Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
العودة   منتديات شبكة الدين القيم > :: منـبـر الـمـشـرف العــام أبي الحسـن عـلـي الـرمــلي - حفظه الله - :: > منبر الدروس المفرغة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 23-01-2013, 21:01   #11
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الحادي عشر من شرح متن الورقات

المجلس الحادي عشر من شرح متن الورقات


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد ،،
فهذا المجلس الحادي عشر من مجالس شرح الورقات
تكلمنا في الدروس الماضية عن العام وبيَّنّا ما هو وما المراد به، وتكلمنا أيضاً عن الخاص وعن التخصيص كذلك وعن المخصِّصات، وقسَّم المؤلف رحمه الله المخصِّص إلى مخصصٍ متصل ومخصص منفصل، وذكرنا أن المخصص المتصل ما لا يستقل بنفسه والمخصص المنفصل ما يستقل بنفسه، ثم ذكر المؤلف رحمه الله من المخصصات المتصلة :الاستثناء والشرط والتقييد بالصفة وتكلمنا على الاستثناء والشرط في الدرس الماضي وتوقفنا عند التقييد بالصفة .
قال المؤلف رحمه الله: ((والمقيد بالصفة يُحمل عليه المطلق كالرقبة قُيِّدت بالإيمان في بعض المواضع وأُطلقت في بعض المواضع فيُحمل المطلق على المقيد))
ذكر المؤلف رحمه الله من المخصصات المتصلة الاستثناء والشرط ثم أدخل تقييد المطلق في مبحث العام والخاص، ونحن نفصل في ذلك على ما ذهب إليه أهل الأصول فبين العام والمطلق فرق سيأتي بيانه بإذن الله، الآن نقول بقي من المخصصات المتصلة الصفة والمراد بالصفة هنا ليست الصفة التي عند أهل النحو.
بل الصفة: هي ما أشعر بمعنىً يختص به بعض أفراد العام من نعت أو بدل أو حال أو ما شابه.
مثال النعت: أكرم الطلبة المجتهدين، (أكرم الطلبة) عام خصَّصْتُه بالمجتهدين ، والمجتهدين تعرب صفة.
ومثال البدل: أكرم الطلبة من اجتهد منهم، (أكرم الطلبة) هذا عام ، (من اجتهد منهم) تخصيص.
ومثال الحال: أكرم الطلبة الداخلين في المسجد، (أكرم الطلبة) هذا عام يشمل جميع الطلبة، (الداخلين في المسجد) خاص خَصَّص من الطلبة مَن هم في المسجد، هذا معنى التخصيص بالصفة.
وأما المطلق لغة: وهو المرسل وهو ضد المقيد أي الخالي من القيد هذا المطلق.
واصطلاحاً: ما دل على الحقيقة بلا قيد، تقول: أكرم رجلاً، المراد إكرام رجل من الرجال فكلمة رجل دلت على حقيقة الرجولة بلا قيد غير مقيدة بأي قيد فامتثالاً لهذا الأمر تذهب وتكرم أي شخص يتصف بالرجولة، هذا معنى الإطلاق، فالإطلاق أو المطلق عام ولكن عمومه بدلي، أنا لم أقل لك أكرم الطلبة، هذا عموم شمولي الذي نسميه العام وقد تقدم معنا، أكرم الطلبة أي طلبت منك أن تكرم كل فرد ممن يتصف بالطلب، بينما عندما أقول لك: أكرم طالباً، هنا المراد كم واحد؟ واحد ولكنه غير معيَّن، إذا أكرمت أي واحد ممن يتصف بالطلب تكون ممتثلاً هذا يسمى مطلقاً لأنه غير معين فالمراد منك أن تكرم واحداً من الطلبة لكنه غير معين، هذا معنى الإطلاق.
وأما المقيَّد لغة:ما جُعل فيه قيد من بعير ونحوه، يسمى مقيَّد، قيَّدت الدابة أي ربطتها.
واصطلاحاً:ما دل على الحقيقة بقيد مثل: أكرِم رجلاً كريماً أو فقيهاً، هنا المراد أن تكرم رجلاً شخص يتصف بالرجولة ولكن ليس على الإطلاق هكذا لا، مقيد أيضاً عندنا قيد وهو أن يكون هذا الرجل كريماً، هذا يسمى مقيدا كقول الله تبارك وتعالى { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } ] النساء/92]لو وقفنا إلى هنا وقلنا { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } هذا عام أم مطلق أم مقيد ؟ هذا مطلق، رقبة هنا مطلقة لأنها دلت على الحقيقة وهي غير مقيدة وعمومها بدلي وليس شمولياً، فتحرير رقبة المراد أن تعتق رقبة واحدة ولكنها غير معيّنة بخلاف لو قلنا: فتحرير الرقبة وكانت (أل) هذه استغراقية فهنا تكون الرقاب عامة بجميع ما يتصف بالرق، المقصود بالرقبة هنا الرقيق العبد أو الأمة، { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } هذا مطلق ولكن في قول الله تبارك وتعالى { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ }هذا مقيد قيدت هذه الرقبة بالإيمان، فاللفظ المطلق عندنا ها هنا الرقبة، قوله رقبة ، والقيد هو: مؤمنة، ويُحمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم، إذا اتحد الحكم يُحمل المطلق على المقيد، مثاله قول الله تبارك وتعالى في كفارة الظهار{ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } ] المجادلة/3] وقال في كفارة القتل{ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } ] النساء/92[ ففي كفارة الظهار أطلق فقال{ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا }لم يقيد الرقبة هنا لا بإيمان ولا بغيره، أما في كفارة القتل فقال{ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } قيَّد الرقبة بالإيمان، فهل نقول بأن كفارة الظهار يجوز فيها أن تعتِق رقبة سواء كانت مؤمنة أم كافرة ؟ ولكن في كفارة القتل لا يجوز إلا أن تكون مؤمنة ؟ أم نقول: نقيد المطلق بالمقيَّد ونقول بما أن كفارة الظهار جاءت مطلقة، الرقبة، وفي كفارة القتل جاءت مقيدة والحكم واحد وهو تحرير رقبة، الحكم واحد هنا الحكم تحرير رقبة وهنا تحرير رقبة فالحكم واحد، إذاً نقول بتقييد المطلق ونحمله على المقيد فنقول: فالرقبة يجب أن تكون مؤمنة في كفارة الظهار وفي كفارة القتل، لماذا حملنا المطلق على المقيد؟ لأن الحكم واحد اتحد الحكم، في الأولى تحرير رقبة وفي الثانية تحرير رقبة فنحمل المطلق على المقيد فنقول يجب أن تكون الرقبة مؤمنة في كفارة الظهار وفي كفارة القتل، إذاً هذا هو الضابط اتحاد الحكم، إذا اختلف الحكم فلا نحمل المطلق على المقيد أما إذا اتحد الحكم فنحمل المطلق على المقيد، إذاً فالفرق بين العام والمطلق: قلنا العام عمومه شمولي يشمل كل فرد من أفراد اللفظ وأما المطلق فعمومه بدلي أي لا يشمل جميع الموصوفين ولكن يراد واحد أو اثنين أو ثلاث ولكنهم غير معينين.
هذا ما يتعلق بالمطلق والمقيد.
ثم قال المؤلف رحمه الله: ((ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة، وتخصيص السنة بالكتاب، وتخصيص السنة بالسنة، وتخصيص النطق بالقياس، ونعني بالنطق قول الله وقول الرسول - صلى الله عليه و آله وسلم - )).
(يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب)مثال ذلك قول الله تعالى { وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } ] البقرة/221[ هذا نهي عن نكاح جميع المشركات لأن كلمة المشركات لفظ عام لدخول الألف واللام الاستغراقية عليه فيشمل كل مشركة، ومنهن من المشركات نساء أهل الكتاب ولكنها خُصَّت بقوله تعالى { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } ] المائدة/5[ أي أحل الله سبحانه وتعالى المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، ففي هذه الآية أَحل نكاح نساء أهل الكتاب وفي الآية الأولى وهي عامة تدخل نساء أهل الكتاب في لفظ المشركات والآية الثانية خاصة تتحدث عن خصوص نساء أهل الكتاب بأنهن حِلٌ لنا، إذاً هنا نخصِّص الآية العامة بالآية الخاصة فنقول: يَحرم نكاح المشركات إلا نساء أهل الكتاب، هكذا التخصيص يكون، إلا نساء أهل الكتاب، هذا الآن تخصيص منفصل، الأولى آية والثانية آية، الثانية منفصلة عنها تماماً فهذا تخصيص منفصل وهو من تخصيص الكتاب بالكتاب خصصنا القرآن بالقرآن، آية بآية وهذا لا إشكال فيه.
قال: (وتخصيص الكتاب بالسنة){ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ } ] النساء/11[ تأملوا هذه الآية الآن هذه آية في كتاب الله { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ }هذه الآية عامة في جميع الأولاد { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ }هذه عامة بالإضافة، أولاد أضيفت للضمير فهي عامة فتشمل جميع الأولاد، خُصَّت بالسنة بأن الأنبياء لا يورثون في قوله - صلى الله عليه وسلم - :" لا نورَثْ ما تركنا صدقة" وأيضاً بقوله - صلى الله عليه وسلم - :" لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ، فقوله : لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم يُخرج الأولاد الكفار، هؤلاء لا يرثون من آبائهم المسلمين وكذلك العكس فنخصص هذه الآية بخصوص هذا الحديث.
وأما (تخصيص السنة بالكتاب) فمثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ" خُصَّ هذا الحديث بقوله تعالى { وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } ] النساء/43[ فلا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ إلا من لم يجد الماء أو عجز عنه فيتيمم فيقبل منه، فخصصنا هذه السنة بهذه الآية.
وأما تخصيص السنة بالسنة فقال - صلى الله عليه وسلم - :" فيما سقت السماء العشر "هذا في الزكاة، فيما سقت السماء العشر هذا عام يشمل القليل والكثير ويشمل كل ما يخرج من الأرض وسقته السماء ففيه العشر يشمل الخضراوات والحبوب والثمار وغيرها فقوله: (فيما) هذا لفظ عام يشمل كل شيء، (ما) من ألفاظ العموم كما تقدم معنا فهي من صيغ العموم، خُص هذا الحديث بقوله - صلى الله عليه وسلم -:" ليس في ما دون خمسة أوسق صدقة" فهنا خُص ما يخرج منه الزكاة بما يُكال فقط لأنه قال:"خمسة أوسق " وهو مكيال وخَص أيضاً الزكاة فيما كان خمسة أوسق وأكثر وأما أقل من ذلك فلا زكاة فيه، فقال ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة بينما الحديث الأول قال : فيما سقت السماء العشر، سواء كان أقل من خمسة أوسق أو أكثر ، فلما جاء هذا الحديث خصصناه به لأن ذاك عام وهذا خاص والعام يخصص بالخاص .
وأما تخصيص الكتاب بالقياس فنحو قول الله تبارك وتعالى { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } ] النور/2[ ، الزانية تشمل الحرة والأَمة، والزاني تشمل الحر والعبد لكن هذا خُص بقوله تعالى { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } ] النساء/25[ هذه الآية خصصت الآية الأولى وليس هذا محل الشاهد عندنا نحن نتحدث عن تخصيص الكتاب بالقياس، الآن تخصيص الأَمة بأنها إذا زنت عليها نصف ما على الحرة من العذاب خصصت بهذه الآية التي معنا فهذا تخصيص الكتاب بالكتاب وقد تقدم معنا مثال فالأمة إذا زنت عليها نصف ما على الحرة من العذاب بهذه الآية، طيب والعبد ؟ العبد باقٍ داخل تحت العموم في قوله: الزانية والزاني، الزانية قلنا تشمل الأمة وتشمل الحرة، جاءت الآية الثانية خصَّت الأمة بحكم مستقل وهي أنها عليها نصف ما على الحرة من العذاب إن هي زنت، طيب والعبد ماذا نفعل به؟ هل نقيسه على الأمة ونقول هو أيضاً عليه نصف ما على الحر من العذاب قياساً على الأمة فنكون خصصنا عموم قوله تبارك وتعالى {و الزاني} الذي يشمل الحر والعبد نكون خصصناه بقياس العبد على الأمة أم لا نخصص ؟ من قال بجواز تخصيص عموم الكتاب بالقياس قال نعم نخصص والعبد هنا عليه نصف ما على الحر من العذاب إن هو زنى، فيجلد خمسين جلدة بخلاف الحر، هذه صورة ومثال لتخصيص الكتاب بالقياس.
وأما تخصيص السنة بالقياس فنحو قوله - صلى الله عليه وسلم -:" البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام " خُص هذا بقياس العبد على الأمة في تنصيف العذاب، كالقياس الذي تقدم معنا، خصصنا به هذا الحديث أيضاً كما خصصنا به الآية البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، البكر بالبكر يشمل الحر والعبد خصصناه بالقياس بقياس العبد على الأمة فقلنا بتنصيف العذاب والاقتصار على خمسين جلدة وإلا فإن عموم قوله - صلى الله عليه وسلم - :"البكر بالبكر" يشمل الحر والعبد، وبعض أهل العلم قال: العموم يبقى على عمومه ولسنا بحاجة إلى تخصيصه بالقياس فالعموم حجته أقوى من حجة القياس، ولكن صح عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه خصص السنة بالقياس.
ثم بدأ المصنف رحمه الله في المجمل والمبين وبهذا نكون قد انتهينا من مبحث العام والخاص والمطلق والمقيد.
فقال المصنف رحمه الله:- هذه المباحث كلها مباحث مهمة جداً من الناحية العملية - قال المصنف رحمه الله : ((والمجمل:ما يفتقر إلى البيان. والبيان:إخراج الشيء من حيِّز الإشكال إلى حيز التجلي ))
المجمل ما هو المجمل ؟ المجمل لغة: هو المبهم والمجموع، ومعنى المبهم يقال: استبهم الخبر واستغلق واستعجم بمعنى أبهمتَه إبهاماً إذا لم تبيِّنه ولم توضحه، استبهم الخبر: لا يُفهم، ويطلق أيضاً على المجموع، ما زالوا إلى اليوم عندنا يقولون: هذا يبيع بالجملة وهذا يبيع بالتفريق، يبيع بالجملة يعني يبيع بالمجموع لا يبيع بالمفرد بالحبة يبيع بالمجموع، هذا معنى بالجملة أي بالمجموع، يقال : بيع الجملة أي المجموع بخلاف بيع التفريق، وبعض السلف تجدهم يطلقون على المجمل: المبهم فيقولون هذا مبهم وهذا مفسَّر، بينما عند الأصوليين المجمل والمبيَّن، عند السلف المبهم والمفسر.
المجمل اصطلاحاً عند الأصوليين قال المؤلف : ما يفتقر إلى البيان، ماذا يعني ما يفتقر إلى البيان متى يطلق على الكلام بأنه مجمل ؟ أي أنه لا يفهم المراد منه بمجرده، لا يمكن أن تفهم المراد منه بمجرد أن تقرأ هذا اللفظ أو أن تسمعه بل يُتوقف فهم مقصوده على أمر خارج عنه، والبعض يقول في تعريفه :( ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجُّح لواحد منهما أو منها على غيره )، ما احتمل أكثر من معنى وكانت هذه المعاني متساوية في القوة لا تستطيع أن ترجح أحد المعاني على الآخر هذا معنى المجمل يقال فيه بأنه مجمل يحتاج إلى تفسير من كلام خارجي عنه.
مثاله:القُرء في قوله تعالى { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } ] البقرة/228]ما هو القرء ؟ نرجع إلى اللغة العربية، القرء في اللغة يطلق على الحيض وعلى الطهر، هذه التي تسمى الأسماء المشتركة، فما المراد بالقرء في الآية؟ الطهر أم الحيض؟ نقول: الآية مجملة من هذه الناحية مجملة تحتاج إلى بيان، لأنك لا تستطيع أن تقول المراد بالقرء الطهر وتترك الحيض لماذا؟ ما دليلك؟ هو في اللغة يطلق على الاثنين، فلماذا قلت هو الحيض مثلا ؟ أو لماذا قلت بأنه طهر ؟ لا تستطيع أن ترجح أحدهما على الآخر، إذاً تحتاج إلى مرجح آخر خارجي حتى يبين لك المراد من القرء في هذه الآية، هذا معنى الإجمال وهنا الآية نقول مجملة من هذه الناحية. { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } ] البقرة/43[ آية في كتاب الله ، بمجرد أن تسمع هذه الآية هل باستطاعتك أن تقيم الصلاة؟ لا، كيف أقيمها؟ هي من هذه الناحية مجملة تحتاج إلى بيان، هذه تسمى مجملة بيَّنها النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله، فإذاً اللفظ إذا احتمل أكثر من معنى وكانت المعاني متساوية لا يترجح أحدها على الآخر أو على المعاني الأخرى هذا يسمى مجملاً، أو فلنقل كما قال المؤلف: ما يفتقر إلى البيان، فما هو البيان؟ وأما البيان فقال المصنف: ( هو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي) إخراج الشيء من الإشكال إلى الوضوح كما مثلنا بالقرء، الآن هنا أصبح عندنا إشكال هل المراد به الحيض أم المراد به الطهر ؟ جاءت رواية في حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في المستحاضة :" اتركي الصلاة قدر ما كانت تحبسكِ أقراؤكِ" وما الذي يحبس المرأة عن الصلاة الطهر أم الحيض؟ الحيض، فسمى النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الرواية الحيض قرءًا، إذاً فالقرء في الشرع هو الحيض، فهذا الحديث الآن، هذه الرواية بينت أن المراد بالقرء الحيض فهذا بيان لمعنى الآية، هذا هو البيان (إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح ) .
هذا هو المجمل وهذا المبين.
ثم قال المؤلف رحمه الله: ((والنص:ما لا يحتمل إلا معنىً واحداً، وقيل:ما تأويله تنزيله، وهو مشتق من منصة العروس وهو الكرسي.والظاهر:ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر. ويؤوَّل الظاهر ويسمى ظاهراً بالدليل))
النص والظاهر والمؤوَّل هذا ما يريد أن يتحدث عنه المؤلف رحمه الله في هذه الفقرة.
النص اصطلاحاً: (ما لا يحتمل إلا معنىً واحداً ) ما في احتمال مجرد أن تسمعه تفهم معناه ولا يحتاج إلى إيضاح وبيان، فهو واضح لا يحتمل أكثر من معنى، كقول الله تبارك وتعالى{ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } ] البقرة/196] فالعشرة هنا الكاملة نصٌ فيما دلت عليه لا تحتمل معنىً آخر، لا تحتمل أنها تسعة أيام أو أحد عشر يوماً، لالا، خلاص هي عشرة كاملة عشرة أيام لا تحتمل معنى آخر، هذا يسمى نصاً في المسألة. هذا هو النص ويطلق النص عند الأصوليين أيضاً على معاني أكثر من هذا لكن هذا الذي يهمنا الآن.
وقول المؤلف: (وقيل ما تأويله تنزيله )أي قيل في تعريف النص أنه الذي تفسيره تنزيله أي بمجرد ما ينزل نفهم معناه لا يحتاج إلى بحث في الوصول إلى معناه والتعريف الأول هو المشهور عند الأصوليين.
وأما قوله: (وهو مشتق من منصة العروس وهو الكرسي ) أي الكرسي الذي تجلس عليه العروس، معروف عندكم يسمى منصة، وذلك لأن العروس عندما تجلس على الكرسي تظهر وترتفع لأن أصل النص في اللغة هو الظهور والارتفاع، ويكون كرسيها مرتفعاً وقلنا أن النص في اللغة هو الظهور والارتفاع فبَيْن المنصة وبين النص مناسبة وهي الارتفاع، هذا مراده بقوله مشتقة من كذا ولا يريد بالاشتقاق الاشتقاق الصرفي المعروف الذي هو الاتفاق بين الكلمتين لفظاً ومعنى، ما أراد هذا هو، فهذا الاشتقاق الصرفي لا يكون إلا من المصدر عند البصريين ومن الفعل عند الكوفيين والمنصة ليست بفعل ولا مصدر إنما هي اسم آلة وقيل اسم مكان فلا هي مصدر ولا هي فعل، فإذاً مراده بالاشتقاق التقاء الكلمتين واجتماعهما في معنىً واحد، أو أصلهما يجتمعان في معنىً واحد وهو الارتفاع والظهور.
وأما الظاهر فهو لغة: الواضح والبيِّن أو خلاف الباطن.
واصطلاحاً: كما قال المؤلف:( ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر ) الظاهر ما احتمل معنيين أو أكثر وأحد معانيه أرجح من المعاني الأخرى التي يدل عليها، لاحظ تقدم معنا أن المجمل ماذا ؟ ما احتمل أكثر من معنى معنيين أو أكثر ولكنها كانت هذه المعاني متساوية لا يترجح أحدها على الآخر، بينما عندنا ها هنا ما احتمل معنيين فأكثر لكن عندنا معنىً من هذه المعاني هو أرجح من غيره فهذا الأرجح يسمى ظاهراً مثل: رأيت اليوم أسداً، هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد بالأسد الحيوان المفترس، هذا احتمال واحتمال ثانٍ أنه الرجل الشجاع، لكن الاحتمال الأظهر والأقوى هو أنه الحيوان المفترس، فهذا الاحتمال الأظهر والأرجح هو الذي يسمى الظاهر، هذا معنى الظاهر، والثاني الذي هو المعنى المرجوح المعنى الأضعف إذا حُمل الكلام عليه يسمى مؤولاً، إذا قلت لك: رأيت اليوم أسداً ووُجدت عندك قرينه دلَّتك على أن مرادي بالأسد هو الرجل الشجاع، فهنا أصبح قولي: رأيت اليوم أسداً هذا مؤولاً وليس ظاهراً، ولا يقال له ظاهر إلا بالتقييد، تقول هو ظاهر بالدليل أي بوجود دليل دل على أن المراد المعنى المرجوح وليس المعنى الراجح.
وأما التأويل فله ثلاثة معان: معنيان مستعملان عند السلف ومعنى مستعمل عند المتأخرين، المعنى الأول المراد بالتأويل: الحقيقة التي يصير إليها الأمر مثل قول الله تبارك وتعالى{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ } ] الأعراف/53] أي حقيقة ما أُخبروا به، والمعنى الثاني التفسير كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس :" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " ومنه قوله تعالى{ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف/36] أي بتفسيره إذاً فالتأويل يأتي بمعنى الحقيقة التي يصير إليها الأمر ويأتي بمعنى التفسير ، وأما المعنى الثالث وهو معنى اصطلاحي المعنى الأول والثاني معنى لغوي أما المعنى الثالث معنى اصطلاحي وهو: (صرف اللفظ عن ظاهره بدليل) ظاهر اللفظ رأيت اليوم أسداً، ظاهره أنني رأيت حيواناً مفترساً، إذا قلت أنت لا، هو يعني بأنه رأى رجلاً شجاعاً، هنا أنت أوَّلت هذا اللفظ هذا يسمى تأويلاً وتطالب بالدليل عليه لأن الأصل هو الظاهر ولا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلا بدليل، فإذاً أول أمر تحتاج إليه في اللفظ: هل اللغة العربية دلت فيه على معنىً واحد أم على أكثر من معنى ؟ فإن دلت على معنى واحد فهو النص، إن كانت المعاني متساوية فهو المجمل وأما إذا كانت المعاني مختلفة في القوة فالراجح يقال له الظاهر، والمرجوح إن وجد دليل يدل على أنه المراد يسمى مؤولاً أو يسمى الظاهر بدليل، هذا هو التفصيل في هذه المسألة .
وبقي تنبيه أخير وهو أن التأويل منه تأويل صحيح ومنه تأويل فاسد، التأويل تأويلان تأويل صحيح وتأويل فاسد، التأويل الصحيح التأويل الذي ينبني على أدلة صحيحة من الكتاب أومن السنة هذا يسمى تأويلاً صحيحاً مثاله : "من مس ذكره فليتوضأ " ظاهره أن من مس ذكره يجب عليه الوضوء، أوَّله بعض أهل العلم وصرفه عن الظاهر فقال: من مس ذكره بشهوة فليتوضأ، هل هذا التأويل صحيح أم لا ؟ إن وُجد دليل عليه قلنا هو تأويل صحيح وإن لم يوجد عليه دليل يسمى تأويلاً فاسداً، ما حملهم على هذا التأويل؟ حملهم عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" إنما هو بضعة منك " إذاً وُجد عندهم دليل على هذا التأويل، فهو تأويل صحيح إن سلَّمنا بهذا التأويل وإن سلمنا بصحة الحديثين، أما مثال التأويل الفاسد فكقول الله تبارك وتعالى { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } ] طه/5[ فيقول قائل: استوى بمعنى استولى، هذا تأويل فاسد، لماذا كان تأويلا فاسداً ؟ لأنه لا يوجد عليه دليل لا من الكتاب ولا من السنة، التأويل إن لم يوجد عليه دليل أصلا فهو تأويل فاسد والبعض يسميه لعباً، وإن وُجد عليه دليل في نظر المؤوِّل لا في حقيقة الأمر ولكنه في حقيقة الأمر هو ليس دليلاً معتبراً أيضاً يسمى تأويلاً فاسداً، فهذا التأويل تأويل فاسد بعيد عن الصواب، اعتمدوا فيه على العقل وضربوا بنصوص الكتاب والسنة عرض الحائط، ظنوا هم أنها أدلة، هذه الأدلة العقلية التي اعتمدوا عليها، وإنما هي في الحقيقة خيالات ردوا بها أدلة الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة المحكمة، فتأويلهم هذا تأويل فاسد وهو أقرب إلى التحريف من التأويل وإن سمي تحريفاً كان أصوب.
هذا ما يتعلق بالنص والظاهر والمؤوَّل وهي مهمة جداً كما ذكرنا لكم هذه الدروس ونكتفي بهذا القدر
.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-01-2013, 21:09   #12
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الثاني عشر من شرح متن الورقات.

المجلس الثاني عشر من شرح متن الورقات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد,،

فهذا المجلس الثاني عشر من مجالس شرح الورقات أسأل الله أن ينفع بها
انتهينا في الدرس الماضي من المجمل والمبيَّن ومن النص والظاهر والمؤول .
معنا اليوم أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - .
قال المصنف رحمه الله تعالى :
الأفعال
((فعل صاحب الشريعة لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو لا يكون)) مقصود المصنف رحمه الله بقوله :(فعل صاحب الشريعة) أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما انتهى رحمه الله من الأقوال ودلالاتها بدأ بالأفعال ، ما الذي يصلح أن يؤخذ منه حكم شرعي وما الذي لا يصلح أن يؤخذ منه ذلك ، فقسَّم أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قسمين : القسم الأول ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - تعبداً ، هذا معنى قوله :(على وجه القربة والطاعة) ، والقسم الثاني : ما فعله - صلى الله عليه وسلم - على غير وجه التعبد ، ثم قسَّم القسم الأول وهو الذي فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التعبد إلى قسمين فقال : فإن كان على وجه القربة والطاعة فإن دل دليل على الاختصاص به يُحمل على الاختصاص وإن لم يدل لا يخصَّص به لأن الله تعالى قال { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } [ الأحزاب/21]إذاً فِعْلُ النبي - صلى الله عليه وسلم - التعبدي ينقسم إلى ما هو خاص به وإلى ما هو عام للأمة كلها والأصل في أفعاله - صلى الله عليه وسلم - التعبدية أنها عامة للأمة كلها لقوله تبارك وتعالى{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فالأصل التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أفعاله ، والتأسي هو أن تفعل كما فعل - صلى الله عليه وسلم - لأجل أنه فعل ولا يجوز ادعاء الخصوصية في فعل من الأفعال إلا بدليل فكما ذكرنا الأصل هو التأسي فإن ادعى أحدهم بأن عملاً ما من أعمال النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصاً به يطالب بالدليل على دعوى الخصوصية فإن دل الدليل على أن الفعل خاص به - صلى الله عليه وسلم - وجب حمله على الاختصاص به ولا يجوز التأسي به فيه وذلك كزواجه - صلى الله عليه وسلم - وجمعه بين أكثر من أربع نسوة وكالوصال في رمضان كان - صلى الله عليه وسلم - يصل يوماً بيوم في رمضان ولا يفطر ونهى أصحابه عن الوصال إذاً هذا فعل خاص به - صلى الله عليه وسلم- وقال :" إني لست مثلكم إني أَظَل يطعمني ربي ويسقيني " ورد دليل يدل على الخصوصية .
ثم بدأ المصنف رحمه الله يبين حكم أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عرفنا الآن القسمة ، من أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما هي تعبدية ومن أفعاله ما ليست تعبدية والفعل التعبدي منه ما هو خاص به - صلى الله عليه وسلم - ومنه ما هو عام للأمة ، طيب ما حكم هذه الأفعال ؟ قال رحمه الله : (( فيُحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا ، ومن أصحابنا من قال: يحمل على الندب ، ومنهم من قال: يُتوقف فيه . فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيُحمل على الإباحة ))
لا شك أن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - التي على غير وجه القربة والطاعة كالأفعال الجبلية أنها للإباحة لأن ذلك لم يقصد به التشريع ولم نُتعبد به ، كأصل الأكل والشرب والبول فهذه أشياء يفعلها من حيث هو بشر ولا يستغني عنها فلا يمكن تركها هذه أفعال جِبلِّية أصل الفعل أصل الأكل والشرب جِبِلِّي عندما يجوع يأكل ، قضاء الحاجة جِبلي لابد له منه لا يتمكن من ترك هذه الأشياء هذه أفعال جبلية فَعَلَها بمقتضى الجبلَّة، نعم الصفات التي تتصف بها هذه الأفعال ربما تكون تشريعية تعبدية كالأكل باليمين مثلاً والجلوس عند البول وهكذا لكن أصل هذا الفعل جبلي مفعول بمقتضى الجبلة .
فهذه أشياء كما ذكرنا يفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى الجبلة ، فهذه كلها كما ذكر المصنف تُحمل على الإباحة كما ذكر في آخر الفقرة التي قرأناها قال:(فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيحمل على الإباحة )
وأما الأفعال التعبدية فالصحيح أنها تحمل على الاستحباب ، في المسألة خلاف ذكره المصنف فقال: (يحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا) مَنْ أصحابهم ؟ الجويني شافعي عندما يقول عند بعض أصحابنا يعني شافعية فأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - التعبدية التي ليست خاصة به-صلى الله عليه وسلم- بعض الشافعية يحملها على الوجوب . قال :(ومن أصحابنا من قال يحمل على الندب) على الاستحباب ، بعض الشافعية ذهب إلى أنها على الاستحباب والبعض قال : يُتوقف فيها والصحيح أنها تحمل على الاستحباب لأن الأصل عدم العقاب ، الأصل براءة الذمة فلا يُلزَم الناس بشيء إلا بوجود دليل يلزمهم به ، والفعل فَعَلَه النبي - صلى الله عليه وسلم - تعبداً وقربة إلى الله تبارك وتعالى والله قال لنا { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } إذاً يُشرَع لنا أن نتأسى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، هذه الشرعية تقتضي استحباب هذه الأفعال .
إذاً فالأصل فيها أنها مستحبة إلا إذا كانت بياناً لمجمل ، تقدم معنا المجمل والمبين والبيان ، إذا كانت بياناً لمجمل فحكمها حكم ما بيَّنته هذه الأفعال فإذا بينت واجباً فهي واجبة وإذا بينت مستحباً فهي مستحبة كقطع يد السارق مثلاً من الكوع بيانا لقوله تعالى{ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } [ المائدة/38]وكالتيمم مثلاً الذي بيَّن كيفيته النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع اليد من الكوع وتيمُّم النبي - صلى الله عليه وسلم - بضربه يديه على الصعيد ومسح وجهه بهما وكذلك كفيه ، هذه الأفعال هي بيان لمجمل فتعطى حكم هذا المجمل ، التيمم عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله واجب إذاً فالتيمم على الصورة التي بيَّنها لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أصبح واجباً ، فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - للتيمم واجب ، كذلك قطع اليد من الكوع لما قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - اليد من الكوع بيَّن لنا الإجمال الذي في آية { فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } اليد تشمل إلى الكتف من أين نقطع ؟ بيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله فأصبح واجباً علينا أن نقطع من الكوع ، هذه الذي تسمى الأفعال البيانية أو المبيِّنة هذه الأفعال تعطى حكم ما بيَّنَتْه .
وقال رحمه الله :((وإقرار صاحب الشريعة هو كقول صاحب الشريعة وإقراره على الفعل كفعله ))
انتقل الآن إلى الإقرار ، انتهى من الفعل وانتقل إلى الاقرار ، الاقرار هو سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم -عن إنكار فعل أو قول قيل أو فُعِل في حضرته أو في زمنه من شخص غير كافر ، أفعال الكفار لا عبرة بها العبرة بأفعال المسلمين ، إذا فعل مسلم فعلاً أو قال قولاً في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسكت - عليه الصلاة والسلام - فلم ينكر عليه هذا يسمى إقراراً ، فما حكمه ؟ قال المصنف : (وإقرار صاحب الشريعة على القول هو كقول صاحب الشريعة ) لا فرق ، في الحكم نفس الحكم وكذلك إقراره على الفعل كفعل صاحب الشريعة ، يعني فلنقل بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى خالداً يأكل ضباً وسكت فنأخذ من هذا جواز أكل الضب أي كأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل الضب لأنه رأى خالداً يأكل الضب وسكت عنه ، وكذلك إذا قال أحدهم قولاً أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - كقول الجارية مثلاً قال لها : أين الله ؟ قالت: في السماء ، قال: اعتقها فإنها مؤمنة ، لما قالت هذه الجارية الله في السماء هذا حكمه كحكم قول النبي - صلى الله عليه وسلم- تماماً يعني كأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله في السماء ، الحكم واحد فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسكت على باطل لا يسكت على خطأ لأن السكوت على الخطأ تأخير للبيان عن وقت الحاجة وذلك لا يجوز .
بوَّب الإمام البخاري رحمه الله باب من رأى ترك النكير من النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة لا من غير الرسول أي أن الحجة في إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - فقط لا من غيره وهذا هو الصواب .
قال المصنف رحمه الله :((وما فُعِل في وقته في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره عليه فحكمه حكم ما فعل في مجلسه))
ما فُعِل في وقته - صلى الله عليه وسلم - في غير مجلسه أي ليس في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل بعيداً عنه لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم به ولم ينكره على فاعله ، قال المؤلف: فحكمه حكم ما فعل في مجلسه لا فرق بين أن يُفعل في مجلسه أو أن يُفعل بعيداً عنه لكن ظاهر كلام المؤلف أنه يشترط أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم بهذا الفعل ، والصحيح خلاف مفهوم كلام المصنف إن أراده ، لو لم يصرَّح فيه بأنه - صلى الله عليه وسلم- سمع ذاك الفعل أو رآه بما أن الفعل فُعِل أو القول قيل في زمن التشريع في زمن حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو كما لو قيل أو فعل في حضرته لا فرق سواء بلغنا أنه علم أو لم يبلغنا لأن الله اطلع تبارك وتعالى على هذا الفعل فلو لم يكن مشروعاً لنزل إنكاره تصوروا بارك الله فيكم قول جابر ابن عبدالله قال رحمه الله جابر ابن عبدالله الصحابي نحن الأصول نأخذها من كتاب الله ومن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أنظروا ماذا يقول جابر ابن عبدالله مأصِّلاً لهذا الأصل قال:"كنا نعزل والقرآن ينزل "كنا نعزل العزل عن النساء عند الجماع ، كنا نعزل والقرآن ينزل لوكان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن والله أعلم ، إذاً هذا جابر بن عبد الله يستدل بجواز الفعل لأنهم كانوا يستدلوا على جواز الفعل بأنهم كانوا يفعلونه في وقت نزول القرآن فهم علموا أنهم عندما يفعلوا فعلاً لا يريده الله تبارك وتعالى أنه سينزل الإنكار عليهم ، إذاً فالفعل أو القول إذا قيل أو فعل من مسلم في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يَرد إنكاره فهو حجة كفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أو كقوله ، هذا مما ذكره المصنف رحمه الله مما يتعلق بأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - .

النسخ
وبعد أن انتهى من الأفعال بدأ بالنسخ و هو موضوع مهم جداً في علم الأصول ، النسخ وهو من علوم القرآن لكنه لا يختص بالقرآن ، النسخ يَرِد على القرآن وعلى السنة .
فقال رحمه الله :((وأما النسخ فمعناه لغة الإزالة , يقال :نسخت الشمس الظل إذا أزالته ورفعته وقيل: معناه النقل من قولهم: نسختُ ما في هذا الكتاب أي نقلته وحدُّه الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه))
بدأ المصنف رحمه الله بتعريف النسخ لغة أولاً ثم عرَّفه اصطلاحاً فذكر أن النسخ في اللغة يطلق على الإزالة والرفع ، تقول : نسخت الريح الأثر أي أزالته ونسخت الشمس الظل أي أزالته ورفعته ، إذاً النسخ في اللغة بمعنى الإزالة والرفع ويستعمل النسخ أيضاً في اللغة بمعنى النقل تقول :نسخت ما في هذا الكتاب أي نقلته وعبَّر بعض العلماء عنه بقولهم: ما يشبه النقل ما قال النقل قال: ما يشبه النقل لماذا ؟ قالوا: لأن نسخ الكتاب حقيقة ليس نقلاً لما في الكتاب ،أمامك كتاب مكتوب تريد أن تنسخه على كتاب آخر هل ستزيل الأحرف والكلمات من الكتاب الأصل وتضعها في الفرع ، لا ، أنت ستنقل الصورة فهو يشبه النقل والبعض قال لا داعي لهذا التنطع كله النسخ بمعنى النقل مفهوم المراد منه فلا داعي لمثل هذا لكن الدقة في العبارات أيضاً جيد، هذا تعريف النسخ من ناحية اللغة .
وأما النسخ شرعاً فالمؤلف رحمه الله عرَّف الناسخ ولم يعرِّف النسخ فقال: الخطاب الدال على رفع الحكم إلى آخر كلامه، الخطاب الدال على رفع الحكم هو الذي نسخ الحكم وليس هو النسخ بنفسه ، الخطاب الذي يدل على رفع الحكم هو الآية أو الحديث الذي يدل على رفع الحكم وهذا هو الناسخ وأما النسخ شرعاً فهو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر أكثر أهل الأصول اعتمدوا هذا التعريف في تعريف النسخ ،رفْع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر ورحم الله ابن كثير قال : عبارات الأصوليين كثيرة في النسخ ذكر هذا في تفسيره عند تفسيرآية { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ...إلخ } [ البقرة/106]
قال عبارات الأصوليين كثيرة في تعريف النسخ ولكنه معروف عند العلماء ما المراد به ، رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر ، بالمثال يتضح الأمر قول الله تبارك وتعالى{إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مّاِئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } [ الأنفال/65] تعرفون هذه الآية؟ هذه الآية تسمى آية المصابرة هي والتي بعدها التي ستأتي ، هذا خبر ، الآية هذه جاءت بصيغة الخبر ولكنها بمعنى الأمر وكان هذا يوم بدر فرض الله على الرجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين وحرَّم عليه أن يفر منهم ، هذا حكم فثقلت هذه الآية على المؤمنين فخفف الله عنهم ونسخها بقوله تعالى { الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مّاِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال/66]هذه الآية أيضاً تسمى آية المصابرة هذه الآية التي أولها (الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ ) نسخت الحكم الأول ، عندنا حكم في البداية عدم جواز الفرار أمام العدو إذا كانوا عشرة فما دون ، هذا حكم ، هذا الحكم نسخ بالآية الثانية التي هي { الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ...إلخ } فإذاً النسخ ما هو ؟ (رفع الحكم الشرعي) ، إيش الحكم الشرعي عندنا هنا ؟ رفع الحكم الشرعي في المثال رفع حكم وجوب مقابلة العشرة فما دون ، هذا الحكم الشرعي مرفوع رُفع (بدليل شرعي )الآية الثانية هو الدليل الشرعي التي ذكرناه وهي آية نزلت بعد الآية الأولى فهي متأخرة عنها ، الآية الثانية نزلت بعد الآية الأولى فهي متأخرة عن الآية الأولى التي أثبتت الحكم الأول ، إذاً فلا بد من معرفة المتقدم والمتأخر للحكم بالنسخ هذا هو معنى النسخ ."كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " قوله - صلى الله عليه وسلم - :" كنت نهيتكم " على ماذا يدلكم هذا ؟ يدلك على وجود نهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - متقدم ، نهي عن زيارة القبور فقال :" فزوروها فإنها تذكركم الآخرة" الآن هذا الحديث قوله :" كنت نهيتكم عن زيارة القبور ...إلخ " جاء متأخراً عن الحكم الأول الذي هو تحريم زيارة القبور لكن هذا الحكم الأول الذي هو تحريم زيارة القبور رُفع بهذا الحديث وهو الدليل الشرعي وهو متأخر عن الحكم الأول .
هذا معنى النسخ
فما هو دليل النسخ ؟ ما الدليل على وجود شيء منسوخ ؟أو ما الدليل على جواز النسخ والقول به ؟ الدليل قول الله تبارك وتعالى { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } [ البقرة/106] فهذه الآية دليل على ثبوت النسخ شرعاً ، وأيضاً يدل على جوازه وقوعه كما مثلنا لكم وكما ستأتي صور أخرى وصوره كثيرة في الكتاب والسنة وأُلِّفت فيه كتب مؤلفة في الناسخ والمنسوخ .
ثم قال المصنف رحمه الله :((ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم ، ونسخ الحكم وبقاء الرسم ))
هذه أقسام النسخ باعتبار بقاء المنسوخ وعدمه وهي ثلاثة أقسام وقبل أن نبدأ بها ينبغي أن نعلم أن المراد بالرسم هنا اللفظ أي يجوز نسخ الآية من المصحف بمعنى أنها لا تُثبَت فيه ولا تُتلى مع ما يتلى من القرآن مع أن الحكم الذي دلت عليه الآية باقٍ أي مستمر التكليف فيه . هذا القسم الأول
القسم الأول وهو : نسخ الرسم وبقاء الحكم ، نسخ اللفظ وبقاء حكم الآية المنسوخ لفظه أي أن اللفظ يُرفع من المصحف فلا يُكتب في المصحف ولا يُقرأ مع القرآن ولا يُتعبد الله سبحانه وتعالى بتلاوته ، هذا معنى نسخ لفظ ، ولكن حكم الآية باق مثلوا لذلك بآية الرجم ، آية الرجم (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ) هذه الآية نُسخ لفظها من القرآن لم تعد تُقرأ في القرآن يعني أنها كانت تُقرأ في القرآن لكنها رفعت ونسخت فلا تقرأ ولا تكتب فيه و لكن حكمها باقٍ ، الزاني المحصن والزانية المحصنة يُرجما وهذا المراد بالشيخ والشيخة وآية الرجم مذكورة في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه ومن ادعى بأن ذكر آية الرجم لا يثبت فهو مخطئ ، ذكر آية الرجم مذكور في الصحيحين من حديث عمر ذكر أنها آية من كتاب الله فقال عندما كان يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : وأُنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم -هذا كلام عمر - فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله... إلى آخر كلامه ، فأثبت عمر رضي الله عنه أن مما أُنزل في الكتاب آية الرجم ، إذاً آية الرجم وكونها كانت تتلى في كتاب الله هذا ثابت لا إشكال فيه وهو في الصحيحين من كلام عمر رضي الله عنه وأنها منسوخة كذلك ولكن الخلاف حاصل في ثبوت اللفظ هذا الذي ذكرناه وهو : والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ، هذا الذي حصل فيه خلاف هل هذا اللفظ نفسه هو الذي كان ثابتاً أم لا ؟ هذا الذي حصل فيه الخلاف وصحح هذا اللفظ غير واحد من أهل الحديث آخرهم الإمام الألباني رحمه الله في الصحيحة ، الشاهد هو جواز نسخ اللفظ وبقاء الحكم ، الحكمة من ذلك اختبار الأمة بالعمل بما لا يجدون لفظه في القرآن يختبرهم الله سبحانه وتعالى يمتحنهم هل سيؤمنوا بهذا أم لا ؟ .
هذا بالنسبة للقسم الأول
وأما القسم الثاني : وهو نسخ الحكم وبقاء الرسم
يعني نسخ الحكم وبقاء اللفظ ، هذا كثير في القرآن وقد قدمنا مثالاً لذلك وهو آيتا المصابرة ، الآية الأولى حكمها منسوخ مع أنها ما زالت تُقرأ كما رأيتم ما زالت تتلى في كتاب الله لكن حكمها منسوخ وكذلك قول الله تبارك وتعالى { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } [ البقرة/184] في الصيام أنظروا إلى هذه الآية { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } أي الصحيح القادر على الصيام كان مخيَّراً بين الصيام والفدية فنُسخ التخيير بقوله تعالى { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } [ البقرة/185] فألزمه بالصيام ولا تُقبل منه الفدية ، الآية الأولى { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } فيها حكم التخيير هذا الحكم متقدم الآية الثانية { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } هذه آية دليل شرعي متأخر رافع للحكم الأول وهذا النسخ ، وهذه الآية الأولى { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ...إلخ } آية تتلى في كتاب الله ولكن حكمها مرفوع .
وكذلك يجوز نسخ الحكم واللفظ معاً، هذا القسم الثالث يجوز نسخ الحكم واللفظ معاً مثاله نسخ عشر رضعات إلى خمس قالت عائشة :"كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن ثم نُسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن" أي لقرب العهد بالنسخ ، بعض الناس لم يبلغهم النسخ فلما بلغهم تركوا ، إذاً هذه العشر رضعات كانت فيما يتلى في كتاب الله فنسخت ونسخت أيضاً العشر إلى خمس فالحكم نسخ واللفظ نسخ ، هذه صور النسخ ، إذاً إما أن يُرفع الحكم واللفظ أو أن يُنسخ الحكم ويبقى اللفظ أو أن ينسخ اللفظ ويبقى الحكم .
ثم قال المصنف رحمه الله : (( والنسخ إلى بدلٍ وإلى غير بدل ، وإلى ما هو أغلظ وأخف ))
هذا تقسيم آخر للنسخ ، من جهة أخرى فهو ينقسم إلى نسخٍ إلى بدل ونسخٍ إلى غير بدل والنسخ إلى بدل إما أن يكون البدل أخف أو أثقل أو مساوياً ، هذه القسمة : نسخٌ إلى بدل (هذا القسم الأول) ونسخٌ إلى غير بدل (هذا القسم الثاني) ، والنسخ إلى بدل إما أن يكون البدل أخف أو أثقل أو مساوياً ، ونعني بالنسخ إلى البدل أن يُرفع الحكم الأول ويأتي مكانه حكمٌ آخر بدله ، هذا معنى النسخ إلى بدل ، يُرفع الحكم الأول ويأتي حكم آخر بدله ، بعض أهل العلم قال لا يجوز النسخ لغير بدل بل النسخ كله إلى بدل فلا يُرفع حكم إلا ويأتي حكم آخر مكانه والبعض قال كما قال المصنف رحمه الله : يوجد نسخ إلى غير بدل ، فالمقصود بالنسخ إلى غير بدل أن يُرفع الحكم الأول ولا يأتي مكانه حكم آخر بل يرجع إلى البراءة الأصلية ومثلوا في النسخ إلى غير بدل بوجوب الصدقة بين يدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان المؤمنون مأمورين أولاً ألاّ يخاطبوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا بأن يقدموا صدقة ثم بعد ذلك نُسخ هذا الحكم وجاز لهم أن يخاطبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير صدقة فرُفع وجوب الصدقة إلى غير بدل فرجع إلى البراءة الأصلية .
وأما النسخ إلى بدلٍ فهو كثير وقد يكون البدل أخف أو أثقل أو مساوياً ، الأخف تقدم معنا مثاله في آيتي المصابرة رأيتم كيف ، كان يجب على الشخص أن يصبر أمام عشرة فما دون ،نُسِخْنَ إلى اثنين أو واحد ، فهذا من الأثقل إلى الأخف أهون بكثير .
ومثال الأثقل نسخ التخيير في صيام رمضان إلى وجوب الصيام فقط ، الذي تقدم معنا ولا شك أن التخيير أهون وأخف التخيير الذي هو أهون وأخف رفع وبقي الأثقل الأشد وهو وجوب الصيام فإذاً النسخ يكون من الأثقل إلى الأخف ومن الأخف إلى الأثقل ، والمساوي أيضا ، يُنسخ أيضاً إلى شيء يساويه لا يختلف عنه في الخفة والثقل مثاله نسخ استقبال بيت المقدس في الصلاة ، قبلة ، إلى استقبال الكعبة هذا مساوٍ ليس أحدهما أخف من الآخر أو أثقل ، إذاً النسخ يجوز بهذه الصور الثلاث من الأخف إلى الأثقل ، من الأثقل إلى الأخف ، من المساوي إلى المساوي.
ثم قال رحمه الله :((ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب ، ونسخ السنة بالكتاب ، وبالسنة ، ونسخ المتواتر بالمتواتر ،ونسخ الآحاد بالآحاد والمتواتر ، ولا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد))
ما تقدم كله لا إشكال فيه ، نسخ الكتاب بالكتاب نسخ آية بآية ، ونسخ السنة بالكتاب يعني نسخ حديث بآية ، ونسخ السنة بالسنة يعني نسخ حديث بحديث ، ونسخ المتواتر بالمتواتر يدخل فيه نسخ الآية بالآية أو نسخ الآية بالحديث المتواتر أو نسخ الحديث المتواتر بالآية ، ونسخ الآحاد بالآحاد يعني نسخ الحديث الآحاد يجوز أن يَنسخ حديث الآحاد حديث آحاد آخر ، ويجوز أيضاً نسخ الآحاد بالمتواتر يكون حديث متواتر ناسخ لحديث الآحاد .
قال في النهاية :ولا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد ، نسخ القرآن بالقرآن مثلنا له بآيتي المصابرة ونسخ السنة بالقرآن نحو نسخ استقبال بيت المقدس في الصلاة فإنه ثابت بالسنة ، ونُسخ بقول الله تعالى { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } [ البقرة/144] فالسنة نُسخت بآية ، ونسخ السنة بالسنة مثل نسخ تحريم زيارة القبور بالإذن فيها في قوله - صلى الله عليه وسلم - :" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة" فهذا الحديث نسخ حديثاً متقدماً فهو نسْخ سنة بسنة ، وأما المتواتر فهو ما رواه جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب من أوله إلى آخره ويكون مستندهم الحس ، وقد شرحنا هذا الكلام وبيَّنّاه في المصطلح ، وما ليس بمتواتر فهو آحاد ، يريد المصنف أن الأضعف لا ينسخ الأقوى وهذا خطأ ، المتواتر لا يُنسخ بالآحاد هذا خطأ والصواب أن العبرة في النسخ بالصحة فإذا صح الحديث جاز أن يكون ناسخاً وعُمدتهم الذين قالوا بقول المصنف أن المتواتر مقطوع به يقيني والآحاد مظنون ولا يجوز ترجيح الظن على اليقين ، والرد عليهم هو أن النسخ واقع على استمرار الحكم ليس على الخبر اليقيني لا ، على استمرار الحكم أي أن الرفع تم لاستمرارية الحكم وهو ظني أيضاً ، استمرار الحكم هذا ظني وليس يقيني ليس قطعي ، إذاً فهو نسخ ظن بظن ، وكذلك يُرَدّ عليهم بأهل قباء غيَّروا قبلتهم لخبرِ واحدٍ جاءهم بالخبر فغيروا القبلة وخبر الواحد ظني إلا أن تحتف به القرائن ودعوى احتفاف القرائن تحتاج إلى دليل هنا مع أن قبلتهم الأولى كانت قطعية عندهم مع ذلك غيَّروها بخبر الواحد ، إذاً فخبر الواحد ينسخ المتواتر أيضاً على الصحيح ، ويجب أن تعلموا أن النسخ عند السلف أعم منه عند الأصوليين فيجب أن تنتبهوا لذلك كي لا يحصل الخطأ فيطلِق السلف النسخ على تخصيص العام مثلاً أو تقييد المطلق أو تبيين المجمل وعلى النسخ الذي تقدم أيضاً فالسلف عندهم النسخ أعم من المعنى الذي يطلقه عليه الأصوليون .
قال ابن القيم رحمه الله :فالنسخ عندهم -أي السلف -وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمرٍ خارجٍ عنه ، فيستعملون النسخ في البيان فتنبهوا لذلك كي تحسنوا فهم كلام السلف ، يُشترط في النسخ تعذر الجمع بين الدليلين فإن أمكن الجمع فلا نسخ لإمكان العمل بالدليلين والعمل بكلا الدليلين أولى من إهمال أحدهما ، ويُشترط أيضاً أن تعلم التاريخ تعرف المتقدم والمتأخر كي يكون المتأخر ناسخاً للمتقدم ويُشترط أن يكون الناسخ قرآناً أو سنة ، سنة صحيحة ، السنة الضعيفة لا تَنسخ لأنها ليست دليلاً شرعياً وكذلك الإجماع والقياس كل هذا لا يَنسخ على الصحيح ، السنة الضعيفة ليست دليلاً ، الإجماع حصل بعد زمن التشريع فلا يصلح ناسخاً ، القياس لا يُستعمل أصلاً إلا مع عدم النص فكيف يكون ناسخاً للنص ؟ القياس مع النص يسمى قياساً فاسد الاعتبار كقياس إبليس فلا يجوز القياس لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة عند عدم وجود النصوص الشرعية فلا يكون ناسخاً .
الشرط الأخير أن يكون المنسوخ حُكماً شرعياً أما رفع البراءة الأصلية لا يسمى نسخاً لأن البراءة الأصلية ليست حكماً شرعياً ، البراءة الأصلية أي يأتي دليل شرعي يحرِّم أو يحلل في حين قبل ذلك لا يوجد حكم ، هذا البراءة الأصلية تسمى ، قبل نزول الحكم يكون الأمر على البراءة الأصلية أي لا يوجد حكم ثم بعد أن يوجد الحكم تُرفع هذه البراءة الأصلية هذا لا يسمى نسخاً لأنه ليس رفعاً لحكم شرعي .
هذا ما أردنا أن نذكره في موضوع النسخ وأرجو إن شاء الله أن يكون واضحاً ونكتفي بهذا إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-01-2013, 21:10   #13
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الثالث عشر من شرح متن الورقات لإمام الحرمين الجويني.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فهذا المجلس الثالث عشر من مجالس شرح الورقات، ولعلنا بإذن الله تعالى نختم هذه الدروس بخمسة عشر درساً، فيكون الأسبوع القادم بإذن الله تعالى خاتمة لهذه الدروس، انتهينا في الدرس الماضي من الناسخ والمنسوخ وسيبدأ المؤلف رحمه الله بالتعارض، أي التعارض بين أدلة الشريعة، التعارض بين آية وآية أو بين حديث وحديث أو بين آية وحديث، إذا تعارضت هذه الأدلة ماذا نفعل؟ يبين لنا ذلك المؤلف رحمه الله، يجب أن نعلم بداية أن ما جاء من عند الله من قرآن أوسنة لا يمكن أن يتناقض البتة ولا أن يتعارض، ولكن التعارض يكون في أفهامنا نحن، لقول الله تبارك وتعالى: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً"، فالذي من عند الله لا يوجد فيه اختلاف، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن القرآن لم ينزل يُكذب بعضه بعضاً بل يصدق بعضه بعضاً فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتهم منه فردوه إلى عالمه".
قال المؤلف رحمه الله:
فصل في التعارض
إذا تعارض نطقان فلا يخلوا إما أن يكونا عامين أو خاصين، أو أحدهما عاماً والآخر خاصاً، أو كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه، فإن كانا عامين فإن أمكن الجمع بينهما جمع، وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، فإن عُلم فيُنسخ المتقدم بالمتأخر، وكذلك إن كانا خاصين، وإن كان احدهما عاماً والآخر خاصاً فيُخص العام بالخاص، وإن كان كل واحدٍ منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه فيُخص عموم كل منهما بخصوص الآخر.
هذا ما يتعلق بمبحث التعارض.
التعارض لغة: هو التمانع.
واصطلاحاً: تقابل دليلين يخالف أحدهما الآخر، يعني أحد الدليلين يكون محرماً مثلاً والآخر يكون مجيزاً، فهنا يكون تعارض بين هذين الدليلين في نفس المسألة، أحدهما محرماً والآخر مجيزاً في نفس المسألة، هذا التعارض يحتاج إلى جمع، هذا معنى التعارض، ومراد المصنف بالنطق عندما قال إذا تعارض نُطقان، مراده بالنطق: النَّص، أي: قول الله تبارك وتعالى أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم، إذا تعارض نصان: آية مع آية أو حديث مع حديث أو آية مع حديث وكان المتعارضان نصين عامين أو خاصين ماذا نفعل في هذه الحالة؟ عرفنا معنى العام ومعنى الخاص، نجمع بينهما أولاً، نحاول الجمع بين هذين الدليلين، نجمع بينهما أولاً، إن استطعنا نجمع بينهما بأن نحمل مثلاً كل منهما على حالة أو كل منهما على زمن، وهذا في حالة اللجوء إلى النسخ بعد الجمع وسيأتي، إذن نجمع بينهما إن استطعنا، فإن لم نستطع ننظر في التاريخ، فإذا علمنا المتقدم والمتأخر حكمنا بنسخ المتقدم بالمتأخر، فإن لم نعلم التاريخ يقول المصنف نتوقف فيهما، خلاص ما عندنا شيء ما استطعنا أن نجمع بينهما ولا علمنا المتقدم من المتأخر حتى نذهب إلى النسخ، قال يبقى عندنا التوقف، والصواب أننا لا نتوقف بل نرجح بينهما بالقوة، فنأخذ بالأقوى ونترك الأضعف هذا ما كان عليه السلف، وستأتي أوجه الترجيح بالقوة من كلام المصنف رحمه الله في آخر هذه الرسالة.
مثال تعارض العام مع العام، انتبهوا الآن معي بالنسبة للمثال: جاء في حديثٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "خير الشهداء من يَشهد قبل أن يُستشهد " وفي حديث آخر: "شر الشهود الذي يَشهد قبل أن يُستشهد" هذان نصان عامان، النص الأول فيه مدح لمن شَهد قبل أن تطلب منه الشهادة، والنص الثاني فيه ذم لم شهد قبل أن تطلب منه الشهادة، هذان نصان عامان متعارضان، فكيف الجمع بينهما، أول ما نفعله بناءاً على ما تقرر سابقاً، أول ما نفعله بهما هو الجمع بينهما لأن الجمع بينهما فيه إعمال للدليلين وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، فإهمال الدليل ليس سهلاً وطرق الجمع كثيرة منها أن نحمل كل حديث على حال، فنقول مثلا هنا الحديث الأول الذي فيه خير الشهداء من شهد قبل أن يُستشهد فيه مدح للشاهد الذي لم تطلب منه الشهادة هذا الحديث نحمله على حالة، وهي ماذا؟ أن المشهود له لا يعلم بشهادة الشاهد وأن عنده شهادة تنفعه فلا يعلم ذلك فهو يبادر بإعطاء هذه الشهادة فيحمل هاهنا على عدم علم المشهود له بالشهادة، والثاني نحمله على أن المشهود له يعلم بالشهادة ولم يطلبها من الشاهد فيأتي ويشهد بها هنا لم تطلب منه الشهادة والمشهود له يعلم بأن له شهادة ولا يريد منك أن تشهد، هنا تكون الشهادة مذمومة، فحملنا هاهنا كلا الحديثين كل واحد منهما على حالة فجمعنا بين الحديث، فيكون الحديث الأول فيمن لا يعلم المشهود له بأن له شهادة، والحديث الثاني فيمن لا يعلم المشهود له بأن عنده شهادة، وبهذه الطريقة نكون قد جمعنا بين الحديثين فحملنا كل منهما على حالة، الحديث الأول أخرجه مسلم بلفظ : "ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" والحديث الثاني معناه متفق عليه وهو حديث : "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون " الحديث، لكن علماء الأصول يمثلون بهما على الصورة التي ذكرناهما بداية، لكن المهم عندنا المثال، فَهَم المثال وفَهَم الصورة، طيب هذا في حال أن يتعارض عام مع عام أو خاص مع خاص، وإذا تعارض عام وخاص هذا أمره سهل حُمل العام على الخاص هذا لا إشكال فيه يُحمل العام على الخاص كما مر معنا في تخصيص العام، كما جاء في آية تحريم نكاح نساء المشركين عموماً، وجاء في آية أخرى إباحة نكاح نساء أهل الكتاب، الأول عام والثاني خاص فنحمل العام على الخاص ونقول يحرم نكاح نساء المشركين إلا نساء أهل الكتاب ففي هذه الحالة نكون قد عملنا بالعام وعملنا بالخاص وأخرجنا جزئية فقط من العام، هذا إذا تعارض العام مع الخاص يحمل العام على الخاص وينتهي التعارض، وأما إن كان كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه فإن أمكن تخصيص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر خصصناه به، وإلا بحثنا عن دليل نرجح به.
بالمثال يتضح الأمر إن شاء الله : قول الله تعالى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً" وجاءتنا آية أخرى تقول : "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن"، الآن تعالوا لننظر للآية الأولى من وجهين وليس من وجه واحد، ننظر إليها كي نستخرج منها عدة التي توفي عنها زوجها وعدة المرأة الحامل، ننظر إلى الآية من هذين الوجهين، الآن صار معنا كم من وجه ؟ وجهين، "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً" إذا نظرنا في هذه الآية تبين لنا أنها عامة في كل امرأة حامل، وهي خاصة في المرأة التي يتوفى عنها زوجها فهي خاصة في عدة المتوفى عنها زوجها، عامة في الحامل وفي غير الحامل، كأنك تقول أي امرأة يموت عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام سواء كانت حاملاً أو لم تكن حاملاً، هذا معنى الكلام فمن ناحية المتوفى عنها زوجها هي عدتها أربعة أشهر وعشر بخصوص هذه الآية، ومن ناحية كون المرأة حامل أو غير حامل بعموم هذه الآية تشمل هذه أن عدتها أربعة أشهر وعشراً، نظرنا إلى الآية من وجهين لا من وجه واحد، أما الآية الثانية "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" الآن هذه الآية خاصة بالحامل، خاصة بالمرأة الحامل، قال "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" عامة في المتوفى عنها زوجها والتي لم يتوفى عنها زوجها، إذن نريد أن ننظر إليها أيضاً من الوجهين، المرأة الحامل الآية خاصة في أن المرأة الحامل عدتها أن تضع حملها عامة فيمن توفي عنها زوجها ومن لم يتوفى عنها زوجها، طيب ماذا نفعل إذن؟ الآن عندنا تعارض العموم الأول والخصوص الأول معارض بالعموم الثاني والخصوص الثاني، فمن جهة الوفاة الآية الأولى من جهة الوفاة خاصة ومن جهة الحمل عامة وإذا نظرنا إلى الآية الثانية وجدنا العكس وجدت أنها خاصة في الحامل عامة فيمن توفي عنها زوجها ومن لم يتوفى عنها زوجها، فماذا نفعل في مثل هذه الحالة؟ الآن في المرأة التي توفي عنها زوجها وليست حامل الأمر واضح عندنا الآية الأولى خاصة فيمن توفي عنها زوجها ولا إشكال، الآية الثانية لا علاقة لها بها، المرأة الحامل التي لم يتوفى عنها زوجها أيضاً أمرها واضح حكمها يؤخذ من الآية الثانية ولا علاقة للآية الأولى بها، الإشكال أين يكون عندنا؟ يكون الإشكال في المرأة الحامل التي توفي عنها زوجها، فالإشكال في الصورة التي يقع فيها التعارض وهي المرأة الحامل التي توفي عنها زوجها هل ندخلها في الآية الأولى أم ندخلها في الآية الثانية، إذا خصصنا عموم الآية الأولى بخصوص الآية الثانية كان تحكماً لأن هذا الفعل ليس بأولى من العكس تخصيص عموم الآية الثانية بخصوص الآية الأولى، إذن فماذا نفعل؟ نبحث عن مرجح خارجي فنطلب دليلاً يؤيد أحدهما فنعمل به وإلا توقفنا فيه، وفي المثال الذي معنا وُجد الدليل الذي رجَّح أحد الاحتمالين وهو حديث سبيعة الأسلمية، وضعت بعد وفاة زوجها بليالٍ فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج، فعلمنا بذلك أن عدتها تنتهي بوضع الحمل، إذن ندخلها في الآية الثانية ونخصص عموم الآية الأولى بالآية الثانية، الآية الأولى "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً " تشمل الحامل وغير الحامل، لكن خصصنا الحامل بالدليل الثاني بالآية الثانية، فنقول "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً " إلا الحامل فعدتها بوضع حملها هكذا يكون التعامل مع التعارض.
ثم قال المؤلف رحمه الله وانتقل الآن إلى مسألة جديدة وهي الإجماع، هل الإجماع دليل وحجة شرعية أم لا وما هو الإجماع ؟.
قال المؤلف رحمه الله:
وأما الإجماع: فهو اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة، ونعني بالعلماء: الفقهاء، ونعني بالحادثة: الحادثة الشرعية.
وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها لقوله عليه السلام: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، والشَّرع ورد بعصمة هذه الأمة. (أمة محمد صلى الله عليه وسلم)
الإجماع لغة هو العزم والاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا، إذا اتفقوا عليه، ويطلق أيضاً على العزم، ومنه قوله تعالى :"فأجمعوا أمركم" أي اعزموه واعتمدوه، هذا من الناحية اللغوية.
ومن الناحية الاصطلاحية قال المؤلف: هو اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة،وبين مراده بالعلماء وأنه يريد الفقهاء خاصة، وبين أيضاً مراده بالحادثة وأنه يريد الحادثة الشرعية خاصة، أَيْ أمرٌ يحدث ويحكم فيه بحكم شرعي فالإجماع لا بد أن يكون على حكم شرعي، الكلام في الشرع، فالإجماع اتفاق علماء العصر المجتهدين الفقهاء على حكم شرعي في حادثة، فأخرج بقوله علماء أهل العصر والذين فسرهم بالفقهاء أخرج العوام، فالعوام لا عبرة بقولهم لأنهم مقلدون والمقلد جاهل وليس بعالم فلا يعتبر قوله، وأخرج أيضاً علماء النحو، مثلاً: اتفاق علماء النحو مثلاً لا يُعتبر. وأقوالهم لا تُعتبر في الإجماع على مسألة فقهية لأن العبرة بأهل الفن، هم الذين يتكلمون بعلم في فنهم، وبقي شرط في الإجماع وهو كون الاتفاق حاصلاً بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لا عبرة بقول غيره ولا باتفاقهم، العبرة بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، هذا ما يتعلق بتعريف الإجماع، وبعد أن عَرَّف المؤلف الإجماع تكلم على حجيته، هل هو حجة أم لا ؟ هذا من أعظم مقاصد أصول الفقه أن يَدلَّك على الدليل الشرعي الذي يَصلح دليلاً شرعيا تؤخذ منه الأحكام الشرعية والذي لا يصلح، فتكلم المؤلف رحمه الله على حجية الإجماع وقرر أنه حجة واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم "لا تجتمع أمتي على ضلالة" هذا الحديث واضح لحجية الإجماع "لا تجتمع أمتي على ضلالة" إذن فما اجتمعوا عليه فهو حق، ولكنه حديث مُختلف في صحيته، وإن كان الراجح أنه حسن ولكن بعض أهل العلم يُنازع في ذلك ولكن عندنا أدلة أخرى استدل بها العلماء على حجية الإجماع منها قول الله تبارك وتعالى: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين" هذا الشاهد , "ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً" ففيها الآية التوعد على إتباع غير سبيل المؤمنين وسبيلهم ما أجمعوا عليه، ومن الأدلة أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق فالحق باقٍ في هذه الأمة لا ينتهي فإذا أجمعت الأمة على شيء فهو حق ولا شك، والإجماع الذي يُحتج به إجماع أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقط، لأنها هي المعصومة عن الاجتماع على الخطأ بالأدلة التي ذكرناها.
ثم قال المؤلف رحمه الله:
والإجماع حجة على العصر الثاني وفي أي عصر كان، فلا يشترط انقراض العصر على الصحيح.
فإن قلنا انقراض العصر شرط يُعتبر قول من وُلد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد، ولهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم.
والإجماع حجة على العصر الثاني وفي أي عصر كان، أي: إذا أجمع علماء العصر على مسألة فهو حجة على كل من جاء بعدهم إلى يوم القيامة، فلا يجوز لمن كان من المجتهدين بعد الإجماع أن يخالف في المسألة، فإذا نقل الإمام الشافعي مثلاً إجماعا في مسألة فلا يعتبر خلاف من خالف من المجتهدين ممن جاء بعد حصول الإجماع، فمن ادعى الخلاف في المسألة وجب عليه أن يُثبت الخلاف من مجتهد وُجد في زمن العلماء الذين اجمعوا قبله أما أن تأتي بكلام لشخص جاء بعد انعقاد الإجماع لا يُعتبر هذا الكلام، وقولهم فلا يُشترط انقراض العصر على الصحيح هذه المسألة يقولون هل يشترط لثبوت الإجماع انقراض العصر أي موت المجتهدين أهل الإجماع في ذلك العصر هل يشترط موتهم كي يثبت الإجماع وينعقد أم أنهم بمجرد أن اجمعوا انعقد الإجماع ولا يشترط موتهم، في هذه المسألة خلاف، والصحيح أنه بأول لحظة يُجمع على المسألة ينعقد الإجماع ولا يشترط انقراض العصر لأنه بإجماعهم في لحظة ما يكون قد وُجد دليل الإجماع ولا عبرة بالخلاف بعد ذلك فالأدلة التي دلت على حجية الإجماع ليس فيها قيد انقراض العصر، الأدلة التي ذكرناها والتي دلت على حجية الإجماع لم تذكر أن الإجماع حجة إذا انقرض العصر ما فيها هذا الشرط فمن أين أتيتم به ؟، لا دليل عليه.
وقوله: فإن قلنا انقراض العصر شرط يعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد أي ما يترتب على شرطية انقراض العصر.
أولاً: على هذا القول قول من ولد في حياة في المجتهدين وصار مجتهداً يكون معتَبَراً فلنقل أن الصحابة أجمعوا على مسألة فيعتبر قول التابعي المجتهد الذي عاصرهم فإذا خالف لا يثبت الإجماع، إذا خالف لا يثبت الإجماع، إذن قوله أصبح معتبراً على القول باعتبار انقراض العصر لأنه قلنا أن الإجماع لا ينعقد إلا بموت المجتهدين من أهل ذاك العصر فإذا جاء التابعي مثلاً وتعلم وأصبح مجتهداً فهنا إذا خالف لا يكون الإجماع قد انعقد بعد لأن العصر لم ينقرض، فالخلاف يكون معتبراً في هذه الحالة وعلى القول الثاني الذي يقول بأن انقراض العصر ليس شرطاً لا يعتبر قول هذا التابعي الذي لحقهم وصار من أهل الاجتهاد لأن الإجماع قد انعقد ولا نشترط نحن انقراض العصر في أول لحظة وقع الإجماع أصبح حجة عليه، انتهى، ليس له أن يخالف هذه النقطة الأولى التي تترتب على القول بشرطية انقراض العصر.
والأمر الثاني الذي يترتب على القول بشرطية انقراض العصر: هو الذي ذكره المؤلف بقوله ولهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم، على القول بأن انقراض العصر شرط لانعقاد الإجماع، إذا أجمع أهل الإجماع ولم ينقرض العصر فلهم أن يرجعوا عن قولهم ويخالفوا هم أنفسهم، الذين أجمعوا لهم أن يرجعوا عن إجماعهم هذا لأن الإجماع لم ينعقد بعد فمن شرط انعقاده انقراض العصر عند من يقول به ولم ينقرض، إذا فلهم أن يرجعوا وعلى القول الصحيح وهو عدم شرطية ذلك ليس لهم أن يرجعوا لأن الإجماع انعقد وثبت الدليل انتهى الأمر فليس لهم أن يرجعوا عن قولهم ذلك .
قال المؤلف رحمه الله:
والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم، وبقول البعض وبفعل البعض، وانتشار ذلك وسكوت الباقين.
أي أن الإجماع ينعقد بقول أهل الإجماع فيقول جميعهم مثلاً في مسألة ما، هذا حلال أو هذا حرام أو غير ذلك من الأحكام، المهم أن يُصرحوا جميعاً بالحكم بأقوالهم وهذا الإجماع يسمى الإجماع القولي، وينعقد أيضاً الإجماع بالأفعال بأن يفعل جميع العلماء المجتهدين في عصرهم فعلاً فيستدل بذلك على جوازه وهذا الإجماع يسمى الإجماع الفعلي وينعقد أيضاً بقول بعضهم وفعل الآخرين ما يوافق قول الأولين فلنقل أهل الإجماع مائة، ثلاثين أو أربعين أو خمسين قالوا بأن هذه المسألة حرام أو بأن هذه المسألة جائزة والبقية من المجتهدين السبعين أو الستين أو الخمسين فعلوا بها هؤلاء قالوا والآخرون فعلوا فعلاً يدل على الجواز أيضاً والأولون أفتوا بالجواز هذا أيضاً إجماع قولي وفعلي وأما انتشار القول وسكوت الباقين أن يقول القول مثلاً واحد أو أكثر فيقولون هذا الفعل حرام أو جائز ويسكت الباقون، لا يقولون ولا يفعلون، يسكتون هذا الإجماع الذي يسمى الإجماع السكوتي، وهو أن يقول الصحابي مثلاً قولاً في مسألة فينتشر قوله هذا في بقية الصحابة فيسكتون هذا الذي يسمى الإجماع السكوتي والصحيح أنه ليس بحجة لأن أسباب السكوت كثيرة، أسباب السكوت كثيرة، هؤلاء الذين سكتوا ما أدرانا أنهم سكتوا إقراراً على هذا الحكم، أسباب السكوت كثيرة وربما سكت العالم خوفاً مثلاً أو هيبة أو مصلحة أو لدفع مفسدة أو لأنه متوقف في المسألة أو لغير ذلك، أسباب كثيرة، والساكت لا ينسب له قول كما قال الإمام الشافعي رحمه الله، فلا يحتج بهذا الإجماع، هذا ما ذكره المؤلف من مسائل الإجماع.
نزيد فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الواسطية:
والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة، أي أننا لا نستطيع أن نعرف أقوال العلماء وأن نعرف أنهم أجمعوا على مسألة في القرون التي بعد القرون الثلاث الأولى، لماذا لكثرة الاختلاف في المسائل ولانتشار العلماء في الأرض، كيف ستجمع هؤلاء العلماء وكيف ستقف على كلامهم كي تعرف هل أجمعوا أم لم يجمعوا ؟ انتشار العلماء وكثرتهم في البلدان في العصور المتأخرة يجعل الأمر عسراً كي نقف على الإجماع، يقول لكن في العصور الثلاث الأولى يكون هذا ممكناً وينضبط هذا الإجماع، إذن الإجماع المنضبط، الذي يمكن معرفته هو إجماع أهل القرون الثلاثة الأولى لأن بعض العلماء قال الإجماع حجة نعم، لكن إن كان الوقوف عليه ومعرفته مستحيلة غير ممكنة لكثرة العلماء وانتشارهم في الأرض
والإجماع نوعان:
إجماع قطعي وإجماع ظني .
الإجماع القطعي: ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة، لا تحتاج إلى بحث وتفتيش عن هذا الإجماع انتهى، فأنت تعرف بأن الأمة كلها متفقة على وجوب الصلاة مثلاً أو على تحريم الزِّنا فلا تحتاج إلى بحث ولا إلى تتبع كي تعلم هذا الإجماع، هو معلوم بالضرورة بدون نظر وتأمل، هذا النوع من الإجماع لا أحد ينكره. لا أحد ينكر ثبوته وحجيته، ويَكفُر مخالفه إذا كان ممن لا يجهل هذا الإجماع.
والإجماع الظني: مالا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء، بعد البحث والنظر في كتب أهل العلم وتتبع كلامهم واستقراءه في المسألة حتى تتمكن من معرفة الإجماع مثل هذا الإجماع يسمى إجماعاً ظنياً، هذا ما يتعلق بمسألة الإجماع.
ثم قال المؤلف رحمه الله
وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره على القول الجديد.
الآن دليل جديد من أدلة الشريعة المختلف فيها، هل قول الصحابي حجة أم ليس بحجة ؟ قول الصحابي في مسألة ما، هل هو حجة أم لا ؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والإمام الشافعي رحمه الله له مذهبان في هذه المسألة، مذهب قديم ومذهب جديد، وليس هذا للإمام الشافعي في هذه المسألة فقط، كثير من المسائل الإمام الشافعي رحمه الله له فيها مذهبان مذهب قديم ومذهب جديد، مذهبه القديم هو الذي كان يُفتي به في العراق ومذهبه الجديد هو الذي كان يُفتي به في مصر فمذهب الإمام الشافعي رحمه الله القديم أن قول الصحابي حجة ومذهبه الجديد أنه ليس بحجة، والصحيح أن قول الصحابي ليس بحجة لأن الصحابي غير معصوم عن الخطأ والسهو والنسيان، الصحابة ثقات عدول، لا إشكال في هذا، لكنه مجتهد يخطأ ويصيب، الصحابة خالف بعضهم بعضاً في مسائل كثيرة، وخَطَّأ بعضهم بعضاً في مسائل، وأنكر بعضهم على بعض في مسائل فلا يكون قول الصحابي حجة، الحجة تكون في أمر معصوم عن الخطأ ولا يوجد دليل يدل على أن الصحابة معصومون عن الخطأ، وأما الأخذ بقوله لأنه الأعلم فهذا تقليد ونحن كلامنا عن الدليل الشرعي وليس عن التقليد، وأما حديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" الذي يستدلون به على حجية قول الصحابي فهو حديث ضعيف لا يصح وإنما دلت السنة على حجية إجماعهم كما تقدم وعلى حجية ما اتفق عليه الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي لقوله صلى الله عليه وسلم " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عَضوا عليها بالنواجذ" فعلى ذلك فقول الصحابي لا يُخصص به العام ولا يُقيد به المطلق ولا يُنسخ به لأنه ليس بحجة ولكننا نستعين بفهم السلف ولا نخرج عن طريقتهم، فهم أعلم منا وأقدر على معرفة الحق والحق لا يخرج عن أقوالهم ونعني بالسلف أصحاب القرون الثلاثة الأولى وعلى رأسهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم قال المؤلف رحمه الله:
وأما الأخبار: فالخبر ما يدخله الصدق والكذب، تقدم معنا تعريف الخبر في دروس متقدمة وقال : والخبر ينقسم إلى آحاد ومتواتر.
فالمتواتر: ما يوجب العلم، وهو أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه، ويكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد.
والآحاد: هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم لاحتمال الخطأ فيه.
بدأ يتكلم عن موضوع السنة، الحديث، وهذا بيناه وفصَّلنا القول فيه في دروس البيقونية وفي دروس الباعث الحثيث، فمن أراد التفصيل فيجده هناك، وهنا سنتكلم على ما ذكره بشكل سريع، قسَّم العلماء الخبر إلى متواتر وآحاد ويريدون بالمتواتر ما رواه جمع عن جمع من أوله إلى آخره يستحيل تواطؤهم على الكذب ويكون مستندهم الحس، ما رواه جمع عن جمع أي يُشترط أن يكون رواة المتواتر جمعاً يحصل اليقين بصدقهم ضرورة، جماعة وليس واحد أو اثنين أو ثلاثة لا، من أول الإسناد إلى آخره جميع طبقات السند فيه جمع عن جمع ويستحيل في مثلهم أن يتوافقوا على الكذب ويكون المنقول بالتواتر محسوساً بأن يكون الجمع قد نقلوا الخبر، شاهدوه أو سمعوه أو نقلوه مشاهدة ونقلوه عن مشاهدة أو عن سماع، وأما إذا اجتهدوا اجتهاداً فيه فلا يُعتبر ذلك خبراً متواتراً، لا بد أن يكون مستندهم الحس قد رأوا شيئاً شاهدوه أو سمعوا شيئاً ثم نقلوه وأخذه الذين بعدهم عنهم إلى آخره هذا يسمى متواتراً، وهذا المؤلف يقول يوجب العلم أي يوجب اليقين، المتواتر يقيني يوجب العلم لا شك معه البتة، وأما الآحاد فما ليس بمتواتر فهو آحاد ولا يشترط أن يرويه واحد عن واحد فقط لا، أن يرويه واحد عن واحد هذا آحاد ويرويه اثنان عن اثنين كذلك آحاد وثلاثة عن ثلاثة وأربعة عن أربعة هذا كله عندهم يسمى آحاداً ما لم يكن متواتراً والمؤلف قال: الآحاد يوجب العمل ولا يوجب العلم وهذا على إطلاقه خطأ، أهل السنة يقولون حديث الآحاد إذا احتف بالقرائن أفاد اليقين فإن احتمال الخطأ يزول بالقرائن كأخبار الصحيحين التي لم تُنتقد مثلاً، وإذا لم يحتف بالقرائن يفيد الظَّن لاحتمال الخطأ في خبر الواحد، وكله يُعمل به عند أهل السنة في العقائد وفي الأفعال خلافاً لأهل البدع الذين يردون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بخيالاتهم العقلية مدعين أن هذه الخيالات العقلية يقينية وأن أخبار الآحاد ظنية وآيات الصفات دلالاتها ظنية فيقدمون عقولهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه أمرنا بإتباع الكتاب والسنة لا إتباع عقولنا "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء" وقال سبحانه " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول" ولم يأمرنا الله ولا في نص واحد أن نترك دلالة الكتاب والسنة ونأخذ بما توهمناه بعقولنا المتأثرة بالفلاسفة.
ثم قال المؤلف رحمه الله:
وينقسم إلى مسند ومرسل.
فالمسند: ما اتصل إسناده.
والمرسل: ما لم يتصل إسناده، فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس بحجة، إلا مراسيل سعيد بن المسيب فإنها فتشت فوجدت مسانيد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ينقسم الخبر إلى مسند ومرسل :
المسند ما اتصل إسناده، والمرسل مالم يتصل إسناده وهذا يدخل فيه كل منقطع، وكثير من السلف كانوا يُطلقون المرسل على هذا المعنى على معنى المنقطع سواء كان الانقطاع من الأول أو من الوسط أو من الأخير كله يسمونه مرسلاً، ويدخل فيه أيضاً ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا المشهور بالمرسل عند المتأخرين ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس بحجة، أي أنه يشير إلى أن مراسيل الصحابة حجة ومراسيل غير الصحابة ليست بحجة، قضية الحجة أو ليست بحجة هو هذا مبحث أصول الفقه، ما الحديث الذي يحتج به وما الحديث الذي لا يحتج به ؟ الحديث المرسل، قال ليس بحجة إلا مراسيل الصحابة ومراسيل سعيد بن المسيب مراسيل الصحابة حجة لأن الصحابي عندما يُرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم يكون الساقط صحابي، والصحابة كلهم ثقات عدول فإذن مرسل الصحابي حجة، أما مراسيل غير الصحابة فلا يكون حجة لماذا ؟ لأننا لم نعلم من الساقط أهو الصحابي أم صحابي وتابعي أو صحابي وتابعيان لا نعلم وهذا يقتضي أن نُضَّعف هذا الحديث لماذا ؟ لأن هذا الساقط يُحتمل أن يكون راوياً ضعيفاً أو كذاباً أو متروكاً ونحن لا نقبل الخبر إلا أن يكون رواته ثقات عدول وهذا لم نعلم حاله فلذلك لا يكون المرسل حجة وقد قال الإمام مسلم: والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة، هذا هو الصحيح، وكذلك مراسيل سعيد بن المسيب ليست بحجة على الصحيح خلافاً للمؤلف ، قال وهي فتشت فوجدت مسندة وصحيحة، لا، وجدت مراسيل لسعيد بن المسيب لا أصل لها مسنداً، لا أصل لها متصلة إذن فلا نستطيع أن نُصحح مراسيل سعيد بن المسيب.
ثم قال المصنف رحمه الله:
والعنعنة: تدخل على الإسناد،
العنعنة أن يكون في الإسناد لفظة عن، فلان عن فلان. هذا الإسناد المعنعن.
قال المصنف: تدخل على الإسناد، أي أن لها حكم المسند أي أنها صحيحة، لاحظ وهذا هو الصحيح، والخلاف فيه شاذ، ولكن بشرطين:
الأول: أن يكون الراوي المعنعن بريئاً من وصمة التدليس (أي ليس مدلساً).
والثاني: أن يكون الراوي لقي شيخه أي قد ثبت عندنا لقيه لشيخه، وأنه لقي شيخه وسمع منه، والتفصيل في هذه المسائل كله كما ذكرنا لكم موجود في دروس البيقونية والباعث.
ثم قال رحمه الله:
وإذا قرأ الشيخ يجوز للراوي أن يقول: حدثني أو أخبرني، وإن قرأ هو على الشيخ فيقول: أخبرني ولا يقول حدثني.
وإن أجازه الشيخ من غير قراءة فيقول الراوي: أجازني أو أخبرني إجازة.
طرق أخذ الحديث عن الشيخ إما: أن يسمع الراوي الحديث من لفظ الشيخ فعند التحديث، أي عندما يريد هذا الراوي أن يُحَّدث بالحديث الذي سمعه من شيخه عند التحديث يقول حدثني فلان أو أخبرني فلان بهذه الصيغة صيغة حدثني وصيغة أخبرني، هذا إذا سمع الحديث من لفظ الشيخ، وإما أن يقرأ هو الحديث على الشيخ والشيخ يقره عليه فعند التحديث يقول أخبرني ولا يقول حدثني، هذا عند بعض أهل العلم وإن أخذ الحديث عن الشيخ إجازة، بإجازة كأن يقول له شيخه أجزتك أن تروي الحديث الفلاني عني أو أجزتك أن تروي الكتاب الفلاني عني، هذا معنى الإجازة، فإذا أخذ الراوي الحديث عن شيخه إجازة فعند التحديث به يقول: أجازني فلان بالحديث الفلاني و أخبرني إجازة، هذه طرق تحمل الحديث والألفاظ التي ينبغي أن تقال عند التحديث بالحديث الذي حمل بتلك الطرق.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله ونكمل في الدرس القادم.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-01-2013, 21:11   #14
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الرابع عشر والأخير من شرح متن الورقات للجويني

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فهذا المجلس الرابع عشر من مجالس شرح الورقات.

قال المؤلف رحمه الله:

وأما القياس فهو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.

بدأ المؤلف رحمه الله بدليل جديد من أدلة الشريعة، من الأدلة الإجمالية وهو القياس.

القياس لغة: هو التقدير، ومنه قست الثوب بالذراع إذا قدَّرته به، أو قست الجراح إذا جعلت المِيل ( وهو الذي يقيسون به الجراحات) إذا جعلت الميل فيها لأعرف غورها (لأعرف عمق الجرح) هذا من الناحية اللغوية.

وأما اصطلاحاً: فقال المؤلف رحمه الله: رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم، هذا هو تعريف القياس، عندنا في تعريف القياس أصل وفرع وعلة وحكم، هذه تسمى أركان القياس فإذا وجد دليل في مسألة ما، بُيِّنَ في هذا الدليل حكم المسألة المعينة بُيِّنَ في الدليل حكم مسألة معينة ووجدت مسألة تشبه المسألة التي بُيِّنَ حكمها ولكن هذه المسألة الثانية لم نجد لها حكماً خاصاً في الكتاب والسنة ولكنها تشبه المسألة الأولى فنعطيها نفس الحكم لأن المسائل الشرعية تتشابه ولا يكون بينها تفاوت فالشرع لا يُفرق بين المتشابهات ولا يجمع بين المختلفات.

مثال ذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يد بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يد بيد" هذا الحديث يدل على عدم جواز بيع البر بالبر إلا متساوياً يعني الكيلو بالكيلو وفي نفس المجلس، يعني لا يجوز أن يكون هناك شيء مؤخر، سَلِّم واستَلِم تقابض في المجلس وإلا كان بيعاً ربوياً، إذن لا بد أن يكون البر بالبر مثلاً بمثل سواءاً بسواء يد بيد كالذهب بالذهب وكالفضة بالفضة، إذن هذا الحديث نأخذ منه حكماً وهو أن البُّر من الربويات، أي لا يجوز بيعه بالبر يعني أن يكون الثمن بُّر والمبيع بُّر، لا يجوز بهذه الصفة إلا أن يكون يد بيد مثلاً بمثل سواء بسواء، طيب الآن عندنا هذه المسألة فيها دليل واضح وهي قضية البر بالبر وأن البر من الربويات التي لا يجوز بيعها بمثلها إلا بأن تكون متساوية وأن ينفض المجلس وليس بين البائع والمشتري شيء، طيب وجدت عندنا مسألة أخرى وهي الأرز فهل الأرز أيضاً يجب أن يباع إذا أردت أنا أن أبيعك أرزاً وأنت عندك أرز أيضاً تريد أن تدفع ثمن الأرز الذي عندي ثمن أرز من عندك، يعني نريد أن نبيع أنا وأنت أرز بأرز هل هو مثل البُّر أم لا ؟ لم يأتي فيه نص خاص، طيب نريد أن نعرف هل هو من الربويات أم لا ؟ عندنا القياس فهنا يأتي القياس ننظر إلى العلة في جعل البر من الربويات ما هي العلة ما هو الوصف المناسب المشترك بين البر والشعير وغيرها من المذكورات معها ؟ ما هو الوصف المناسب الذي جعل الله سبحانه وتعالى هذه الأصناف من الربويات لأجله أو جعله علامة مِعَّرفة على أن هذا الشيء إذا وجدت فيه هذه الصفة كان من هذه الربويات فما هو هذا ؟ اختلف أهل العلم في ذلك فبعضهم كالشافعية مثلاً قالوا العلة هي الطعم أي كون هذه الأشياء طعاماً، والمالكية قالوا العلة هي القوت والادخار أي كون هذه الأشياء مقتاتة ومدخرة أي تستعمل قوتاً أي أنه يُقتات بها أي يستطيع الشخص أن يقيم نفسه بأكلها، ومدخرة أي أنها من الممكن أن تصبر عند الشخص وأن تبقى فترة لا تفسد هذا قول المالكية وهو أقرب عندي إلى الصواب، فبناءاً على أن العلة هي هذه البر بالبر هي القوت والادخار نأتي وننظر في الأرز، هل تحققت هذه العلة فيه أم لا ؟ هل هو قوت أم لا ؟ هو قوت نعم، هل يُدخر ؟ نعم يُدخر، إذن فنعطيها نفس حكم البُّر ، إذن هنا عندنا أصل وهو البر وعندنا فرع وهو الأرز وعندنا حكم وهو حكم البر بأنه محرم بيعه متفاضلاً بيعه ببر مثله متفاضلاً أو بالتأخير هذا محرم يعني أن البر من الربويات، إذن عندنا أصل وعندنا فرع وعندنا حكم وعندنا علة وهي القوت والادخار، إذن تحققت هذه الأركان الأربعة بشروطها يكون عندئذ القياس صحيحاً وهو حجة، إذن خلص عندنا من هذا القياس أن الأرز من الربويات حاله حال البر هذا هو القياس فيلحق الأرز بالبر بجامع الاقتيات والادخار في الحكم، يلحق الأرز بالبر ونجعله من الربويات كالبُّر بجامع الاقتيات، ماذا يعني بجامع يعني الوصف الذي جمع بينهما هو وصف الاقتيات والادخار وهو الذي يسمى العلة، هذا معنى القياس فلا بد أن تكون عندنا مسألة لها حكم شرعي معلوم لوجود وصف فيها ظاهر منضبط فنلحق بها مسألة غير منصوص عليها فنعطيها نفس الحكم هذا هو القياس، بهذا نكون قد فسَّرنا معنى القياس، واختلف أهل العلم في القياس هل هو حجة أم لا ؟ والصحيح أن القياس حجة فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يحتجون به، وذكر علماء الأصول أدلة عليه من الكتاب السنة فيها نزاع طويل بينهم وبين الظاهرية الذين لا يحتجون بالقياس.

ثم قال المؤلف رحمه الله:

وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه.

فقياس العلة: ما كانت العلة فيه موجبة للحكم.

وقياس الدلالة: هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر، وهو أن تكون العلة دالة على الحكم ولا تكون موجبة للحكم.

وقياس الشبه: هو الفرع المتردد بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبهاً.

إذن الآن أقسام القياس ثلاثة قياس علة وقياس دلالة وقياس شبه، ثم فصَّل المؤلف رحمه الله هذه الثلاثة.

الأول قياس العلة: عرفه المؤلف رحمه الله: ما كانت العلة فيه موجبة للحكم(موجبة للحكم) العلة هي الوصف الظاهر المنضبط، هذا الوصف الذي إذا وجد في الأصل ووجد في الفرع ألحقنا الفرع بالأصل بسبب هذا الوصف، وهذا الوصف الظاهر المنضبط هو العلة، فقال قياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم، موجبة للحكم أي مقتضية للحكم يعني لا يحسن عقلاً أن توجد العلة ويتخلف الحكم أصلاً لا يحصل هذا. مثال ذلك قال الله تبارك وتعالى: "فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما" معروف هذه الآية في الوالدين نهى الله عن أذيتهما وإهانتهما بقول أف، بكلمة أف، طيب الآن نهى الله سبحانه وتعالى عن قول أف للوالدين لماذا ؟ لعدم أذيتهم وإهانتهم طيب الضرب، هل يجوز أن تضربهما ؟ هل يجوز أن تهينهما ؟ من باب أولى لا يجوز، إذا كانت الأذية محرمة بكلمة أف فكيف بالضرب إذن لا يحسن عقلاً أن نقول بأن الضرب جائز هنا، هذا معنى كون العلة موجبة للحكم لا يحسن عقلاً أن تقول بأن الحكم متخلف هنا غير وارد، هذا هو قياس العلة والذي يسميه بعض أهل العلم فحوى الخطاب أو مفهوم الأولى أو المساواة، وضابطه ما كان المقيس أولى بالحكم من المقيس عليه، الضرب أولى بالتحريم من التأفيف بالوالدين فلا يجوز بهذا الضابط أن تدخل مفهوم المساواة، يكون الداخل مفهوم الأولى فحوى الخطاب فقط، إذن قياس العلة هو مفهوم الأولى الذي تسمعون دائماً أهل العلم يقول لك هذا من باب أولى هذا هو الذي معنا.

وأما القسم الثاني: قياس الدلالة فعرفه المؤلف بقوله الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر وهو أن تكون العلة دالة على الحكم ولا تكون موجبة للحكمأي أن قياس الدلالة أضعف من قياس العلة لأن الدليل في قياس الدلالة مجوز للحكم وليس موجباً للحكم في الصورة الأولى العلة موجبة للحكم أي أن الحكم يجب أن يوجد مع وجوده، أما هنا جائز إذا وجدت العلة يجوز أن يوجد الحكم.

مثال: الزكاة في مال الشخص البالغ واجبة والعلة هي النمو، أي لأن ماله نامٍ يعني يزيد ينمو وهذه العلة موجودة في مال غير البالغ، الصبي إذا كان له مال نامٍ فالعلة تكون موجودة في ماله فنثبت الزكاة في مال غير البالغ بجامع النمو، ويجوز أن يأتي آخر ويقول لا، هنا لا نثبتها لأن البالغ يختلف حكمه عن غير البالغ، إذن من حيث الجواز جائز لكن لا تجب كما في الصورة الأولى مثال التفريق بين قياس العلة وقياس الدلالة ، قال الله تبارك وتعالى: "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً" في الآية تحريم أكل مال اليتيم، هذا حكم تحريم أكل مال اليتيم قال: "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً" إذن الآية فيها تحريم أكل مال اليتيم ظلماً، هذا حكم الأكل، طيب فإذا شرب من مال اليتيم ظلماً هل يجوز ؟ لا، لماذا لأن الشرب مثل الأكل، الشرب مثل الأكل وليس أولى منه لا، ليس أولى منه ولكنه مثله، تحريم الشرب من مال اليتيم ليس أقوى من تحريم الأكل بل هو مثله، الأكل والشرب ظلماً من مال اليتيم بنفس الدرجة فهو قياس النظير بنظيره أي المثيل بمثيله، وأما إحراق مال اليتيم مثلاً ربما يقال إنه من باب أولى إذا اعتبرنا أن الإحراق أشد من الأكل، لأن الأكل فيه انتفاع وإن كان بالظلم وأما الإحراق فليس فيه انتفاع أصلاً، إذن فإحراق مال اليتيم أشد من أكل مال اليتيم ظلماً فهذا يسمى قياس الأولى أو مفهوم الأولى أو فحوى الخطاب أو قياس علة كل هذه الاصطلاحات يُطلقها أهل الأصول على هذا القياس، القياس الأول قياس دلالة الآن نحن نريد أن نبقى مع قياس العلة، إلى ما ذهب إليه المصنف رحمه الله ، إذن الثاني قياس علة والأول قياس دلالة لأنهما متماثلان متقاربان في القوة أما إذا كان أحدهما أقوى من الآخر فيكون الأقوى هذا من باب الأولى.

وأما القسم الثالث: وهو قياس الشبه فقال المؤلف رحمه الله هو الفرع المتردد بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبهاً، نحن ذكرنا في القياس في البداية فرع وأصل واحد، وجدنا الفرع والأصل يشتركان في العلة فألحقنا الفرع بالأصل لكن هنا عندنا فرع يشترك مع أصلين وليس مع أصل واحد، فبأيهما نلحقه بالأصل الأول أو الثاني، قال المؤلف رحمه الله يلحق بأكثرهما شبهاً وهذا القياس أضعف أنواع القياس أقوى أنواع القياس الأول وهو قياس العلة، ثم قياس الدلالة ثم قياس الشبه.

مثال هذا القياس: يمثل علماء الأصول لذلك بالعبد المملوك، عبد مملوك إذا قُتل، قتله أحدهم هل يدفع القاتل ديته كما يفعل مع الإنسان الحر، إذا قتل إنساناً حراً أم يدفع القيمة كما يفعل في قتل البهيمة، كمن قتل بهيمة مثلاً، كمن قتل بهيمة يدفع ثمنها إذا قتل إنساناً حراً يدفع الدية فإذا قتل عبداً هل يدفع الدية أم يدفع القيمة عندها له أصلان، إذا قلنا العبد فرع يشبه أصلان وهما الإنسان الحر والبهيمة، يشبه الإنسان الحر من حيث أنه يثاب ويعاقب ويأمر وينهي فمن هذه الناحية هو يشبه الإنسان وهو مكلف، ويشبه البهيمة من حيث أنه يُباع ويُشترى ويُرهن ويُوهب ويُوقف، إذن نلحقه بأيهما ؟ فنقول هو أكثر شبهاً ، هو في باب المعاوضات البيع والشراء وما شابه أقرب إلى البهيمة لأنه يباع ويشترى ويوقف ويوهب، طيب والمسألة التي معنا مسألة ضمان فهي من المعاوضات فيكون أكثر شبهاً بالبهيمة من هذه الناحية فيُقاس عليها فيدفع القاتل القيمة لماذا؟ لأننا قسنا العبد على البهيمة فقلنا يدفع القيمة كما لو قتل بهيمة، طيب ما الفرق بين أن يدفع دية أو يدفع قيمة، الفرق أن دية الحُّر معلومة مائة من الإبل، بينما قيمة العبد تختلف على حسب قوته وضعفه حسب أن يكون ذكراً أن يكون أنثى صغيراً كبيراً فقيمته في السوق تختلف فهذا هو الفرق بين أن يدفع الدية وأن يدفع القيمة.

ثم قال المؤلف رحمه الله :

ومن شرط الفرع: أن يكون مناسباً للأصل.

ومن شرط الأصل: أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين.

ومن شرط العلة: أن تطَّرد في معلولاتها، وألا تنتقض لا لفظاً ولا معنى.

ومن شرط الحكم: أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات، والعلة هي الجالبة للحكم، والحكم هو المجلوب للعلة.

بعد أن ذكر رحمه الله تعريف القياس وذكر أقسام القياس بدأ يذكر بعض شروط أركان القياس، فبدأ بالفرع والفرع هو ما يراد إثبات حكم الأصل فيه كالأرز في مثالنا السابق الذي قسناه على البر، هذا معنى الفرع ومعنى قول المصنف ومن شرط الفرع أن يكون مناسباً للأصل يعني صحت وجود العلة المناسبة في الأصل وفي الفرع كي يُجمع بينهما، أن توجد العلة المناسبة والوصف المناسب في الأصل وفي الفرع بأن يجتمع المقيس والمقيس عليه في أنصاف العلة المناسبة، وأما الأصل فهو المطلوب إثبات حكمه في الفرع كالبر مع الأرز في مثالنا المتقدم، البر هذا هو الأصل لأننا نطلب أن نثبت للأرز حكماً كحكم البر، فالبر هذا هو الأصل فإذا كان حكم الأصل ثابتاً بنص أو بإجماع وعلمت علته بنص أو استنباط جاز القياس عليه، فلا بد أن يكون الأصل ثابتاً عند المتنَاظِرَين، شخصان يتناظران في مسألة، هذا يثبت وهذا ينفي، فا استدل أحدهما على الآخر بالقياس فهنا كي يصح قياس المُستدل يجب أن يكون الأصل الذي قاس عليه ثابتاً بين المتنَاظِرَين.

وأما العلة فقال المؤلف هي الجالبة للحكم، أي هي التي وُجد الحكم بوجودها، هي الجالبة للحكم، هي التي تجلبه، هي التي تأتي به، فيوجد الحكم بوجودها، ويقولون في تعريفها هي الوصف الظاهر المنضبط، وصف ظاهر واضح منضبط لا يختلف من شخص إلى آخر، منضبط، هي الوصف الظاهر المنضبط الذي بُني عليه الحكم الشرعي كالاقتيات والادخار في مثالنا المتقدم هذا وصف وهو ظاهر منضبط وعليه بني الحكم على الأرز بأنه من الربويات، وشرطها (العلة) أن تطَّرد في معلولاتها ولا تنتقض لفظاً ولا معنى، معنى أن تطرد تستمر توجد باستمرار كلما وجدت العلة في صورة من الصور وجد معها الحكم، فمثالنا المتقدم أي شيء يصح أن يوصف بأنه مقتات ومدخر فيكون من الربويات وكذلك كالإسكار، كلما وجد وصف الإسكار في شيء وجد التحريم، الخمر أصل، النبيذ فرع ، الخمر محرم لماذا؟ ما هي علة التحريم؟ الإسكار، النبيذ نقول هل يسكر أم لا يسكر؟ يسكر، إذن وجدت فيه علة التحريم فالنبيذ محرم وأي شيء وجد فيه وصف الإسكار فهو محرم هذا معنى اطراد العلة والمراد بمعلولاتها الأحكام التي عللت بها.

وقوله: ومن شرط الحكم: أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات.

قال في تعريف الحكم هو المجلوب للعلة الذي جلبته العلة وشرطه أن يوجد بوجود العلة وينتفي بانتفائها كالإسكار إذا وجد وجد التحريم، وإذا انتفى الإسكار انتفى التحريم ، أي الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، هذا ما ذكره المؤلف من مباحث القياس.

ثم قال رحمه الله:

وأما الحظر والإباحة فمن الناس من قال: أصل الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة فيتمسك بالأصل وهو الحظر.

ومن الناس من قال بضده وهو أن: أصل الأشياء الإباحة إلا ما حظره الشرع.

يشير المؤلف رحمه الله إلى قاعدة مهمة وهي الأصل في الأشياء الإباحة أو الحل، معنى الحظر التحريم ومعنى الإباحة الحل، أي بعد ورود الشرع ،هل الأصل في الأشياء الحظر أم الإباحة، اختلف أهل العلم في ذلك، فالبعض قال الأصل فيها التحريم حتى يرد في الشريعة ما يدل على الإباحة ومرادهم بالأشياء المعاملات والأكل والشرب وأشباه ذلك، والبعض الآخر قالوا الأصل في الأشياء الحل حتى يرد في الشريعة ما يدل على التحريم، وهذا القول هو الصحيح ودليله قول الله تبارك وتعالى: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً"، إذن فكل ما في الأرض مخلوق لنا، وهذه الآية ذكرها الله في معرض الامتنان ولا يمتن على عباده إلا بشيء جائز لهم، إذن فالصحيح أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد دليل من الشرع يدل على التحريم، وكما ذكرنا هذه القاعدة فائدتها كبيرة، فكل شيء من المعاملات ونظائرها إذا سئلنا عنها قلنا الأصل فيها الحل حتى يأتي دليل يدل على التحريم كالأشياء الضارة مثلاً، ورد دليل يدل على تحريمها وهي : "لا ضرر ولا ضرار" هذه انتهت ورد فيها حكم، أكل الأسد هل يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز، ورد فيه حكم عام وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من السباع، البط هل يجوز أكله أم لا؟ نقول الأصل في الأشياء الحل حتى يدل دليل على التحريم، الأصل في البط أنه حلال وهكذا، فما ورد فيه نص من الكتاب والسنة نقف مع النص من الكتاب والسنة وما لم يرد فيه نص من الكتاب والسنة نرجع فيه إلى الأصل وهو الإباحة، هذا في غير العبادات، العبادات الأصل فيها التحريم، يَحْرُم أن تتقرب إلى الله بعبادة إلا إذا دلَّ الدليل على مشروعيتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" وقوله :"كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" فيجب أن تكون العبادة مشروعة بأدلة شرعية صحيحة كي يصح أن تتقرب إلى الله بها، فإذا قال لنا شخص أريد أن أصلي ركعتين سنة الجمعة القبلية بعد الأذان قلنا له الأصل في العبادات التحريم، فَأتِ بدليل يدل على هذه العبادة ثم بعد ذلك افعل فإذا لم يأتي بدليل قلنا له لا يجوز لك أن تفعل هذه العبادة، هذا في العبادات أما في المعاملات الأكل والشرب وما شابه ذلك فإذا سئل أحد عنها ولم يرد عندنا دليل من الكتاب والسنة يدل على هذه المسألة رددناه إلى الأصل وهو الإباحة.

ثم قال المؤلف رحمه الله:

ومعنى استصحاب الحال أن يَستصَحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي.

هذا دليل من الأدلة الشرعية أيضاً يسمى استصحاب الحال، وهو أن يُستصحب الأصل وهو البراءة الأصلية، يسمى البراءة الأصلية براءة الذمة عند عدم وجود الدليل الشرعي، كأن يسأل المجتهد عن حكم صوم شهر رجب فيبحث عن دليل على ذلك في الكتاب أو السنة أو الإجماع فلا يجد شيئاً فيقول لا يجب صيام شهر رجب باستصحاب الحال أي العدم الأصلي براءة الذمة، فيقول الأصل براءة الذمة وهكذا في جميع الأبواب مثلاً يجد المجتهد دليلاً منافياً لاستصحاب البراءة حكم باستصحاب الأصل وهذا معتمد باتفاق عند عدم جميع الأدلة من النص والقياس والإجماع.

ثم قال المؤلف رحمه الله:

وأما الأدلة فيقدم الجليّ منها على الخفيّ، والموجب للعلم على الموجب للظن، والنطق على القياس، والقياس الجلي على القياس الخفي.

فإن وجد في النطق ما يغير الأصل وإلا فيستصحب الحال.

هذا الباب نحتاج إليه عند تعارض الأدلة، أي الأدلة يقدم بعضها على بعض فما الذي يقدم على الآخر؟ قال المؤلف يقدم الجلي على الخفي، أي المحكم الذي يكون واضح المعنى لا خفاء فيه يقدم على المتشابه الذي فيه خفاء وهذا معنى قول العلماء يرد المتشابه إلى المحكم، وذلك لقول الله تعالى: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب " أي هن أصل الكتاب الذي ترد إليه الآيات المتشابه التي يتعلق بها أهل الزيغ قال سبحانه: "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله" الآيات، وأما قول المؤلف والموجب للعلم على الموجب للظن، أي يقدم اليقيني على الظني الدليل اليقيني يقدم على الدليل الظني، وقوله والنطق على القياس أي الكتاب والسنة يقدم على القياس إذا اختلف القياس مع الكتاب والسنة وذلك لأن القياس أضعف من الكتاب والسنة، بل لا يقال به إلا مع عدم الدليل من الكتاب والسنة، قال والقياس الجلي على الخفي، يريد بالقياس الجلي قياس العلة الذي تقدم معنا ويريد بالقياس الخفي قياس الشبه كذلك تقدم معنا وتقدم معنا أن قياس العلة أقوى من قياس الشبه فإذا اختلفا يقدم قياس العلة على قياس الشبه، وقوله فإن وجد في النطق ما يغير الأصل وإلا فيستصحب الحال، الأصل الذي هو البراءة الأصلية، إذا وجد دليل من الكتاب والسنة يبين حكم مسألة قلنا به وإلا استصحبنا البراءة الأصلية وقلنا بها هذا معنى كلام المؤلف رحمه الله. انتهى موضوع ترتيب الأدلة.

ثم قال رحمه الله:

ومن شرط المفتي أن يكون عالماً بالفقه فرعاً وأصلاً، خلافاً ومذهباً، وأن يكون كامل الآلة في الاجتهاد، عارفاً بجميع ما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة ومعرفة الرجال وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها.

بعد أن انتهى المؤلف رحمه الله من بيان الأدلة وكيفية الاستدلال بها، بدأ الآن ببيان المستفيد من هذه الأدلة وهو المجتهد وذكر بعد ذلك المقلد وبَيَّن حقيقة الاجتهاد، المفتي اسم فاعل من أفتى يُفتي وهو المجيب عن السؤال والمستفتي السائل هذا الأصل اللغوي وأما في الشرع فهو المخبر عن الحكم الشرعي، المفتي هو المخبر عن الحكم الشرعي والمستفتي هو السائل عن الحكم الشرعي، فلما كان المفتي هو المخبر عن الحكم الشرعي، قال ابن الصلاح رحمه الله ولذلك قيل في الفتوى إنها توقيع عن الله تبارك وتعالى، وسمى الإمام ابن القيم رحمه الله كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين، إعلام العلماء علماء الشريعة، وشرط المفتي أن يكون عالماً بالفقه فرعاً وأصلاً، أن يكون عالماً بمسائل الفقه كمسائل الطهارة والصلاة والزكاة والنكاح والطلاق وما شابه ذلك وكذلك أن يكون عالماً بأصول هذه المسائل يعني بقواعدها، وكذلك يكون عالماً بها خلافاً ومذهباً، أن يكون عالماً باختلاف العلماء في المسائل، وإذا كان مجتهداً في مذهب معين يكون عالماً بقواعد المذهب الذي ينتمي إليه هذا معنى كلام المؤلف ،وقد اختلف العلماء في هذا الشرط في المفتي، لأن المفتي الأصل فيه أن يكون مالكاً لآلة الاجتهاد فيتمكن من معرفة الفقه فلا داعي لاشتراط معرفة الفقه هذا مذهب جمهور الأصوليين، لا داعي لهذا الشرط أصلاً بما أنه مَلَك آلة الاجتهاد، إذن فهو قادر على استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

ثم قال: عارفاً بجميع ما يحتاج إليه من استنباط الأحكام من النحو اللغة ومعرفة الرجال وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها.

أي أحاديث الأحكام هذا معنى الأخبار الواردة فيها أي في الأحكام يعني معرفة أحاديث الأحكام يعني يشترط في المفتي أن يكون عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام، يعني تكون عنده علوم الآلة التي يحتاجها في الفتوى كعلم اللغة وعلم أصول الفقه وعلم أصول الحديث، هذه علوم الآلة لابد من توفرها عند المفتي عند المجتهد ويكون الشخص مُلِماً بهذه الأشياء، إذا درس الإنسان مثلاً في أصول الفقه هذا الكتاب الذي بين أيدينا عبارة عن باب، فتح باب في أصول الفقه فإذا درس بعده مختصر ابن الحاجب أو جمع الجوامع لابن السُبكي أو مختصر التحرير أو مختصر الطوفي أحد هذه المختصرات وفهمه وأتقنه يكون قد أخذ من أصول الفقه ما يكفيه للاجتهاد وفي اللغة إذا درس مثلاً المقدمة الآجرومية ودرس قطر الندى يكون قد أخذ ما يحتاجه في النحو وإذا أكمل بألفية ابن مالك فهو خير على خير، وكذلك يدرس شيئاً من البلاغة وشيئاً من الصرف يعني يأخذ من اللغة ما يحتاجه في فهم آيات من الكتاب والسنة لا يحتاج أن يكون مثل سيبويه والخليل بن أحمد وغيرهم لا، يأخذ القدر اليسير الذي يحتاج إليه في فهم الكتاب والسنة ولابد أن يكون عنده معرفة بعلم مصطلح الحديث معرفة بالرجال معرفة بالعلل كي يتمكن من معرفة الحديث الصحيح والضعيف وقد أريناكم كيف يدرس الشخص هذا العلم وكذلك ينبغي أن يكون على علم بآيات الأحكام وبأحاديث الأحكام، أحاديث الأحكام قد جمعها تقريباً الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام وآيات الأحكام أيضاً قد جُمعت، جمعها مثلاً ابن العربي في كتابه أحكام القرآن وغيره كذلك جمعوا آيات الأحكام وتكلموا وأبانوا معانيها تكلموا عن دلالاتها ولا يجب أن يكون الشخص حافظاً لكل هذا، ولكن يكون مُلماً بها ويكون قادراً على الوقوف عليها متى ما احتاج إليها.

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى:

ومن شرط المستفتي أن يكون من أهل التقليد، فيقلد المفتي في الفتيا، وليس للعالم أن يقلد. وقيل يقلد.

المستفتي كما مر معنا هو الذي يسأل عن الحكم الشرعي فجعل المؤلف رحمه الله من شرطه أن يكون مقلداً أي غير مجتهد يعني لا يجوز للمجتهد أن يقلد لأنه يعرف يتمكن من الوصول لمراد الله تبارك وتعالى للوقوف على الأدلة فلا يجوز له أن ينصرف عنها إلى تقليد فلان وفلان فهو مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم لا بطاعة غيرهما، ولا يجوز له أن يقلد إلا عند الضرورة، عند ضيق الوقت مثلاً أو عند أن تشكل عليه المسألة ولا يتمكن من الوقوف على الصواب فيها ويجوز له ذلك لقول الله تبارك وتعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم" أما المقلد ففرضه أن يسأل من يثق بعلمه ودينه، المقلد هو الذي لا يتمكن من الوصول إلى الحكم الشرعي بدليله، ولا يتمكن بنفسه إلى الوصول لذلك فهذا يسأل غيره من أهل العلم من أهل الاجتهاد الذين يثق بعلمهم ودينهم، لأنه لا يستطيع أكثر من ذلك وهو داخل في قول الله تبارك وتعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" أي إن كنتم تعلمون فلا تسألوا ولكن اسألوا إذا كنتم لا تعلمون، فالمقلد لا يعلم هذا يجب عليه أن يسأل الذين يثق بعلمهم ودينهم وأما المجتهد فهذا يعلم، فيجب عليه أن يأخذ المسألة من دليلها من الكتاب أو السنة.

قال المؤلف رحمه الله:

والتقليد: قبول قول القائل بلا حجة.

هذا معنى التقليد قبول قول القائل بلا حجة.

فعلى هذا قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم يسمى تقليداً، ومنهم من قال: التقليد: قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله.

فإن قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس، فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليداً.

أصل التقليد في اللغة من القلادة فكأن من قَبِل قول غيره قَلَّده ذلك القول، قال التقليد قبول قول القائل بلا حجة هذا هو التقليد واختلف أهل العلم هل النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد أم لا يجتهد كل ما يأتيه وحي من الله، الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد ولكن مع كونه يجتهد لا يّقَّر على خطأ وكون النبي صلى الله عليه وسلم لا يّقَّر على خطأ فكل ما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يقوله أو يفعله فهو تشريع من عند الله تبارك وتعالى "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" سواء قاله أصالة باجتهاد أو أصالة من وحي هو في النهاية لا يصلنا إلا وهو على الصورة التي أرادها الله عز وجل وهو وحي من الله تبارك وتعالى، فالأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس تقليداً لأن هنا قول النبي هو في نفسه حجة، قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة إذن قبول قولنا قبول للحجة وليس قبولاً لقول الآخر بلا حجة، إذن الصحيح أن الأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم متابعة وليست تقليداً لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نطيعه وأن نأخذ بقوله "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" وقال الله سبحانه وتعالى: " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول" إذن طاعة الرسول والأخذ بأقواله هي حجة في نفسها وليس هذا من التقليد في شيء.

ثم قال المؤلف رحمه الله:

وأما الاجتهاد: فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض.

بذل الوسع أي بذل الطاقة (الجهد) لإدراك حكم شرعي فالغرض هو الحكم الشرعي، الاجتهاد هو بذل الوسع في بلوغ الغرض الشرعي هذا معنى الاجتهاد

وقال رحمه الله:

والمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد، فإن اجتهد في الفروع: فإن أصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد.

ومنهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب.

المجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد قوله إن كان كامل الآلة في الاجتهاد هذا هو المجتهد وهذا الظاهر أنه زيادة بيان وإيضاح لأن المجتهد هو الذي حصل على الآلة الكاملة في الاجتهاد.

قال: إن اجتهد في الفروع يريدون بالفروع المسائل الفقهية العملية وأصاب فله أجران وإن اجتهد وأخطأ فله أجر وهذا أصله قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا اخطأ فله أجر" أو كما قال عليه الصلاة والسلام فهذا أصل هذا الكلام، لأن المجتهد الذي بذل وسعه في الوصول لما أراد الله سبحانه وتعالى أراد أن يصل إلى ما يريده الله، إلى ما يحبه الله ويرضاه إلى مراد الله من كلامه بذل جهده في الوصول إلى ذلك ثم إن أصاب بعد ذلك فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، أجره يأخذه على ماذا يأخذه على الجهد الذي بذله، بذل ما بوسعه، والأجران يأخذهما الذي أصاب أجر على الإصابة وأجر على الاجتهاد، هذا معنى فله أجران وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، ومنهم من قال كل مجتهد في الفروع مصيب هذا القول خطأ قطعاً لا شك في ذلك، وهذه المسألة التي تسمى عند أهل العلم كل مجتهد مصيب، المصيب واحد فقط فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المجتهد إما أن يصيب أو أن يخطأ" كما مرَّ معنا في الحديث "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" إذن عندنا مخطأ وعندنا مصيب، والقولان إذا كانا متضادين لا يمكن أن يكونا صواباً أبداً، يعني كأنك تقول في الشيء يكون أبيض وأسود في نفس الوقت وفي نفس الزمن، هذا باطل، الكلام لا يحصل أبداً إما خطأ وإما صواب، والله سبحانه وتعالى عندما شرع المسألة شرعها على صورة أرادها هو سبحانه فالصواب عند الله سبحانه شيء واحد فمن أصابه فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد.

قال المؤلف رحمه الله:

ولا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب.

يريد بالأصول الكلامية المسائل الاعتقادية، المسائل الاعتقادية الخبرية يسمونها أصولاً كلامية وهذه تسمية باطلة فاسدة تسمية مبتدعة على أصولهم هم، الكلامية نسبة إلى الكلام، والكلام عندهم هو تقرير مسائل الاعتقاد بالعقل وبالكلام، هذا معنى الأصول الكلامية التي عندهم، نحن نقول مسائل اعتقادية.

قال : ولا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية (أي الاعتقادية) مصيب

لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى والمجوس والكفار والملحدين.

نحن قلنا مسألة الإصابة لا في الفروع ولا في الأصول لا في المسائل الفقهية ولا في المسائل الخبرية يقال بأن الجميع مصيب لا، المصيب واحد والآخر مخطأ بالحديث الذي تقدم معنا.

قال المؤلف رحمه الله:

ودليل من قال: ليس كل مجتهد في الفروع مصيباً قوله صلى الله عليه وسلم: "من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد" .

ووجه الدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطأ المجتهد تارة وصوبه أخرى.

هذا هو الصواب في المسألة، والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وقد أكملنا بحمد الله هذا الكتاب ونكون بذلك قد انتهينا من مجالس شرح الورقات.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 09:38.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي