Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-01-2013, 21:26   #1
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغات مجالس شرح كتاب رياض الصالحين للنووي.

[المجلس الأول من مجالس شرح رياض الصالحين]


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ؛ أما بعد ؛
فكتاب رياض الصالحين من الكتب العظيمة النافعة ؛ وذلك لما حواه من كتاب وسنة ، فالإمام النووي جمع في كتابه هذا مجموعة من الأحكام والآداب وفضائل الأعمال والترغيب والترهيب من الكتاب والسنة الشيء الذي يحتاجه كل مسلم ، وسماه رياض الصالحين .
والرياض جمع روضة والروضة هي البستان الحسن الذي فيه ماء وثمار يتمتع صاحبها بها ، وما ذكره المصنف في كتابه هو روضة الصالح يتمتع بأدلة الكتاب والسنة ويعيش بين حسنها وجمالها وخيرها وينتفع بها في الدنيا والآخرة .
ولا يتمتع بها إلا الصالحون من عباد الله؛ الذين يهتمون بكتاب الله وبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويهمهم دين الله؛ ويحبون أن يتمسكوا بما أمرهم الله -تبارك وتعلى- به. هذه الروضة يتمتع بها هؤلاء الناس.
الصالح: هو ضد الطالح؛ ضد الفاسد. الصلاح يعرف باتباع كتاب الله؛ وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والفساد: ضده أي عكسه. فهذا الكتاب هو رياض الصالحين بحق.
مؤلفه هو الإمام النووي -رحمه الله- تعالى-، إمام من أئمة الفقه، ومن أئمة الحديث. هو محي الدين أبو زكرياء يحي بن شرف النووي الدمشقي الفقيه.
النووي نسبة إلى نوى؛ وهي قرية من أعمال حوران؛ وحوران هي ما بين درعة وحولها اليوم، ونوى هي تابعة لمحافظة درعة اليوم -تعرفونها- هي في جنوب سوريا على الحدود الأردنية.
فالنووي -رحمه الله- عالم وإمام من أئمة بلاد الشام؛ وبلاد الشام هي سوريا والأردن وفلسطين ولبنان، هذه الأربع على اختلاف يسير في حدودها مع دول مجاورة لها -لا يهم كثيرا-. هذه هي بلاد الشام، أنتجت وأنجبت الكثير من علماء الإسلام، ومن أئمة هذا الدين؛ منهم هذا العالم الجليل الذي ألف هذا الكتاب؛ وهو المشهور بالإمام النووي، له كتب نفيسة وعظيمة يحتاج إليها كل طالب علم؛ بل كل عالم لا يستغني عن كتب هذا الإمام.
مع قلة ما بقي في هذه الدنيا؛ فهو ما عاش إلا خمسٌ وأربعون عاما لكن الله -تبارك وتعلى- بارك له في علمه، وبارك له في كتبه؛ فصار العالم وطالب العلم لا يستغني عن كتب هذا الإمام.
من أعظم كتبه: "المجموع شرح المهذب"؛ وهو كتاب فقهي؛ بما يسمى اليوم بالفقه المقارن.
ومن أعظم كتبه أيضا: "شرح صحيح مسلم"؛ وهو كتاب نفيس معروف مشهور.
ومن كتبه أيضا: "رياض الصالحين"؛ هذا الكتاب الذي اشتهر بين العامة والخاصة.
وكذلك من كتبه النفيسة: "تهذيب الأسماء واللغات"؛ وهو أيضاً مطبوع موجود.
فهذا الإمام إمام كبير؛ عرف بالعلم والزهد والورع، وعرف بالتقوى. كان -رحمه الله- يطلب العلم؛ يدرس في اليوم والواحد إثني عشر كتاباً وفناً على علماء أهل زمانه، حتى نبغ في العلم وألف هذه الكتب النفيسة التي بين أيدينا.
ولد -رحمه الله- سنة إحدى وثلاثين وستمائة؛ أي أنه من علماء القرن السابع. توفي سنة ست وسبعين وستمائة.
كان إماما كبيرا في العلم والزهد كما ذكرنا. ومن نفائس كتبه هذا الكتاب الذي سنبدأ به الآن بإذن الله -تبارك وتعلى-.
نعم تفضل إقرأ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد. قال المؤلف -رحمه الله- وشيخنا والجالسين.
"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار مكور الليل على النهار، تذكرة لؤلي القلوب والأبصار، وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار.
الذي أيقض من خلقه من اصطفاه، فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار وملازمة الاتعاظ والاذكار، ووفقهم للدأب في طاعته، والتأهب لدار القرار، والحذر مما يسخطه ويوجب دار البوار، والمحافظة على ذلك مع تغاير الأحوال والأطوار.
أحمده أبلغ حمدٍ وأزكاه، وأشمَله وأنماه، وأشهد ألا إله إلا الله البر الكريم، الرؤوف الرحيم، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، الهادي إلى صراط مستقيم والداعي إلى دين قويم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين وآل كلٍ وسائر الصالحين، أما بعد".
بدأ المؤلف -رحمه الله- بالحمد والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، بحمد الله أولا ثم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبل ذلك بالبسملة؛ البسلمة تقول "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ أي أبدأ تأليفي أو بسم الله أبدأ تأليفي؛ وبسم الله معناها: أنك تتوكل على الله -تبارك وتعلى-، وتتبرك بذكر اسمه، "بسم الله الرحمن الرحيم".
كان -عليه الصلاة والسلام- يبدأ رسائله بالبسملة؛ فالرسالة التي كان يرسلها كان يبدأها ببسم الله الرحمن الرحيم.
أما الخطب والمحاضرات فكان -صلى الله عليه وسلم- يبدأها بالحمد.
وأيضا بدأ المؤلف -رحمه الله- بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- إستجابة لأمر الله -تبارك وتعلى-؛ لأنه أمر بالصلاة عليه والسلام عليه؛ فصلى عليه ونصلي نحن أيضا عليه ونسلم -صلى الله وسلم عليه-.
والحمد لله: معناه وصف المحمود بالكمال والتعظيم، وصف المحمود بالكمال وذكره بصفاتٍ هي صفات كمال مع المحبة والتعظيم له، فالحمد قريب معناه من معنى الشكر، ونحن مأمورون بحمد الله -تبارك وتعلى- ومتبعون أيضا لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في البدء بالكتب بالحمد، نعم.
"أما بعد، فقد قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ}؛ وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة؛ فإنها دار نفاذ لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام؛ فلهذا كان الأيقاض من أهلها هم العباد، وأعقل الناس فيها هم الزهاد، قال الله تعالى: {نَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [ (24) يونس].
والآيات في هذا المعنى كثيرة ولقد أحسن القائل
إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا.
هذا من دقيق نظر المؤلف -رحمه الله- أنه نبه في هذه المقدمة الآن، على الحكمة التي خلقنا الله -تبارك وتعلى- وأوجدنا في هذه الدنيا لأجلها، فما هي هذه الحكمة؟ هي عبادته -تبارك وتعلى-؛ فقال -جل في علاه- {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} هذه حكمة إيجادك يا عبد الله في هذه الدنيا.
ومن التعاسة بما كان، ومن الحرمان بما كان، أن تصرف نفسك عن هذه الحكمة التي أوجدك الله -تبارك وتعلى- لأجلها في الدنيا، وتصرف نفسك إلى ما يضادها ويخالفها؛ وهي الدنيا.
الدنيا، النظر إليها، والاستمتاع بها، والخوض فيها؛ يؤدي بك إلى ترك الحكمة التي خلقك الله -تبارك وتعلى- لأجلها، فضد عبادة الله -تبارك وتعلى- وطاعته هي الدنيا.
الدنيا هذه هي مزلة القدم؛ هي المضيعة التي تضيعك عن الحكمة التي أوجدك الله -تبارك وتعلى- لأجلها، فركز المؤلف -رحمه الله- على هذه المسألة بالذات؛ لأن أول أمر يجب أن يعلمه المؤمن، أن الله -تبارك وتعلى- ما أوجدك في هذه الدنيا لتلهو وتلعب وتخوض، لا؛ إنما أوجدك في هذه الدنيا لتعبده وحده لا شريك له، ولا تلهو في هذه الدنيا؛ وفي نفس الوقت لا نقول لك أترك الدنيا وكن ملكاً من الملائكة، لا؛ ما أراد الله منا هذا، لو أراد الله منا هذا لجعلنا ملائكة وانتهى الأمر،لا؛ إنما أراد منا أن نأخذ بالأسباب التي تعيننا على طاعة الله -تبارك وتعلى-، والتي توصلنا إلى الدار التي وعدنا الله -تبارك وتعلى- بأن تكون دار خلدٍ لنا، هذا هو الواجب على المسلم؛ فلا يجوز على المسلم أن يركن إلى العبادة ويترك طلب العيش وطلب الرزق مثلا، لا؛ وفي نفس الوقت لا يجوز له أن يترك ما أوجب الله -تبارك وتعلى- عليه من أجل أن يتوسع في هذه الدنيا، لا هكذا ولا هكذا.
تقول للعباد اليوم صلي يا عبد الله، يقول لك يا شيخ مَهُوَ العمل عبادة، لا خطأ؛ العمل عبادة في وقته، والصلاة عبادة في وقتها، وكل شيء أعطاه الله -تبارك وتعلى- قدره؛ فأنت تعمل وعندك مجال للعمل في وقت طويل، ولكن مع ذلك لا تنسى أنك إنما وُجِدْتَ في هذه الدنيا لعبادة الله -تبارك وتعلى-، لا للعمل؛ والعمل إنما هو وسيلة كي تأخذ من هذه الدنيا ما يوصلك إلى الآخرة، فهذا ما أراد المؤلف -رحمه الله- أن ينبه عليه، نعم.

"فإذا كان حالها ما وصفتم، وحالنا وما خلقنا له وما قدمته؛ فحق على المكلف أن يذهب بنفسه مذهب الأخيار، ويسلك مسلك أولي النهى والأبصار، ويتأهب لما أشرتم إليه ويهتم لما نبهت عليه؛ وأصوب طريق له في ذلك، وأرشد ما يسلكه من المسالك؛ التأدب بما صح عن نبينا سيد الأولين والآخرين، وأكرم السابقين واللاحقين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين."
ها هنا المسألة الثانية الآن، بعد أن قرر لك الحكمة التي أوجدك الله -تبارك وتعلى- في هذه الدنيا لأجلها، وأيضا بين لك ما يضادها ويخالفها؛ كي تكون منه على حذر، أراد الآن أن يبين لك كيف تكون عبادة الله -تبارك وتعلى-؛ فذكر هنا أن أصوب طريق لذلك هو التأدب بما صح عن نبينا سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-.
هناك قاعدة معروفة عند علماء الإسلام؛ وهي أن بما أراد الله -تبارك وتعلى- منا أن نعبده؛ ولكي تكون عبادتك يا عبد الله مقبولة عند الله -تبارك وتعلى- يجب أن يتحقق فيها شرطان: إذا اختل شرط من هذين الشرطين ردت عبادتك على وجهك.

الشرط الأول: الذي لابد منه هو إخلاص العبادة لله -تبارك وتعلى-؛ فلا بد أن يكون عملك خالصا لوجهه الكريم؛ لا تطلب منه دنيا، ولا تطلب منه ثناءً من الناس، أو ذِكراً لك من قِبَلِهم، هذا الأمر الأول.
وستأتي أدلته من كلام المصنف -رحمه الله- بما ساقه من أدلة الكتاب والسنة.

أما الأمر الثاني: وهو أن تكون عبادتك على نفس الطريقة التي جاء بها محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ لا أن تعبد الله بهواك، ولا أن تعبد الله برأيك ولا بعقلك، لا؛ إنما عبادة الله يجب أن تكون كما شرعها الله -تبارك وتعلى-.
ودليل هذا الأصل الثاني: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)؛ أي فهو مردود عليه؛ يعني وإن كانت نيتك صالحة لا ينفعك، لابد أن يتحقق شرطان العمل الصالح: وهو أن يكون خالصا لله -تبارك وتعلى-، والشرط الثاني: أن يكون على طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعلى هديه؛ لا أن تعبد الله كما تريد أنت.
فإذا كان العمل غير موافقا لما في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو مردود عليك.
من جميل ما يذكر أحد السلف، هو الفضيل ابن عياض -رحمه الله-، عند قول الله -تبارك وتعلى- {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (الملك)} قال -رحمه الله-:( أخلصه وأصوبه)؛ هذا هو العمل الحسن؛ أخلصه وأصوبه.
قال: (إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً، لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً). قال: (والخالص إذا كان لله -عز وجل-؛ هكذا يكون خالصاًً، والصواب: إذا كان على السنة؛ هكذا يكون صواباً.
قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-، شارح "جامع العلوم والحكم"، قال :( وقد دل على ما قاله الفضيل قول الله -تبارك وتعلى- {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا }.
هما شرطان: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا}؛ لا يكون العمل صالحا إذا لم يكن على السنة {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}؛ يجب أن يكون العمل خالصاً لله -تبارك وتعلى-.
هما شرطان لابد أن تتأكد من وجودهما.
أحكي لكم هذه القصة التي حصلت في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كي تتدبروها جيداً.
جاء ثلاثة نفر إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- فسألوا عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيقول الراوي؛ راوي هذه القصة، "وكأنهم تقالوها" يعني إيش؟ رأوا أن هذه العبادة قليلة، فهم يريدون أن ياتوا بشيء أعظم. قالوا: "فأما النبي لى الله عليه وسلم فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"؛ ولو عمل شيئا قليلا يعني ما في إشكال، يكفيه أما نحن، فلا؛ نحتاج أن نعمل كثيراً. فقال أحدهم "أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الثالث أما أنا فأصوم ولا أفطر".
أنظر إلى هذه العبادات، من رآها هكذا ولا يعرف ماذا أراد الله منا بحق، يقول هذه عبادات يطبع لها كما ظن هؤلاء الثلاثة. فسمع -صلى الله عليه وسلم- ذلك فقال (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا، أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له فمن رغب عن سنتي فليس مني)، هكذا جاء الرد.
إذن العبادة لا يجوز أن تكون بما تهوى وبما تستحسنه أنت بعقلك، لا؛ يجب أن تكون على هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ومن هاهنا جاءت ذم البدعة المُحدث، قال عليه الصلاة والسلام (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار).
ما هي البدعة؟
البدعة: هي عمل تعبدي تتقرب به إلى الله وليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، هذه هي البدعة.
فهي في أمر تعبدي ليس أمراً دنيوياً؛ كل ما هو جديد محدث في الدين وليس في الدنيا؛ الطائرات، السيارات، القطارات، كل ما هو جديد هذا لا يدخل في هذا الأمر، لماذا؟؛ لأن هذه أمور دنيوية ليست تعبدية. الكلام هنا عن التعبد، العبادة، هذه هي البدع؛ أن تعمل عملا لا أصل له لا في الكتاب ولا في السنة.
نتأمل كلام إمامين عظيمين من أئمة الإسلام في هذا الموضوع.
يقول الإمام مالك إبن أنس، إمام دار الهجرة، والإمام المعروف عند الجميع؛ صاحب المذهب المالكي. يقول: "من ابتدع في دين الله بدعة فقد ادعى أن محمدا خان الرسالة".
شوف كيف! إذا أحدثت بدعة جديدة في شرع الله، فقد ادعيت أن محمداً خان الرسالة، ليش من أين جاء هذا؟؛ لأنك تدعي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يبلغ الدين كاملاً وأنت أتيت وأكملت الدين من عندك.
الدين، ما أمات الله -تبارك وتعلى- نبيه حتى أكمله {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } فقد تم الدين.
إذاً أي زيادة فهي مرفوضة غير مقبولة. يجب أن تكون العبادة على نفس ما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- لأنك إذا زدت زيادة؛ كأنك تقول بأن محمد -صلى الله عليه وسلم- لم يبلغها وهذه زيادة من عندك.
ويقول الإمام الشافعي وبها تَكْمَل، يقول :"من استحسن فقد شرع"، يعني أنت لن تخرج من هذين الأمرين إذا أحدثت بدعة جديدة؛ فإما أنك مُشَرعٌ مع الله، والله -سبحانه وتعالى- يقول {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ } الشرع ما أَذِنَ به الله فقط.
أو أنك تدعي أن الله شرعه، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يبلغه، ما عندك مفر من هذين الأمرين. لكن طبعا كثير من الناس من خلال جهلهم يقعون في هذه البدع، لكن غير مريدين لهذا، لكنهم لا يخطر لهم ببال، فينبغي أن يكونوا على حذر من هذه الأمور.
إذن خلاصة هذا الأمر والذي أراد أن ينبه عليه المصنف -رحمه الله- أن العبادات يجب أن تكون على طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى هديه، نعم.
"وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى } وقد صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) وأنه قال: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) وأنه قال: (من دعى إلى هُدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا)، وأنه قال لعلي -رضي الله عنه-: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمر النعَمِ).
فرأيت أن أجمع مختصرا من الأحاديث الصحيحة، مشتملا على ما يكون طريقا لصاحبه إلى الآخرة، ومحصلا لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعا للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين؛ من أحاديث الزهد ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من مقاصد العارفين".
عم، هنا الآن يبين المؤلف -رحمه الله- شرطه في الكتاب، فذكر أنه ألف هذا الكتاب بداية من باب التعاون على البر والتقوى، ومن باب الحرص على أخذ الأجر من وراء من يهتدي بهذا الكتاب وينتفع به؛ فهذا هو السبب الذي دفعه لتأليف هذا الكتاب.
ثم بين شرطه أو طريقته في تأليف هذا الكتاب؛ فألف الكتاب من أحاديث صحيحة فيما يذكر -رحمه الله-، فهي كلها على شرطه في الصحة، نعم.
ثم ذكر أنواع الأحاديث التي يضعها في هذا الكتاب؛ أنها ستشمل أحاديث في الزهد ورياضة النفوس وتهذيب الأخلاق، وأيضا في الأحكام وكل ما يحتاج إليه المسلم الصالح في أمر دينه، نعم.
"وألتزم فيه ألا أذكر فيه إلا حديثا صحيحا من الواضحات، مضافا إلى الكتب الصحيحة المشهورات".
مضافا إلى الكتب الصحيحة المشهورات، أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن نقلها الرواة العدول الثقات، الذين يعتمد عليهم في النقل بسبب عدالتهم في دينهم، وقوة حافظتهم وعلمهم، نقلها -أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-هؤلاء الرواة، ثم جمعها بعضهم من متأخريهم في كتب مصنفة اشتهرت عند أهل العلم، واستفاضت أنها تحمل في طياتها أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-كصحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داوود، وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة، وسنن النسائي ومسند الإمام أحمد، وغيرها من كتب السنة المشهورة المعروفة.
لكن هذه الكتب قد اشتملت على أحاديث منها ما هو صحيح، ومنها ما هو ضعيف، قد أبقى الله -تبارك وتعلى- هذا العلم لعلماء الحديث كي ينالوا من الفضل والشرف ما نال غيرهم؛ فيبحثون في هذه الأحاديث، ويميزون بين صحيحها وسقيمها، ما عدا البخاري ومسلم، فقد اشترطا عندما صنفا هذين الكتابين أن لا يدخلا في كتابيهما إلا حديثا صحيحا.
فما في البخاري وما في مسلم هي أحاديث صحيحة، لا تحتاج أن تسأل عن حالها. إذا قلت لك أخرجه البخاري، خلاص انتهى فهو صحيح، إذا قلت لك أخرجه مسلم، انتهى فهو صحيح، إذا قلنا لك متفق عليه؛ يعني أخرجه البخاري مع مسلم، كلاهما أخرجا الحديث؛ هذا معنى متفق عليه.
فإذا كان الحديث متفقا عليه، فهو صحيح، وإذا هو عند البخاري فهو صحيح، وإذا هو عند مسلم فهو صحيح، وإذا كان خارج هذين الكتابين ينبغي أن تذكر لنا من خرج الحديث، ثم تذكر لنا من صححه من علماء الحديث؛ هكذا يكون عزو الحديث كي تثق به.
ما يأتيك شخص يقول لك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كذا وكذا وتمشي معه، لا؛ تقول له من خرج الحديث؟، وما هو حال الحديث؟ أين مصدره الأساسي؟. كل شيء وله أصل، ائتني بأصله.
عندما تقول قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا وكذا؛ إذن معنى ذلك أن هذا الحديث موجود في أحد كتب الحديث المعروفة، أين هو؟ في مسلم، في البخاري، في أبي داوود، في الترمذي؟...إلخ، بين لي من خرجه؟ إن لم يكن في البخاري ومسلم، لا يلزمك أن تبين لي من صححه من علماء الحديث كي أثق به وآخذ به، نعم.

"وأصدر الأبواب من القرآن العزيز بآياتٍ كريماتٍ، وأوشح ما يحتاج إلى ضبط أو شرح معنى خفي بنفائس من التنبيهات".
يعني ما يكتفي فقط بذكر أحاديث هكذا سرد ويمشي، لا؛ يذكر لك كتبويبات، يذكر لك كآيات قرآنية تدل على نفس ما يدل عليه الأحاديث التي يذكرها في الباب.
ثم لا يخلوا الأمر؛ ربما يحتاج إلى تفسير كلمة أو تبيين معنى؛ فيوشح كتابه ببيان هذا الأمر بعد أن يذكر الآيات والأحاديث، نعم.

"وإذا قلت في آخر حديث متفق عليه؛ فمعناه رواه البخاري ومسلم".
هذا هو، إذا قال في الحديث متفق عليه؛ فمعناه رواه البخاري في صحيحه ورواه مسلم في صحيحه أيضا.
وهذا اصطلاح ليس خاص بالنووي بل هو معروف عند علماء الحديث، إذا قالوا في الحديث متفق عليه؛ يعني أخرجه البخاري ومسلم، نعم.

"وأرجوا إن تم هذا الكتاب أن يكون سائقا للمعتني به إلى الخيرات، حاجزا له عن أنواع القبائح والمهلكات".
إي والله هو كذلك؛ من أخذ بما في هذا الكتاب فقد وفقه الله -تبارك وتعلى-، ما بقي عليك بعد أن جمعه المؤلف -رحمه الله- إلا أن تحفظ وتفهم وتعمل فقط فقد يسر عليك العلم، نعم.

"وأنا سائل أخاً انتفع بشيء منه، أن يدعو لي ولوالدي ومشايخي وسائر أحبابنا والمسلمين أجمعين".
أه، أقل ما يجب علينا تجاه هذا الإمام -رحمه الله-، أن نستجيب لسؤله وطلبه. فقد طلب منا إذا انتفعنا بكتابه هذا، أن ندعو له ولوالديه ولمشايخه ولسائر أحبابه والمسلمين جميعا، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمه وأن يدخله فسيح جناته، وأن يرحم والديه ومشايخه وسائر أحبابه وأن يوفقنا ويرحمنا جميعا، جميع المسلمين، نعم.

"وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم".
هذا كله تسليم لله -تبارك وتعلى- بأن لا شيء يستطيع المرء أن يفعله إلا بتوفيق من الله -تبارك وتعلى-، فهو يطلب التوفيق من ربه -تبارك وتعلى- ونحن كذلك، تفضل أكمل.

"بسم الله الرحمن الرحيم، بَابٌ الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخفية".
نعم، هذا الباب الأول معنى الباب في اللغة: ما يدخل ويخرج منه، كباب هذا المسجد؛ تدخل وتخرج منه.
وهو هنا -المصنف -رحمه الله-، شبه الدخول إلى الخوض في بعض المسائل العلمية المخصوصة بالدخول إلى الأماكن المحسوسة، ثم أثبت لها باباً بذلك فسماه باب؛ وهكذا يفعل العلماء، كل جملة مخصوصة من المسائل العلمية إذا أرادوا أن يفردوها جعلوها باباً مستقلاً؛ أي كأنك تدخل إليها من خلال هذا الباب، هذا معنى الباب.
وأما الإخلاص: فهو بمعنى التنقية والتهذيب والتصفية، هذا من أصل المعنى اللغوي، أصل المعنى اللغوي لكلمة الإخلاص: هو التنقية والتصفية والتهذيب.
وأما من الناحية الشرعية: هو أن ينوي المرء بعبادته وجه الله -تبارك وتعلى- والدار الآخرة فقط؛ لا يعمل العبادة لأجل ثناء الناس عليه، أو أن يمدحوه أو أن يروه؛ ولا يعمل العبادة لأجل دنيا خالصة، لا؛ يعمل العبادة لوجه الله -تبارك وتعلى-، كي يرضى الله -تبارك وتعلى- عنه وكي يثيب عليه، هذا معنى الإخلاص.
فمعنى الإخلاص أن تصفي عبادتك لله وحده لا شريك له، هذا معنى كلمة الإخلاص.
والإخلاص: هو إحضار النية؛ لا بد من أن تستحضر النية.
النية: هي الإرادة والقصد. فلابد عندما تريد أن تعمل عملاً أن تستحضر النية لأجل هذا العمل. أن تجعل هذا العمل لله -تبارك وتعلى- وتستحضر النية في ذلك؛ يعني تكون نيتك وقصدك في العمل هذا وجه الله -تبارك وتعلى- في جميع الأعمال؛ الأعمال كاملة، سواءً كانت هذه الأعمال خفية أو ظاهرة، وأيضا في جميع الأقوال والأحوال، في كل ذلك ينبغي أن تستحضر النية.
فالعمل من غير نية لا يقبل، كما سيأتي في الحديث الذي سيذكره المصنف -رحمه الله-، نعم.

"قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }".
هذه الآية التي استدل بها المصنف -رحمه الله- على وجوب الإخلاص لله -تبارك وتعلى-، قال الله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا}؛ أي أهل الكتاب {لَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}؛ هذا الذي أمروا به، أن يعبدوا الله.
ما هي العبادة: كمال الخضوع مع كمال الحب والتعظيم، كمال الخضوع والتذلل مع كمال الحب والتعظيم هذه هي العبادة.
وهي كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، قال: "هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة"؛ كل ما يحبه الله -تبارك وتعلى- من الأقوال والأعمال هي عبادات؛ فكل ما أمر الله -تبارك وتعلى- به في كتابه أو في سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- فهي عبادة وقربة، فإذا كانت هذه عبادة، فلا يجوز لك أن تصرفها لغير الله -تبارك وتعلى-.
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} مُشْ يعبدوه فقط، بل و {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وأن يخلصوا له العمل، وأن يجعلوا العمل له وحده، وأن لا يشركوا معه فيه غيره، {حُنَفَاء}؛ أي مائلون، مائلون عن الشرك إلى التوحيد؛ لأن الحنيف أصله هو الميل، الحنف أصله هو الميل، و {حُنَفَاء} هو المائلون عن الشرك الفارون منه إلى التوحيد.
{حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} وأمروا أيضا بإقامة الصلاة وبإيتاء الزكاة، قال: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}؛ أي هذا هو الدين المستقيم، الذي لا اعوجاج فيه.
فشاهد الآية قوله {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، نعم.

وقال تعالى {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ } (
الحج 22)".
نعم، هذه الآية {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ }؛ كان كفار قريش إذا ذبحوا الذبائح لآلهتهم، وضعوا عليها من لحوم قرابينهم ومن دمائها؛ وضعوها على الأصنام، فالله -سبحانه وتعالى- يقول هنا لن يصله منكم لحوم الأضاحي هذه، ولا دماؤها؛ ولكن الذي يصله منكم تقوى الله -تبارك وتعلى-، يصله منكم إخلاص العمل لله -تبارك وتعلى-؛ هذا الذي يصله منكم، فلذلك يأمر هاهنا بالحرص على إخلاص العمل لله -تبارك وتعلى-، نعم.

"وقال تعالى {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله}".
فلذلك يجب أن يكون خالصا لله -تبارك وتعلى-؛ ما في صدوركم نياتكم وإراداتكم مقاصدكم، كلها يعلمها الله، سواءٌ أخفيتموها أو أظهرتموها؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- يعلم كل شيء، ما خفي وما أُعلِن.
نعم، فإذن هذه الآيات كلها تدل على وجوب إخلاص العمل لله -تبارك وتعلى-، نعم.

"وعن أمير المؤمنين، أبي حفص عمر ابن الخطاب ابن نفيل ابن عبد العزة ابن رياح ابن عبد الله ابن قرط ابن رزاح ابن عدي ابن كعب ابن لؤي ابن غالب القرشي العدوي -رضي الله عنه- قال: (سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكِحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) متفق على صحته، رواه إماما المحدثين، أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل إبن إبراهيم إبن المغيرة ابن بردزبة الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم ابن الحجاج ابن مسلم القشيري النيسابوري -رضي الله عنهما- في كتابيهما؛ الذين هما أصح الكتب المصنفة.
يبدأ المؤلف -رحمه الله- بذكر صحابي الحديث. والعادة التي ستأتي من تصرف المصنف؛ أنه يقول عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويمضي، لكن هاهنا زاد في الأمر فبين نسب هذا الصحابي الكريم الجليل؛ وأراد من ذلك أن يُُعرِف به، أن يُعرف من هو عمر ابن الخطاب؛ فقال عن أمير المؤمنين؛ أي يقول لك عمر بن الخطاب هو أمير المؤمنين.
أبي حفص هذه كنيته؛ والكنية: هي التي تُصَدر بالأب أو بالأم، فتقول أبو فلان أو أم فلان؛ هذه تسمى كنية.
أما الإسم: فهو الذي يدل على مسمى. تقول محمد وزيد وبكر؛ هذه أسماء.
أما اللقب: فهو ما أشعر بمدح أو ذم. يقال فلان الأعرج؛ هذا يسمى لقباً، محمد غُنْدَر؛ هذا يسمى لقباً. فأي كلمة تضاف إلى الشخص وتشعر بمدحه أو بذمه فهذه تسمى لقباً. هذا الفرق بين الإسم واللقب والكنية.
أبو حفصٍ هذه كنية عمر بن الخطاب أمير المؤمنين. ابن نفيل هذا اسم جده، ابن عبد العزة بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي -رضي الله عنه- فهو من بني عدي، من قريش وهو عدناني؛ فهو يلتقي مع النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والعرب كانت قسمان:
عرب عاربة وعرب مستعربة، وعرب قديمة: وهي العرب البائدة؛ هذه أقوام عاد وغيرهم؛ هؤلاء الذين بادوا وذهبوا.
أما العرب بعد ذلك إما أن يكون الشخص من العرب العاربة أو أن يكون من العرب المستعربة.
العرب العاربة: هم أبناء يَعْرُب.
والعرب المستعربة: هم أبناء إسماعيل عليه السلام.
وهؤلاء عندما جاء إبراهيم بإسماعيل إلى مكة، اختلطوا بقبيلة جرم وتزوجوا منهم، ثم دخل العرب المستعربة في العرب العاربة.
فالعدنانيون من العرب المستعربة، لا من العرب العاربة. والقحطانيون من العرب العاربة، وعمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- من العدنانيين؛ هذا بالنسبة للنسب.
وأما عمر ابن الخطاب فهو مشهور ومعروف؛ عمر ابن الخطاب أمير المؤمنين، وزير النبي -صلى الله عليه وسلم-.
يقول عبد الله ابن عمر -رضي الله عنه- : "كنا نخير على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه فنقول: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت ولا نخير بينهم"، فهذا تخيير في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو إقرار منه -صلى الله عليه وسلم- بأن خير هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق -رضي الله عنه- والفاروق لقبه؛ واللقب هذا جاء من قبل أنه كان يفرق بين الحق والباطل، ونزل القرآن بموافقته في عدة مرات؛ كان يقول أشياء ويقررها وينزل القرآن بما قال عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه-.
وقد شهد له -صلى الله عليه وسلم- بالعلم، وشهد له بالدين، وشهد له بالقوة والثبات وبتسيير أمر المسلمين، وقد حصل ما شهد له به -صلى الله عليه وسلم-. وشهد له بالشهادة وكان كما أخبر -صلى الله عليه وسلم- فمات شهيداً -رضي الله عنه-.
ومناقبه أكثر من أن تحصر وأكثر من أن تذكر، فهي كثيرة جدا؛ ومن أعظمها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد شهد له بالجنة؛ فهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقال -صلى الله عليه وسلم- (دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا، ورأيت جارية أمامه تتوضأ، قال: فأردت أن أدخله قال: فتذكرت غيرة عمر فلم أدخله)، فقال له عمر وبكى، بكى عندما سمع هذا وقال:" يا رسول الله أعليك أغار، أعليك أغار يا رسول الله"، فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن الله قد أعد لعمر ابن الخطاب، قصرا في الجنة.
وقد شهد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- الكثير من المشاهد؛ ومنها بدر وأُحُد، وكذلك بايع تحت الشجرة؛ فهو من المهاجرين الأولين ومن المبايعين تحت الشجرة، وممن حضر غزوة بدر.
وهؤلاء كلهم لهم فضائل ومناقب، عمر له نصيب من كل هذه المناقب والفضائل، نعم.
طيب نكتفي بهذا القدر ونتوقف إلى هنا، إلى الدرس القادم بإذن الله تعالى، سبحانك اللهم وبحمدك وأشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-01-2013, 21:11   #2
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

[المجلس الثاني]


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

فنكمل ما بدأنا به في الدرس الماضي، من باب الإخلاص وإحضار النية، في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخفية.

ذكر المؤلف -رحمه الله- مجموعة من الآيات، تدل على وجوب إخلاص النية لله -تبارك وتعالى-؛ وجوب إخلاص العمل لله -تبارك وتعالى- وإحضار النية؛ أن يكون مقصودك بالعمل هو وجه الله -تبارك وتعالى-، فذكر المؤلف -رحمه الله- مجموعة من الآيات شرحناها في الدرس الماضي. وبدأ -رحمه الله- بذكر أحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تدل على وجوب إخلاص العمل لله -تبارك وتعالى- وإحضار النية عند إرادته.

قال المصنف -رحمه الله-

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد، قال المؤلف -رحمه الله- وشيخنا والحاضرين،

"وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر ابن الخطاب، ابن نفيل ابن عبد العزة ابن رياح ابن عبد الله ابن قرط ابن رزاح ابن عدي ابن كعب ابن لؤي ابن غالب القرشي العدوي -رضي الله عنه- قال: (سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكِحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) متفق على صحته، رواه إماما المحدثين أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل إبن إبراهيم إبن المغيرة ابن بردزبة، الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم ابن الحجاج ابن مسلم القشيري النيسابوري -رضي الله عنهما- في كتابيهما الذين هما أصح الكتب المصنفة.

وعن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة -رضي الله عنها- قالت قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( يغزوا جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض، يخسف بأولهم وآخرهم قالت قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم قال يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم) متفق عليه هذا لفظ البخاري.

حسبك، الآن بدأ المؤلف -رحمه الله- بحديث إنما الأعمال بالنيات، وذكر أنه عن أمير المؤمنين أبي حفص، عمر ابن الخطاب ابن نفيل ابن عبد العزة ابن رياح، ثم ذكر نسبه وأنه قرشي عدوي. وتقدم في الدرس الماضي وذكرنا بعض مناقب هذا الإمام؛ وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.

ثم المؤلف -رحمه الله- يذكر في بداية هذه الأحاديث أسماء الصحابة كاملة؛ على وجه التعريف بهم، ثم بعد ذلك في أثناء الكتاب، لن يعيد التعريف من جديد، سيقتصر بقوله عن عمر ابن الخطاب فقط، ولكن كونه الآن في البداية يذكر النسب كاملا كي يعرف بالصحابي.

فهذا الحديث يرويه عمر ابن الخطاب الصحابي الجليل، قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول (إنما الأعمال بالنيات)؛ أي لا عمل إلا بنية؛ فكلمة إنما هذه تفيد الحصر، فلا عمل إلا بنية، وكما قال أحد العلماء : "لو كلفنا الله -تبارك وتعالى- أن نعمل عملا من غير نية لكلفنا بما لا يطاق" ولا نقدر عليه، فلا يوجد عمل إلا ويكون قد سبقته نية.

(إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى)؛ وكل شخص له من عمله ما نواه؛ فمن نوى القربة لله -تبارك وتعالى- كان عمله قربة وأُجِرَ عليه، ومن نوى بعمله الدنيا فعمله للدنيا.

ثم قال (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكَحها فهجرته إلى ما هاجر إليه). مَثل النبي -صلى الله عليه وسلم- الآن بمثال وهو عمل واحد؛ وهو الهجرة لكن افترقا من حيث النية؛ فقال (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)؛ فمن هاجر حسبة لله -تبارك وتعالى- وقربة إليه فهجرته مقبولة، ويُأجر عليها عند الله -تبارك وتعالى-. أما من هاجر لأجل امرأة يتزوجها، أو لأجل أمر دنيوي آخر؛ فهذا إما أن ينال من أمر الدنيا ما هاجر إليه أو لا يناله. لكن من هاجر يريد وجه الله -تبارك وتعالى- آجره الله -تبارك وتعالى- على نيته وعلى عمله ذاك.

والهجرة في اللغة: بمعنى الترك. وهي في الشرع: بمعنى ترك بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام؛ ترك بلاد الكفر والخروج منها إلى بلاد الإسلام، هذه هي الهجرة.

والهجرة لا تكون فقط من هذا القبيل؛ وأيضا هناك هجرة ثانية: وهي هجرة العمل السيء؛ المهاجر من هاجر ما نهى الله عنه. فهجرة العمل السيء أيضا من الهجرة.

وكذلك الهجرة، هجرة العامل للمنكرات؛ العامل للمنكرات يهجر ويترك ليرتدع، ويترك المنكر الذي هو عليه، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع بعض الصحابة، كما سيأتي إن شاء الله في موضعه.

فقوله هنا (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)؛ أي يكون عمله قربة لله -تبارك وتعالى- باستحضاره النية وإخلاصه العمل لله -تبارك وتعالى- فيقبله الله، أما من هاجر لأجل الدنيا فهذا إما أن ينال ما هاجر إليه في الدنيا، أو لا يناله أصلا.

قال متفق على صحته؛ ذكرنا أن الحديث المتفق عليه معناه أخرجه البخاري في صحيحه، وأخرجه أيضا مسلم في صحيحه.

قال رواه إماما المحدثين؛ أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل ابن إبراهيم ابن المغيرة ابن بردزبة الجعفي البخاري؛ هذا الإمام الأول وهو صاحب صحيح البخاري، وهو إمام من أئمة أهل الحديث وجبل من جبال هذا الشأن.

كان -رحمه الله- إماما كبيراً. انتقى بعض الأحاديث النبوية واشترط أن لا تكون إلا صحيحة، ووضعها في كتابه هذا الذي بين أيدينا، والذي اشتهر عند الناس اليوم بصحيح البخاري. اشترط الصحة. ثم بعد ذلك اطلع عليه العلماء واتفقوا على صحة ما فيه إلا بعض الأحاديث اليسيرة. فكان لهذ الكتاب شأناً عظيما عند المسلمين. فهو أصح كتاب بعد كتاب الله -تبارك وتعالى-، أصح كتاب بعد كتاب الله هو صحيح البخاري هذا. ثم يأتي بعده صحيح مسلم. ومسلم هو مسلم ابن الحجاح ابن مسلم القشيري ذكره المؤلف -رحمه الله- باسمه كاملا كي يعرف به أيضا. النيسابوري نسبة إلى نيسابور وهي بلد في خرسان -رضي الله عنهما- في كتابيهما الذين هما أصح الكتب المصنفة.

فصحيح البخاري، ثم صحيح مسلم من بعده؛ هما أصح كتابين قد جمعت أحاديث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فكل ما في هذين الكتابين اتفق علماء الإسلام على صحته إلا بعض الأحاديث اليسيرة.

ثم ذكر حديث أم المؤمنين، أم عبد الله عائشة -رضي الله عنها-، عائشة بنت أبي بكر الصديق زوج النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الصحابية الفاضلة، الطاهرة المطهرة.

جاءت في مناقبها أحاديث كثيرة؛ منها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل أي الناس أحب إليك فقال عائشة، قال من الرجال قال أبوها قال ثم من قال عمر.

وقال -صلى الله عليه وسلم- فيها: (فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ثم أَخِبَرَ -صلى الله عليه وسلم- أنه أُخْبِرَ أنها زوجته في الدنيا وفي الآخرة.

فلها مناقب كثيرة وعظيمة، وقد نشرت علم النبي -صلى الله عليه وسلم- من بعده. وبرأها الله -تبارك وتعالى- من تهمة الزنى بعد أن رماها به بعض المنافقين في عهده، فبرأها الله -تبارك وتعالى- من هذه التهمة، ونزلت براءتها في كتاب الله -تبارك وتعالى-، فمن رماها بهذه التهمة بعد ذلك؛ فهو مكذب لكتاب الله، مكذب لرب العزة -تبارك وتعالى-، كافر خارج من ملة الإسلام بإجماع علماء الإسلام قاطبة؛ لأنه مكذب لرب العزة -تبارك وتعالى-، الذي برأ هذه المرأة من فوق سبع سماوات، وذكر أنها طاهرة وبريئة مما رماها به المنافقون.

تروي عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الحديث (قالت قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزو جيش الكعبة).

الغزو: هو المسير للقتال. وسبب هذا الغزو من هذا الجيش؛ هو أنه يعوذ عائذ بالبيت. رجل قرشي يعوذ بالبيت؛ أي يلجأ إلى بيت الله الحرام، يلجأ إلى الكعبة هو وجماعة معه قليلون؛ لا عدد كثير، ولا عدة وقوة معهم، فيلجؤون إلى الكعبة، فيخرج هذا الجيش من قِبَلِ المشرق -أي من جهة المشرق- يخرجون كي يغزوا هؤلاء القوم؛ هذا هو سبب غزو هذا الجيش.

قال (يغزو جيش الكعبة) والجيش: هم الجنود؛ أي جماعة الناس الذين جهزوا للقتال. وهذا الجيش هم جماعة رجال مقاتلون من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ أي أنهم مسلمون كما جاء في رواية عند مسلم.

(يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض) أي أنهم إذا وصلوا إلى منطقة واسعة، أرض واسعة هذا معنى البيداء، البيداء: الأرض الواسعة الملساء. فإذا وصلوا إلى البيداء يخسف بأولهم وآخرهم.

الخسف: بمعنى انشقاق الأرض، الأرض تنشق وتبتلعهم بأولهم وآخرهم؛ وكما جاء أيضا في رواية، وأوسطهم كذلك، فتنشق الأرض وتبلعهم جميعاً، ولا تبقي لهم إلا الشريد الذي يخبر عنهم؛ إلا الواحد أو الاثنين يذهبون ويخبرون عن هذا الجيش، أنه حصل فيه ما حصل.

(قالت قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم).

الآن عائشة استشكلت أمراً؛ وهو أن الجيش عندما يسير يكون معه أسواقه، ومعنى الأسواق: هم التجار الذين يسيرون مع الجيش للتجارة؛ هؤلاء يطلبون التجارة ومن ليس منهم؛ وفيهم من ليس منهم.

كما جاء في رواية عند مسلم، فقلنا إن الطريق يجمع الناس قال نعم، فيهم المستبصر: يعني الذي هو عن علم ومعرفة لماذا هو خارج وما الذي يريد أن يفعله؛ فهو خارج للقتال متسبصر واضحة الأمور عنده.

قال والمجبور: أي المكره على الخروج. والمستبين، وفيهم أيضا المار في طريقه مع التجار الذين خرجوا. فهؤلاء كلهم مع الجيش، وعندما يخسف بهم يذهب الجميع. فاستشكلت عائشة ذلك فقال -صلى الله عليه وسلم- (يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم)؛ أي أن الجميع يموت؛ الجميع يذهب في هذا الخسف، ولكنهم يبعثون يوم القيامة على نياتهم.

فمن خرج للقتال حوسب على هذا، ومن خرج وهو مكره فهذا معذور، ومن خرج وهو ابن سبيل يريد أن يقطع طريقه أيضا يحاسب على نيته، فكل واحد له نيته التي يحاسب عليها. والشاهد في هذا الحديث هي هذه الفقرة الأخيرة (ثم يبعثون على نياتهم)؛ أي أن كل شخص وعلى حسب نيته التي نواها.

فقال هذا لفظ البخاري، قال الحافظ ابن حجر "وفي هذا الحديث أن الأعمال تعتبر بنية العامل"، هذا هو الشاهد، أن الأعمال تعتبر بنية العامل. "قال وفيه التحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم لتكثير سوادهم"؛ إي نعم أنظروا الآن هؤلاء أهل الظلم، وخرجوا قتال هؤلاء القوم ظلما وعدواناً؛ لأن هذا الرجل الذي يعوذ بالبيت هو المهدي، الذي يخرج في آخر الزمان. فهؤلاء يخرجون لقتاله ظلما وعدوانا عليه وعلى من معه، فيخسف الله -سبحانه وتعالى- بهم. فهنا من جالس أمثال هؤلاء الظلمة أو ماشاهم في طريق؛ فإن نزل عليهم العذاب فسيكون له نصيب من هذا العذاب.

فالحذر من مجالسة أهل الظلم، وأهل الفساد، وأهل الظغيان؛ هؤلاء لا يجالسون حذرا على نفسك أن يصيبك معهم العذاب، إن نزل بهم عذاب؛ فالعذاب يعم والرحمة تخص. ثم قال -رحمه الله- نعم تفضل.

"وعن عائشة -رضي الله عنها- (قالت قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا) متفق عليه؛ ومعناه لا هجرة من مكة لأنها صارت دار إسلام.

وعن أبي عبد الله جابر ابن عبد الله الأنصاري -رضي الله عنهما- قال: "كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزاةٍ فقال : (إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرة وما قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض، وفي رواية إلا شركوكم في الأجر) رواه مسلم".

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت (قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لا هجرة بعد الفتح) قال المصنف في تفسير هذه الكلمة: لا هجرة من مكة لأنها صارت دار إسلام.

كانوا في السابق بعد أن هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وصارت المدينة دار إسلام أوجب الله -تبارك وتعالى- على من أسلم في مكة أن يهاجر ويخرج إلى المدينة.

كانت الهجرة واجبة لأنهم ما كانوا قادرين على إقامة دين الله -تبارك وتعالى- في مكة. وهكذا الهجرة واجبة في أي مكان إلى يومنا هذا؛ في أي مكان لا يتمكن العبد من إقامة دينه فيه وجب عليه أن يغير ذلك المكان، ويذهب إلى مكان يتمكن من إقامة دينه فيه.

فالهجرة لا تنقطع، الهجرة عموما لا تنقطع، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) أخرجه الترمذي، وهو صحيح؛ فمعنى ذلك أن الهجرة لا تنقطع إلى آخر الزمان. فخروج الشمس من مغربها هذا لا يكون إلا في آخر الزمان، عند انقطاع التوبة وانقطاع أيضا الهجرة في تلك اللحظة، أما قبل ذلك فالهجرة باقية قائمة في أي بلد تكون فيه، ولا تقدر على إقامة دينك، وجب عليك أن تهاجر من تلك البلاد.

فقال هنا (لا هجرة بعد الفتح) أي بعد فتح مكة؛ لأن مكة صارت دار إسلام لا يهاجر منها.

(ولكن جهاد ونية)؛ أي ولكن بقيت مفارقة مكة من أجل الجهاد، وفي سبيل الله، ومن أجل النية الصالحة؛ من طلب علم وجهاد وغير ذلك من الأعمال الصالحات. والشاهد هنا قوله (ولكن جهاد ونية) أي النية الصالحة للعمل الصالح.

قال (وإذا استنفرتم فانفروا)؛ أي أذا طُلِبتم للخروج للجهاد؛ أي إذا طلب منكم إمام المسلمين الخروج للجهاد في سبيل الله، وجب عليكم أن تخرجوا؛ لأن هذا أمر من ولي الأمر الذي أوجب الله -تبارك وتعالى- طاعته، فقال: {وأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} وهذا موضع من المواضع التي يجب فيها الجهاد وجوبا عينيا: إي إذا طلب أو أمر ولي الأمر شخصا بالخروج للجهاد في سبيل الله، وجب عليه أن يلبي وأن يخرج.

قال وعن أبي عبد الله جابر ابن عبد الله الأنصاري أحد صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأجلاء المكثرين من الرواية عنه -صلى الله عليه وسلم-، قال كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزاةٍ: يعني في غزوة؛ وهي غزوة تبوك، فقال (إن في المدينة لرجال ما سرتم مسيرة ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم المرض وفي رواية إلا شركوكم في الأجر) رواه مسلم؛ أي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما خرج غازياً إلى تبوك، خلف وراءه بعض الرجال الذين لم يتمكنوا من الخروج معه؛ حبسهم المرض فما استطاعوا أن يخرجوا، وكانت لهم نية صادقة، وقصد عازم على الخروج مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن ما منعهم من الخروج إلا المرض، هناك مانع منعهم من الخروج.

فهؤلاء لما كانت نيتهم صادقة قال -صلى الله عليه وسلم- (إلا شركوكم في الأجر) فكان لهم الأجر بمجرد النية؛ لأنهم حبسوا بعذرٍ. هذا يدل على أن النية الصالحة والصادقة يؤجر عليها العبد إذا كان نيته صحيحة، وكان قصده وجه الله -تبارك وتعالى-. نعم.

"ورواه البخاري عن أنس رضي الله وأرضاه رجعنا من غزوة تبوك مع النبي -صلى الله عليه وسلم- مع النبي فقال إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا حبسهم العذر".

نعم، هذه رواية جاءت من حديث أنس أنهم رجعوا من غزوة تبوك مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا، الشعب: هو الطريق في الجبل، ولا واديا الوادي معروف إلا وهم معنا بالنية والقصد، فلهم الثواب مثل الذين خرجوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه قال في النهاية حبسهم العذر أي المرض وما شابه. نعم.

وعن أبي يزيد معن ابن يزيد ابن الأخنس -رضي الله عنهم- فهو وأبوه وجده صحابيون، قال كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لك ما نويت يا يزيد ولك ما اخذت يا معن رواه البخاري.

نعم، هذا يزيد أخرج صدقة يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد والظاهر أنه أذن له أن يتصدق بها على محتاج إليها إذناً مطلقاً؛ أي شخص مسكين فقير يأتي إلى المسجد وهو محتاج فقال له أعطه هذه الصدقة فَقَدر الله -تبارك وتعالى- فجاء إبن يزيد فعندما علم يزيد بأن إبنه هو الذي أخرج الصدقة قال له والله ما أردتك ما أراد أن يعطي هذه الصدقة لابنه فذهبا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال -عليه الصلاة والسلام- لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن فهنا الظاهر أن هذه الصدقة صدقة عامة وليست صدقة زكاة لأن الزكاة زكاة المال لا يجوز صرفها للإبن الذي ينفق عليه؛ للإبن الذي يجب على الأب أن ينفق عليه، لأنه إذا صرف زكاة ماله على ابنه الذي ينفق عليه يكون قد حمى ماله من النقص بهذه الزكاة، حفظ ماله من النقص بهذه الزكاة، إذ وفر على نفسه النفقة التي تجب عليه لابنه فأعطاه الزكاة وحفظ ماله بالزكاة هاته التي دفعها. فلا يجب عليه أن يعطي مال الزكاة لمن يجب عليه أن ينفق عليه، فالظاهر أن هذه الصدقة كانت صدقة عامة لذلك قال له النبي -صلى الله عليه وسلم- (لك ما نويت يا يزيد) وأباح لمعن أن يأخذ هذا المال. قال رواه البخاري والشاهد فيه قوله (لك ما نويت يا يزيد). نعم.


"وعن أبي إسحاق سعد ابن أبي وقاص مالك ابن أهيب ابن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب ابن مرة ابن كعق ابن لؤي القرشي الزهري -رضي الله عنه-، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة -رضي الله عنهم-، (قال جاءني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابن لي أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال لا قلت فالشطر يا رسول الله؟ فقال لا قلت فالثلث يا رسول الله؟ قال الثلث والثلث كثير أو كبير إنك إن تدر ورثتك أغنياء خير من أن تدرهم عالة يتكففون الناس. وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فيي إمرأتك. قال: فقلت يا رسول الله أُخُلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تُخَلف حتى ينتفع بك أقوام ويُضَر بك آخرون، اللهم امضٍ لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد ابن خولة يرثي له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن مات بمكة) متفق عليه".

أبو إسحاق سعد ابن أبي وقاص صحابي من العشرة المبشرين بالجنة، ولا يعني ذلك أنه لا يوجد أحد بشر بالجنة إلا هؤلاء العشرة، لا؛ ولكن هؤلاء العشرة هم الذين ذكروا في حديثٍ واحد، (أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة...) إلى آخر العشرة الذين ذكرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وإلا جاءت في أحاديث كثيرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر جماعة أنهم في الجنة منهم: الحسن والحسين وعائشة -رضي الله عنها- وأبو الدحداح وبلال وثابت ابن قيس ابن شماس، وغيرهم من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاء فيهم أنه -صلى الله عليه وسلم- ذكر أنهم من أهل الجنة.

إذن فهؤلاء العشرة هم المذكورون فقط في حديث واحد، وإلا فقد بشر بالجنة أكثر من هؤلاء.

وسعد ابن أبي وقاص له مناقب عظيمة ومآثر، وقد شهد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- الكثير من المشاهد.

"قال جاءني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعودني عام حجة الوداع من وجع إشتد بي" هذا فيه استحباب زيارة المريض، إذ قال (جاءني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعودني) والعيادة هي زيارة المريض. (عام حجة الوداع)؛ هذه عندما حج النبي -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع؛ يعني في آخر عمره -صلى الله عليه وسلم- (من وجع إشتد بي)؛ أي عاده بسبب مرض كان قد ألم به، فقال سعد (يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى)؛ أي كان يظن من نفسه أنه هالك في مرضه ذاك.(وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي) وهو ذو مال يعني: عنده مال كثير وما عنده من الورثة إلا ابنة له. قال (أفأتصدق بثلثي مالي)؛ بالثلثين من مالي، قال له -صلى الله عليه وسلم- (لا قال فالشطر) يعني يتصدق بنصف ماله "فقال لا"، "قال فالثلث" فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- "الثلث والثلث كثير أو كبير إنك إن تدر ورثتك أغنياء خير من أن تدرهم عالة يتكففون الناس"؛ يعني أنه أجاز له أن يتصدق بالثلث لكنه أخبره أيضا أن الثلث كثير؛ ولو أنك تخفظ أقل من الثلث كان أفضل، وبين له العلة في ذلك؛ فقال إنك أن تترك ورثتك الذين يرثونك أغنياء؛ عندهم من المال ما يكفيهم أفضل من أن تتركهم عالة؛ أي فقراء يتكففون الناس؛ أي يمدون أيديهم للناس ويسألونهم. فأن تتركهم أغنياء خير من أن تتركهم على هذا الحال.

"قال وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها"؛ هذا الشاهد من هذا الحديث في هذا الموطن؛ أن الشخص إذا عمل العمل خالصا لوجه الله -تبارك وتعالى- أجره الله -تبارك وتعالى- عليه.

وهنا ذكر له -صلى الله عليه وسلم- هذا الكلام كي يبين له أنه سواء تركت ورثتك أغنياء أو تصدقت بمالك، فأنت مأجور عليه في جميع الأحوال، إن إبتغيت بذلك وجه الله -تبارك وتعالى-.

"قال وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيي إمرأتك" يعني حتى اللقمة ترفعها وتضعها في فمك إمرأتك، تؤجر عليها لكن إذا ابتغيت بذلك وجه الله -تبارك وتعالى-.

فالأعمال المباحة التي نفعلها في حياتنا، إذا ابتغينا في ذلك وجه الله -تبارك وتعالى- ونوينا في ذلك التقَوي على طاعة الله -تبارك وتعالى- فنؤجر على ذلك. وهذه اللقمة التي يضعها في فيي إمرأته يجب عليه أن ينفق على إمرأته؛ فإذا أنفق عليها بنيةٍ واستحضر النية في ذلك أجر على عمله ذلك.

"قال فقلت يا رسول الله أُخَلف بعد أصحابي قال إنك لن تخلف"؛ أخلف بعد أصحابي: بمعنى أترك في مكة وأصحابي يخرجون، فقال له إنك لن تخلف أي سيطول عمرك ولن تموت وتترك في مكة.

"قال إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا إزددت به درجة ورفعة" فهنا بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن العمل الصالح الذي يبتغي به العبد وجه الله يأجر عليه سواء كان في مكة أو في غيرها.

"ولعلك أن تخلف"؛ أي يطول عمرك، "حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللهم أمضٍ لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم"؛ أي لا ترجعهم إلى الخلف، بل أمضِ لهم هجرتهم وأكمل لهم أجرهم، "قال لكن البائس سعد ابن خولة يرثي له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ماث بمكة".

سعد ابن خولة؛ لأنهم كانوا إذا خرجوا من بلاد مهاجرين من أجل الله -تبارك وتعالى- ما كانوا يحبون أن يموتوا في تلك البلاد أو أن يبقوا في تلك البلاد؛ لأنهم تركوها لوجه الله -تبارك وتعالى-، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أيضا نهى أن يبقى المهاجر في المكان الذي هاجر فيه أكثر من ثلاثة أيام بعد أن يقضي غرضه، كما جاء في صحيح مسلم، نعم تفضل.

"وعن أبي هريرة عبد الله ابن صخر -رضي الله عنه- (قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إن الله لا ينظر إلى أجسامك ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه مسلم".

هذا حديث أبو هريرة، أبو هريرة اختلفوا في اسمه اختلافا كثيرا، وما ذكره المؤلف هنا هو أصح الأقوال.

هو عبد الرحمن ابن صخر -رضي الله عنه- وله مناقب عالية، وقد دعى له النبي -صلى الله عليه وسلم- بحفظ حديثه فكان يحفظ أكثر من غيره، لذلك كثرت منه الرواية.

وكان يلازم النبي -صلى الله عليه وسلم- على شبع بطنه، بينما غيره من الصحابة كانوا يعملون؛ منهم من يعمل في مزرعته، ومنهم من يخرج إلى تجارته، أما هو فكان يلازم النبي -صلى الله عليه وسلم- فحفظ الكثير عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان أكثر الصحابة رواية للحديث.

"قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إن الله لا ينظر إلى أجسامك ولا إلى صوركم" لا ينظر إلى أجسامكم من ناحية القوة؛ أهي قوية شديد أم أنها ضعيفة، ولا إلى صوركم؛ لا ينظر إلى هذا جميل أم هذا ليس بجميل، "ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" هذا هو الذي علق الشارع الحكيم عليه العقاب أو الثواب هو ماذا؟ هو القلب والعمل؛ فالقلب فيه النية وإخلاص العمل.

يجب أن يكون لله -تبارك وتعالى- كي يكون قلبك فيه عمل مقبول. قال وأعمالكم أيضا أي أن صلاح القلب وحده لا يكفي، وصلاح عمل الجوارح وحده لا يكفي؛ لابد أن تجمع بين الأمرين؛ بين إخلاص العمل لله -تبارك وتعالى- هذا الأمر الأول والثاني أن يكون عملك موافقا لشريعة الله -تبارك وتعالى- التي جاء بها محمد -صلى الله عليه وسلم-.

وصلاح القلوب لا يمكن أن يوجد مع فساد الأعمال، ولا يمكن أيضا لصلاح الأعمال أن توجد أيضا مع فساد القلوب؛ هما أمران متلازمان لا ينفكان عن بعضهما البثة، كما قال -صلى الله عليه وسلم- (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد)؛ فلا يعملن أحد عملا فاسدا، ثم إذا أنكر عليه قال: والله أنا نيتي لله -سبحانه وتعالى- خالصة وأن قلبي صافي أو ما شابه من الكلام الذي نسمعه من بعض العامة عندما تُذَكره بالله وتأمره بمعروف أو تنهاه عن منكرٍ نهى الشارع عنه، يقول لك يا شيخ والله أنا قلبي صافي والنية صافية ولله الحمد، هذا لا ينفع، لو كان حقيقة قلبك صافياً وعملك خالصاً لله -تبارك وتعالى- لعملت العمل الذي أمرك الله -تبارك وتعالى- به على الوجه الذي أراده الله -سبحانه وتعالى-.

إي نعم؛ فلا يمكن أن يكون عملك فاسداً وما في قلبك صالحاً وصحيحاً لا يمكن هذا؛ عملك الظاهر ومعصيتك لله -تبارك وتعالى- تدل على فساد قلبك لأن الظاهر والباطن متلازمان لا ينفكان البتة.

"وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري -رضي الله عنه- (قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حميلة ويقاتل رياءً أي ذلك في سبيل الله؟ فقال -صلى الله عليه وسلم- من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) متفق عليه".

هذا حديث أبو موسى الأشعري أحد أهل اليمن، صحابي من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. "قال سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية" سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن حال هذا الرجل عند الله -تبارك وتعالى-؛ من يقاتل شجاعة لأجل شجاعته وقوته يحب خوض المعارك ويدخل في القتال، وآخر يقاتل حمية؛ أي أنفة، أنفة وغيرة ومحاماة إما على عشيرته وقومه وقبيلته، أو على موطنه بلده التي هو فيها أو غير ذلك من الأشياء التي تأخذ الإنسان الحمية للقتال عنها، فهذا يقاتل حمية ويقاتل رياءً؛ أي كي يراه الناس ويثنوا عليه خيراً "أي ذلك في سبيل الله؟"؛ يعني أيهم الذي يكون قتاله في سبيل الله ويؤجر عليه؟ فقال -صلى الله عليه وسلم- "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهي في سبيل الله" متفق عليه.

إذن هنا أعطانا النبي -صلى الله عليه وسلم- قاعدة في القتال الذي يكون فيه الشخص مجاهداً في سبيل الله بحق، وإذا مات يموت شهيداً.

القتال الذي علق الشارع جميع الفضائل التي وردت في القتال في سبيل الله -تبارك وتعالى- علقها عليه؛ ما هو؟ القتال لتكون كلمة الله هي العليا. هذا هو الجهاد الشرعي الذي شرعه الله -تبارك وتعالى-.

أما من قاتل حمية لقبيلته أو لجماعته أو لأرضه أو غير ذلك فهذا ليس في سبيل الله في شيء.

أما إذا كان قتاله على الأرض التي هو فيها قتاله لأنها أرض إسلام ويحب أن تبقى بلاد إسلام، والمسلمين الذين فيها، يدافع عن أعراضهم وعن أنفسهم ويحب أن يرفع راية لا إله إلا الله في أرضه فهنا القتال يكون قتالا شرعياً وإلا فلا يكون القتال في سبيل الله.

نكفتي بهذا القدر إن شاء الله وبارك الله فيكم.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-01-2013, 21:14   #3
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

[المجلس الثالث]

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اليوم الدرس الثالث من دروس "شرح رياض الصالحين" وقفنا عند حديث أبي بكرة نفيع إبن الحارث الثقفي، تفضل.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد.
قال المؤلف -رحمه الله- وشيخنا والحاضرين.
"وعن أبي بكرة نفيع إبن الحارث الثقفي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) متفق عليه".
هذا الحديث يبين لنا عِظم هذه الكبيرة؛ التي هي قتل المسلم، فيقول -صلى الله عليه وسلم- "إذا التقى المسلمان بسيفيهما" وليس المراد من ذلك أن يلتقيا المسلمان بسيفيهما فقط؛ وإذا التقيا بمسدسيهما مثلا لا يدخلان، لا؛ المراد من ذلك أنه إذا التقا المسلمان، كل منهما بسلاحه يريد به أن يقتل أخاه المسلم، فهو داخل في هذا الحديث.
قال "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" فكلاهما في نار جهنم -أعاذنا الله وإياكم منها- ما هو السبب؟ يقول أبو بكرة ها هنا بعد أن سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول هذا الحديث "قلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول" قال هذا القاتل عرفنا ذنبه أنه قتل أخاه واضح، لكن المقتول قتل ويدخل النار أيضا! فقال -صلى الله عليه وسلم- "إنه كان حريصا على قتل صاحبه"؛ أي أنه لم يمنعه من القتل إلا عدم القدرة؛ لو تمكن وغلب صاحبه لكان هو القاتل وذاك المقتول؛ إذن لا فرق بينهما البثة.
فالشاهد من هذا الحديث أنه دخل النار بماذا؟ بنيته وقصده، وبداية العمل الذي أراد أن يعمله، ولكن ما منعه من أن يعمل هذا العمل إلا عدم قدرته عليه فقط. فلذلك يشترك في الإثم الذي يكون حريصا على الفعل، ويحاول فعله، ولكنه لا يقدر عليه، أو قدر عليه؛ كلاهما يشتركان في هذا الإثم.
وقتل المسلم كبيرة من كبائر الذنوب، وعظيمة من عظائمه؛ قال تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} أنظر أربع، أربعة من أنواع العذاب أعدها الله -تبارك وتعالى- لمن قتل مؤمناً متعمدا.
هذه الحالة هي الأصل عندنا؛ أن المسلم لا يجوز له أن يقتل مسلما مهما كانت الذرائع، فلذلك يحرم على الشخص أن يدخل في فتنة تؤدي به إلى قتل المسلم، أو يكون سبباً في قتال المسلمين بعضهم في بعض.
فأي فتنة تؤدي إلى ذلك فابتعد عنها، خير لك من أن تقع في هذا المحضور، الذي نبه عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه حالة.
حالة أخرى يجوز فيها أن تقتل المسلم؛ ما هي؟ جاء رجل وقال للنبي -صلى الله عليه وسلم- (يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال له -صلى الله عليه وسلم- قاتله، قال له فإن قتلني قال فأنت شهيد، قال فإن قتلته قال فهو في النار)؛ فهنا أجاز النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلم أن يدافع عن ماله، بل وأجاز له أن يدافع عن دمه، وعن عرضه.
فقد جاء في الحديث الآخر الذي أخرجه أبو داوود وغيره، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله- قال: (من قُتل دون ماله فهو شهيد) ماذا يعني؟ يعني: من قُتل وهو يدافع عن ماله فهو شهيد، (ومن قُتل دون أهله فهو شهيد)، ومن قتل وهو يدافع عن أهله؛ يدافع عن عرضه، قال: (أو دون ماله أو دون دمه أو دون دينه، فهو شهيد).

إذن فمن قتل وهو يدافع عن نفسه؛ سواءً كان يدافع عن دمه، أو يدافع عن ماله، أو يدافع عن أهله، فهو شهيد. إذن فيجوز لك أن تقاتل المسلم إذا أراد منك شيئاً من هذه المذكورات؛ لأنه ظالم، جاء ليعتدي عليك.
فالظالم هذا إذا لم يؤخذ على يده ولم يوضع له حد؛ صارت الدنيا ماذا؟ فوضى، عمت الفوضى وتسلط الظلمة على رقاب أهل الحق وأهل الخير، فلذلك لابد من منعهم وردعهم. هذه حالة يجوز فيها للمسلم أن يقتل المسلم. لكن هذا قتل ضرورة فقط، أما إذا استطعت أن تدفعه بأقل من القتل فهو الواجب.
أما مقاتلة المسلم فالأصل فيها التحريم كذلك، لكن إذا وجدت طائفتان من المسلمين، إقتتلتا، وكان ولي الأمر أو غيره من المسلمين الذين لهم قوة وشوكة؛ قادرين على حل هذا النزاع بين هاتين القبيلتين، فالواجب عليهم أن يصلحوا بين هاتين الفئتين؛ فإن أصلحوا فالحمد لله، فإن بغت إحداهما على الآخرى وجب قتال الباغية، لكن القتال لا يعني أنه يجوز قتل كل هذه الفئة، لا، قال الله -تبارك وتعالى- في كتابة الكريم: {حتى تفيء إلى أمر الله}تقاتل فقط قتال ضرورة من أجل أن نردها إلى الحق، فمتى رجعت إلى الحق وفاءت، فعندئذ يقف القتال.
فدم المسلم الأصل فيه التحريم؛ حرم الله -تبارك وتعالى- دم المسلم على المسلم، وقال -صلى الله عليه وسلم- (سِبَابُ المسلم فسوق وقتاله كفر)؛ إذن الأصل عندنا عدم جواز قتال ولا قتل المسلم إلا باستثناءات كما ذكرنا.
وكذلك إذا وجدت طائفة لها شوكة، وامتنعت من أداء شعيرة من شعائر الإسلام، وجب على ولي الأمر أن يقاتل هذه الطائفة حتى يردها إلى الحق، وحتى تعمل بشعيرة الإسلام؛ كما فعل أبو بكر الصديق عندما منعت طائفة من الناس إعطاء الزكاة؛ إخراج الزكاة، قال "والله لو منعوني عقالاً لقاتلتهم عليه، إنما الزكاة مثل الصدقة" فقاتلهم عليه حتى ردهم إلى شرع الله وحكم. ثم بعد أن يردوا ينتهي القتال عند هذا الحد. لكن نبقى نرجع إلى الأصل؛ وهو أن الأصل عندنا تحريم دم المسلم وتحريم قتال المسلمين.نعم.

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاة الرجل في سوقه وبيته بضعا وعشرين درجة، وذلك لأن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لايريد إلا الصلاة، لاينهزه إلا الصلاة، لم يخطوا خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه ما لم يوذِ فيه ما لم يحدث) متفق عليه وهذا لفظ مسلم وقوله -صلى الله عليه وسلم- ينهزه هو بفتح الياء والهاء وبالزاي أي يخرجه وينهضه"

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا وإياكم ممن ينال هذه الفضيلة المذكورة في هذا الحديث.
هذا الحديث، يذكر لنا فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فضيلة عظيمة من الفضائل التي تفضل الله -سبحانه وتعالى- بها على هذه الأمة؛ قال: (صلاة الرجل في جماعة، تزيد على صلاته في سوقه وفي بيته بضعا وعشرين درجة)؛ أي أن الشخص إذا صلى صلاة منفردا، وآخر صلى نفس الصلاة في جماعة، فذاك الذي صلى في جماعة أخذ من الأجر زيادة على الذي صلى منفردا، خمسا وعشرين درجة؛ هذه فضيلة صلاة الجماعة، وهذا يدل على وجود فضيلة لصلاة المنفرد، كما جاء في رواية أخرى، (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) فيدل على وجود أصل الفضيلة لمن صلى الصلاة منفرداً، لكن ينبغي للمسلم أن يكون حريصا على أداء صلاة الجماعة؛ بل صلاة الجماعة في المسجد واجبة على من سمع النداء، لماذا؟ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- هم أن يُحَرق بيوت أقوامٍ كانوا يتخلفون عن صلاة الجماعة، ما منعه من التحريق إلا وجود النساء والأطفال في البيوت، فقط، هذا دليل على أنهم يرتكبون إثما عظيما وذنباً كبيرا؛ في التخلف عن الصلاة؛ صلاة الجماعة، وصلاتهم في بيوتهم مع عدم وجود عذر لهم في ترك صلاة الجماعة. هذا يدل على أن صلاة الجماعة في المسجد واجبة.

وجاء أعمى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- واستأذنه في ترك صلاة الجماعة نظراً لحالته، فقال له -صلى الله عليه وسلم- (أتسمع النداء قال نعم قال إذن فأجب).
إذن الحكم معلق بماذا؟ بسماع النداء، فمن سمع النداء وجب عليه أن يصلي صلاة الجماعة في المسجد؛ إلا من عذر من كان مريضاً؛ هذا معذور فله أن يصلي في البيت، من أكل ثوماً أو بصلاً أو شيئا له رائحة كريهة، فله أن يصلي في البيت كذلك، نعم.
فهنا يقول "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعا وعشرين درجة وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد، لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة "،هذه الكلمة الآن "لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة" هي شاهد المصنف؛ هي الشاهد الذي ساق المؤلف -رحمه الله- الحديث في هذا الموطن لأجلها، أي أن الرجل ما أراد من ذلك إلا أن يصلي إرضاءً لله -تبارك وتعالى-، فكانت نيته في العمل وجه الله -تبارك وتعالى- لذلك أخذ الأجر على ما عمل، فقال "لا يريد إلا الصلاة"؛ فمن جاء إلى المسجد لأن بينه وبين شخص مثلا موعد في المسجد، هذا لا يحصل على هذا الفضيلة؛ يحصل على الفضيلة من توضأ في بيته وجاء إلى المسجد وجلس ينتظر الصلاة لأجل الصلاة، هذا الذي يحصل على الفضيلة.
قال "وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد" توضأ أين؟ في بيته ثم جاء إلى المسجد؛ في بيته أو في سوقه أو في المكان الذي كان فيه، "ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة" نيته هي الصلاة فقط "لا ينهزه إلا الصلاة" أي لا يخرجه إلا الصلاة.
"لم يخطو خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد" شوف هذه الفضيلة العظيمة، في كل خطوة ترتفع درجة وتنخفظ عنك سيئة من السيئات؛ وكم يعمل الإنسان من سيئات في حياته، أنظر هذه الفضيلة من الله -تبارك وتعالى-، تكفر البلايا كثيرة جداً فلماذا نفرط فيها.
قال "فإذا دخل المسجد كان في صلاة ماكانت الصلاة تحبسه" إذا دخل المسجد وجلس ينتظر الصلاة، فهو في صلاة "ما كانت الصلاة تحبسه"، أي إذا كان في المسجد فقط لأنه ينتظر الصلاة، فهو في صلاة ومكتوب له أجر الصلاة.
والملائكة، -إضافة هذه فضيلة إخرى- يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون اللهم ارحمه اللهم اغفر له، اللهم تب عليه" ها هنا أيضا تأتينا فضيلة أن يدخل المرء ويبدأ بالصلاة؛ ما يدخل ويجلس مباشرة كي يأخذ هذه الفضيلة.
الملائكة يصلون على أحدكم يدعون له بالخير، "مادام في مجلسه الذي صلى فيه"؛ إذن تصلي وتجلس في مجلسك وتنتظر الصلاة كي تصلي عليك ملائكة الله -تبارك وتعالى-. "اللهم ارحمه، اللهم اغفر له" فماذا تعني صلاة الملائكة؟؛ تفسرها هذه الكلمات "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه" أي أنهم يدعون لك بالمغفرة وبالرحمة.
فدعوة ملك من الملائكة لاشك أنها تكون مستجابة -إن شاء الله -تبارك وتعالى-.
"ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه" هذا شرط؛ إذا أردت أن تحصل على الفضيلة وأن تصلي عليك الملائكة، فلا تؤذ في مجلسك ولا تحدث.
قيل "لم يؤذ" بنفس منعنى "ما لم يحدث" قيل بأن الجملتين واحدة؛ "ما لم يؤذ فيه" معناها "ما لم يحدث فيه"، هذا قول، بمعنى ما لم ينتقض وضوءه وقيل الأذى: كل ما يؤذي الناس من الغيبة ونحوها؛ أي شيء من معاصي الله -تبارك وتعالى- التي فيها أذية لخلقه، فهذه تبطل تلك المنقبة؛ وهي صلاة الملائكة عليه. على كل "ما لم يحدث" يعني ما لم ينتقض وضوءه.
"ما لم يؤذ فيه" على الخلاف الذي ذكرناه في تفسيرها، فيبتعد المرء عن أي معصية في مجلسه ذاك، كي ينال هذه الفضيلة العظيمة، نعم.

"
وعن أبي العباس عبد الله ابن عباس ابن عبد الله ابن المطلب -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يروي عن ربه -تبارك وتعالى- قال : (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هَم بحسنة فلم يعملها كتبها الله -تبارك وتعالى- عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وأن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة) متفق عليه".

أنظروا هذه الفضائل الكبيرة من رب العزة -تبارك وتعالى-، رحمة منه يعطيك الخيرات والحسنات مضاعفة أضعاف كثيرة، والسيئة إذا عملتها كتبت لك سيئة واحدة، أي رب تريدون أرحم من هذا؛ من رب العزة -تبارك وتعالى-، رب رحيم، كريم يتفضل، وينعم عليكم بشتى أنواع النعم، وخاب وخسر العبد بعد كل هذا التفضل، ويأتي يوم القيامة وميزانه مليء بالسيئات قليلة حسناته فيه.
"قال إن الله كتب الحسنات والسيئات" عنده في اللوح المحفوظ، ثم بعد عمل العبد يكتبها الله -سبحانه وتعالى- بحسب ما تقتضيه حكمته وما يقتضيه عدله، قال -ثم بين ذلك- "فمن هم بحسنة" الهم: ترجيح قصد الفعل؛ أن يترجح عندك في نفسك أنك تريد أن تعمل هذا العمل، هذا معنى الهم.
"فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله -تبارك وتعالى- عنده حسنة كاملة" كأن يهم شخص أن يتصدق بمبلغ من المال، ثم يترك ولا يتصدق يكتب الله -تبارك وتعالى- له حسنة بنيته تلك. وإن هَم بها فعملها كتبها الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة"؛ على حسب الإخلاص الذي في نفسه؛ حسب الإخلاص الذي في قلبه يضاعف العمل، وعلى حسب كماله في متابعة النبي -صلى الله عليه وسلم- كلما كان إخلاصه أعظم ومتابعته للنبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل ،كلما كانت المضاعفة أكثر وأكثر بكثير.
"وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة" شوف كيف العكس الآن، هم بسيئة كتبها له حسنة، لكن بشرط أن يتركها لله -تبارك وتعالى- فإذا تركها لله -تبارك وتعالى- كتبت عند الله حسنة.
"وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة" شوف الحسنة كم تضاعف، وشوف السيئة تكتب واحدة. نعم.

"وعن أبي عبد الرحمن ابن عمر ابن الخطاب -رضي الله عنهما- قال: (سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : إنطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غارٍ فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة، إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم، قال رجل منهم : اللهم كان لي أبواه شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالاً فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أُرِح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقضهما وأن أغبق قبلهما أهلا أومالا فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه. قال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي، وفي رواية كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها على نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها، وفي رواية فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، فتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. وقال الثالث اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد، ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرة منهم الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال يا عبد الله لا تستهزء بي، فقلت لا أستهزء بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون" متفق عليه.

هذا الحديث يبين فضيلة الإخلاص في العمل، وابتغاء وجه الله -تبارك وتعالى- به.
قال "انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم" يعني ذهب ثلاثة رجال؛ إنطلقوا في حاجاتهم، "ممن كان قبلكم" يعني من الأمم الماضية؛ إما من بني إسرائيل أو من غيرهم. "حتى آواهم المبيت إلى غارٍ فدخلوه" الغار: حفرة تكون في الجبال، كبيرة يأوي إليها الناس عند الحاجة، فأظلمت الدنيا وغربت الشمس، وجاء وقت النوم وهم عند هذا الغار فدخلوا فيه ليناموا فيه، وبعد أن دخلوا، قال "فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار"؛ نزلت صخرة بقدرة الله -تبارك وتعالى- وبأمره فأغلقت عليهم باب الغار.
"فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم" خلاص، ما عندهم خلاص؛ لا فيه جرافات ولا فيه خلويات ولا غيره، حتى يسمع الناس ويعرفوا أنه فيه أناس يحتاجون إلى إنقاذ، ما فيه إلا رب العزة -تبارك وتعالى-، فماذا يفعلون؟ لجؤوا إلى الدعاء؛ وهذا سلاح عظيم جداً في يد المؤمن؛ إذا كان صالحاً واحتاجه سيجده في اللحظة التي يريدها فيه.
"قالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم"؛ هذا فيه أنه يجوز للعبد أن يدعو بالعمل الصالح، وأن يتوسل إلى الله بالعمل الصالح؛ اللهم إن كنت فعلت هذا الفعل لوجهك خالصاً فارزقني من فضلك، أو يدعوا بما شاء، فيجوز مثل هذا، ونحن كما قدمنا في الدروس الماضية أن شرع الله -تبارك وتعالى- يشترط فيه شرطان:
* الأول: إخلاص العمل لله -تبارك وتعالى-؛ وأن لا تشرك معه فيه غيره، فالله -سبحانه وتعالى- يقول في الحديث القدسي :(من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه).
*الشرط الثاني: المتابعة؛ العمل إذا لم يكن على هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى طريقته لا يقبل ، إذن لابد أن يكون عندك دليل شرعي في العمل الذي تريد أن تتقرب به إلى الله -تبارك وتعالى-.
ها هنا؛ هذه طريقة من طرق التوسل إلى الله -تبارك وتعالى- بالعمل الصالح، إستدللنا بهذا الحديث عليها وإلا فإنا قلنا الأصل أنه لا يجوز أن تتوسل إلى الله إلا بما شرع الله؛ شرع لنا أن نتوسل بأسمائه وصفاته والأدلة على ذلك كثيرة ، نعم. شرع لنا أن نتوسل إليه بالعمل الصالح، نعم. أما أن تتوسل إليه بجاه الشخص الفلاني أو بعمل الشخص الفلاني فهذا لم يشرعه الله -تبارك وتعالى-؛ فيبقى على التحريم.
فقاعدة عند علماء الإسلام تقول "الأصل في العبادات" ماذا؟ "التحريم" أنه لا يجوز أن تفعلها حتى يأتي دليل شرعي من كتابٍ أو سنةٍ على جوازها، فمثل هذا الحديث يدل على جواز التوسل إلى الله بالعمل الصالح.
نرجع إلى القصة، فقالوا؛ قال رجل منهم؛ الآن بدأ الأول يريد أن يتوسل إلى الله -تبارك وتعالى- بعمل من الأعمال التي عملها في حياته، ووجد أن هذا العمل أخلص عمل كان عنده لله -تبارك وتعالى-، فأراد أن يتوسل إلى الله به، فقال "اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران" أبوان : يعني أم وأب، ولكن هذا من باب التغليب؛ وهي لغة معروفة عند العرب أنهم يغلبون؛ فيأخذون الإسم الأخف الأسهل ويثنونه مع الثاني؛ كما يقولون القمران يعنون بها: الشمس والقمر، والعمران؛ يعنون به: أبو بكر وعمر،وهكذا، هذا يسمى تغليبا عند العرب، قال "اللهم كان لي أبوان" أبوان يعني أب وأم، "شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالاً" لا أغبق : يعني العبوق الذي هو شرب العشي الشرب في الليل؛ هذا الغبوق، فقال "لا أغبق" أي لا أقدم عليهما أحداً في شرب الليل، أول ما أبدأ بأبي وأمي، هذا يتوسل إلى الله بماذا؟ ببر الوالدين؛ يتوسل إلى الله ببر الوالدين، قال "وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً" لا أولاد ولا زوجة، كما يحصل اليوم كثير من الشباب للأسف إذا تزوج يضع أمه وأباه على جانب، وتبقى زوجته هي صاحبة المكانة العلية، هذا نعوذ بالله، نحن لا نقول لك إظلم هذه، ولا في نفس الوقت أن تقصر في أبيك وأمك؛ كل واحد أعطاه الله -تبارك وتعالى- حقه الشرعي، فيجب عليك أن تعدل وأن تنصف في أي شيء.نعم.
فقال هنا "كنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً" المال يعني العبيد والإماء، ما كان يقدم لا عبداً ولا أمةً في شرب العشي هذا.
"فنأى بي طلب الشجر" يعني كان يرعى، الظاهر أنه كان يرعى إبلاً، فذهب يطلب الشجر لهذه الإبل كي تأكل، فابتعد، "فنأى بي طلب الشجر" يعني بسبب أني كنت أطلب الشجر إبتعدت عن ديار أهلي.
قال "فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أًرح" يعني لم أرجع "عليهما حتى ناما" بسبب ذلك إبتعد وهو يطلب الشجر لإبله، وأخذته مسافة بعيدة فما تمكن من الرجوع إلا بعد أن نام أبواه.
قال "فحلبت لهما غبوقهما" حلب لهما شرابهما الذي يشربانه في الليل، "فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً" الآن لا أحب أن يوقظهما من نومهما، ولا أحب أن يقدم عليهما أحداًً، فماذا يفعل؟ قال "فلبثت" يعني مكث مكانه "والقدح على يدي" ماسك القدح في يده وهو ينتظر والديه أن يستيقظا، "أنتظر إستيقاظهما حتى برق الفجر" أي أضاء الفجر، طول الليل كامل وهو ينتظر في والديه "والصبية يتضاغون" أي يصرخون ويبكون، "عند قدمي" أولاده، يعني شوف حتى ما أخذته رقة قلبه على أطفاله، ويشربهما ثم يقول بعدين ندبر لوالدينا، خلاص من بره لوالديه قدمهما.
"فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا" ما كان ينتظر من أبيه أن يعطيه مالاً، ولا أن يسكنه في شقة، ولا أن يزوجه، ولا غير ذلك، إنما فعله لماذا؟ ابتغاء وجه الله فقط، فكان عمله خالصاً لله. هذا الشاهد من الحديث؛ أن العبد يجب أن تكون أعماله خالصة لله، لا يعمل العبد عملا كي يراه الناس؛ بعض الناس للأسف تجده إذا عمل عملاً يأتيك مباشرة، والله أنا عملت هيك وعملت هيك ليه؟ جزاءك تأخذه من الله مش مني! فلا تخبر الناس بما تفعل؛ إذا كان العمل علانية، فخلاص إفعله علانية، وإذا كان خفياً فاتركه خفياً. العمل كلما كان خفياً بينك وبين الله كلما كان أكثر إخلاصاً.
قال "ففرج عنا ما نحن فيه من الصخر، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه" قد استجاب الله له، لكن ما فتح الصخر تماما، بقي يريد الله -سبحانه وتعالى- من الرجلين الآخرين أيضاً أن يتضرعا إليه، وأن يدعواه؛ فالله -سبحانه وتعالى- يحب من العبد أن يدعوه وأن يتضرع إليه وأن يخضع ويذل بين يديه.
"قال الآخر، اللهم إنه كانت لي إبنة عم، كانت أحب الناس إلي، وفي رواية كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء" شهوة يعني "فأردتها على نفسها" أراد أن يزني بها، "فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين" ما أرادت أن تقع معه في الحرام، قال "حتى ألمت بها سنة من السنين" أي أصابتها سنة جذب، فاحتاجت المال، أصابها فقر شديد فاحتاجت المال، "فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار، على أن تخلي بيني وبين نفسها" أعطيتها عشرين ومائة دينار مقابل أن يزني بها فرضيت، وهذا كان من ضعف إيمانها، فلا يجوز لها حتى وإن ابتلاها الله بالفقر والقلة لا يجوز لها أن تسلم هكذا؛ فلو أنها صبرت قليلاً لفرج الله عنها. فلا يجوز للعبد أن يقع في معصية الله بعذر أن الله -سبحانه وتعالى- أفقره، ما من عبدٍِ إلا ويبتلى في حياته الدنيا، مستحيل أن تكون أنت عبداً مؤمناً ولا يأتيك البلاء، {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} لا يمكن هذا {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين}، هذه الدنيا دنيا بلاء؛ إذا ضاقت بك تقول يا شيخ أريد أن أذهب آخذ قرض من البنك، إيش في؟ أريد أن أشتري شقة ما أريد أن أبقى طول حياتي في الإيجار، إبق في الإيجار إيش المشكلة؟ أنت الذي تأتي بالمال؟ ربك الذي يرزقك؛ الإيجار هذا مائة وخمسون دينار تدفعها كل شهر هي ليست رزقتك، إنما تمر بين يديك فقط، إي نعم، فإذا كان هذا ما قدره الله عليك فابق في الإيجار ما المشكلة؟ كثير من الناس بالإيجار يعيشون، فلا تجعل لنفسك أعذاراً واهيةً كي ترتكب محارم الله -تبارك وتعالى-.
قال "فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها" خلص تمكن منها، وفي رواية "فلما قعدت بين رجليها" خلص وصل إلى النهاية، "قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلى بحقه" أي لا تفتض البكارة إلا بحقها؛ يعني إلا بالزواج، لا تزني بها زنى ولكن تزوجها وافعل ما أحله الله لك، قال "فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي" وقعت الكلمة في قلبه عندما قالت له "إتق الله" يعني إجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، واعلم أن ما تريد أن تفعله سيؤدي بنا إلى عذاب الله -تبارك وتعالى-، فتمكنت من قلبه وكان في قلبه خير، فانصرف عنها وتركها لوجه الله -تبارك وتعالى-. قال "فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. "وقال الثالث اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال" أخذ أجراء؛ إستعمل أناساً عنده بأجرة، فكل واحد أخذ أجرته، لما جاء يعطي واحد منهم ما أعجبته الأجرة تركها وذهب، فثمر له هذا المال الذي تركه، اليوم أنت تسعى وراء أجرتك من الناس ولا يكاد الشخص يعطيها لك، يأكلها عليك، فانظر هذا الرجل ماذا فعل ثمر هذه الأجرة عنده ونمت وبارك الله فيها، قال "فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدِ إلي أجري" أعطيني أجري القليل هذا الذي تركته عندك، فقلت "كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق" خيرات، ما الذي منعه من أن يقول له خذ أجرك الذي لك، وهذه كلها لي قال "فقال يا عبد الله لا تستهزء بي" ما صدق الرجل هذا الكلام، "فقلت لا أستهزء بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا" ما قصر الثاني أخذ كل شيء، "اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون" متفق عليه.
فانظروا فضيلة الإخلاص والعمل لله -تبارك وتعالى- هذا أجرهم في الدنيا، وأجرهم في الآخرة -إن شاء الله- يكون أعظم وأكثر.
ونكتفي بهذا القدر.
سبحانك اللهم وبحمد أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-01-2013, 21:07   #4
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

[المجلس الرابع]

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
إنتهينا في الدرس السابق من كتاب "الإخلاص"، وكنا قد ذكرنا في ذاك المجلس ،أن لكل عمل ولكل عبادة من عبادات الله -تبارك وتعالى- التي تعبدنا بها، شرطان:
الشرط الأول: أن يكون العمل خالصا لله -تبارك وتعالى- وأن لا تبتغي بالعبادة التي تتقرب بها إلى الله شيئا من أحدٍ، إلا الأجر والمثوبة من الله -تبارك وتعالى-، فأي عبادة تتقرب بها إلى الله، يجب أن تكون خالصةً له، وأن لا تشرك فيها معه غيره، كما قال رب العزة -تبارك وتعالى- في الحديث القدسي "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"؛ هذا الشرط الأول.
والشرط الثاني : هو أن يكون عملك على طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى هديه؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم- "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"؛ فالعبادة إذا لم تكن على هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- تكون مردودةً على صاحبها، ولا يقبلها الله -تبارك وتعالى-، ويدلنا على ذلك حديث الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول الراوي "كأنهم تقالوها، فقال أحدهم أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الثالث أما أنا فلا أتزوج النساء" يريد أن ينقطع للعبادة، فلما سمع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك قال "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له وأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني" هذا يدلنا على أن العمل يجب أن يكون على نفس ما كان عليه عمل النبي -صلى الله عليه وسلم- وهما شرطان لابد أن يتوفرا في أي عبادة تريد أن تتقرب بها إلى الله -تبارك وتعالى- أن تكون عبادتك خالصة لله -تبارك وتعالى- وينقض ذلك ويضره الشرك بالله؛ ومن الشرك الرياء؛ الرياء: هو أن تعمل العمل وتريد من العباد أن يروك وأن يثنوا عليك فيه، هذا يسمى رياءً وهو مخل بعبادة العبد وبإخلاصه لله. والشرط الثاني: وهو متابعة النبي -صلى الله عليه وسلم- على العمل ويخل بهذا الشرط هو البدعة والإحداث في الدين؛ أن تُحدث في دين الله مال ليس منه وتتعبد لله -تبارك وتعالى- بأمرٍ مُحدثٍ ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعملك هذا لا ينفعك عند الله -تبارك وتعالى-.
طيب، هذا ما قدمناه في الدروس الماضية وذكر المؤلف -رحمه الله- على شرط الإخلاص أدلة من الكتاب والسنة وكنا قد شرحناها وبيناها.
يبدأ اليوم المؤلف -رحمه الله- بباب التوبة.

"قال المؤلف -رحمه الله- باب التوبة، قال العلماء، التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى، لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط:
أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني: أن يندم على فعلها، والثالثُ: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبداً، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كان حد قذفٍ ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كان غِيبة إستحله منها ويجب أن يتوب من جميع الذنوب وإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي، وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة".

هذا الباب عقده المؤلف -رحمه الله- ببيان وجوب التوبة على العباد، "قال التوبة واجبة من كل ذنب"؛ التوبة لغة: هي الرجوع، هذه في لغة العرب، تاب الرجل أي رجع وأما في شرع الله: الرجوع عن معصية الله إلى الطاعة؛ الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وهذه واجبة كما ذكر المؤلف -رحمه الله- أي أنها مُلزمة ولازمة لكل عبد من عباد الله -تبارك وتعالى- وهي واجبة من كل ذنبٍ، دليل وجوبها سيأتي من الأدلة التي سيسوقها المؤلف -رحمه الله-.
والذنب: هو الإثم، فيشتمل على الشرك والمعصية والبدعة، يشمل الشرك والمعصية والبدعة؛ هذه كلها ذنوب ومعاصي، يجب على المرء إن كان قد وقع في شيء منها أن يتوب إلى الله ويرجع إليه ويترك هذا العمل.

قال المؤلف "فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط"؛ الآن بدأ المؤلف -رحمه الله- بذكر شروط التوبة؛ متى تكون توبة العبد مقبولة عند الله -تبارك وتعالى-؟ إذا تحققت هذه الشروط التي سيذكرها المصنف.
المعصية: هي مخالفة الأمر الشرعي، هذا معنى المعصية؛ فإذا كانت مخالفة الأمر الشرعي بين العبد وبين الله تعالى، لا تتعلق بحق آدمي؛ كضرب مثلاً أو شتم أو أخذ مال أو غير ذلك من الحقوق التي هي بين البشر؛ إذا كان الذنب الذي فعلته بينك وبين الله فقط، لا علاقة للعباد فيه، قال هذا له ثلاثة شروط حتى تكون التوبة صحيحة ومقبولة عند الله؛
الأول: أن يقلع عن المعصية؛ أي أن يترك الذنب ولا يبقى عليه.
والثاني : أن يندم على فعلها؛ أي يتحسر ويتأسف على ما فعل من ذنبٍ ويكره ذلك من نفسه ولا يعود إليه.
والثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليه أبداً؛ أي يكون جاداً في عدم العودة إلى الذنب، ولا يتردد في ذلك ويجزم به في قلبه؛ يجزم في قلبه أن لا يعود إلى هذا الذنب. وإن عاد بعد ذلك؛ بعد هذا الجزم وعدم التردد والقطع الحقيقي للذنب، وإن عاد بعد ذلك فله أن يتوب أيضاً؛ لكن عند التوبة لابد أن يكون عازماً وصادقاً في ترك الذنب وعدم العودة إليه، لكن شرطنا هو عند التوبة، وإن حصل منه الرجوع؛ غلبه شيطانه أو حصل معه أي شيء ورجع إلى الذنب تقبل توبته، لكن إذا كان عند التوبة كاذباً وعازماً على العودة، فتوبته لا تنفعه.
قال "فإن فُقِد أحد الثلاثة لم تصح توبته" وهناك أيضا شرطان آخران لابد منهما كي تقبل التوبة، فوق الثلاثة التي ذكرها المؤلف:
الأول : الإخلاص؛ أي أن تكون توبتك لله -تبارك وتعالى-، لا تبتغي بترك الذنب دنيا؛ لا إرضاء فلان ولا تجنباً لسخط فلان؛ وإنما تريد فقط منها وجه الله -تبارك وتعالى- أن يرضى عنك رب العزة وأن يغفر ذنبك، وأن لا يعاقبك عليه، وأن يأجرك على هذه التوبة، إن أردت هذا المعنى فالتوبة صحيحة وإذا لم ترد هذا المعنى فلا تصح منك التوبة.
وأما الشرط الثاني الذي لم يذكره المؤلف -رحمه الله-: أن تكون التوبة في زمن قبولها؛ فإذا كانت خارج زمن القبول فلا تقبل، لأن الله -سبحانه وتعالى- وضع لها زمناً معيناً لقبولها، فإن وُجدت في هذا الزمن قبلت، وإن لم توجد ردت على صاحبها. والوقت الذي تقبل فيه التوبة وقتان: وقت عام للناس جميعاً، ووقت خاص لكل على حسبه.
أما الوقت العام: فهو طلوع الشمس من مغربها، كما قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" إذاً التوبة تبقى مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت إنتهى الأمر لأنه تكون الأمور قد تبينت ويؤمن الناس ولا ينفعهم إيمانهم يومئذٍ؛ لأنهم يعرفون ويستيقنون أن القيامة قد قامت، خلاص إنتهى الأمر وما بقي عليها شيء، فلا ينفعهم إيمانهم عندئذٍ. هذا الوقت الأول وهو الوقت العام.
أما الوقت الآخر؛ الذي هو لكل شخص بحسبه فهو عند الغرغرة؛ تقبل التوبة من العبد ما لم يغرغر؛ يعني ما لم تصل الروح إلى الحلقوم، فإذا وصلت الروح إلى الحلقوم إنتهى الأمر، خلاص لأنه قد عاين وعرف أن الله -سبحانه وتعالى- حق ولا يمكنه بعد ذلك إلا أن يتوب، فتلك التوبة لا تنفعه؛ فإذن التوبة تنفع قبل الغرغرة أما بعد الغرغرة فلا تنفعه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عمر قال "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" أخرجه الترمذي، وقال الله -تبارك وتعالى- : {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} هؤلاء لا تنفعهم التوبة.
هذه هي شروط التوبة، هذا إذا كانت معصيتك بينك وبين الله فقط، أما إذا كان فيها حق من حقوق العباد، فهناك شرط جديد لهذه التوبة، قال المؤلف "وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة هذه الثلاثة"؛ أي التي قدمها "وأن يبرأ من حق صاحبها"؛ أي أن يتخلص من حق صاحبها، "فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه" إذا كان شيئا قد غصبه منه أو سلبه إياه، أو أي حق من الحقوق التي لهذا الشخص عنده يذهب ويرد له حقه "وإن كان حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه" إذا كان حد قذف يعني قذفه بشيء وكان له حق فيه عندئذ يذهب إليه ويمكنه أن يفعل به كما فعل أو أن يعفو عنه، "وإن كان غيبة إستحله منها" إذا كان اغتابه في أحد المجالس وما أكثر ما يقع هذا من الناس، إذا اغتابه في أحد المجالس، فلا تنفعه توبته حتى يذهب إلى هذا الشخص صاحب الحق ويستسمحه من فعله هذا، لكن هذا إذا كان الشخص يعلم أنه قد اغتابه، إذا يعلم المغتاب أنه قد اغتيب فعرف ذاك أنه قد إغتابه فيذهب ويستسمحه إذا أراد أن يتوب، لكن إذا لم يعرف فلا داعي لأن يشحن القلوب بالغيض والحقد والكراهية، فيستغفر الله ويتوب إليه ويدعوا لصاحب الحق بدعاء كثير عسى الله -سبحانه وتعالى- أن يعفو عنه ولا يذهب ويخبره بأنه قد إغتابه بما أنه لم يعرف، ودليل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- "من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو أي شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فيحمل عليه" رواه البخاري في صحيحه، هكذا هي فإما أن تتوب إلى الله وأن تعيد الحقوق إلى أهلها في الدنيا، وإما أن تؤخذ منك يوم القيامة إما من حسناتك وإن لم يكن لك حسنات أُخذ من سيئات الآخر ودفعت عليك. هذه هي شروط التوبة التي ذكرها المصنف -رحمه الله-، ثم قال "فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي"، هذه المسألة محل خلاف؛ هل يجب على من أراد أن يتوب أن يتوب من جميع الذنوب؟ ولا ينفعه أن يتوب من ذنب أو ذنبين، أم أنه يُقبل منه التوبة من ذنب معين، مع بقائه على ذنوب أخرى؟ حصل خلا بين أهل العلم والصحيح رجحه المؤلف -رحمه الله-؛ أنه إذا تاب من ذنبٍ؛ فلنقل بأن الشخص مثلاً يشرب الخمر ويأكل الربا ويسرق، تاب من أكل الربا توبةً صادقة لله -تبارك وتعالى- وبقي على شرب الخمر وعلى السرقة، هل تقبل توبته من أكل الربا أم لا تقبل؟ هذا هو محل الخلاف بين أهل العلم، البعض قال لا يقبل حتى يتوب من جميع ذنوبه، لكن الصحيح أنه تقبل توبته من الربا، ويعذب إذا بقي على شرب الخمر؛ يحاسب على شرب الخمر والسرقة، هذا هو الصحيح الذي ذكره المؤلف -رحمه الله-.
قال -رحمه الله- "وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة"؛ الأدلة الشرعية هي هذه التي ذكره المؤلف، كتاب: يعني قرآن، وسنة: يعني حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وإجماع: إجماع العلماء، إجماع علماء الأمة، إن لم يخالف واحد منهم، وكذلك أيضاً دليل القياس، هذه هي الأدلة الشرعية المعتبرة في الشرع، لإتبات الحكم الشرعي؛ كتاب وسنة وإجماع وقياس.
فوجوب التوبة تبت بالكتاب وبالسنة وبإجماع الأمة؛ أجمع العلماء على وجوب التوبة، وأما أدلة الكتاب والسنة فسيذكرها المؤلف -رحمه الله- الآن.

"قال الله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}، وقال تعالى : {إستغفروا ربكم ثم توبوا إليه}، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً}.
هنا الآن بدأ المؤلف -رحمه الله- بذكر الآيات التي تدل على وجوب التوبة؛ فقال، قال الله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} الشاهد قوله {وتوبوا إلى الله} والتوبة هنا، توبوا هنا أمر، والأمر يقتضي الوجوب إذن فالتوبة واجبة. {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون} الخطاب لجميع المؤمنين بأن يرجعوا إلى الله -تبارك وتعالى- قال {لعلكم تفلحون} الفلاح: كلمة جامعة يحصل بها المطلوب، ويزول لها بها المرغوب، والتوبة من أسباب الفلاح كما بينت هذه الآية. وقال تعالى {إستغفروا ربكم ثم توبوا إليه} الاستغفار: هو طلب المغفرة، وهي ستر الذنب، ومحوه وعدم العقاب عليه؛ فأنت عندما تستغفر تسأل الله تعالى أن يستر ذنبك وأن يتجاوز عنه وألا يعاقبك عليه، قال {إستغفروا ربكم ثم توبوا إليه} فهذا أمر أيضا بالتوبة؛ مما يدل على وجوب التوبة، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً} كذلك ها هنا أمر بالتوبة فقد أمر الله -تبارك وتعالى- بالتوبة في عدة آيات قال {توبة نصوحاً} توبة صادقة؛ التوبة النصوحاً: هي التوبة الصادقة. قال عمر إبن الخطاب: "التوبة النصوح أن يتوب من الذنب فلا يعود إليه"

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" رواه البخاري، وعن الأغر ابن يسار المزني -رضي الله عنه- قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة" رواه مسلم"
هاهنا بدأ المؤلف -رحمه الله- يذكر الأحاديث التي تدل على وجوب التوبة، قال في الأول "عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة"" فهنا النبي -صلى الله عليه وسلم- يؤكد لنا أنه يستغفر الله؛ أي يطلب من الله المغفرة، وأيضاً يتوب إلى الله -تبارك وتعالى- في اليوم أكثر من سبعين مرة، هذا وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فنحن أولى بالاستغفار والتوبة بشكل كثير وكبير، أولى من النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ونحن لم يُغفر لنا، فنحن أولى بالإكثار من الاستغفار والتوبة، والإكثار من الاستغفار والتوبة فيه تأسي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن جاءنا الحث من الله -تبارك وتعالى- على التأسي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- {لقد كان لكن في رسول الله أسوة حسنة} أي تأسوا به وامشوا على طريقته.
قال وعن الأغر إبن يسار المزني -رضي الله عنه- قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة" رواه مسلم، إذن هنا أمر من النبي -صلى الله عليه وسلم- وأيضا بيان لما يفعله هو، فهو أمر يقتضي الوجوب والإلزام، وفيه أيضاً سنة التأسي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فنحن نتوب إلى الله استجابة لهذا الأمر وكي يغفر الله لنا، وأيضا نتوب إلى الله تأسيا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فنأجر على الأمرين.

"وعن أبي حمزة أنس ابن مالك الأنصاري خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -رضي الله عنه- قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة" متفق عليه، وفي رواية لمسلم لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخِطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح""
هذا الحديث يبين لنا عظم التوبة ومكانتها، قال "لله أفرح بتوبة عبده منه أحدكم" للَه، هذه اللام، لام التوكيد؛ يؤكد النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الخبر يؤكد لنا أن الله -سبحانه وتعالى- يفرح بالتوبة أشد من فرح هذه الصورة التي ذكرها هنا، فقال "لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره" أي وقع عليه ووجده "وقد أضله في أرض فلاة" أرض واسعة لا فيها عشب ولا فيها شيء، تصور أنت الآن؛ الصورة التي ستأتي أوضح، قال في رواية لمسلم، "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة" تصوروا الآن رجل كانت معه دابته يمشي بها في رحلة في وسط الصحراء، صحراء قاحلة فارغة ما فيها شيء، فانفلتت منه؛ إنفلتت هذه الدابة، وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فهربت؛ فرت هذه الدابة منه وعليها طعامه وشرابه، وهو في وسط الصحراء، ليس عنده طعام ولا شراب، وذهبت هذه الدابة وأيس أن يجدها، خلاص إنتهى الأمر، يعني هذا قد -شبه-أيقن بالهلاك، "ثم بعد ذلك أتى شجرة فاضطجع في ظلها"؛ أتى عند شجرة ونام، "وقد أيس من راحلته" خلاص قد انتهى، فقد الأمل من أن يجد هذه الدابة "فبينما هوكذلك إذ هو بها قائمة عنده" فاستيقظ فوجدها عند رأسه"فأخذ بخطامها" يعني أخذ بالحبل الذي تقاد به الدابة"ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطا من شدة الفرح"، الفرحة الشديدة التي كانت في نفسه، جعلت لسانة يقلب الكلام فقال "اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح"، يعني تصور فرحة هذا الإنسان كيف يكون، فالله -سبحانه وتعالى- أشد فرحاً منه بتوبة عبده ورجوعه إليه. هذا فيه عظم فرحة الله بتوبة عبده، فهو يحبها ويرضاها ويفرح بها فيجب علينا أن نسارع بالتوبة لله -تبارك وتعالى-.
يستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا نطق بكلمة الكفر خطأً لا يكفر؛ إذا نطق بكلمة الكفر خطأً لا يكفر هذه فائدة من هذا الحديث، لماذا؟ لأن قوله "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" هذا كفر؛ وأي كفر أعظم من هذا؟ لكن لما كانت الكلمة غير مرادة أصلاً، وهو لا يريد أن يقول هذا، هو يريد أن يقول، "اللهم أنت ربي وأنا عبدك" ولكن أخطأ من شدة الفرح، فقلب الكلمة، فإذن الكلام إذا خرج من الإنسان وهو لا يقصده، لا يؤاخذ به ولا يكفر به، وهذا حال الخطأ كله، سواءً كان في الكفر أو في المعصية أو في غيره، الخطأ مرفوع عن هذه الأمة، "إن الله تجاوز لهذه الأمة عما أخطأت به" فالله -سبحانه وتعالى- رفع عن الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، إذن فالخطأ مرفوع عن الأمة ولا يؤاخذون به.

"وعن أبي موسى عبد الله ابن قيس الأشعري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" رواه مسلم، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" رواه مسلم.
طيب هنا في حديث أبي موسى يبين لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله فاتحٌ باب التوبة؛ فالله -سبحانه وتعالى- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار من عمل ذنباً في نهاره وأذنب وعصى الله -سبحانه وتعالى-، الله -سبحانه وتعالى- يمهله حتى يتوب ويمد يده إليه كي يرجع إلى الله -سبحانه وتعالى- ويترك تلك المعصية، وكذلك من عمل المعصية في الليل يمد الله -تبارك وتعالى- يده له وينتظر منه أن يتوب وأن يرجع إليه في النهار وهكذا. "حتى تطلع الشمس من مغربها" هذا يفهم منه أن التوبة مقبولة إلى أن تطلع الشمس من مغربها وهذا في صحيح مسلم.
والحديث الثاني "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" هذا يفهم منه أنه من تاب بعد أن تطلع الشمس من مغربها لا يتوب الله عليه؛ فالتوبة مقبولة ما لم يأتِ ذاك الوقت الذي عينه الله -تبارك وتعالى- وهو في آخر الزمان.

"وعن أبي عبد الرحمن عبد الله ابن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" رواه الترمذي وقال حديث حسن.
ذاك الأول بين لنا التوقيت العام وهو أن تطلع الشمس من مغربها، وهذا يبين لنا الآن التوقيت الخاص بكل نفس بحسبها، وهو أن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر؛ أي ما لم تبلغ روحه الحلقوم.

"وعن زر بن حبيش قال: "أتيت صفوان ابن عسال -رضي الله عنه- أسأله عن المسح عن الخفين فقال ما جاء بك يا زر؟ فقلت ابتغاء العلم، فقال إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يطلب، فقلت إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكُنْتَ امرأً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟ قال نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرا أو مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم، فقلت هل سمعته يذكر في الهوى شيئا؟ قال نعم، كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر، فبينا نحن عنده، إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري، يا محمد، فأجابه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نحواً من صوته هاؤم، فقلت له ويحك أغضض من صوتك فإنك عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد نُهيت عن هذا، فقال والله لا أغضض، قال الأعرابي المرء يحب القوم ولما يلحق بهم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- المرء مع من أحب يوم القيامة، فمازال يحدثنا حتى ذكر باباً من المغرب مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاماً، قال سفيان أحد الرواة قِبَل الشام خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه" رواه الترمذي وغيره وقال حديث حسن صحيح"
هذا الحديث حديث عظيم وفيه فوائد كثيرة. زر ابن حبيش أحد التابعين "قال أتيت صفوان بن عسال" وهو صحابي من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -رضي الله عنه- "أسأله عن المسح على الخفين"؛ أي مجيئه إلى صفوان لكي يطلب العلم؛ العلم الشرعي، فأراد أن يسأل هذا الصحابي عن المسح على الخفين عن أحكام هذا الأمر، فقال؛ أي صفوان ابن عسال، "ما جاء بك يا زر فقلت ابتغاء العلم"؛ أي ما جئت إلا طلباً للعلم الشرعي فقال "إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يطلب" احتراما له، وتعظيما لعظمة ما يطلب، وهذا فيه فضيلة طلب العلم؛ والمراد به كما ذكرنا العلم الشرعي، صفوان ابن عسال عندما ذكر هذا الحديث، ذكره للعلم الشرعي، وليس لأي علم، علم الدنيا للدنيا أما العلم الذي تترتب عليه الفضائل التي ذكرت في الكتاب والسنة لطالب العلم كله المقصود به العلم الشرعي، وفضل العلم الشرعي كبير وعظيم، جاءت آيات وأحاديث للنبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرة تدل على فضيلة طلب العلم الشرعي، لو لم يكن فيها فضيلة إلا قول الله -تبارك وتعالى- {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}؛ يرفعهم الله -تبارك وتعالى- درجات في الجنة، وأيضا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال بأن "العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر" تصور عندما تستغفر للعالم كل شيء، حتى الحيتان في البحر، أجر عظيم، ليش جاء هذا الأجر؟ لأن العالم يبث علم الله -تبارك وتعالى- بين العباد؛ يعلم الناس كتاب الله وسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والحكمة الأساسية التي وجد العباد من أجلها في الدنيا هي عبادة الله -تبارك وتعالى- ولا يمكن للعبد أن يعبد الله عن جهل؛ فلا يمكن أن يعبد إلا بالعلم، كذلك المجاهد إذا أراد أن يجاهد، مع عظم مكانة المجاهد وأجره العظيم عند الله -تبارك وتعالى- إلا أنه إذا أراد أن يجاهد لابد أن يرجع أيضا للعالم، فالناس جميعا بحاجة إلى العالم لإقامة أمر دينهم، ولتحقيق الحكمة التي خلقهم الله -تبارك وتعالى- لأجلها.
إذن فطلب العلم أمر عظيم وأجره عظيم عند الله -تبارك وتعالى- وهو من الجهاد في سبيل الله؛ الله -سبحانه وتعالى- قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم- في المنافقين قال {وجاهدهم به جهاداً كبيراً} المنافق بماذا يُجَاهَد؟ يُجَاهَد بالعلم؛ بالقرآن والسنة فقط، هكذا يُجَاهَد المنافق وأصحاب الألسُن والذين يطعنون في دين الله بكلامهم، هؤلاء يجاهَدون بالعلم، فالعلم أحد الجهادين، بل هو أعلى أنواع الجهاد، لذلك حث الله -سبحانه وتعالى- على العلم، وحث -صلى الله عليه وسلم- على طلب العلم وقال -صلى الله عليه وسلم- "طلب العلم فريضة على كل مسلم"؛ فإذن لابد لنا من طلب العلم وخصوصاً من لم يكن في بلاده علماء، اليوم العلماء قلوا، النبي -صلى الله عليه وسلم- ماذا قال؟ "إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من صدور الرجال ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جُهالاً فسئلوا فأفتوا فضلوا وأضلوا" وهذا الحاصل اليوم؛ اليوم كل واحد يتعلم كلمتين يخرج ويدعي لنفسه بأنه عالم، فالواعظ أصبح عالم، والخطيب أصبح عالم، والقَصَّاص أصبح عالم، والمثقف أصبح عالم، والكل صار يفتي في دين الله بالجهل تحقيقاً لما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الناس سيتخذون رؤوسا جُهالاً فيسئلون ويفتون من غير ورع ولا تورع، ويُضِلون ويَضِلون هم أيضاً عن سواء السبيل، إذن فطلب العلم لابد منه، خصوصاً إذا لم يكن في بلادك علماء، لابد، لأنه توجب عليك إذا يسر لك الله سبل العلم، توجب عليك أن تطلب العلم، كي تعلم الناس أمر دينهم. فهذا الحديث فيه فضيلة عظيمة لطالب العلم؛ أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يطلب.

"قال فقلت إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول" حك في صدري؛ أي صار عندي بعض الشك، في هذه المسألة وهي مسألة المسح على الخفين بعد الغائط والبول يعني أنا كنت متوضئاً ثم دخل الشخص إلى الحمام قضى حاجته، ثم بعد ذلك يمسح على الخفين، فتعجب الآن زر ابن حبيش وقال "وكنتَ امرأً من أصحاب النبي الله -صلى الله عليه وسلم-" شفت الآن عندما أشكلت مسألة عند زر ابن حبيش من أتى؟ أتى أحد العلماء، أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كان هم العلماء في ذاك الوقت، فلما أشكلت عليه مسألة جاء إلى العالم، لم يأتِ لواعظ، ولم يأتِ لقصَّاص، ولم يأتِ لشخص لا يدري عنه أدرس العلم أم لم يدرسه ولا يعرف عنه شيء، لا بل انتقى؛ بحث عن عالمٍ يتمكن من إفتائه في دين الله فجاءه، وقال له "وكنت امرأً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-"، وهذا أراد أن يعمل بقول الله -تبارك وتعالى- {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئا؟ هل سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر في المسح على الخفين شيئا، وهذا الرجل الآن يبحث عن سنة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لأنه من المقرر المعروف أن الدين إما كتاب أو سنة، ليس كالذي يجلس يضع رجل على رجل، ويقول إن وجدنا آية في كتاب الله أخذنا وإن لم نجد رددنا، نعوذ بالله من هذا الضلال والغي، الله -سبحانه وتعالى- قال في نبيه -صلى الله عليه وسلم- {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} وقال الله -تبارك وتعالى- {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} فمن كان متبعاً للقرآن بالحق أخذ بالسنة، ولا يمكن لك أن تفرق ما بين القرآن والسنة، من أين ستجد أن صلاة الظهر أربع ركعات؟ من أين ستجد أن العصر أربع ركعات ؟من أين ستجد أن المغرب ثلاث والفجر ركعتان؟ من أين ستجد تفصيل مسائل الزكاة ومسائل الصيام ومسائل الحج ووو...إلخ؟ الشريعة كلها موجودة في السنة؛ السنة والكتاب لا يفترقان، كتاب وسنة، هذا هو دين الله، وهذا هو الذي أمرنا به، وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من أمثال هؤلاء فقال "لا أُلْفِيَنَّ أحدكم متكئا على أريكته"؛ جالس على وسادته"38:21..كلام غير مفهوم" "فيأتيه الأمر من أمري فيقول بيني وبينكم كتاب الله"؛ فما وجدناه في كتاب الله أخذناه، قال "أما إني أوتيت الكتاب ومثله معه" خلص ما بقي كلام، إنتهى الأمر، لذلك أجمع علماء الإسلام قاطبة، قد ألف الإمام السيوطي -رحمه الله- رسالة في هذا أن من أنكر السنة فهو كافر خارج من ملة الإسلام، لأنه هدم الدين؛ ما عاد في دين، فلما تأتي تقول لي القرآن؛ القرآن فيه أشياء كثيرة مش مفصلة، فصلها النبي -صلى الله عليه وسلم- والله -سبحانه وتعالى- أخبر نبيه بأنك تبين للناس ما نزل إليهم، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- مبين لكتاب الله، فإذا هدرت السنة وهدرت، إيش أبقيت من دين الله؟ قد هدمت الدين.

قال "قال نعم كان يأمرنا إذا كنا سفرا أو مسافرين ألا ننزع خفافانا ثلاثة أيامٍ ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم" فأجابه وجد عنده علماً، وأخبره أن المسح على الخفين مشروع، ولكن من الحدث الأصغر لا من الحدث الأكبر؛ إذا أصابك حدث أصغر وكنت قد لبست الخفين على طهارة، قبل ذلك؛ يعني توضأت وبعد أن توضأت وأكملت وضوءك لبست الخفين، ثم بعد ذلك إذا انتقض وضوءك، يجوز لك أن تمسح على الخفين إذا كنت مقيماً يوماً وليلة؛ يعني 24 ساعة، وإذا كنت مسافراً ثلاثة أيام كاملة بلياليها، أي نعم.
فهذا الحكم في من أحدث حدثا أصغر، أما من أحدث حدثا أكبر؛ أصابته جنابة أو نحو ذلك، فهذا يجب عليه أن يخلع خفيه وأن يغسل قدميه في أثناء الغسل. فإذن المسح على الخفين يشرع، ولكن بشروط مذكورة في كتب الفقه منها هاته التي ذكرناها.

ثم قال "فقلت هل سمعته يذكر في الهوى شيئاً؟" يعني يذكر هل سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر في المحبة وميل النفس شيئاً؛ الهوى يعني الميل ميل النفس والمحبة "قال نعم كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جَهْوَرِيٌّ "؛ جهوري يعني شديد وعالي "يا محمد فأجابه الرسول -صلى الله عليه وسلم- نحواً من صوته هاؤم" أي خذ جوابي أنا أجيبك، "فقلت له ويحك أغضض من صوتك فإنك عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد نُهِيتَ عن هذا"؛ أي نهاك الله -تبارك وتعالى- أن ترفع صوتك عند صوت النبي -صلى الله عليه وسلم-، أين نهي؟ قال الله -تبارك وتعالى- {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} لكن هذا الرجل أعرابي؛ يعني بدوي، والبدو قليل العلم عندهم وما يعرفون في هذه الأمور، -معذرة يعني للبدو، أخونا يضحك -الله المستعان-، يعني مش كل البدو، في بدو يتعلمون ويعرفون- فالبدوي هذا بعيد عن العلم لذلك صدر منه هذا، ومع أنه علمه ماذا قال؟ "قال والله لا أغضض" فرأفة به نبينا -صلى الله عليه وسلم- من رحمته ورأفته، رفع صوته كي لا يكون صوت الأعرابي أعلى من صوت النبي -صلى الله عليه وسلم- فيحبط عمله فرفع النبي -صلى الله عليه وسلم- صوته كي يكون مثل صوت الأعرابي أو أعلى من صوت الأعرابي، فلا يدخل الأعرابي في الآية قال "فقال الأعرابي المرء يحب القوم ولما يلحق بهم فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- المرء مع من أحب يوم القيامة" هذه عظيمة وجميلة جداً حتى أنس -رضي الله عنه- عندما سمع هذا قال الحمد لله أنا أحب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر، يعني أنه سيحشر معهم، وهذه تحث العباد على أن تكون محبتهم لأهل الخير وأهل الفضل، مثل النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة الكرام، لا يذهب يحب لاعب كرة القدم ويتعلق قبله به، أو الفنانة الفلانية أو المغني الفلاني ومن شابه فستحشر معهم، إذا كنت تحب أن تحشر مع هؤلاء فأَحِبَّهم وابق في طريقهم، لكن أَحِب أهل الخير حتى عندما تحشر، تحشر مع أمثال هؤلاء، وهذا فيه ذم وفيه تنفير من محبة أهل الكفر وأهل الفساد وأهل الغي، فيبتعد الإنسان عنهم كي لا يحشر معهم يوم القيامة.

"قال فمازال يحدثنا حتى ذكر باباً من المغرب مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاماً" تصور هذا الباب إذا العرض بتاعه بس تسير فيه قدر سبعين سنة، فما بالك بطوله؟ "قال سفيان أحد الرواة في بلاد الشام خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها" ما أرحم رب العزة -تبارك وتعالى- بعباده، ولكن عباده الله المستعان، إي نعم، فالواجب على العباد أن يبادروا بالتوبة، وأن يرجعوا إلى الله -سبحانه وتعالى- وأن تكون توبتهم صادقة، وأن يبتعدوا عن المعاصي والذنوب، وأنتم ترون اليوم ما لذي يحدث في العالم الإسلامي، هذا كله الذي يحدث قد أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل 1400 سنة، كله بالتفصيل؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر بأن المسلمين سيكونون في آخر الزمن كثير، ولكن ماذا قال؟ "قال أنتم يؤمئذٍ كثير ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل" على الفاضي ليش؟ لأن الناس ما عادت تنظر إلى الحكمة التي خلقهم الله -تبارك وتعالى- من أجلها، إلا الشيء القليل وإلا النادر من عباده -تبارك وتعالى- حتى الذي ينظر، يجعل أمور الدين ثانوية في الآخر، شوف أمر الدنيا أنت الأول وركز عليها ثم بعد ذلك تأتي أمور الدين، لما كانت الأمور بالعكس في عهد الصحابة والتابعين وأهل الخير، كانت الأمور مقلوبة؛ كانت العزة للمسلمين، والسيطرة والقوة للمسلمين، وما كانت تنزل بالمسلمين الأبواء والمصائب والبلايا والتقتيل والتشريد، ما نزل بهم اليوم، أبداً، ما كان هذا موجوداً، لماذا؟ لأنهم لم يكونوا على معاصي وذنوب وفسق وفجور، بالدرجة التي وصل إليها المسلمون اليوم، الحال نسأل الله العافية والسلامة، قد وصل الناس اليوم إلى وضع يرثى له، لكن الله المستعان، ندعوا للمسلمين أن يردهم الله إلى دينهم رداً جميلاً، فنسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً وأن يجعلهم من عباده الصالحين وأن يرفع غضبه ومقته عنهم وأن يتوب عليهم أي نعم.
فهذه كلها؛ الأحاديث التي ساقها المؤلف -رحمه الله- تدل على وجوب التوبة والرجوع إلى الله -تبارك وتعالى- كي يغفر الله -تبارك وتعالى- للعباد.

"وعن أبي سعيد سعد ابن مالك ابن سنان الخدري -رضي الله عنه- أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قال: كان فيمن كان قبلكم ،رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسئل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فقال لا، فقتله فكمل به المائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة إنطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة، جاء تائباً مقبلا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب، إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، أي حكما فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوا أنه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة" متفق عليه، وفي رواية في الصحيح، فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها وفي رواية في الصحيح فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي، وقال قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له، وفي رواية فنأى بصدره نحوها".
يعني هذا الشخص قد عمل من المعاصي والذنوب ما الله به عليم، لدرجة أنه قتل مائة نفس، ليست نفساً واحدة، ومع ذلك كانت رحمة الله قريبة منه، فتاب إلى الله -تبارك وتعالى- ورجع فقبل الله توبته، وقبله عنده فرحمه وغفر له بتوبته الصادقة التي تابها.
في هذا الحديث من الفوائد الفرق بين فتوى العالم وفتوى الجاهل حتى وإن كان عابداً لكن لما كان جاهلاً أفتى بغير علم، وأغلق باب التوبة على الرجل، فلما الرجل فقد الأمل، وفقد أعصابه قتله وأكمل به المائة، لكن العالم لما أفتى، أفتى بعلم، وبين له أن التوبة بابها مقبول، وأن الله -سبحانه وتعالى- يقبل توبة العبد مهما فعل، حتى الشرك إذا تاب العبد منه تاب الله عليه، فإذن لا يوجد عمله في الدنيا تعمله ويغلق عليك باب التوبة، بل التوبة مفتوحة والله -سبحانه وتعالى- يقبل العبد إذا رجع إليه وتاب إليه، فهنا يبين لنا أن الجاهل لا يجوز له أن يفتي أصلاً أن من غير علم ويجب أيضاً على من أراد أن يسأل أن يسأل أهل العلم، لا يسأل العباد والزهاد أو الوعاض والقُصَّاص وغيرهم.

نكتفي بهذا القدر ونكمل في الدرس القادم إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 14:17.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي