Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
العودة   منتديات شبكة الدين القيم > :: منـبـر الـمـشـرف العــام أبي الحسـن عـلـي الـرمــلي - حفظه الله - :: > منبر الدروس المفرغة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-01-2013, 21:30   #1
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي * مكتمل * تفريغات شرح متن الورقات لإمام الحرمين الجويني في أصول الفقه.

بسم الله الرحمن الرحيم


[تفريغ الدرس الأول من شرح متن الورقات]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد
..
فكما وعدناكم سنبدأ بإذن الله تعالى بشرح كتاب الورقات في أصول الفقه وأرجو من الإخوة جميعاً الذين يحبون المتابعة معنا وحضور هذه الدروس أن يعتنوا بحفظ متن الكتاب وهذا إلزامي ، كل ما سنشرحه في درس من الدروس ينبغي أن لا تأتوا في الدرس الذي بعده إلا وقد حفظتم المتن الذي شرحناه وراجعتم وفهمتم ما بينّاه لكم ، فسأحرص على تسميع المتن بنفسي على البايلوكس وكذلك سيكون عندنا امتحاناً تجريبياً في أثناء شرح المادة ثم سيكون امتحاناً عاماً للمادة كلها بعد الانتهاء منها بإذن الله تعالى .

اعلموا بارك الله فيكم أن علم أصول الفقه علمٌ مهمٌ جداً ، أما تعريفه فسيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى معنا في كلام المؤلف ، وتكمُنُ أهمية هذا العلم في كونه يُعرِّفك ما هو الدليل الذي يصلح أن يكون دليلاً تعتمد عليه في الحكم الشرعي الذي أمرنا الله تبارك وتعالى به فتعرف بدراسة هذا الفن أن الإجماع حُجّة مثلاً ، فعند دراستك لهذا الفن تعلم أن الإجماع حُجة تَعتمد عليه في إخراج الأحكام الشرعية التي أراد الله تبارك وتعالى مِنّا أن نَتعبَّده بها وتعرف كذلك أنَّ القياس حجة وتعرف أن الاستحسان العقلي ليس بحُجَّة وتعرف أن خبر الآحاد حجة ( يُحتج به ) فبإمكانك بعد أن تعرف هذا أن تستدل بالإجماع وأن تستدل بخبر الآحاد على إثبات حكمٍ شرعيّ . وبإمكانك أيضاً عند تعلُّم هذا العلم أن ترُدَّ على الذي يستدل عليك بالاستحسان العقلي وتقول له هذا الاستحسان ليس بحجة، وتستدل على كونه ليس بحجة بما تعلَّمت في أصول الفقه . فإذاً من فوائد أصول الفقه أنه يُعرِّفك الدليل الذي تستطيع أن تعتمد عليه في إثبات الأحكام الشرعية : القرآن ، السنة ، الإجماع ، القياس ، وما شابه ذلك ، تقول هذه أدلة يُحتجُّ بها إذاً باستطاعتي أن أستدل مثلاً على وجوب الصلاة بقول الله تبارك وتعالى { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ } ليش ؟ لأنَّ (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) آية في كتاب الله والقرآن حجة مُجمعٌ عليه هذا، انتهى الأمر . تحتجُّ مثلاً على أن الأرُزّ يجري فيه الربا كما يجري في البُرّ بناءً على ماذا ؟ على أنك تقول بأن القياس حُجَّة ، إذاً بَيْع الأرز بالأرز يجب أن يكون مِثْلاً بمِثْل سواءً بسواء يداً بيد كحال البُر تماماً ، قياساً على البر هذا إذا كنت تتعبَّد بالقياس وتعتقد أن القياس حُجة ودليلٌ شرعي إذاً بإمكانك أن تعرف الدليل الشرعي من الدليل الذي لا يكون شرعياً ولا مُعتمَداً بدراستك لهذا الفن . هذه الفائدة الأولى .
وأما الفائدة الثانية : فتَعرف بدراستك لهذا الفن كيف تستنبط الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي . تَنبَّه معي الآن وانتبه إلى قولي : ( من الدليل التفصيلي ) ، في أثناء كلامنا وشرحنا في هذا العلم سيَمرُّ معنا كثيراً نقول :( الدليل الإجمالي) و (الدليل التفصيلي ) فماذا نعني بذلك ؟ نعني بالدليل الإجمالي : الدليل الذي لا يَتكلم عن مسألة مُعيَّنة ، لا يختص بمسألة معينة،بل تدخل تحته مسائل كثيرة كقولنا ( الأمر يقتضي الوجوب ) الأمر المطلق يقتضي الوجوب أو الأمر للوجوب ، هي قاعدة واحدة ، نقول هذا دليل إجمالي تنطبق عليه الأدلة التي وردت في الكتاب والسُّنة بصيغة الأمر ولم تأتِ قرينة تدل على أنه ليس للوجوب كقول الله تبارك وتعالى { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } (وأقيموا) إيش هذا ؟ أمر ، (وأقيموا ) : أمر ، هذا يُعرف بمقتضى اللغة ، عندنا دليل إجمالي قاعدة أصولية تقول : ( الأمر يقتضي الوجوب) وقول الله تبارك وتعالى { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } أمر، فإذاً نستطيع أن نطبِّق هذه القاعدة العامة على هذا الدليل التفصيلي الخاص وهو { أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } فـ ( أقيموا الصلاة ) آية من كتاب الله تختص بمسألة معيَّنة فهذا يسمى دليلاً تفصيلياً لأنه يتعلق بمسألة معينة وهي مسألة وجوب الصلاة .{آتُواْ الزَّكَاةَ } تختص بمسألة معينة وهي : (إيتاء الزكاة) لكن القاعدة العامة وهي الدليل الإجمالي الأمر للوجوب لا تختص بمسألة معينة ، تنطبق عليها الكثير من المسائل ، منها هذه { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } ومنها {وَآتُواْ الزَّكَاةَ } ومنها الأوامر التي جاءت في الكتاب والسنة ، إذاً فهي لا تختص بمسألة معينة ، هذا يسمى الدليل الإجمالي . القياس دليل لكنه دليل إجمالي تدخل تحته مسائل كثيرة كل مسائل القياس التي تمر معنا في الفقه تدخل تحت هذه القاعدة ( قاعدة القياس حجة ) .
هذا هو الفرق بين الدليل الإجمالي والدليل التفصيلي .
إذاً عندنا الفائدة الثانية تَعرِف كيف تستنبط الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي، وذلك بمعرفة أصول الفقه تتمكن من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، الآن كيف استنبطنا وجوب إقامة الصلاة من الدليل التفصيلي وهو ( أقيموا الصلاة ) ؟ استنبطناه باستعمال الدليل الإجمالي الأصولي وهو :( الأمر يقتضي الوجوب) فإذاً أعاننا هذا الدليل الإجمالي على استخراج الحُكم الشرعي من هذه الآية وهي آية { أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } كيف استخرجنا الحكم الشرعي منها ؟ عندنا هذه القاعدة ( الأمر للوجوب ) وعَلِمنا من قول الله تبارك وتعالى { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ }أن (أقيموا) هذه أمر من مقتضى اللغة ، فإذا كان الأمر يقتضي الوجوب وهذه الآية فيها أمر ، إذاً فـ (أقيموا الصلاة ) : إذاً يجب علينا أن نقيم الصلاة .
بهذه الطريقة استطعنا أن نستنبط الحُكم الشرعي بمعرفة القواعد الأصولية .
الفائدة الثالثة التي نستفيدها من دراسة أصول الفقه: هي معرفة المجتهد أي المستنبِط أي الذي يستخدم القواعد الأصولية العامة هذه في استخراج الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية ، مَن هو هذا الذي يتمكَّن من هذا الفعل ؟ هو المجتهد ، معرفة هذا المجتهد ، معرفة أوصافه وما هي شروطه، هذه أيضاً تستفيدها من ماذا ؟ من دراسة أصول الفقه .
وأما الفائدة الرابعة التي نستفيدها من هذا العلم : فهي كيفية التوفيق بين الأدلة ، وذلك بحَمْل المُطلَق على المقيَّد ، حمَْل العام على الخاص ، ومتى يعتبر الدليل منسوخاً ومتى لا يُعتبر منسوخ وهكذا ، والمُرجِّحات بين الأدلة ، فمعرفة هذه الأمور من علم أصول الفقه ، وأنت من خلال دراستك هذه ستَعرِف أسباب اختلاف العلماء لماذا يختلفون ، أسباب كثيرة تعرفها عند دراستك لهذا الفن ، عرَفنا بعض الأسباب فيما تقدَّم معنا في علم أصول الحديث والآن مع دراسة هذا الفن ستتضح لنا الأمور أكثر وأكثر، فبمعرفتك لسبب اختلاف العلماء تتمكَّن من الترجيح ومعرفة الحق من الباطل في كلامهم وكذلك تتمكن من معرفة المعذور منهم وغير المعذور ، فَمِمّا تَقدَّم الآن معنا تعلمون أن طالب العلم لا يمكن له أن يكون عالماً مجتهداً قادراً على فهم الكتاب والسنة فهماً صحيحاً قادراً على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية إلا بدراسة هذا العلم ، إذاً فهذا العلم علمٌ مفيدٌ جداً ومهمٌ جداً لطالب العلم الذي يرجو من نفسه ويرجو قبل ذلك من الله سبحانه وتعالى أن يُكرِمَه وأن يكون من العلماء الذين يستقلّون باستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، ولكنْ أفسد هذا العلم المتكلمون وذلك بإدخالهم كلامهم ومنطقهم فيه ، علم الكلام يقولون في تعريفه: هو علمٌ يتضمن الحِجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية . وهو هذا حقيقته، علم الكلام علم يُقدِّس العقل ولا يقدس الشرع كما يقدس العقل ، والعقل له شطحات إذا لم يُقيَّد بشرع الله يأتي بالعجائب، والصحيح في هذا العلم أنه ما أحدثه المتكلمون في أصول الدين من إثبات العقائد بالطرق التي ابتكروها وأعرضوا بها عما جاء به الكتاب والسنة ، فالمتكلمون لا يرفعون رأساً بالكتاب والسنة حقيقة في المسائل العقائدية ، الأصل عند المتكلمين في المسائل العقائدية هو العقل ، العقل هو الذي يُثْبِتْ وهو الذي يَنْفي ، فهو علمٌ يقررون العقائد فيه بالأدلة العقلية (نعوذ بالله من عِلمٍ يُبعدُ العبد عن كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ) وسُمِّي علمُ الكلام بهذا الاسم لأنه يحتاج إلى الكلام في الخِصام والمجادَلة .هذا قول
وقيل : لأن أعظم مسألة اختلفوا فيها وتكلموا فيها مسألة كلام الله تبارك وتعالى لذلك سُمِّي علم الكلام . وعلم المنطق هو كالأساس لعلم الكلام ، قوانين عقلية يستعملها المتكلم وغيره في جداله يدَّعون أن هذه القوانين تحفظ العقل من الخلل ومن الغلط والخروج عن النظام العقلي في التفكير، وهما عِلمان غريبان عن علم الشريعة أدخلهما في علم الشريعة المتكلِّمون وقد كثُر كلام السلف في ذمّ الكلام وأهلِه ، منه قول الإمام الشافعي رحمه الله : حُكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنِّعال ويُطافُ بهم في العشائر والقبائل ويُقال هذا جزاءُ مَنْ ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام .هذا كلام الإمام الشافعي رحمه الله وفي رواية عنه أنه قال : حُكمي في أهل الكلام حُكمُ عمر في صَبيغْ ، الذي كان عمر يجلده وأمر بهجره بسبب أنه يسأل عن بعض المسائل المتشابهة ، ومن أراد معرفة المزيد من الآثار حول ذم السلف لعلم الكلام فليراجع كتاب أبي إسماعيل الهَرَوي (ذَمّ الكلام وأهله ) .
والكثير ممن ألّف في علم أصول الفقه من المتكلمين مع أن أول من جمع فيه كتاباً مفرداً هو الإمام الشافعي رحمه الله إمامٌ من أئمة أهل السنة وأهل الحديث وذلك في كتابه (الرسالة) التي كتبها استجابة لطلب عبد الرحمن بن مهدي الإمام المعروف المحدِّث ، طلب من الشافعي أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن ويجمع له قَبول الأخبار فيه وحُجَّة الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة ، فوضع له الإمام الشافعي كتاب الرسالة .
وبهذه المقدمة نكون قد بيَّنّا فائدة هذا العلم وأوَّل مَنْ صَنَّف فيه ، وما الذي يجب أن نجتنبه منه ، ففائدته التمكن من استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية ومعرفة الدليل الشرعي الذي يُعتمد في الاستدلال والترجيح بين الأدلة وكذلك معرفة المجتهد وصفاته .هذه الخلاصة .
وأوَّل مَنْ صَنَّف فيه هو الإمام الشافعي والذي يجب أن يُجتَنَب من مباحث هذا الفن المباحث الكلامية والمنطقية والمباحث التي لا علاقة لها بتحقيق الاجتهاد في فهم الكتاب والسنة ومعرفة الفقه والأدلة الصحيحة له ، وقد أشار إلى ذلك الإمام الشاطبي في كتابه ( الموافقات ) .
وأما الكتاب الذي سنَدْرسه في هذا الفن وهو كتاب الورقات لأبي المعالي الجُوَيْني هو كتابٌ كاسمه ( ورقات ) وورقات جمع مؤنث سالم وهو من جموع القِلَّة عند سيباويه أي ورقاتٌ قليلة ، يناسب طالب العلم المبتدئ ، فالمؤلف رحمه الله ذكر فيه بعض مباحث أصول الفقه وبعض اصطلاحاته ، والعلماء درَجوا على شرح هذا الكتاب للمبتدئين في طلب علم أصول الفقه وذلك لاختصاره وسهولته على الطالب المبتدئ وقد شرحه جمعٌ من العلماء منهم جلال الدين المحِلّي ومنهم ابن الصلاح صاحب علوم الحديث، وأما المؤلف فهو أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الملقَّب بإمام الحرمين لأنه سكن في المدينة وسكن في مكة ، ابن أبي محمد الجويني ، أبو محمد الجويني أبوه كان عالماً أيضاً فقيهاً شافعياً ، وأبو المعالي من علماء القرن الخامس وُلد سنة 419 وتوفي سنة 478 كان إماماً في الفقه الشافعي أشعرياً من أهل الكلام ، رجَع عن مذهب التحريف الذي يسمونه بمذهب التأويل عند الأشاعرة ، الأشاعرة عندهم مذهبان في الصفات : مذهب التحريف الذي يسمونه مذهب التأويل وهو حقيقته تحريف ومذهب التفويض ، مذهب التحريف الذي هو تحريف نصوص الصفات عن ظاهرها كقولهم { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } استولى وكقولهم في صفة الحب : إرادة الإثابة ، وفي صفة الغضب: إرادة الانتقام ..وهكذا ، تحريفات عن دلالتها اللغوية الصحيحة ، وإثباتها لله كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه ونفي مماثلتها بصفات المخلوقين ، هذا الواجب . وطائفة ثانية من الأشاعرة وهم المُفوِّضة الذين يفوِّضون المعنى والكيْف وحقيقة مذهبهم هو الجهل أي أنهم يجهلون كل ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - من صفات الكمال التي أثبتها الله لنفسه ، يجهلون معانيها فيقولون: نحن نُفوِّض معناها لا نعلم معناها لا علاقة لنا بها هذه من آيات المتشابه إذاً لا نتكلم فيها ، حقيقة مذهبهم هو الجهل وينسِبون هذا القول للسلف . لذلك يقول قائلهم : مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم أي يعنون به الأشاعرة ، المذهب الأول للأشاعرة وهو مذهب التأويل الذي هو مذهب التحريف حقيقة ، هذا يسمونه مذهب الخلف عندهم ، ومذهب السلف عندهم من الأشاعرة المفوضة الذي هو التفويض فيقولون هذا أسلم ، أسلم لك أن تقول لا أدري ما معناها ولا كيفيتها وينتهي الأمر أو يقولون: لكن الأعلم والأحكم الأتقَن الذي يستطيع صاحبه أن يجادل وأن يناظر هو مذهب الخلف ، كذا يقولون ! لا شك عندما يظنون بالسلف الجهل الذي ظنوه به سيظنون بأنفسهم أنهم أصحاب العلم وما يعلمون أن علمهم أمام علم السلف لا يساوي شيئاً ، فعلم السلف علم كتابٍ وسنَّة وعلمهم علمٌ مخترَع مبتكَر يكفيه شراً أن أصوله كثير منه مبني على أصول الفلاسفة .
فالمؤلف رحمه الله كان أشعرياً متكلماً رجع عن مذهب التحريف إلى مذهب التفويض في آخر عمره وندم على خوضه في الكلام وأما من الناحية الحديثية فلم يكن من أهل هذا العلم وهذا ليس شيئاً عجيباً ، كثير من علماء المتكلمين تجده في الأدلة العقلية وتجد خوضه فيها خوضاً شديداً ويأخذ ويصول ويجول ويركض ويسرَح لكن عندما يأتي الحديث تجده خاوياً وهذا سبحان الله من عدم التوفيق . فكان هذا العالِم في علم الحديث ضعيفاً حتى قال فيه الإمام الذهبي رحمه الله : كان هذا الإمام مع فرَط ذكائه (شدة ذكائه) وإمامته في الفروع (أي في المسائل الفقهية ) وأصول المذهب (المسائل الفقهية على المذهب بالطبع ، أصل الفقه ما هو كتابٌ وسنة هذا أصل الأصول ، إذا لم تكن عندك علم بالسنة فأي فقه ستبنيه ؟ ) قال : كان هذا الإمام مع فرط ذكائه وإمامته في الفروع وأصول المذهب وقوة مناظرته لا يدري الحديث كما يليق به متناً ولا إسناداً . سبحان الله وهذا تلتمسه كثيراً في أصحاب المذاهب الفقهية المتأخرة ، قارِن إذا شئت بنفسك ، خُذّ كتاباً فقهياً لأحد المتكلمين وخُذّ كتاب الأوسط لابن المنذر وانظر العلم ، أنظر الفرق بين هذا وهذا ، أو خُذّ كتاب المغني لابن قدامة أو كتاب التمهيد لابن عبد البَر وانظر كيف أهل الحديث يَبنون فقههم وكيف المتكلمون يَبنون فقههم ، ستجد الفروق واسعة . لذلك ينبغي على طالب العلم أن يعتني بكتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وبالعلوم التي تساعده على فهم الكتاب والسنة وعلى استخراج الأحكام الشرعية منهما ، وأي علم يكون غريباً عن ذلك فليبتعد عنه ولينوء بنفسه عنه ، هذا هو الفوز "مَنْ يُرِد الله به خيراً يُفقهه في الدين " ما هو الدين هذا الذي يفقهه فيه ؟ يُفهِّمه شرعه ، ما هو الدين الذي جاءنا من عند الله تبارك وتعالى؟ كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - هذا هو الدين الذي جاء من عند الله تبارك وتعالى، فكل ما قَرَّب وأعان على فهم الكتاب والسنة فهو علم مبارك اعتني به ، وكل ما أبعد عنهما فابتعد عنه كعلم المنطق وعلم الكلام ، علم المنطق ابن الصلاح رحمه الله وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيرهما من أئمة السُّنة كانوا يقولون فيه بأنَّ الذكي لا يحتاج إليه لأن القواعد التي تُقرَّر فيه ،الذكي يُدركها من غير أن يخوض فيما خاض فيه أصحابه والبليد لا يفهمه فما فائدته إذاً ؟ فلا حاجة لنا به .
هذه مقدمة بين يديّ هذا الكتاب منها نكون قد عرَفنا فائدة هذا العلم وأوَّل من صنَّف فيه وعرَفنا أيضاً ما العلم الذي ينفع وما العلم الذي لا ينفع ، وأنبِّه إلى أنَّ الناس في هذا العلم ما بين إفراط وتفريط ، فبعض الناس يخوض فيه ويتوسَّع حتى إنه يَشغل نفسه بكثير من مباحثه التي هي غريبة عن موضوع هذا العلم والبعض الآخر يُزهِّد فيه ويصرف الناس عنه مما يؤدي إلى قلة البضاعة في التمكُّن مِنْ فهم كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الوجه الصحيح ، فالمسألة لا تحتاج إلى إفراط ولا إلى تفريط ، ما كان من مباحث هذا الفن يؤدي إلى عملْ فينبغي الاعتناء به ، وما كان من مباحثه بعيداً عن العمل فهذا ينبغي أن لا يَشغل طالب العلم نفسه به فالعلم كثير والعُمْر عن تحصيله قليل فاشغل نفسك بما ينفع ودعْك مما لا ينفع ونكتفي اليوم بهذا القدر ونبدأ بمادة الكتاب من الدرس القادم بإذن الله تعالى .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-2013, 07:22   #2
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الثاني من شرح متن الورقات لإمام الحرمين.

المجلس الثاني من شرح متن الورقات لإمام الحرمين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد ..
فهذا المجلس الثاني من مجالس شرح متن الورقات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم
(( أما بعد )): ( أما بعد )يأتون بها للانتقال من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ آخر في الكلام، كما فعل المؤلف هنا بدأ أولاً بالبسملة ثم بعد ذلك بدأ بموضوع تأليفه، وتقديرها: مهما يكن من شيء بعد البسملة فكذا وكذا، هذا تقدير الكلام، فالمؤلف هنا أتى بها للانتقال من البسملة إلى أول الكلام في الموضوع المراد.
ثم قال رحمه الله: ((فهذه ورقاتٌ ))
ورقاتٌ: جمْع ورقة وهو جمع مؤنث سالم من جموع القِلَّة أي ورقات قليلة.
((تشتمل ))أي تحتوي ((على مَعرفةِ فُصولٍ مِن أصولِ الفقه ))هذه الورقات التي ألّفها المؤلف رحمه الله احتوت على فصولٍ من أصول الفقه.


(الفَصْل)الذي هو مفرد (الفصول) هو الحاجز بين الشيئين: هذا في اللغة، ومنه سُمِّيَت فصول السَّنة بالفصول كفصل الربيع وفصل الصيف وفصل الخريف، لأن كل فصلٍ منها يَفْصل بين ما قبله وما بعده، ففصل الربيع يحجز ويفصل بين الشتاء و الصيف مثلاً فلذلك سُمي فصلاً، وهو أيضاً في اصطلاح العلماء و في كتبهم يُراد منه الحجز بين أجناس المسائل وأنواعها، فتجد عندنا هاهنا مثلاً: فصلٌ في الكتاب وفصلٌ في السُّنة وفصلٌ في العام وفصلٌ في الخاص وفصلٌ في المطلق وفصلٌ في المقيد ..إلخ،هذا معنى كلمة فصول .
(من أصول الفقه )هذه الفصول هي من أصول الفقه، هذا العلم الذي سنَدْرسه، فهذه الورقات قد احتوت بعض فصول أصول الفقه، بعض مسائل أصول الفقه، أي أنها لم تحتوِ على أصول الفقه كاملة ولكن فيها فصولٌ والفصول التي فيها فصول مهمة جداً والمؤلف رحمه الله لم يذكر جميع مسائل أصول الفقه لأنه وضع هذا الكتاب للمبتدئين فمن عليهم وضع الأشياء الأهم .
قال: ((فهذه ورقات تشتمل على معرفة فصولٍ من أصول الفقه ، وذلك مؤَلفٌ من جزأين مُفْرَدين )) الآن المؤلف رحمه الله يريد أن يبدأ بتعريف أصول الفقه ، فقال هنا (وذلك )أي و أصول الفقه (مؤلَّف)أي مركَّب (من جزأين مفردين ) يعني كلمة (أصول)و كلمة (فِقْه)، أصول الفقه مركَّب من هاتين الكلمتين: كلمة (أصول)و كلمة (فقه)، وكي نعرف المعنى الاصطلاحي لأصول الفقه نحتاج أن نعرف معنى كلمة (أصول )و معنى كلمة (فقه)ثم نَعْرف أصول الفقه باعتباره مضافاً )أصول الفقه(، وهذا الذي يُسميه علماء الأصول (تعريف أصول الفقه باعتبار مفرديه )أي بالنظر إلى الكلمتين المركبتين، كلمة أصول وكلمة فقه، فأصول الفقه عند علماء الأصول يُعَرَّف باعتبارين:بالنظر أولاً إلى نفس الكلمتين اللتين رُكِّب منهما الاسم، وبالنظر من الجهة الثانية إلى كون هذا اسم على هذا العِلم المعين بغض النظر عن التركيب ولكنه اسم على هذا العلم المعيَّن كشخص اسمه عبد الله نريد أن نعرف من هذا الشخص عبد الله ولا ننظر إلى تركيبة الاسم من: عبد ومن الله سبحانه وتعالى، فإذاً النظر إما أن يكون إلى الكلمتين المركبتين أو أن يُنظر إلى هاتين الكلمتين فقط كَـ اسم، كعَلَمْ على هذا العِلْم الذي بين أيدينا ، فنُعَرِّفه باعتبارين، بهذا الاعتبار تارة وبالاعتبار الثاني تارة أخرى، المؤلف بدأ الآن عندنا بالاعتبار الأول أي بالنظر إلى كلمة (أصول )وكلمة )فقه)، هاتين الكلمتين (أصول الفقه)ما معناهما ؟ وما المعنى الذي يعطيانه إذا رُكِّبتا مع بعضهما ؟ هذا الذي نظر إليه الآن، وسيأتي تعريفه أيضاً لكلمة (أصول الفقه)باعتباره لقباً على هذا العِلْم، باعتباره علَماً لهذا العلم الذي نحن الآن بصدد دراسته.
الآن فلنبقى مع الاعتبار الأول وهو تعريف أصول الفقه باعتبار هاتين الكلمتين:كلمة (أصول)وكلمة (فقه)فنحتاج أولاً أن نعرف ما معنى الأصول وما معنى الفقه كي نفهم المراد من كلمة (أصول الفقه) .
فقال المؤلف رحمه الله: ((فالأصلُ : ما يُبنى عليه غيره))هذا تعريف الأصل في اللغة، من أين جاءت كلمة الأصل هذه ؟ من كلمة أصول ، نحن الآن نريد أن نفهم ما معنى كلمة أصول الفقه، فـ (الأصل)مفرد (الأصول)والأصول جمع أصل، فما معنى (الأصل)؟ إذا فهمنا معنى المفرد عرَفنا معنى الجمع ، فقال: (الأصلُ: ما يُبنى عليه غيره )هذا في اللغة، كأصل الجدار ، ما هو أصل الجدار ؟ أساساته من تحت، هذه التي قام عليها الجدار فأصل الجدار ما بُني عليه الجدار و هي الأساسات، وأصل البيت قواعده وأساساته التي بُنيّ عليها البيت، إذاً ما بُني عليه غيره هو الأصل ، فأصل البيت هي قواعده وأساساته لأنها هي التي بني عليها البيت، وأصل الشجرة طرفها الثابت في الأرض، لأن أغصانها وثمارها وأوراقها بُنيت على هذا الطرف الثابت في الأرض، إذاً الآن إن شاء الله يكون الأمر واضحاً عندنا، الأصل ما يُبنى عليه غيره ، هذا في اللغة.
وأما في الاصطلاح فالمؤلف رحمه الله لم يعرِّف لنا الأصل من الناحية الاصطلاحية فلعله يذهب إلى أن الأصل في اللغة وفي الاصطلاح بمعنىً واحد فلذلك ما ذكر الأصل في الاصطلاح، لكن الأصوليون الكثير منهم يُفرِّق بين الأصل من الناحية اللغوية والأصل من الناحية الاصطلاحية ، فالأصل في الاصطلاح عند الأصوليين يطلق على عدة معانٍ، نحن الآن لا نريد أن نستطرد فلا نريد أن نُشتِّت أذهانكم لذلك سنذكر ما لا بد منه لطالب العلم المبتدئ فقط والاستطرادات والزيادات هذه ستُعرف إن شاء الله في مرحلة متقدمة ، فالأصل عند الأصوليين يطلق على عدة معاني أشهرها أربعة ، نحن سنذكر منها واحد وهو الذي يهمنا ويخصنا هنا ، الأصل عند الأصوليين يُطلق على الدليل وهو الذي يعنينا هاهنا فنقول: الأصل في النكاح : الكتاب، والأصل في المسح على الخُفين:السُّنة أي دليل ثبوت النكاح مِنَ الكتاب ودليل ثبوت المسح على الخفين مِنَ السنة وهكذا ، أصل هذه المسألة من الكتاب والسُّنة كذا وكذا أي دليل هذه المسألة من الكتاب والسنة كذا وكذا، هذا معنى الأصل عند الأصوليين .
إذاً، فهمنا معنى الأصل عند الأصوليين، طيب الأصول ماذا يكون معناها عند الأصوليين ؟ الأدلة، فتكون كلمة (الأصول)عند الأصوليين بمعنى (الأدلة).
ثم قال المؤلف رحمه الله : ((والفَرْعُ : ما يُبنى على غيره))قال بعض أهل العلم:ذكر هذا استطراداً وإلاّ نحن ليس لنا شغل الآن بالفرع، (الفرع : ما يبنى على غيره )لأن الفرع يبنى على الأصل، فالأصلُ: ما يبنى عليه غيره ، الفرع: ما يبنى على غيره. فجذوع الشجرة وأوراقها وما شابه ذلك هذه فروعٌ لِطَرَفها الثابت، والجدار نفسه فَرعٌ لأصله، والبيت فرعٌ لقواعده وأساساته.هذا معنى الفرع من الناحية اللغوية ، فالفرع مقابل الأصل.وفروع الفقه لأصوله ، فأصول الفقه كالقواعد والأساسات للفقه يبنى عليها الفقه الذي هو فرعٌ لأصوله التي هي أصول الفقه. وهذا كما ذكرتُ لكم ابن الصلاح رحمه الله في شرحه يقول هنا ذكر المؤلف رحمه الله الفرع استطراداً فقط أي لأنه ذكر الأصل أكمل الفائدة بذكر الفرع.
ثم قال المؤلف رحمه الله بعد أن انتهى من تعريف الأصول الذي مفرده الأصل، الآن انتهى من تعريف الجزء الأول من كلمة أصول الفقه وبدأ بالجزء الثاني فقال: ((والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد ))بدأ بتعريف الفقه الذي هو الجزء الثاني من كلمة أصول الفقه، فعرَّف الفقه من الناحية الاصطلاحية مباشرة ، نحن نُعرِّف الفقه أولاً من الناحية اللغوية. فقال المؤلف رحمه الله : ((والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد ))نقول:الفقه لغة: الفَهْم ومنه قوله تعالى} وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي{ أي يفهموا قولي ، ومنه أيضاً قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس :"اللهم فقِّهه في الدين "أي فَهِّمه في الدين الذي هو الكتاب والسنة فهذا أصل الدين، إذاً المعنى الشرعي أحياناً يختلف عن المعنى الاصطلاحي، الفقه في دين الله يدخل فيه فَهْم شريعة الله كاملة من الناحية الشرعية أما من الناحية الاصطلاحية فالفقه ما عرَّفه المؤلف عند الأصوليين (والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد )فمسائل العقيدة لا تدخل في الفقه عند الأصوليين ولكن الفقه من الناحية الشرعية تدخل فيه المسائل العقائدية ومسائل التفسير والحديث و ...إلخ و أحياناً أيضاً المسألة تختلف في المعنى بين المعنى الشرعي و المعنى اللغوي، فأول شيء تحتاجه يا طالب العلم أن تعرف معنى الكلمة في الشرع فإن لم تجد لها معنىً خاصاً في الشرع فترجع إلى اللغة و سيأتي إن شاء الله، هذا مبحث مستقل في أصول الفقه، ننتبه الآن نرجع إلى موضوعنا، الفقه لغة هو الفهم واصطلاحاً قال المؤلف رحمه الله:(معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد )، أما المعرفة عند الأصوليين فهي إدراك الشيء على ما هو عليه، (إدراك الشيء)أي تصوُّره في ذهنك ، (على ما هو عليه)أي على حقيقته لا إدراكاً خاطئاً، إدراكاً صحيحاً على حقيقته، تقول : عرَفت المسألة أي تصورتها تصوراً صحيحاً على حقيقتها فلم تعد بعد ذلك جاهلاً بها ، فالمعرفة بمعنى العلم ولكن الفرق بينهما أن المعرفة تكون مسبوقة بجهل، أنا كنتُ جاهلاً بالمسألة فلما تعلمتها أصبحتُ عارفاً بها، أما العلم فمنه ما يُسبق بجهل ومنه ما لا يسبق بجهل، هذا هو الفرق بينهما. هذا معنى المعرفة.


أما الأحكام الشرعية فيجب أن نعلم أولاً أن الحُكْم ثلاثة أقسام:

(حُكْم عقلي)وهذا تدرك فيه الأحكام بالعقل كالكُلّ أكبر من الجزء، حكم عقلي.

وهناك (حكمٌ عادي)ما عُرِفت فيه النسبة بالعادة، كمعرفة أن دواءً معيناً يعالج مرضاً معيناً ، هذا عرِف بماذا ؟ يُعرَف بالعادة فهذا يسمى حكماً عادياً.

و القسم الثالث من الحُكم هو (الحُكم الشرعي)و أصل الحكم في اللغة هو المَنْع، حكمتُ عليه بكذا إذا منعته من خِلافِه، فتقول: حَكَم القاضي على شخصٍ بالسجن أي منعه من الحرية، هذا من الناحية اللغوية، والحكم قلنا ينقسم إلى ثلاثة أقسام : حكم عقلي وحكم عادي وحكم شرعي، والحكم الشرعي هو الذي يهمنا من هذه الأقسام الثلاثة لأن المؤلف قال:((والفقه: معرفة الأحكام الشرعية ))فما هي الأحكام الشرعية ؟

الحكم الشرعي هو المتلقى من الشرع، وينقسم إلى قسمين:حكم شرعي تكليفي وحكم شرعي وضعي.

و الحكم الشرعي التكليفي خمسة أنواع : واجب ومندوب ومباح ومحظور ومكروه.

الحكم الشرعي الوضعي خمسة أقسام:شرط وسبب ومانع وصحة وفساد وسيأتي التفصيل فيها إن شاء الله، لكن ينبغي أن تعرف ما هو الفرق بين الحُكمين، الحكم الشرعي التكليفي والحكم الشرعي الوضعي.

الحكم الشرعي التكليفي هو حكمٌ طُلِب منك أن تعمل عملاً فيه، فهذا يسمى حكماً شرعياً أوجب عليك شيء أو حَرَّم عليك شيء ، هذا يسمى حكماً تكليفياً طُلِب منك أن تفعل شيئاً أو أن تترك فعل شيء، المهم فيه طلب في الأمر. الحكم الشرعي الوضعي هو عبارة عن علامات، ما فيه طلب هذا لكنه علامات وُضعت للحكم التكليفي وهي السبب والشرط والمانع كما سيأتي، فمثلاً السبب: دلوكُ الشمس سببٌ لوجوب صلاة الظهر، دلوك الشمس يعني زوالها، سبب لوجوب صلاة الظهر، فزوال الشمس الآن هذا السبب لم يُطلب منك أن تفعله ولكنه علامة على وقت وجوب صلاة الظهر، فالأسباب والشروط والموانع والصحة والفساد كل هذا يدخل في الأحكام الوضعية، ليست هي طلب ولكنها أشياء وضعها الشارع علامات للأحكام التكليفية، هذا الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي.
قال المؤلف: ((والفقه: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد ))الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة، نص شرعي في الكتاب والسنة على أن النية في الوضوء واجبة أو يدل على ذلك دلالة نصية واضحة، لا يوجد، فيجتهد المجتهد في استخراج هذا الحكم و استنباطه من أدلة الكتاب و السنة فهذا يدخل في الفقه عند الأصوليين لأن استخراج هذا الحكم كان باجتهاد لا بِنَصّ، وجوب الصلاة فيه نَص، وجوب الزكاة فيه نَص، هذا لا يسمى فقهاً عند الأصوليين، مَنْ عرَف وجوب الصلاة وجوب الزكاة وجوب الصيام وجوب الحج ..إلخ من الأشياء المنصوص عليها هذا لا يسمى فقيهاً عند الأصوليين، مَن هو الفقيه ؟ الذي عرف الأحكام الشرعية عن طريق الاجتهاد والاستنباط، الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، التي عُرفت بالاجتهاد والاستنباط لا بالنصوص الشرعية لأن معرفة الأحكام الشرعية بالنصوص الشرعية يشترك فيها العالم والجاهل، العالم والجاهل يشتركان في معرفة الأحكام الشرعية التي وردت فيها نصوص كوجوب الصيام ووجوب الزكاة ووجوب الحج عامة الناس يعلمون هذا، لا يقال فيهم فقهاء، إذاً الفقيه هو الذي عرف الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد يجب أن يكون عارفاً في كل حكم من الأحكام الشرعية التي تحتاج إلى استنباط؟ لا، إذا وُجدت عنده الآلة التي يستطيع بها أن يستنبط الحكم بنفسه عند الحاجة إليه يكون فقيهاً، هذا مقصوده من هذا، إذاً الفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد عند الأصوليين، فعلى ما ذهب إليه المؤلف الآن نستطيع نحن أن نركِّب تعريفاً لأصول الفقه فماذا نقول ؟
نقول: أصول الفقه:أدلة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.
أو:
الأدلة التي تبنى عليها الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.
أو:
ما تبنى عليه الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.



(..)
نُخَرِّج الآن من خلال تعريفنا لكلمة الأصول وكلمة الفقه، لكن هذه الأدلة، كلمة الأدلة الآن تشترك ما بين الأدلة الإجمالية والأدلة والتفصيلية، فالأصولي يشتغل بالأدلة الإجمالية لا التفصيلية، التفصيلية هذا شغل الفقيه، الفقيه هو الذي يشتغل بها، الأصولي هو الذي يشتغل بالأدلة الإجمالية وقد قدمنا الفرق بين الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية، الأدلة الإجمالية التي لا تختص بمسألة معينة كالإجماع حجة والقياس حجة والأمر للوجوب والنهي للتحريم ..إلخ الدليل التفصيلي الذي يختص بمسألة معينة }وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ{ اختص هذا الدليل الذي هي هذه الآية آية } وَأَقِيمُواْ الصَّلاَة{ هذا دليل تفصيلي لأنه يختص بمسألة الصلاة، } وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى{ دليل تفصيلي لأنه يختص بمسألة الزنى وهكذا، الأصولي لا، عندنا هاهنا الأدلة الإجمالية أدلة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد الأدلة الإجمالية، هذا تعريف أصول الفقه باعتبار مُفرَدَيْه.
ثم قال المؤلف رحمه الله : ((والأحكام سبعةٌ: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والفاسد))هذه الأحكام الشرعية، خلاص الأحكام العقلية والأحكام العادية ما لنا شغل بها ، الآن كل شغلنا في الأحكام الشرعية ، الأحكام الشرعية يذكر المؤلف أنها سبعة أنواع وتقسيم الأحكام الشرعية إلى سبعة أنواع هذا تقسيم خاص بالمؤلف والمشهور عند الأصوليين هو الذي يهمنا، المشهور عند الأصوليين أن الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: أحكام تكليفية وأحكام وضعية كما تقدم، فنبدأ أولاً بالأحكام التكليفية وهي: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه، خمسة هذه كلها هي الأحكام التكليفية، التي فيها طلب، المباح ليس فيه طلب لكن أُدخل لتكميل القسمة وإلا الواجب والمندوب مطلوب فعله، المحظور والمكروه مطلوبٌ تركه، وهذه فيها طلب.
قال المؤلف رحمه الله : ((فالواجب : ما يثاب على فعله ويعاقَب على تركه))التعريف هذا للواجب عليه انتقادات كثيرة وفيه أخذٌ ورَدّ كثير بين الأصوليين وذِكرُ هذه المؤاخذات والنزاعات بين الأصوليين في مثل هذا الموضع لا تناسبنا، الذي يناسبنا أن نشرح التعريف الذي اختاره المؤلف لأن المسألة اجتهادية في النهاية، نشرح التعريف الذي ذكره المؤلف ونذكر الصحيح، والذي يهمنا هو أن نفهم ما هو الواجب في النهاية، كما قال الغزالي رحمه الله بعد أن بيَّن الواجب ما هو قال: ولا مُشاحَّة بعد ذلك في الاصطلاح، يعني يُعرِّف كل واحد كما يشاء المهم أن تعرف ما هو الواجب. قال: ((فالواجب : ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه ))هذا تعريف بالثمرة، بالنتيجة، نتيجة الواجب، ثمرته ما هي ؟ أنَّ فاعله يثاب على فعله ويعاقب تاركه على تركه. والأَوْلى أن نقول: ما يثاب فاعله امتثالاً، يثاب يعني يؤجر من الله سبحانه وتعالى ، فاعل الواجب يؤجر من الله سبحانه وتعالى على فعله الواجب، الصلاة واجبة إذا فعلتَ الصلاة أُجرت، نفقة الرجل على زوجته واجبة، إذا فعلها يؤجر؟ ليس كل الناس يؤجرون، مَنْ فعلها امتثالاً لأمر الله أُجِر ومَنْ فعلها لغير أمر الله لا يؤجر وإن كان الوجوب يسقط عنه لأنه مطالب بهذا الشيء إذا فعله سقط عنه لكن هل يؤجر؟ يؤجر إذا فعله امتثالاً أما إذا فعله بِغير الامتثال فلا يؤجر لكنه يسقط عنه طلب هذا الواجب، نفقته على زوجته تسقط عنه، زوجته لا تطالبه بذلك يوم القيامة لكنه لا يؤجر عليه إذا لم يكن قد فعل ذلك امتثالاً، إذاً لا بد أن نضيف كلمة امثالاً، ما يثاب على فعله امتثالاً ويستحق العقاب على تركه، هكذا العبارة تكون أسلم من قوله ويعاقب على تركه، ما الفرق ؟ المؤلف قال ((ويعاقب على تركه ))نحن نقول : (ويستحق العقاب على تركه)، الفرق بينهما أنه يعاقب على تركه فيها جزمٌ بالعقاب، ونحن نعلم قول الله تبارك وتعالى } إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ{ ففاعل المعصية الذي ترك واجباً أو فعل محرماً تحت مشيئة الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه إذاً فلا نستطيع أن نجزم بالعقاب، فنقول ماذا ؟ ويستحق العقاب على تركه هكذا تكون العبارة أسلم. إذاً في النهاية نقول:


فالواجب ما يثاب على فعله امتثالاً ويستحق العقاب على تركه.
أو نقول :


ما يثاب فاعله امتثالاً ويستحق العقاب تاركه.
والأَوْلى أن نُعرِّف الواجب بحقيقته لا بثمرته فنقول:


الواجب ما أمر به الشارع أمراً جازماً. هذا أوضح.

فقولنا: (ما أمر به الشارع )دخل فيه الواجب والمندوب (المستحب )لأن الواجب مأمور به والمندوب مأمور به، وخرَج المحرَّم والمكروه والمباح، لأن المحرم والمكروه ليس مأموراً به بل منهي عنه والمباح لا مأمور به ولا منهي عنه فقولنا:(ما أمر به الشارع )خرَج المحرم والمكروه والمباح، بقي معنا الواجب والمندوب، طيب نريد أن نخرج المندوب لنُعرِّف الواجب فكيف نخرجه ؟ نأتي بقيد جديد ، ماذا نقول ؟ ما أمر به الشارع أمراً جازما، أخرجنا المندوب، ليش ؟ المندوب مأمورٌ به لكن لا على سبيل الجزم والقطع بذلك، لا، فيصفو عندنا تعريف الواجب فيصبح الواجب عندنا: ما أمر به الشارع أمراً جازم.وفي تعريف المؤلف أيضاً عندما نرجع لتعريف المؤلف ماذا قال ؟ (فالواجب: ما يثاب على فعله )ما الذي يثاب على فعله ؟ الواجب والمندوب ، الواجب والمندوب يثاب على فعله امتثالاً فأخرج ماذا ؟ المحرم والمكروه والمباح وقوله: (ويعاقب على تركه )أو (ويستحق العقاب على تركه)أخرج المندوب لأن المندوب إذا تركه الشخص لا يعاقَب لا يأثم على تركه، فيصفو عندنا تعريف الواجب. والواجب في اللغة هو الساقِط واللازِم ، وجَبَك كذا أي لزمك هذا الشيء } وَجَبَتْ جُنُوبُهَا {أي سقطت ولزمت الأرض. ويسمى الواجب أيضاً : يسمى فرضاً ويسمى لازماً ويسمى حتْماً هذه كلها مترادفات بمعنىً واحد على الصحيح من كلام أهل العلم.
وقال المؤلف: ((والمندوبُ : ما يثاب على فعله ولا يعاقَب على تركه)) أيضاً نقول: ما يثاب على فعله امتثالاً، (ولا يعاقب على تركه)هذه سليمة لأنه فيه نفي للعقاب وليس فيه إثباتٌ للعقاب.


والمندوب لغة : هو المدعو ، تقول : ندَبه أي دعاه.

فقوله : (ما يثاب على فعله )دخل فيه الواجب والمندوب، وخرَج منه المحرم والمكروه والمباح وقوله : (ولا يعاقَب على تركه )خرج به الواجب، ولك أن تقول في التعريف كما تقدم في الواجب، نقول هنا في المستحب:هو ما أمر به الشارع أمراً غير جازم. فقولنا : (ما أمر به الشارع )دخل فيه الواجب والمندوب وخرج منه المحرم والمكروه والمباح، وقوله: (أمراً غير جازم )أخرج الواجب وبقي عندنا المندوب هو الذي أمر به الشارع أمراً غير جازم، ويسمى أيضاً المستحب والسُّنة.ونكتفي بهذا القدر اليوم ونكمل في الدرس القادم بإذن الله تعالى.
______________
(..):ربما توجد كلمة ،لم يتضح لي
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-2013, 07:24   #3
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الثالث من شرح متن الورقات.

المجلس الثالث من شرح متن الورقات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ،،
فهذا المجلس الثالث من مجالس شرح كتاب الورقات
ذكرنا في الدرس الماضي أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين:حكم شرعي تكليفي وحكم شرعي وضعي، وذكرنا أن الحكم الشرعي التكليفي ينقسم إلى خمسة أقسام: الواجب والمندوب والمحرَّم والمكروه والمباح.والحكم الوضعي خمسة أقسام أيضاً: السبب والشرط والمانع والصحة والفساد ، وذكرنا من الأحكام التكليفية الواجب وعرَّفناه وذكرنا أيضاً المستحب وهو المندوب وعرَّفناه ومِنَ المفترض أن نبدأ من هذا اليوم بتسميع المتن على مَنْ حفظه ولكن نظراً لضيق الوقت سأجعل التسميع على منتديات نور الإسلام ، فكل واحد يحب أن يتابع معنا في هذا الدرس ويلتزم بالحفظ يفتح صفحة خاصة به في المنتديات ويكتب ما حفظه فيها وأنا سأتابعها بإذن الله .
قال المؤلف رحمه الله: ((والمباحُ : ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه)) .
المباح لغة: هو المعلَن والمأذون فيه.
تقول: أباح سِرَّه أي أعلنه.
وأما في الاصطلاح فقال المؤلف: (ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه). هذا قول المؤلف رحمه الله وكما ذكرنا هذا تعريفٌ بالثمرة أي ما لا يتعلق بفعله وتركه ثوابٌ ولا عقاب وإن شئتَ قلتَ:ما لا يتعلق به أمرٌ ولا نهيٌ لذاته أي بِغض النظر عن كونه وسيلةً لمأمورٍ به أو منهيٍ عنه، فخرج بقولهم: (ما لا يتعلق به أمرٌ)الواجب والمندوب، فالواجب والمندوب يتعلق بهما أمر ، الواجب أمرٌ جازم ، والمندوب أمرٌ غيرُ جازم ، وخرج بقولهم: (ولا نهيٌ )المحرَّم والمكروه، فالمحرَّم يتعلق به نهي والمكروه يتعلق به نهي، وقولهم:(بذاته)أي بقطع النظر عمّا يتعلق به، لأنه قد يتعلق به أمرٌ آخر فيكون هذا المباح مأموراً به لا لذاته ولكن لِما تعلَّق به.
أصلُ المباح الشيء الذي لا يؤمَر به ولا يُنهى عنه ، كشرب الماء مثلاً أو السَّفر ، شرب الماء في أصله مباح ، وكذلك شراؤه في أصله مباح ، وكذلك السفر في أصله مباح أي أنك لستَ مأموراً به ولا منهياً عنه فيتساوى فيه الفعل والتَّرك ، لا فرق ، ولكن إذا احتجتَ لماءٍ للوضوء مثلاً ولم تجده إلا عند بائع أراد أن يبيعه وأنت قادر على شرائه ، في هذه الحالة نقول لك : يجب عليك أن تشتري الماء ، ألم نَقُلْ قبل قليل بأن شراء الماء مباح ؟ أي فِعْله وتَرْكه سواء ، لكن الآن لمّا تعلَّق الأمر بالوضوء أصبح واجباً ، إذاً هو في أصله شراء الماء ليس واجباً لكن عندما تعلَّق بالوضوء أصبح واجباً، إذاً الوجوب لا لذاته ولكن لغيره ، بالنظر إلى شيء آخر .
السفر : شخص أراد أن يسافر إلى مدينة أخرى لأي سبب دنيوي ، أصلُ هذا السفر مباح ، يستوي فعله وتركه ، إن فعله لا يؤجر عليه وإن تركه لا يأثم عليه ، هذا هو معنى المباح ، ولكن إذا كان سفره وسيلةً إلى حرام ، أراد أن يسافر إلى بلدٍ ما كي يشرب الخمر أو يزني ، فهنا نقول في سفره هذا بأنه سفرٌ محرَّم مع أنَّ أصل السفر مباح ، لكن لمّا تعلَّق السفر بأمرٍ محرم وكان وسيلة له أصبح محرَّماً ، وكذلك السفر للحج أو للعمرة ، الأصل في السفر أنه مباح لكن مَنْ أراد أن يحج حجة الإسلام وجب عليه أن يسافر كي يحج ، ومن أراد أن يعتمر استُحِب له أن يسافر كي يعتمر لأن العمرة مستحبة ، فهنا يأخذ حكم الغاية ، هو وسيلة يأخذ حكم الغاية ، فإذا كان سفره لحرام أصبح محرماً ، إذا كان سفره لأداء واجب يكون سفره واجباً ، إذا كان سفره لفعل مستحب يكون سفره مستحباً وهكذا ، هذا معنى قولهم :( بذاته ) أي المباح يكون مباحاً إذا لم يتعلق به أمر ولا نهي بالنظر إليه هو لذاته بغض النظر عن الأشياء الأخرى . فالمباح ما يستوي فيه الفعل والترك فإن فعله الشخص لا يثاب عليه وإن تركه لا يعاقب على تركه .
ثم قال المؤلف رحمه الله : ((والمحظور : ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله )). المحظور لغة : هو الممنوع وهو نفسه الحرام ، المحظور والحرام واحد عندنا هنا في الاصطلاح ، المحظور في اللغة الممنوع واصطلاحاً قال المؤلف : (ما يثاب على تركه)نحن نَزيدُ (امتثالاً)كما زدنا فيما مضى وقد بيّنّا السبب فيما مضى وقد زِدْنا (امتثالاً)لأن مَنْ ترك المحرم لا لأن الله حرمه لا يثاب على ذلك، كمن ترك شرب الخمر كي يحافظ على صحته أو كمن ترك التدخين خشيةً على صحته فمثل هذا لا يؤجر على هذا التَّرْك ، فمَنْ تركه امتثالاً لأمر الله تبارك وتعالى هذا الذي يؤجر على الترك .
(ويستحق العقاب على فعله)هذا الصواب أن يقال : ويستحق العقاب على فعله ، لأنه قد لا يعاقَب فهو تحت المشيئة كما تقدم في مبحث الواجب ، فخرج بقوله :(ما يثاب على تركه )الواجب والمستحب والمباح ، فإنْ تَرَك الواجب أَثِمْ ، وإن ترك المستحب لم يؤجر ، وإنْ تَرَك المباح كذلك لم يؤجر ، وخرج بقوله (ويعاقب على فعله )المكروه لأن المكروه إنْ فَعَله لا يعاقب على فعله ولكنه لا يؤجر أيضاً على فعله ، ولك أن تقول في تعريفه أي في تعريف المحظور :(ما نهى عنه الشارع نهياً جازما )فَبِقَوْلِنا : ما نهى عنه الشارع (وبالمناسبة نعني بالشارع الله سبحانه وتعالى ومحمداً - صلى الله عليه وسلم - فالله هو المشرِّع والنبي - صلى الله عليه وسلم - مبلِّغٌ عنه شرعه )فـ (ما نهى عنه الشارع )خرَج به الواجب والمندوب والمباح ، فالواجب والمندوب أمر به الشارع لا نهى عنه ، والمباح لم يأمر به ولم ينهَ عنه ، وخرج بقولهم : (نهياً جازماً)المكروه ، فالمكروه نُهي عنه ، نهى عنه الشارع ولكن لم ينهَ عنه نهياً جازما .
ثم قال المؤلف :((والمكروه : ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله ))، المكروه لغة : ضد المحبوب ،المُبْغَضْ .
واصطلاحاً : قال المؤلف: (ما يثاب على تركه)ونضيف نحن (امتثالاً)، (ولا يعاقب على فعله)وهذه كما هي لأنها نفي وليست إثبات ، فخرج بقوله : (ما يثاب على تركه )الواجب والمندوب ، فالواجب يأثم على تركه ، والمندوب والمباح لا يؤجر على تركه .
وبقوله :(ولا يعاقب على فعله )خرج الحرام ، فالحرام مَنْ فعله يستحق العقاب ، ولك أن تقول في تعريفه :(ما نهى عنه الشارع نهياً غير جازم )كما قالت أم عطية رضي الله عنها : نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزَم علينا ، إذاً النهي لم يكن نهياً جازما ، كالشرب قائما ، الشرب قائم نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن النهي لم يكن جازما لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فعلَه فهو مكروهٌ وفِعْل النبي - صلى الله عليه وسلم - لبيان الجواز .
تنبيه :كان السلف رضي الله عنهم يُطلقون المكروه على المحرَّم فينبغي أن تتنبه ، السلف لِوَرعهم كانوا أحياناً يجتنبون كلمة الحرام فيقولون: مكروه ويعنون به أنه حرام .
فقسَّم أهل العلم المكروه إلى قسمين : مكروهٌ كراهة تحريمية ومكروهٌ كراهة تنزيهية ، فالمكروه الذي عندنا ها هنا هو المكروه كراهة تنزيهية والمكروه كراهة تحريمية يدخل في باب الحرام في الباب الذي قبله ، فالمكروه كراهة تحريمية والمحرَّم واحد .
وبهذا نكون قد انتهينا من الأحكام التكليفية .
وأما الأحكام الوضعية وهي التي وضعها الشارع علاماتٍ على الأحكام التكليفية وهي:السبب والشرط والمانع والصحة والفساد .
فالسبب لغة : الطريق إلى الشيء .
واصطلاحاً : ما يلزَم من وجودِه وجود ويلزم من عدمه العدم .
تنبهوا معي ها هنا ، ما يلزم من وجوده وجود ويلزم من عدمه العدم ، تأمَّلوا دلوك الشمس لصلاة الظهر ، أمَر الله تبارك وتعالى بإقامة صلاة الظهر عند دلوك الشمس ، ومعنى دُلوك الشمس أي زوالها ، فزوال الشمس سببٌ لوجوب صلاة الظهر أي : علامة يَثبُت بها وجوب الظهر -احفظوا المثال جيداً - ، علَّق الله سبحانه وتعالى وجوب صلاة الظهر بزوال الشمس ، فإذا زالت الشمس وجبت صلاة الظهر ، فَلْنَقل بأن الشمس تزول الساعة الثانية عشر ظهراً ، فإذا دخلت الساعة الثانية عشر ظهراً وجبت صلاة الظهر ، إذاً الساعة الثانية عشر ظهراً التي هي لحظة زوال الشمس علامة على الوقت الذي تجب فيه صلاة الظهر ، إذاً فزوال الشمس سببٌ لوجوب صلاة الظهر . نرجع إلى التعريف (السبب : ما يَلزَم من وجوده وجود )هل يَلزم من وجود زوال الشمس وجود وجوب صلاة الظهر أم لا يلزم ؟ يلزم ، يلزم بالنص الشرعي ، قد علَّق الله سبحانه وتعالى وجوب صلاة الظهر بزوال الشمس ، إذاً يلزم من وجوده وجود ، يلزم من وجود السبب الذي هو الزوال عندنا في المثال وجود وجوب الظهر .
قال : (ويلزم من عدمه العدم )ماذا يعني ؟ يعني أن السبب إذا انعدم ولم يوجد لا يوجد وجوب الصلاة (صلاة الظهر)، إذا انعدم زوال الشمس ولم يوجد فوجوب صلاة الظهر لا يوجد ، إذاً السبب : ما يلزم من وجوده وجود ويلزم من عدمه العدم ، طبعاً بالنظر إليه خاصة بغض النظر عن الأشياء الأخرى . النِّصاب سببٌ لوجوب الزكاة ، الجَنابة سببٌ للغُسل ، عَرَفنا ذلك من خلال الأدلة ، النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل " ، إذاً الجنابة سببٌ للغُسل فإذا وُجدت الجنابة وجب الغسل، وُجد وجوب الغسل ، يلزم من وجوده وجود ويلزم من عدمه العدم ، إذا لم توجد الجنابة عُدمت ، عُدم وجوب الغسل لا يلزم عليه أن يغتسل ، هذا هو السبب فالسبب يؤثِّر في الحكم وجوداً وعدماً ، في حال وجوده يؤثر وفي حال عدمه يؤثر في الحكم . هذا بالنسبة للسبب
أما الشرط لغة: فهو العلامة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لِمَن سأله عن الساعة :" ولكنْ سأخبرك عن أشراطها " أي علاماتها.
واصطلاحاً : ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم وجوده الوجود ، أنظروا إلى هذا ، (ما يلزم من عدمه العدم )يؤثِّر في حال العدم (ولا يلزم من وجوده الوجود )في حال الوجود لا يؤثر ، إذاً الشرط يؤثر في حال العدم في الحكم لكن في حال الوجود لا يؤثر في الحكم ، قلنا : ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود كالوضوء للصلاة ، الوضوء شرط من شروط الصلاة " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " ، إذاً فالوضوء شرط في الصلاة فقد نفى الله سبحانه وتعالى الصلاة إذا لم توجد الوضوء فالوضوء شرط ، طيب ، (ما يلزم من عدمه العدم )طيب إذا عُدِم الوضوء ماذا يحصل في الصلاة ؟ تُعدَم ، تبطل إذاً (ما يلزم من عدمه العدم )فالشرط إذا عُدِمْ عُدِمَ الحكم ، (ولا يلزم من وجوده الوجود )شخص توضأ أيَلْزَمْ أن يصلي ؟ لا ، إذا توضأ لا يلزمه أن يصلي إذاً لا يلزم من وجوده وجود ، إذاً فالشرط يؤثر عدماً ولا يؤثر وجوداً بخلاف السبب ، السبب يؤثر وجوداً وعدماً ، عشان تفرق بين الأمرين ، وكالوَلِيّ في النكاح ، الولي في النكاح شرطٌ في النكاح ، إذا عُدم الولي النكاح باطل ، يلزم من عدمه العدم وإذا وُجد الولي لا يلزم أن يوجد النكاح .هذا هو الشرط .
أما المانع فهو لغة : الحائل يعني الذي يحول بينك وبين الشيء ، منَعك من الوصول إليه أي شيء يمنعك من الوصول إلى غرضك يسمى مانعاً .
وفي الاصطلاح : ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه الوجود .
لاحظ هذا عكس الشرط ، (ما يلزم من وجوده العدم)، الشرط : (ما يلزم من عدمه العدم)هذا لا ، يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه الوجود ، إذا لم يوجد المانع لا يجب أن يوجد الحُكم ، عكس الشرط ، كخلاف الدِّين في الميراث ، خلاف الدين في الميراث مانعٌ يمنع التوارث لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " إذاً الكفر والإسلام خلاف الدين مانع من موانع التوارث بين الشخصين ، طيب نُطبِّق على القاعدة (ما يلزم من وجوده العدم )إذا وُجد خلاف الدين انعدم التوارث بين الشخصين فيلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه الوجود ، لا يلزم إذا كان الشخصان مسلمَين أن يتوارثا ، وممكن أن يكون مسلم ومسلم لكن لا نسب بينهما ولا نكاح ولا ولا فلا يرث ، إذاً المانع : ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه الوجود ، الجهلُ مانعٌ من موانع التكفير فإذا وُجد الجهل انعدم التكفير لا يجوز التكفير وإذا انعدم الجهل لا يَجبُ أن يوجد التكفير فهناك أشياء أخرى يجب أن يُنظر إليها ، فالمانع يؤثِّر في حال الوجود لكنه لا يؤثر في حال العدم .
هذا ما يتعلق بالمانع وهذه الأنواع الثلاثة مهمة جداً لأنه ما من حكم تكليفي إلا ولهذه الثلاثة تعلُّقٌ به .
بَقيَ أن نُنبِّه على الفرق بين الشرط والركن : قلنا الشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود كالوضوء للصلاة ، إذا وُجد الوضوء لا يلزم أن توجد الصلاة ، لكن إذا عُدم الوضوء عُدمت الصلاة ، الركن كذلك ، الركن في اللغة هو جانب الشيء الأقوى ، ركن البيت جانبه القوي .
واصطلاحاً مثل الشرط تماماً ، يَفترق عن الشرط بشيء دقيق وهو أن الركن داخلٌ في ماهية الشيء والشرط خارجٌ عن ماهيَّة الشيء ، الماهية نريد بها الحقيقة ، الركن داخل في تركيبة الشيء في أساسه ، الشرط لا ، هو خارج عنه لكن الشيء لا يصح إلا به ، ننظر الآن بارك الله فيكم في التفريق بين الركن والشرط في الصلاة ، ما هي أركان الصلاة ؟ القيام والفاتحة والركوع والسجود ...إلخ هل هذه مِنَ الصلاة ؟ داخلة في تركيبة الصلاة أم خارجة عن الصلاة ؟ هي داخلة في تركيبة الصلاة ، طيب هل تصح الصلاة بغيرها أم لا تصح ؟ لا تصح الصلاة إلا بها ، إذاً يلزم من عدمها العدم ولا يلزم من وجودها الوجود ، الركوع وحده مثلاً لا يلزم أن تكون هناك صلاة لأنه لا بد أن تأتي بجميع الأركان والشروط حتى تصح الصلاة ويكون هناك صلاة شرعية ،طيب ننظر إلى الوضوء هل الوضوء من تركيبة الصلاة ؟ من جزئياتها ؟ لا الوضوء ليس من تركيبة الصلاة تتوضأ ثم تأتي أوَّل ما تبدأ في الصلاة بتكبيرة الإحرام ، من هنا بدأت تركيبة الصلاة إلى أن تقول السلام عليكم ورحمة الله ، هنا انتهت تركيبة الصلاة أجزاؤها التي تتركب منها ، إذاً الركن لا بد أن يكون داخلاً في تركيبة حقيقة الشيء ولا يصح الشيء بدونه ، هذا هو الركن ، الشرط كذلك لا يصح الشيء بدونه لكنه ليس داخلاً في تركيبة الشيء ، لا ، هو خارج عنه لذلك إذا اعتبرت هذا المعنى الاصطلاحي لا يجوز أن تقول أعمال الجوارح شرط في الإيمان ليش ؟ الشرط خارج ماهية الشيء خارج حقيقة الشيء ، والركن داخل في حقيقة الشيء ففرْق بين الأمرين .فينبغي الحذر من مثل هذا .
ثم قال : ((الصحيح ))الصحيح لغة : السليم .
واصطلاحاً قال المؤلف :((ما يتعلق به النفوذ ويُعتدُّ به ))ما يتعلق به النفوذ ، ما هو النفوذ ؟ النفوذ : وصول الشيء إلى غايته هذا هو النفوذ وأصله من نفوذ السهم وهو بلوغ المقصود من الرمي ، أن تبلغ إلى مقصودك من الرمي وكذلك العقد إذا أفاد المقصود منه يسمى ذلك نفوذاً ، والنفوذ تتصف به العقود ، كعقود البيع وعقود النكاح فتقول: عقدٌ نافذ وكذلك الاعتداد تقول: عقد يُعتد به ، فوَصْف النفوذ والاعتداد يصلح للعقود أما في العبادات ، العبادات تتصِّف بالاعتداد فقط لا تتصف بالنفوذ ، فقوله : (ما يتعلق به النفوذ )هذا لا ينطبق على العبادات ، فتقول في العبادات : هذه عبادة صحيحة أي يُعتد بها والعقد متى يفيد المقصود ؟ يفيد المقصود وتترتب آثاره عليه بتحقُّق شروطه وأركانه وانتفاء موانعه ، عرفنا الآن ما هو الشرط والركن والمانع ما نحتاج أن نرجع إليها ، العبادة أو المعاملة إذا تحققت شروطها وأركانها وانتفت موانعها عندئذ تكون صحيحة أما إذا لم تتحقق شروطها وأركانها ولم تنتفِ موانعها تكون باطلة فاسدة ، فإذا تحققت شروطها وأركانها (المعاملة)وانتفت موانعها عندئذ تفيد المقصود منها وتترتب آثارها عليها ، ما هي آثار العبادة ؟ إيش نقصد بآثار العبادة نحن ؟ نريد بالآثار ما شُرعت المعاملة له فالبيع مثلاً شُرع لماذا ؟ لنقل المِلْكية ، النكاح شُرع لماذا ؟ للتلذذ بالمنكوح فإذا ترتَّب على العقد المقصود وذلك بتحقُّق شروطه وأركانه وانتفاء موانعه يكون صحيحاً ، هذه الغاية التي نريد أن نصل إليها ، إذاً كيف تحكم على العبادة أو المعاملة أنها صحيحة ؟ إذا رأيت أن أركانها وشروطها قد تحققت وأن موانعها قد انتفت أما إذا لم يتحقق شرط أو ركنٌ أو وُجد مانع فعندئذ تحكم على العبادة أو على المعاملة بالبطلان ، ومعنى البطلان والفساد واحد ونحن بهذا نكون قد شرحنا معنى الصحة ومعنى الفساد الذي هو البطلان .
مثال العبادات : شخص صلّى الصلاة وأتى بجميع أركانها وشروطها على الوجه المطلوب مع انتفاء موانعها ، هنا عبادته ماذا تكون ؟ ماذا نحكم عليها ؟ نحكم عليها بالصحة ونقول : عبادة يُعتد بها ، عبادة مجزئة تجزئ عنه يعني لا يُطلب منه أن يقضيها أو أن يعيدها لماذا ؟ لأنها صحيحة فترتبت آثارها عليها قُبلت منه وأجزأت عنه لكن كيف حصل ذلك ؟ حصل بتحقُّق أركانها وشروطها وانتفاء موانعها ، هذا في العبادات وفي المعاملات ، فإذاً لا بد أن نفرِّق كي نَضبط التعاريف فنقول : تُطلق الصحة في العبادات والمعاملات أي تطلق على العبادات وتطلق على المعاملات ونقصد بالمعاملات : الأحكام الشرعية المتعلقة بالأمور الدنيوية كالبيع والشراء والإجارة والنكاح والطلاق ..إلخ فتُطلَق الصحة في العبادات وفي المعاملات فالصحة عندهم في العبادات نقول: هي الإجزاء وإسقاط القضاء ، فكل عبادة فُعلت على وجهٍ يجزئ ويُسقط القضاء فهي صحيحة ، والصحة في المعاملات هي تَرَتُّب الأثر المقصود من الأخذ على العقد فكل نكاح أباح التلذذ بالمنكوحة فهو صحيح وكل بيع أباح التصرف في المبيع فهو صحيح ..إلخ .والفاسد أو الباطل بالعكس تماماً ، عكس الصحيح .
قال المؤلف : ((الباطل : ما لا يتعلق به النفوذ ولا يُعتد به))عكس الصحيح ونحن نقول : الباطل في العبادات هو عدم الإجزاء وعدم إسقاط القضاء ، هذا البطلان في العبادات . وفي المعاملات : عدم ترتُّب الأثر المقصود من الأخذ على العقد ، هذا معنى الصحيح والباطل ، والباطل والفاسد بمعنىً واحد ، الباطل لغة : الذاهب ضياعاً وخُسراناً . والصحيح لغة : هو السليم . وبهذا نكون قد انتهينا من الأحكام الوضعية لكن المهم أن تحفظوا الآن بالنسبة للصحيح والفاسد أنَّ العبادة أو المعاملة لا يُحكم عليها بالصحة إلا إذا تحققت أركانها وشروطها وانتفت موانعها ، فإذا لم تتحقق أركانها أو شروطها أو لم تنتفِ موانعها فتكون العبادة باطلة ولا تترتب آثارها عليها والعبادة لا يسقط بها الطلب فتبقى ذمته مشغولة ويجب عليه أن يعيد إذا لم تتحقق أركان العبادة ولا شروطها أو وُجد مانع من موانعها كشخصٍ صلّى ولم يتوضأ ، الوضوء شرط لم يتحقق في الصلاة فالصلاة باطلة ، لم يأتِ بالركوع : الركوع ركنٌ في الصلاة فلم يأتِ بأركان الصلاة فالصلاة باطلة .
واعلموا للفائدة أن كل شرطٍ ضده مانع وكلَّ مانع ضده شرط يعني الآن قلنا الوضوء شرط في الصلاة صح ؟ عدم الوضوء مانع من موانع الصلاة . استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة ، عدم استقبال القبلة مانع من موانع صحة الصلاة . الولي شرط في النكاح ، عدم الولي مانعٌ من موانع النكاح وهكذا .
نكتفي بهذا القدر
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-2013, 20:15   #4
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ الدرس الرابع من شرح متن الورقات

تفريغ الدرس الرابع من شرح متن الورقات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ،،
فهذا المجلس الرابع من مجالس شرح الورقات
تكلَّمنا في الدرس الماضي والأحكام الوضعية وأنهينا تقسيمها وتعريفها ، ثم بدأ المؤلف رحمه الله بعد أن انتهى من ذلك بتعريف بعض الاصطلاحات المستعملة عند الأصوليين ولها تعلُّق بالتعريفات التي سبقت والتي ستأتي وهذه الاصطلاحات وإن كان بعضها مِن علم المنطق إلا أنها لها تعلقاً كبيراً بهذا العلم فلا بدَّ من معرفتها .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ((والفقه : أخصُّ من العلم))
(الفقه أخص من العلم ) : أي (الفقه)في الاصطلاح ، بالمعنى الاصطلاحي أخص من العلم وذلك لأن الفقه في عُرْف العلماء أي في الاصطلاح إنما يقال على معرفة الأحكام الشرعية خاصة ، كما تقدم معنا ، بينما (العلم)يقال على ما هو أعمّ من ذلك ، فإن كل مَنْ أتقن صناعة علمية مِنْ نحوٍ أو طب أو هندسة أو غير ذلك قيل له عالِم ، قيل له عالمٌ : أي بذلك الفن الذي أتقنه ، فالفقه نوع من أنواع العلم ، (العلم)أعم ، عام ، (الفقه)خاص فكُلُّ فقهٍ علمٌ وليس كل علمٍ فقهاً ، تقول في الفقه بأنه علم وتقول مثلاً في علم الحساب بأنه علم وتقول في علم الهندسة بأنه علم وهكذا ، علم الطب تقول فيه بأنه علم فالعلم أعم يشمل كل هذه الأشياء ومن ضمنها الفقه ، فالفقه أخص والعلم أعم .
ثم قال المؤلف رحمه الله:((والعِلْم : معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع))العلم معرفة المعلوم أي الشيء الذي تريد أن تعرفه ، معرفته على ما هو به في الواقع أي على حقيقته في الواقع هذا يسمى علماً ، كإدراك الإنسان بأنه حيوان ناطق ، إذا أدركتَ بأن الإنسان حقيقته حيوانٌ ناطق وهو كذلك في الواقع فتكون قد حصَلتَ على علم .
هذا هو العلم : معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع أي على حقيقته كما هو في الواقع ، تكون قد أدركته في ذهنك وتصورته في ذهنك تصوراً صحيحاً على ما هو في الواقع أي على حقيقته في الواقع يكون هذا عندك علماً .
وعدم الإدراك بالكلية (نهائياً)هو الجهل ، الجهل الذي يسمى جهلاً بسيطا، فالجهل البسيط هو عدم الإدراك بالكلية بحيث تُسأل عن أي مسألة فيسألك شخص مثلاً هل يجوز التيمم مع فقد الماء ؟ فتقول: لا أدري ، هذا يسمى جهلاً بسيطاً ، لماذا سُمِّيَ جهلاً بسيطاً ؟ لأنه غير مركَّب غير مؤلَّف من أكثر من جزء ، هو جزء واحد فقط ، مجرد جهل فقط ، عدم علم ، ما يعلم ، إنسان لا يدري قال لك لا أعلم انتهى الأمر ، هذا نوع من أنواع الجهل .
وهناك نوع آخر وهو ما ذكره المؤلف قال رحمه الله : ((والجهل : تصوُّر الشيء على خلاف ما هو به في الواقع))أن تتصور الشيء في ذهنك على خلاف حقيقته أي أن تدرك الشيء وتعرفه ولكن لا على حقيقته بل تعرفه معرفة خاطئة كأن يقال لك مثلاً : هل يجوز التيمم مع فَقْد الماء ؟ فتقول : لا ، لا يجوز ، هذا جهلٌ مركَّب ، تظن نفسك بأنك تعلم وأنت لا تعلم ، ففيه جُزءان ، الجزء الأول : الجهل (عدم العلم )الجزء الثاني : عدم علمه بجهله ، فهو مركَّب ، هذا معنى المركَّب ، الجهل البسيط هو فقط عدم العلم ، الجهل المركَّب لَأ ، قد رُكِّب جهلٌ على جهل ، هو جاهل ويجهل أنه جاهل .
هذا معنى الجهل المركَّب.
والجهل المركَّب أقبح من الجهل البسيط ، فالجاهل جهلاً بسيطاً يَعلَم نفسه أنه ما عنده عِلم فإذا علَّمته تعلَّم ، أما الجاهل جهلاً مركباً فهذا يصعب أن يتراجع عن خَطَئه والظاهر أن المؤلف رحمه الله يذهب إلى أن الجهل نوعٌ واحد فقط وهو الجهل المركَّب فلا يَعدُّ الجهل البسيط جهلاً .
ثم قسَّم المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذلك العلم إلى قسمين فقال : ((والعلم الضروري : ما لم يقع عن نظر واستدلال كالعلم الواقع بإحدى الحواسّ الخمس الظاهرة))
قسَّم العلم إلى قسمين : علم ضروري وعلم نظري ، فعرَّف العلم الضروري فقال : (ما لم يقع عن نظر واستدلال )ومثَّل له بالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس الظاهرة ، العلم الضروري سُمِّيَ ضرورياً لأنك تتعلمه شِئتَ أم أبَيْت ، ليس باختيارك فلا تحتاج إلى البحث عن دليل له ونظر وتَفَكُّر في الدليل كي تصل إلى هذا العلم ، لا ، لا تحتاج إلى كل هذا ، هو علمٌ يهجم عليك ولا تتمكن من دفعه يجعلك تتعلمه غصباً عنك ، لذلك سمي علماً ضرورياً فإذا نظرت مثلاً إلى رجلٍ طويل ستَعْلم أنه يتصف بصفة الطول (أنه طويل)دون البحث عن دليل ولا تَفكُّر في الدليل من أجل أن تعلم أن هذا رجل طويل أم قصير ، مجرَّد أن رأيته تعلَّمتَ أنه طويل ، فأصبح علماً ضرورياً لا يمكنك أن تدفعه حتى وإن كان الأمر لا يعنيك إن كان طويلاً أو قصيراً هو علمٌ قد حصل عندك ، وكذلك علمك بأن النار محرِقة ، تحرِق بمجرد لمسِها تعلم ذلك سواء قصدت تعلُّم ذلك أم لا ، فعِلْمُك بأن النار محرقة بمجرد لمسك لها علمٌ ضروري لا يمكنك دفعه فلا تحتاج في ذلك أن تقيم الأدلة والبراهين وتبحث في هذه الأدلة وتنظر فيها كي تُثبت بأن النار محرقة ، هذا علم ضروري منتهي الأمر فيه لا يحتاج إلى بحث ولا إلى استدلال .
هذا معنى العلم الضروري : تَضْطَر إليه .
فقال المؤلف رحمه الله : هو ما لم يقع عن نظرٍ واستدلال ، (النظر)يعني التفكر في الدليل النظر عندنا ها هنا ليس النظر بالعين لكن التفكر في الدليل هذا المقصود به عندنا ها هنا ، و(الاستدلال)طلب الدليل كما سيأتي ، فقال المؤلف في تعريف العلم الضروري : ما لم يقع عن نظر واستدلال ، يعني لا يحتاج لوقوعه وحصوله عند الشخص إلى أن يُقيم عليه الأدلة والبراهين وأن ينظر في الأدلة ويتفكر فيها حتى يصبح عنده هذا العلم ، لا ، هذا العلم يهجم عليه ولا يتمكن من دفعه هو نفسه فيحصل له ولا بد ، هذا العلم يسمى العلم الضروري ، فالعلم الضروري هو العلم الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يُمْكنه دفعه عن نفسه ، ومن ذلك ما يدركه الإنسان بإحدى حواسِّه الخمس ، ما هي هذه الحواس الخمس ؟ وهي السمع والبصر واللمس والشم والذوق ، السمع : ما تسمعه بأذنك ، البصر: ما تراه بعينك ، واللمس : ما تلمسه بيدك ، والشم : ما تجد ريحه بأنفك ، والذوق: ما تتذوقه بلسانك فإنه يحصل بمجرد الاحساس بها من غير نظر واستدلال ، مجرد أن تشعر بهذا الشيء يحصل عندك العلم لا تحتاج إلى دليل على ذلك ،هذا العلم الضروري علم يقيني لا يتطرق إليه الاحتمال ، واضح ، صريح ، يقيني ، فبيَّن المقصود من الحواس الخمس بقوله : (وهي السمع والبصر واللمس والشم والذوق )هذه الفقرة وهي (السمع والبصر واللمس والشم والذوق فإنه يحصل بمجرد الإحساس بها من غير نظر واستدلال)هذه ليست في بعض النسخ وهي مثبتة في نسخٍ أخرى والنسخة المقابَلة عندي على عدة مخطوطات ليست مثبتة فيها هذه الزيادة فربما تكون من كلام الشارح المَحِلي رحمه الله ، على كلٍ هي بيَّنت المراد ، وفي بعض النسخ زيادة (كالمتواتر )هذه النسخة ليست عندي كذلك ، أيضاً كالمتواتر أي المتواتر علمه علم ضروري ، المتواتر كذلك علمٌ ضروري كوجود بغداد مثلاً ، قد تواتر الخبر من قِبل الناس أنَّ في العراق بلاد اسمها بغداد وهي موجودة هذا معروف بالتواتر وهذا علم ضروري أيضاً . هذا هو العلم الضروري .
قال رحمه الله : ((وأما العلم المكتسَب : فهو الموقوف على النظر والاستدلال))إذاً العلم ينقسم إلى قسمين:علم ضروري وعلم مكتسب ويقال له أيضاً علم نظري ، مكتسَب أي اكتسبه الشخص بعد نظرٍ واستدلال ، نظري نسبة إلى النظر لأنه يحصل بالنظر ، وهو العلم الذي يحصل عن طريق البحث عن الدليل والتفكُّر فيه فهذا يحتاج إلى استدلال ، بحث عن أدلة ونظر في هذه الأدلة وتَفكُّر فيها حتى يحصل عندك علم بالمسألة ، فإذاً العلم اليقيني منه ما هو علم ضروري ومنه ما هو علم نظري وبما أن المؤلف رحمه الله ذكر النظر والاستدلال في تعريف العلم بنَوعيه أراد أن يعرِّف النظر والاستدلال فقال : ((والنظر : هو الفِكْرُ في حال المنظور فيه))أي التفكُّر في حال الدليل الذي تنظر فيه ، تتفكَّر فيه ، تُقَلِّب الفِكر فيه (في الدليل)ليوصلك إلى المطلوب ، تُقلِّب النظر وتفكر في الدليل حتى يوصلك إلى المطلوب ، هذا هو النظر في الاصطلاح .
قال : ((والاستدلال : هو طلب الدليل))الاستدلال : الألف والسين والتاء تأتي للطلب ، لاحظ ، الاستدلال طلبُ الدليل ، الإستعاذة طلبُ العَوْذ ، الاستعانة طلبُ العَوْن ، الاستسقاء طلب السُّقيا ، هذا كله مبدوءٌ بالألف والسين والتاء وفي الغالب الألف والسين والتاء هذه تأتي بمعنى الطلب ، الاستدلال طلب الدليل ، الإستعاذة طلب العَوْذ وهكذا ، أحياناً تأتي لأشياء أخرى كالتحوُّل مثلاً : استحْجَر الطين دخلت الألف والسين والتاء عليها في بدايتها أي تحوَّل الطين إلى حجر نقول : استحجر الطين أي تحول الطين إلى حجر ، لكن في الغالب تأتي للطلب كما عندنا ها هنا، والفقهاء يطلقون الدليل على ما أفادهُمُ المطلوب ، أيَّ شيء يفيدهم المطلوب يوصلهم إلى المطلوب يطلقون عليه دليلاً سواء كان بطريقٍ قطعي أو بطريقٍ ظني ، لا يهمهم ، وأما المتكلمون فإنهم يخصون الدليل بما كان قطعياً ويطلقون على ما أفاد الظن (أمارة)، فالدليل ما كان عندهم قطعياً أما إذا كان الدليل عندهم ظنياً فلا يسمونه دليلاً بل يطلقون عليه أمارة . هذا عند المتكلمين ونحن ذكرنا هذا عمْداً لأنه سيأتي لنا بحث يتعلق بهذا الموضوع .
ثم قال المؤلف رحمه الله :((والدليلُ : المرشد إلى المطلوب))الدليل في اللغة : المرشد إلى المطلوب ، سواء كان هذا المرشد إلى المطلوب حسياً (يعني محسوس)كالدليل الذي يدل الناس على الطريق في السفر ، إنسان يأخذك ويدلُّك على الطريق في السفر ، هذا يسمى دليلاً ، أو معنوياً (معنى من المعاني وليس شيئاً محسوساً )مثل الدليل الشرعي الذي يؤخذ منه الحكم الشرعي هذا يسمى دليلاً .
ثم قال المؤلف رحمه الله : ((والظن : تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر . والشكُّ : تجويز أمرين لا مزيَّة لأحدهما على الآخر ))إذا كان إدراكك للشيء جازماً لا يتطرق إليه الاحتمال يسمى عِلماً يقينياً كإدراكك بأن الكل أكبر من الجزء ، هذا أمر يقيني هل في احتمال غير هذا ؟ لا ما في احتمال ، الكل أكبر من الجزء قطعاً ، هذا يسمى علم يقيني ، وإذا أدركت الشيء مع احتمال ضد المرجوح (أي احتمال ضعيف )سُمِّيَ ظناً ، كأن ترى غيماً في السماء في وقت الشتاء فتقول : ستمطر ولكن احتمال أن لا تمطر قائم عندك فأنت لستَ مستيقناً بأنها ستمطر ولكن رأيتَ علامات قوية كوَّنت غلبة الظن في نفسك مع وجود احتمال عدم المطر ، فـ (الراجح)هذا الاحتمال الأقوى الذي هو احتمال أن تمطر عندنا في مثالنا يسمى ظناً والاحتمال الأضعف يسمى وهْماً ، عرفنا ما هو الظن وما هو الوهم ، (المرجوح)يسمى وهماً ، (الراجح)يسمى ظناً ، (الأقوى)يسمى ظناً ، (الأضعف)يسمى وهماً ، من الاحتمالين الموجودين ، طيب فإذا استوى الأمران ، فسألك أحدهم هل ستمطر اليوم في ظنك ؟ قلت : الله أعلم ، احتمال قائم ربما تمطر وربما لا تمطر ، أشك في ذلك ، يعني خمسين في المئة لخمسين في المئة ، هذا يسمى شكاً ، فالشك تَساوي الاحتمالَيْن ، لاحظ ماذا قال المؤلف :(والظن : تجويز أمرين)في مثالنا يجوز أن تمطر ويجوز أن لا تمطر (أحدهما أظهر من الآخر)إذاً الظاهر أنها ستمطر والأضعف أنها لن تمطر فالظاهر هذا يسمى ظناً .
(والشك: تجويز أمرين)في عندنا احتمال أن تمطر واحتمال أن لا تمطر ، (لا مزية لأحدهما على الآخر )ما في عندي ترجيح ،هما في نفس الدرجة ، هذا يسمى شكاً .
تُصلي أنت وبعد الثالثة شكَكْتَ أصيلتَ ثلاثاً أم أربعاً ؟ (أصليت ثلاث ركعات أم أربع ركعات ؟)فأقول لك اعمل بالراجح ، بالأقوى ، تقول لي : ما عندي أقوى ، إما ثلاث أو أربعة ما في عندي احتمال أقوى من الآخر ، فأنت الآن في درجة الشك ، تقول : غلب على ظني أنها ثلاث ، هذا هو الظن (الراجح)، واحتمال أن تكون أربعاً وهْمٌ .
إذاً عندنا تعلُّق الإدراك بالأشياء : عِلمٌ وظنٌ وشكٌ ووهمٌ وجهلٌ مركَّب وجهلٌ بسيط .
هذه هي الأشياء التي يتعلق بها الإدراك ، (العلم)اليقيني ، و(الظن)تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر ، و(الشك)تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر ، و(الوهم)إدراك الشيء مع احتمال ضدٍ راجح ، و(جهلٌ مركَّب)تصوُّر الشيء على خلاف ما هو به في الواقع ، و(جهلٌ بسيط)عدم إدراك الشيء بالكلية . وبإمكانك أن تُعرِّفها بطريقة أسهل فتقول :
العِلْم : إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً .
والظَّن : إدراك الشيء مع احتمالِ ضدٍ مرجوح .
والشَّك : إدراك الشيء مع احتمال ضدٍ مساوٍ.
والوَهْم : إدراك الشيء مع احتمال ضدٍ راجح.
والجهل البسيط : عدم الإدراك بالكلية .
والجهل المركَّب : إدراك الشيء على وجهٍ يخالف ما هو عليه .
لعل هذه التعريفات تكون أسهل في حفظها .
ثم قال المؤلف رحمه الله : ((وأصول الفقه : طُرُقُه على سبيل الإجمال ، وكيفية الاستدلال بها))
لمّا ذكر المؤلف معنى الأصول ومعنى الفقه فيما تقدم وذكر معنى الأشياء التي تحتاج إلى معرفتها في هذا الفن من العلم والظن والشك والنظر والدليل وذكر تعريف الفقه ، أخذ في بيان المراد بقولنا (أصول الفقه)أي أراد أن يُعرِّف أصول الفقه باعتباره لقباً لهذا الفن فقال : (طرق الفقه على سبيل الإجمال)، طرق الفقه أراد بها أدلة الفقه ، لماذا ما قال أدلة الفقه ؟ هذا كما تقدم معنا وقلنا بأن المتكلمين لا يطلقون على الدليل الظني دليلاً ، يطلقون عليه أمارة ، وكثير من أدلة أصول الفقه هي ظنية فإذا قال :(أدلة الفقه)أخرج الأدلة الظنية ، وهو لا يريد أن يخرجها فقال : (طرق الفقه )أي اعتبر مذهب المتكلمين في أن الدليل لا يطلَق على الظن ، لكن هذا لا عبرة به لأن أكثر الأصوليين والفقهاء لا يفرِّقون هذا التفريق إذاً فلا عبرة به فبدل أن نقول : (طرق الفقه)نقول : (أدلة الفقه الإجمالية) . عرفنا إيش معنى الإجمالية والتفصيلية في الدرس الأول تكلمنا عن هذا بما فيه الكفاية ، طرق الفقه أو أدلة الفقه الإجمالية ، (وكيفية الاستدلال بها)كيفية الاستدلال بها ذلك يكون بمعرفة دلالات الألفاظ كالعام والخاص والمطلق والمقيد وكذلك يكون بمعرفة المرجِّحات عند تعارض الأدلة وبمعرفة الناسخ والمنسوخ وغير ذلك ، مباحث أصول الفقه هي أدلة وكيفية الاستفادة منها ، ويجرّ ذلك إلى بيان حال المجتهد الذي هو المستفيد وبيان حال المقلِّد أيضا فالتعريف المشهور عند الأصوليين لأصول الفقه وعليه جمهور الأصوليين أنه أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد . ذكرنا أدلة الفقه الإجمالية تدخل فيها الأدلة العامة كالكتاب والسنة والإجماع والقياس كذلك تدخل فيها القواعد العامة وكيفية الاستفادة منها وذلك يكون بمعرفة دلالات الألفاظ وكيفية الجمع بين الأدلة عند التعارض وحال المستفيد الذي هو المجتهد وكذلك ألحقوا به المقلد .
ثم قال المؤلف رحمه الله : ((وأبواب أصول الفقه : أقسام الكلام ، والأمر والنهي ، والعام ، والخاص ، والمجمل ، والمبيَّن ، والنص ، والظاهر ، والأفعال ، والناسخ والمنسوخ ، والإجماع ، والأخبار ، والقياس ، والحظْر والإباحة ، وترتيب الأدلة وصفة المفتي والمستفتي ، وأحكام المجتهدين ))وستأتي إن شاء الله تبارك وتعالى هذه كلها مفصَّلة في كلام المؤلف رحمه الله وسنشرحها في مواضعها بإذن الله تعالى .
ونكتفي بهذا القدر في يومنا هذا
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-2013, 20:17   #5
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ الدرس الخامس من شرح متن الورقات

تفريغ الدرس الخامس من شرح متن الورقات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ،،
فهذا المجلس الخامس من مجالس شرح الورقات في أصول الفقه
انتهينا في الدرس الماضي من سرد أبواب الفقه وبعد أن سردها المؤلف رحمه الله بدأ بتفصيلها فقال رحمه الله: (( فأما أقسام الكلام: فأقل ما يتركب منه الكلام اسمانِ، أو اسم و فعل، أو فعل و حرف، أو اسم و حرف )).
الكلام من مباحث اللغة ، وعلماء الأصول أو كثير منهم يذكرون في كتبهم المؤلفة في هذا الفن مقدمة في المنطق، مما له تعلق بعلم الأصول، ومقدمة في اللغة وذلك لأن المادة التي تَكوَن منها علم الأصول منها اللغة العربية فكثير من القواعد الأصولية أصلها مأخوذ من اللغة العربية، و كذلك فَهْم أدلة الكتاب والسنة و استنباط الأحكام الشرعية لا يتم لطالب العلم ولا يتمكن منه إلا بمعرفة اللغة العربية، لأنكم تعلمون بارك الله فيكم أن القرآن نزل باللغة العربية وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عربياً وكان يتكلم بالعربية، فالوحيان - الكتاب والسنة - باللغة العربية، وكي نتمكن من فهم الكتاب والسنة إذاً لا بد أن يكون عندنا شيء من اللغة كي نتقن استنباط الأحكام منهما وكذلك فهم المراد منهما، فَمِن المباحث اللغوية التي يتكلمون عنها في علم الأصول: الكلام.
الكلام لغة: هو اللفظ الموضوع لمعنى، فكل لفظٍ وُضِع لمعنى فهو كلامٌ سواء كان حرفاً أو اسماً أو فعلاً أو جملة مفيدة أو جملة غير مفيدة ، كله عند العرب يسمى كلاماً.
فبقوله: (اللفظ)أخرج ما ليس لفظاً، و اللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الحروف، فقولك: (زيد)هذا صوتٌ خرج منك مشتمل على بعض الحروف و هي الزاي و الياء و الدال، هذا يسمى في لغة العرب: لفظ، فهذا اللفظ إذا وُضع لمعنى عند العرب يسمى كلاماً، اللفظ الموضوع لمعنى، فــ (زيد)هذا لفظ موضوع لمعنى فهو كلام، (إلى)لفظ موضوع لمعنى فهي كلام، (ذهب)لفظ موضوع لمعنى فهو كلام، (إن جاء)كذلك، هذا من ناحية اللغة.
أما الكلام اصطلاحاً: فهو اللفظ المفيد فائدة يَحْسن السكوت عليها.
و يعنون بـ (اللفظ): الصوت المشتمل على بعض الحروف.
و يعنون بـ(المفيد فائدة يحسن السكوت عليها): ما يصح الاكتفاء به في الكلام نحو (قام زيدٌ)هذا كلام لأنه لفظ يصح الاكتفاء به والسكوت عليه ويعطي معناً مفهوماً، فإذا قلتَ: (إنْ قام زيدٌ )فهذا في الاصطلاح ليس كلاماً لأنه لا يصح الاكتفاء به يبقى السامع منتظراً تتمَّة، فإن قلت: (إن قام زيدٌ)طيب إيش؟ كَمِّلّ ماذا؟ إذاً يبقى يريد كلام فلا يحسن السكوت على مثل هذا الكلام فهذا ليس بكلام عند أهل الاصطلاح.
فخرج بقولنا: (اللفظ)الإشارة فهي ليست لفظاً و كذلك الكتابة.
و خرج بقولنا: (المفيد فائدة يحسن السكوت عليها)ما لم يُفد كقولك: (زيد) و (بكر) و (أكل) و (شرب) و (في)و (إلى)، كل هذا لا يفيد في الاصطلاح، يريدون بالإفادة أن يكون كلاماً مركَّباً يحسن السكوت عليه، هذا معنى الإفادة عندهم و كذلك قولك: (إن قام زيدٌ )هذا ليس بكلام لأنه ليس مفيداً فائدة يحسن السكوت عليها و (إذا أتى عمرو )كذلك ليس بكلام و هكذا، فالكلام عندهم هو اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها.
أو كما عرَّفه البعض تعريفاً آخر قال: هو اللفظ المركب المفيد بالوضع.
فقولهم: (اللفظ)أخرجوا الإشارة والكتابة.
و قولهم: (المركب)يريدون به أن يكون مركباً من كلمتين فأكثر فأخرجوا به ما لم يكن مركباً ، ما كان من كلمة واحدة ، هذا أخرجوه.
(المفيد): أخرجوا ما لم يُفِد كقولك: (إن قام زيد )هذا ليس مفيداً، لا يحسن السكوت عليه وإن كان لفظاً وإن كان مركباً لكنه لا يحسن السكوت عليه.
و قولهم: (بالوضع)أي موضوع بالوضع العربي أي يكون باللغة العربية هذا في الاصطلاح، في الاصطلاح إذا كان الكلام عربياً فهو كلام إذا لم يكن عربياً فليس بكلام على خلاف الوضع في اللغة.
هذا تعريف الكلام لغة و اصطلاحاً.
نحن نتدرج الآن كي نصل إلى ما يريد المؤلف رحمه الله، هذا كله اختصره و هذا أصلاً التوسع فيه ليس من مباحث أصول الفقه، التوسع في هذه المباحث من عمل أهل اللغة و تدرسون كل هذا في علم النحو، هذه مقدمات في علم النحو، هذا تعريف الكلام لغة و اصطلاحاً.
و الكلام عنده في الاصطلاح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف.
الاسم في اللغة: ما دلَّ على مسمّى، تقول: (زيد)هذا اسم لأنه يدل على شخص يسمّى بهذا الاسم.
أما في الاصطلاح: كلمة دلت على معنى في نفسها و لم تقترن بزمان. هذه الكلمة كلمة (زيد) تدل على معنىً بنفسها أن شخصاً هناك مسمى بـ زيد لكن لا علاقة لها بالوقت، زيد، عمرو، بكر، هذه لا تفيدك شيئاً بالنسبة للوقت.
أما الفعل فهو في اللغة: الحدث.
و في الاصطلاح: كلمة دلت على معنى في نفسها و اقترنت بأحد الأزمنة الثلاث، التي هي الماضي والحاضر و المستقبل.
إذاً في الاصطلاح ما الفرق بين الاسم والفعل ؟ أن الفعل حدث مقرونا بزمن، الاسم لا، ليس حدثاً ولا مقرونا بزمن.
أما الحرف: فكلمة دلَّت على معنى في غيرها، أصلاً و إن كانت مثلاً كلمة (مِنْ)تدل على الابتداء لكن لا تعطينا معنىً إلا إذا اقترنت بغيرها كقولك: (خرجتُ من البيت إلى المسجد)، هنا أصبح لها معنىً مفيداً مع تركيبتها مع غيرها، هذا هو الحرف، هذا فقط للفائدة كي نفهم أشياء سيذكرها لنا المؤلف الآن وفيما سيأتي.

ثم قال المؤلف: (فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان ).
ذكرنا فيما تقدم أن الكلام في التعريف الثاني في الاصطلاح هو اللفظ المركب، إذاً يجب أن يكون مركبا، إيش يعني مركب ؟ يعني يتألف من كلمتين فأكثر، إذاً أقل شيء يتألف منه كلمتان، إيش نوع هاتين الكلمتين ؟ إما أن تكونا اسمين، تقدم معنا تعريف الاسم: كلمة دلت على معنى في نفسها ولم تقترن بزمن، وله علامات مَنْ درس اللغة عرفها ومن لم يدرس فليطلع سيعرفها، منها دخول الألف اللام عليه مثلاً، و دخول حرف الجر ..إلخ.
فــ (زيد )اسم (عمرو)اسم (قائمٌ)اسم، فالكلام أقل ما يتألف منه من اسمين مثل: (زيدٌ قائمٌ)كلمتان (زيدٌ)كلمة و(قائم)كلمة.
(و اسم وفعل): مثل (قام زيدٌ).قام: فعل ماضي يدل على حدث و هو القيام في الزمن الماضي، دلَّ على حدث و اقترن بزمن فهو فعل، (زيدٌ)يدل على مسمّى لا علاقة له بالزمن فهو اسمٌ، (قام زيدٌ)اسم و فعل.
(فعل وحرف): نحو: (ما قام )، (ما)نافية حرف و (قام)فعل.
و هذا فيه خلاف هل يتركب الكلام من فعل وحرف أم لا؟ فبعضهم قال لا، يتركب من اسمين أو من فعل و اسم أقل شيء، أما حرفٌ و فعل فلا، قالوا: لأن قوله: قام فيه ضمير أصلاً، قام هو، فمثل هذا لا يمثَّل به، ليس بصحيح في المثال.
و كذلك قوله (واسمٌ وحرف) و مثال ذلك (يا زيد): (يا)حرف و (زيد) اسم وهذا أيضاً فيه خلاف.
ثم قال المؤلف رحمه الله: ((والكلام ينقسم إلى: أمرٍ و نهيٍ و خبر و استخبار )).
تأليف الكلام الذي تقدم تأليف لفظي، الآن تقسيم الكلام بالنظر إلى مدلوله. فالكلام ينقسم إلى: أمرٍ ونهيٍ وخبر واستخبار.
((وينقسم أيضاً إلى تَمَنٍ ، وعرضٍ ، وقَسَم ))هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله، هذا تقسيم المؤلف للكلام من جهة كونه خبراً وإنشاءً. علماء اللغة يقسمون الكلام من هذه الناحية إلى خبرٍ و إنشاء.
فالخبر: (ما يمكن أن يوصف بالصدق أو الكذب لذاته)هذا تعريفه، أيُّ كلام يمكن أن تصفه بالصدق أو الكذب يكون خبراً، يمكن أن تصفه بالصدق أو الكذب هو نفس الكلام بغض النظر عن المتكلم، الآن نحن لا ننظر إلى المتكلم ننظر إلى نفس الكلام، إن أمكن أن نصفه بالصدق أو الكذب فهو خبر، وإن لم يمكن أن نصفه بالصدق أو الكذب فهو إنشاء، وليس بخبر.
فإذا قيل: (قام زيدٌ)أو (جاء عمرو)أيصح أن يقال في هذا الكلام صدق أو كذب ؟ شخص قال لك: جاء زيد، يصح أن تقول له صدقت أو كذبت ؟ نعم يصح، إذاً فهو خبر، أما إذا قيل هل جاء زيدٌ ؟ يصح أن تقول له صدقت أو كذبت؟ لا يصح، هو يسأل هو لا يخبرك خبراً، هو يسأل يستفهم فلا يصح أن تقول له صدقت و لا كذبت، إذاً فليس بخبر هذا إنشاء، و قولنا في التعريف (لذاته)ما يمكن أن يوصف بالصدق أو الكذب لذاته، أي باعتبار ذات الكلام نفس الكلام لا باعتبار المخبِر به، المتكلم به، فكلام الله و كلام رسوله باعتبار المخبر به و هو الله أو الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن أن يوصف بالكذب، و كذلك الكلام المستحيل لا يمكن أن يوصف بالصدق كخبر من يدّعي الرسالة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، شخص جاء و قال أنا مرسَل من عند الله في زمننا هذا، هذا لا يمكن أن يقال في قوله إنه مرسل من عند الله هذا صدق، لا هذا كذب يقيني ، فهذا باعتبار المُخبِر، أما نحن في حكمنا على الكلام ننظر إلى نفس الكلام فقط لا علاقة لنا بالمخبر بالمتكلم كي نحكم على الكلام بأنه خبر أو إنشاء، هذا الخبر.
أما الإنشاء: فما لا يمكن أن يوصف بالصدق أو الكذب، عكسه ضده، ومنه (من الإنشاء )الأمر و النهي و التمني و العرض و القَسَمْ التي ذكرها المؤلف رحمه الله.
(الأمر)نحو: قُم، اذهب، صلِّ، اجلس ..إلخ وسيأتي تعريفه إن شاء الله في بحث خاص بعد أن ينتهي من الكلام عن الحقيقة و المجاز.
و (النهي)نحو: لا تقصد، لا تكذب ..إلخ وسيأتي أيضاً الكلام فيه في مبحث مستقل بعد الأمر بإذن الله تعالى .
و(الاستخبار) :تقدم معنا أن الألف والسين والتاء إذا دخلت على كلام تعني الطلب في الغالب، فهنا يكون المعنى: طلب الخَبَر، الاستخبار طلب الخبر و هو الاستفهام، هو الاستفهام نفسه، الاستخبار هو الاستفهام نحو هل قام زيدٌ ؟ هذا استخبار يعني استفهام فيقال فيه نعم أو لا، لا يقال فيه صدقت ولا كذبت، فهذا إنشاء وليس بخبر.
و (التمني): الرغبة في تحقق أمرٍ محبوب هذا التمني، وله أدوات في اللغة يستعملها الشخص كي يعبِّر عن أمانيه وأشهر هذه الأدوات (ليتَ)نحو قول الشاعر :
ألا ليت الشباب يعود يوماً ** فأخبره بما فعل المشيب
فقوله: (ليتَ الشباب يعود يوماً)كلمة (لَيْتَ)هذه من أدوات التمني، فهذا الرجل يتمنى عودة الشباب إليه فهو يرغب في تحقُّقِ أمر محبوب، هذا هو التمني وهو أيضاً من الإنشاء، فهذا لا يقال فيه صدقت ولا يقال فيه كذبت، رجل يتمنى.
و (العرض): هو الطلب برفق ولين، أعرض عليك مثلاً أن تنزل عندي لتناول الطعام فماذا أقول لك ؟ ألا تنزل عندنا (ألا)من أدوات العرض، (ألا تنزل عندنا )فهذا عرض برفق ولين.
و (القَسَم)معروف نحو: والله لأفعلنّ كذا.
و هذه كلها من الإنشاء .
إذاً فالكلام ينقسم إلى خبرٍ وإنشاء.
ثم قال المصنف رحمه الله : ((ومن وجهٍ آخر ينقسم إلى حقيقة و مجاز. فالحقيقة: ما بقي في الاستعمال على موضوعه، وقيل: ما استُعمِل فيما اصطُلح عليه من المخاطبة. و المجاز: ما تُجوِّز به عن موضوعه )).
الآن أريد أن تفهموا معي جيداً، مسألة الحقيقة و المجاز أهمية هذا التقسيم ونزاع العلماء فيه إثباتاً ونفياً تكمن في علاقته في مسألة الأسماء والصفات، و اتخاذ المعطلة له ذريعة لنفي صفات الله تبارك وتعالى، من هنا جاءت أهمية هذا الموضوع، نفهم أولاً ما هو الحقيقة والمجاز ثم نَعْرِف كيف استعمل أهل التعطيل هذا التقسيم لتعطيل صفات الله تبارك وتعالى و لتعطيل كثير من أحكامه عن حقيقتها وصرفها عن مراد الله تبارك وتعالى .
الحقيقة لغةً: هي الشيء الثابت المؤكَّد، قال الله تبارك وتعالى} وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ{أي ثبَتَتْ، هذا معنى الحقيقة في اللغة.
و أما اصطلاحاً: فأشار المؤلف رحمه الله إلى خلافٍ في تعريفها حيث ذكر لها تعريفين:
فقال في الأول: ما بقي في الاستعمال على موضوعه.
و قال في الثاني: ما استُعمل فيما اصطُلِح عليه من المخاطبة.
نقف مع التعريف الأول، قال: الحقيقة:(ما بقي في الاستعمال على موضوعه )عندنا كلمة (استعمال)وعندنا كلمة (موضوعه )إذا فهمناهما فهمنا التعريف.
(الموضوع)يَعنُون به الوضع العربي، أي أنهم يعنون بأن العرب قد وضعت كلمات لأشياء معينة فلنَقُل إنَّ أهل اللغة وضعوا اسم الأسد على الحيوان المفترس فإذاً أهل العربية أهل اللغة وضعوا كلمة الأسد للحيوان المفترس، هذا الوضع العربي، فإن جاء شخصٌ و استعمل هذه الكلمة التي هي كلمة (الأسد)استعملها في غير ما وضعته العرب له، فاستعمل هذه الكلمة في الرجل الشجاع مثلاً فقال: رأيتُ أسداً راكباً على فَرَسٍ أو قال: فلان أسدٌ من أسُود الله، هذا الشخص أخذ الكلمة هذه (كلمة الأسد)التي وضعها العرب على الحيوان المفترس فاستعملها في الرجل الشجاع، هذا الاستعمال يسمى مجازاً، أما إذا استعمل الكلمة في نفس ما وضعته له العرب يعني استعمل كلمة (أسد)في الحيوان المفترس فقال: رأيت اليوم أسداً في غابة، فهذا يسمونه حقيقة لأنه استعمل اللفظ فيما وُضع له فيما وضعته له العرب.
إذاً الحقيقة (ما بقي في الاستعمال على موضوعه)فهذا الرجل لما استعمل كلمة الأسد استعملها فيما وضعته له العرب وهو الحيوان المفترس إذاً فهذا حقيقة هذا الكلام يكون حقيقة، طيب إذا استعملها في الرجل الشجاع لا هذا ما وضعته له العرب ، طيب ماذا نسميه ؟ نسميه مَجاز.
فالمجاز في اللغة: مكان الجواز يعني مكان العبور، هذا لغة، أصل اشتقاق الكلمة مشتقة من الجواز من مكانٍ إلى مكان، كأن اللفظ الذي له حقيقة و مجاز، جازَ أي تعدى من الحقيقة إلى المجاز، هذا أصل الوضع اللغوي.
اصطلاحاً: قال المؤلف في تعريف المجاز: (ما تُجُوِّز به عن موضوعه)أي استُعمِل في غير ما وضعته له العرب، كما مثَّلنا له إذا استعمل كلمة الأسد في الرجل الشجاع، هذا ما يتعلق بالتعريف الأول، تعريف الحقيقة و المجاز مرتبطان ببعضهما فإذا عرَّفت الحقيقة بتعريف ينبغي أن يكون تعريف المجاز متطابقاً مع تعريف الحقيقة.
الآن مع التعريف الثاني:
التعريف الثاني قال: ((ما استُعمل فيما اصطُلح عليه من المخاطبة )).
أي المخاطبة التي يتخاطبون بها، فهنا الاعتبار في الحقيقة ليس فقط للوضع اللغوي، لا، يعتبرون أيضاً أشياء أخرى كالوضع العُرفي و الوضع الشرعي، قال: ما استُعمل فيما اصطُلح عليه من المخاطبة (هذا الحقيقة )ما اصطلح عليه في المخاطبة إما بالشرع أو اصطلاح عرفي، مثلاً في الشرع: الصلاة شرعاً هي الأفعال المخصوصة المعروفة التي تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، هكذا وضعها الشارع، فهذا وضع شرعي، فإذا كنتَ أنت من أهل الشرع أو تتكلم في مسألة شرعية و استعملتَ اللفظ فيما اصطُلح عليه شرعاً فاستعمَلْت كلمة الصلاة بالمعنى الذي ذُكر في الشرع بمعنى الأفعال المخصوصة التي تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم فقد استعملتَ الكلام على حقيقته، إذاً يكون بناءً على هذا التعريف الحقيقة ليست واحدة ليست فقط لغوية يكون عندنا: حقيقة لغوية و حقيقة شرعية و حقيقة عرفية، لأهل اللغة حقيقتهم و لأهل الشرع حقيقتهم و لأهل العرف حقيقتهم، هذا بناء على التعريف الثاني، بناءً على التعريف الأول ما عندنا إلا حقيقة واحدة فقط و هي الوضع اللغوي، فإذا استُعمِلت الكلمة بالمعنى الذي وضعته له العرب فهو حقيقة، إذا استُعمل في غير ذلك فهو مجاز، هذا بناءً على التعريف الأول، بناءً على التعريف الثاني لا، في عندنا ثلاث حقائق فإذا كنا من أهل الشرع و تكلمنا في المسائل الشرعية فتكلمنا بالاصطلاحات الشرعية على المعنى الشرعي فهذا الكلام يُعتبر حقيقة، إذا استعملنا الكلمات في غير المعنى الشرعي يكون مجازاً، كذلك أهل العُرف إذا استعملوا الكلمة بناءً على وضعهم العرفي تكون حقيقة، إذا استعملوها على غير ذلك على المعنى اللغوي أو المعنى الشرعي تكون مجازاً، هذا على التعريف الثاني وهو التعريف الأقوى والأصح.
طيب إذا كانت عندنا ثلاث حقائق، هذي المسألة مهمة جداً، إذا كانت عندنا ثلاث حقائق حقيقة شرعية وحقيقة عرفية وحقيقة لغوية، فإذا مرت بنا مسألة في الشرع، في الكتاب أو في السُنة فعلى أي حقيقة تُحمل؟ تُحمل على الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية، هذا هو الصحيح، فعندما تمر بنا كلمة الصلاة في الشرع في آية أو في حديث نحملها على أي معنى ؟ على معنى الأفعال المخصوصة التي تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، إذا تعذَّر ذلك ولا يُمكن لوجود قرينة معينة عندئذ نرجع إلى العُرف، فإن لم نجد في العرف شيء استعمال خاص نرجع إلى اللغة، هذه مسألة مهمة جداً وتمر بك كثيراً في مسائل كثيرة في الكتاب والسنة، وكثير من الكلمات لها معنى في اللغة ولها معنى آخر في الشرع، و إن كان أصل المعنى تجده متحداً لكن أصل الشرع تجده قد غيّر فيها إما خصَّصها في بعض الأمور أو عمَّمها أكثر كالصلاة مثلاً، الصلاة في اللغة الدعاء معنىً عام، خصَّصها الشارع بالأفعال المخصوصة التي تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، الصيام لغة الإمساك فيشمل الإمساك عن الكلام والإمساك عن الطعام والإمساك عن الشراب والإمساك عن أي شيء، لكنه في الشرع الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس فإذاً هو إمساك مخصوص والصلاة صلاة مخصوصة، الإيمان في اللغة هو التصديق، في الشرع أعمّ، تصديق قلبي وتصديق قولي وتصديق عملي فيشمل اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان فالأصل عندنا في الشرع أن نحمل الكلام على المعنى الشرعي، إذا تعذر ذلك رجعنا إلى المعنى العرفي، إذا تعذر ذلك رجعنا إلى المعنى اللغوي.
ثم قال المؤلف رحمه الله: ((فالحقيقة إما لغوية ، أو شرعية ، أو عرفية ))هذا التقسيم صحيح بناءً على التعريف الثاني، أما التعريف الأول فذكرنا أن الحقيقة لا يتمشى معه إلا حقيقة لغوية فقط أما هذا لا، حقيقة لغوية وشرعية أو عرفية، و الحقيقة قال: إما لغوية أي وضعها أهل اللغة كالأسد للحيوان المفترس، وإما شرعية أي وضعها الشارع كالصلاة للعبادة المخصوصة، وإما عُرفية وضعها أهل العُرف العام كالدابة مثلاً لذات الأربع كالحمار والحصان وغيرها أهل العرف العام يطلقون الدابة على هذا المعنى إلى يومنا هذا، وهي في اللغة تطلق على كل ما يدب على الأرض مما يمشي على اثنتين أو يمشي على أربع أو يمشي على بطنه أو غير ذلك، كل ما دَبَّ على الأرض هذا لغة، أما في العرف العام تُستعمل لذات الأربع فقط، وكذلك الحقيقة العرفية تدخل فيها الاصطلاحات العلمية التي ندرسها اصطلاحات النحو، اصطلاحات الحديث، اصطلاحات الأصول، هذه كلها تدخل في الحقيقة العرفية.
نكتفي بهذا القدر ونكمل موضوع المجاز وأنواع المجاز في الدرس القادم بإذن الله تعالى.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-2013, 20:18   #6
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ المجلس السادس من شرح متن الورقات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ،،
فهذا المجلس السادس من مجالس شرح الورقات
قد كُنا توقفنا في المجلس الأخير عند الحقيقة والمجاز وذكرنا أن في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز خلاف بين أهل العلم فالبعض ذهب إلى أن الكلام ينقسم إلى حقيقة ومجاز والبعض قال : لا مجاز في الكلام وكلُّه حقيقة والقرينة هي التي تحدد المعنى ، وعرَّف المؤلف رحمه الله الحقيقة والمجاز فعرَّف الحقيقة بتعريفين فقال : (هي ما بقي في الاستعمال على موضوعه)أي على ما وضعه العرب عليه ، قال : (وقيل فيما استُعمل فيما اصطُلح عليه من المخاطبة)يقال المخاطَبة والمخاطِبة على معنيين.(والمجاز: ما تُجُوِّز به عن موضوعه)، هذا بناءً على التعريف الأول للحقيقة أما بناءً على التعريف الثاني فيكون المجاز ما استُعمل في غير ما اصطُلح عليه في المخاطبة وقسَّم الحقيقة إلى لغوية وشرعية وعرفية ووقفنا إلى هنا .
نكمل الآن:
قال المؤلف رحمه الله:((والمجاز: إما أن يكون بزيادة ، أو نقصانٍ ، أو نقلٍ ، أو استعارةٍ . فالمجاز بالزيادة مثل قوله تعالى }: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ{]الشورى . [11/ والمجاز بالنقصان مثل قوله تعالى}: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ{ [يوسف. [82/والمجاز بالنقل كالغائط فيما يخرج من الإنسان . والمجاز بالاستعارة كقوله تعالى }: فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ{ ]الكهف[77/)) .
ذكر المؤلف رحمه الله بعض أنواع المجاز ، أنواع المجاز كثيرة ذكرها العلماء في كتب البلاغة فهذا الموضوع موضوعها وذكرها أيضاً ابن النجار رحمه الله في شرح الكوكب المنير .
قال المؤلف : (والمجاز إما أن يكون بزيادة)ومثَّل له بقول الله تعالى}لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ {يجب أن تعلموا بداية أن الأصل في الكلام الحقيقة عند الذين يقسمون الكلام إلى حقيقة ومجاز ، الأصل في الكلام عندهم الحقيقة لا المجاز ولا يقال في الكلام إنه مجاز إلا عند وجود قرينة تدل على أن الحقيقة غير مرادة ، فلا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة وهو ما يسمى في علم البيان (علم البيان علم من علوم البلاغة ، علوم البلاغة: علم البديع وعلم البيان وعلم المعاني )ما يسمى في علم البيان بالقرينة ، الدليل الصحيح الذي يمنع إرادة الحقيقة هو الذي يسمى عند البيانيين بالقرينة ، ننظر الآن في المثال الذي ذكره المصنف للتمثيل على مجاز الزيادة ، قوله تعالى } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ{ما هي حقيقة الكلام التي منعها العلماء ؟ وما هي القرينة التي جعلتهم يمنعوا الحقيقة في هذه الآية ويحملوها على المجاز ؟ قالوا : الكاف في قول الله تبارك وتعالى }لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ { الكاف بمعنى المِثْل فتقدير الكلام : ليس مِثْل مِثلِه شيء وهذا فيه إثبات المِثْل لله ، هذه هي القرينة التي جعلتهم يبتعدون عن الحقيقة ويحملون الكلام على المجاز ، الآية أصلاً جاءت لنفي إثبات المِثْل لله سبحانه وتعالى فكيف يكون فيها إثبات للمثلية ؟ أي كأنك تقول : لله مِثلٌ وليس مِثْل مثله شيء فتنفي المِثْل عن المِثْل الذي أثبتَّه، أثبتَّ مِثلاً فقلت : لله مِثل ثم قلت ليس مِثل هذا المثل شيء ، هكذا قالوا معنى الآية وهذا المعنى لا شك بأنه معنىً باطل بالاتفاق فالله سبحانه وتعالى لا مثل له ولا نِدَّ له ولا نظير له فقالوا : إذاً الكاف هذه زائدة ، إذا كانت ستؤدي بنا إلى أن نثبت مِثلاً لله ، لا ، نقول هي زائدة وهي مجاز ، فإثباتها مجاز ليس على الحقيقة لأن حقيقة الكلام وظاهره غير مراد بالأدلة التي دلت على أنه لا مثل لله ، وقال المحققون من أهل العلم الذين ينفون المجاز : ليس في القرآن شيء زائد ولا يصح أن تقول إن القرآن فيه شيء زائد ، كلام الله سبحانه وتعالى مُنزَّه على أن نقول فيه شيء زائد لا فائدة له ولكن نقول : الكاف للمبالغة والتأكيد ، تأكيد نفي المِثل أي كأن الكلام يصبح كأنه يقول : ليس كَهُوَ شيء وليس مثلَه شيء ، كأنهما جملتان واحدة مؤكِّدة للثانية فلا مجاز في الآية ، وهناك أقوال كثيرة ، كثيرةٌ كثيرة عند أهل العلم في توجيه هذه الآية وإن كان الجميع متفقون على أن الله منزَّه عن إثبات المثل له ، لكن الشاهد أنهم يقولون بأن المجاز منه ما هو مجاز زيادة أي تكون هناك حرف أو كلمة زائدة إذا حُذفت صح المعنى وإذا بقيت وأُخذت على ظاهرها اختل المعنى ، هذا معنى مجاز الزيادة .
وقال المصنف:(والمجاز بالنقصان مثل قوله تعالى}: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ{)الآن مجاز بالنقصان ، إيش يعني مجاز بالنقصان ؟ يعني عندنا كلمة ناقصة إذا ما قدَّرناها يكون الكلام مختل غير تام غير صحيح في المعنى ، فإذاً يقولون فيه كلام لا بد أن يُثبت كي يكون الكلام صحيحاً فإذاً ظاهر الآية غير مراد ، حقيقتها غير مراد ، إذاً فيه مجاز ، مجاز إيش ؟ مجاز نقص يعني فيه كلمة لا بد أن يؤتى بها ، قالوا }: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ{ ظاهر هذه الآية وحقيقتها الأمر بسؤال القرية والقرية هي الجدران والجدران لا تُسأل إذاً هذه قرينة اعتمدوا عليها في إثبات أن هذه الآية ظاهرها غير مراد لأن القرية هي الجدران والجدران لا تُسأل جمادات لأنها غير عاقلة ، فقد نقص من هذا الكلام شيء يتم به الكلام وهو كلمة (أهل)فتقدير الكلام : (واسأل أهل القرية )فأسقط (أهل)لأن القرينة الحالية أي حال القرية وأنها لا تُسأل تدل على ذلك ، تدل على أنه لا بد من تقدير كلمة أهل ، فهذا يسمونه مجاز نقص ، فأجاب الذين يقولون لا مجاز والكلام كله حقيقة بأن السياق هو الذي يحدد المراد من الكلام والظاهر الذي يفهمه الناس هو الحقيقة ، الظاهر الذي يتبادر لك مباشرة وتفهمه من الكلام هو هذا الحقيقة فلا أحد يفهم من هذه الآية أن المراد سؤال الجدران ، ما أحد ، أيَّ عربي تأتي به تقول له : اسأل القرية ما يقول لك : اسأل القرية معناها اسأل الجدران كله مباشرة أول ما يفهم منك هذه الكلمة يذهب ويسأل الناس إذاً هذا هو حقيقة الكلام فلا أحد يفهم من هذه الآية أن المراد سؤال الجدران فلا يكون هذا ظاهر الكلام ولا حقيقته بل حقيقته وظاهره الأمر بسؤال أهل القرية ، قالوا : والقرية تطلق ويراد بها الجدران وتطلق ويراد بها أهل القرية ، فكلمة القرية نفسها مشترَكة تُطلق على هذا المعنى وعلى هذا المعنى ، والذي يحدد المعنى المراد منها هو السياق ككلمة العين تماماً ، أنظر العين تُطلق على العين الباصرة (عين الإنسان)وعلى عين الماء وعلى الجاسوس أيضاً يقال فيه عين وغير ذلك من المعاني ، والذي يحدد المراد بها في الكلام هو السياق فتقول مثلاً : رأيتُ عيناً يمشي ، المراد : الجاسوس ، تقول عين زيد جميلة ، المراد : العين الباصرة ، وتقول : العين غزيرة ، المراد : عين الماء ، كل ذلك ظهر لك بماذا ؟ كيف فرَّقت بين العين والعين و العين ؟ فرقت بالسياق ، كذلك القرية ، (اسأل القرية)هل المراد الجدران أو المراد الأهل ؟ المراد الأهل لأن الجدران لا يُسألون ، هذه كتلك وهذا من اللغة العربية المعروف ومن الذي يُعرف عند العلماء بالكلمات المشتركة أو الأسماء المشتركة ، فالله سبحانه وتعالى أطلق (القرية)مرة على الجدران أطلق هذا المعنى على الجدران ومرة أطلق هذا المعنى وأراد به أهل القرية ، (اسأل القرية)هنا المراد به أهل القرية بالاتفاق أما في قوله تبارك وتعالى { إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ } ما المراد بالقرية هنا ؟ المراد البنيان ، البناء لأنه سيُهلك أهل القرية ، لم يقل : سأُهلك القرية ، قال : سأهلك أهل القرية فالمراد به البنيان فبهذا افترق هذا عن ذاك ، إذاً لا مجاز في الكلام وهناك أجوبة أخرى عن هذه الآية .
ثم قال رحمه الله : (والمجاز بالنقل كالغائط فيما يخرج من الإنسان )أصل كلمة الغائط في اللغة : المكان المطمئن المنخفض من الأرض ، كان العرب قديماً إذا أراد أحدهم أن يقضي حاجته يذهب إلى المكان المنخفض ويقصد المكان المنخفض الذي يسمى عند العرب : الغائط ، كي يستتر عن أعين الناس فلما أرادوا الكناية عن الخارج من الدُّبر وهذا من حيائهم ومن أدبهم ، العرب كانوا من أدبهم لا يذكرون الأسماء التي يُستحيى من ذكرها أو التي يتقذرون من ذكرها فأرادوا أن يُكنّوا عن هذا الخارج من الدبر فسمَّوه باسم المكان الذي يلازمه ثم اشتُهر هذا الاستعمال حتى صار هو المتبادَر إلى كثير من الأفهام عند إطلاق هذا اللفظ فيُفهم أنه الخارج من الدبر لا المكان ، وأما من نفى المجاز فقال : هذا ليس من المجاز بل هو من الحقيقة العرفية بل حتى وبعض الذين قالوا بالمجاز قالوا هذا ليس من المجاز .
ثم قال المصنف رحمه الله : (والمجاز بالاستعارة كقوله تعالى}فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ { هذا نوع آخر من المجاز وهو الذي يسمى بالاستعارة ، لا بد بارك الله فيكم من وجود بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي لا بد من وجود علاقة كأن تقول مثلاً في الرجل الشجاع : رأيتُ أسداً يرمي ، ما هي العلاقة ما بين الرجل الشجاع والأسد ؟ الشجاعة ، إذاً هناك علاقة بين الطرفين ، تقول : أنبتت المطر العشب ، هذا عند الذين يقولون بالمجاز هذا مجاز لأن المطر ليس هو الذي أنبت العشب ، المطر سبب لإنبات العشب ، الذي أنبت العشب هو الله سبحانه وتعالى ، طيب ما هي العلاقة الآن بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ؟ هو السببية ، لمّا كان المطر سبباً لإنبات العشب سُمي مُنبتاً ، إذاً لا بد من وجود علاقة ما بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي فإذا كانت العلاقة هذه هي المشابَهة بالذات سُميت هذه استعارة وفي المثال الذي ذكره المصنف رحمه الله الجدار جماد لا إرادة له والإرادة تكون للأحياء ، هكذا يقول مَن يقول بالمجاز في هذه الآية ، ومعنى : (يريد أن ينقض)أي مائل ، مال وقارب على الانهيار ، شبَّه الجدار بالحي الذي يشعر له إرادة كأنه شبَّه الجدار بالإنسان ثم حذف المشبَّه به وهو الإنسان ورمز له بشيء من لوازمه وهي الإرادة فصار تقدير الكلام (وجدا فيها جداراً يشبه الإنسان يريد أن ينقض )هذا تقدير الكلام ، فعندهم نسبة الإرادة للجدار قرينة تجعلنا نحمل الكلام على مجازه لا على حقيقته وأجاب نُفاة المجاز بقولهم : مَن قال لكم بأن الجدار لا يريد ؟ من أين أتيتم بهذا ؟ لقد ثبت عندنا بأدلة من الكتاب والسنة أن السماوات والأرض تسبِّح وما من شيء إلا ويسبِّح فقال الله سبحانه وتعالى } تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ {ذكرها الله سبحانه وتعالى على سبيل المدح والمدح لا يكون إلا لمن يفعل الشيء بإرادته وبما أنه أيضاً ثبت أن هذه الأشياء تسبح وثبت ايضاً بأنها تحَِنّ وأنها تتكلم كما ورد في أدلة كثيرة ، لعلكم تذكرون حديث حنين الجذع عندما تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يخطب عليه فسُمع له أنين ، وكذلك الحجر الذي أخذ ثوب موسى وذهب به فلحقه موسى وهو يضربه وقال : ثوبي حجر ، ثوبي حجر ، وكذلك الحجر والشجر الذي يتكلم في آخر الزمان فيقول : يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله ، أتدركون هذه المعاني لهذه الجمادات ؟ إن كنتم تؤمنون بهذه الأحاديث التي وردت فما المانع بعد ذلك من وجود إرادة عند الجدران ، لا يمنع شيء إنما أنتم تحكمون على أشياء تشاهدونها أو تعقلونها وهناك أمور تخفى عليكم لم تشاهدوها ولم تشاهدوا أمثالاً لها ولا تدركها عقولكم ولا تمنعها أيضاً ، إذاً مع ثبوت هذه الأدلة وثبوت أن الحجر يتكلم ويسبح فما المانع من وجود إرادة له ؟ إذاً فالكلام يبقى على حقيقته لا يقال بأنه مجاز .
وأنواع المجاز كثيرة مذكورة في كتب البلاغة وقد ذكرنا أن العلماء اختلفوا في المجاز فبعضهم قال بأن المجاز في اللغة وفي القرآن أي ثابت موجود في اللغة وفي القرآن والبعض قال : يوجد مجاز في اللغة وأما في القرآن فلا ، هذا مذهب آخر ، والبعض قال : لا مجاز لا في اللغة ولا في القرآن وهذا هو إن شاء الله الصحيح وهو الذي انتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ، وابن القيم رحمه الله جعل المجاز طاغوتاً من الطواغيت التي اعتمد عليها أهل التعطيل في تعطيل صفات الله تبارك وتعالى عن حقائقها وذلك في كتابه الصواعق المرسلة ، وللشيخ محمد أمين الشنقيطي رحمه الله كتاب في منع المجاز في القرآن سماه (منع جواز المجاز في المنزَّل للتعبد والإعجاز )وهو مطبوع في آخر كتابه التفسير ، وقد سُبق بالطبع هؤلاء ، سبقهم أقوام آخرون علماء في نفي المجاز عن اللغة وعن القرآن بل يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأن القول بالمجاز ما نشأ إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة .
والمعطِّلة استعملوا المجاز كوسيلة للوصول إلى تعطيل صفات الله تبارك وتعالى وليس هو الأصل عندهم في التعطيل ، الأصل عندهم الدليل العقلي ، الدليل العقلي هو الذي أرشدهم إلى تعطيل هذه الصفات لكن عندما أرادوا أن يحرِّفوا كلام الله تبارك وتعالى وكلام رسوله ويتخلصوا من أدلة الكتاب والسنة ما وجدوا وسيلة خيراً من المجاز لتعطيل صفات الله تبارك وتعالى عن حقائقها فيأتون للاستواء مثلاً الذي هو العلو والارتفاع فيقولون معناه الاستيلاء حقيقته غير مرادة وغير صحيحة والصواب فيه المجاز فيصوِّبون المجاز ويقولون بالاستيلاء ويعطلون صفة المحبة فيقولون معناها إرادة الإحسان ويعطلون صفة الغضب فيقولون إرادة الانتقام ويعطلون صفة اليدين يقولون بمعنى النعمة أو بمعنى القدرة وهكذا بالطريقة هذه يحملون الآيات والأحاديث التي وردت في ذلك كله على المجاز فيتخلصون من دلالة هذه الآيات والأحاديث على صفات الله تبارك وتعالى .
المسألة الأخيرة في هذا الموضوع هو الخلاف في مسألة المجاز هل هو خلاف عقدي أم خلاف لغوي ؟ تارة يكون لغوياً وتارة يكون عقدياً فإذا قال الشخص بالمجاز في اللغة وفي القرآن وأثبت صفات الله تبارك وتعالى على حقائقها ولم يتعرض لنفيها ولا لتحريفها عن حقيقتها فيكون الخلاف معه خلافاً لغوياً وأما إذا أثبت المجاز في القرآن وحرَّف صفات الله تبارك وتعالى عن معانيها الحقيقية التي أرادها الله تبارك وتعالى فهذا الخلاف معه يكون خلافاً عقائدياً .
هذا هو التفصيل في هذه المسألة وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الموضوع وفي الدرس القادم إن شاء الله نكمل ونبدأ بـ (الأمر)والأمر موضوعه مهم جداً وأكتفي بهذا القدر.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-2013, 20:20   #7
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس السابع من شرح متن الورقات.

المجلس السابع من شرح متن الورقات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ،،
فهذا المجلس السابع من مجالس شرح الورقات
انتهينا في المجلس الأخير من الحقيقة والمجاز وبدأ المؤلف رحمه الله بالأمر والنهي فقال رحمه الله: ((والأمر: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب )).
تعريف الأمر في الاصطلاح كما قال المؤلف رحمه الله هو: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، يبين معنى ما ذكره رحمه الله قال:(الأمر: استدعاء)أي طلب فالمقصود بالاستدعاء الطلب، استدعاء فعل أي طلب فعل ويدخل في ذلك القول لأنه فعل اللسان فاستدعاء فعل يعني أن يُطلب من الإنسان فعلٌ سواء كان قولاً أو فعلاً، القول باللسان والفعل بالجوارح، وخرج بقوله استدعاء أي طلب خرج ما ليس بطلب، الخبر ليس بطلب فلا يدخل في الاستدعاء كقولك: ذهب زيد، فهذا ليس أمراً فليس فيه طلب، وخرج بقوله: (استدعاء فعل)النهي، فالنهي استدعاء ترك، طلب ترك وليس طلب فعل ، فقوله: (استدعاء)يشمل طلب الفعل وطلب الترك وبقوله استدعاء فعل أخرج طلب الترك وهو النهي فبقي عندنا طلب الفعل ، فالأمر طلب فعل.
ثم قال: (بالقول)استدعاء الفعل بالقول أي الأمر: استدعاء الفعل بالقول أي طلب الفعل بالقول كقولك: اقرأ،اذهب، اجلس، أنت طلبت القراءة وطلبت الذهاب وطلبت الجلوس، أخرج بهذا القيد الكتابة والإشارة فإذا كتبت لشخصٍ: اجلس فهذا ليس أمراً على قول المؤلف وكذلك الإشارة إذا أشرت لشخصٍ أن اجلس فليس هذا بأمرٍ عند المصنف وإن أفادت هي في الأصل معنى الأمر لكنها ليست أمراً.
ثم قال: (ممن هو دونه)استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه يعني أن الآمر وهو الذي أمر أعلى من المأمور قدراً هكذا يكون الأمر عند المصنف رحمه الله، يجب أن يكون الآمر أعلى قدراً من المأمور كي يسمى أمراً فالأمر يكون من الأعلى إلى الأدنى ولا يكون من الأدنى قدراً للأعلى، فإذا كان الطلب من الأعلى إلى الأدنى سمي أمراً، وإذا كان الطلب من الأدنى إلى الأعلى بالعكس سمي دعاءً وسؤالاً كطلب العباد من الله تبارك وتعالى:(اللهم اغفر لي)هذا سؤال، دعاء وليس أمراً لأنه من الأدنى للأعلى، الطالب الآن هو الأدنى والمطلوب منه هو الأعلى، هذا يسمى سؤالاً أما إذا كان العكس إذا كان الطالب هو الأعلى والمطلوب منه هو الأدنى هذا يسمى أمراً كذا عند المصنف، وإذا كان الطلب من المساوي لا أعلى ولا أدنى، شخص يساويه في القدر أي الطالب مساوٍ للمطلوب منه هذا سمي التماساً، كأن يطلب الشخص من صديقه مثلاً أن يحضر له ماءً أو أن يعد له طعاماً أو أن يشرح له درساً هذا يسمى التماساً لأنه من مساوٍ له قدراً فإذاً أصبحت عندنا القسمة ثلاثية إما من الأعلى للأدنى وهذا أمر أو من الأدنى للأعلى وهذا سؤال أو من المساوي وهذا التماس، فالظاهر من كلام المصنف أن الأمر لا يكون أمراً إلا إذا كان من الأعلى إلى الأدنى حقيقة أي في حقيقة الأمر الآمر هو أعلى قدراً من المأمور في الواقع ، فيكون العلو صفة للآمر وعلى قوله هذا إذا دخل سارق مثلاً بيت أحد الأفاضل الذي هو أعلى من السارق قدراً وطلب السارق من صاحب البيت أن يعطيه مالاً على وجه الغلظة والشدة وعلى صورة التهديد لا يسمى هذا أمراً عند المصنف والصحيح أنه أمر فالمعتبَر في الأمر صفة الأمر لا صفة الآمر أي أنك لا تنظر إلى الآمر في الواقع أهو أعلى قدراً أم أدنى قدراً ولكنك تنظر إلى صفة الأمر نفسه هل الأمر خرج بغلظة وشدة و على وجه الإلزام أم خرج بعبارة لطيفة هادئة ؟ فإذا كان بغلظة وشدة وعلى وجه الإلزام على وجه التأكيد فهذا يسمى أمر أما إذا كان برفق ولين فهذا لا يسمى أمراً ، وهذا الذي يعبر عنه بعض أهل العلم في التعريف بقولهم : على وجه العلو أو على وجه الاستعلاء فما ذهب إليه المصنف (استدعاء الفعل بالقول على وجه العلو) والصحيح أن يقال: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء .
وقال المصنف في آخر التعريف: (على سبيل الوجوب )يعني أن يكون الأمر واجباً فأخرج بذلك المندوب الذي ورد بصيغة الأمر وغيره مما ورد بصيغة الأمر والصحيح أنه أمرٌ أيضا ، دلت القرينة على أنه لغير الوجوب لأنه طاعة والطاعة فعل المأمور به ونقلوا أيضاً اتفاق أهل اللغة على أن الأمر ينقسم إلى أمرِ إيجاب وأمرِ ندبٍ فالصحيح في تعريف الأمر أن نقول :هو استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء فقط .
ثم قال المؤلف رحمه الله: ((والصيغة افعل))الصيغة الدالة على الأمر افعل أي ما كان على هذا الوزن نحو اضرب، أكرم، اشرب وهكذا قال: ((عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تُحمل عليه ))أي تحمل على الوجوب يعني صيغة الأمر افعل عند الإطلاق وعدم تقييدها بشيء يدل على المراد منها وتجردها عن دليل يدل على أنها لغير الوجوب تُحمل على الوجوب . هذا معنى كلامه وبعبارة أخرى: الأمر المطلق يفيد الوجوب أو الأمر للوجوب هذا هو الأصل الأمر للوجوب هذا هو الأصل الأمر بالوجوب.فالأمر يقتضي الوجوب ما لم يأتِ دليل يدل على أنه لغير الوجوب نحو قول الله تعالى} وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ ]{البقرة[43/ . أقيموا: أمر، والأمر للوجوب فإقامة الصلاة واجبة هذا هو الأصل إلا إذا وجد دليل يدل على أنه لغير الوجوب مثل قول الله تعالى } وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ]{ البقرة[282/. الآن أشهدوا هذه أمر أصلها أشهِدْ جاءت على وزن أفْعَل والأصل في الأمر أنه للوجوب فهل يجب الإشهاد على البيع ؟ لا يجب لماذا ؟ ألم نقل إن الأصل في الأمر الوجوب ؟ نعم قلنا لكن قلنا إن الأصل في الأمر الوجوب ما لم يأتِ دليل يدل على خلاف ذلك وهاهنا جاء دليل إذاً نطالبك بالدليل هاته إما أن تسلِّم معي بأنه للوجوب أو أن تأتي بالدليل الذي صرفه عن الوجوب ما هو؟ أقول لك: ورد دليل يدل على أن الأمر هنا للاستحباب لا للوجوب وهو أنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اشترى فرساً من أعرابي ولم يُشهد ، فعلمنا بذلك أنه للاستحباب إذ لو كان للوجوب لأشهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن ما الدليل على أن الأمر للوجوب ؟ تقعيد هذه القاعدة الأصولية ما الدليل عليها ؟ الدليل عليها قول الله تبارك وتعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[النور[63 /. فمن خالف أمر الله تبارك وتعالى هو معرَّض إما للفتنه أو للعذاب الأليم فهذا يقتضي أن الأمر للوجوب وقول النبي - صلى الله عليه وسلم- ": لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " الأمر الذي يقتضي المشقة هو الأمر الواجب والذي ليس بواجب لا يقتضي مشقة إذاً هذا يدل على أن الأمر الأصل فيه أنه للوجوب هذا هو الأصل في الأمر إذا لم يأتِ ما يدل على أن المراد منه غير ذلك .
ثم قال رحمه الله: (( إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة فيُحمل عليه ))أي أن الأصل في الأمر الوجوب إلا إذا ورد دليل يدل على أن المراد الاستحباب أو الإباحة فيُحمل على ما دل عليه إما على الاستحباب أو على الإباحة وقد مثَّلنا فيما تقدم في الأمر الذي يُحمل على الاستحباب بالإشهاد أما الأمر الذي يحمل على الإباحة فكقول الله تبارك وتعالى }وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ]{المائدة[2/. حُرِّم على المُحرِم أن يصطاد الصيد ثم بعد الإحلال أُمر بالصيد في هذه الآية المذكورة } وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ {أي افعلوا فهي أمر، فهل يجب على كل مَنْ حَلَّ من إحرامه أن يذهب ويصطاد أو يُستحب له ذلك ؟ لا ، لماذا ؟ أليس في الآية أمر ؟ بلى , طيب قلنا لأن القاعدة الأصولية تقول: إن الأمر بعد الحظْر للإباحة يعني أنه إذا حُرِّم عليك فعلٌ ما ثم جاء الأمر به فالأمر هنا لا يكون للوجوب ولكن لرفع الحظر فقط، الأمر يكون لرفع الحظر ورد الحكم إلى الإباحة فقوله } وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ {أي فقد حَلَّ لكم الصيد بعدما حَرُمَ عليكم فهذه قرينة صارفة من الوجوب إلى الإباحة.
ثم قال رحمه الله :(( ولا يقتضي التكرار على الصحيح إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار ))يقول رحمه الله: أن الأمر في أصله لا يقتضي التكرار إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار ، ما معنى أنه يقتضي التكرار أو لا يقتضيه ؟ الأمر لا يقتضي التكرار: أي أنك إذا أُمِرت بأمر ففعلته مرة واحدة بَرِأَت ذمتك بهذه المرة ولا يلزمك أن تفعله في كل مرة ، هذا معنى أنه لا يقتضي التكرار ، وإذا قلت بأنه يقتضي التكرار أي يلزمك أن تفعله مرة بعد مرة بعد مرة فمجرد أن يأتي أمر ليس فيه ما يدل على أن الأمر يقتضي التكرار أو لا يقتضيه على ماذا يُحمل ؟ يحمل على أن التكرار غير مراد هذا ما ذكره المؤلف قال: (ولا يقتضي التكرار على الصحيح ) إشارة إلى أن في المسألة خلاف ، إذاً إذا جاءت قرينة تدل على أن الأمر للتكرار فلا إشكال وإذا جاءت قرينة تدل على أن الأمر لغير التكرار فلا إشكال لكن إذا لم تأتِ قرينة تدل على أنه للتكرار ولا لغير التكرار ؟ فكما قال المؤلف: لا يقتضي التكرار هو هذا الأصل لماذا ؟ لأن الامتثال للأمر يحصل بمرة واحدة والأصل براءة الذمة مما زاد عليها فإذا كَلَّفنا الشخص أن يأتي بالأمر مرة ثانية وثالثة يجب علينا أن نأتي بدليل فإذا قيل لك: اضرب رجلا فتكون ممتثلا بضرب رجل واحد ولا تلام بترك التكرار بل يُلام من لامك على الترك إذاً الصحيح أن الأصل في الأمر أنه لا يقتضي التكرار ، فإذا قلتُ لك: اسقني ماءً وأتيتني بكأس ماء لا يلزمك أن تعيد وتكرر السقيا وإن لُمتك على عدم التكرار أكون أنا المُلام لا أنت.
ثم قال المؤلف رحمه الله: ((ولا يقتضي الفَوْر ))ما معنى لا يقتضي الفور ؟ الأمر لا يقتضي الفور يعني لا يقتضي الاستعجال والمبادرة إلى العمل دون تأخير ، عندما يقولون لك الأمر يقتضي الفور أي أنك بمجرد أن تسمع الأمر وجب عليك الامتثال مباشرة باستعجال وتبادر إلى العمل ولا تؤخِّر ، وقول المؤلف: (ولا يقتضي الفور)خطأ ، الأصل في الأمر أنه لا يقتضي الفور هذا خطأ ، الصواب أن الأمر على الفور وأن الأمر يقتضي الفور لا شك أنه إذا وردت قرينة تدل على أنه للفور فهو للفور وإذا وردت قرينة تدل على أنه على التراخي لا على الفور فهو على التراخي لكن إذا لم ترد هذه القرينة فالأصل فيه أنه على الفور خلافاً للمؤلف ، فالمؤلف يرى أنه على التراخي والصواب أنه للفور لقول الله تبارك وتعالى }فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ] {البقرة[148/ فهذا أمر بالاستعجال بالأعمال الخيرة قال} وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ{ [آل عمران[133 / وجه الدلالة واضح وقال} سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ { [الحديد/21]مسابقة تستلزم الإسراع ، فهذه الأدلة كلها تدل على أن الأصل في الأمر أنه على الفور .
ثم قال المؤلف رحمه الله: ((والأمر بإيجاد الفعل أمرٌ به وبما لا يتم الفعل إلا به كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة المؤدية إليها))الأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به، أُمِرتَ بالصلاة لكن الصلاة لا تصح إلا بوضوء إذاً فيجب عليك أن تتوضأ كي تصلي فالأمر بإيجاد الفعل وهو الصلاة في مثالنا أمرٌ به فهو أمرٌ بالصلاة وبما لا يتم الفعل إلا به وهي الطهارة مثلاً كالأمر بالصلاة أمرٌ بالطهارة المؤدية إليها ، هذه القاعدة عند الأصوليين يعبرون عنها بقولهم : ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، كالطهارة للصلاة ، وما لا يتم المستحب إلا به فهو مستحب فإن الصلاة لا تصح بدون الطهارة والصلاة واجبة فالطهارة واجبة فالأمر بالصلاة أمرٌ بالطهارة ، وكالسفر للحج الأمر بالحج أمرٌ بالسفر الذي لا يتم الحج إلا به ، والسفر للعمرة العمرة مستحبة فالسفر إليها مستحب هذا معنى هذه القاعدة .ثم قال المؤلف رحمه الله: (( وإذا فُعِل يخرج المأمور عن العهدة ))إذا فُعل يعني ماذا ؟ إذا فُعل ما أمر به الشخص إذا فعله خرج عن العهدة يعني متى جاء الإنسان بما أُمر به فإنه يخرج عن عهدة الواجب أي أنه يَسقط عنه الواجب، إذا أتى بما أُمر به سقط عنه الوجوب.وهذه القاعدة عند الأصوليين يعبرون عنها بقولهم: الأمر يقتضي إجزاء المأمور به أي أن المكلف إذا أُمر بشيء وفَعَله كما أُمر به حُكم بخروجه عن العهدة وهذا معنى الإجزاء فلا يُطلب منه الفعل مرة أخرى، إذا فعله كما أُمر به سقط عنه ، فمن لم يكن واجداً للماء مثلاً فبحث عنه فلم يجده فصلى بالتيمم ثم وجد الماء بعدما صلى ولا يزال الوقت لم يخرج هل يؤمر بالإعادة ؟ نقول: الأمر يقتضي إجزاء المأمور به بناءً على هذه القاعدة لا يلزمه الإعادة لماذا ؟ لأنه فعل المأمور به كما أُمر بقوله تعالى {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ }[النساء/43] فمثل هذا لا نطلب العمل منه مرة ثانية لأنه فعله على الوجه الذي طُلب منه فيكون عمله هذا مجزئاً عنه.
هذا معنى ما ذكره المؤلف هاهنا ثم ينتقل المؤلف إلى بحث جديد وباب جديد نتركه إن شاء الله إلى الدرس القادم.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-2013, 20:22   #8
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الثامن من شرح متن الورقات.

المجلس الثامن من شرح متن الورقات


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعض الأخوة قد تأخروا في التسميع فأرجو أن يتابعوا ، يعني الإخوة المنضبطون قلة بالنسبة لمن بدأ من البداية فنرجو المتابعة لأنه إذا كثرت عليكم الدروس وكثرت المادة التي يراد حفظها ربما تتقاعسون بعد ذلك عن الحفظ فنرجو المتابعة وقد تعطلنا بقدر الله سبحانه وتعالى درسين عن الدروس فينبغي أن يكون الجميع قد تابع في مثل هذا فنرجو منكم بارك الله فيكم الإسراع والهمة في هذا الأمر .
نبدأ بدرسنا إن شاء الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ،،
فهذا المجلس الثامن من مجالس شرح متن الورقات
انتهينا في الدرس الماضي من مباحث في الأمر ثم قال المؤلف رحمه الله :
بابٌ
الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل
هذه الترجمة يريد المؤلف رحمه الله أن يبين بها مَنْ الذي يتناوله خطاب التكليف فيكون مكلَّفاً ومَن الذي لا يتناوله فلا يكون مكلفاً، أي مَن الذي يُطلب منه الفعل والترك ومن الذي لا يُطلب منه ذلك.
والتكليف لغة: إلزام ما فيه مشقة (هذا من حيث اللغة ).
وأما من الناحية الاصطلاحية: فهو طلب ما فيه مشقة ، التكليف طلب ما فيه مشقة ، فيدخل في ذلك الواجب والمستحب والحرام والمكروه لأن الأربعة مطلوبة وأما المباح ليس فيه طلب ولكنهم أدخلوه في أقسام التكليف تكميلاً للقسمة ومسامحة كما ذهب إليه بعض أهل العلم.
فمَنْ الذي يوجَّه له الخطاب (الأمر والنهي)ويُطلب منه الفعل أو الترك ؟ هل هم جميع الناس أم المؤمنون منهم فقط ؟ أم الناس والبهائم والجمادات ؟ أم مَن بالضبط ؟
قال المؤلف رحمه الله مبينا لنا ذلك: ((يدخل في خطاب الله تعالى: المؤمنون ))إذاً أوامر الله ونواهيه وخطاباته التي في الكتاب أو في السنة يدخل فيها المؤمنون، يعني أن خطاب الله يشمل كل مؤمن، فإذا قال الله تبارك وتعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ }شمل المؤمنين وإذا قال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ }شمل المؤمنين وهكذا ، يُفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن الكافرين غير داخلين في الخطاب وهذا سيأتي الكلام فيه بإذن الله وسيبينه المؤلف نفسه، هل هذا الفهم صحيح أم لا ؟
ولكن المؤلف بعد ذلك استثنى ، فعمَّم أولاً وقال يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون ثم استثنى وأخرج بعض الأنواع، فقال: ((والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب)).
السهو: لغة: ضد الذِّكر، شخص سهى أي لم يتذكر.
واصطلاحاً: الذهول عن المعلوم ، شيء قد علمته ثم ذَهلت عنه وذهب من ذهنك فهذا يسمى سهواً.
وفرْقٌ دقيق عند أهل العلم ما بين السهو والنسيان والغفلة وخلاف العلماء فيه كبير في الفرق بين هذه الأنواع بل بعض أهل العلم بل وكثير منهم ذهب إلى أنها بمعنىً واحد ولا فرق بينها ، والكثير الآخر ذهبوا إلى التفريق بينها على كلٍ هذا محله الكتب الأكبر من هذا ، فالساهي ويدخل فيه أيضاً الناسي والغافل غير مخاطبِين لأن التكليف مشروط بالقدرة على العلم وهؤلاء في حال السهو والنسيان والغفلة لا يعقلون ، لا قدرة لهم على العلم وأيضاً لقول الله تبارك وتعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }/286 ] البقرة[ قال الله: قد فعلت ، إذاً فهؤلاء غير مخاطبين في حال السهو والنسيان والغفلة .
وكذلك الصبي: وهو من لم يبلغ (الصبي المقصود به هنا الذي لم يبلغ )غير مخاطب لأنه ليس له عقل يتمكن به من فهم الخطاب وما يترتب على هذا الخطاب من نعيم أو عذاب ومن كان هذا حالة فهذا لا يخاطب.
والبلوغ: يكون بإتمام خمس عشر سنة هجرية أو بإنزال المني أو بإنبات شعر العانة، قد بيّنا هذا في دروس المصطلح وتزيد الأنثى بالحيض ، فقبل البلوغ هذا لا يدخل الصبي في الخطاب .
والمجنون غير مخاطب أيضاً لأنه لا عقل له يدرك به ويفهم به الخطاب، والعلماء يقولون: العقل مَناط التكليف أي التكليف يتعلق بالعقل فلا تكليف من غير عقل والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " رُفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق- أي إلى أن يرجع إليه عقله - وعن النائم حتى يستيقظ - والنائم كذلك غير مكلف فإذا نطق في حال نومه بكلام كفري مثلاً أو بكلام فيه فسق وفجور فلا يؤاخذ -وعن الصبي حتى يحتلم -يعني حتى يُنزل- " .
ثم قال المؤلف رحمه الله: ((والكفار مخاطبون بفروع الشرائع وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام لقوله تعالى حكاية عن الكفار {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ }] المدّثر42/43[))تتمة الآية {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ }] المدّثر/44/45/46[ لمَّا ذكر المؤلف رحمه الله فيما تقدم من كلامه أنه يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون وكان مفهوم كلامه أن الكفار غير داخلين في الخطاب بيَّن أن هذا المفهوم غير مراد ولا يريد ذلك وأوضح هنا أن الكفار داخلون في الخطاب، وذكر أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. اتفق العلماء على أن الكافرين مخاطبون بالإسلام لا خلاف بينهم في ذلك، نقل الإجماع غير واحد على ذلك، وأدلة الكتاب والسنة تدل على ذلك وهي كثيرة فيه ، واختلفوا في فروع الشريعة كالصلاة والصيام والزكاة وأشباه ذلك، فبعضهم قال هم غير مخاطبين بها أي بفروع الشريعة بعض أهل العلم قال: (الكفار غير مخاطبين بها)لماذا ؟ قال : لأننا عندما نأمره نقول له:أسلم لا نقول له صلِّ ولا نقول له صم ، هذه حجتهم، قالوا ولا يصح أن نقول له صلِّ ونترك أمره بالإسلام، لكن هذا مردود بما سيأتي ، والبعض قال :هم مخاطبون بجميع الشريعة أصولها وفروعها لا فرق، وهو الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو الصحيح الذي رجحه المحققون من أهل العلم واستدلوا بالآية التي ذكرها المؤلف وغيرها من الأدلة، والشاهد في الآية قال: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ }] المدّثر/42[ سقر من نار جهنم ، ما الذي أدخلكم جهنم ؟ {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ }] المدّثر/43] هذه واحدة ربما ينازع البعض ويقول هذه ليست من فروع الدين ، الصلاة من أصول الدين ، طيب قلنا له اتركها تعال للتي بعدها {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}] المدّثر/44] المراد بهذا الزكاة والزكاة من الأعمال التي يسمونها فروعاً {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ }] المدّثر/45/46[ إذاً إدخال الزكاة في الأسباب التي سلكتهم في سقر دليل على أنهم يعذَّبون بتركها ، هذا هو وجه الشاهد، لكن إذا تقرر معنا هذا وعلمنا أنهم مخاطبون بفروع الشريعة ينبغي أن نعلم أن هذه الأعمال التي هي فروع الشريعة لا تصح منهم إلا إذا جاءوا بأصلها ، إذا جاء كافر يريد أن يزكي لا تقبل منه زكاته ، أراد أن يصوم لا يقبل منه صيامه ، أراد أن يحج لا يقبل منه حجه ، حتى يُسْلِم، إذاً فلا بد أن يأتي بالإسلام أولاً ثم يأتي بهذه الأعمال فلا تصح منهم هذه الأعمال إلا بالإسلام، وهذا كالصلاة تماماً أنظر إلى الصلاة ، المسلم مأمور بها ولكنها لا تصح منه إلا بالوضوء فإذا ذهب يصلي من غير وضوء قلنا له صلاتك غير مقبولة ولا تصح منك حتى تتوضأ ،كذلك الكافر إذا أراد أن يعمل عملاً من فروع الإسلام قلنا له لا يقبل منك حتى تأتي بالأصل وهو الإسلام حتى تدخل في الإسلام أولاً ثم بعد ذلك تعمل والدليل على أن هذه الأعمال لا تقبل منهم إلا بالإسلام قول الله تبارك وتعالى {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ }] التوبة/54]هذا دليل على أن مَن كفر فأعماله لا تُقبل فلا نأمرهم بهذه الأعمال ولكننا نأمرهم بأصلها وهو الإسلام ، وإذا أسلم الكافر لا يؤمَر بقضاء ما فات وإن كان مأموراً به في حال كفره لكن إذا أسلم لا يؤمر بالقضاء لقول الله تبارك وتعالى{قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ }] الأنفال/38] إن ينتهوا عن كفرهم ويدخلوا في الإسلام يسقط عنهم كل ما تقدم من ذنوبهم وقد قال عليه الصلاة والسلام :"الإسلام يجُبُّ ما كان قبله من الذنوب" يجبُّه يقطعه ينتهي، أخرجه أحمد وصححه الإمام الألباني رحمه الله .
فالكافر يحاسب على كفره وعلى عدم إتيانه بالمأمورات وعلى عدم تركه المحظورات ، إذاً فالخلاصة أن الكافر مخاطب وداخل في الخطاب .
ثم قال المؤلف رحمه الله :((والأمر بالشيء نهيٌ عن ضده والنهي عن الشيء أمرٌ بضده )) من حيث اللفظ لا ، أما من حيث المعنى ففي المسألة تفصيل كما سيأتي ، نفهم الصورة أولاً قبل أن نوافق أو نخالف.
(الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده)أمرك شخص بإطباق جفن عينك أي بإغلاق عينك هذا أمر بإغلاق عينك فهو نهيٌ عن فتحها، هذا لازم لا بد منه لأن حصول الضدين مستحيل، فعندما أقول لك :أغلق عينك إذاً فلا أريد منك أن تفتحها لأنك إذا فتحتها لم تفعل بالأمر ، لم تستجب ، هذا معنى الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده ، الأمر بالشيء ، ما هو الشيء الذي أُمر به في الصورة التي ذكرناها ؟ إغلاق العين ، ضد إغلاق العين فتح العين فالأمر بإغلاق العين نهي عن فتحها هذا معنى هذه القاعدة ، قلنا من حيث اللفظ لا، لأن قولي أغلق عينك يختلف عن قولي لا تفتحها، هذا له لفظ وهذا له لفظ آخر هذا أمر وهذا نهي واللفظان مختلفان -افهموا هذا جيدا ففيه مدخل للأشاعرة - هذا أمر وهذا نهي هذا له صيغة وهذا له صيغة أخرى، و أوامر الله تبارك وتعالى ونواهيه بحرف وصوت لا كما تقوله الأشاعرة كلام نفسي ، عند الأشاعرة الأمر بالشيء نهي عن ضده هو عينه ما في إشكال عندهم لأن كلام الله نفسي ليس ألفاظاً ، نحن نقول الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده وليس هو عينه، هذا الفرق بيننا وبينهم، لأن المسألة تتعلق بكلام الله. فالأمر بالشيء نهي عن ضده أي يستلزم النهي عن ضده، والأمر يكون له ضد واحد كما مثَّلنا ويكون له أضداد متعددة ، فيه أشياء لها ضد واحد وفيه أشياء لها أكثر من ضد كما مثَّلنا فتح العين وإغلاقها، ضد واحد إما فتح أو إغلاق ، السكون والحركة ضد واحد إما سكون أو حركة، لكن القيام إذا قلت لك قم هل له ضد واحد ؟ كل واحد منكم يجيب بنفسه ، لا له أضداد متعددة فإذا قلت لك قم فأضداده الجلوس والاتكاء والنوم ، فالأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، فإذا قلت لك قم معناها لا تجلس أو تستلزم أنك لا تجلس ولا تتكئ ولا تنام لأنك إذا اتكأت أو جلست أو نمت في الوقت الذي أمرتك فيه بالقيام لا تكون ممتثلاً لما أمرتك به لم تأتِ بالقيام ، إذاً الأمر بالشيء نهي عن ضده إن كان له ضداً واحداً والأمر بالشيء نهي عن أضداده إذا كانت له أكثر من ضد.هذا الشطر الأول (الأمر بالشيء نهي عن ضده).
(والنهي عن الشيء أمرٌ بضده )كما ذكرنا في الأمر لكن هناك أمر وهو أن النهي إذا كان للشيء ضد واحد فهنا يكون النهي عن الشيء أمرٌ بضده فإذا قلت لك:لا تتكلم ، يستلزم من ذلك الأمر بالسكوت ، النهي عن الشيء أمر بضده، لكن إذا كان للشيء أكثر من ضد واحد، هل يكون النهي عن الشيء أمر بجميع أضداده كما قلنا في الأمر ؟ لا ، الصحيح أن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده فقط، إذا كان له أضداد لا أمراً بجميع أضداده، فالنهي عن النوم مثلاً أمرٌ بواحد من أضداده من غير تعيين فإذا قام مثلاً ولم يجلس يكون ممتثلاً أو جلس ولم يقم كذلك يكون ممتثلاً ، إذاً النهي عن الشيء الذي له أضداد أمرٌ بضدٍ واحد من أضداده غير معيَّن ، فالنهي إذا كان له ضد واحد نقول النهي عن الشيء أمر بضده وإذا كان له أضداد متعددة فنقول النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده غير معيَّن، وأما الأمر فنقول الأمر بالشيء نهي عن ضده لا إشكال سواء كان له ضد واحد أو عدة أضداد.
وكما ذكرنا هذه القاعدة مستفادة من معنى الأمر لا من لفظه فلفظ الأمر يختلف عن لفظ النهي ولكن من حيث المعنى يستلزمه خلافاً للأشاعرة.
قال المؤلف رحمه الله :((والنهي : استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب ))النهي مقابل الأمر ، ما قلتَ في الأمر فقابله في النهي ، قال المؤلف في تعريف الأمر:(استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب )فقابله هنا في النهي فقال :(استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب )وما قلناه في الأمر نقوله في النهي لأن النهي يقابل الأمر فالنهي :استدعاء الترك ، الأمر :استدعاء الفعل، فالنهي: طلب الترك، الأمر: طلب الفعل.
(ممن هو دونه )أي من الأعلى إلى الأدنى بالتفصيل الذي ذكرناه في الأمر ، إذا كان من الأعلى إلى الأدنى سمي نهياً وإذا كان من الأدنى إلى الأعلى سمي دعاءً وإذا كان من المساوي سمي التماساً ، ونقول الصحيح في تعريفه كما قلنا في الأمر: (استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء)ولا داعي لقوله :(على سبيل الوجوب)كي يدخل في النهي غير المحرَّم. وللنهي صيغة كما أن للأمر صيغة ، صيغة الأمر :(افعل)هذه الصيغة المشهورة ، صيغة النهي :(لا تفعل)هذه الصيغة المشهورة .
ثم قال المؤلف رحمه الله: ((ويدل على فساد المنهي عنه))هذه القاعدة يعبِّر عنها الأصوليون بقولهم :(النهي يقتضي الفساد)وهذا هو الصحيح ، في المسألة خلاف وأقوال ، البعض قال:النهي لا يقتضي الفساد مطلقاً والبعض قال النهي يقتضي الفساد مطلقاً والبعض فصَّل والتفصيلات كثيرة والخلاف فيها كبير، وقد ألَّف فيها الحافظ العلائي كتابا ماتعاً في هذا الموضوع ، وقلنا إن النهي يقتضي الفساد لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" أي هو مردود على صاحبه، وقد تقدم تعريف الفساد في العبادات والمعاملات، فالمنهي عنه لا يعتد به إن كان من العبادات كأن تصلي المرأة في حال حيضها ، صلاتها فاسدة لا يعتد بها لأنها منهية عن الصلاة في حال الحيض فإذا نهيت عن الصلاة في حال الحيض وصلت فقد عملت عملاً ليس عليه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا ينفذ العقد كبيع الخمر مثلاً العقد فاسد لا يتعلق به النفوذ للنهي عن بيع الخمر فلا تترتب آثاره عليه، وكما ذكرنا هذه القاعدة فيها خلاف كبير، والصحيح في هذه المسألة: أن النهي إذا تعلق بعين المنهي عنه أو بوصف لازم له اقتضى الفساد، وهذا قول جمهور علماء الإسلام ، إذا تعلق النهي بعين المنهي عنه كالنهي عن الزنى مثلاً في قول الله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى }] الإسراء/32[ كلمة الزنى ليس معها وصف تعلق به النهي ، لا ، النهي متعلق بنفس الزنى فهنا النهي يقتضي الفساد، وأما تعلق النهي بوصف ملازم للمنهي عنه كقول الله تبارك وتعالى {لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى}] النساء/43[ فنهى عن الصلاة لكن لا مطلقاً ولكن نهى عن الصلاة في حال ملازمة وصف الإسكار فهذا وصفٌ ملازم فمن كان سكران وقت الصلاة نهي عن الصلاة وإذا صلى فصلاته فاسدة وكذلك النهي عن البيع الربوي، أصل البيع غير منهي عنه ولكن البيع الربوي فيه وصف زائد ملازم للبيع نهي عن البيع لأجله ، هذا الوصف الزائد مثلاً في ربا الفضل ، الوصف الزائد هو الزيادة الحاصلة ، هذه الزيادة التي وُجدت في البيع كانت هي سبب النهي، فالنهي متعلق بوصف ملازم للمنهي عنه فيكون هذا العقد عقداً فاسداً باطلاً.
ثم قال المؤلف رحمه الله : ((وترِدُ صيغة الأمر والمراد به الإباحة أو التهديد أو التسوية أو التكوين ))ذكرنا أن الأصل في صيغة الأمر أنها للوجوب وأن الأصل في صيغة النهي أنها للتحريم ما لم تأتِ قرينة وتدل على أن المراد غير الوجوب أو غير التحريم، فيقول مؤلفنا ها هنا :(وترِد صيغة الأمر والمراد به الإباحة )وقد مثَّلنا لذلك في الدرس السابق بقول الله تبارك وتعالى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ }] المائدة/2[ وذكرنا هنا الاصطياد أمرٌ ولكن المراد منه الإباحة وليس الوجوب وبيَّنّا السبب هناك ، وأحياناً ترِد صيغة الأمر للتهديد كما ذكر المؤلف مثاله قول الله تبارك وتعالى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }] فصلت/40[ هذا للتهديد ، وأحياناً للتسوية كقوله تعالى {فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }] الطور/16[ ، وأحياناً للتكوين كقوله تعالى {كُونُواْ قِرَدَةً } ] البقرة/65[ وقوله أيضاً {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً }] الأنبياء/69[ هذا معنى التكوين ، وتأتي أيضاً بمعانٍ أخرى كثيرة تُعرف بالقرائن .
وبهذا نكون قد انتهينا من مباحث الأمر والنهي وهي من أهم مباحث أصول الفقه فنكتفي بهذا القدر في درسنا اليوم ونكمل في الدرس القادم بإذن الله تعالى.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-01-2013, 20:58   #9
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس التاسع من شرح متن الورقات.

المجلس التاسع من شرح متن الورقات

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد،،
فهذا المجلس التاسع من مجالس شرح الورقات
قال المؤلف رحمه الله :((وأما العام :فهو ما عم شيئين فصاعدا. من قوله :عممت زيداً وعَمراً بالعطاء ، وعممت جميع الناس بالعطاء))
باب العام والخاص من المباحث المهمة جداً في علم أصول الفقه فينبغي الاعتناء به كالأمر والنهي الذي تقدم ، هذه مباحث مفيدة ومهمة جداً لكثرة ما تحتاج إليها في فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها ، فبمعرفة هذه الدلالات يتمكن الشخص من فهم النصوص الشرعية .
العام لغة :الشامل لذلك قال المؤلف في تعريف العام اصطلاحا :ما عم شيئين فصاعداً أي ما شمل شيئين فصاعداً وهذا بناءً على أن أقل الجمع اثنان ، قوله :(فصاعداً)أراد به أن يكون الشمول شمولاً عاماً ليس محصوراً ، وقوله :(من قوله :عمَمْتُ زيداً وعَمراً بالعطاء ، وعممت جميع الناس بالعطاء )أي أصل كلمة العام اشتقاقها من اللغة من قولهم :عممتهم بما معي أي شملتهم بالعطاء (هذا الأصل اللغوي للكلمة)واختلف الأصوليون في تعريف العام كاختلافهم في غيره وأقرب الأقوال إلى الصواب وأقلها انتقاداً قولهم :(العام :هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضعٍ واحدٍ دَفعةً بلا حصرٍ)هذا أقرب التعاريف إلى الصواب.
فقولهم :(اللفظ)يؤخذ من هذا أن العموم يؤخذ من اللفظ فيقال :هذا لفظ عام وسيأتي إن شاء الله الكلام عن هذا الموضوع ، فاللفظ نفسه هو الذي يوصف بالعموم فتقول:أكرموا الطلبة ، تقول:(الطلبة)لفظ عام يشمل جميع أفراده ، فإذا وجهت لك أمراً وقلت لك :أكرم الطلبة وذهبتَ وأكرمتَ طالبين أو ثلاثة لا تكون ممتثلاً لأن اللفظ عام ، اللفظ عام إذاً يجب أن تُكرِم جميع الطلبة كي تكون ممتثلاً ، إذاً اللفظ يوصف بأنه عام .
وقوله: (المستغرق لجميع ما يَصلح له)أي يشمل جميع من يدخل في اللفظ كما مثلنا :أكرِم الطلبة ، كلمة الطلبة هذه تشمل كل طالب ، كل طالبٍ يدخل في هذه اللفظة ، (فهو لفظ): (الطلبة)لفظ حرفٌ وصوت (مستغرق لجميع ما يصلح له ):الطلبة لفظٌ ومستغرقٌ لجميع من يصلح أن يوصف بالطلب ، أي يشمل جميع من يدخل في اللفظ فإذا لم يكن شاملاً للجميع لا يكون عاماً كقولك مثلاً :أكرِم بعض الطلبة ، هذا لا يكون عاماً لأن الأمر موجه إلى إكرام البعض لا إكرام الكل ، هذا لا يكون عاماً لأنه غير مستغرق لجميع الطلبة ولكن إذا قلتَ :أكرِم الطلبة ، هذا يكون عاماً لأنه يشمل جميع الطلبة .
وقولهم :(بحسب وضعٍ واحد)أي يجب أن يكون اللفظ موضوعاً عند العرب لمعنىً واحد فالطلبة الآن هذا لفظ موضوع لمعنىً واحد وهو :مَن وُصف بالطلب أو مَن كان طالباً يُطلَق عليه هذا اللفظ ، لكن لفظ العين مثلاً هذا اللفظ موضوع لعدة معاني وليس لمعنىً واحد وإن كان يشمل عندما تقول العين هكذا وإن كان اللفظ يشمل عين الإنسان ويشمل عين الماء ويشمل عين الجاسوس ويشمل عين الذهب إلا أنه الشمول هذا من ناحية أن العرب وضعت هذه اللفظة لعدة معاني لا من ناحية العموم ، فيجب أن يكون اللفظ عند العرب موضوعاً لمعنىً واحد كي يكون عاماً .
وقولهم :(دفعة)أي مرة واحدة وأرادوا بذلك إخراج المطلق فهو لفظ مستغرق ولكن استغراقه بَدلي لا دفعة واحدة تقول :(أكرم طالباً)لاحظ هنا :أكرِم طالباً ، ما قلت أكرم الطلبة فرِّق بين اللفظين ، أكرم طالباً هنا المراد إكرامه من حيث العدد كم واحد ؟ واحد لكن من حيث الوصف هل هذا لواحد معيَّن ؟ لا، فكلُّ مَنْ كان طالباً إذا أكرمت واحداً منهم تكون ممتثلاً فـ زيد وعمرو وبكر وخالد ...إلخ هؤلاء كلهم طلبة ، قَوْلي لك :(أكرِم طالباً )الوصف يشملهم جميعاً لكن الأمر المراد منه أن تكرم واحداً من هؤلاء الطلبة إلا أنه غير معيَّن ، هذا يسمى المطلق أما العام لا ، العام يشمل جميع أفراده ، أكرم الطلبة :أي جميع الطلبة ، اعتق رقبة :كم رقبة المراد ؟ واحدة ، لكن هل هي معيَّنة ؟ لا غير معينة ، أيُّ شخص رقيق عبد أعتَقْتَه امتثلت فهو من حيث الوصف عام ، كلُّ مَنْ كان عبداً يدخل تحت هذا اللفظ (اعتق رقبة)لكن ليس المراد أن تعتق كل من اتصف بهذا الوصف ، لا ، المراد واحد لكنه غير معيَّن ، هذا يسمى مطلقاً أما العام لا ، المراد الجميع كلُّ مَنْ شملهم اللفظ يرادون في الأمر ، فمثل هذا يسمى عاماً وذاك يسمى مطلقاً ، فقولهم هنا :(دفعة)أي مرة واحدة يشملهم الجميع ، الأمر يشمل الجميع مرة واحدة أما ذاك الذي هو المطلق لا ، يشملهم الأمر على وجه البَدَل أي أنك إذا أعتقت واحداً أجزأ عنك ولا يُطلب منك أن تُعتق ثانٍ وثالث ، بينما العام لا ، دَفعة واحدة عموم شمولي استغراق شمولي وليس استغراقاً بَدَلِياً ، هذا معنى قولهم :(دفعة)أرادوا أن يخرجوا المطلق ويفرِّقوا بين العام والمطلق .
وقولهم :(بلا حصر)أخرجوا بذلك ألفاظ العدد مثل عشرة مثلاً محصور بعدد معين عشر أنفار ، هذا لا يسمى عاماً ، الحصر ينافي العموم فإذا قلتُ لك :أكرم عشرةً من الطلبة ، هذا لا يكون عاماً ، لا يكون عاماً حتى أقول لك :أكرم الطلبة لا أَحصُرُهُمْ ، الصورة التي ذكرناها لا تكون عامة لأنها محصورة بعدد معيَّن لا يشمل الجميع ، فالحصر ينافي العموم .
هذا تعريف العام عند الأصوليين.
والتعريف الذي ذكره المؤلف عليه اعتراضات منها :أنه غير مانع لأن لفظ زوج ولفظ شَفْع تدل على اثنين وليست صيغة عموم ، على كلٍ التعريف عليه انتقادات عند الأصوليين والتعريف الراجح هو الذي ذكرناه لكم .
ثم قال المؤلف رحمه الله :((وألفاظه أربعة :الاسم الواحد المعرف باللام (1). واسم الجمع المعرف باللام(2).والأسماء المبهمة كـ (مَنْ)فيمن يعقل ، و(ما)فيما لا يعقل ، و(أي)في الجميع ، و(أين)في المكان ، و(متى)في الزمان ، و(ما)في الاستفهام والجزاء وغيره (3)، و(لا)في النكرات كقوله:لا رجل في الدار(4)))هذه ألفاظ العموم التي ذكرها المؤلف رحمه الله .
للعموم صيغ تدل عليه ، إذا رأيتها في اللفظ أخذتَ منها العموم واستدللت على أن اللفظ عام ، فذكر لنا المؤلف رحمه الله منها أربعاً ، نحن نذكرها كاملة بالتفصيل كي تُحفظ كما أذكرها لكم لأنها مهمة جداً ومن حيث الاستعمال مستعملة بكثرة ، فما هي هذه الصيغ ؟
أولاً :لفظة (كل)و(جميع)و(كافة)و(قاطبة)و(عامة)هذه صيغ عموم تدل على العموم بمادتها ، نفس الكلمة موضوعة للعموم قال الله تبارك وتعالى {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }] القمر/49[ الآن انتبه معي كيف تَستَعمل هذه الألفاظ {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }الآن من الألفاظ التي ذكرناها أيُّ لفظٍ عندنا هاهنا في الآية {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }ذكرنا (كل)و(جميع)و(كافة)و(قاطبة)و(عامة)، معنا لفظ (كل)الشاهد إذاً قوله :(كل شيء){إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }يدخل في ذلك في الآية كل مخلوق ، فكل مخلوق خلقه الله تبارك وتعالى بقدر فـ (كل)هذه من ألفاظ العموم ، وقال سبحانه {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً }] الأعراف/158[ الشاهد قوله :(جميعاً){إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً }هذه لفظة عامة تشمل جميع الناس {يَا أَيُّهَا النَّاسُ }الخطاب للناس {إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً }أيها الناس، الشاهد قوله :إليكم جميعاً ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - مبعوث للناس كلهم ، وقال سبحانه {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ }] سبأ/28[ الشاهد قوله :كافة للناس أي لكل الناس .
هذه الصيغة الأولى من صيغ العموم.
الصيغة الثانية :أسماء الشرط وهي مذكورة في كتب النحو عندما نقول :أسماء الشرط تنتبهون ، للشرط أدوات فيقول العلماء، تجدهم يقولون :أدوات الشرط ، الأدوات تختلف عن الأسماء ، الأدوات تشمل الحروف والأسماء ، تشمل حروف الشرط وأسماء الشرط ، نحن نتكلم عن أسماء الشرط فقط ، أسماء الشرط المذكورة في كتب النحو ومنها:(مَنْ)وهي للعاقل، هذه تفيد العموم كقول الله تعالى{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ }] الجاثية/15[ (مَنْ)هذه شرطية فهي تفيد العموم ، الشاهد قوله{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً }مَنْ تشمل كل من يعقل، فكل من يعقل إذا عمل صالحاً فعمله لنفسه ، هكذا تُفهم الآية ، فكل من يعقل إذا عمل صالحاً فعمله لنفسه ، مَنْ: مِنْ صيغ العموم لأنها من أسماء الشرط .وكذلك (أين)من أسماء الشرط وهي للمكان كقول الله تعالى{فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ }] البقرة/115]الشاهد قوله {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ }هذا عام في المكان لأن (أين)تدل على المكان ، هذا عام في المكان أي كل مكانٍ تتجهون إليه في الصلاة فثم وجه الله .و(ما)فيما لا يعقل، كذلك من أسماء الشرط (ما)وتُستَعمل فيما لا يعقل هذا غالباً كقول الله تبارك وتعالى{مَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ}] البقرة/197[ فهذا يشمل القليل والكثير، والخير مما لا يعقل وهذا يشمل القليل والكثير {مَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ }سواء كان قليلاً أو كان كثيراً .
و(متى)أيضاً من أسماء الشرط وهي للزمان تعُمُّ في الزمان نحو :متى تقُمْ أقُمْ ، أي :في أي وقت تقوم أقوم أنا ، متى تقم أقم تدل على العموم في أي وقت تقوم أقوم أنا فهذا عام يشمل جميع الأوقات .
هذا مثال لأسماء الشرط وأسماء الشرط كلها تفيد العموم بإمكانكم أن تراجعوها مَنْ لا يحفظها يراجعها في أي كتاب من كتب النحو .
ثالثاً :من صيغ العموم أسماء الاستفهام كقوله تعالى {فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ }] الملك/30[ سؤال {فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ }فالسؤال عام يشمل كل من يأتيكم بماء مَعين أي أسأل عن كل من يأتيكم بماء معين ، الجواب معروف الذي يأتينا بالماء المعين هو الله سبحانه وتعالى فقط لكن السؤال عام عن كل من يأتينا بماء معين اسم الاستفهام هو من لفظ عام عن كل من يأتينا بماءٍ معين ، اسم الاستفهام هو :(مَنْ)لفظٌ عام يشمل كل من يعقل أو قُلّ :كل من يعلم بدل من يعقل كي يدخل في ذلك الله سبحانه وتعالى ، فالله سبحانه لا يوصف بأنه يعقل لأنه ما ورد ذلك لا في الكتاب ولا في السنة لذلك عدَل بعض أهل العلم عن كلمة أن (مَنْ)تستعمل فيمن يعقل إلى قولهم :(مَنْ)تستعمل فيمن يعلم ، وكذلك قول الله تبارك وتعالى {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ }] القصص/65[ سؤال عن أي جواب أجابوا به المرسلين أي جواب أجابوا به المرسلين مسئول عنه داخل تحت السؤال فهو عام يشمل جميع الأجوبه ، وكذلك قوله تعالى {أَيْنَ تَذْهَبُونَ }] التكوير/26[ (أين)اسم استفهام يعم فالسؤال عام عن جميع الأماكن التي تذهبون إليها ، فأسماء الاستفهام جميعها للعموم لكن كما نبَّهنا في أسماء الشرط كذلك ننبه في أسماء الاستفهام ، أسماء الاستفهام هي التي تفيد العموم أما حروف الاستفهام كـ (الهمزة)مثلاً و(هل)لا تفيد العموم وإنما الذي يفيد العموم الأسماء فقط أسماء الاستفهام وقولك :أدوات الاستفهام تشمل الأسماء والحروف .
الرابع من صيغ العموم :الأسماء الموصولة كـ (الذي)و(الذين)و (اللاتي)و(ما)و(من)وغيرها كقول الله تبارك وتعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى }] النازعات/26[ الشاهد قوله :(لِمَنْ يَخشى)أصلها (لمنْ يخشى)(مَنْ)هذا هو الشاهد في الموضوع فـ (مَنْ)اسم موصول تفيد العموم تشمل كل من يعقل ، وكقوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }] العنكبوت/69]الشاهد قوله :(والذين)من الأسماء الموصولة ، اسم موصول يعم أيَّ واحدٍ يجاهد في الله فكل من يجاهد في الله سيهديه الله سبله .
خامساً :النكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام الإنكاري وكذلك النكرة في سياق الإثبات للامتنان.
النكرة هي كل اسم شائع في جنسه لا يختص به واحد دون الآخر مثل :(رجل)رجل اسم شائع في جنس الرجال لا يختص به رجل دون رجل يشمل الجميع ، وكذلك فرَس وكتاب كذا يُعرِّفها أهل اللغة ولتقريبها للفهم يقولون :(النكرة :كل ما صَلُح دخول الألف واللام عليه )هذه سهلة كل ما صلح دخول الألف واللام عليه فهو نكرة ، رجل يصلح أن تقول الرجل أم لا يصلح ؟ يصلح، إذاً رجلٌ نكرة، فرس :الفرس إذاً فرس نكرة ، كتاب :الكتاب إذاً كتاب نكرة وهكذا ، هذه النكرة وهي ضد المعرفة ، فرجلٌ كما ذكرنا نكرة وتفصيل النكرة والمعرفة في كتب النحو ، هذه النكرة إذا وقعت في سياق النفي أي إذا وقعت في جملة منفية تفيد العموم ، مثاله قول الله تبارك وتعالى {وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ }] آل عمران/62[ (وما)هذه ما النافية {وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ }أين النكرة الآن ؟ إله ، الله :معرفة بل هي أعرف المعارف لفظ الجلالة ، مِنْ :حرف جر ، ما بقي إلا (إله)طب إله أضف لها ألف ولام (الإله)يصح إذاً فهي نكرة ، (إله)نكرة سبقها نفي (ما){ مَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ }إذاً (إله)هذه نكرة في سياق النفي تعم جميع الآلهة فجميع الآلهة منفية {مَا مِنْ إِلَـهٍ }إلا الله تبارك وتعالى ، ومثال النكرة في سياق النهي قول الله تبارك وتعالى {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً }] النساء/36[ حاولوا معي الآن أن تستخرجوا النكرة من هذه الآية {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً }واعبدوا :فعل ، الله :لفظ الجلالة ، لا :ناهية حرف للنهي ولا تشركوا ينهانا الله عن الشرك ، تشركوا :فعل ، به :جار ومجرور ، شيئاً :اسم ، نكرة أو معرفة ؟ تعالوا نُدخل عليه الألف واللام ، نقول :الشيء ، يصح ؟ نعم يصح ، إذاً فهو نكرة ، أين النهي ؟ ولا تشركوا به شيئا :إذاً شيئاً هذه نكرة في سياق النهي فتفيد العموم أي :لا تجعلوا لله نداً لا صنماً ولا ولياً ولا ملَكاً ولا نبياً ولا أي شيء لأن (شيء)نكرة في سياق النهي فتفيد العموم ، إذاً فلا يجوز أن نجعل لله شريكاً بأي شيء ، لا نجعل شريكا مع الله لا ملك ولا ولي ولا صالح ولا نبي ولا غير ذلك استدلالاً بالعموم الذي في الآية وهو قوله {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً }شيئاً نكرة في سياق النهي تفيد العموم .
ومثال النكرة في سياق الشرط ، الشرط المقصود هنا بالشرط اللغوي الآن لا نتكلم عن الشرح الاصطلاحي الذي تقدم معنا نتكلم عن الشرط اللغوي ومثال النكرة في سياق الشرط قول الله تبارك وتعالى {إِن تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }] الأحزاب/54[ (إن)حرف شرط جازم و(شيئاً)نكرة {إِن تُبْدُوا شَيْئاً }، (شيئاً)نكرة كما تقدم ، فـ (شيئاً)نكرة تَقدَّمها شرط ، فـ (شيئاً)نكرة في سياق الشرط فهي تفيد العموم ، إن تبدوا أي شيء أو تخفوه ، كلمة (شيء)هنا عامة تشمل أي شيء لأنها نكرة في سياق الشرط .
بقيت معنا النكرة في سياق الاستفهام الإنكاري ، ليست النكرة في سياق الاستفهام فقط ، لا ، لا بد أن يكون الاستفهام استفهاماً إنكارياً فقط هو الذي يعم ، مثاله {مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ } ] الأنعام/46[ (مَنْ)هذه استفهامية سؤال ، {مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ }أول الآية {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ }] الأنعام/46[ (مَنْ)اسم استفهام ، (إله): نكرة يصح أن تُدخل عليها الألف واللام تُصبح الإله إذاً فهي نكرة ، (مَنْ إله)فالسؤال عن كل إلهٍ غير الله يأتيكم بالسمع والبصر وما ذُكر في الآية ، فهذا استفهام لكن هل هو استفهام للسؤال للمعرفة ؟ لا ، الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لا أحد يستطيع أن يأتيهم بهذه إن أخذها الله منهم إلا هو سبحانه إذاً فلماذا هذا السؤال ؟ هذا سؤال استفهام إنكاري يُنكر الله سبحانه وتعالى عليهم أن يشركوا به وهو الذي يمدهم بالسمع والبصر ، فالسؤال ليس المراد منه المعرفة ولكن المراد منه الإنكار على المشركين فهو بمعنى قوله :لا إله غير الله يأتيكم به ، نفس المعنى ففرقٌ بين السؤال الذي يُقصد به الإنكار وبين السؤال الذي يُقصد به المعرفة ، السؤال الذي يقصد به الإنكار هذا للإنكار وليس للعلم كأن تأتي وتُكرم شخصاً تعطيه بيتاً وتعطيه سيارة وتزوِّجه وتحسن إليه ، أنت تعلم بأنك فعلت معه هذه الأشياء فيذهب ويشكوك للناس بأنك لم تفعل معه ذلك فتأتي وتقابله تقول له :ألم أزوِّجك ؟ ألم أعطك بيتاً ؟ ألم أطعمك ؟ سؤال كهذا ليس استفهاماً أنت عرف أنك فعلت معه هذا ولكن للإنكار عليه كيف يجحد ما فعلته معه ، هذا الاستفهام الذي يسمى الاستفهام الإنكاري فالنكرة في سياق الاستفهام الإنكاري تفيد العموم .
بقيت آخر شيء مما ذُكر في هذه النقطة :النكرة في سياق الامتنان ، مثالها قول الله تبارك وتعالى {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً }] الفرقان/48[ الشاهد هنا (وأنزلنا من السماء ماءً)ماءً نكرة ، أَدخِل عليها الألف واللام يصح ، الماء ، إذاً فماءً نكرة ،{وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً }، هذه النكرة التي هي الماء جاءت في سياق الامتنان أي ذكر الله ذلك في معرض الامتنان على عباده وتذكيرهم بالنعمة (بنعمته عليهم)فهذه تفيد العموم فيدخل في ذلك كل ماءٍ نزل من السماء فهو طهور ، فالنكرة في سياق الامتنان تفيد العموم ، النكرة في سياق الإثبات للامتنان تفيد العموم .
السادس من صيغ العموم :المعرَّف بالإضافة مفرداً كان أم مجموعاً .المفرد المضاف والجمع المضاف يعُم كقول الله تبارك وتعالى {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ }] المائدة/7[ نعمة :مفرد وليس جمعاً وهو مضاف نعم ، نعمة الله :مضاف ومضاف إليه ، {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ }فبما أنها نعمة مفرد وأضيفت فهي تعم جميع النعم ، أذكروا جميع نعم الله عليكم ، لأن نعمة مفرد مضاف أضيفت إلى لفظ الجلالة فهي عامة تشمل جميع نعم الله تبارك وتعالى ، فأصبحت كلمة نعمة هذه عامة مع أنها هي في الأصل مفردة وهي نكرة لكن لمّا أضيفت أصبحت عامة شاملة واكتسبت التعريف بالإضافة .وكذلك قول الله تبارك وتعالى {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ }] النساء/11[ الشاهد هنا قوله :في أولادكم ، أولادكم هذه أصلها أولاد ثم جاءت الكاف التي هي الضمير ، أولادكم أضيفت إلى الكاف ، أولاد :جمع أضيف للضمير فهو جمع مضاف فيعم جميع الأولاد {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ }فيشمل أولاد المسلمين والكافرين وغيرهم .
السابع من صيغ العموم :المعرف بـ (أل)الاستغراقية مفرداً كان المعرَّف أم مجموعاً ، (أل)الاستغراقية سميت استغراقية لأنها تستغرق جميع الأفراد وعلامة (أل)الاستغراقية أن يحل محلها (كُلّ)نحو :أكرِم الطلبة أي أكرِم كل الطلبة ، يصح أن نقول :أكرِم كل الطلبة ؟ نعم ، إذاً فـ (أل)هنا استغراقية ، ومثل قول الله تبارك وتعالى {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا }] العصر/3/2[ ، (إنَّ الإنسان)هنا فيها ألف ولام ، ضع مكان الألف واللام (كل): إنَّ كلَّ إنسانٍ في خسرٍ إلا الذين آمنوا إذاً فهي تفيد العموم ، (أل)هذه استغراقية ، وكقول الله تبارك وتعالى {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء }] النساء/34[ كل الرجال قوامون على كل امرأة ، هذه هي صيغ العموم وهذا معنى (أل)الاستغراقية .
ذكر المؤلف رحمه الله أربع صيغ من صيغ العموم فقط للتسهيل على المبتدئ والتي ذكرها هي:الاسم الواحد المفرد المعرَّف بالألف واللام وهو داخل في الصيغة السابعة التي ذكرناها وهي المعرف بـ (أل)الاستغراقية .وذكر اسم الجمع المعرف باللام كذلك داخلٌ في المعرف بـ (أل)الاستغراقية .وذكر الأسماء المبهمة ويعني بها الأسماء الموصولة وأسماء الشرط وأسماء الاستفهام والأسماء المبهمة هي التي لا يتبين معناها إلا بغيرها وهي هذه الثلاثة التي ذكرناها لكم الأسماء الموصولة وأسماء الشرط وأسماء الاستفهام .وذكر أنَّ (مَنْ)تُستعمل فيمن يعقل وذكرنا أن بعض الأصوليين يعبر بقوله :فيمن يعلم لأن الله سبحانه وتعالى لا يوصف بالعقل لأنه لم يرِد ذلك لا في الكتاب ولا في السنة وكون (مَن)للعاقل و(ما)لغير العاقل هذا على الغالب .وقال :(و(أي)في الجميع )أي فيما يعقل وفيما لا يعقل تُستعمل في الجميع ، وقوله :(لا في النكرات)أي النكرة في سياق النفي سواء كان النفي بـ لا كما مثَّل به المصنف أو بغيرها.
هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله ونحن ذكرنا صيغ العموم كلها لتتميم الفائدة فلا بد أن تُحفظ هذه الصيغ التي ذكرناها لأهميتها .
نكتفي بهذا القدر
_________________
(1):الاسم الواحد المعرف باللام :هذه الأولى .
(2):اسم الجمع المعرف باللام :هذه الثانية .
(3):الأسماء المبهمة كـ (مَنْ)فيمن يعقل ، و(ما)فيما لا يعقل ، و(أي)في الجميع ، و(أين)في المكان ، و(متى)في الزمان ، و(ما)في الاستفهام والجزاء وغيره :هذه الثالثة .
(4):(لا)في النكرات كقوله:لا رجل في الدار :
هذه الرابعة .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-01-2013, 20:59   #10
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس العاشر من شرح متن الورقات.

المجلس العاشر من شرح متن الورقات


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد،،

فهذا المجلس العاشر من مجالس شرح الورقات

انتهينا في المجلس السابق من صيغ العموم ونكمل في مجلسنا هذا بقية مبحث العموم والخصوص.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (( والعموم من صفات النطق، ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه )).
(العموم من صفات النطق):يُعبِّر الأصوليون عن هذا بقولهم: العموم من عوارض الألفاظ، وأنا أحاول أن أذكر لكم في أثناء الشرح ما هو مشهور عند الأصوليين من العبارات كي تسهل عليكم وتعرفوا معناها إذا مرَّت بكم عند قراءة كتب الأصوليين، (العموم من صفات النطق) الآن هذه مشتهرة عند الأصوليين بقولهم: العموم من عوارض الألفاظ، والمعنى واحد أي أن اللفظ يوصف بالعموم، العموم صفة للَّفظ فيقال: هذا لفظٌ عام، فالعموم يُستفاد من النطق وهو اللفظ، تقول: أكرموا الطلبة، (الطلبة) هذا لفظ عام فهذا اللفظ موصوف بالعموم، فتأخذ العموم من اللفظ، ويريدون بالعوارض الصفات التي تأتي وتزول وهذه الكلمة ستمر بك كثيراً في كتب الأصول وفي كتب العقائد لأن المتكلمين يستعملونها بكثرة، العوارض يعنون بها الصفات التي تأتي وتزول، والأفعال ليس فيها عموم كما يذكر المصنف، لا يقال: هذا فعل عام، مثلاً: سهى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسجد، لا يؤخذ من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا عموماً فلا يقال هذا عام في كل سهو لماذا؟ لأن الأفعال تقع على صفة واحدة فإذا عُرفت هذه الصفة اختص الحكم بها وإن لم تُعرف صار اللفظ مجمَلاً كقولهم: جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر، سافر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجمع، لا يدل على العموم في كل سفرٍ قصيرٍ أو طويل لا، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما سافر جمع، كان في حالة واحدة إما في سفر طويل أو قصير فلا يصح حمله على العموم، والجمع فعلٌ واحد يُحتمل أنه وقع في السفر الطويل ويُحتمل أنه وقع في السفر القصير إذاً ليس بإمكاننا أن نقول هو عام يشمل السفر الطويل والسفر القصير، فاحتمال أن يكون السفر الذي قال فيه الصحابي بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع في السفر احتمال أن يكون هذا السفر سفراً طويلاً واحتمال أن يكون سفراً قصيراً هذا الاحتمال وارد وهذا الاحتمال وارد إذاً الأمر مُجمَل فلا يحمل على العموم.
وقوله: (وما جرى مجراه) كقضايا الأعيان، حُكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لرجلٍ على رجل مثلاً رجل معين على رجل لا يعم كل صورة تقع، مثل: "قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشُّفعة للجار" هذا حديث أبي رافع، هذا اللفظ قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة للجار، هذا اللفظ ليس لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يؤخذ منه عموم لأن أبا رافع عندما حدث بهذا الحديث عمَّم اللفظ مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى لجارٍ معيَّن بالشُّفعة والأحوال تختلف من شخص إلى آخر فلعله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالشفعة للجار لصفة يختص بها هذا الجار، هذا ما ذهب إليه المؤلف وهذا ما علَّل به مَنْ ذهب إلى ما قاله المؤلف رحمه الله، وفي المسألة خلاف والصحيح أن في حكاية الصحابي لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ العموم أنه يدل على العموم، إذا قال الصحابي: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر مثلاً، هذا اللفظ لفظ صحابي وهو لفظ عموم فالغرر يشمل كل غرر، فهل يؤخذ منه العموم ؟ نعم الصحيح أنه يؤخذ منه العموم لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أهل اللسان وهم من أعلم الناس في معاني العموم والخصوص والصحابي عندما يذكر فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعموم يكون قد علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في نهيه أراد العموم، لذلك يُحمل على العموم، لأن الصحابي عدل عارف فلا يروي ما يدل على العموم إلا وهو جازم بالعموم، إذاً فالصحيح أن ما يحكيه الصحابي فعلا للنبي - صلى الله عليه وسلم - بصيغة العموم فهو يدل على العموم هذا هو الراجح.
ثم قال المؤلف رحمه الله : ((والخاص يقابل العام))
الخاص لغة: ضد العام يعني بخلافه، والعام لغة تقدم أنه الشامل لجميع أفراده.
والخاص اصطلاحاً: اللفظ الدال على محصور نحو: أكرِم محمداً أو خالداً أو عمراً، هذا خاص لأنه لفظ دال على محصور بشخص واحد ليس فيه عموم، وكذلك أكرِم عشرةً أو خمسةً، هذا خاصٌ لأنه لفظ دال على محصورٍ بعدد، أو أكرم هذا الرجل، كذلك هذا خاص لأنه لفظ دال على محصورٍ برجل واحد وهو المشار إليه، هذا هو الخاص.
ثم قال رحمه الله : ((والتخصيص تمييز بعض الجملة))
تمييز بعض الجملة بالذكر، التخصيص لغة: هو الإفراد.
وقال المؤلف في تعريف التخصيص اصطلاحاً : تمييز بعض الجملة بالذكر، أي إخراج بعض الأفراد من العموم، ومراده بالتمييز: الإخراج، ومراده بالجملة: ما يتناوله العام، أي إخراج بعض ما يتناوله العام، مثلاً: قلت لك: أكرِم الطلبة، هذا عام، لماذا كان عاماً؟ لوجود الألف واللام في الطلبة التي هي (أل) الاستغراقية، وقد تقدم معنا بأنها من صيغ العموم، طيب قلت لك: أكرم الطلبة إلا زيداً، وزيدٌ طالب، فقولي إلا زيداً هذا تخصيص بعد تعميم، أخرجتُ بعض أفراد العام وهو زيد، فرد من أفراد العام أخرجته ولكنني أخرجته بقولي: إلا زيداً، فهذا تخصيص للعموم. إذاً فالتخصيص:إخراج بعض أفراد العام والتخصيص يرِد على العموم.
قال المؤلف رحمه الله :((وهو ينقسم إلى متصل ومنفصل))
أي المخصِّص الذي فيه التخصيص ينقسم إلى مخصِّص متصل ومخصِّص منفصل، فإما أن يكون المخصص متصلاً بالعام أو منفصلاً عنه.
المتصل:ما لا يستقل بنفسه.
والمنفصل : ما يستقل بنفسه. كقول الله تبارك وتعالى{وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}]العصر/2/1]هذا لفظ عام، الإنسان يشمل كل إنسان، في خسر { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا } ] العصر/3] هذا تخصيص إخراج لبعض الأفراد ، أخرجتُ المؤمنين من عموم لفظ الإنسان { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا } فـ (إلا الذين آمنوا) هذا مخصِّص خصَّص اللفظ العام، وهو مخصص متصل لا يستقل بنفسه فلا تقول في لفظٍ خاص هكذا: إلا الذين آمنوا، لا بد من وجود شيء قبل ذلك، ومثل آية { فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ } ] التوبة/5] هذا لفظ عام يشمل كل مشرك، ولكننا خصَّصناه بمخصِّص منفصل وهي آية مستقلة، آية الجزية، فأخرجنا أهل الذمة الذين يدفعون الجزية من عموم المشركين الذين أُمرنا بقتلهم، بماذا أخرجناهم؟ أخرجنا بآية الجزية التي في سورة التوبة، هذا يسمى مخصِّصاً منفصلاً، منفصل عن اللفظ العام، فجاء في آية مستقلة فهو منفصل أي أنه مستقل بنفسه، وكذلك خصصناه بالأدلة التي تدل على عدم جواز قتل المعاهد كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"مَنْ قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" هذا أيضاً مخصِّص منفصل.
إذاً فالمخصص يكون متصلاً وهو ما لا يستقل بنفسه ويكون منفصلاً وهو ما يستقل بنفسه .
ثم قال رحمه الله: ((فالمتصل:الاستثناء، والشرط، والتقييد بالصفة ))
إذاً عندنا أنواع للمخصص المتصل وأنواع للمخصص المنفصل، الآن بدأ بالمخصص المتصل فقال : الاستثناء، والشرط، والتقييد بالصفة من المخصص المتصل، فبدأ بالقسم الأول.
ثم قال: -بدأ يفصِّل فقال :- ((فالاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في الكلام))
تقول: أكرم الطلبة إلا زيداً، زيدٌ من الطلبة ولو لم تقل إلا زيداً لدخل زيد في الخطاب، دخل في الكلام وكان أحد المأمور بإكرامهم، ولكن جاءت (إلا زيداً) فأخرجته فلولا هذا الاستثناء (إلا زيداً) لدخل زيد في الكلام، هذا معنى التعريف.
ثم قال رحمه الله :(( وإنما يصح بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء ))
عندنا مستثنى ومستثنى منه، ارجع على المثال السابق، أكرم الطلبة إلا زيداً، زيداً: مستثنى استثنيناه، استثنيناه من ماذا؟ من الطلبة، فـ الطلبة: مستثنى منه، طيب قال: الاستثناء يصح بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء يعني يصح الاستثناء إذا قلت له : عليَّ عشرة إلا سبعة ، بقي شيء من المستثنى منه ؟ نعم بقي ثلاث إذاً يصح، تقول له: عليّ عشرة إلا خمسة بقي خمسة يصح، له عليَّ عشرة إلا تسعة بقي شيء؟ نعم بقي واحد إذاً يصح الاستثناء، طيب إذا قلت: له عليَّ عشرة إلا عشرة، بقي شيء؟ لا، إذاً لا يصح لأنه لغو، باطل، كلام فارغ، فهو غير معتبر، إذا قال عند القاضي شخص له عليَّ مئة دينار إلا مئة دينار يُلزمه القاضي بمئة دينار، لماذا؟ لأن المئة دينار هذه التي استثناها لغو لا عبرة بها وقد التزم بوجود مئة دينار عليه، ولا يشترط أن يكون المستثنى أقل من المستثنى منه على الصحيح عند أهل العلم، فيصح أن يستثني حتى لا يبقى إلا واحد، يعني بعضهم قال: إذا قال له : علي عشرة إلا ستة مثلاً قالوا هذا الاستثناء غير صحيح، يقولون: لا يصح الاستثناء إلا إذا كان المستثنى من العشرة أربعة أو خمسة أو ثلاثة أو اثنان أو واحد، يعني أقل من المستثنى منه، لكن هذا القول خطأ، لأن الله سبحانه وتعالى استثنى في كتابه الغاوين من المخلَصين واستثنى الصالحين من الغاوين، والغاوون هم الأكثر إذاً فقد استثنى الله الأكثر من الأقل، إذاً فيصح أن يكون المستثنى أكثر من المستثنى منه، إذاً فيجوز استثناء الأكثر من الأقل. إذاً قول المصنف: (وإنما يصح أن بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء) صحيح لكن هذا الشرط فيما إذا كان الاستثناء من العدد، أما إن كان من صفة فيصح وإن خرج الكل، نحو: أعطِ مَنْ في البيت إلا الأغنياء، فذهبتَ إلى البيت فوجدت أن كل من في البيت من الأغنياء، صح الاستثناء ولم يُعطوا شيئاً فلا تعطي أحداً، وقوله: إلا الأغنياء هنا مستثنى ممن في البيت لكن تَبيَّن أن الذين في البيت كلهم من الأغنياء إذاً استثنيت الكل من الكل هنا لأن الاستثناء استثناء صفة صح.
ثم قال رحمه الله: ((ومن شرطه أن يكون متصلاً بالكلام)) يعني يشترط لصحة الاستثناء أن يكون المستثنى متصلاً بالمستثنى منه، فلا يصح أن تقول: جاء الفقهاء ثم تقول بعد يوم أو يومين مثلاً إلا زيداً وهو واحد من الفقهاء، هذا استثناء حصل فيه فاصل طويل، وقلنا من شرطه أن يكون متصلاً بالكلام فلو قال مثلاً: عَبيدي أحرار ثم دخل في موضوع ثاني وتكلم في قضية أخرى ثم رجع وقال: إلا فلاناً، لا يبالى به، هذا الاستثناء يكون غير معتبر فلا يصح هذا الاستثناء ويُعتق جميع عَبيده، لكن إذا عرض عارض للمتكلم كعطاس مثلاً أو سعال أو شخص قاطعه في مسألة وهو أراد أن يكمل كلامه فهذا كله يُعتبر فيه الاستثناء كقول العباس للنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما كان ينهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قطع شجر الحرم ، قال : إلا الإذخر يا رسول الله ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :" إلا الإذخر " مثل هذا الاستثناء صحيح.
وأيضاً من شرط الاستثناء أن يكون من المتكلم لا من غيره، فمثل هذه الصورة لو قال ابن عباس مثلاً: إلا الإذخر يا رسول الله وسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُعتبر استثناءً من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه ليس من نفس المتكلم، لكن عندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :"إلا الإذخر" أصبح هذا الاستثناء معتبراً لأنه من نفس كلام المتكلم .
ثم قال المؤلف رحمه الله :(( ويجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه ))
هذه المسألة من مسائل النحو، قال ابن الصلاح رحمه الله: ولا تكاد تتعلق بفن الأصول وإنما الكلام في الاستثناء يجر بعضه بعضا ومثَّل لذلك بما يمثل به أهل النحو قال : ومالي إلا آل أحمد شيعة وكذلك يقول الإنسان: ما قام إلا زيداً أحد، أصل الكلام ما قام أحد إلا زيداً لكنه أخَّر المستثنى منه وقدَّم المستثنى، ما لي إلا آل أحمد شيعة، وما قام إلا زيداً أحد.
قال المؤلف رحمه الله: ((ويجوز الاستثناء من الجنس ومن غيره ))
تقول: أكرِم القوم إلا زيداً، وزيد يكون من جنس القوم فهذا الاستثناء هو الأصل ولا إشكال فيه، ولكن الخلاف حصل في الاستثناء من غير الجنس نحو: رأيت الناس إلا الحمير، الآن الحمير من جنس مختلف عن جنس الناس، فهل يصح هذا الاستثناء؟ حصل خلاف بين أهل العلم وهذا الاستثناء يسمى عندهم بالاستثناء المنقطع، المؤلف يقول: هذا الاستثناء جائز وهو الصحيح لأن الله سبحانه وتعالى قال: { فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ } ] الحجر31/30]وإبليس ليس من الملائكة بدليل قول الله تبارك وتعالى { إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } ] الكهف/50]فإبليس ليس من جنس الملائكة ولكنه من جنس الجن، فهذا الاستثناء صحيح ويسمى استثناءً منقطعاً وعلامته أن يحل محل (إلا) (لكن) فتقول مثلا في الآية: فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ لكن إبليس لم يسجد.
ثم قال رحمه الله:((والشرط يجوز أن يتقدم على المشروط ))
ذكر المصنف رحمه الله أن من المخصِّصات المتصلة: الشرط ،الآن انتهى من الاستثناء تقدم أنه قال: المخصص منه ما هو متصل ومنه ما هو منفصل وذكر المتصل وأنه الاستثناء، والشرط، والتقييد بالصفة، ذكر الاستثناء الآن يذكر الشرط، فقال: والشرط يجوز أن يتقدم على المشروط، المراد بالشرط هنا الشرط اللغوي وليس الشرط الاصطلاحي الذي تقدم معكم، الشرط اللغوي الذي يكون بأدوات الشرط (إنْ) الشرطية و(إذا) و(متى) و(أين) وأمثالها والشرط مخصِّص سواء تقدم أو تأخر، مثال المتقدم قوله تعالى في المشركين{ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } ] التوبة/5] العموم جاء في قوله { فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ }جاء متأخر التخصيص جاء في الشرط الذي هو { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } إذا التخصيص تقدم والعموم تأخر، التخصيص بالشرط، إذاً فلا نُخَلِّي سبيل المشركين دائماً على العموم ولكن{ إِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ } نخلي سبيلهم وتقول أيضاً: إن اجتهد الطلبة فأكرمهم، ممكن إذا أردت التقديم والتأخير تقول: أكرم الطلبة إن اجتهدوا، (أكرم الطلبة) :عام ، (إن اجتهدوا) تخصيص بالشرط، فالشرط المتأخر نحو: أكرم الطلبة إن اجتهدوا، فالتخصيص بالشرط يصح سواء كان الشرط متقدماً أو متأخرا.
نكتفي بهذا القدر
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 09:12.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي