلك فسّروه بهذا.
قال المؤلف: "والاستواء ههنا ضُمّن معنى القصد والإقبال" هذا معنى التضمين، يعني: نعطي الاستواء معنى آخر، معنى كلمة ثانية وهى: القصد والإقبال، قال: "لأنّه عُدّي بإلى" أنظر ما هو السبب، لأنّه عُدّي بإلى، يعني: جاء حرف (إلى) بعده كي يوصل المعنى إلى الكلمة التي بعدها، هذا معنى التعدية، لأنّه عُدّي بإلى، "قال البغوي: أي عمد إلى خلق السماء" عمد يعني: قصد.
قال المؤلف: "وهذا القول ليس صرفاً للكلام عن ظاهره" تأمل الآن لماذا ليس صرفاً للكلام عن ظاهره؟ قال المؤلف رحمه الله: "وذلك لأنّ الفعل استوى اقترن بحرف يدلّ على الغاية والانتهاء" إلى كذا، يعني ينتهي إليه، "فانتقل إلى معنى يُناسب الحرف المقترن به، ألا ترى إلى قوله تعالى: "عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ" حيث كان معناها يَروَى بها عباد الله، لأنّ الفعل: "يَشْرَبُ" اقترن بالباء فانتقل إلى معنى يناسبها وهو يروى، فالفعل يُضَمَّن معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام" هما طريقتان من طرق أهل العلم باللغة العربية في التعامل مع مثل هذه الجمل، يشرب بها، كلّ حرف من حروف الجر له معنى، فعندما تقول: يشرب بها، تكون هذه الباء دخلت على الآلة، يعني تقول أنت أشرب بالكوب، يعني الكوب هو آلة الشرب، لكن إذا قلت يشرب منها فأنت أخذت اقتطعت جزءاً من الماء وشربته من العين، فيشرب منها هو المراد هنا، من سياق الآية يتبين معنا أنّ المراد يشرب منها، لكنّ الآية جاءت يشرب بها، فللعلماء في ذلك قولان، قول يقول: نعطي الفعل معنى فعل آخر يتناسب مع الحرف، فمثل هذا قالوا: يشرب بها، نقول: يروى بها، يحصل الرّي بهذه العين، وقول آخر قالوا: نبقي الفعل كما هو، يشرب ولكنّنا نُضمّن الحرف معنى حرف آخر يتناسب مع الفعل، فقالوا: يشرب منها، فأعطوا الباء معنى حرف: من، هما طريقتان من طرق أهل العربية، إذاً هل هناك تأويل؟ لا، يقول لك لماذا قلتم لمن قال الرحمن على العرش استوى: استولى تأويلاً وهذا عندما فسرتم الاستواء الذي هو أصلاً في اللغة العربية بمعنى الارتفاع فسرتموه بالقصد ليس تأويلاً؟ نقول لك: السبب في ذلك: أنّ "الرحمن على العرش استوى" دخل عليها حرف ماذا؟ حرف على الذي يؤكد معناه بمعنى: العلو والارتفاع، أمّا هذه الآية فدخل على الاستواء حرف: إلى الذي يدلّ على معنى القصد، فصار عندنا في نفس الآية قرينة تدلّ على المعنى المراد، فهذا لا يُسمى تأويلاً، هذا يسمى ظاهر النص، لأنّنا نحن اتفقنا في السابق أنّ الظاهر يظهر من خلال السياق والسباق ومن خلال التركيب والإضافة، كلّ هذا يبين لنا ظاهر المعنى، وبما أنّ هذا مستعمل في اللغة العربية، إذاً لا يعد تأويلاً، هذا إن حملنا معنى الاستواء على معنى القصد، وإن فسرناه على المعنى الأول وهو معنى الارتفاع فزال الإشكال تماماً، فلا شبهة عندهم في هذا الأمر نهائياً، واللازم الذي زعموه لهذا المعنى نفيناه وقلنا لا يلزم وانتهى الأمر، هذا ما يتعلق بهذا المبحث وبهذه الشبهة.
ننبه على أنّ الذين قالوا بالتفسير الأول: وهو أنّ استوى بمعنى ارتفع قالوا هنا: "ثم استوى إلى السماء" ارتفع على السماء، فصار معنى (إلى) متضمناً معنى (على)، فيكون عندهم التضمين حصل للحرف، بينما الآخرون التضمين حصل للفعل، وكلاهما صحيح في لغة العرب على مذهب الكوفيين ومذهب البصريين.
قال المؤلف رحمه الله: "المثال الخامس والسادس: قوله تعالى في سورة الحديد: "وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ"، وقوله في سورة المجادلة: "وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا"".
هذه شبهة عندهم، زعموا أنّ ظاهر هذه الآية أنّ الله معنا بذاته، هذا ظاهرها عندهم، وقالوا: أنتم تقولون أنّ الله معنا بعلمه فأنتم تأولتم، فنقول لهم: عندنا جوابان: الأول: لا نُسلم لكم أنّ هذا المعنى الذي ذكرتموه هو ظاهر الآية، أنّ ظاهرها أنّ الله معنا بذاته، هذا باطل لا نسلم به، وسياق الآية يدلّ على بطلان قولكم، وعلى صواب ما قلناه نحن، وسنذكر لكم إن شاء الله ذلك من كلام المصنف، الأمر الثاني: سلّمنا لكم بأنّ الظاهر ما ذكرتموه، نقول لكم: نحن فسّرناه بمعنى أنّه معنا بعلمه لقرائن وأدلة شرعية تدلّ أنّ الله عالٍ على خلقه وليس معنا بذاته، كلّ الأدلة التي دلّت على علوّ الله على خلقه تدلّ على ذلك، وهي متواترة، فهما جوابان نجيب عن هذه الشبهة، فهو تأويل صحيح إن قلنا بأنّ الظاهر ما زعمتموه، فتأويلنا يكون تأويلاً صحيحا بأدلة شرعية صحيحة، أمّا تأويلاتكم فباطلة لأنّها لا أدلة شرعية صحيحة عليها، لكننا مع ذلك في الأصل لا نسلم أنّ الظاهر هو ما ذكرتموه، وسيأتي ما يبين لكم أنّ الظاهر هو ما فسّرنا عليه الآية وهو أنّه معنا بعلمه.
قال: "والجواب: أنّ الكلام في هاتين الآيتين حقّ على حقيقته وظاهره. ولكن ما حقيقته وظاهره؟" هل حقيقته وظاهره ما تزعمونه؟ لا، كذب، الحقيقة والظاهر هو ما زعمناه نحن، أو ما نصصنا عليه نحن، زعم هذه تأتي أحيانا للتشكيك في الكلام، وأحيانا تأتي لتصديق الكلام، ما فيه مشكلة، طيب، قال: "هل يُقال: إنّ ظاهره وحقيقته أنّ الله تعالى مع خلقه معيّة تقتضي أن يكون مختلطا بهم، أو حالاً في أمكنتهم؟"هذا المعنى الذي زعموه هم، قالوا بأنّ الله معنا يعني: معنا بذاته، فهو مختلط بنا، على ما تقوله فرق الضلال من الصوفية والجهمية وغيرهم، "أو يُقال: أنّ ظاهره وحقيقته أنّ الله تعالى مع خلقه معيّة تقتضي أن يكون محيطاً بهم علماً وقدرةً وسمعاً وبصرًا وتدبيرًا وسلطاناً، وغير ذلك من معاني ربوبيته، مع علوّه على عرشه فوق جميع خلقه؟"هذا المعنى الثاني هو الصحيح وهو ظاهر النصوص، قال رحمه الله: "ولا ريب أنّ القول الأول لا يقتضيه السياق"يعني المعنى الذي ذكروه بأنّ الله معنا بذاته، "ولا يدلّ عليه بوجه من الوجوه، وذلك لأنّ المعيّة هنا أضيفت إلى الله عز وجل، وهو أعظم وأجلّ من أن يحيط به شيء من مخلوقاته"لأنّه قال هو: هو الذي معنا، وبما أنّه معنا فهو أجلّ من أن يكون مختلطاً بنا ومعنا بذاته، قال: "ولأنّ المعيّة في اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان، وإنّما تدلّ على مطلق المصاحبة، ثم تفسر في كلّ موضع بحسبه" يعني: عندما تُطلِق كلمة المعيّة لا يقتضي منها مباشرة الاختلاط، وأن يكون معنا بذاته في لغة العرب، بل كما يُقال أحياناً تكون بمعنى آخر، كأن تقول مثلا: سرنا والقمر معنا، هل يلزم من ذلك أنّ القمر يخالطنا وهو بيننا؟ لا يلزم، إذاً كلمة "مع" في لغة العرب لا يلزم منها المخالطة، قال: "وتفسير معية الله تعالى لخلقه بما يقتضي الحلول والاختلاط باطل من وجوه:
الأول: أنّه مخالف لإجماع السلف. فما فسرها أحد منهم بذلك، بل كانوا مجمعين على إنكاره.
الثاني: أنّه منافٍ لعلوّ الله تعالى الثابت بالكتاب، والسّنة، والعقل، والفطرة، وإجماع السلف، وما كان منافيا لما ثبت بدليل كان باطلاً بما ثبت به ذلك المنافي. وعلى هذا فيكون تفسير معيّة الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلاً بالكتاب والسّنة والعقل والفطرة وإجماع السلف"، وهم يقرون معنا بهذا، كثير منهم يقرّ معنا بذلك إلّا أهل الحلول والاتحاد والجهمية الذين يقولون الله في كل مكان.
"الثالث: أنّه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله سبحانه تعالى.
ولا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدّره حقّ قدره، وعرف مدلول المعيّة في اللغة العربية التي نزل بها القرآن، أن يقول: إنّ حقيقة معيّة الله لخلقه تقتضي أن يكون مختلطاً بهم أو حالاً في أمكنتهم، فضلاً عن أن تستلزم ذلك. ولا يقول ذلك إلّا جاهل باللغة، جاهل بعظمة الرّب جلّ وعلا.
فإذا تبين بطلان هذا القول تعين أن يكون الحقّ هو القول الثاني، وهو أنّ الله تعالى مع خلقه معيّة تقتضي أن يكون محيطاً بهم علماً وقدرةً وسمعا وبصرًا وتدبيرًا وسلطانا، وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته مع علوّه على عرشه فوق جميع خلقه، وهذا هو ظاهر الآيتين بلا ريب، لأنّهما حقّ، ولا يكون ظاهر الحقّ إلّا حقّاً، ولا يمكن أن يكون الباطل ظاهر القرآن أبدًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في "الفتوى الحموية" (ص 103، ج 5) من "مجموع الفتاوى" لابن القاسم: "ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلمّا قال: "يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا" إلى قوله: "وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ" دلّ ظاهر الخطاب على أنّ حكم هذه المعية ومقتضاها: أنّه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن، عالم بكم، وهذا معنى قول السلف إنّه معهم بعلمه" لأنّه بدأ الآية بالحديث عن العلم وختمها بالكلام عن العلم فدلّ ذلك على أنّ المقصود بالمعية: العلم، "وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. وكذلك في قوله: "مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ" إلى قوله: "هو معهم أين ما كانوا"" لأنّ سياق الآية كلّه كان في العلم، فلذلك دلّ على أنّ المعيّة المقصودة هي معيّة العلم، قال: "ولمّا قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار: "لا تحزن إنّ الله معنا" كان هذا أيضاً حقّاً على ظاهره، ودلّت الحال على أنّ حكم هذه المعيّة هنا معيّة الإطلاع والنصر والتأييد" ماذا كان حالهم؟ كان أبو بكر خائفاً أن يطلع الكفّار عليهم ويجدوهم ويقتلوهم، فكان خائفاً فلمّا رأى النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك قال: "لا تحزن إنّ الله معنا" فيدلّ الحال الذي كانوا فيه على المعنى المراد من المعيّة وهي معيّة النّصرة ومعيّة التأييد، واضح من الكلام، سياقه يدلّ على ظاهره، قال المؤلف رحمه الله: "ثم قال: "فلفظ المعيّة قد استعمل في الكتاب والسّنة في مواضع يقتضي في كلّ موضع أمورًا لا يقتضيها في الموضع الآخر. فإمّا أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدلّ على قدر مشترك بين جميع مواردها، وإن امتاز كلّ موضع بخاصية، فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرّب عزّ وجلّ مختلطة بالخلق، حتى يُقال: قد صرفت عن ظاهرها" اهـ" يعني: لفظ المعيّة يفهم معناه من خلال ما يدلّ عليه سياق الألفاظ التي تأتي، والحال وسبب النزول، الأشياء هذه كلّها تدلّ على المعنى المراد من المعيّة، وهي على جميع الأحوال لا تدلّ على معنى معيّة في ذاته مختلطاً بخلقه، أبداً لا تدلّ على هذا المعنى نهائياً، في جميع المواضع.
قال المؤلف: "ويدلّ على أنّه ليس مقتضاها أن تكون ذات الرّب عزّ وجلّ مختلطة بالخلق: أنّ الله تعالى ذكرها في آية المجادلة بين ذكر عموم علمه في أول الآية وآخرها، فقال: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"" انظر إلى هذه الآية: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ" بدأها بالعلم و ختمها بقوله: "إنّ الله بكلّ شيء عليم"، إذاً ظاهر الآية على أنّ الله معنا بعلمه، قال: "فيكون ظاهر الآية: أنّ مقتضى هذه المعيّة علمه بعباده، وأنّه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، لا أنّه سبحانه مختلط بهم، ولا أنّه معهم في الأرض. أمّا في آية الحديد فقد ذكرها الله تعالى مسبوقة بذكر استوائه على عرشه، وعموم علمه متلوة ببيان أنّه بصير بما يعمل العباد، فقال: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ""وهذه واضحة الدلالة أيضاً، هو عالٍ على عرشه، ومع ذلك يعلم كلّ شيء في خلقه، قال: "فيكون ظاهر الآية: أنّ مقتضى هذه المعيّة علمه بعباده وبصره بأعمالهم مع علوّه عليهم واستوائه على عرشه، لا أنّه سبحانه مختلط بهم، ولا أنّه معهم في الأرض، وإلّا لكان آخر الآية مناقضاً لأولها الدال على علوّه واستوائه على عرشه، فإذا تبين ذلك علمنا أنّ مقتضى كونه تعالى مع عباده أنّه يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويدبر شؤونهم، فيحي ويميت، ويغني ويفقر، ويؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء، إلى غير ذلك مما تقتضيه ربوبيته وكمال سلطانه، لا يحجبه عن خلقه شيء. ومن كان هذا شأنه فهو مع خلقه حقيقة، ولو كان فوقهم على عرشه حقيقة" لاحظ قوله هنا: "ومن كان هذا شأنه فهو مع خلقه حقيقة" معيّة علمية، وليس معهم بمعنى الاختلاط، قال: "ولو كان فوقهم على عرشه حقيقة" هو فوقهم على عرشه حقيقة ولكن بعلمه و تدبيره هو معهم، قال: "قال شيخ الإسلام ابن تيميه في "العقيدة الواسطية" (ص 142، ج 3) من "مجموع الفتاوى" لابن قاسم، في فصل الكلام على المعيّة، قال: "وكلّ هذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه من أنّه فوق العرش، وأنّه معنا، حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يُصان عن الظنون الكاذبة" اهـ" ما المقصود بحقّ على حقيقته؟ يعني: بعلمه وتدبيره وحفظه تبارك وتعالى، لا معنى ذلك أنّه مختلط بهم، وهذا المعنى الذي ذكره، ولكن يُصان عن الظنون الكاذبة، الظنون الكاذبة: أنّ الله مختلط بهم، قال: "وقال في "الفتوى الحموية" (ص 102 103، ج 5) من المجموع المذكور: "وجماع الأمر في ذلك: أنّ الكتاب والسّنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنّة نبيه، وقصد اتباع الحقّ، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته، ولا يحسب الحاسب أنّ شيئاً من ذلك يُناقض بعضه بعضاً البتة، مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسّنة من أنّ الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: "وَهُوَ مَعَكُمْ"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنّ الله قِبَلَ وجهه" ونحو ذلك، فإنّ هذا غلط، وذلك: أنّ الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"، فأخبر أنّه فوق العرش يعلم كلّ شيء وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأوعال: "والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه" اهـ" حديث الأوعال ضعيف، انتهى هنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، خلاصة هذا البحث كلّه أنّ علوّ الله تبارك وتعالى على خلقه بذاته كما قال الرحمن تبارك وتعالى: "الرحمن على العرش استوى" وأنّ معيَّته المقصود بها: معيَّة العلم، معيَّة الإحاطة، معيَّة التدبير، هذه عقيدة أهل السّنة والجماعة، وما جاء من آيات فَهِم منها أهل التعطيل الحلول والاتحاد، أو فهموا منها المخالطة لله تبارك وتعالى لخلقه، فما فهموه باطل، وظاهر النصوص لا يدلّ على ما ذكروا، بل سياقها يدلّ بشكل واضح على أنّ المراد به العلم والإحاطة والتدبير والنصر والحفظ، إلى غير ذلك من أفعاله تبارك وتعالى، فإذاً الظاهر منفي، ولو سلّمنا لهم بأنّ ظاهر ما ذكروه فهي مؤولة باعتبار ما دلّت عليه الأدلة الأخرى الواضحة المحكمة من أنّ الله عالٍ على عرشه، وليس مختلطاً بهم، وهذا ينتهي، فتكون شبهتهم منفية، لأننا قد تأولنا التأويل الذي تأولوه هم، تأويلنا يختلف عن تأويلكم، تأويلكم لغير أدلة شرعية وتأويلنا للأدلة شرعية، ومع هذا كلّه لا نسلم لكم بأننا صرفنا النصوص عن ظاهرها لانّ ظاهرها حقّ، فنصوص الكتاب والسّنة ظواهرها حقّ، ولا تحتاج منّا إلى تأويل، وما ذكرتم أننا تأولناه فإمّا أنّه ضعيف أصلاً لا يصحّ، أو أنّه صحيح ولكن فهمكم لظاهره باطل، ولا نسلِّم لكم بأنّه هو الظاهر، بل الظاهر ما ذكرناه لكم بدلالة السياق والسباق والتركيب والإضافة وسبب النزول، كلّ هذه الأشياء تعيننا على فهم ظواهر النصوص والمراد منها.

والله أعلم ونكتفي اليوم بهذا القدر، نكمل إن شاء الله في الدرس القادم، وفقنا الله وإياكم لطاعته.

مركز الخليج



آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 17:36
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 17:50   #20
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي


مركز الخليج


الدرس العشرون




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فقد وقفنا في الدرس الماضي عند المثال الخامس والسادس وهي أمثلة المعيّة، آية سورة الحديد: وهو معكم أين ما كنتم وآية سورة المجادلة، قول الله تبارك وتعالى: ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلّا وهو معهم أين ما كانوا هما آيتان، المثال الخامس والسادس يتحدثان عن المعيّة، ومن المقرر عند أهل السّنة والجماعة أنّ الله سبحانه وتعالى عالٍّ على خلقه مستوٍّ على عرشه تبارك وتعالى، وهو معهم أينما كانوا، المعيّة هنا المقصود بها: معية العلم، معية الحفظ، معية النصرة، والمعية معيتان: معية عامة للناس جميعاً: وهي معية العلم والإحاطة، ومعية خاصة: معية النصرة والتأييد وهذه خاصة بالمؤمنين، أمّا الأولى فهي عامة لجميع الناس، والمعيّة التي وردت في هاتين الآيتين وغيرها من الآيات هي معيّة الله سبحانه وتعالى بعلمه، بإحاطته، بنصرته، بتأييده إلى آخره، وليست معية بذاته تبارك وتعالى، فهو ليس مختلطاً بعباده، فالآيات والأحاديث التي دلّت على المعيّة لا تستلزم ذلك، هذا ما يجب أن يعتقده المسلم في هذه المسألة، أنّ الله سبحانه وتعالى عالٍّ على عرشه وهو معهم بعلمه، هذا ما يقرره علماء السلف رضي الله تعالى عنهم، وهذه الآيات التي ذكرت هنا لم يصرفها أهل السّنة والجماعة عن ظاهرها، بل سياقها يدلّ على أنّ المقصود منها هو العلم، المعيّة العلمية، وقد تحدث المؤلف رحمه الله عن هذه المسألة وتوسع في الكلام فيها، ووصلنا عند قوله:واعلم أنّ تفسير المعيّة بظاهرها على الحقيقة اللائقة بالله تعالى لا يناقض ما ثبت من علوّ الله تعالى بذاته على عرشه، وذلك من وجوه ثلاثة:يعني: عندما نفسر الآيات التي تقدمت معنا بالمعيّة الحقيقية اللائقة بالله سبحانه وتعالى، ما المقصود بالمعية الحقيقية؟ هل يقصد بذلك الاختلاط؟ أن يكون الله سبحانه وتعالى مختلطاً بعباده؟ لا، ليس هذا المقصود بالمعيّة الحقيقية التي ذكرها المؤلف هنا، وإنّما المقصود من ذلك هي معيّة العلم، معيّة الإحاطة، معيّة النصرة إلى آخره، وتفسير الآية على هذا المعنى لا ينافي علوّ الله تبارك وتعالى على خلقه ولا يناقضه، قال: وذلك من وجوه ثلاثة:
الأول: أنّ الله تعالى جمع بينهما لنفسه في كتابه المبين المنزّه عن التناقض، وما جمع الله بينهما في كتابه فلا تناقض بينهماوإن زعم عقلك أنّهما متناقضان، بما أنّ الله سبحانه وتعالى ذكر أنّه عالٍّ على عرشه مستوٍّ عليه، وأنّه تبارك وتعالى مع عباده، إذاً فهذا حقّ لا شكّ فيه، وإن ظننت أنت بعقلك أنّ هذا تناقض فليس بتناقض، ولكنّ التناقض حصل في عقلك أنت، لأنّ عقلك قاصر لا يفهم الأمور تامة، فحصل عنده هذا التناقض، لكنّ حقيقة الأمر أنّه لا تناقض بينهما، وبما أنّ الله سبحانه وتعالى قد أخبر عن هذا وهذا أنّه كائن، إذاً فلا تناقض بين الأمرين،قال:وكلّ شيء في القرآن تظنّ فيه التناقض فيما يبدو لك فتدبره حتى يتبين لك لماذا؟ أيّ شيء مرّ بك في القرآن، أي مسألة مرّت بك في القرآن وظننت أنّ الأدلة متناقضة ومضطربة فيها فاعلم أنّ التناقض والاضطراب إنّما هو في عقلك، لماذا رددناه إلى عقلك؟ لأنّ عقل الإنسان ناقص، مهما بلغ مبلغاً في التفكير والذكاء والحنكة إلى آخره، إلّا أنّه في النهاية ماذا؟ في النهاية عقل بشري، يعني: يدرك أشياء وتفوته أشياء، أمّا كتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من عند ربّ العالمين، لا يمكن أن تتناقض، لأنّ كلّها شيء واحد، والله سبحانه وتعالى حكيم عليم قدير، لا يمكن لكلامه أن يتناقض وأن يضطرب، إنّما التناقض والاضطراب يحصل في كلام الكذاب، في كلام الذي يتكلم من غير حكمة، من غير علم، هذا الذي يحصل في كلامه تناقض واضطراب، يعني: يعتريه الجهل، يعتريه النقص بأي وجه من الوجوه، فيحصل اضطراب وتناقض في كلامه، والله سبحانه وتعالى منزّه عن كلّ هذا، إذاً نحن عندنا يقين أنّ الله سبحانه وتعالى كلامه لا يتناقض ولا يضطرب، فإذاً إذا حصل وفهمنا من كلام الله تناقض، إذاً فالتناقض أين؟ في عقولنا، لذلك ألّف العلماء كتباً فيما يظهر لبعض الناس أنّه تناقض واضطراب في بعض الأدلة من الكتاب أو من السّنة، ككتب اختلاف الحديث مثلاً التي ألّف فيها الإمام الشافعي رحمه الله وغيره، وكذلك كتاب نفيس نافع، كتاب: دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب للشيخ محمد أمين الشنقيطي، كتاب نافع جداً، وفي كتب التفسير أيضا الكثير من هذا القبيل من التوفيق بين الأدلة التي يظهر لبعض الناس أنّها متناقضة أو متعارضة، تكلم العلماء عنها وفكوا ما يشتبه على بعض الناس من أنّه متناقض، قال: لقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً هذا لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، أمّا ما كان من عند الله لا يكون فيه اختلاف أبداً، لأنّه قائم على العلم وعلى الحكمة وعلى القدرة، كلّها صفات الله سبحانه وتعالى يتصف بها، أمّا المخلوق فلا يتحلى بهذه الصفات (صفات الكمال) فيحدث في كلامه اختلاف واضطراب، قال: فإن لم يتبين لك فعليك بطريق الراسخين في العلم، الذين يقولون:آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا يعني: بعد البحث والتفتيش وبعد النظر في الأدلة حاولت أن تزيل هذا التناقض الذي حصل في دماغك عن الأدلة، أدلة القرآن والسّنة لكنّك لم تستطع، ما توفقت إلى ذلك، ماذا تفعل؟ تسلّم عندئذ وتقول: كلّ من عند ربّنا آمنا به، وانتهينا، خلاص، يعني: آمنا أنّ هذا القرآن كلّه من عند الله وأنّ الاختلاف والاضطراب فيه لا يدخل عليه أبداً، وإنّما أوتيت من جهلي وقلّة علمي فما استطعت أن أصل إلى حقيقة المراد، عندئذ تسلّم الأمر لله سبحانه وتعالى وتقول: آمنا به كلّ من عند ربّنا وبذلك تكون قد سلّمت لأمر الله تبارك وتعالى وما وقعت في المحذور، وسلّمت لأمر الله لأنّك أنت جاهل في هذه المسألة وأنت متوقف فيها وليس عندك شيء لأنّ عقلك ما يعني أعانك على فهم نصوص الكتاب والسنة.
قال المؤلف: وكِلِ الأمر إلى مُنْزِلِه الذي يعلمه، واعلم أنّ القصور في علمك أو في فهمك وأنّ القرآن لا تناقض فيه يعني: سلّم لأمر الله سبحانه وتعالى، عليك بطريق الراسخين في العلم الذين يقولون:آمنا به كلّ من عند ربّنا، وكلّ أمره إلى الله سبحانه وتعالى، واعلم أنّ القصور منك، بسبب جهلك وقلّة علمك وصل الأمر معك إلى هذا الحد، سَلِّم بذلك وانتهى الأمر.
قال: وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام في قوله فيما سبق: كما جمع الله بينهما، وكذلك ابن القيم كما في مختصر الصواعق لابن الموصلي (ص 410، الإمام) في سياق كلامه على المثال التاسع مما قيل إنّه مجاز، قال: ;وقد أخبر الله أنّه مع خلقه مع كونه مستوياً على عرشه، وقرن بين الأمرين كما قال تعالى: وذكر آية سورة الحديد التي معنا، نمثل بها،ثم قال: فأخبر أنّه خلق السماوات والأرض، وأنّه استوى على عرشه، وأنّه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه، كما في حديث الأوعال: والله فوق العرش يرى ما أنتم عليه، فعلوّه لا يناقض معيته، ومعيته لا تبطل علوّه، بل كلاهما حقّاهـ. الكلام على ما مرّ وتقدم معنا، نفس المعنى.
الوجه الثاني: أنّ حقيقة معنى المعيّة لا يناقض العلوّ، فالاجتماع بينهما ممكن في حقّ المخلوق، فإنّه يُقال: ما زلنا نسير والقمر معنا يعني: لا يلزم من المعيّة المخالطة، والمثال على ذلك بالقمر،ولا يعدّ ذلك تناقضاً، ولا يفهم منه أحد أنّ القمر نزل في الأرض. فإذا كان هذا ممكنا في حقّ المخلوق، ففي حقّ الخالق المحيط بكلّ شيء مع علوّه سبحانه من باب أولى، وذلك لأنّ حقيقة المعيّة لا تستلزم الاجتماع في المكان، وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتوى الحموية (ص 103) المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن القاسم، حيث قال:وذلك أنّ كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلّا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال يعني: أنّها تدلّ على معنى ولا تدلّ على الثاني، المعنى الأول الذي تدلّ عليه ما هو؟ قال: المقارنة المطلقة، ما معنى المقارنة المطلقة؟ يعني: أنّ هذا وهذا مع بعضهما مقترنان، بماذا؟ بالشيء الذي جُمِعَ بينهما، تقول أسير والقمر، يعني: أسير مع القمر، إذاً اجتمعا في السير، ولا يلزم من ذلك المعنى الثاني وهو وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، لا يجب أن يكون مختلِطاً بك، الذي قلت هو معي، لا يجب أن يكون مختلِطاً بك أو أن يكون عن يمينك أو عن شمالك، قال: فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلّت على المقارنة في ذلك المعنى خصيصاً في المعنى الذي ذكرته، فإنّه يُقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو النجم معنا. ويُقال: هذا المتاع معي، لمجامعته لك وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقةالمعنى واحد في النهاية، نفس كلام شيخ الإسلام هو كلام ابن القيم هو كلام الشيخ ابن عثيمين أنّ معيّة الله سبحانه وتعالى أو علوّ الله سبحانه وتعالى على خلقه، ومعيّة الله سبحانه وتعالى التي ذكرها وهو معيّة العلم، إلى آخره لا تناقض بينهما، ولا يلزم من معيّة الله سبحانه وتعالى المخالطة، قال: وصدق رحمه الله تعالى، فإنّ من كان عالماً بك، مطلعاً عليك، مهيمناً عليك، يسمع ما تقول، ويرى ما تفعل، ويُدبر جميع أمورك، فهو معك حقيقة، وإن كان فوق عرشه حقيقة، لأنّ المعيّة لا تستلزم الاجتماع في المكان بعض الناس عندما يسمع معيّة حقيقية يفهم من ذلك الاختلاط وهذا باطل، وقد فسرّه المؤلف أكثر من مرة ماذا يعني بالمعيّة الحقيقية.
قال: الوجه الثالث: أنّه لو فُرض امتناع اجتماع المعيّة والعلوّ في حقّ المخلوق، لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعا في حقّ الخالق يعني: لو تصورنا أنّه لا يمكن أن نجمع بين أن يكون الشيء معك وعالٍ عليك بالنسبة للمخلوقات، إمّا أن يكون معك أو أن يكون عالياً عليك بالنسبة للمخلوق، فلا يلزم ذلك أن يكون كذلك بالنسبة للخالق، يعني: ما يلزم في المخلوق لا يلزم في الخالق، هذا لو قلنا بأنّه لازم في المخلوق، واضح الكلام أظن، قال: لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعا في حقّ الخالق، الذي جمع لنفسه بينهما، لأنّ الله تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته، كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيميه في العقيدة الواسطية(ص 143، ج 3) من مجموع الفتاوى، حيث قال:وما ذُكر في الكتاب والسّنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوّه وفوقيته، فإنّه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوّه، قريب في علوّه اهـ في جميع نعوته يعني: في جميع صفاته، وهو مع علوّه تبارك وتعالى هو أيضاً قريب من عباده يعلم ما يفعلون، ويسمع ويبصر، إلى آخره، إذاً لو تصورنا أنّه لا يمكن أن يكون الإنسان المخلوق عالٍ عليك وفي نفس الوقت معك، فيمكن أن نتصوره في حقّ الخالق تبارك وتعالى، لماذا؟ لأنّ الخالق والمخلوق لا يتشابهان أو لا يتماثلان، فلا يصحّ أن نقيس الخالق على المخلوق فنقول بما أنّه لا يصحّ في المخلوق فلا يصحّ في الخالق، أبداً هذا باطل، هذا معنى ما ذكره.
قال رحمه الله:تتمة: انقسم الناس في معية الله تعالى لخلقه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يقولون: إنّ معيّة الله تعالى لخلقه مقتضاها العلم والإحاطة في المعيّة العامة، ومع النصر والتأييد في المعيّة الخاصة ذكرنا لكم المعية قسمان معية عامة ومعية خاصة، المعيّة العامة لكلّ الناس، المعيّة الخاصة خاصة بالمؤمنين وأهل الصلاح، معيّة النصر والتأييد، قال:ومع النصر والتأييد في المعيّة الخاصة، مع ثبوت علوّه بذاته، واستوائه على عرشه وهذا هو عقيدة أهل السّنة والجماعة، قال: وهؤلاء هم السلف. ومذهبهم هو الحقّ، كما سبق تقريره.
القسم الثاني: يقولون: إنّ معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض، مع نفي علوّه واستوائه على عرشهيعني: يقولون إذا قلنا بأنّ الله معنا إذاً فهو مختلط بنا، وهو معنا موجود على الأرض مختلط بنا، وهو ليس مستوٍ على عرشه، لذلك هم ينفون تماماً أن تقول الله سبحانه وتعالى في السماء، وينكرون إنكاراً شديداً لهذا، قال: وهؤلاء هم الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم. ومذهبهم باطل منكر، أجمع السلف على بطلانه وإنكاره، كما سبق وكثير من الصوفية على هذا المذهب، مذهب الحلول والاتحاد.
القسم الثالث: يقولون: إنّ معيّة الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض، مع ثبوت علوّه فوق عرشه. ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيميه (ص 229، ج 5) من مجموع الفتاوى قال: وقد زعم هؤلاء أنّهم أخذوا بظاهر النصوص في المعيّة والعلوّ. وكذبوا في ذلك فضلّوا، فإنّ نصوص المعيّة لا تقضي ما ادعوه من الحلول، لأنّه باطل، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم باطلاً"هؤلاء القسم الثالث قالوا ما قالوه القسم الأول من أنّ الله معنا مختلط بخلقه، لكنّ الفرق بينهم أنّ هؤلاء أيضاً أثبتوا علوّ الله على خلقه وهم يثبتون علوّ الله على خلقه ويثبتون أنّه في الأرض مع خلقه، مختلط بهم، وهؤلاء قولهم باطل منكر مخالف للأدلة الواضحة الصريحة ومخالف لإجماع السلف رضي الله عنهم.
قال المؤلف: "تنبيه: اعلم أنّ تفسير السلف لمعيّة الله تعالى لخلقه بأنّه معهم بعلمه لا يقتضي الاقتصار على العلم، بل المعيّة تقتضي أيضا إحاطته بهم سمعا وبصرًا وقدرةً وتدبيرًا، ونحو ذلك من معاني ربوبيته" يعني: لا تفسَّر المعيّة بالعلم فقط، لا، هو أوسع من هذا، أفعال الله سبحانه وتعالى بخلقه، كما مثّل المؤلف من السمع والبصر والقدرة والتدبير ونحو ذلك من أفعال الله سبحانه وتعالى.
قال: "تنبيه آخر: أشرت فيما سبق إلى أنّ علوّ الله تعالى ثابت بالكتاب والسّنة والعقل والفطرة والإجماع:" الآن يريد أن يذكر المؤلف الأدلة على علوّ الله تبارك وتعالى على خلقه.
"أمّا الكتاب: فقد تنوعت دلالته على ذلك" وقد جمع الحافظ الذهبي رحمه الله كتاباً في ذلك سمّاه كتاب: "العلو" جمع أدلة كثيرة، وجمع أقوال السلف رضي الله عنهم في هذه المسألة وهو كتاب جامع في هذه المسألة حقيقة، وقد اختصره الإمام الألباني رحمه الله فحذف منه الضعيف وأثبت الصحيح، قال: "فتارةً بلفظ العلوّ والفوقية والاستواء على العرش، وكونه في السماء، كقوله تعالى: "وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ"، "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه"، "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى"، "أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ"، وتارة بلفظ صعود الأشياء وعروجها ورفعها إليه، كقوله: "إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ""يصعد أين؟ إلى السماء، أي إلى الله سبحانه وتعالى، ""تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ"، "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ"، وتارة بلفظ نزول الأشياء منه، ونحو ذلك، كقوله تعالى: "قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ"، "يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ"، وأمّا السّنة: فقد دلّت عليه بأنواعها القولية والفعلية والإقرارية في أحاديث كثيرة تبلغ حدّ التواتر"يعني أنّها كثيرة جداً، رواها جمع عن جمع، "وعلى وجوه متنوعة، كقوله صلى الله عليه وسلم في سجوده: "سبحان ربي الأعلى"، وقوله: "إنّ الله لمّا قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: إنّ رحمتي سبقت غضبي"الشاهد: "كتب عنده فوق عرشه"، "وقوله: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ "، وثبت عنه أنّه رفع يديه وهو على المنبر يوم الجمعة يقول: "اللهم أغثنا"" يرفع يديه لمن؟ لله سبحانه وتعالى، مستوٍ على عرشه، "وأنّه رفع يده إلى السماء وهو يخطب الناس يوم عرفة حين قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأديت ونصحت. فقال: "اللهم اشهد"" كان يشير إلى السماء، ويشير إليهم، قال: "وأنّه قال للجارية: "أين الله؟" قالت: في السماء، فأقرّها وقال لسيدها: "اعتقها، فإنّها مؤمنة"".
"وأمّا العقل: فقد دلّ على وجوب صفة الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص. والعلوّ صفة كمال، والسفل نقص، فوجب لله تعالى صفة العلوّ، وتنزيهه عن ضده".
قال المؤلف: "وأمّا الفطرة: فقد دلّت على علوّ الله تعالى دلالة ضرورية فطرية، فما من داعٍ أو خائفٍ فزع إلى ربّه تعالى إلّا وجد في قلبه ضرورة الاتجاه نحو العلوّ، لا يلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة"، يعني: عندما يتوجه بالدعاء إلى أين؟ إلى الله سبحانه وتعالى، إلى العلوّ، لا يتوجه لا إلى اليمين ولا إلى الشمال، قال: "واسأل المصلين، يقول الواحد منهم في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" أين تتجه قلوبهم حينذاك".
"وأمّا الإجماع: فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أنّ الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، وكلامهم مشهور في ذلك نصا وظاهرًا، قال الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إنّ الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السّنة من الصفات"، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، ومحال أن يقع في مثل ذلك خلاف، وقد تطابقت عليه هذه الأدلة العظيمة، التي لا يخالفها إلّا مكابر طمس على قلبه، واجتالته الشياطين عن فطرته، نسأل الله تعالى السلامة والعافية"، آمين، قال: "فعلوّ الله تعالى بذاته وصفاته من أبين الأشياء وأظهرها دليلاً، وأحقّ الأشياء وأثبتها واقعا".
قال المؤلف رحمه الله: "تنبيه ثالث: اعلم أيها القارئ الكريم أنّه صدر مني كتابة لبعض الطلبة، تتضمن ما قلته في بعض المجالس في معيّة الله تعالى لخلقه، وذكرت فيها:
أن عقيدتنا: أنّ لله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به" لاحظ هنا، ركّزوا على كلمة ذاتية، هنا المؤلف رحمه الله يذكر ما حصل معه رحمه الله في فترة من الفترات، كتب عقيدة لبعض الناس وقرّر فيها أنّ الله سبحانه وتعالى معنا حقيقة بذاته، ولأجلّ كلمة بذاته هذه حصل الخلاف والنزاع، فأنكر عليه بعض أهل العلم وقالوا هذا لا يجوز لأنّه يوهم عقيدة الحلول التي ذكرناها، ذكرنا بعض الناس يقول بها، فكلمة بذاته توهم هذا المعنى، لذلك أُنكر على الشيخ هذا الكلام رحمه الله تراجع عنه كما سيقرره الآن معنا، قال: "أنّ عقيدتنا: أنّ لله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به وتقتضي إحاطته بكلّ شيء علماً وقدرةً وسمعاً وبصراً وسلطاناً وتدبيراً، وأنّه سبحانه منزّه أن يكون مختلطاً بالخلق أو حالاً في أمكنتهم"هذا المعنى أنّه منزّه أن يكون مختلطاً بالخلق أو حالاً في أمكنتهم، هذا المعنى هو الذي فُهم من قوله: ذاتية، فهم من ذلك أنّه مختلط بخلقه وأنّه حالّ في أمكنتهم، فهنا ركّز المؤلف على نفي هذا المعنى، قال: "بل هو العليّ بذاته وصفاته، وعلوّه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها، وأنّه مستوٍّ على عرشه كما يليق بجلاله، وأنّ ذلك لا يُنافي معيته، لأنّه تعالى: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ""، قال: "وأردت بقولي: (ذاتية)" هي هذا محل الخلاف، والإشكال الذي حصل مع الشيخ، "توكيد حقيقة معيته تبارك تعالى"يعني: أنّه لا يريد معنى الاختلاط بالخلق ومعنى أنّه حالّ في أمكنتهم، قال: "وما أردت أنّه مع خلقه سبحانه في الأرض، كيف؟ وقد قلت في نفس هذه الكتابة كما ترى: أنّه سبحانه منزّه أن يكون مختلطاً بالخلق أو حالاً في أمكنتهم، وأنّه العليّ بذاته وصفاته، وأنّ علوّه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها، وقلت فيها أيضاً ما نصّه بالحرف الواحد: "ونرى أنّ من زعم أنّ الله بذاته في كلّ مكان فهو كافر أو ضالّ إن اعتقده، وكاذب إن نسبه إلى غيره من سلف الأمة أو أئمتها" اهـ"فتقريراته مع تلك الكلمة التي ذكرها وإن كانت الكلمة في حدّ ذاتها موهمة، حقيقة الكلمة موهمة، لكن ما ذكره لهذه القرائن معه تدلّ على أنّه ما أراد المعنى الفاسد، لكن يا إخوان بارك الله فيكم وكما سيفعل الشيخ إن شاء الله، في مسائل العقيدة احذر حذراً شديداً من أن تنطق بكلمات مجملة أو موهمة، هذا أمر خطير، لأنّه كما حصل مع الشيخ هنا عندما تكلم بهذه الكلمة طار بها أهل الحلول والاتحاد، وقالوا انظروا إلى الشيخ ابن عثيمين يقرّر عقيدتنا، مع أنّ كلامه ليس معهم، لكن خلاص صار فيه شبهة في الأمر، والشيخ رحمه الله تراجع عن هذا الأمر والحمد لله، ونفس كلام الشيخ الذي فيه سياق تلك الكلمة يدلّ على أنّه ما أراد المعنى الفاسد، وهذا قد قرّره في نفس الكلام ثم قرّره بعد أن تراجع عن هذا الكلام أصلاً، لكن هذا نأخذه درساً، لا نتكلم بالكلمات المجملة في العقائد، لأنّ الأمر خطير، فيه تلبيس ويلتبس فيه الحقّ بالباطل، وسنتحدث إن شاء الله عن هذه المسألة في كتب العقيدة الأخرى كشرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث عند الكلام عن قول بعضهم: لفظي بالقرآن مخلوق، قال هنا المؤلف: "ولا يمكن لعاقل عرف الله وقدّره حقّ قدره أن يقول: إنّ الله مع خلقه في الأرض، ومازالت ولا أزال أنكر هذا القول في كلّ مجلس من مجالسي جرى فيه ذكره، وأسأل الله تعالى أن يثبتني وإخواني المسلمين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة"آمين، وجزاه الله خيراً، وقد أزال الشبهة تماماً في كلامه، قال: "هذا، وقد كتبت بعد ذلك مقالاً نُشر في مجلة: (الدعوة) التي تصدر في الرياض، نُشر يوم الاثنين الرابع من شهر محرم سنة 1404 هـ أربع وأربعمائة وألف"هنا المؤلف رحمه الله يعلمنا دروساً، الشيخ ابن عثيمين معلم وليس بالقول فقط بل بالفعل أيضاً، انظروا إلى هذا الدرس الذي يعلمه للطلبة أن ترجع مباشرة عن الخطأ، حتى وإن كان مجرد كلاماً موهماً أو مجملاً، ارجع عنه، اتركه، حفظ عقيدة المسلمين أولى من كلّ شيء، ماذا أنت أمام دين الله سبحانه وتعالى؟ أنت لا شيء، أمام شرع الله ودينه، يعني تفني نفسك في سبيل الله سبحانه وتعالى، ألا تتراجع عن كلمة أخطأت فيها من أجل أن تحفظ دين الله سبحانه وتعالى، هنا المؤلف رحمه الله يعلمنا درساً في ذلك، قال بعد أن أخطأ في هذه الكلمة، أو عبّر فيها بهذه الكلمة وأُنكرت عليه وصار بسببها بلبلة، تراجع عن هذا الكلام، وإن كان رحمه الله ما أراد المعنى الفاسد، لكن كونها كلمة موهمة مجملة تراجع عنها، قال: "هذا وقد كتبت بعد ذلك مقالاً نشر في مجلة: (الدعوة) التي تصدر في الرياض، نشر يوم الاثنين الرابع من شهر محرم سنة 1404 هـ أربع وأربعمائة وألف برقم: 911، قررت فيه ما قرره شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى: من أنّ معية الله تعالى لخلقه حقّ على حقيقتها، وأنّ ذلك لا يقتضي الحلول والاختلاط بالخلق، فضلاً عن أن يستلزمه. ورأيت من الواجب"لاحظ هنا قال: "ورأيت من الواجب استبعاد كلمة (ذاتية)"رأيت من الواجب، رآه واجباً بعد ذلك، "وبينت أوجه الجمع بين علوّ الله تعالى وحقيقة المعية".
"واعلم أنّ كلّ كلمة تستلزم كون الله تعالى في الأرض، أو اختلاطه بمخلوقاته، أو نفي علوّه، أو نفي استوائه على عرشه، أو غير ذلك مما لا يليق به تعالى فإنّها كلمة باطلة، يجب إنكارها على قائلها كائنا من كان، وبأي لفظ كانت" لاحظ كيف تراجع، حذف الكلمة الخطأ التي رأى أنّه يجب عليه أن يحذفها، ثم قرّر بطلان العقيدة التي أوهمتها تلك الكلمة، هكذا يكون التراجع، تقرّر العقيدة الصحيحة وتبطل العقيدة الفاسدة وتحذف الكلام المجمل، قال: "وكلّ كلام يوهم ولو عند بعض الناس" لاحظ هذا الكلام: "وكلّ كلام يوهم ولو عند بعض الناس ما لا يليق بالله تعالى فإنّ الواجب تجنبه، لئلا يُظنّ بالله تعالى ظنّ السوء، لكنّ ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فالواجب إثباته، وبيان بطلان وهم من توهم فيه ما لا يليق بالله عزّ وجلّ" كلام واضح، أيّ كلام مجمل يوهم معنىً باطلاً يجب حذفه، وإذا كان الكلام موجوداً في كتاب الله أو في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فظاهره حقّ، وهذا إذا توهم بعض الناس أنّ فيه باطل يرد على هذا التوهم ويبطل التوهم، فقط هكذا يكون التعامل مع مثل هذه المسائل، وبهذا نكون قد انتهينا من المثال الخامس والسادس، والحمد لله.

مركز الخليج


آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 19:04
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 14:15.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي