Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
العودة   منتديات شبكة الدين القيم > :: منـبـر الـمـشـرف العــام أبي الحسـن عـلـي الـرمــلي - حفظه الله - :: > منبر الدروس المفرغة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 18-12-2012, 07:30   #21
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الدرس الواحد والعشرون من شرح نزهة النظر

الدرس الواحد والعشرون من شرح نزهة النظر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله: "أَوْ ينتَهي غايةُ الإِسنادِ إِلى التَّابِعيَ، وهو مَنْ لَقِيَ الصَّحابِيَّ كذلكَ"، أي لقي الصحابي مثل اللّقيا التي تقدّمت في الكلام عن الصّحابي.
"وهذا متعلِّقٌ باللُّقيِّ، وما ذُكِرَ معهُ"، أي في تعريف الصحابي في الكلام المتقدّم.
"إِلاَّ قَيْدُ الإِيمانِ بهِ؛ فذلكَ خاصٌّ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم"، فلا يُقال التّابعي مَنْ لقي الصّحابي مؤمناً به، لأنّ الإيمان خاصّ بالنّبي صلى الله عليه وسلم.
قال: "وهذا"، أي التعريف للتّابعي.
"هُو المُختارُ؛ خلافاً لمَن اشْتَرَطَ في التَّابعيِّ طولَ المُلازمةِ"، هذا القول الذي هو أنّ التّابعي هو مَنْ لقي الصّحابي، هو الذي ارتضاه الحافظ وعليه عمل الأكثرين كما قال الحافظ العراقي -رحمه الله-، قال هذا القول عليه عمل الأكثرين، واحتجّوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "طوبى لـمَنْ رآني وآمن بي، وطوبى لــمَنْ رأى مَنْ رآني"، فبمجرّد الرّؤية ثبت له وصف التّابعية، صحّحه الحاكم والألباني، وحديث آخر يدلّ على ذلك أيضاً وهو ما أخرجه مسلم، قال: "يأتي على النّاس زمان يغزو فئام من النّاس"، يعني طائفة وجماعة من النّاس، "فيقال لهم: فيكم مَنْ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيُفْتَح لهم، ويغزو فئام من النّاس، فيقال لهم: فيكم مَنْ رأى مَنْ صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: نعم، فيُفْتَح لهم، ثمّ يغزو فئام من النّاس، فيقال لهم: هل فيكم مَنْ رأى مَنْ صحب مَنْ صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: نعم فيُفْتَح لهم"، دلّ ذلك على أنّ الرؤية كافيّة في وصفهم أنّهم من أصحاب أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم.
قال: "خلافاً لمَن اشْتَرَطَ في التَّابعيِّ طولَ المُلازمةِ"، اي أنّه لا يوصف بأنّه تابعي إلّا إذا عُرِف أنّه لازم الصّحابي فترة طويلة.
"أَو صُحْبَةَ السَّماعِ"، يعني خلافاً أيضاً لــمَنْ اشترط صحبة السّماع، وصحبة السّماع المقصود بها الصّحبة مصحوبة بالسّماع، فلو صحبه أو صحب الرّجل الصّحابي ولم يسمع منه لا يعتبر تابعيّاً عند مَنْ اشترط هذا الشّرط، فاشترط الصّحبة مع السّماع.
"أَو التَّمييزَ". أي خلافاً لمن اشترط التّمييز، أي أن يكون مميِّزًا عند رؤيته للصّحابي، بعضهم اشترط هذا كابن حِبَّان، اشترط أن يكون مميِّزًا عند رؤيته للصّحابي كي يُسَمَّى تابعياً، والحافظ لا يُقِرُّ على ذلك.
"وبَقِيَ بينَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ طبَقَةٌ"، الآن انتهينا من تعريف الصّحابي ومن تعريف التّابعي.
الآن جاءت عندنا مسألة أخرى، وهي أنّ هناك طبقة وسطى ما بين الصّحابة والتّابعين.
اختلفوا في إلحاقهم بمَنْ؟ هل يلحقون بالصّحابة ويُعَدُّون صحابة؟ أم يُلْحَقون بالتّابعين ويُعَدُّون تابعين؟
وهؤلاء هم الــمُخَضْرَمون.
"وبَقِيَ بينَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ طبَقَةٌ اخْتُلِفَ في إِلحاقِهِم بأَيِّ القِسمينِ"، يعني بقسم الصّحابة أو بقسم التّابعين؟ بأيّهما نُلْحِقُهم؟
"وهُم المُخَضْرَمونَ الَّذين أَدْرَكوا الجَاهِليَّةَ والإِسلامَ"، هذا هو تعريف الــمُخَضْرَم، الذي أدرك الجاهليّة والإسلام.
قال: "ولم يَرَوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم"، فالــمُخَضْرَم هو مَنْ أدرك الجاهليّة والإسلام ولم يرَ النّبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يُسَمَّى مُخَضْرَماً.
"فعدَّهُم ابنُ عبدِ البرِّ في الصَّحابةِ"، أي ذكرهم ابن عبد البرّ في مَنْ ذكر من الصّحابة في كتابه الاستيعاب.
"وادَّعَى عِياضٌ وغيرُه أَنَّ ابنَ عبدِ البرِّ يقولُ: إِنَّهُم صحابةٌ"، لأنّه ذكرهم في كتاب الصّحابة.
"وفيهِ نظرٌ"، أي لا يُسَلّم لما ادّعاه عياض في أنّ ابن عبد البرّ يقول بأنّهم صحابة، لماذا؟
قال:"لأنَّهُ أَفصَحَ في خُطبةِ كتابِه بأَنَّهُ إِنَّما أَورَدَهُم ليكونَ كتابُه جامِعاً مُستوعِباً لأهْلِ القرنِ الأوَّلِ"، بغضّ النّظر لقوا النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يلقوه، مجرّد أنّهم من القرن الأوّل أراد أن يستوعبهم في كتابه هذا، فذكره لهم لأنّهم من القرن الأوّل، لا لأنّهم صحابة، وبما أنّه نصّ على ذلك لا يصحّ أن ندّعي أنّه جعلهم من ضمن الصّحابة.
قال:"والصَّحيحُ أَنَّهُم مَعدودونَ في كبارِ التَّابعينَ سواءٌ عُرِف أَنَّ الواحِدَ منهُم كانَ مُسلماً في زمنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كالنَّجاشيِّ أَو لا؟"، أو لم يُعْرَف أنّه كان مسلما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني بغض النّظر عن حاله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أكان مسلماً أم كافراً، بما أنّه عاش في زمن النّبي صلى الله عليه وسلم وعاش في زمن الإسلام، ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم فهو مُخَضْرَم.
"لكنْ"، هنا استدراك.
"إِنْ ثبتَ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ليلةَ الإِسْراءِ كُشِفَ لهُ عن جَميعِ مَن في الأرْضِ فرَآهُمْ، فيَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مَنْ كانَ مُؤمِناً بهِ في حياتِه إِذْ ذاكَ وإِنْ لمْ يُلاقِهِ في الصَّحابةِ؛ لحُصولِ الرُّؤيَةِ من جانِبِهِ عليه الصلاة والسلام"، يعني هنا يقول لك النبي صلى الله عليه وسلم مَنْ وُجِد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان مؤمناً ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هنا الآن إذا صحّ في حديث الإسراء أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى جميع النّاس فهنا يكون مَنْ كان في زمنه مؤمناً صحابياً لأنّه ينطبق عليه تعريف الصّحابي.
قلنا الصحابي مَنْ هو؟ مَنْ لقي النّبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك.
مَن لقي النّبي صلى الله عليه وسلم، اللُّقيا تصحّ سواء كانت من جانبه هو الذي رأى، أو أنّ النبي صلى الله عليه وسلم رآه وهو لم ير النبي صلى الله عليه وسلم.
قالوا تصحّ اللّقيا في هذه الحال وبناءً عليه فيكون هؤلاء كلّهم صحابة حتّى الــمُخَضْرَمين، تمام؟
لكن هل صحّ هذا الحديث؟ الحافظ ابن حجر علّق الامر على ثبوته ولم يتكلّم عن ثبوته والله أعلم بحاله وأنا ما تتبّعته.
قال: "فـالقسمُ الأوَّلُ ممَّا تقدَّمَ ذِكْرُهُ مِن الأقْسامِ الثَّلاثةِ وهُو ما ينْتَهي إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم غايةُ الإِسنادِ هُو المَرْفوعُ، سواءٌ كانَ ذلك الانتهاءُ بإِسنادٍ مُتَّصلٍ أَم لا". فالقسم الأوّل ممّا تقدّم ذكره من الأقسام الثلاثة.
فهنا الآن عندنا ذكر لنا كم قسم؟ ثلاثة أقسام:
الأوّل المرفوع، والثّاني الموقوف، والثّالث المقطوع.
هذه الأقسام الثّلاثة التي ذكرها، خلاصة الموضوع.
·المرفوع: ما أُضِيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل او تقرير أو صفة خَلْقِيَّة أو خُلُقِيَّة.
·الموقوف: ما أُضِيف إلى الصّحابي من قول أو فعل.
·المقطوع: ما أُضِيف إلى التّابعي فمَنْ دونه.
ويصحّ أن نُطْلِق الموقوف على مَنْ دون الصّحابي بشرط التّقييد فتقول مثلاً هذا موقوف على الزّهري مثلاً، وإن كان الزّهري ليس صحابيّاً، لكن كونك قد قيّدت الكلام بالزّهري صحّ لك أن تقول هو موقوف كما سيأتي إن شاء الله.
قال:"فـالقسمُ الأوَّلُ ممَّا تقدَّمَ ذِكْرُهُ مِن الأقْسامِ الثَّلاثةِ وهُو ما ينْتَهي إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم غايةُ الإِسنادِ"، يعني ما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني غاية الإسناد إذا انتهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيُسَمَّى مرفوعاً.
"هُو المَرْفوعُ، سواءٌ كانَ ذلك الانتهاءُ بإِسنادٍ مُتَّصلٍ أَم لا". إذن المرفوع يشترط فيه اتّصال الإسناد وإلا لا يشترط؟
لا يشترط، لا علاقة لنا بالإسناد، المهمّ عندنا هل أضفت الحديث إلى النّبي صلى الله عليه وسلم أم لم تضفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقط.
فإذا أضفت الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قلت مرفوع، أمّا إذا لم تضفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا تقل مرفوعاً.
قال:"والثَّانِي: هو المَوْقوفُ، وهو ما ينْتَهَى إلى الصَّحابيِّ". يعني ما ينتهي غاية الإسناد إلى الصّحابي، هذا يُسَمَّى موقوفاً.
"والثَّالِثُ: المَقْطوعُ، وهو ما ينْتَهي إلى التَّابعيِّ. ومَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ مِن أَتْباعِ التَّابعينَ فمَنْ بعْدَهُم؛ فيهِ؛ أَي: في التَّسميةِ، مِثْلُهُ؛ أَي: مثلُ ما ينتَهي إِلى التَّابعيِّ"، يعني المقطوع يصبح عندنا بناءً على ما قال الحافظ: هو ما أُضِيف إلى التابعي فَمَنْ دونه لأنّه قال: (مَنْ دون التّابعي هو مثل التّابعي في التّسمية) نفس الشّيء.
"في تسميةِ جميعِ ذلك مَقطوعاً، وإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: موقوفٌ على فُلانٍ"، أي يجوز لك أن تقول موقوف في غير الصحابي لكن تُقَيِّد تقول موقوف على فلان، موقوف على الزّهري، موقوف على مالك، وما شابه، فيصحّ لك أن تستعمل اصطلاح الموقوف في غير الصّحابي لكن بالتّقييد، أمّا من غير تقييد فلا يصحّ إلّا في الصّحابي.
قال: "فحَصَلَتِ التَّفرقةُ في الاصطِلاحِ بين المَقطوعِ والمُنْقَطِعِ"، فالمقطوع ما هو؟ ما أُضِيف إلى التّابعي.
أمّا المنقطع ما فيه سقط في إسناده، ما حصل فيه سقط في إسناده، أو هو الذي لم يتّصل إسناده على أي وجه كان، أو ما سقط من إسناده راوٍ أو أكثر بشرط عدم التّوالي، على اختلاف الاصطلاحات التي تقدّمت، المهمّ أنّ الفرق بينهما أنّ المقطوع يتعلّق بالمتن، والمنقطع يتعلّق بالإسناد.
فالمقطوع وصفٌ لمتن الحديث بإضافته، إضافته لــمَن؟ للتّابعي.
أمّا المنقطع فليس هو من باب الإضافة ولكن من باب النّظر في الإسناد، أهو متّصل أم منقطع؟
قال: "فالمُنْقَطِعُ مِن مباحِثِ الإِسنادِ كما تقدَّمَ، والمَقْطوعُ مِن مباحِثِ المَتْنِ كما ترى، وقد أَطلَقَ بعضُهُم هذا في موضِعِ هذا"، بعضهم قال مقطوع في المنقطع، وبعضهم قال منقطع في المقطوع، فغايروا في الاصطلاحات.
"وبالعكْسِ"، وبالعكس كما هو مقرّر عندنا الآن المنقطع في الإسناد، والمقطوع في المتن.
"تجوُّزاً عنِ الاصطِلاح"، يعني خروجاً عن الاصطلاح، وهذا أمر اصطلاحي ولا مشاحّة في الاصطلاح.
"ويُقالُ للأخيرَينِ؛ أي: الموقوفِ والمَقطوعِ: الأَثَرُ"، يُقال للموقوف وللمقطوع، يعني يُقال لما أُضِيف إلى غير النّبي صلى الله عليه وسلم، ما أُضِيف إلى الصحابي أو إلى التابعي أو مَنْ دونهم يُقال له أثراً عند بعض العلماء، فأكثر مَنْ يستعمل ذلك فقهاء الخراسانييّن، فقهاء خراسان.
"ويُقالُ للأخيرَينِ؛ أي: الموقوفِ والمَقطوعِ: الأَثَرُ"، وذكرنا في دروس الباعث التّفريق بين الخبر والسنّة والحديث والأثر، وللعلماء اصطلاحات في التّفريق بينها، البعض يجعل بعضها أعمّ من بعض، والبعض يجعلها مترادفة، وخلافات بينهم كثيرة، والمسألة مسألة اصطلاحيّة.
"والمُسْنَدُ في قولِ أَهلِ الحَديث: هذا حديثٌ مُسنَدٌ: هو: مرفوعُ صَحابِيٍّ بِسَنَدٍ ظاهِرُهُ الاتِّصالُ"، الآن انتقل المؤلّف -رحمه الله- إلى تعريف الــمُسْنَد.
الــمُسْنَد يُطْلَق باعتبارين:
يُطْلَق الــمُسْنَد على الكتاب الذي ألّفه صاحبه وجمع فيه أحاديث كلّ صحابي على حدى، كمُسْنَد الإمام أحمد مثلاً، مُسْنَد أبي يعلى، وغيرها من المسانيد.
ويُطْلَق على المعنى الذي ذكره المؤلّف هاهنا، ماذا قال؟
قال:"والمُسْنَدُ في قولِ أَهلِ الحَديث: هذا حديثٌ مُسنَدٌ: هو: مرفوعُ صَحابِيٍّ بِسَنَدٍ ظاهِرُهُ الاتِّصالُ"، يشترط فيه كم شرط حتّى يُسَمَّى مُسْنَدًا؟ شرطان:
·الشرط الأوّل: أن يرفعه صحابي إلى النّبي صلى الله عليه وسلم.
·الشّرط الثّاني: أن يكون له إسناد ظاهره الاتّصال.
فرق بين أن تقول الاتّصال، وبين أن تقول ظاهره الاتّصال.
üإذا قلت شرطه الاتّصال، أخرجت ما فيه انقطاع خفيّ، كالــمُدَلَّس، والذي فيه إرسال خفيّ، هذه انقطاعات خفيّة، التّدليس والإرسال الخفيّ.
üأمّا إذا قلت ظاهره الاتّصال يعني فيما يظهر لك، فيما يتّضح أمامك أنّه متّصل، لكن في حقيقة الأمر ربّما بعد التّفتيش تجده منقطعاً.
فظاهره الاتّصال هنا تختلف عن المتّصل، وهذه العبارة التي عبّر بها الحافظ ابن حجر رحمه الله أدقّ من تعبير بعضهم بالاتّصال، فالـمُسْنّد مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال.
يشترط فيه أن يكون مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويُشترط فيه أيضاً أن يكون إسناده ظاهره الاتّصال.
"فقولي: مرفوعٌ كالجنسِ"، نريد نعيد أو خلاص فهمنا معنى "كالجنسِ" صح؟ طيب، وضّحناها.
"كالجنسِ"، كقولك في تعريف الإنسان حيوان ناطق.
فكلمة حيوان هذه جنس، يدخل فيها الإنسان ويدخل فيها غيره.
فهنا الآن في تعريفه قال: "قولي: مرفوعٌ كالجنسِ" في التّعريفات يعني فيدخل فيه، قوله "مرفوعٌ" لما يقول كالجنس يدخل فيه المـُسْنَد وغير الــمُسْنَد.
يعني لمّا تقول: عن النّبي صلى الله عليه وسلم من غير ما تذكر إسناد أصلاً هذا مُسْنَد؟ ليس بمُسْنَد صح؟ لكنّه مرفوع، تمام؟
فهنا دخل في التّعريف، هذا نريد أن نخرجه، الآن هذه الصورة التي ذكرتها نريد أن نخرجها.
وكذلك الذي له إسناد ولكن إسناده منقطع ظاهر الانقطاع، يدخل في المرفوع وإلا ما يدخل؟ يدخل.
إذن عندنا صور داخلة مع الــمُسْنَد نريد إخراجها، نُخْرِجها بماذا؟
نأتي لها بما هو كالفصل، يعني جنس و فصل في التّعريف، نأتي لها بما هو كالفصل من أجل أن نخرجها.
فقال: "وقولي: صحابيٍّ كالفصلِ، يَخرُجُ بهِ ما رفعهُ التَّابعيُّ؛ فإِنَّه مُرْسَلٌ"، لأنّ فيه انقطاع واضح، ونحن اشترطنا في السّند أن يكون ظاهره الاتّصال، لكن هو زاد الأمر توضيحاً وذكر الصّحابي كي يخرج ماذا؟، قال: "يخرج ما رفعه التّابعي إلى النّبي صلى الله عليه وسلم هو هكذا، لكنّ لو قال قائل فيما يظهر لي الآن، لو قال قائل لو استغنى عن ذكر الصّحابي بقوله بسند ظاهره الاتّصال لكان وجيهاً، لأنّ الإسناد إذا لم يكن الصّحابي فيه مذكوراً كان انقطاعه ظاهراً فلا يتلاءم مع قولنا بسند ظاهره الاتّصال، فالفصل هذا أو كما هو كالفصل يغني عن ذكر الصّحابي، طيب على كلٍّ.
قال: "وقولي: صحابيٍّ كالفصلِ، يَخرُجُ بهِ ما رفعهُ التَّابعيُّ؛ فإِنَّه مُرْسَلٌ"، والمرسل ليس من قبيل المسند.
"أَو مَن دونَه؛ فإِنَّه مُعْضَلٌ أَو مُعلَّقٌ"، مَنْ هو دون التّابعي، يعني إذا أضاف الحديث تابعي التّابعي إلى النّبي صلى الله عليه وسلم ماذا يكون؟ معضل، طيب إذا علّقه صاحب الكتاب وقال: عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو معلّق.
فهذا كلّه أخرجه قال بفصل الصّحابي، أو بما هو كالفصل وهو ذكره للصّحابي.
لكن الظّاهر أنّ قوله بسند ظاهره الاتّصال يخرج هذه الأشياء كلّها، فيصبح ذكر الصّحابي فيه هنا زيادة، هذا الذي يظهر لي والله أعلم.
"و في قولي: ظاهِرُهُ الاتِّصالُ يُخْرِجُ ما ظاهِرُه الانقطاعُ، ويُدخِل ما فيه الاحتمالُ"، ما ظاهره الانقطاع واضح كقولنا مثلاً مالك عن ابن عمر، واضح هذا ما تحتاج، مالك لم يدرك ابن عمر فهو منقطع، واضح الانقطاع هذا ليس من المسند.
قال: "ويُدخِل ما فيه الاحتمالُ"، يحتمل الانقطاع وعدمه، لأنّه لمّا يكون في الإسناد راوٍ مُدَلِّس هل فيه احتماليّة أن يكون قد دلّس في هذا الحديث وإلا ما فيه؟ فيه، وفيه احتمالية أنّه مادلّس، تمام.
إذن هنا مثل هذه الصّورة أدخلناها في التّعريف بقولنا (ظاهره الاتصال).
لأنّ هذا الآن ظاهره الاتّصال، لأنّ فيه احتمالية هكذا وهكذا.
"وما يوجَدُ فيه حقيقةُ الاتِّصالِ مِن بابِ أَولى"، لما قال (ظاهره الاتّصال) إذا كانت حقيقة الاتصال متحقّقة، هو متّصل فعلاً فهو داخل في الــمُسْنَد ولا شكّ من باب أولى، فإذا كان ما ظاهره الاتصال قد دخل، فمن باب أولى دخول ما هو متّصل.
"ويُفهَمُ مِن التَّقييدِ بالظُّهورِ أَنَّ الانقطاعَ الخفيَّ كعنعَنَةِ المدلِّسِ والمُعاصرِ الذي لم يثبُتْ لُقِيُّهُ؛ لا يُخرِجُ الحديثَ عن كونِه مُسنَداً؛ لإِطباقِ الأئمَّةِ الَّذينَ خَرَّجوا المسانيدَ على ذلك".
قال:"ويُفهَمُ مِن التَّقييدِ بالظُّهورِ"، يعني في التّعريف لمّا قال (ظاهره الاتّصال) قيّد بماذا؟ بالظّهور.
"ويُفهَمُ مِن التَّقييدِ بالظُّهورِ أَنَّ الانقطاعَ الخفيَّ كعنعَنَةِ المدلِّسِ والمُعاصرِ الذي لم يثبُتْ لُقِيُّهُ"؛ يعني الــمُرْسَل الخفي، وعنعنة الــمُدَلِّس من الانقطاع الخفي وليس الظّاهر، فيكون الإسناد الذي فيه راوٍ مُدَلِّس إسناد ظاهره الاتّصال، وحقيقة الأمر ربّما شيء آخر، وكذلك الإسناد الذي فيه راوٍ عاصر شيخه ولكنّه لم يسمع منه أو لم يلقه يكون هنا أيضاً ظاهره الاتّصال.
"لا يُخرِجُ الحديثَ عن كونِه مُسنَداً"؛ أي يُفْهَم من التّقييد بالظّهور أنّ الانقطاع الخفيّ لا يُخْرِج الحديث عن كونه مُسْنَدًا، لاشكّ.
لمّا قال: (ظاهره الاتّصال) يكون دخل في الــمُسْنَد ما فيه راوٍ مُدَلِّس، ودخل أيضاً ما فيه إرسال خفيّ، أو فيه راوٍ عاصر شيخه ولم يسمع منه.
الآن بكلمة (ظاهره) أدخل هذا النّوع في الــمُسْنَد.
لماذا أدخل مثل هذا؟ لماذا ما قال: الــمُسْنَد ما أضافه الصّحابي إلى النّبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متّصل وينتهي الأمر.
لأنّه أراد بالفعل إدخال الإسناد الذي فيه راوٍ مُدَلِّس، والإسناد الذي فيه راوٍ عاصر شيخه ولم يسمع منه، أراد هذا.
لماذا أراد هذا؟
قال: "لإِطباقِ الأئمَّةِ الَّذينَ خَرَّجوا المسانيدَ على ذلك". على ماذا؟ على إدخالهم رواية الــمُدَلِّسين في مسانيدهم، وعلى إدخالهم رواية مَنْ عاصر الرّاوي عنه ولم يسمع منه في مسانيدهم، فلمّا استقرأ الحافظ المسانيد التي ألّفها العلماء وجد أنّ جميع المسانيد يذكرون فيها الأسانيد المتّصلة، ويذكرون فيها الأسانيد التي ظاهرها الاتّصال فاحتاج أن يذكر هذا القيد في التّعريف، وضحت المسألة وإلّا لا؟
الطالب: يعني الغاية من هذا مثلاً إذا السند ظاهره الاتّصال، وقد يكون مُدَلَّساً مثلاً، أدخله الإمام ابن حجر قال: لاتفاق الأئمّة، هكذا يعني.
الشيخ: صحيح.
الطالب: طيب الغاية من إدخال هذا النّوع، قد يكون مُدَلِّسا لكن أدخلوه مع الــمُسْنَد.
الشيخ: لأنّهم لا يعلمون أهو منقطع أم لا؟ بعد التّمحيص أنت ربّما تُمَحِّصه تجده متّصلاً، فلماذا يفوّتون هذا الحديث ولا يدخلونه في كتبهم ويحفظونهم علينا؟ لهذا السّبب أدخلوه.
الطالب: نستطيع أن نُعَبِّر هكذا نقول: بالجملة هو من المسانيد أو من الــمُسْنَد، ولكن عند التّمحيص يكون له حكم آخر.
الشيخ: لا شك، صحيح، نعم، وعند التّمحيص ربّما يثبت، طيب
قال: "وهذا التَّعريفُ مُوافِقٌ لقَولِ الحاكمِ: المُسْنَدُ: ما رواهُ المحدِّثُ عن شيخٍ يَظْهَرُ سماعُه منهُ"، يظهر: في الظّاهر يعني.
"وكذا شيخُه من شيخِهِ مُتَّصلاً إِلى صحابيٍّ إِلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلمهذا تعريف الحاكم، قال ينطبق على نفس التّعريف الذي ذكره الحافظ ابن حجر لكن بألفاظ أخرى.
"وأمَّا الخَطيبُ فقالَ: المُسْنَدُ: المُتَّصلُ"، الآن تعريف الحاكم ذكره الحافظ وينطبق تماماً على ما ذكره الحافظ، الآن عندنا تعريف آخر وهو تعريف الخطيب البغدادي، ماذا قال؟
قال:"المُسْنَدُ: المُتَّصلُ"، فالــمُسْنَد عنده يساوي الــمُتَّصل.
هل يدخل فيه المرفوع؟ نعم، يدخل فيه الموقوف؟ نعم، يدخل فيه المقطوع؟ نعم، على تعريف الخطيب البغدادي.
"فعلى هذا: الموقوفُ إِذا جاءَ بسندٍ مُتَّصلٍ يسمَّى عندَه مسنداً"، صح؟ تأمّلوا، الموقوف إذا جاء بسند متّصل يُسَمَّى عنده مُسْنَدا وإلاّ لا؟ نعم.
لماذا؟ لأنّه قاله الــمُسْنَد الــمُتَّصِل، فإذا جاء مُتَّصِلاً فهو مُسْنَد سواء وصل إلى النّبي صلى الله عليه وسلم أو لم يصل، لكنّه قال.
"لكنْه قال: إِنَّ ذلك قد يأْتي، لكنْ بقلَّةٍ"، يعني أنّه قليل، قليل أن يُسَمَّى الحديث الموقوف مُسْنَداً.
هذا ما أفادنا به الخطيب، والظاهر أنّه ناتج بناءً على استقرائه ونظره.
لكن بناء على استقراء الحافظ ابن حجر وحقيقةً أنت إذا نظرت في المسانيد وجدت أنّ الكلام الصّواب مع الحافظ ابن حجر فعلاً، فأصحاب المسانيد لا يُخْرِجون الموقوفات، ولا يُخْرِجون أيضاً المقاطيع.
"وأَبعدَ ابنُ عبدِ البرِّ حيثُ قالَ: المُسندُ المرفوعُ"، الآن هذا لا يدخل فيه الموقوف ولا المقطوع، لكن يدخل فيه الـمُعْضَل، ويدخل فيه الــمُنْقَطِع، ويدخل فيه الــمُعَلَّق أيضاً، صح؟
ويدخل فيه الــمُرْسل، هذا كلّه يدخل فيه، لماذا؟ لأنّه اشترط في الــمُسْنَد الرّفع.
أيّ حديث قلت فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مُسْنَدٌ عند ابن عبد البرّ.
"ولم يتعرَّضْ للإِسنادِ"، يعني لم يتكلّم عن الإسناد بشيء، لم يشترط فيه أي شرط.
"فإِنَّهُ يصدُقُ على المُرسلِ والمُعضَلِ والمُنقطِعِ إِذا كانَ المتنُ مرفوعاً! ولا قائلَ بهِ"، يعني ما أحد قال بهذا القول، من أين جئت بها يا ابن عبد البر؟ فكلامك مردود لأنّ المسألة مسألة اصطلاحيّة تعتمد على ما اصطلح القوم، فإذا لم يستعمله أحد فإذن هو مهجور، انتهينا من هذا؟ هذا هو الــمُسْنَد.
الآن ننتقل إلى موضوع جديد.
قال: "فإِنْ قَلَّ عَدَدَهُ؛ أي: عددُ رجالِ السَّندِ"، الكلام عن السّند.
"فإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام بذلك العددِ القليلِ بالنِّسبةِ إِلى أَيِّ سندٍ آخَرَ يَرِدُ بهِ ذلك الحَديثُ بعينِه بعددٍ كثيرٍ، أَوْ ينتَهِيَ إِلى إِمامٍ مِن أَئمَّةِ الحَديثِ"، يعني فلنقل بأنّ الإمام البخاري -رحمه الله- روى حديثاً بإسنادين، إسناد كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه ثلاثة رواة فقط، والإسناد الآخر كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه خمسة رواة، الآن الإسناد الأوّل الذي كان بين البخاري وبين النّبي صلى الله عليه وسلم فيه ثلاثة رواة فقط أعلى، ليس أقوى، هذه مسألة أخرى مسألة القوّة، أعلى، علا الإمام البخاري في الإسناد الأوّل، ونزل في الإسناد الثّاني، فكلّما كثر الرّواة بين صاحب الكتاب وبين النبي صلى الله عليه وسلم كلّما نزل، وكلّما قلّ الرّواة ماذا نقول؟ علا، هكذا، تقدّر أنّه فيه رواة الآن.
كلّما قلّ الرّواة علا، وكلّما كثر الرّواة نزل، هذه هي، هذا هو العالي والنّازل.
يقول لك هذا إسناد عالٍ، وهذا إسناد نازل، هذا معنى العلوّ والنّزول.
والمقارنة تكون إمّا في نفس الحديث، يُرْوى بإسنادين، أو بالنّسبة لعموم الأسانيد، بالنّسبة لسائر الأسانيد.
يعني ننظر الآن إلى أسانيد البخاري -رحمه الله- أعلى ما وجدنا عند البخاري كم؟ ثلاثة، ووجدنا له ستّة.
أنزل ما وجدناها له كم؟ ستّة، بينه وبين النّبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الإسناد الذي يرويه بستّ رواة يُسَمَّى نازلاً، والإسناد الذي يرويه بثلاثة رواة يسمّى عالياً.
أو بالنّسبة لحديث معيّن، يمكن أن يُروى بإسنادين، هذا فيه خمسة، وهذا فيه ستّة، هذا يسمّى عالياً، والذي فيه ستّة يُسَمّى نازلاً، واضح؟ هذا بالنّسبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم.
قال: "فإِنْ قَلَّ عَدَدَهُ"، أي عدد رجال السّند.
"فإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام بذلك العددِ القليلِ بالنِّسبةِ إِلى أَيِّ سندٍ آخَرَ يَرِدُ بهِ ذلك الحَديثُ بعينِه بعددٍ كثيرٍ"، يعني حديث واحد يرد بإسنادين، إسناد فيه عدد قليل، وإسناد فيه عدد كثير إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم كما مثّلنا، فالذي فيه عدد قليل يسمّى عالياً، والذي فيه عدد كثير يُسَمَّى نازلاً.
قال: "أَوْ ينتَهِيَ إِلى إِمامٍ مِن أَئمَّةِ الحَديثِ"، إمام معروف مشهور، من الأئمّة الكبار، كالزّهري، كشعبة، كمالك، مثل هؤلاء الأئمّة الكبار.
"أَوْ ينتَهِيَ إِلى إِمامٍ مِن أَئمَّةِ الحَديثِ"، ليس معنى ذلك أنّ الإسناد ينتهي إلى مالك ويتوقّف، لا، يكون الإسناد إلى مالك ثمّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن المقارنة والنّظر في مسألة العلوّ والنّزول من الرّاوي إلى الإمام فقط، بغضّ النّظر عن فوق، تمام؟
قال: "أَوْ ينتَهِيَ إِلى إِمامٍ مِن أَئمَّةِ الحَديثِ ذي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ"، ليس أيّ محدّث، لا، إمام من أئمّة الحديث ذي صفة عليّة، كما مثّلنا مالك، شعبة، الزّهري، أئمّة كبار لهم صفات عالية.
"كالحفظِ والفِقهِ والضَّبطِ والتَّصنيفِ وغيرِ ذلك من الصِّفاتِ المُقتَضِيَةِ للتَّرجيحِ"، هذا التّصنيف في زمانهم طبعاً، ليس في زماننا، في زمننا كل من تعلّم حرفين راح كتب وصنّف هذا غير معتبر فيه اليوم، المعتبر بالتّصنيف العلمي الدّقيق الذي يحكم عليه العلماء بأنّه كلام علمي، أمّا اليوم يمكن الإنسان يستطيع أن يجمع من هنا وهناك ويؤلّف كتاب ويخرج الكتاب إلى السّوق، مستعدّ أن يؤلّف في أي شيء حتّى في الملفوف يمكن يؤلّف في فوائد الملفوف.
قال:"كشُعْبَةَ ومالكٍ والثَّوريِّ والشَّافعيِّ والبُخاريِّ ومُسلمٍ ونحوِهم"، هؤلاء أئمّة كبار.
"فالأوَّلُ وهُو ما ينتَهي إِلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يسمى: العُلُوُّ المُطْلَقُ"، النّوع الأوّل الذي ذكرناه، الذي ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسمّى العلوّ المطلق.
"فإِن اتَّفَقَ أَنْ يكونَ سندُهُ صحيحاً؛ كانَ الغايةَ القُصوى"، الآن جئنا لمسألة الصحّة، انتهينا من مسألة العلو والنّزول، الآن مسألة الصحّة، إن كان الحديث عالي الإسناد وصحيح مع ذلك كان في الغاية القصوى، أقصى ما يُطْلَب؛ لأنّه إذا جمع ما بين العلوّ والصحّة يكون العلوّ فيه منقبة زائدة، تزيده قوّة، لماذا تزيده قوّة؟ لأنّه كل راوٍ من رواة السّند يجوز عليه أن يخطئ وإلّا ما يجوز؟ يجوز، فكلّما نقّصنا راوياً نقّصنا نسبة جواز الخطأ في الحديث، لذلك كان الحديث العالي الإسناد أفضل من الحديث النّازل الإسناد لكن بشرط أن يكون رواته ثقاتً عدولاً، والإسناد صحيح، ليس أي إسناد.
نعم، تؤثّر مسألة العلوّ والنّزول حتّى في الحديث الضّعيف لكن تكون المنقبة، أو توجد المزيّة في الحديث العالي إذا كان صحيحاً.
الحديث النّازل إذا كان صحيحاً أفضل من الحديث العالي إذا كان ضعيفاً.
قال: "وإِلاَّ فَصُورةُ العلوِّ فيهِ موجودةٌ ما لم يكُنْ موضوعاً"، يعني صورة العلوّ موجودة حتّى لو كان الحديث ضعيفاً، يُسَمّى عالياً ما فيه إشكال، الصّورة موجودة والمزيّة موجودة في أصلها، إلّا أن يكون الحديث موضوعاً، إذا كان الحديث مكذوب، خلاص، ما فائدته؟!! ماله أي فائدة، فالعلوّ تبع أصلاً يمكن يكون مكذوب.
قال:"فهُو كالعدَمِ"، كأنّه غير موجود إذا كان موضوعا لا عبرة به.
"والثَّانِي: العُلُوُّ النِّسْبِيُّ"، وهو العلوّ إلى إمام من الأئمّة، هذا يسمّى علوّاً نسبيّاً، فهو بالنّسبة إلى الإمام الفلاني هو عالٍ، لكن في حقيقة الأمر كعلوّ مطلق ليس بعالٍ.
"وهُو ما يقلُّ العددُ فيهِ إِلى ذلك الإِمامِ"، كأن يروي مثلاً الإمام البخاري عن نافع، فإذا -مثلاً- وصل إلى نافع براوٍ واحد يسمّى عالياً، إذا روى عن نافع براويين يسمّى نازلاً، هكذا.
قال: "ولو كانَ العددُ من ذلك الإِمامِ إِلى مُنتهاهُ كَثيراً"، بغضّ النّظر عن حال الإسناد من نافع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقط نحن ننظر إلى نافع كإمام، رواية البخاري إلى نافع إذا كانت بينه وبين نافع واحد يسمّى عالياً، إذا كان بينه وبين نافع اثنان يسمّى نازلاً، طيب بعد نافع مالنا شغل، مالنا شغل.
قال: "وقد عَظُمَتْ رغبةُ المُتأَخِّرينَ فيهِ"، المتأخّرون من المحدّثين عظمت رغبتهم في العلوّ هذا، يعني هذا النّوع، وصاروا يتسابقون إليه، حتّى إنّ الكثير من العلماء قد ذمّهم بسبب اشتغالهم بمثل هذا وتركهم ما هو أهمّ منه.
قال: "حتَّى غَلَبَ ذلك على كثيرٍ منهُم، بحيثُ أَهْمَلوا الاشتِغالَ بما هُو أَهمُّ منهُ"، فحصل الإنكار من قِبَل بعض العلماء، وحتّى تطاول عليهم بعض الفقهاء، وصاروا يذمّون الحديث و يذمّون أهله بسبب فعل هؤلاء.
"وإِنَّما كانَ العلوُّ مَرغوباً فيهِ؛ لكونِه أَقربَ إِلى الصحَّةِ"، هذه الغاية، نحن ماذا نريد من العلوّ؟!! لكونه أقرب إلى الصحّة، وأقوى.
"وقلَّةِ الخطأِ؛ لأنَّهُ ما مِن راوٍ مِن رجالِ الإِسنادِ إِلاَّ والخطأُ جائزٌ عليهِ، فكلَّما كَثُرتِ الوسائطُ"، يعني كثُرَ الرّجال.
"وطالَ السَّندُ"؛ لكثرة الرّجال.
"كَثُرَتْ مظانُّ التَّجويزِ"، يعنيتجويز الخطأ.
"وكلَّما قلَّتْ؛ قلَّتْ"، قل مظانّ تجويز الخطأ.
"فإِنْ كانَ في النُّزولِ مَزِيَّةٌ ليستْ في العلوِّ؛ كأَنْ يكونَ رجالُه أَوثقَ منهُ، أَو أَحفَظَ، أَو أَفقهَ، أَو الاتِّصالُ فيهِ أَظهرَ؛ فلا تردُّدَ في أَنَّ النُّزولَ حينئذٍ أَولى"، لأنّ الغاية من العلوّ الصحّة، فإذا وُجِدت في النّازل فالنّازل يكون أقوى من العالي وأحسن.
"وأَمَّا مَن رجَّحَ النُّزولَ مُطلقاً"، بعض العلماء رجّحوا النّازل مطلقاً، وهؤلاء أبعدوا النُّجْعة.
"واحْتَجَّ بأَنَّ كَثرةَ البحثِ تقتَضي المشقَّةَ؛ فيعظُمُ الأجْرُ"، هذه حجّته، لماذا؟ قال والله لكثرة البحث والتّفتيش والنّظر في الرّجال، كلّما كثروا كان أحسن، يزيد مشقّة والمشقّة تزيد الأجر.
نحن هذا ليس شغلنا الآن، نحن ليس شغلنا في قضيّة البحث عن الأجر، والبحث عن الأجر تبحث عنه بسبل وطرق كثيرة، بعيدة عن المشقّة أصلاً، لكن قضيّتنا الآن قضيّة صحّة وضعف، ثبوت وغير ثبوت، هذا الذي يهمّنا الآن.
لذلك ردّ عليه الحافظ بقوله: "فذلك ترجيحٌ بأَمرٍ أَجنبيٍّ"، يعني غريب عن موضوعنا، ليس من موضوعنا أصلاً.
"عمَّا يتعلَّقُ بالتَّصحيحِ والتَّضعيفِ"، نحن بحثنا في التّصحيح والتّضعيف وما يتعلّق بهما، ومسألة زيادة الأجر مع زيادة المشقّة مسألة أخرى، ما هي من هذا القبيل في شيء.
قال:"وفيهِ؛ أي: في العلوِّ النسبيِّ المُوافَقَةُ، وهي الوصول إلى شيخِ أحدِ المُصَنِّفينَ مِن غيرِ طريقهِ"، هذه الآن الأنواع التي يريد أن يذكرها أنواع هي من مبحث العلوّ النّسبي، يعني العلوّ الذي يصل إلى إمام من الأئمّة، هذه تقريباً قليلة الفائدة، لكن من باب العلم بالشّيء.
"وفيهِ؛ أي: في العلوِّ النسبيِّ المُوافَقَةُ، وهي الوصول إلى شيخِ أحدِ المُصَنِّفينَ مِن غيرِ طريقهِ"، يعني فلنقل نحن -مثلاً- نريد أن نروي حديثاً رواه البخاري، وعندنا إسناد نصل فيه إلى البخاري ثمّ إلى شيخه، تمام؟
لا، نحن نريد إسناداً آخر لا يكون فيه البخاري، نصل إلى شيخه مباشرة، تمام؟
ونصل إلى شيخه بطريقة أقل رجالاً ممّا لو روينا الحديث من طريق البخاري.
قال:"وفيهِ؛ أي: في العلوِّ النسبيِّ المُوافَقَةُ"، هذه تسمّى الموافقة.
"وهي الوصول إلى شيخِ أحدِ المُصَنِّفينَ"، يعني أن نصل إلى شيخ البخاري مثلاً.
"مِن غيرِ طريقهِ"، يعني ما يكون البخاري مذكور في إسنادنا، نصل إلى شيخ البخاري بإسناد آخر، بعيد عن البخاري.
"أَي: الطَّريقِ التي تصلُ إِلى ذلك المصنِّفِ المُعيَّنِ، ومثالُه: روى البُخاريُّ عن قُتيبةَ عن مالكٍ حديثاً"، قتيبة بن سعيد عن مالك حديثاً.
"فلو رَوَيْناهُ مِن طريقِهِ؛ كانَ بينَنا وبينَ قُتَيْبَةَ ثمانيةٌ"، هذا الحافظ ابن حجر يتكلّم، لو روى الحديث هذا الذي روى البخاري عن قتيبة عن مالك من نفس طريق البخاري كان بينه وبين مالك ثمانية رجال.
"ولو رَوْينا ذلك الحَديثَ بعينِه مِن طريقِ أَبي العبَّاس السَّرَّاجِ عن قُتيبةَ"، أبو العبّاس السرّاج تابع البخاري متابعة تامّة، لو روينا الحديث ليس من طريق البخاري، ولكن من طريق أبي العبّاس السرّاج؛ لأنّ البخاري وأبا العبّاس السرّاج يرويانه عن قتيبة، نحن لو روينا حديثاً بإسناد لنا من طريق أبي العبّاس السرّاج ووصلنا إلى قتيبة.
"مثلاً؛ لكانَ بينَنا وبينَ قُتيبةَ مثلاً فيه سبعةٌ"، أعلى من الإسناد من طريق البخاري وإلا مش أعلى؟ أعلى.
"فقدْ حَصَلَتْ لنا المُوافقةُ معَ البُخاريِّ في شيخِهِ بعينِهِ"، وافقنا البخاري في شيخه بعينه الذي هو قتيبة بن سعيد، "معَ عُلوِّ الإِسنادِ على الإِسنادِ إِليهِ، وفيهِ؛ أَي: في العلوِّ النسبيِّ البَدَلُ، وهو الوُصولُ إِلى شيخِ شيخِهِ كذلكَ"، نفس صورة الموافقة؛ لكن لا نصل إلى شيخ المصنّف ولكن نصل إلى شيخ شيخه، يعني نصل إلى مالك، ما نصل إلى قتيبة.
"كأَنْ يقعَ لنا ذلك الإِسنادُ على الإسناد إليه بعينِهِ مِن طريقٍ أُخرى إِلى القعنَبِيِّ عن مالكٍ"، من غير طريق قتيبة، من طريق القَعْنَبي.
"فيكونُ القَعْنَبيُّ بَدلاً فيهِ مِن قُتَيْبَةَ"، لذلك سُمِّي بدلاً، بدل فيه من قتيبة وصلنا فيه إلى مالك.
"وأَكثرُ ما يعتَبِرونَ المُوافَقَةَ والبَدَلَ إِذا قارَنَا العُلُّوَّ"، يعني يقولون هذه موافقة وهذه بدل إذا كان معها علوّاً، أكثر ما يعتبرونه كذلك.
"وإِلاَّ؛ فاسمُ المُوافقةِ والبَدلِ واقِعٌ بدُونِه"، يعني حتّى وإن لم يحصل علوّ يسمّونها موافقة وبدل، لكن أكثر اعتبارهم لهذه التّسمية مع العلوّ.
"وفيهِ؛ أَي: العُلوِّ النسبيِّ المُساواةُ، وهي: استواءُ عدَدِ الإِسنادِ مِن الرَّاوي إِلى آخِرِهِ؛ أَي: الإِسنادِ مَعَ إِسنادِ أَحدِ المُصَنِّفينَ"، انظر إلى المثال يتّضح.
"كأَنْ يروِيَ النَّسائيُّ مَثلاً حَديثاً يقعُ بينَهُ وبينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيهِ أَحدَ عشرَ نفساً"، النّسائي يروي حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم بأحد عشر شخصاً (رواياً)، هذا يسمّى نازلاً بالنّسبة للنّسائي جدّاً.
"فيقعُ لنا ذلك الحديثُ بعينِه بإِسنادٍ آخَرَ إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقعُ بينَنا فيه وبينَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَحدَ عشرَ نفساً"، أنظر مع أنّه أنزل من النّسائي بكثير لكن هم وقع لهم عالياً جدّاً والنّسائي وقع لهم نازلاً جدّا فصار عدد الرّجال بينهما وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم نفس العدد.
"فنُساوي النَّسائيَّ مِن حيثُ العددُ معَ قطعِ النَّظرِ عن مُلاحظةِ ذلك الإِسنادِ الخاصِّ"، من حيث العدد نساوي النّسائي، فبيننا وبين النبي صلى الله عليه وسلم كم؟ أحد عشر، وبين النّسائي وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم أحد عشر.
بغضّ النّظر هل الحديث واحد أم ليس بواحد.
لذلك قال في النّهاية: "معَ قطعِ النَّظرِ عن مُلاحظةِ ذلك الإِسنادِ الخاصِّ"، الظاهر هذا أنّ المتن واحد، لكن الإسناد مختلف تماماً.
"وفيهِ؛ أَي: في العلوِّ النسبيِّ أَيضاً المُصافَحَةُ"، فصار كم عندنا نوع من العلوّ النسبي؟ أربعة.
"وهي: الاستواءُ مَعَ تِلْميذِ ذلكَ المُصَنِّفِ على الوجْهِ المَشروحِ أَوَّلاً"، أي في المساواة، نفس الشّيء لكن لا نصل إلى شيخ المصنّف لكن نصل إلى تلميذ المصنّف ونشترك معه في شيخه.
"وسُمِّيتْ مُصافحةً لأنَّ العادةَ جرتْ في الغالبِ بالمُصافحةِ بينَ مَن تلاقَيا، ونحنُ في هذهِ الصُّورةِ كأَنَّا لَقينا النَّسائيَّ، فكأَنَّا صافَحْناهُ"،
"ويُقابِلُ العُلُوُّ بأَقْسَامِهِ المَذكورةِ النُّزولُ"، كل قسم من الأقسام المتقدّمة التي قلنا هي قسم من العلوّ فيه قسم آخر يقابله من النّزول.
"فيكونُ كلُّ قسمٍ مِن أَقسامِ العُلوِّ يُقابِلُهُ قسمٌ مِن أَقسامِ النُّزولِ؛ خِلافاً لمَن زعمَ أَنَّ العُلوَّ قد يقعُ غيرَ تابعٍ لنُّزولِه"، يعني قد يقع العلوّ منفصلاً عن نزوله، فجعل النّزول له مراتب غير العلوّ، لكن هذا جعله الحافظ مرجوحاً.
نكتفي بهذا القدر - إن شاء الله -.
وسبحانك اللهمّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلّا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-12-2012, 07:36   #22
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الدرس الثاني والعشرون من شرح نزهة النظر

الدرس الثاني والعشرون من شرح نزهة النظر

بسم الله الرحمن الرحيم
قال المؤلّف -رحمه الله-:"فإِنْ تَشارَكَ الرَّاوِي ومَنْ روى عَنْهُ في أَمرٍ مِن الأمورِ المتعلِّقَةِ بالرِّوايةِ؛ مثلِ السِّنِّ واللُّقِيِّ، وهو الأخذُ عن المشايخِ؛ فهُو النُّوعُ الَّذي يُقالُ لهُ: روايةُ الأقْرانِ"؛ إذن المؤلّف -رحمه الله- يُعَرِّف رواية الأقران، فما هي رواية الأقران؟
قال:"فإِنْ تَشارَكَ الرَّاوِي"، فلنقل بأنّ الرّاوي زيدٌ.
"ومَنْ روى عَنْهُ"، فلنقل بأنّ اسمه عمرو.
فإن تشارك زَيْدٌ مع عمرو،
"في أَمرٍ مِن الأمورِ المتعلِّقَةِ بالرِّوايةِ؛ مثلِ السِّنِّ"، وهو العمر.
"واللُّقِيِّ"، فسّره بقوله: "وهو الأخذُ عن المشايخِ".
"فهُو النُّوعُ الَّذي يُقالُ لهُ: روايةُ الأقْرانِ"؛ الأقران أو القرينان هما اللّذان اشتركا في السنّ أو في الإسناد، إمّا أن يكون بينهما اشتراكٌ في العُمْر، يكون عُمْرُ هذا كعُمْر هذا، أو أن يكون بينهما اشتراكٌ في المشايخ، في الإسناد، في أخذ الحديث.
أنا وأنت -مثلاً- نأخذ عن شيخ معيّن، هنا نصبح نحن قرينين، تمام؟ فهذا إذا رويت أنا بعد ذلك عنك أو أنت عنّي فروايتي عنك تُسَمَّى رواية الأقران، أو أنت إذا رويت عنّي تُسَمَّى روايتك أيضاً رواية الأقران، واضح الآن؟
قال:"لأنَّهُ حينئذٍ يكونُ راوياً عن قَرينِهِ"، الذي اشترك معه في السنّ أو في الشّيخ.
"وإِنْ رَوى كُلِّ مِنْهُما؛ أَي: من القَرينَيْنِ عَنِ الآخَرِ"، نحن مثّلنا بــ "زيْد" و "عمرو" قرينان، إذا روى زيد عن عمرو، فتّشنا ولم نجد رواية لِعَمْروٍ عن زيد، ما وجدنا إلّا رواية لـ "زيد" عن "عمروٍ" هذه تُسَمَّى رواية أقران.
طيب إن وجدنا العكس؟ إن وجدنا رواية "عمرو" عن "زيد" فقط، ولم نجد رواية "زيد" عن "عمرو"؟ أيضا تُسَمَّى رواية أقران لا فرق، صح؟ طيب.
إذا وجدنا رواية لـ "زيد" عن "عمرو"، ووجدنا رواية أخرى لـ "عمرو" عن "زيد"؟ أنظر الآن كيف أصبحت الصورة؟ هذه الصّورة هي التي يتحدّث عنها الحافظ ابن حجر.
"وإِنْ رَوى كُلِّ مِنْهُما؛ أَي: من القَرينَيْنِ"، "زيد" و "عمرو".
"عَنِ الآخَرِ"، "زيد" روى عن "عمرو"، ووجدنا لــ "عمرو" رواية عن "زيد".
"فـهو المُدَبَّجُ"، هذا نوع آخر يُسَمَّى الــمُدَبَّج.
"وهو أَخصُّ مِن الأوَّلِ"، يعني بينهما خصوص وعموم مطلق.
"فكلُّ مُدَبَّجٍ أَقرانٌ، وليسَ كلُّ أَقرانٍ مدبَّجاً"، فكلّ مُدَبَّج أقران، لا يُسَمَّى مدبّج حتّى يروي "زيد" عن "عمرو"، و"عمرو" عن "زيد" وهما قرينان، لكن يُسَمّى رواية أقران برواية واحد عن الآخر فقط.
طيب إذا روى واحد فقط عن الآخر يُسَمَّى مُدَبَّجًا؟؟ لا.
إذن فيه عندنا صورة من الصّور لا يدخل فيها الــمُدَبَّج لكن ما فيه عندنا ولا صورة من صور الــمُدَبَّج لا يدخل فيها رواية الأقران، صح؟ هذا معنى بينهما عموم وخصوص مطلق.
"وقد صنَّفَ الدَّارقطنيُّ في ذلك"، أي في رواية الأقران، وفي الحديث الــمُدَبَّج.
"وصنَّف أَبو الشيخِ الأصبهانيُّ في ذلك قبلَه"، يعني صنّفا في الــمُدَبَّج.
"وإِذا روى الشَّيخُ عن تلميذِهِ صَدَق أَنَّ كلاًّ منهُما يروي عنِ الآخَرِ"؛ صح؟ إذا قلنا بأنّ "زيد" شيخٌ لــ "عمرو"، الأصل عندنا ماذا؟ أنّ "عمرو" يروي عن "زيد" لأنّ "عمرو" تلميذ لــ "زيد"، طيب، إذا وجدنا رواية لــ "زيد" عن "عمرو" انطبق عليه نفس صورة الــمُدَبَّج.
قال:"فهل يُسمَّى مُدبَّجاً؟"، استفهام، سؤال من الحافظ ابن حجر، يُسَمَّى هذا مُدَبَّج في الاصطلاح؟
قال: "فيهِ بحثٌ"، أي يحتاج إلى فحص وتفتيش.
"والظَّاهرُ: لا"؛ الظّاهر أنّه لا يُسَمّى، لماذا؟
قال: "لأنَّهُ مِن روايةِ الأكابِرِ عَنِ الأصاغِرِ"، هذا له صنف خاص وهي التي تُسَمَّى رواية الأكابر عن الأصاغر، فهما غير متساويين، هذا كبير وهذا صغير، أمّا الــمُدَبَّج فيه ماذا؟؟ فيه تساوٍ، فيه تساوي بين القرينين لذلك قال هنا هذه الصورة، رواية الأكابر عن الأصاغر، لا تدخل في الــمُدَبَّج، لماذا؟ لعدم التّساوي.
قال: "والتَّدبيجُ"، الذي هو الأصل الاشتقاق اللّغوي للاسم الاصطلاحي.
"والتَّدبيجُ مأْخوذٌ مِن دِيباجَتَيِ الوجهِ"، أي طفحتيه، هنا متساويتان، هذه وهذه من الوجه متساويتان، نفس الشيء.
"فَيَقْتَضِي أَن يكونَ ذلك مُستوِياً مِن الجانبَيْنِ"، إذن فيه تساوٍ وإلّا ما فيه تساوي؟ فيه تساوي.
رواية الأكابر عن الأصاغر ما فيها تساوٍ، فلذلك لا تدخل في الــمُدَبَّج.
"فلا يجيءُ فيهِ هذا"، يعني لا تدخل رواية الأكابر عن الأصاغر في الــمُدَبَّج، لعدم التّساوي.
قال: "وإِنْ رَوى الرَّاوي عَمَّنْ هُو دُونَهُ في السنِّ أَو في اللُّقيِّ أَو في المِقدارِ "، لاحظ ثلاثة أشياء:
"في السنِّ"، في العُمْر.
"في اللُّقيِّ"، في لُقُي المشايخ، في الأخذ عن المشايخ.
"أَو في المِقدارِ"، يعني في القدر، والمكانة.
"فـهذا النَّوعُ هو روايةُ الأكابِرُ عَنِ الأصاغِرِ"، الأكابر يُقَال لهم أكابر إذا:
·الأوّل: أن يكونوا في العُمْر أكبر.
·والثّاني: أن يكونوا في الأخذ عن المشايخ أكبر.
·الثالث: أن يكونوا في القدر والمنزلة أكبر.
"ومِنهُ؛ أَي: و مِن جُملةِ هذا النَّوعِ"، الذي هو رواية الأكابر عن الأصاغر.
"وهو أَخصُّ مِن مُطلَقِهِ"، أي "روايةُ الآباءُ عَنِ الأبْناءِ" التي ستأتي، ورواية الصّحابة عن التّابعين، كلّ رواية للآباء عن الأبناء تدخل في رواية الأكابر عن الأصاغر وليس العكس، فهذه الصّورة التي هي رواية الآباء عن الأبناء مثلاً أخصّ من رواية الأكابر عن الأصاغر، ماذا يعني؟ يعني أنّك تجد من رواية الأكابر عن الأصاغر صورًا كثيرة، صح؟
من هذه الصّورة مثلاً شخص كبير في السنّ روى عن شخص صغير في السنّ، ومن ذلك أيضاً رواية الآباء عن الأبناء، الأب أصغر منّا أو أكبر؟! أكبر، الأب أكبر من ابنه، طيب روايته عن ابنه داخلة في رواية الأكابر عن الأصاغر، إذن كلّ رواية للأب عن ابنه هي داخلة في رواية الأكابر عن الأصاغر، لكن هل كلّ رواية الأكابر عن الأصاغر هي من رواية الآباء عن الأبناء؟ لا، هذا معنى كلامه أنّها "أَخصُّ مِن مُطلَقِهِ"، من مطلق رواية الأكابر عن الأصاغر.
"ومِنهُ"؛ أي من رواية الأكابر عن الأصاغر.
"روايةُ الآباءُ عَنِ الأبْناءِ، والصَّحابةِ عنِ التَّابعينَ"، كذلك، "والشَّيخِ عن تلميذِهِ"، كلّ هذه الصّور داخلة في رواية الأكابر عن الأصاغر.
"وفي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ"، أي رواية الأصاغر عن الأكابر، لماذا "عَكْسِهِ كَثْرَةٌ"؟؟ هي الأصل، الأصل أنّ الصّغير هو الذي يروي عن الكبير، الكبير أكبر فهو يُدْرِك ما يدركه الصّغير.
قال: "وفي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ"، رواية الأصاغر عن الأكابر هذه كثيرة لأنّها هي الأصل.
قال:"لأنَّهُ هُو الجادَّةُ المسلوكةُ الغالبةُ"، ماذا يعني بــ "الجادَّةُ المسلوكةُ"، يعني الطّريق الذي تسلك عليه، يعني تمشي عليها، هذا الأصل اللّغوي، فالجادّة المسلوكة في الحديث هي الطّريق التي يتّبعها أهل الحديث فيتتابعون عليها، هذه الجادّة المسلوكة، يقول لك: فلانٌ سلك الجادّة، يعني مشى على نفس الطّريق المعتاد، تمام؟
قال هنا: "لأنَّهُ هُو الجادَّةُ المسلوكةُ الغالبةُ"، معروف، الجادّة المسلوكة الغالبة الطّريق التي عليها المحدّثون ماهي؟
الأصاغر يروون عن الأكابر.
"وفائدةُ معرِفَةِ ذلك"، أي لماذا يذكر لنا هذا الموضوع، موضوع راوية الأكابر عن الأصاغر، ماذا يريد من هذا؟
قال: "وفائدةُ معرِفَةِ ذلك: التَّمييزُ بينَ مراتِبِهِم"، فعلاً، كلّ شخص له مرتبته ومكانته.
"التَّمييزُ بينَ مراتِبِهِم"، أي الرّواة.
"وتَنْزيلُ النَّاسِ منازِلَهُم"، إعطاء كلّ شخص قدره ومكانته.
"وقد صنَّفَ الخَطيبُ في راويةِ الآباءِ عنِ الأبناءِ تصنيفاً"، له كتاب مستقلّ في رواية الآباء عن الأبناء.
"وأَفردَ جُزءاً لطيفاً في روايةِ الصَّحابةِ عن التَّابِعينَ"، لذلك قالوا الخطيب قلّ فنُّ من فنون المصطلح إلّا وله فيه كتاب.
"ومِنهُ"؛ أي من العكس الذي هي رواية الأصاغر عن الأكابر.
"مَنْ رَوى عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ"، لأنّ هذه من رواية الأصاغر عن الأكابر، عندما يروي مثلاً يقول لك: بَهزُ بن حكيم عن أبيه عن جدّه، عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جدّه، هذه من رواية الأصاغر عن الأكابر.
بَهْزُ أصغر من أبيه، وأبوه أصغر من جدّه فهي داخلة في هذه الجادّة المسلوكة.
"وجَمَعَ الحافظُ صلاحُ الدِّينِ العَلائيُّ –مِن المتأَخِّرينَ– مُجلَّداً كبيراً في معرفةِ مَن روى عن أَبيهِ عن جدِّهِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم"، مجلّد ضخم في معرفة مَنْ روى عن أبيه عن جدّه.
"وقسَّمهُ أَقساماً، فمنهُ ما يعودُ الضَّميرُ في قولِه: ((عن جدِّهِ)) على الرَّاوي، ومنهُ ما يعودُ الضَّميرُ فيهِ على أَبيهِ"، عندما يقول مثلاً: بَهْزُ بن حكيم عن أبيه عن جدّه، الهاء هذه التي في كلمة "جدّه" ضمير، صح؟ هذا الضّمير يعود على مَنْ؟ على جدّه، يعني عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه، يعني عن جدّ بَهْز، وإلّا عن جدّ أبيه؟ هذا المقصود بكلامه، تمام؟ الاحتمال وارد، قائم، لكن يُعْرَف ذلك من خلال النّظر في الأسانيد تعرف مَنْ المقصود بالجدّ هذا.
فقولنا مثلاً: بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه، الضّمير في جدّه يعود إلى بَهْز عندنا في هذه الصّورة التي ذكرناها في المثال، الضّمير يعود إلى "بَهْزِ" فيكون جدّه هو مَنْ؟ معاوية بن حيدة لأنّ اسمه -اسم بهز- بَهْزُ بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة، فلو قلنا الضّمير في جدّه يعود إلى أبيه، قلنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه، وقلنا الضّمير في جدّه يعود إلى أبي بهز، فيكون هنا جدّه مَنْ هو؟ يكون حَيْدة، إذا علمنا أنّ اسمه بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، يكون هنا المقصود بالجدّ حَيْدة، لكن نحن علمنا أنّ المقصود هنا هو جدّ بهز، مَنْ سيكون هنا؟ معاوية.
بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه، هو اسمه بهز بن حكيم بن معاوية، فيكون جدّ بهز هو معاوية.
والخلاف شديد جدّاً في المثال الثّاني وهو: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، هذا حصل فيه نزاع كبير بين العلماء ما المقصود بجدّه، والظّاهر أنّ الصّواب في هذا الموضوع أنّ جدّه هو عبد الله بن عمرو بن العاص، والهاء عائدة إلى عمرو، هنا قال النووي: "أنكر بعضهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه باعتبار أنّ شعيباً سمع من محمّد لا عن جدّه عبد الله فيكون حديثه مرسلاً، لكن الصّحيح أنّه سمع من جدّه عبد الله (بن عمرو)"، فيكون الضمير هنا عائد إلى شعيب الذي هو إلى أبيه، هذا هو الذي رجّحه كثير من أهل العلم باعتبار أنّه قد وجدت روايات صُرِّح فيها باسم عبد الله بن عمرو.
قال: عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، هو اسمه أصلاً عمرو بن شعيب بن محمّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فعلى ذلك يكون معنى "عن أبيه عن جدّه"، الضّمير يعود إلى شعيب ويكون جدّه هو عبد الله بن عمرو بن العاص، هكذا هو الصّواب.
قال:"وحقَّقَهُ، وخرَّج في كلِّ ترجمةٍ حديثاً مِن مرويِّهِ"، يعني من الرّوايات التي رواها بهذا الإسناد.
"وقد لخَّصتُ كتابَه المذكورَ، وزِدْتُ عليهِ تراجِمَ كثيرةً جدّاً، وأَكثرُ ما وقعَ فيهِ ما تسلْسَلَتْ فيهِ الرِّاويةُ عن الآباءِ بأَربعةَ عشر أَباً"، تجد فلان عن أبيه عن جدّه عن جدّ أبيه عن جدّ جدّه... إلى آخره، إلى أربعة عشر أباً.
"وإِنْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ عَنْ شَيْخٍ، وتَقَدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِما على الآخَرِ؛ فهُوَ: السَّابِقُ واللاَّحِقُ"، الآن دخل على نوعٍ جديد وهو اسمه السّابق واللّاحق.
قال:"وإِنْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ"، راويان اشتركا في الرّواية عن شخص معيّن فلنقل "زيد" و "عمرو".
اشتركا في أخذ حديث ما عن محمّد.
قال:"وإِنْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ عَنْ شَيْخٍ"، "زيد" و"عمرو" اشتركا عن محمّد.
"وتَقَدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِما"، مات "زيد" مُبَكِّرًا عن "عمرو".
"فهُوَ: السَّابِقُ واللاَّحِقُ"، أي "زيد" يموت مبكّرا ثمّ يُعَمِّر شيخهما، تمام؟
يُعَمّر "محمّد" وتطول به المدّة، فيأتي عمرو ويسمع منه، ويسمع من محمّد شيخه الذي سمع منه "زيد" في الماضي ثمّ عمرو يُعَمَّر بعد ذلك، فيصبح الفارق بين موت "زيد" وموت "عمرو" كبيراً جدّاً، هذا النّوع الذي يُسَمَّى السّابق الذي هو "زيد" واللّاحق الذي هو "عمرو".
قال: "وأَكثرُ ما وَقَفْنا عليهِ مِن ذلك ما بينَ الرَّاوْيَيْنِ فيهِ في الوفاةِ مائةٌ وخَمْسونَ سنةً"، اثنان أخذا عن نفس الشّيخ، بين وفاتيهما مائة وخمسون سنة.
"وذلك أَنَّ الحافظَ السِّلفيَّ سمِعَ منهُ أَبو عليٍّ البَرْدانيُّ–أَحدُ مشايخِهِ– حَديثاً"، الحافظ السِّلفي سمع منه البَرْداني الذي هو شيخه.
"ورواهُ عنهُ"، روى عنه حديثاً.
"وماتَ على رأَسِ الخَمْسِ مائةٍ"، سنة الخمس مائة مات.
"ثمَّ كانَ آخِرُ أَصحابِ السِّلفيِّ بالسَّماعِ سِبْطَهُ أَبو القاسمِ عبدَ الرحمنِ بن مَكِّيٍّ"، هذا آخر واحد سمع من السِّلفي.
"وكانتْ وفاتُه سنةَ خمسينَ وستِّمائةٍ"، كم يكون بين وفاتهما؟ مائة وخمسون سنة.
"ومِن قديمِ ذلك"، أي من الصّور التي هي من السّابق واللّاحق التي هي أقدم من هذا.
"أَنَّ البُخاريَّ حدَّثَ عن تِلميذِهِ أَبي العبَّاسِ السَّرَّاجِ أشياء في التَّاريخِ وغيرِه"، يعني البخاري، حدّث عن تلميذه السرّاج.
"وماتَ سنةَ ستٍّ وخمسينَ ومائتينِ"، البخاري مات سنة مائتين وستّ وخمسين.
"وآخِرُ مَن حدَّثَ عن السَّرَّاجِ بالسَّماعِ أَبو الحُسينِ الخَفَّافُ، وماتَ سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ وثلاثِ مائةٍ"، فيكون بين وفاة البخاري والخفّاف مائة وسبعة وثلاثون سنة، الصّورة السّابقة العدد أكبر لكن هذه أقدم.
"وغالِبُ ما يقعُ مِن ذلك"، ما هو سببه؟ ما هو سببه في الغالب؟
"أَنَّ المسموعَ منهُ"، الشّيخ الذي اشتركا في السّماع منه.
"قد يتأَخَّرُ بعدَ موتِ أَحدِ الرَّاويينِ عنهُ"، كما مثّلنا في الصّورة الأولى، يروي عنه "زيد" ثمّ يموت، ثمّ يبقى محمّد ويتأخّر.
"زمناً، حتَّى يسمَعَ منهُ بعضُ الأحداثِ"، يكون "عمرو" صغير في السنّ ويسمع من "محمّد" قبل أن يموت بقليل.
"ويعيشَ بعدَ السَّماعِ"، يعني عمرو هذا الذي سمع من هذا الشّيخ الذي تأخّر في الوفاة، والذي سمع منه "زيد" مبكّراً يعيش "عمرو" فترة طويلة إلى الأمام.
"ويعيشَ بعدَ السَّماعِ منهُ دَهْراً طويلاً، فيحْصُلُ مِن مجموعِ ذلك نَحْوُ هذهِ المدَّةِ"، يعني نحو هذه المدّة التي ذكرناها وهي مائة وسبع وثلاثين سنة، مائة وخمسين سنة، هذا سبب الذي يوقع مثل هذه الصّور.
طيب نقف.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-12-2012, 07:37   #23
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الدرس الثالث والعشرون من شرح نزهة النظر

الدرس الثالث والعشرون من شرح نزهة النظر

بسم الله الرحمن الرحيم
قال المؤلّف -رحمه الله-: "وإِنْ رَوى الرَّاوي عَنِ اثْنَيْنِ مُتَّفِقَيِ الاسْمِ، أَو معَ اسمِ الأبِ، أَو معَ اسمِ الجدِّ، أَو معَ النِّسبةِ، ولَمْ يَتَمَيَّزا"، قبل أن نبدأ الحكم نريد أن نتصوّر الصورة.
يقول الإمام البخاري -مثلاً-: حدّثنا محمّد ويسكت، هذا يُسَمّى مهملاً.
أو إذا قال: حدّثني محمّد بن عبد الله، وكان في طبقة شيوخ البخاري أكثر من واحد يحملون هذا الاسم، أو نُسِب نسبة كأن يقول: حدّثني محمّد الجعفي، وكان في الطّبقة هذه من شيوخ البخاري أكثر من واحد يُسَمّى محمّد الجعفي مثلاً، ماذا نفعل؟ تصورّتم المسألة الآن؟ هذه الصّورة التي يذكرها المؤلّف.
قال: "ولَمْ يَتَمَيَّزا بما يخُصُّ كُلاًّ منهُما"، يعني ما ذكر ميزة عند ذكره للاسم نعرفه بها فينفصل عن الآخر فيصبح معروفاً عندنا، ما تميّز بشيء، طيب، ماذا نفعل الآن؟
قال:"فإِنْ كانا ثقَتَيْنِ لم يَضُرَّ"، واضحة هذه؟ إذا قال البخاري: حدّثنا محمّد بن عبد الله، وكان في هذه الطّبقة أكثر من واحد يقال له محمّد بن عبد الله، ثلاثة أو اثنين، وكانا هذان الاثنان ثقتان، فعندنا مشكلة في هذا؟ سواء كان الأول أو الثّاني ما فيه مشكلة طبعاً، إذن الأمر في هذا سهل.
"ومِن ذلكَ"، أي من هذه الصّورة.
"ما وقَعَ في البُخاريِّ"، في صحيحه.
"لروايتِه عن أَحمدَ –غيرَ مَنسوبٍ– عن ابنِ وَهْبٍ"، أنظر الآن صورة الإسناد.
البخاري قال: حدّثنا أحمد عن ابن وهب، عادة نحن عندما نريد أن نميّز أحمد هذا ماذا نفعل؟ ننظر مسألة الاختصاص في التّلاميذ والشّيوخ، هذه أوّل مسألة، الآن بالنسّبة للتّلاميذ اتّحدوا، هو والبخاري يروي عن واحد، البخاري يروي عن اثنين يقال لهما أحمد، لكن عندنا الشّيخ، مَنْ شيخهما؟ ابن وهب، صح؟ فنذهب وننظر في أحمد هذا الذي يروي عنه البخاري وهو يروي عن ابن وهب، فإن وجدنا أحدهما يروي عن ابن وهب والآخر لا يروي عن ابن وهب ماذا نفعل؟ خلاص، نعرف أنّه الأوّل وليس الثّاني، لماذا؟ لروايته عن شيوخه، عرفناه من شيوخه.
إذا كانوا قد اتّحدوا في التّلاميذ والشّيوخ هذه الصّورة التي يتحدّث عنها الحافظ ابن حجر.
بحثنا عن أحمد هذا ووجدنا أحمد الأوّل، وأحمد الثّاني، اللّذين يروي عنهما البخاري وجدنا كليهما يروي عن ابن وهب، طيب، كيف سنميّز أحمد هذا؟ إذا كان أحمد الأوّل والثّاني ثقتان فما فيه إشكال، وهذه الصّورة التي بين أيدينا، في صحيح البخاري الحديث، فأحمد هذا ثقة سواء كان الأوّل أو الثّاني.
قال: "ومِن ذلكَ ما وقَعَ في البُخاريِّ في روايتِه عن أَحمدَ –غيرَ مَنسوبٍ– عن ابنِ وَهْبٍ؛ فإِنَّهُ إِمَّا أَحمدُ بنُ صالحٍ، أَو أَحمدُ بنُ عيسى"، هذان الاثنان روى عنهما البخاري في صحيحه، أحمد بن صالح وأحمد بن عيسى، وكلاهما يروي عن ابن وهب، طيب، لا يضرّنا، سواء كان أحمد بن صالح، أو أحمد بن عيسى، لماذا؟ لأنّ كليهما ثقة، فالأمر سهل.
"أَو: عن محمَّدٍ –غيرَ منسوبٍ– عن أَهلِ العراقِ؛ فإِنَّهُ إِمَّا محمَّدُ بنُ سَلاَمٍ أَو محمَّدُ بنُ يَحْيى الذُّهليُّ"، إمّا محمّد بن سلام، أو محمّد بن يحي الذهلي.
يعني عندما يأتيك البخاري يقول: حدّثنا محمّد ثمّ يذكر شيخاً عراقيّاً، بغضّ النّظر عن تعيينه المهمّ أنّه من أهل العراق، فلا يكون محمّد هذا إلّا محمّد بن سلام أو محمّد بن يحي الذّهلي.
طيب، نحتاج أن نعرف مَنْ هو منهما؟ لا يهمّ لأنّ محمّد بن سلام، ومحمّد بن يحي ثقتان.
"وقدِ استَوْعَبْتُ ذلك في مقدِّمةِ ((شرحِ البُخاريِّ))"، بيّن هؤلاء الذين هم من هذا النّوع من الرّجال، بيّنهم في مقدّمة صحيح البخاري، واعتمد على القرائن والأدلّة في تمييز أحدهما عن الآخر.
قال: "ومَن أَرادَ لذلك ضابِطاً كُلِّيّاً"، أي قاعدة يسير عليها في هذا الباب لمعرفة الرّواة.
قال: "ومَن أَرادَ لذلك ضابِطاً كُلِّيّاً يمتازُ بهِ أَحدُهما عنِ الآخَرِ"؛ أي يستطيع أن يميّز.
"فباخْتِصاصِهِ؛ أَي الراوي بأَحَدِهِما يَتَبَيَّنُ المُهْمَلُ"، المهمل كما ذكرنا، الذي يقال فيه مثلاً: حدّثنا محمّد ولا يتبيّن فيقول هنا يُعرف من خلال الرّاوي عنه، إن كان له به اختصاص مثلاً بأن يكون ملازماً لأحدهما، أو من أهل بلده مثلاً فهنا له به اختصاص، يعني يوجد قرينة عندنا تجعلنا نرجّح أن يكون هو الأوّل أو الثّاني بناءً على هذه القرينة.
قال: "فباخْتِصاصِهِ"؛ ماذا يعني بالاختصاص؟
أن يكون ملازماً لهذا الشّيخ، كأن يقول مثلاً الرّاوي حدّثنا محمّد، ولا ندري أهو "محمّد (أ)" أم "محمّد (ب)"؟؟
وعندما نرى في تراجمهما نجد أنّ الرّاوي هذا، فلنقل بأنّه البخاري مثلاً هو من نفس بلد "محمّد (أ)"، أو أنّهم ذكروا أنّ البخاري مثلاً كان ملازماً لمحمّد (أ) ومكثراً من الرّواية عنه، فيغلب الظنّ هنا عن ماذا؟ على أنّ الرّاوي هذا هو محمّد (أ)، إذا أطلقه هكذا وقال "محمّد" ولم ينسبه، فهذه الخصوصيّة تجعلنا نرجّح أن يكون هو (أ) وليس (ب).
"ومتى لم يتَبَيَّنْ ذلك، أَو كانَ مختَصّاً بهما معاً"، إذا ما وجدنا شيئاً يدلّ على الخصوصيّة، أو كان الرّاوي مختصّاً بـ (أ)، ومختصّاً بــ (ب)، ملازماً لــ (أ)، وملازماً لــ (ب)، طيب، ماذا نفعل؟
قال: "فإشكالُه شديدٌ"، هذا النّوع يشكل جدّاً.
"فيُرْجَعُ فيهِ إِلى القرائنِ، والظَّنِّ الغالِبِ"، على حسب ما يغلب على ظنّك من خلال القرائن التي تراها في الإسناد.
"وإِنْ روى عن شيخٍ حَديثاً؛ فـجَحَدَ الشيخُ مَرْوِيَّهُ"، الآن انتقل إلى مسألة ثانية.
راوٍ روى حديثاً، فجاء تلميذه فروى عنه نفس الحديث، أو روى عنه حديثاً ما، فإذا كان الشيخ هذا الذي روى الحديث قد جحد هذا الحديث.
ماذا يعني جحد؟ قال: لم أروه.
قال الحافظ: "فإِنْ كانَ جَزْماً"، يعني كان الشّيخ قد جحد الحديث جازماً بجحده، جازماً بنفيه، يقول: لم أروِ هذا أبدًا، لا يخرج منّي مثل هذا الكلام.
"كأَنْ يقولَ: كذِبٌ عليَّ، أَو: ما روَيْتُ هذا، ونحوَ ذلك"، مثل هذا من الألفاظ، يجحده جحداً جازماً متأكّداً من أنّه لم يرو هذا الحديث.
"فإِنْ وقعَ منهُ ذلك؛ رُدَّ"، رُدَّ ماذا؟ الحديث، رُدَّ الخبر، الآن كلامنا في ماذا؟ في أنّ التّلميذ ثقة والشّيخ ثقة.
التّلميذ روى عن الشّيخ حديثاً، فبلغ الشّيخ الأمر فقال: كذب عليّ، أو لم أرو هذا الحديث أبداً.
أمّا الحديث فنردّه ما في إشكال في هذا، لأنّه خلاص الشّيخ الآن أصبحت عندنا ريبة فيه، لأنّ الشّيخ الذي قيل أنّه روى يُكَذّب هذا الحديث، لا شكّ عندنا أنّ أحدهما مخطئ.
إمّا التّلميذ المثبت، أو الشّيخ النّافي، لكن نحن لا نملك إلّا أن نردّ مثل هذا الحديث.
قال:"رُدَّ ذلك الخبرُ لِكَذِبِ واحِدٍ منهُما، ولا بد"، لابدّ أن يكون إمّا الشّيخ كذب في نفيه، أو أن يكون التّلميذ كذب في إثباته.
"لا بِعَيْنِه"، أي لكنّنا لا نعيّن مَنْ الذي كذب الشّيخ، أم التلميذ.
"ولا يكونُ ذلك الخبر قادِحاً في واحدٍ منهُما"، قلنا الآن فيه إشكال عندنا، رددنا الخبر، لكن أنت قلت بأنّه واحد منهما كاذب، كيف لا يكون قادحاً في واحد منهما، والكذب قدح؟ الكذب يستلزم القدح في الكاذب؟
قال:"للتَّعارُضِ"، هذا هو السّبب في عدم القدح فيهما، للتعارض، ماذا يعني بالتعارض؟ أي لتعارض تكذيب الشّيخ وتكذيب التّلميذ، فالشّيخ يُكذّب التّلميذ، والتّلميذ يُكذّب الشّيخ.
وليس قبول جرح الشّيخ للتّلميذ بأولى من قبول جرح التّلميذ للشّيخ فيتساقطا، ويبقى عندنا ماذا؟ الأصل وهو أنّهما ثقتان، مع وجود احتمال النّسيان من الشّيخ، والخطأ من التّلميذ، فالكذب لا يكون متعمّدا، واضح هنا؟
إذن خلاصة الموضوع أنّه إذا روى التّلميذ عن الشّيخ حديثاً، وجزم الشّيخ بنفي الحديث يُرَدُّ الخبر ويبقى الشّيخ والتّلميذ ثقتان، هذه خلاصة الموضوع.
"أَوْ كانَ جَحَدَهُ احْتِمالاً"، الحالة الثانية، حالتين عندنا، إذا روى التّلميذ عن الشّيخ فإمّا:
·أن يصدّقه الشيخ وهذا لا إشكال فيه، وهو غالب أحاديث الثّقات.
·أو أن ينفي الشّيخ، فإن نفى الشّيخ فعندنا كم حالة؟ حالتان:
oإمّا أن يكون جازماً بالنّفي.
oأو أن يكون النّفي عنده فيه احتمال.
إذا كان جازما فيُرَدُّ الخبر، طيب إذا كان فيه احتمال؟
"كأَنْ يَقولَ: ما أَذْكُرُ هذا"، فيه احتمال عنده في الأمر ما جزم بهذا النّفي.
"أَو: لا أَعْرِفُهُ"، هذا الحديث.
"قُبِلَ"، في هذه الحالة ماذا؟ يُقْبَل الخبر.
"قُبِلَ ذلك الحَديثُ في الأصَحِّ"، يشير إلى ماذا؟ إلى خلاف، يقولك "في الأصَحِّ" إذن فيه خلاف في المسألة.
لكن الصّحيح عند الحافظ أنّه يُقْبَل، لماذا يُقْبَل يا حافظ؟
قال: "لأَنَّ ذلك يُحْمَلُ على نِسيانِ الشَّيخِ"، في حال الاحتمال يُحْمَل على أنّ الشّيخ قد نسي، فهو من قبيل مَنْ حدّث ونسي، وهذا واضح ووُجِد كثيراً، وأُلِّفت فيه كتب "مَنْ حدّث ونسي" وصار هو يروي عمّن؟ عن تلميذه عن نفسه، إذن بما أنّه واقع، إذن يحمل على هذا الواقع أنّ الشّيخ قد نسي فلذلك يُقبل الخبر، والحكم للذّاكر، إذ المثبت الجازم مقدّم قوله على النّافي المتردد.
"وقيلَ: لا يُقْبَلُ"، أتى به بصيغة التّمريض، قول ضعيف أنّ الحديث لا يُقْبَل.
لماذا لا قلتم لا يُقْبَل؟ قالوا: لأنّ الفرع تبع للأصل في إثبات الحديث.
الفرع الذي هو التّلميذ، لمّا أثبت الحديث اعتمد على ماذا؟ على شيخه عندما أخذه منه.
"لأنَّ الفرعَ تَبَعٌ للأصلِ في إِثباتِ الحَديثِ"، فما أثبت الحديث إلّا بشيخه.
"بحيثُ إِذا أثَبَتَ أَصلُ الحَديثِ؛ ثَبَتَتْ روايةُ الفرعِ"، إذا رواه الشّيخ جاءت رواية الفرع، وإذا لم يرو الشّيخ لم تأت رواية الفرع، فإذا كان هذا هو الحال أنّ رواية الفرع تبع لرواية الأصل في الإثبات، في إثبات الحديث فليكن الأمر كذلك في نفي الحديث، فليكن نفي الفرع ينبغي أن يكون تابعاً لنفي الأصل وهو الشّيخ، فإذا نفى الشّيخ لا يُقْبَل إثبات التّلميذ لأنّ أصل الإثبات للحديث أصلاً أخذه التّلميذ من الشّيخ.
طريقة قياس بعيدة وواضحة البعد في هذا، والصّواب ما قدّمه الحافظ.
قال رحمه الله رادّا لهذا القول:"وهذا مُتَعَقَّبٌ، فأَنَّ عدالَةَ الفرعِ تقتَضي صِدْقَهُ"، لماذا متعقّب؟ يعني نحن نردّ عليكم قولكم هذا.
ما هو دليلكم؟ كلّه بالأدلّة، مجرّد ردّ قبول من دون أدلّة ما ينفع، هنا ميدان علم.
قال:"وهذا مُتَعَقَّبٌ، فأَنَّ عدالَةَ الفرعِ"، الذي هو التّلميذ.
"تقتَضي صِدْقَهُ"، كونه عدلاً، إذن فهو صادق.
"وعدمُ عِلْمِ الأصلِ لا يُنافيهِ، فالمُثْبِتُ مقدَّمٌ على النَّافي"، المثبت الجازم مقدّم على النّافي المتردّد، عدم علم الأصل الذي هو الشّيخ.
"لا يُنافيهِ"، أي لا ينافي صدق التّلميذ، عدم علم الشّيخ لا ينافي صدق التّلميذ، لا يرفع صدق التّلميذ ولا يثبت كذب التّلميذ، بل هو عدم علمه دليل على أنّ الحديث قد ذهب من رأسه، ولا يؤثّر في صدق التّلميذ.
فبما أنّ التّلميذ صادق ونفي الشّيخ لا يؤثّر في صدق التّلميذ، إذن فينبغي أن نقدّم ماذا؟ نقدّم كلام التّلميذ لأنّه جازم، ونردّ كلام الشّيخ لأنّه متردّد.
"وأَمَّا قياسُ ذلك بالشَّهادةِ"، انتقل إلى استدلال آخر.
قال: "وأَمَّا قياسُ ذلك بالشَّهادةِ؛ ففاسِدٌ"، أي تكذيب الأصل للفرع في الشّهادة جرح للفرع في الشّهادة، في باب الشّهادة الأصل إذا كَذَّب الفرع يكون جارحاً للفرع، فإذا كان هذا الحال في الشّهادة فنقيس الرّواية على الشّهادة في هذه المسألة فيكون الآن ماذا؟ يكون ردّ الشّيخ الذي هو الأصل للحديث قادحاً فيمن؟ في الفرع بناءً على قياس الرّواية على الشّهادة.
قال هذا فاسد، يعني كلام الحافظ ابن حجر، لماذا فاسد؟ لأنّه قياس مع الفارق والقياس مع وجود الفارق لا يصحّ،
طيب، ما وجه المفارقة بينهما؟
قال الحافظ: "لأنَّ شهادةَ الفرعِ لا تُسْمَعُ معَ القُدرةِ على شَهادةِ الأَصلِ"، اتّفاقاً، بينما رواية الفرع تُقْبَل مع القدرة على رواية الشّيخ اتّفاقاً، فافترقا وإلّا ما افترقا؟ افترقا.
شهادة الفرع لا تُسْمع مع القدرة على شهادة الأصل، إذا الأصل كان موجوداً لا نحتاج إلى شهادة الفرع، هذا في الشّهادة، طيب في الرّواية؟!! لا، في الرّواية تقبل، إذن افترقا، وبما أنّهما افترقا إذن القياس لا يصحّ.
"بخلافِ الرِّوايةِ، فافْتَرَقَا"، حال الشّهادة غير حال الرّواية في مسألتنا، وبما أنّه أثبت الفارق إذن لا يصحّ القياس.
"وفيهِ؛ أَي: و في هذا النَّوعِ"، وهو نوع من حدّث ونسي.
"صنَّفَ الدَّارقطنيُّ كِتابَ ((مَنْ حَدَّثَ ونَسِيَ))، وفيه ما يدلُّ على تَقْوِيَةِ المذهب الصَّحيحِ"، يعني في التّأليف في هذا الموضوع، وما جمع صور من تحديث الشّيوخ ثمّ نسيانهم دليل على صحّة ما ذكرنا من قبول خبر الرّاوي الذي نسي شيخه تحديثه بالخبر.
فوجود هذه الصّور التي بين أيدينا تؤكّد ما قرّرناه من صحّة قبول الخبر.
قال: "وفيه ما يدلُّ على تَقْوِيَةِ المذهب الصَّحيحِ لكونِ كثيرٍ مِنهُم حدَّثوا بأَحاديثَ فلمَّا عُرِضَتْ عليهِم لم يتذكَّروها، لكنَّهُم –لاعْتِمادِهم على الرُّواةِ عنهُم– صارُوا يروونَها عنِ الَّذينَ رَوَوْها عنهُم عن أَنْفُسِهِم"، فهم أنفسهم الشّيوخ قد قبلوا الرّواية عن تلاميذهم، إذن لا يسعنا إلّا أن نقبل هذا الخبر، فعلموا من أنفسهم أنّهم نسوا فحدّثوا بالحديث عن تلاميذهم عن أنفسهم ثمّ ساقوا الحديث.
"كحَديثِ سُهَيْلِ بنِ أَبي صالحٍ عن أَبيهِ عن أَبي هُريرةَ –مرفوعاً– في قِصَّةِ الشَّاهِدِ واليَمينِ، قالَ عبدُ العزيزِ بنُ محمَّدٍ الدَّراوَردِيُّ: حدَّثنا بهِ ربيعةُ بنُ أَبي عبدِ الرحمنِ عن سُهيلٍ؛ قالَ: لقيتُ سُهيلاً، فسأَلتُه عنهُ؟ فلم يَعْرِفْهُ، فقلتُ: إِنَّ ربيعةَ حدَّثني عنكَ بكذا"، ربيعة يحدّث عن سهيل، فجاء عبد العزيز فقال لسهيل إنّ ربيعة يحدّث عنك بهذا الحديث.
"فكانَ سُهَيْلٌ بعدَ ذلك يقولُ: حدَّثني ربيعةُ عنِّي أَنِّي حدَّثتُه عن أَبي بهِ"، فصار يُحدّث به عن ماذا؟ عن تلميذه عن نفسه عن أبيه.
"ونظائِرُهُ كثيرةٌ"، له صور كثيرة مثل هذا.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله سيبدأ بصيغ الأداء وطرق التحمّل.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-12-2012, 07:39   #24
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الدرس الرابع والعشرون من شرح نزهة النظر

الدرس الرابع والعشرون من شرح نزهة النظر

بسم الله الرحمن الرحيم


قال المصنّف رحمه الله:"وإن اتَّفَقَ الرَّواةُ في إِسنادٍ مِن الأسانيدِ في صِيَغِ الأَداءِ؛ كـ: سمعتُ فلاناً قالَ: سمعتُ فُلاناً، أَوْ: حدَّثنا فُلانٌ قالَ: حدَّثنا فُلانٌ، و غيرِ ذلك من الصِّيَغِ، أَوْ غَيْرِها مِن الحالاتِ القوليَّةِ؛ كـ: سمعتُ فلاناً يقولُ: أَشْهَدُ باللهَ لقد حدَّثَني فلانٌ ... إِلخ، أَو فِعليَّةِ؛ كقولِه: دَخَلْنا على فُلانٍ فأَطْعَمَنا تَمراً ... إِلخ، أَو القوليَّةِ والفِعليَّةِ معاً؛ كقولِه: حدَّثَني فلانٌ وهُو آخِذٌ بلحْيَتِه قالَ: آمنْتُ بالقَدَرِ ... إلخ؛ فهُو: المُسَلْسَلُ".
أراد المصنّف -رحمه الله- أن يبيّن معنى الــمُسَلْسَل وهو أن يتتابع رواة الحديث على وصف واحد معيّن، يتتابعون جميعاً على ذكر هذا الوصف، سواء كان هذا الوصف قوليّاً، أو فعليّاً، أو قولي وفعلي معاً، كأن يتتابع رواة الإسناد مثلاً على أن يذكروا صيغة واحدة من صيغ التّحديث يقول أوّلهم: حدّثنا فلان، الثاني: حدّثنا فلان، حدّثنا فلان، حدّثنا، حدّثنا، ... من أوّل الإسناد إلى آخره، هذا يُسَمَّى مُسَلْسَلا بالتّحديث.
أو كما مثّل أيضا في الصّورة الثّانية كأن يقول مثلاً: أَشهَد بالله لقد حدّثني فلان، فيذكر مثلاً حديث الصّحابي ويقول: أشهد بالله حدّثني النبي صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا، ثمّ يأتي التّابعي ويقول عن الصّحابي: أشهد بالله أني حدّثني فلان كذا وكذا، ثمّ الثّالث: أشهد بالله لقد حدّثني، والرّابع: أشهد بالله، فيكون الحديث مُسَلْسَلا بالشّهادة.
قال:"أَو فِعليَّةِ؛ كقولِه: دَخَلْنا على فُلانٍ فأَطْعَمَنا تَمراً ... إِلخ"، يقول الأوّل يذكر الحديث يقول: دخلنا على فلان فأطعمنا تمراً ثمّ ذكر لنا الحديث، والثّاني يقول: دخلنا على فلان فأطعمنا تمراً ثمّ يذكر الحديث، والثّالث يقول: دخلنا على فلان فأطعمنا تمراً ثمّ يذكر الحديث فيكون مسلسلاً بالإطعام بالتّمر.
أو أن يكون التّسلسل قولي وفعلي في آنٍ واحد يقول مثلاً: حدّثنا فلانٌ وهو آخذ بلحيته قال آمنت بالقدر، والثّاني كذلك، والثّالث كذلك، والرّابع كذلك، فيتتابعون على نفس القول وعلى نفس الفعل، هذا يُسَمَّى مسلسلاً.
قال:"فهُو: المُسَلْسَلُ". هو في اللّغة: إيصال الشّيء بالشّيء كحلقات السِّلسلة، تتّصل بعضها ببعض، هذا في اللّغة.
أمّا في الاصطلاح فكما ذكر المصنّف -رحمه الله-.
قال: "وهو مِن صفاتِ الإِسنادِ"، أي يوصف به الإسناد، يقال: هذا إسنادٌ مسلسل.
"وقد يقعُ التَّسلسُلُ في معظمِ الإِسنادِ"، ... يكون التّسلسل في أكثر الإسناد، لكن بعض الإسناد لا يكون فيه تسلسلاً.
"كحديثِ المُسَلْسَلِ بالأوَّليَّةِ"، حديث المسلسل بالأوّلية الذي يقول فيه مثلاً: أوّل حديث حدّثني به فلان، ثمّ يقول الثّاني: أوّل حديث سمعتُه، ثمّ يقول الثالث: أوّل حديث سمعته.
يقول الأوّل: أوّل حديث سمعته، والثّاني أوّل حديث سمعته، والثّالث أوّل حديث سمعته، إلى أكثر الإسناد ثمّ بعد ذلك لا يذكرون ذلك فيكون التّسلسل في أكثر الإسناد لا في كلّه، فالذي يريد أن يذكره المصنّف أنّ التّسلسل تارة يكون في كلّ الإسناد، وتارة يكون في أكثر الإسناد.
طيب، الحديث المسلسل، أو الإسناد المسلسل هل هو ضعيف أو صحيح؟ لا يقال فيه ضعيف ولا صحيح، وأصل التّسلسل لا يؤثّر في الصحّة والضّعف.
نعم، غالب الأحاديث المسلسلة، وصف التّسلسل فيها ضعيف لكن هو لا يؤثّر في الحديث من ناحيّة الصحّة والضّعف، لأنّ هو وصف للحديث زائد.
قالوا: هو من فائدته أنّه يزيد اتّصال الإسناد، يزيد الاتّصال قوّة، ويقوي اتصال الإسناد، لكن من ناحية الصحّة ربّما يكون مسلسلاً وضعيفاً، وربّما يكون مسلسلاً وصحيحاً، فليس له علاقة بصفات الصحّة والضّعف.
قال: "لأَنَّ السِّلْسِلَةِ تنْتَهي فيهِ إِلى سُفيانَ بنِ عُيينَةَ فقط"، يعني التّسلسل الذي هو في حديث الأوليّة الذي يُقَال: أوّل حديث سمعته، هذا الحديث مسلسل لكن ينتهي التّسلسل فيه إلى سفيان بن عيينة ثمّ بعد ذلك لا تسلسل؛ فيكون التّسلسل فيه أغلبيّاً وليس كلّياً.
"ومَن رواهُ مُسلْسَلاً إِلى منتهاهُ، فقد وَهِمَ"، أي من الأخطاء أنّ البعض رواه مسلسلاً من بدايته إلى نهايته.
قال:"وصِيَغُ الأدَاءِ المشارُ إِليها على ثمانِ مراتِبَ"، صيغ الأداء هي الصّيغة التي يذكرها المؤلّف التي تعبّر عن كيفية أخذه للحديث كأن يقول: حدّثنا، سمعتُ، أخبرنا، عن، قال، هذه تُسَمّى صيغ أداء، صيغة أدّى بها الحديث، وهي تعبّر عن كيفيّة أخذه للحديث، فإذا أخذ الحديث مثلاً سماعاً يقول : سمعتُ.
إذا أخذ الحديث مثلاً قراءة يقول: قُرِئ على الشّيخ وأنا أسمع، أو قرأت على الشّيخ وأقرّه؛ مثل هذه على حسب طريقة أخذه للحديث يذكر صيغة الأداء.
قال:"وصِيَغُ الأدَاءِ المشارُ إِليها على ثمانِ مراتِبَ"، لها مراتب، درجات.
"الأولى: سَمِعْتُ وحَدَّثَني"، يعني أعلاها قول الرّاوي: "سمعتُ"، و "حدّثني"، فإذا قال الرّاوي: "سمعتُ"، و "حدّثني" فهذه أعلى مراتب صيغ التّحديث.
"حدّثني، وسمعتُ": وجّه ليَ الحديث مباشرة وقال سمعتُ الحديث الفلاني: حدّثنا فلان، فلان، عن النّبي صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا.
"سمعتُ": كذلك أيضا سمع الشّيخ وهو يُحَدِّث بهذا الحديث.
"ثمَّ: أخْبَرَني وقرَأْتُ عليهِ، وهي المرتبةُ الثَّانيةُ". الدّرجة الثّانية من درجات مراتب التّحديث في قوّتها تأتي: "أخبرني"، و "قرأتُ عليه".
"قرأت عليه": يعني أنا ذكرتُ له، افتتحتُ الكتاب الذي فيه أحاديثه وقرأتُها عليه وهو أقرّني عليها، هذا معنى "قرأتُ عليه".
"ثمَّ: قُرِئَ عَلَيْهِ وأَنا أَسْمَعُ، وهي الثالثةُ"، أي قرأ عليه أحد تلاميذه وأنا كنت أسمع هذه القراءة وهو أقرّ التّلميذ على هذه القراءة.
"ثمَّ: أَنْبَأَني، وهي الرَّابعةُ".
"ثمَّ: ناوَلَني، وهي الخامسةُ"، "ناولني": يعني أعطاني إيّاه مناولة، يكون كتاب مثلاً فيه أحاديث أو صحيفة فيها أحاديث يناوله إيّاها.
"ثمَّ: شافَهَني؛ أَي: بالإِجازةِ، وهي السَّادسةُ". يعني قال له: أجزْتُ لك أن تروي عنّي حديثاً، هذا معنى المشافهة عندهم، "شافهني" أي أذن لي برواية حديثه، وهي التّي تسمّى الإجازة.
ما معنى الإجازة؟ الإذن بالرّواية، مجرّد أن يأذن لك بالرّواية معنى ذلك أنّه أجازك وتسمّى مشافهة في اصطلاح المحدّثين.
"شافهني": يعني قال لي مشافهةً : أجزْتُكَ.
ما معنى شافهني؟ هي كلمة موهمة، البعض يظنّ أنّها ربّما ظننّاها "شافهني" أي: ذكر لي حديثاً مشافهةً.
لكن لا، هو "شافهني" أي: ذكر لي الإجازة مشافهة، يعني قال لي: أجزْتُك برواية حديثي.
يعني قال لي: أذِنْتُ لك وأجزْتُ لك أن تروي حديثي.
"ثمَّ: كَتَبَ إِليَّ؛ أَي: بالإِجازةِ، وهي السَّابعةُ".
كتب إليّ ماذا؟ كتب إليّ بالإجازة ليس بالحديث، يعني هذه أيضا توهم، يقول لك: كتب إليّ، وتظنّ أنّه كتب إليه بالحديث، كتب له الحديث في رسالة وأرسلها إليه، لا؛ هو يقول لك: كتب لي الإجازة في كتاب وأرسل له الكتاب أنّني أجزْتُك أن تروي حديثي.
"ثمَّ: عَنْ ونَحْوُها"، آخر شيء تأتي الرُّتبة الأخيرة، "ثمَّ: عَنْ ونَحْوُها مِن الصِّيغِ المُحْتَمِلةِ للسَّماعِ والإِجازةِ"، يعني صيغة "عن" ومثلها كذلك كما سيذكرها المصنّف -رحمه الله-
"قالَ، وذكرَ، وروى"، هذه كلّها صيغ تحتمل أن يكون قد سمعها من الشّيخ، وربّما يكون قد أخذها عنه إجازة فقط، إِذْنُ روايةٍ فقط.
"ثمَّ: عَنْ ونَحْوُها مِن الصِّيغِ المُحْتَمِلةِ للسَّماعِ والإِجازةِ"، هو جعلها آخر المراتب لأنّها صيغة فيها احتمال وليست صريحة.
"ولِعدمِ السَّماعِ أَيضاً"، أيضاً فيها احتمال ثالث، احتمال أنّه قد سمعه من شيخه، واحتمال أنّه قد أخذ الحديث عنه إجازة، واحتمال ثالث أنّه لم يسمع الحديث أصلاً، فيها انقطاع يكون، فلمّا كانت تحتمل كلّ هذه الاحتمالات جعلها مرتبة أخيرة.
"وهذا مثلُ: قالَ، وذكرَ، وروى"، كلّها نفس مرتبة واحدة "قال"، "عن"، "ذكر"، "روى" نفس الشّيء.
"فـاللَّفظانِ الأوَّلانِ مِن صيغِ الأداءِ، وهُما: سمعتُ، وحدَّثني"، هذان اللّفظان اللّذان جعلهما أوّل مرتبة؛ المرتبة العليا.
"صالِحانِ لمَن سَمِعَ وَحْدَهُ مِن لَفْظِ الشَّيْخِ"، يعني يصحّ مَنْ سمع وحده من لفظ الشيخ مباشرة، سمع الحديث أن يقول: سمعتُ، وأن يقول: حدّثني، يصحّ كلّ هذا.
"وتَخْصيصُ التَّحديثِ بما سَمِعَ مِن لفظِ الشَّيخِ هو الشَّائعُ بينَ أَهلِ الحَديثِ اصطِلاحاً"، تخصيص التّحديث، أن يقول: حدّثني مثلاً.
"بما سَمِعَ مِن لفظِ الشَّيخِ هو الشَّائعُ بينَ أَهلِ الحَديثِ اصطِلاحاً"، يعني وإن كان لا تساعده اللّغة لكن كما قالوا: ولا فرق بين التّحديث والإخبار من حيث اللّغة.
هم الآن من خلال كلام المصنّف رحمه الله فرّق بين قول: حدّثني، وجعلها في المرتبة الأولى، حدّثني جعلها في المرتبة الأولى، و"أخبرني" جعلها في المرتبة الثّانية.
من حيث اللّغة ما فيه فرق بين "حدّثني" و "أخبرني"، ما فيه فرق، لكن في اصطلاح المحدّثين فيه فرق، فجعلوا تخصيص التّحديث بما سمع من لفظ الشّيخ، لكن الإخبار شيء آخر جعلوه في القراءة على الشّيخ كما سيأتي.
قال:"ولا فرقَ بينَ التَّحديثِ والإِخبارِ مِن حيثُ اللُّغةُ، وفي ادِّعاءِ الفرقِ بينَهما تكلُّفٌ شديدٌ"، يعني مَنْ ادّعى بأن فيه فرق في اللّغة بين "حدّثنا"، و"أخبرنا" تكلّف تكلّفاً شديداً جداً لا يُقْبَل منه.
"لكنْ لمَّا تقرَّر الاصطلاحُ"، اصطلاح أهل الحديث بالتّفريق بينهما.
"صارَ ذلك حقيقةً عُرفيَّةً"، يعني تعارف أهل الحديث على أن يجعلوا التّحديث شيء والإخبار شيءٌ آخر، ويفرّقوا بينهما مع أنّ الأصل اللّغوي لا فرق بينهما.
"فتُقَدَّمُ على الحقيقةِ اللُّغويةِ"، وهذا مقرّر عند علماء الأصول أنّ الحقائق إن اختلفت فتُقَدَّم الحقيقة العرفيّة على الحقيقة اللّغويّة، إذا اختلفت الحقيقة اللّغويّة عن الحقيقة العرفيّة فتُقَدَّم الحقيقة العرفية عند أهل العرف، يعني أهل الاصطلاح استعملوا الكلمة التي تستعمل في اللّغة بمعنى استعملوها لمعنى آخر، دائماً عندما نريد أن نفهم كلامهم نقدّم المعنى الذي استعمله أهل الاصطلاح؛ لكن إذا اتّحدت طبعاً ما فيه إشكال، إذا كان المعنى اللّغوي يوافق المعنى الاصطلاح فخلاص ما فيه مشكلة، لكن إذا اختلفا فالحقيقة العرفية تقدّم على الحقيقة اللّغوية.
كذلك حتّى في الشّريعة إذا جاءتنا مثلا كلمة الصّلاة في الشّريعة، نفهمها على أيّ معنى؟ على المعنى اللّغوي وإلّا على المعنى الشّرعي؟ نفهمها على المعنى الشّرعي، فالحقيقة العرفية تقدّم على الحقيقة اللّغويّة.
فهنا الآن الحقيقة اللّغويّة عندنا أنّه لا تفريق بين كلمة "حدّثني" و "أخبرني" لكن في الاصطلاح جعلوا بينهما فرقاً، فجعلوا كلمة "حدّثني" تستعمل فيما سمع من لفظ الشيخ، و"أخبرني" فيما قُرِئ على الشّيخ، ففرّقوا بينهما؛ فلذلك جعل الحافظ المرتبة "حدّثني" في المرتبة الأولى، و"أخبرني" جعلها في المرتبة الثّانية.
قال: "معَ أَنَّ هذا الاصطلاحَ إِنَّما شاعَ عندَ المَشارِقَةِ ومَن تَبِعَهُم"، طيّب، هذه مشكلة ثانية الآن أنّ هذا الاصطلاح: التّفريق بين كلمة "حدّثني" و "أخبرني" هو اصطلاح خاص بأناس، وليس كلّ أهل الحديث متّفقون على هذا، لا.
قال: "معَ أَنَّ هذا الاصطلاحَ إِنَّما شاعَ عندَ المَشارِقَةِ"، عند أهل المشرق، "ومَن تَبِعَهُم".
"وأَمَّا غالِبُ المَغارِبَةِ؛ فلمْ يستَعْمِلوا هذا الاصطِلاحَ"، تركوا التّفريق ما بين "حدّثني" و"أخبرني".
"بل الإِخبارُ والتَّحديثُ عندَهُم بمعنىً واحدٍ"، على ما يتوافق مع اللّغة، فإذن هنا أهل الاصطلاح ليسوا متّفقين على التّفريق ما بين "حدّثني" و "أخبرني"، المشارقة يفرّقون، لكن المغاربة لا يفرّقون، والأقرب إلى اللّغة عدم التّفريق، لكن لا مشاحّة في الاصطلاح.
قال: "فإِنْ جَمَعَ الرَّاوي"، أي أتى بصيغة الجمع، يعني الآن هو عندما ذكر في البداية قال: "حدّثني" بصيغة الإفراد.
قال: "فإِنْ جَمَعَ الرَّاوي"، أتى بصيغة الجمع يقول: "حدّثنا" صيغة جمع هذه.
قال: "فإِنْ جَمَعَ الرَّاوي، أي: أَتى بصيغةِ الجَمْعِ"، مثل :"حدّثنا"، "أخبرنا".
"في الصِّيغةِ الأولى"، التّي هي صيغة "حدّثنا".
"كأَنْ يقولَ: حدَّثَنا فلانٌ، أَو: سَمِعْنا فلاناً يقولُ"، لأنّ "سمعنا" أيضا جعلها في المرتبة الأولى.
"فـهُو دليلٌ على أَنَّه سَمِعَ منهُ مَعَ غَيْرِهِ"، في حال الإفراد يقول: "سمعتُ"، و" حدّثني" هذه تدلّ على أنّه سمع من الشّيخ وحده، لكن إذا قال: "حدّثنا"، و "سمعنا" هنا يكون قد سمع الحديث مع غيره، ما كان هو وحده مع الشّيخ.
"وقد تكونُ النُّونُ للعظمةِ لكنْ بقلَّةٍ"، هذه النّون نون ماذا؟ الأصل فيها أنّها نون الجمع، لكن أحيانا يقول الشّخص: فعلنا، ضربنا، أكلنا، ولا يريد أنّه هو والجماعة ولكن يريد أنّه يعظّم نفسه؛ فتستعمل النّون للتعظيم.
قال:"لكنْ بقلَّةٍ"، فالأكثر، والأصل أنّها تكون للجماعة.
"وأوَّلُها أَي: صيغُ المراتِبِ أَصْرَحُها"، أوّلها التي هي الصّيغة الأولى أي قوله: "سمعتُ" دون "حدّثني".
"وأوَّلُها"، التي هي "سمعتُ".
"أَي: صيغُ المراتِبِ أَصْرَحُها؛ أَي: أَصرحُ صِيغِ الأَداءِ في سماعِ قائلِها؛ لأنَّها لا تحتَمِلُ الواسِطةَ، ولأنَّ ((حدَّثني)) قد يُطْلَقُ في الإِجازةِ تدليساً"، هذا هو السّبب الذي جعل "سمعتُ" أصرح من "حدّثني".
قال: "وأوَّلُها، أَي: صيغُ المراتِبِ أَصْرَحُها؛ أَي: أَصرحُ صِيغِ الأَداءِ في سماعِ قائلِها؛ لأنَّها لا تحتَمِلُ الواسِطةَ، ولأنَّ ((حدَّثني)) قد يُطْلَقُ في الإِجازةِ تدليساً"، هذا ما يريده هنا أنّ كلمة سمعتُ أصرح من غيرها في مسألة السّماع، في سماع قائلها من شيخه.
قال:"لأنَّها لا تحتَمِلُ الواسِطةَ، ولأنَّ ((حدَّثني)) قد تُطْلَقُ في الإِجازةِ تدليساً"، فعندنا سببان جعلا "سمعتُ" أصرح من "حدّثني".
·السّبب الأوّل: أنّها لا تحتمل الواسطة، ما فيه احتمال أن يكون قد سمع من غيره عن شيخه، لا، خلاص "سمعتُ منه" معناه ما في واسطة بينه وبين شيخه.
·والسّبب الثّاني: أنّ "حدّثني" قد يُطْلَق في الإجازة تدليساً، أي أنّ بعضهم استعملها في الإجازة من باب التّدليس، فدلس وأوهم النّاس أنّه قد سمع الحديث من شيخه، وهو حقيقة لم يسمعه وإنّما أخذه إجازة؛ فأطلق "حدّثني" أي إجازة، فذكر "حدّثني" وهو حقيقة لم يسمع وإنّما أخذها إجازة.
وكون بعضهم استعملها بهذا الشّكل جعل هذه اللّفظة متأخّرة على لفظة سمعتُ من ناحية الصّراحة.
قال:"وأَرْفَعُها مِقداراً ما يقعُ في الإِمْلاءِ لما فيهِ مِن التثبُّتِ والتحفُّظِ"، يقول أعلى صيغ الأداء في كلّ مرتبة من المراتب التي ذكرناها ما يقع في الإملاء، ما المقصود بالإملاء؟ أن يجلس الشّيخ ويُملي الحديث على تلاميذه ويقول: حدّثنا فلانٌ وهم يكتبون، حدّثنا فلان ويكتبون، حدّثنا فلان، هذه الطريقة (الصّيغة) التي استعمُلِتْ في مثل هذا الأخذ هي أرفع الصّيغ.
قال:"لما فيهِ مِن التثبُّتِ والتحفُّظِ"، هذه الطّريقة فيها تثبّت وفيها تحفّظ وفيها إتقان أكثر من غيرها.
"والثَّالِثُ وهو: أَخبَرَني، والرَّابِعُ وهو: قرأْتُ عليه"، في الأوّل أصبح عندنا ماذا؟ "سمعتُ"، والثّاني: "حدّثني"، والثّالث وهو: "أخبرني"، والرّابع هو: "قرأت عليه".
"لِمَنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ على الشَّيخِ"، الثّالث وهو "أخبرني"، والرّابع وهو: قرأت عليه لــمَنْ قرأ بنفسه على الشّيخ، أي هاتان الصّيغتان، صيغة "أخبرني"، وصيغة "قرأت عليه" تستعمل لــمَنْ قرأ بنفسه على الشّيخ، هو بنفسه أخذ الكتاب وقرأ على الشّيخ فعند التّحديث ماذا يقول؟ يقول: أخبرني، أو يقول: قرأت عليه، له هذا وهذا.
"فإِنْ جَمَعَ"، يقول: "أخبرنا"، أو: "قرأنا عليه".
"كأَنْ يقولَ: أَخْبَرَنا، أَو: قَرَأْنا عليهِ؛ فـهو كالخامِسِ، وهو: قُرىءَ عليهِ وأَنا أَسمعُ"، نفس المرتبة يعني.
"وعُرِفَ مِن هذا أَنَّ التَّعبيرَ بـ ((قرأتُ)) لمَن قرأَ خيرٌ مِن التَّعبيرِ بالإِخبارِ؛ لأنَّهُ أَفصحُ بصورةِ الحالِ"، هذا يعني أنّ "أخبرني" ثبتت للقراءة على الشّيخ من أي طريق؟ من الاصطلاح، لكن "قرأت عليه" حتّى في اللغة هي تعطي نفس الدّلالة؛ فهي أصرح في بيان حال الأخذ؛ لذلك تكون هي خيرٌ من التّعبير بالإخبار.
قال:"لأنَّها أَفصحُ بصورةِ الحالِ"، لأنّها من ناحية اللّغة أدقّ.
"تنبيهٌ: القراءةُ على الشَّيخِ أَحدُ وجوهِ التحمُّلِ عندَ الجُمهورِ"، تحمّل ماذا؟ تحمّل الحديث؛ يعني الأخذ عن الشّيخ، أخذ الحديث عن الشّيخ كيف يكون؟ إمّا بأن تسمع منه مباشرة يقول: حدّثنا فلان وفلان، وأنت تسمع، أو أنت أن تقرأ عليه، هذه الطّريقة الثّانية القراءة على الشّيخ أحد وجوه التّحمّل؛ يعني تحمّل الحديث عن الشّيخ، أخذ الحديث عن الشّيخ، هذه طريقة من طُرُق الأخذ، "عندَ الجُمهورِ"، يشير إلى ماذا؟ إلى وجود خلاف، البعض لا يقبل هذه الطّريقة.
قال: "وأَبعدَ مَن أَبى ذلك مِن أَهلِ العِراقِ"، من أهل العراق مَنْ لم يرض هذه الطّريقة في التّحمّل في أخذ الحديث عن الشّيخ، لا يقبل إلّا أن يسمع من الشّيخ: حدّثني، أخبرني، ... إلخ.
"وقد اشتدَّ إِنكارُ الإِمامِ مالكٍ وغيرِهِ مِن المدنيِّينَ عليهِم لذلك"، غيره من أهل المدينة أنكروا على أهل العراق عدم قبولهم لهذه الطّريقة في التّحمّل؛ وهم بالفعل مخطئون (أهل العراق)، لأنّ الدّليل مع أهل المدينة.
"حتَّى بالغَ بعضُهُم فرجَّحَها على السَّماعِ مِن لفظِ الشَّيخِ!"، من شدّة المبالغة في الإنكار حتّى جعلوها مقدّمة على السّماع من لفظ الشّيخ.
"وذهَبَ جمعٌ جمٌّ"، يعني جمعٌ غفيرٌ كثيرٌ.
"منهُم البُخاريُّ، وحكاهُ في أَوائلِ ((صحيحِهِ)) عن جماعةٍ مِن الأئمَّةِ إِلى أَنَّ السَّماعَ مِن لفظِ الشَّيخِ والقراءَةَ عليهِ يعني في الصِّحَّةِ والقُوَّةِ سواءً"، الآن كم مذهب صار عندنا؟ مذهب أنّها غير معتبرة وهو مذهب أهل العراق؛ يعني طريقة التّحمّل هذه وهي الأخذ عن الشّيخ عن طريق القراءة عليه، أهل العراق لا يعتمدونها، أهل المدينة يعتمدونها.
ثمّ الذين اعتبروها اختلفوا فيها: هل هي مثل السّماع من الشّيخ أم أقوى من السّماع من الشّيخ؟ أم أدنى من السّماع من الشّيخ؟
·البعض قال هي أقوى من السّماع من الشّيخ.
·والبعض قال هي مساوية في نفس المرتبة.
·والبعض قال لا، السّماع من الشّيخ أعلى منها.
"واللهُ سبحانه أَعلمُ"، طبعاً هي دليل الذين يستدلّون به على جواز القراءة على الشّيخ وأخذ الحديث بهذه الطّريقة حديث ضِمَام بن ثعلبة عندما جاء إلى النّبي صلى الله عليه وسلم وقال له جاءنا رسولك وقال: آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال فإنّ رسولك أخبرنا أنّ الله افترض علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: نعم، قال: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فكان ضمام بن ثعلبة يذكر ما ذكر الرّسول والنّبي صلى الله عليه وسلم يُقِرُّ؛ هذه القراءة على الشّيخ، نفس صفتها، وهذا الذي استدلّ به الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه على صحّـتها.
طيب، نكتفي بهذا القدر - إن شاء الله –
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-12-2012, 13:55   #25
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الدرس الخامس والعشرون من شرح نزهة النظر

الدرس الخامس والعشرون من شرح نزهة النظر

بسم الله الرحمن الرحيم
ما زلنا الآن نحن في طرق التّحمّل.
قال: "والإِنْباءُ من حيثُ اللُّغةُ واصطلاحُ المتقدِّمينَ بمعْنَى الإِخْبارِ"، الإنباء مأخوذة من النّبأ الذي هو الخبر، هذا من حيث اللّغة، وأيضا من حيث الاصطلاح عند المتقدّمين، اصطلاح المتقدّمين واللّغة واحد، معنى "أنبأني" أي: أخبرني.
"إِلاَّ في عُرْفِ المُتَأَخِّرينَ"، أمّا المتأخّرون فلهم اصطلاح آخر.
"فهُو للإِجازَةِ؛ كـ ((عن))"، يستعملون "أنبأنا" فيما تحمّلوه إجازة، لا سماعاً، كــ "عن" تماماً؛ هذا عند المتأخّرين.
"لأنَّها في عُرفِ المتأَخِّرينَ للإِجازةِ"، أي تستعمل للإجازة، فَمنْ أخذ الحديث عن شيخه بالإجازة قال: "أنبأنا".
"وعَنْعَنَةُ المُعاصِرِ مَحْمولَةٌ عَلى السَّماعِ"، هذه المسألة قد تقدّمت معنا، عنعنة المعاصر يعني أنّ مَنْ عاصر شيخه وروى عنه بالعنعنة فروايته عنه محمولة على أنّه سمع منه.
"بخلافِ غيرِ المُعاصِرِ؛ فإِنَّها تكونُ مُرسَلةً"، يعني منقطعة.
"أَو مُنقطِعَةً، فشرْطُ حمْلِها على السَّماعِ ثُبوتُ المُعاصرةِ"، هذا الشّرط هو الشّرط الأوّل، تقدّم معنا "العنْعَنة" تحمل على السّماع بشرطين:
·الأوّل: اللّقي.
·الثّاني: هو عدم التّدليس.
وقد تكلّمنا على الموضوع بما فيه الكفاية فيما تقدّم.
"إِلاَّ مِنْ المُدَلِّسٍ؛ فإِنَّها ليستْ محمولةً على السَّماعِ، وقيلَ: يُشْتَرَطُ في حملِ عنعَنَةِ المُعاصرِ على السَّماعِ ثُبوتُ لِقائِهِمَا أَيْ: الشيخِ والرَّاوي عنهُ، ولَوْ مَرَّةً واحدةً"، هذا القول الثّاني الذي أتى فيه بلفظ "قيل" هو الصّواب -إن شاء الله-، أنّه لا يحمل على السّماع إلّا إذا ثبت اللّقي بينهما.
"ليَحْصُلَ الأمنُ في باقي مُعنعَنِهِ عن كونِهِ مِن المُرسلِ الخفيِّ، وهُو المُخْتارُ؛ تبعاً لعليِّ بنِ المَدينيِّ والبُخاريِّ وغيرِهما مِن النُّقَّادِ"، هذا الثّاني هو الصّواب، مجرّد المعاصرة مع إمكان اللّقي هو مذهب مسلم، أمّا مذهب البخاري فاللّقي، وهو مذهب البخاري وعليّ بن المديني، وكما قال ابن رجب -رحمه الله-: هو مذهب جمهور المتقدّمين، ومذهب جمهور المتأخّرين الذي ذهب إليه مسلم.
·مذهب البخاري مذهب جمهور المتقدّمين.
·ومذهب مسلم مذهب جمهور المتأخّرين.
"وأَطْلَقُوا المُشافَهَةَ"، أي أطلق بعض المحدّثين قولهم: "شافهني في التّحديث" بالحديث الذي أخذه عن شيخه بالإجازة؛ يعني إذا أخذ الحديث بالإجازة فيقول: "شافهني".
"وأَطْلَقُوا المُشافَهَةَ في الإِجازَةِ المُتَلَفَّظِ بِها تجوُّزاً، وَكذا المُكاتَبَةَ في الإِجازَةِ المَكْتُوبِ بِها"، مع أنّ أصل المكاتبة الكتابة له بالحديث، وليس له أن يكتب له: أجزتك، وكذلك المشافهة المفروض يكون قد شافهه بالحديث، وليس أن يقول له: أجزتك، إلّا أنّهم صاروا يطلقون يقولون: شافهني، ويعنون به شافهه بماذا؟ بالإجازة، قال له: أجزْتُك مشافهة، ولم يحدّثه بالحديث مشافهة، وكذلك المكاتبة، كتب له أنّي أجزْتُك، وصار يقول: كاتبني، فهنا يوهم قوله هذا بأنّه كتب له الحديث، أو أنّه حدّثه بالحديث، لكن هو لا، حدّثه بقوله له: أجزتك؛ وكتب له قوله له: أجزْتُك.
إلّا أنّهم توسّعوا في الأمر وصاروا يطلقونها على مجرّد الإجازة، مجرّد أن يعطيه إجازة يقول: شافهني أو كاتبني.
"وأَطْلَقُوا المُشافَهَةَ في الإِجازَةِ المُتَلَفَّظِ بِها تجوُّزاً، وَكذا المُكاتَبَةَ في الإِجازَةِ المَكْتُوبِ بِها وهو:"، أي المكاتبة.
"وهُو موجودٌ في عِبارةِ كثيرٍ مِن المُتأَخِّرينَ"، يقول المتأخّر إذا كتب إليه شيخه بالإذن بالرّواية عنه يقول: كاتبني أو نحو ذلك.
"بخلافِ المُتقدِّمينَ، فإِنَّهُم إِنَّما يُطلِقونَها فيما كتَبَه الشَّيخُ مِن الحديثِ إِلى الطَّالبِ"، هذا هو.
المتقدّمون يطلقون "شافهني"، أو "كاتبني" إذا سمع الحديث من شيخه يقول: شافهني، وإذا كتب له شيخه الحديث كتابة يقول: كاتبني.
أمّا المتأخّرون لا، يستعملونها في الإجازة، إذا كتب له الشّيخ "أجزْتُك"، قال: كاتبني، وإذا شافهه بالإجازة فقال له أجزْتُك: قال شافهني.
الذي يسمع كلامهم هذا المتأخّرين يظنّه ماذا؟ أنّه شافهه بالحديث، أو كاتبه بالحديث، هو لا يريد هذا، يريد "شافهه بالإذن بالرّواية"، وكاتبه بالإذن بالرّواية، وهي الإجازة.
قال: "فإِنَّهُم إِنَّما يُطلِقونَها فيما كتَبَه الشَّيخُ مِن الحديثِ إِلى الطَّالبِ، سواءٌ أَذِنَ لهُ في رِوايتِه أَم لا"، هذا بالنّسبة للمتقدّمين، لا ينظرون إلى الإذن في مثل هذه العبارات، ينظرون فقط هل كتب له بالحديث؛ فإذا كتب له بالحديث قال: كاتبني، وإذا شافهه بالحديث قال: شافهني، ولا ينظرون إلى الإذن.
المتأخّرون بالعكس، ينظرون إلى الإذن ولا ينظرون إلى الحديث.
"لا فيما إذا كتَبَ إِليهِ بالإِجازةِ فقطْ"، كما يفعل المتأخّرون.
"واشْتَرَطُوا في صِحَّةِ الرِّوايةِ بـالمُناوَلَةِ اقْتِرانَها بالإِذْنِ بالرِّوايةِ"، المناولة ما هي؟ أن يناوله كتاباً فيه حديثاً، هذه تسمّى مناولة، اشترطوا لصحّتها الإذن بالرّواية، فيعطيه الكتاب ويقول له: ارو هذا عنّي، عندئذ تصبح صحيحة عندهم.
"وهِيَ إذا حَصَلَ هذا الشَّرطُ"، وهو الإذن.
"أَرْفَعُ أَنْواعِ الإِجازَةِ"، الإجازة ما هي؟ هي الإذن بالرّواية؛ فإذا أذن له بالرّواية وناوله الكتاب فقد جمع بين أمرين: بين المناولة والإجازة، وهذه قال: "أَرْفَعُ أَنْواعِ الإِجازَةِ".
"لما فيها مِن التَّعيينِ"، لماذا هي أرفع أنواع الإجازة؟
قال: "لما فيها مِن التَّعيينِ" أي تعيين المروي، كصحيح البخاري مثلاً، أو غيره من الكتب، عيّنه له وقال له: اروِ هذا عنّي، ففيه تعيين الآن للكتاب.
"والتَّشخيصِ"، أي يكون الرّاوي محَدّداً، يكون شخصاً معيّناً.
"وصورَتُها: أَنْ يَدْفَعَ الشَّيخُ أَصلَهُ أَو ما قامَ مَقامَهُ للطَّالِبِ"، يدفع الشّيخ الأصل، كتابه الأصلي الذي كتب فيه أحاديث، "أَو ما قامَ مَقامَهُ"، كنسخة معتمدة عنده يعطيها للطّالب.
"أَو يُحْضِرَ الطَّالِبُ أَصْلَ الشَّيخِ "، الطّالب هو الذي يأتي معه بأصل الشّيخ.
"ويقولَ لهُ في الصُّورتينِ: هذا رِوايَتي عنْ فلانٍ فارْوِهِ عنِّي"، سواء أحضره الطّالب أصل الشّيخ، أو الشّيخ أعطى أصله للطّالب، أو أعطاه نسخة معتمدة وقال له: اروِ هذا عنّي؛ هذه هي المناولة التي معها إجازة وهي أرفع أنواع الإجازة.
"وشَرْطُهُ أَيضاً: أَنْ يُمَكِّنَهُ إِمَّا بالتَّمليكِ أو بالعاريَّةِ"، يعني شرطه ليس فقط يعطيه الكتاب ثم يقول هات، رَجِّع الكتاب، ما ينفع هذا، شرطه أن يعطيه الكتاب يُمكنه أو يعيره إيّاه، يعطيه إيّاه عاريّة ريثما ينقل منه، ينسخ منه أو يحفظ ثمّ يعيده إليه.
"وشَرْطُهُ أَيضاً: أَنْ يُمَكِّنَهُ إِمَّا بالتَّمليكِ أو بالعاريَّةِ لِيَنْقُلَ منهُ، ويُقابِلَ عليهِ، وإِلاَّ إِنْ ناوَلَهُ واستردَّه في الحالِ فلا تَتَبَيَّنُ"، يعني إذا كان ناوله إيّاه ورجّع مباشرة هذه ما منها فائدة.
"فلا تُتَبَيَّنُ لها زيادةَ مَزيَّةٍ على الإِجازةِ المعيَّنَةِ"، يعني صورتها صورة الإجازة المعيّنة لا فرق بينها وبينها.
"وهيَ أَنْ يُجيزَهُ الشَّيخُ"، ما هي الإجازة المعيّنة؟
قال: "وهيَ أَنْ يُجيزَهُ الشَّيخُ بروايةِ كتابٍ معيَّنٍ، ويُعَيِّنَ لهُ كيفيَّةَ روايتِهِ لهُ"، لكنّه لم يعطه شيئا، ما في فرق بين هذه الصّورة والصّورة تلك، أن تعطيه كتاب ثمّ تسحبه منه أو أن تقول له أجزتك أن تروي عنّي الكتاب الفلاني، واحد.
"وإِذا خَلَتِ المُناولَةُ عن الإِذنِ"، إذا أعطاه، ناوله الكتاب ولم يأذن له بروايته عنه.
"وإِذا خَلَتِ المُناولَةُ عن الإِذنِ، لم يُعْتَبَرْ بها عندَ الجُمهورِ"، أي أنّها غير معتبرة، يعني ضعيفة.
"وجَنَحَ مَنِ اعْتَبَرَها"، إلّا أنّ البعض قال هي معتبرة، وما هي حجّته؟
قال:"وجَنَحَ مَنِ اعْتَبَرَها إِلى أَنَّ مُناولَتَهُ إِيَّاهُ تقومُ مقامَ إرسالِهِ إليهِ بالكتابِ مِن بلدٍ إِلى بلدٍ"، فجلعوا هنا المناولة كالمراسلة.
"وقد ذهَبَ إِلى صحَّةِ الرِّوايةِ بالكتابةِ المُجرَّدةِ جماعةٌ مِن الأئمَّةِ"، يكتب له الحديث ويرسله له في رسالة.
"و لو لم يقتَرِنْ ذلك بالإِذنِ بالرِّوايةِ"، ليسبشّرط أن يقول: لا أذنتُ لك أن تروي عنّي هذا الحديث، مجرّد أن يكتب الحديث ويرسله إليه تكون هذه مكاتبة.
"كأَنَّهُم اكْتَفَوْا في ذلك بالقرينةِ، ولمْ يَظْهَرْ لي فرقٌ قويٌّ بينَ مُناولةِ الشَّيخِ الكِتابَ مِن يدهِ للطَّالبِ، وبينَ إِرسالِهِ إِليهِ بالكتابِ مِن موضعٍ إِلى موضع آخَرَ، إِذا خَلا كلٌّ منهُما عن الإِذنِ"، يعني الصّورة واحدة، راسله أو ناوله، ما فيه فرق بين الصّورتين إذا خلا كلٌّ منهما عن الإذن، يعني إذا ما فيه إذن بالرّواية.
"وكَذا اشْتَرَطُوا الإِذْنَ في الوِجَادَةِ"، ما هي الوِجادة؟
"وهي: أَنْ يَجِدَ بخطٍّ يعرِفُ كاتِبَهُ فيقولُ: وجَدْتُ بخطِّ فلانٍ"، كما يفعل عبد الله بن الإمام أحمد يقول: وجدت بخطّ أبي كذا وكذا، شرطه أن يكون عارفًا بخطّ صاحب الكتاب؛ فإذا عرفه ووجد الكتاب في ذلك حدّث به، والوِجادة معتبرة، والعلم الموجود الآن بين أيدينا كلّه وِجادة، هذه الكتب التي بين أيدينا كلّها وِجادة، وجدنا هذه الكتب وعرفنا أصحابها من خلال قرائن احتفّت بها فرويناها عنهم.
"ولا يُسَوَّغُ فيهِ إِطلاقُ: أَخْبَرَني"، أي لا يجوز في الوجادة إطلاق كلمة "أخبرني"، تقول: أخبرني، وأنت أصلاً لا أخبرك ولا شيء، وإنّما وجدت له كتاباً بخطّه ورويته عنه.
"ولا يُسَوَّغُ فيهِ إِطلاقُ: أَخْبَرَني؛ بمجرَّدِ ذلك"، مجرّد أن يجده وِجادة.
"إِلاَّ إِنْ كانَ لهُ منهُ إِذنٌ بالرِّوايةِ عنهُ"، يعني إذا كان معها إجازة.
"وأَطلقَ قومٌ ذلك فغُلِّطُوا"، أطلقوا أنّه يجوز أن يقول أخبرني إذا وجد كتاباً بخطّه، يجوز أن يقول في هذه الحالة "أخبرني"، وغلّطهم العلماء.
"وَكذا الوَصِيَّةُ بالكِتَابِ"، الآن هذه صورة جديدة من طرق التّحمّل، ذكر المراسلة، وذكر أيضاً المناولة، وذكر كذلك الإجازة، وذكر أيضاً الوجادة، والإنباء، طيب عندنا السّماع من الشّيخ مباشرة، وعندنا كذلك القراءة على الشّيخ، والإجازة، والمناولة، والمكاتبة، والوصيّة الآن.
قال: "وَكذا الوَصِيَّةُ بالكِتَابِ، وهي أَنْ يُوصِيَ عندَ موتِه أَو سفرِهِ لشخْصٍ معيَّنٍ بأَصلِه أَو بأُصولِهِ؛ فقد قالَ قومٌ مِن الأئمَّةِ المتقدِّمينَ: يجوزُ لهُ أَنْ يروِيَ تلكَ الأصولَ عنهُ بمجرَّدِ هذه الوصيَّةِ"، يكون الشّيخ عنده أصول كُتُب قد كَتَب فيها الأحاديث التي سمعها عن شيخه ثمّ يوصي بها إلى أحد طلبته، هذه الوصيّة، أوصى بهذا الكتاب لفلان فقط، قال قومٌ من الأئمّة المتقدّمين يجوز له أن يروي تلك الأصول عنه بمجرّد هذه الوصيّة، بمجرّد أن أوصى الكتاب له يجوز أن يروي هذه الأحاديث عنه.
"وأَبى ذلك الجُمهورُ؛ إِلاَّ إِنْ كانَ لهُ منهُ إِجازةٌ"، جمهور العلماء قالوا أنّ الوصيّة وحدها لا تكفي إلّا أن يأذن له بأن يروي عنه.
"وَكذا اشَترَطوا الإِذْنَ بالرِّوايةِ في الإِعْلامِ"، هذه طريقة أخرى من طرق التحمّل وهي الإعلام، وهي أن يُعْلِم الشّيخ أحد الطّلبة بأنّي أروي الكتاب الفلاني عن فلان.
يقول مثلاً: اسمع يا فلان هذا الكتاب الذي لي أنا أرويه عن فلان فقط، أَعلَمه بهذا، أعطاه علماً بالموضوع، هذا معنى الإعلام.
"وهُو أَنْ يُعْلِمَ الشَّيخُ أَحدَ الطَّلبةِ بأَنَّني أَروي الكِتابَ الفُلانيَّ عن فُلانٍ، فإِنْ كانَ لهُ منهُ إِجازةٌ اعْتبرَ، وإِلاَّ؛ فلا عِبْرَةَ بذلك"، فإذن الإعلام عنده لا يُعْتَبر إلّا إذا كان معه إجازة.
قال: "وإِلاَّ؛ فلا عِبْرَةَ بذلك كالإِجَازَةِ العَامَّةِ"، يعني حاله في عدم الاعتبار كحال الإجازة العامّة.
"في المُجازِ لهُ، لا في المُجازِ بهِ"، أي صورتها، أو حاله كحال الإجازة العامّة في الــمُجازِ له، يعني الشّخص الذي أعطاه الإجازة، الــمُجَازُ له الطالب الذي أعطاه الشّيخ الإجازة، هذا الطّالب لا يكون معيّناً يقول الشّيخ مثلاً: أجزت لجميع المسلمين، هذه تسمّى إجازة عامّة لــمَنْ يجيز له.
قال: "كالإِجَازَةِ العَامَّةِ في المُجازِ لهُ"، الآن قولي: أجزت لجميع المسلمين، هذه إجازة عامّة لكلّ مَنْ أجزته بالرّواية.
"لا في المُجازِ بهِ"، يعني الإجازة العامّة في الأولى لا في الثّانية.
الثّانية ما هي؟ الــمُجاز به، يعني أجزتك أن تروي عنّي جميع كتبي، هنا الآن إذني لك بأن تروي عنّي جميع كتبي إجازة عامّة في الــمَرْوي به، الشّخص الآن الذي أجزته واحد، يا زَيْد أجزتك أن تروي عنّي جميع كتبي أو كلّ ما أرويه، هنا الآن الشّخص الذي أجزت له واحد؛ لكن ما أجزته به كلّ شيء؛ فهذه إجازة عامّة في الــمَرْوي به، أمّا الاولى لمّا أقول لـمَنْ أريد أن أجيزه: أجزت لجميع النّاس، هذه إجازة عامّة لـمَنْ أجزته.
فقال هي، الآن الإعلام كالإجازة العامّة في الــمُجاز له.
قال: " كأَنْ يقولَ: أَجَزْتُ لجَميعِ المُسلمينَ"، هذه صورة الإجازة العامّة للــمُجاز له.
"أَو: مَنْ أَدْرَكَ حَياتِي"، كلّ مَنْ أدرك حياتي أجزته.
"أَو: لأَهْلِ الإِقليمِ الفُلانيِّ، أَو: لأهْلِ البَلدةِ الفُلانيَّةِ"، بشيء أوسع، أضيق، أضيق.
أجزت لجميع المسلمين واسعة جدّا.
أجزت لــمَن أدرك حياتي أضيق قليلاً.
أجزت لأهل الإقليم الفلاني أضيق.
أجزت لأهل البلدة الفلانيّة أضيق وأضيق إلّا أنّها أيضاً واسعة على البلدة كاملة.
قال: "وهُو"، الأخير هذا أي: "أجزت لأهل البلدة الفلانيّة".
"أَقربُ إِلى الصِّحَّةِ"، ممّا قبله.
"لقُرْبِ الانحصارِ"، يعني لأنّهم ممكن حصرهم، هم أقلّ ممّن قبلهم.
"وَكذلك لا تُعتبر الإِجازةُ للمَجْهُولِ؛ كأَنْ يَكونَ" المجاز له "مُبْهَماً"، الذي لم يسمّ.
"أَوْ مُهْملاً"، سُمِّي ولكنّه لم يتميّز، هذا معنى المبهم والمهمل، هذه إجازة للمجهول، كذلك هي غير معتبرة.
"وَكذا"، لا تعتبر.
"الإِجازةُ للمَعْدومِ؛ كأَنْ يَقولَ: أَجَزْتُ لِمَنْ سَيولَدُ لِفُلانٍ"، هذا معدوم ليس موجوداً أصلاً، قال: وهذه إجازة كذلك غير معتبرة، كلّ هذا غير معتبر، الإجازة كلّها من أصلها ضعيفة ولا تزداد إلّا ضعفاً في هذه الصّور، كما قال شيخنا الوادعي -رحمه الله-.
"كأَنْ يَقولَ: أَجَزْتُ لِمَنْ سَيولَدُ لِفُلانٍ، وقد قيل: إن عطفَهُ علَى مَوجودٍ صحَّ؛ كأَنْ يقولَ: أَجَزْتُ لكَ ولِمَنْ سيُولَدُ لكَ"، هنا يعني الإجازة لشخص موجود وأيضاً لمعدوم لكنّه متعلّق بهذا الموجود.
قال بعضهم مثل هذه ماشي الحال؛ لكن أن يقول: أجزت لــمَنْ سيولد بدون أن يعلّقه بشخص موجود، لا.
"والأقرَبُ عدَمُ الصحَّةِ أَيضاً، وكذا لا تُعتبر الإِجازةُ لموجودٍ أَو معدومٍ عُلِّقَتْ"، أي عُلِّقت تلك الإجازة.
"بشَرْطِ مشيئةِ الغيرِ؛ كأَنْ يقولَ: أَجَزْتُ لكَ إِنْ شاءَ فلانٌ"، كذلك هذه غير معتبرة.
"أَو: أَجزتُ لمَن شاءَ فُلانٌ"، هي إجازة ولكنّها معلّقة بمشيئة شخص آخر، إن شاء ماشي، ما شاء لا.
"إلا أَنْ يقولَ: أَجزْتُ لك إِنْ شِئْتَ"، يعني إذا أردت الإجازة منّي، قال: أجزْتُك، هذا مستثنى من الصّور المتقدّمة.
"وهذا على الأصَحِّ في جَميعِ ذلكَ"، على الأصحّ، لأنّه قال هذه الصّور كلّها غير معتبرة، هذا على الأصحّ وإلّا فيه خلاف أيضاً بعضهم أجاز هذا الشّيء.
"وقد جَوَّزَ الرِّوايةَ بجَميعِ ذلك سِوى المَجْهولِ ما لم يَتَبَيَّنِ المُرادُ منهُ الخَطيبُ"، الخطيب البغدادي جوّز الرّواية بجميع ذلك ما عدا رواية المجهول.
"وحَكاهُ عن جَماعةٍ مِن مشايخِهِ، واستَعْمَلَ الإِجازةَ للمَعدومِ مِن القُدماءِ أَبو بكرِ بنُ أَبي دَاودَ، و أَبو عبدِ اللهِ بنُ مَنْدَه، واستَعْمَلَ المُعَلَّقةَ منهُم أيضاً أَبو بكرِ بنُ أَبي خَيْثَمَة، وروى بالإِجازةِ العامَّةِ جَمعٌ كَثيرُ جَمَعَهُم بعضُ الحُفَّاظِ في كِتابٍ ورتَّبَهُم على حُروف المعجَمِ لكَثْرَتِهم، وكلُّ ذلك كما قالَ ابنُ الصَّلاحِ: توسُّعٌ غيرُ مَرْضِيٍّ"، هذا هو خلاصة الموضوع، كلّ هذا توسّعٌ غير مرضي، غير مقبول مثل هذا الشّيء.
"لأنَّ الإِجازةَ الخاصَّةَ المعيَّنَةَ مُخْتَلَفٌ في صحَّتِها اختِلافاً قويّاً عندَ القُدماءِ"، هذه الخاصّة المعيّنة التي هي من أقوى الإجازات "مُخْتَلَفٌ في صحَّتِها اختِلافاً قويّاً عندَ القُدماءِ، وإِنْ كانَ العملُ استقرَّ على اعْتبارِها عندَ المتأَخِّرينَ، فهِيَ دونَ السَّماعِ بالاتِّفاقِ، فكيفَ إِذا حصَلَ فيها الاسترسالُ المَذكورُ"، يعني إذا حصل فيها توسّع؟!!
يعني هي الإجازة القويّة فيها خلاف شديدٌ أيضاً، وهي أضعف أيضاً من السّماع، فكيف إذا حصل هذا التوسّع الذي ذكرنا صوره؟!! يكون أشدّ ضعفاً وأشد عدم اعتباراً.
"فإِنَّها تَزدادُ ضَعفاً، لكنَّها في الجُملةِ خيرٌ مِن إِيرادِ الحَديثِ مُعْضلاً"، أي إيراد الحديث مع حذف الرّواة، يعني إجازة أحسن من لا شيء.
"واللهُ سبحانه أَعلمُ. و إِلى هُنا انْتَهى الكلامُ في أَقسامِ صِيَغِ الأداءِ"، هذه كلّها صيغ الأداء التي ذكرها المؤلّف -رحمه الله- متعلّقة بطرق التحمّل، كلّ صيغة أداء وضعوها لطريقة تحمّل.
نكتفي بهذا القدر اليوم.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-12-2012, 13:57   #26
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الدرس السادس والعشرون من شرح نزهة النظر

الدرس السادس والعشرون من شرح نزهة النظر

بسم الله الرحمن الرحيم
بعد أن انتهينا من صيغ التّحديث وطرق التحمّل يبدأ الآن المصنّف -رحمه الله- يتكلّم عن موضوع يختصّ بالرّجال.
فقال: "ثمَّ الرُّواةُ"، رواة الأسانيد، رجال الإسناد.
"إِنِ اتَّفَقَتْ أَسماؤهُمْ وأَسْماءُ آبائِهِمْ فَصاعِداً، واخْتَلَفَتْ أَشْخَاصُهُمْ، سواءٌ اتَّفَقَ في ذلك اثْنانِ مِنهُم أَوْ أَكثرُ، وكذلك إِذا اتَّفَقَ اثْنانِ فصاعِداً في الكُنيةِ والنِّسبةِ؛ فهُو النَّوعُ الذي يُقالُ لهُ: المُتَّفِقُ والمُفْتَرِقُ"، نحن أخذناه من قبل، الــمُتَّفِق والــمُفْتَرِق، هو أن تتفقّ الأسماء وأسماء الآباء، أو أن تتفق الكنى، أو تتّفق الألقاب، وتختلف الأشخاص، يختلف الرّجال الذي يحملون هذه الأسماء.
كــ "الخليل بن أحمد" مثلا، ستّة رجال يُسَمَّون بهذا الاسم: "الخليل بن أحمد".
"عمر بن الخطّاب"، أكثر من ثلاثة يُسَمَّون بــ "عمر بن الخطّاب".
الاسم واسم الأب واحد؛ لكنّ الأشخاص يختلفون، هذا النّوع الذي يُسَمَّى بــ: "الــمُتَّفِق": أي الذي اتّفقت فيه الأسماء، و "الــمُفْتَرِق": أي الذي افترقت فيه ذوات أصحاب الأسماء وأشخاصهم.
لذلك قال المصنّف هنا: "ثمَّ الرُّواةُ إِنِ اتَّفَقَتْ أَسماؤهُمْ وأَسْماءُ آبائِهِمْ فَصاعِداً"، مهما علت، المهمّ أن يحصل الاتّفاق في الأسماء، "واخْتَلَفَتْ أَشْخَاصُهُمْ" أي ذواتهم، "سواءٌ اتَّفَقَ في ذلك اثْنانِ مِنهُم أَوْ أَكثرُ" بغضّ النّظر، المهمّ فيه عندنا رجلان اتّفقا في اسم واحد، هنا هذا يكون من نوع المتّفق والمفترق، إذا فيه ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، أو ستّة، أو سبعة، وأنت صاعد كلّه يُسَمّى: "المتّفق والمفترق"، العدد ليس شرطاً، المهمّ أن يُوجد اثنان فما فوق.
"وكذلك إِذا اتَّفَقَ اثْنانِ فصاعِداً في الكُنيةِ والنِّسبةِ"، الأمر ليس واقفاً فقط على الاسم، كذلك الكُنْيَة والنِّسْبَة.
ما الفرق بين الاسم والكنية؟ الاسم ما دلّ على مسمّى؛ كـ: "زيد، وبكر، وعمرو".
الكنية ما بُدِئ بـ:ـ "أب"، أو "أم".
والنّسبة هو الإضافة، أن يضاف إلى بلد كأن يقال مثلاً البصري، الخليلي، النّابلسي، مثل هذه تسمّى نسبة.
"فهُو النَّوعُ الذي يُقالُ لهُ: المُتَّفِقُ" أي في الأسماء "والمُفْتَرِقُ"، أي في الأشخاص، طيب ماهي فائدة هذا النّوع؟
قال: "وفائدةُ معرفَتِه"، أي تستفيد من معرفة هذا النّوع.
"خَشْيَةُ أَنْ يُظَنَّ الشَّخصانِ شَخْصاً واحِداً"، فإذا عرفت الاشتراك في الاسم زال احتمال الخلط عندك، إذا عرفت أنّ هذا الاسم قد اشترك فيه أكثر من واحد، خلاص إذن تكون حذراً وتعرف أنّه لابدّ أن تُفَرِّق بين هذين الشّخصين.
"وقد صنَّفَ فيهِ"، أي في هذا النّوع.
"الخَطيبُ" يعني البغدادي، "كتاباً حافِلاً"، اسمه المتّفق والمفترق، وهو مطبوع.
"وقد لخَّصْتُهُ"، لخصّه الحافظ ابن حجر، حذف الزوائد منه.
"وزِدْتُ عليهِ شيئاً كثيراً"، لم يذكره الحافظ الخطيب.
"وهذا عَكسُ ما تقدَّمَ مِن النَّوعِ المسمَّى بالمُهْمَلِ"، ذاك النّوع الذي يُذْكر فيه الرّاوي بأكثر من صفة، من غير أن يُبيّن أنّه واحد، ولا يُذْكر بأنّه هو نفسه واحد، فهذه المسألة مسألة عكسية الآن.
لمّا يُذْكر الرّاوي بأكثر من صفة ربّما يُتوهّم أنّه أكثر من شخص؛ أمّا عندنا هاهنا عندما يذكر باسم واحد ويكون المراد أكثر من شخص فيُتوهّم أنّ صاحب هذا الاسم هو شخص واحد، فالمسألة عكسيّة.
"لأنَّهُ يُخْشى فيه أَن يُظَنَّ الواحِدُ اثنَيْنِ"، أي ذاك المهمل.
"وهذا"، أي هو المتّفق والمفترق.
"يُخْشى منهُ أَنْ يُظَنَّ الاثنانِ واحِداً"، كأن تقول مثلاً: "عمر بن الخطّاب"، إذا لم تعرف هذا النّوع وتعرف أنّ هناك أكثر من واحد يسمّى بهذا الاسم، ستظنّ أنّ عمر بن الخطّاب هذا شخص واحد، وسيحصل الخلط.
أمّا ذاك بالعكس عندما يُذْكر بأكثر من صفة ستظنّ الشّخص الواحد أكثر من شخص.
"وإِنِ اتَّفَقَتِ الأَسْماءُ خَطّاً واخْتَلَفَتْ نُطْقاً"، الآن انتقل إلى نوع آخر، انتهينا من المتّفق والمفترق، الآن يريد أن يدخل على نوع آخر أيضاً في الأسماء.
قال: "وإِنِ اتَّفَقَتِ الأَسْماءُ خَطّاً"، يعني في الرّسم، رسم الكلمة.
"واخْتَلَفَتْ نُطْقاً"، سبب الاختلاف في النّطق ما هو؟ الضّبط بالشّكل، فتحة وكسرة إلى آخره.
وكذلك النّقط، تنقيط، نقط، هذا سبب الاختلاف في النّطق.
فإذا الرّسم اتّحد كــ: "سلام"، و"سلّام"، ارسم الكلمتين ستجدها واحدة، لا تضبطها بالشّكل، فقط بالرّسم، سلام، وسلام واحد، فتختلف لماذا؟ في النّطق.
سبب الاختلاف في النّطق هنا؟ أنّ اللّام عليها فتحة فقط مخفّفة الأولى، واللّام الثّانيّة عليها شدّة، مشدّدة؛ فالنّطق هنا اختلف تقول: "سلام"، و "سلّام" وسبب الاختلاف هو الضّبط بالشّكل.
و "الثّوري"، و "التّوزي" ارسمها من غير التّنقيط "ألف، لام، واو، راء، ياء"، "الثّوري والتّوزي" تختلف متى؟ في النّطق.
سبب الاختلاف في النّطق؟ النّقط الذي على الكلمتين.
"وإِنِ اتَّفَقَتِ الأَسْماءُ خَطّاً واخْتَلَفَتْ نُطْقاً، سواءٌ كانَ مرجِعُ الاختلافِ النَّقْطَ أَو الشَّكْلَ"، هنا أشار إليه بأنّ مرجع اختلاف النُّطق سببه إمّا أن يكون من الشّكل، أو من النّقط.
"فهُو: المُؤتَلِفُ"، في الرّسم، "و المُخْتَلِفُ"، في النّطق.
بسبب الشّكل أو النّقط.
"ومعرِفَتُه مِن مهمَّاتِ هذا الفنِّ"، معرفة هذا النّوع الذي هو المؤتلف والمختلف.
"مِن مهمَّاتِ هذا الفنِّ، حتَّى قالَ عليُّ بنُ المَدينيِّ: ((أَشدُّ التَّصحيفِ ما يقعُ في الأسماءِ))"، أي أشدّه وأصعبه وأكثره ضرراً ما يقع في الأسماء، تصحيف الأسماء.
"ووجَّهَهُ بعضُهم بأَنَّهُ شيءٌ لا يَدْخُلُهُ قياسُ"، الاسم لا يمكن أن تقيسه على اسم آخر وتقول: بما أنّ هذا مثلاً جاء بحرف الثّاء فلابدّ أن يكون ذاك بحرف الثّاء، لا، الأسماء ما فيها قياس، بناءً على ما سُمِعت؛ فإذا حصل فيها تصحيف أو تغيير لا يمكنك أن تُرْشَد إليه بسهولة
"ولا قَبْلَهُ شيءٌ يدلُّ عليهِ ولا بعدَه"، فلا يمكن أن تعرفه بالقياس، ولا أيضا بالسّياق؛ فما فيه عندك شيء من قبل هذا الاسم يدلّ على المراد منه، ولا يوجد بعده شيء أيضاً يدلّك على هذا الاسم؛ فالتّصحيف فيه شديد وخطير.
"وقد صنَّفَ فيهِ أَبو أَحمدَ العسكريُّ، لكنَّه أَضافَهُ إِلى كتابِ ((التَّصحيفِ)) له"، يعني صنّف في هذا النّوع أبو أحمد العسكري كتاباً؛ لكن هذا الكتاب لم يكن مختصًّا بالأسماء، صنّف كتاباً في التّصحيفات ومن ضمن هذه التّصحيفات كانت الأسماء؛ لذلك قال: "لكنَّه أَضافَهُ إِلى كتابِ ((التَّصحيفِ)) له"، يعني أدخل الأسماء في كتاب التّصحيف؛ فكتاب التّصحيف كان عامّاً فيه الأسماء وغير الأسماء.
"ثمَّ أَفرَدَهُ"، أي تصحيف الأسماء.
"بالتَّأْليفِ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ"، عبد الغني بن سعيد أفرد التّصحيف في الأسماء فقط لا في غيرها في كتاب مستقلّ.
"فجمَعَ فيهِ كِتابينِ، كتاباً في ((مُشتَبِهِ الأسماءِ))، وكتاباً في ((مُشْتَبِهِ النِّسبةِ))"، يعني الكتاب الذي حصل فيه اشتباه بسبب الأسماء، وكتاب آخر أفرده للاشتباه في النّسب.
"وجَمَعَ شيخُهُ الدَّارقطنيُّ في ذلك كتاباً حافِلاً، ثمَّ جَمَعَ الخَطيبُ ذَيلاً، ثمَّ جَمَعَ الجَميعَ أَبو نَصْرِ بنُ ماكُولا في كتابِه ((الإِكمالِ))، واسْتَدْرَكَ عليهِم في كتابٍ آخَرَ، فجَمَعَ فيهِ أَوهامَهُمْ وبيَّنَها، وكتابُه مِن أَجمعِ ما جُمِعَ في ذلك"، يعني كتاب ابن ماكولا، الذي هو اسمه "الإكمال"، هذا الكتاب قال: "مِن أَجمعِ ما جُمِعَ في ذلك".
"وهُو عُمدةُ كلِّ محدِّثٍ بعدَه"، المحدّثون يعتمدون على كتاب ابن ماكولا هذا في معرفة ضبط الأسماء والتّفريق بينها.
"وقد استَدْرَكَ عليهِ أَبو بكرِ بنُ نُقطَةَ ما فاتَه، أو تجدَّدَ بعدَه في مجلَّدٍ ضَخْمٍ، ثمَّ ذَيَّلَ عليهِ منصورُ بنُ سَليمٍ –بفتحِ السَّينِ– في مجلَّدٍ لطيفٍ، وكذلك أَبو حامدِ ابنُ الصَّابونيِّ"، هكذا العلماء يبدأ التّصنيف في الفن، ثمّ يستدرك بعضهم على بعض، ويزيد بعضهم على بعض.
"وجَمَعَ الذهبيُّ في ذلكَ كِتاباً مُخْتَصراً جِدّاً، اعتَمَدَ فيهِ على الضَّبْطِ بالقَلَمِ"، أي بمجرّد الكتابة بالقلم، ولم يضبطه بالحروف، عندهم الضّبط بالحروف -طبعاً- لاشكّ أنّه يكون أتقن، عندما تقول مثلاً كما ذكر هنا الآن في البداية قال: [منصور بن سَليم -بفتح السّين-] هو ضبط بالحروف، بفتح السّين، بالثّاء المثلّثة، بالياء التحتيّة، إلى آخره، هذا ضبط بالحروف؛ لكن عندما تضبطه فقط بالقلم، القلم هذا يحصل فيه التّصحيف.
قال:"فكَثُرَ فيهِ الغَلَطُ والتَّصحيفُ المُبايِنُ لموضوعِ الكِتابِ"، يعني لمّا ضبطه بالقلم فقط ولم يضبطه بالحروف كان هذا سبباً لكثرة التّصحيف فيه، وكثرة التّصحيف هذه أصلاً الكتاب أُلِّف كي يعالج التّصحيف؛ فلمّا ضُبِط بالقلم حصلت فيه كثرة التّصحيف فنفس الكتاب الذي أراد أن يعالج شيء وقع في نفس الدّاء.
"وقد يسَّرَ اللهُ تَعالى بتوضيحِهِ بكتابٍ سمَّيْتُهُ ((تَبْصير المُنْتَبِه بتَحرير المُشْتَبِه))، وهو مجلَّدٌ واحدٌ، وَضَبَطتُهُ بالحُروفِ على الطَّريقةِ المَرْضِيَّةِ"، عند المحدّثين في هذا النّوع، الطّريقة المرضيّة عندهم الضّبط بالحرف وليس فقط الضّبط بالقلم.
"وزدتُ عليهِ"، أي على كتاب الذّهبي.
"شيئاً كثيراً ممَّا أَهْمَلَهُ، أَولَمْ يَقِفْ عليهِ، وللهِ الحمدُ على ذلك"، وكتابه هذا للحافظ ابن حجر "تبصير المنتبه" مطبوع؛ وهو أحسن ما أُلِّف في هذا النّوع وأجمعه.
"وإِنِ اتَّفَقَتِ الأسْماءُ خطّاً ونُطْقاً، واخْتَلَفَتِ الآباءُ نُطْقاً مع ائْتِلافِها خطّاً؛ كمحمَّدِ بنِ عَقيلٍ –بفتحِ العينِ–، ومحمَّدِ بنِ عُقَيْلٍ –بضمِّها–: الأوَّلُ نيسابوريٌّ، والثاني فِرْيابيٌّ، وهُما مشهورانِ، وطبقتُهما مُتقارِبةٌ"، الآن دخل على نوع هو عبارة عن تركيبة من النّوعين الأوّلين:
·النّوع الأوّل: المتّفق والمفترق.
·النّوع الثّاني: المؤتلف والمختلف.
هذا النّوع هو مركّب من هذين النّوعين:
النّوع الأوّل: المتّفق والمفترق، الآن في الاسم الذي بين أيدينا "محمّد بن عَقيل، ومحمّد بن عُقَيْل" اسم محمّد الاسم الأوّل هو من المتّفق والمفترق.
أمّا "عَقيل، وعُقَيْل" فهو من المؤتلف والمختلف؛ فهو اسم واحد مركّب من النّوعين؛ هذا النّوع نوع مركّب من النّوعين المتقدّمين.
قال: "أَوْ بالعَكْسِ؛ كأَنْ تَختَلِفَ الأسماءُ نُطْقاً وتأْتِلِفَ خطّاً، وتتَّفقَ الآباءُ خطّاً ونُطقاً"، يعني الآن القضيّة عكسيّة.
يختلف اسم الرّاوي، أمّا اسم أبيه فلا يختلف.
"كشُريحِ بنِ النُّعمانِ، وسُرَيْجِ بنِ النُّعمانِ"، الآن اسم الأب من المتّفق والمفترق، أمّا اسم الابن من المؤتلف والمختلف، عكس الأوّل.
"الأوَّلُ بالشِّينِ المُعجمةِ والحاءِ المُهملةِ-شُرَيح-، وهو تابعيٌّ يروي عن عليٍّ رضي الله عنه، والثَّاني: بالسِّينِ المُهمَلَةِ –سُرَيج- والجيمِ، وهُو مِن شُيوخِ البُخاريِّ؛ فهُو النَّوعُ الَّذي يُقالُ لهُ: المُتشابِهُ"، هذا نوع أعطوه الآن اسم خاص، يسمّى المتشابه.
"وقد صنَّفَ فيهِ الخَطيبُ كتاباً جَليلاً سمَّاهُ ((تَلخيصَ المُتشابِهِ))، ثمَّ ذَيَّلَ عليهِ"، أي عمل له ذيلاً، يعني ألحق به أشياء هو نفسه، نفسه المؤلّف، ألحق بكتابه أشياء أخرى جعلها كالذّيل.
"ثمَّ ذَيَّلَ عليهِأَيضاً بما فاته أَوَّلاً، وهُو كثيرُ الفائدةِ، وكَذا إِنْ وَقَعَ ذلك الاتِّفَاقُ في الاسمِ واسمِ الأبِ، والاختلافُ في النِّسبَةِ"، وأيضا يعني مثل ما تقدّم أن يقع الاتّفاق في اسم الأب واسم الابن كــ: "محمّد بن عبد الرّحمن"، والثّاني: "محمّد بن عبد الرّحمن"؛ لكن الاختلاف يكون في النّسبة، في نسبتهما.
"ويَتَرَكَّبُ مِنْهُ ومِمَّا قَبْلَهُ أَنْواعٌ منها:"، يعني الآن يريد أن يُفرّع على هذه الأنواع الثّلاثة أنواع أخرى كثيرة تتفرّع على هذا.
"مِنها: أَنْ يَحْصُلَ الاتِّفاقُ أو الاشتِباهُ في الاسمِ واسمِ الأبِ مثلاً؛ إلاَّ: في حَرْفٍ أَو حَرْفَيْنِ فأَكثرَ، مِن أَحدِهِما أو مِنهُما، وهُو على قسمينِ:
إِمَّا أَنْ يكونَ الاخْتِلافُ بالتَّغييرِ، معَ أَنَّ عدَدَ الحُروفِ ثابِتٌ في الجِهَتَيْنِ.
أَوْ يكونَ الاختِلافُ بالتَّغييرِ معَ نُقصانِ بعضِ الأسماءِ عن بعضٍ.
فمِن أَمثِلَةِ الأوَّلِ:
محمَّدُ بنُ سِنان –بكسرِ السِّينِ المُهمَلَةِ ونونينِ بينَهُما أَلفٌ–، وهُم جماعةٌ؛ منهُم : العَوَقيُّ –بفتحِ العينِ والواوِ ثمَّ القافِ– شيخُ البُخاريِّ.
ومحمَّدُ بنُ سيَّارٍ –بفتحِ السِّينِ المُهملَةِ وتشديدِ الياءِ التَّحتانيَّةِ وبعد الألف راءٌ–، وهُم أيضاً جماعةٌ؛ منهُم اليَمامِيُّ شيخُ عُمرَ بنِ يونُسَ".
لاحظ الآن: "محمّد ين سِنان"، و "محمّد بن سيّار" محمّد ومحمّد متّفقان.
"سِنان"، و "سيّار" الاتّفاق حاصل في بعض الحروف كحرف السّين مثلاً، وحرف الألف، والاختلاف حاصل في حرف النّون وحرف الياء وحرف الرّاء، فالاختلاف حاصل في حرفين فقط.
"ومنها محمَّدُ بنُ حُنَيْنٍ –بضمِّ الحاءِ المُهمَلَةِ ونونينِ، الأولى مفتوحةٌ بينَهما ياءٌ تحتانيَّةٌ– تابعيٌّ يروي عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه.
ومحمَّدُ بنُ جُبيرٍ –بالجيمِ بعدها باءٌ موحَّدةٌ وآخِرُه راءٌ–، وهُو محمَّدُ بنُ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، تابعيٌّ مشهورٌ أَيضاً.
ومِن ذلك:
مُعرِّفُ بنُ واصِلٍ: كوفِيٌّ مشهورٌ.
ومُطَرِّف بنُ واصِلٍ –بالطَّاءِ بدلَ العينِ–"، يعني عندنا في الأوّل "مُعَرِّف"، وفي الثّاني "مُطَرِّف"، اختلفا فقط في الحرف الثّاني.
"شيخٌ آخرُ يروي عنهُ أَبو حُذيفَةَ النَّهْدِيُّ، ومنهُ أَيضاً:
أَحمدُ بنُ الحُسينِ –صاحِبُ إِبراهيمَ بنِ سعدٍ- وآخرونَ، وأَحيَدُ بنُ الحُسينِ مثلُهُلاحظ الأوّل "أحمد بن الحُسَين"، والثّاني "أحْيَد بن الحُسَيْن" فرق بينهما في حرف الياء فقط والميم.
"لكِنْ بدلَ الميمِ ياءٌ تحتانيَّةٌ"، ما الفرق بين الياء التّحتانيّة والتّاء؟ عند الضّبط ماذا تقول؟
التّاء الفوقيّة، أمّا اليّاء فيقال فيه اليّاء التّحتيّة؛ لأنّ كليهما عليه نقطتان؛ فالتّفريق يكون بينهما كذلك.
"وهو شيخٌ بخاريٌّ يروي عنهُ عبدُ اللهِ بنُ محمَّدِ البِيكَنْدِيِّ، ومِن ذلك أَيضاً:
حفْصُ بنُ مَيْسَرَةَ شيخٌ مشهورٌ مِن طبَقَةِ مالكٍ.
وجَعْفَرُ بنُ مَيْسَرَةَ"، ما الفرق بينهما الآن؟ الاسم الأول كلّه مختلف؛ لكن الحروف متقاربة من بعضها، الحرف الأوّل في حفص حاء، والحرف الأوّل في جعفر جيم، الحرف الثاني في حفص فاء، والحرف الثّاني في جعفر عين، ثمّ بعد ذلك تأتي الصّاد والفاء والرّاء.
"وجَعْفَرُ بنُ مَيْسَرَةَ؛ شيخٌ لعُبَيْدِ اللهِ بنِ مُوسى الكُوفيِّ، الأوَّلُ: بالحاءِ المُهْمَلَةِ والفاءِ، وبعدَها صادٌ مهْمَلَةٌ، والثَّاني: بالجيمِ و العينِ المُهْمَلَةِ"، هنا يُعَلِّمك كيفيّة الضّبط بالحروف.
"بعدَها فاءٌ ثمَّ راءٌ، ومِن أَمثلَةِ الثَّاني:
عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ: جماعةٌ: منهُم في الصَّحابةِ صاحِبُ الأذانِ، واسمُ جدِّهِ عبدُ ربِّهِ.
وراوِي حديثِ الوُضوءِ، واسمُ جدِّهِ عاصِمٌ، وهُما أَنصاريَّانِ.
وعبدُ اللهِ بنُ يَزيدَ –بزيادةِ ياءٍ في أَوَّلِ اسمِ الأبِ والزَّايُ مكسورةٌ– وهُم أَيضاً جَماعةٌ: منهُم الصَّحابي: الخَطْمِيُّ يُكْنى أبا موسى، وحديثُهُ في الصَّحيحينِ.
والقاريُ، له ذِكْرٌ في حديثِ عائشةَ ((رضي الله عنها))، وقد زعَمَ بعضُهم أَنَّه الخطْمِيُّ، وفيهِ نظرٌ!
ومنها: عبد الله بن يحيى، وهم جماعةٌ. وعبدُ اللهِ بنُ نُجَيٍّ –بضمِّ النُّونِ وفتحِ الجيمِ وتشديدِ الياءِ– تابعيٌّ معروفٌ، يروي عن عليٍّ رضي الله عنه، أَوْ يَحْصُلُ الاتِّفاقُ في الخَطِّ والنُّطْقِ، لكنْ يَحْصُلُ الاخْتِلافُ َوالاشتِباهُ في التَّقْديمِ والتَّأْخيرِ، إِمَّا في الاسمينَ جُملةً أَو نَحْوَ ذلكَ، كأَنْ يقَعَ التَّقديمُ والتَّأْخيرُ في الاسمِ الواحِدِ في بعضِ حُروفِهِ بالنِّسبةِ إِلى ما يشتَبِهُ بهِ، مثالُ الأوَّلِ: الأسودُ بنُ يزيدَ، ويزيدُ بنُ الأسوَدِ"، واضح قضيّة تقديم وتأخير فقط.
"وهُو ظاهِرٌ، ومنهُم: عبدُ اللهِ بنُ يَزيدَ، ويزيدُ بنُ عبدِ اللهِ"، كذلك تقديم وتأخير.
"ومثالُ الثَّانِي: أَيُّوبُ بنُ سَيَّارٍ، وأَيُّوبُ بنُ يَسارٍ"، التّقديم والتّأخير الآن فقط في الحروف.
"الأوَّلُ: مدَنيُّ مشهورٌ ليسَ بالقويِّ، والآخَرُ: مجهولٌ".
طيب نكتفي بهذا القدر، وبهذا نكون قد انتهينا من مادّة الكتاب، بقيت فوائد يذكرها المصنّف -رحمه الله- في الخاتمة، أشياء لابدّ لطالب العلم أن يعلمها فقط.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-12-2012, 13:58   #27
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الدرس السابع والعشرون من شرح نزهة النظر

الدرس السابع والعشرون من شرح نزهة النظر

بسم الله الرحمن الرحيم
قال المصنّف -رحمه الله-:"خاتِمَةٌ"، سيذكر المؤلّف -رحمه الله- هنا مسائل مهمّة ختم بها مسائل الكتاب يحتاجها المحدّث.
قال:"ومِنَ المُهِمِّ عندَ المحدِّثينَ مَعْرِفَةُ: طَبَقاتِ الرُّواةِ، وفائدتُهُ: الأمْنُ مِن تَداخُلِ المُشتَبِهينَ"، أي عند اشتباه الرّواة بأن يشتركوا في الأسماء مثلاً كما تقدّم في المتّفق والمفترق، يُمَّيّز بينهم بالطّبقات.
"وإِمكانُ الاطِّلاعِ على تَبيينِ التَّدليسِ، والوُقوفُ على حَقيقةِ المُرادِ مِن العَنْعَنَةِ"، لمعرفة الحديث المرسل أو المنقطع وتمييزه عن الحديث المتّصل؛ فإذا عرفنا طبقة الرّاوي عرفنا سمع ممّن ولم يسمع ممّن.
قال:"والطَّبَقَةُ في اصْطِلاحِهِم: عبارةٌ عنْ جَماعةٍ اشْتَركوا في السِّنِّ ولقاءِ المشايخِ"،
"اشْتَركوا في السِّنِّ"، يعني كانوا في العمر متقاربين.
"ولقاءِ المشايخِ"، أي أخذوا الحديث عن نفس المشايخ.
"وقد يكونُ الشَّخصُ الواحِدُ مِن طبَقَتَيْنِ باعْتِبارينِ"، هو واحد؛ لكن يُعَدُّ من طبقتين، لكن باعتبارين.
"كأَنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه؛ فإِنَّهُ مِن حيثُ ثُبوتُ صُحبتِه للنبيِّ صلى الله عليه وسلم يُعَدُّ في طبقةِ العشرةِ مثلاً"، العشرة المبشّرين بالجنّة، هم أكبر من أنس بن مالك بكثير، أنس بن مالك من صغار الصّحابة؛ إذا نظرنا للمسألة من حيث الشّيوخ كلّهم أخذوا عن النّبي صلى الله عليه وسلم؛ فهم من طبقة واحدة.
أمّا إذا نظرنا إلى المسألة من ناحيّة العمر والسنّ؛ فيكون أنس من طبقة ثانية غير طبقة كبار الصّحابة.
قال: "كأَنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه؛ فإِنَّهُ مِن حيثُ ثُبوتُ صُحبتِه للنبيِّ صلى الله عليه وسلم يُعَدُّ في طبقةِ العشرةِ مثلاً، ومِن حيثُ صِغَرُ السنِّ يُعَدُّ في طَبَقَةِ مَن بعدَهُم"، يعني الطّبقة الثّانية؛ لأنّ الطبقة المعتبرة في الحالتين: حالة السنّ، وحالة الإسناد، يعني الأخذ عن الشّيوخ.
فإذا افترق الشّخص كان في الإسناد قد أخذ عن شيخ أخذ معه آخر؛ فهنا من هذه النّاحية ومن ناحية الأخذ عن الشّيخ يُعْتبران من طبقة واحدة؛ لكن إذا افترقا في السنّ يُعتبران من طبقتين مختلفتين؛ فالشّخص الواحد يكون من طبقتين باعتبارين.
"فمَنْ نَظَرَ إِلى الصَّحابةِ باعْتِبارِ الصُّحبَةِ؛ جَعَلَ الجَميعَ طبقةً واحِدَةً"، نظر إلى الشّيخ فقط.
"كما صنَعَ ابنُ حِبَّانَ وغيرُه، ومَنْ نَظَرَ إِليهِم باعْتبارِ قَدْرٍ زائدٍ، كالسَّبْقِ إِلى الإِسلامِ أَو شُهودِ المشاهِدِ الفاضِلَةِ جَعَلَهُم طَبقاتٍ"، يعني بعض المؤلّفين الذين ألّفوا في طبقات الرّجال الصّحابة وغير الصّحابة اعتبر طبقة الصّحابة كلّها طبقة واحدة؛ لأنّهم كلّهم أخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم والبعض لا، جعل الصحابة أنفسهم طبقات على اعتبارات، إمّا للمشاهد مثلاً المعارك، معركة بدر، أحد، مَنْ شارك في أحد، مَنْ شارك في بدر، مَنْ بايع تحت الشّجرة، إلى آخره، أو من ناحية العمر، الصّغر، الكبر، أو غير ذلك من الاعتبارات التي اعتبروها؛ فقسّموا طبقة الصّحابة نفسها إلى طبقات.
"وإِلى ذلك جَنَحَ"، يعني مال.
"صاحِبُ ((الطَّبقاتِ)) أَبو عبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ سعدٍ البَغداديُّ، وكتابُه أَجمَعُ ما جُمِعَ في ذلك"، أجمع ما جُمِع في مسألة الطّبقات، له كتاب اسمه: "الطّبقات لابن سعد" وهو فعلاً كتاب نفيس رائع.
قال:"وإِلى ذلك جَنَحَ"، جنح إلى تقسيم طبقة الصّحابة؛ فقسّم طبقة الصّحابة إلى طبقات، وكتابه كتابٌ نفيس جدّاً حقيقة قد جمع فيها تراجم الصحابة، وتراجم التابعين، وأتباع التّابعين، وجمعٌ من أئمّة الإسلام، وذكر شيئاً عن تراجمهم وله توثيق، وتوثيقه معتبر -رحمه الله-، إلا أنّ كتابه شانه بالإكثار من الرّواية عن محمّد بن عمر الواقدي، هذا الذي شان الكتاب، هذا الذي شان الكتاب وإلاّ هو كتاب نفيس حقيقة في بابه، اسمه الطّبقات الكبرى لابن سعد، وهو كتاب مطبوع، وأفضل طبعاته طبعة الخانجي، طبعة مصرية؛ ولكنّها متقنة وجيّدة، وكاملة.
"وكذلك مَن جاءَ بعدَ الصَّحابةِ –وهُم التَّابعونَ– مَن نَظَرَ إِليهِم باعتبارِ الأخْذِ عن بعضِ الصَّحابةِ فقطْ؛ جَعَلَ الجَميعَ طبقةً واحِدَةً كما صَنَعَ ابنُ حِبَّانَ أَيضاً"، الخلاف الذي في الصّحابة كذلك حصل في التّابعين، مَنْ نظر إلى الشّيوخ جعل التّابعين كلّهم طبقة واحدة، ومَنْ اعتبر شيئا آخر قسّمهم.
ابن حبّان نظر إلى الشّيوخ، فاعتبر طبقة التّابعين كلّها طبقة واحدة.
"ومَنْ نَظَرَ إِليهِم باعتبارِ اللِّقاءِ قسَّمَهُم؛ كما فعَلَ محمَّدُ بنُ سعدٍ، ولكلٍّ منهُما وجْهٌ".
"باعتبارِ اللِّقاءِ"، أي باعتبار اللّقاء الأكثر أو الأقلّ، وأخذه عن البعض وعدم الأخذ عن البعض؛ يعني كأنّه جعل مثلاً، مَنْ أخذ عن كبار الصّحابة طبقة، ومَنْ أخذ عن أواسط الصّحابة طبقة، ومَنْ أخذ عن صغار الصّحابة طبقة، مثلاً.
أو من ناحية الكثرة أو القلّة، مَنْ أخذ عن أكثر الصّحابة طبقة، مَنْ أخذ عن أقلّ الصّحابة طبقة، وهكذا، اعتبارات من هذه الجهة.
"كما فعَلَ محمَّدُ بنُ سعدٍ، ولكلٍّ منهُما وجْهٌ" كلّ واحد له وجه فيما فعل، يعني الوجه الأوّل اعتبر الشّيوخ، والوجه الثّاني إمّا اعتبر السنّ أو ما هو قريب من السنّ.
"وَمِن المُهمِّ أَيضاً معرِفةُ مواليدِهِمْ ووَفَياتِهِمْ"، كما أنّه من المهمّ معرفة الطّبقات؛ كذلك من المهمّ أيضاً معرفة مواليد الرّواة، ومتى توفوا، متى مات الرّواة؛ هذا أيضاً من المهمّ جدّاً حتّى يُعْرَف مَنْ لقي مَنْ؟، ومَنْ لم يلق مَنْ؟
"لأنَّ بمَعْرِفَتِهما يحصُلُ الأمْنُ مِن دَعْوى المُدَّعي بلقاءِ بعضِهِم وهُو في نَفْسِ الأمرِ ليسَ كذلكَ"، يعني إذا عرفنا المواليد والوفيات نستطيع أن نأمن من أن يأتي شخص يقول: أنا لقيت فلان، وهو في حقيقة الأمر لم يلقه؛ فيكون كاذباً في ذلك؛ فبالتّواريخ عرفوا كذب مَنْ يكذب، مَنْ يدّعي أنّه لقي أحد الشّيوخ وهو لم يلقه من ناحيّة السنّ، يعرفوا متى ولد، ومتى توفيّ، ومتى توفيّ شيخه، فمثلاً يجدون فرقا بين ميلاد التّلميذ ووفاة الشّيخ بحيث أنّه يستحيل أن يكون لقيه، فعندئذ يظهر كذبه.
"وَمِن المُهمِّ أَيضاً معرِفةُ بُلْدَانِهِمْ وأَوطانِهم، وفائدتُه الأمنُ مِن تداخُلِ الاسمَيْنِ إِذا اتَّفقا، لكنْ افْتَرَقا في النَّسَبِ"، يعني في النّسبة إلى البلد أو الوطن، إذا نُسِب، عندئذ يتبيّن، يعني مثلاً لو سُمِّي شخص محمّد بن عبد الله، والآخر محمّد بن عبد الله، الأوّل قلنا محمّد بن عبد الله البصري، والثّاني محمّد بن عبد الله الكوفي، بالنّسبة يفترقان، خلاص يحصل الأمن من اشتباه هذا بهذا.
"وَمِن المُهِمِّ أَيضاً معرفةُ أَحْوالِهِمْ؛ تَعْديلاً، وتَجْريحاً، وجَهالةً"، أيضاً مهمّ جدّاً هذا، أن يُعْرَف حال الرّواة من ناحيّة التّعديل والتّجريح والجهالة؛ لأنّ عندنا الرّاوي إمّا أن يكون معدّلاً، أو مجرّحاً، أو مجهولاً، لا رابع لهم، هو هكذا حاله؛ فمن المهمّ جدّاً معرفة هذا.
لماذا هو من المهمّ؟ لأنّه لا يمكننا الحكم على الحديث إلّا بعد معرفة أحوال الرّواة؛ فيؤخذ بالثّقات، ويُرَدّ خبر الضّعفاء والمجاهيل.
قال:"لأنَّ الرَّاويَ إِمَّا أَنْ تُعْرَفَ عدالَتُه، أَو يُعْرَفَ فِسْقُه، أَوْ لا يُعْرَفَ فيهِ شيءٌ مِن ذلك"، إن عُرِفت عدالته وحفظه فهو الثّقة، وإن عُرِف فسقه فهو الضّعيف، إمّا الضعف الشّديد إذا كان الضعف بسبب الفسق، وإذا كان بسبب الحفظ يكون ضعفاً إمّا شديداً أو خفيفاً، أو لا يُعْرَف فيه شيء من ذلك فهذا هو المجهول.
"وَمِن أَهمِّ ذلك بعدَ الاطِّلاعِ معرِفةُ مَراتِبِ الجَرْحِ والتَّعديلِ"، بعد معرفة أحوال الرواة، لابدّ من معرفة أيضاً مراتب الجرح والتّعديل.
"لأنَّهُم قد يُجَرِّحونَ الشَّخصَ بما لا يستَلْزِمُ ردَّ حديثِه كلِّهِ، وقد بيَّنَّا أَسبابَ ذلك فيما مَضى، وحَصَرْناها في عَشرةٍ، وقد تقدَّم شرحُها مفصَّلاً"،
"لأنَّهُم قد يُجَرِّحونَ الشَّخصَ بما لا يستَلْزِمُ ردَّ حديثِه كلِّهِ"، يعني عندما يقولون مثلاً في أحد الرّواة: اختلط في سنّ معيّن، ويُعْرَف الرّواة الذي رووا عنه قبل الاختلاط وما بعد الاختلاط، هو هنا مجرّح؛ لكن لا يلزم من هذا الجرح أن يُرَدَّ حديثه كلّه، إنّما يُرَدُّ ما رواه بعد الاختلاط، أمّا قبل الاختلاط فلا؛ فإذن لابدّ من معرفة مراتب الجرح والتّعديل حتّى نعلم ماذا يريدون بالألفاظ التي يذكرونها في مسائل الجرح والتّعديل كيلا نترك أحاديث مَنْ يُؤخذ ببعض أحاديثه.
قال:"والغَرَضُ هُنا ذِكْرُ الألفاظِ الدَّالَّةِ في اصطِلاحِهِم على تِلكَ المراتِبِ"، يريد أن يذكر الألفاظ التي تدلّ على مرتبة الراوي من ناحية التّوثيق وعدمه.
قال:"وللجَرْحِ مراتِبُ: أَسْوَأُها: الوَصْفُ بما دلَّ على المُبالَغَةِ فيهِ"، مبالغة في التجريح.
"وأَصرحُ ذلك التَّعبيرُ بأَفْعَلَ"، "أفعل" وزن، يعني ما كان على وزن أفعل، وهو وزن تفضيل.
"كـ: أَكْذَبِ النَّاسِ، وكذا قولُهم: إِليهِ المُنْتَهى في الوضعِ، أَو: هُو ركنُ الكذبِ، ونحوُ ذلك"، هذه يعني أحطّ منزلة، عندما يذكرون فيه مثل هذه الألفاظ فهو منتهي تمام، لا يقوم.
"ثمَّ: دجَّالٌ"، يعني كذّاب.
"أو: وَضَّاعٌ"، يعني يضع الأحاديث، يعني يكذبها.
"أو: كَذَّابٌ؛ لأنَّها وإِنْ كانَ فيها نوعُ مُبالغةٍ، لكنَّها دونَ الَّتي قبلَها"، فهي في المرتبة أعلى قليلاً.
"وأَسْهَلُهَا؛ أَي: الألفاظِ الدَّالَّةِ على الجَرْح: قولُهم: فُلانٌ ليِّنٌ، أو: سيِّئ الحِفْظِ، أَوْ: فيهِ أَدنى مَقَالٍ"، هذه ألفاظ يستعملونها للجرح الخفيف؛ لكن الذي قيل فيه هذه الألفاظ لا يحتجّ به: ليّن، سيّء الحفظ، فيه أدنى مقال.
"وبينَ أَسوأ الجَرْحِ وأَسهَلِهِ مراتِبُ لا تَخْفى"، بين المرتبة الأولى التي ذكرها والأخيرة في الجرح مراتب كثيرة، لا تخفى على مَنْ مارس هذا العلم واطّلع على كتب الرّجال.
"فقولُهُم: متْروكٌ، أَو ساقِطٌ، أَو: فاحِشُ الغَلَطِ، أَو: مُنْكَرُ الحَديثِ، أَشدُّ مِن قولِهم: ضعيفٌ"، هذه منكر، متروك، ساقط، فاحش الغلط، منكر الحديث، كلّها لا يحتجّ بصاحبها، ولا يصلح في الشّواهد والمتابعات.
"أَشدُّ مِن قولِهم: ضعيفٌ أَو ليسَ بالقويِّ، أَو: فيهِ مقالٌ"، هذا كلّه وإن كان ضعيفاً ؛ إلّا أنّه يصلح في الشّواهد والمتابعات.
"وَمن المهمِّ أَيضاً معرِفةُ مراتِبِ التَّعديلِ، وأَرْفَعُها أيضاً: الوَصْفُ بما دلَّ على المُبالغةِ فيهِ، وأَصْرَحُ ذلك: التَّعديلُ بـ "أَفْعَلَ"؛ كـ: أَوْثَقِ النَّاسِ، أَو: أَثبَتِ النَّاس، أَو: إِليهِ المُنْتَهى في التَّثَبُّتِ"، هذه كلّها ألفاظ تدلّ على أنّ صاحبها قد بلغ مبلغاً عظيماً من التّوثيق.
"ثمَّ ما تَأَكَّدَ بِصِفَةٍ مِن الصِّفاتِ الدَّالَّةِ على التَّعديلِ، أَو صِفَتَيْنِ؛ كـ: ثقةٌ ثقةٌ، أو: ثبتٌ ثبتٌ، أَوْ: ثقةٌ حافظٌ، أَو: عدلٌ ضابِطٌ، أو نحوُ ذلك"، يعني ما ذُكِر فيه وصفين لا وصف واحد.
"وأَدْناها: ما أَشْعَرَ بالقُرْبِ مِنْ أَسْهَلِ التَّجْرِيحِ؛ كـ: شيخٌ، و: يُرْوى حديثُه، ويُعْتَبَرُ بهِ، ونحوُ ذلك"، هذه أنزل مراتب التّعديل، وصاحبها لا يحتجّ به؛ إلّا أنّه يصلح في الشّواهد والمتابعات.
"شيخٌ"، يعني مثل راوٍ.
"يُرْوى حديثُه"، يعني لك أن تروي حديثه، ليس متروك الحديث، ولكن لك أن تروي حديثه للاعتبار به.
"ويُعْتَبَرُ بهِ"، يعني يصلح في الشّواهد والمتابعات.
"ونحوُ ذلك مراتِبُ لا تَخْفى".
"وَهذهِ أَحكامٌ تتعلَّقُ بذلك، ذكَرْتُها هُنا لتَكْمِلَةِ الفائدةِ، فأَقولُ:"، يعني الآن سيزيد بعض الأحكام للفائدة.
"فأَقولُ:وتُقْبَلُ التَّزكِيَةُ مِنْ عَارِفٍ بأَسْبَابِها، لا مِنْ غيرِ عارِفٍ، لئلاَّ يُزكِّيَ بمجرَّدِ ما يظهَرُ لهُ ابْتِداءً مِن غيرِ ممارسةٍ واخْتِبارٍ "، لا شكّ أن مسألة الجرح والتّعديل هذا لا يؤخذ من أي أحد؛ إنّما شخص يكون عالماً بأسباب الجرح وأسباب التّعديل، أمّا إذا لم يكن عالماً بهذه الأسباب فليس أهلاً لأن يُؤخذ منه.
"ولَوْ كانتِ التَّزكيةُ صادِرةً مِن مُزَكٍّ واحِدٍ عَلى الأصَحِّ"، يعني التّزكية تُقْبَل ولو كان المزكّي واحد، لا يشترط العدد في التّزكية.
"خلافاً لمَن شَرَطَ أَنَّها لا تُقْبَلُ إِلاَّ مِنَ اثْنَيْنِ؛ إِلْحاقاً لها بالشَّهادَةِ في الأصحِّ أَيضاً"، يعني بعضهم ألحقها بالشّهادة، فكما أنّه لا تُقْبَل إلّا شهادة اثنين؛ كذلك قال في التّزكيّة لا تُقْبَل إلّا من اثنين، وهذا خطأ وسيبيّن المؤلّف -رحمه الله-الفرق بين التّزكية والشّهادة.
قال:"والفَرْقُ بينَهُما أَنَّ التَّزكية تُنَزَّلُ منزِلَةَ الحُكْمِ، فلا يُشْتَرَطُ فيها العددُ، و الشَّهادةُ تقعُ مِن الشَّاهِدِ عندَ الحاكِمِ فافْتَرقا"، يعني هنا الآن هو جعل التّزكيّة ليست كالشّهادة، وإنّما جعلها كالحكم، يعني عندما تأتي وتقول: فلان عدل، فلان ثقة، فلان مقبول الحديث، هذا يكون حكماً منك على هذا الشّخص بالعدالة، فهذا حكم وليس بشاهد، والحكم لا يشترط فيه العدد كما هو مقرّر ومعروف أنّ الحاكم لا يشترط أن يكون أكثر من واحد ليحكم في المسألة؛ لكن الشّهادة تحتاج إلى عدد، تحتاج إلى اثنين؛ ففرقٌ بين التّزكيّة، وبين الشّهادة.
والصّحيح أن تُقَرَّب التّزكيّة إلى الحكم، لا إلى الشّهادة، وإذا كانت التّزكيّة حكماً فمعنى ذلك أنه لا يشترط لها العدد،
وهذا هو الصّحيح.
"ولَوْ قيلَ: يُفَصَّلُ بينَ ما إِذا كانتِ التَّزكيةُ في الرَّاوي مُستَنِدَةً مِن المُزكِّي إِلى اجْتِهادِهِ، أَو إِلى النَّقْلِ عنْ غيرِه؛ لكانَ مُتَّجهاً"، يعني لو قيل هذا القول لكان هذا له وجه.
"لأنَّه إِنْ كانَ الأوَّلُ، فلا يُشْتَرَطُ العددُ أَصلاً؛ لأنَّهُ حينئذٍ يكونُ بمنزلةِ الحاكمِ، وإِنْ كانَ الثَانيَ؛ فيُجْرى فيهِ الخِلافُ، وتَبَيَّنَ أَنَّه أَيضاً لا يُشْتَرَطُ العددُ، لأنَّ أَصلَ النَّقلِ لا يُشْتَرَطُ فيهِ العددُ، فكَذا ما تفرَّعَ عنهُ، واللهُ سبحانه وتعالى أَعلمُ"، يقول هنا: لو قال قائل بأنّ التّزكيّة نفسها فيها تفصيل؛ فبعضها يرجع إلى الاجتهاد، وبعضها يرجع إلى النّقل.
فقال: لو قال أحد هذا القول لكان له وجه؛ فإن كان الأوّل لا يشترط العدد أصلاً، يعني إذا كانت المسألة متوقّفة على الاجتهاد فتكون مثل الحكم، لا يشترط لها العدد، قال لأنّه حينئذ يكون في منزلة الحاكم، لمّا يكون اجتهد في الشّخص وحكم عليه بالعدالة فقال: فلانٌ عدلٌ.
هناك فرق بين أن يقول: فلانٌ عدل، هنا يكون حكماً لاشكّ؛ لكن إذا قال: فلان يصلّي ويصوم ويحجّ ويفعل الخير ولا يفعل المنكرات، مثل هذه الألفاظ هي أقرب إلى الإخبار عن كونها حكماً، هي أقرب إلى النّقل فيكون ناقلاً لحال هذا الشّخص.
بخلاف ما يقول: فلان عدل، أو فلان فاسق، أو فلان مثلاً ثقة، مثل هذه الألفاظ أحكام أطلقها على هذا الشّخص هي ترتّبت على شيء أصلاً.
لمّا يقول: فلان ثقة، هي ترتّبت على وجود صفات ثبتت عند هذا الشّخص؛ فهي بمنزلة الحكم.
أمّا عندما يقول: فلان يصلّي، ولا يعمل المنكرات، هو ناقل لحال فلان، فيكون هذا من باب الخبر، وعلى كلا الحالتين، سواء كان من باب الحكم، أو باب الخبر لا يشترط فيه العدد؛ لأنّنا ذكرنا نحن أنّ الأخبار، نقل الخبر من الرّواة لا يشترط فيه العدد، ليس هو كالشّهادة وأقمنا الأدلّة والبيّنات على وجوب قبول خبر الواحد فقط.
"و كذا يَنْبَغي أَنْ لا يُقْبَلَ الجَرْحُ والتَّعْديلُ إِلاَّ مِن عدلٍ مُتَيَقِّظٍ"، لا شكّ، لابدّ أن يكون العالم الذي يتكلّم في الجرح والتّعديل أن يكون هو في نفسه عدلاً، ولا يكون مجروحاً؛ لأنّ هذا الشّخص إمّا أن يكون حاكماً كما ذكرنا، أو أن يكون مخبراً وكلاهما يشترط فيهما العدالة.
متيقّظا: يعني فطن، فاهم، يدرك الأمور ويفهمها فهماً جيّداً، وحكيماً أيضاً كي لا يفسد في هذا الجانب.
"فلا يُقْبَلُ جَرْحُ مَنْ أَفْرَطَ فيهِ"، أي لا يُقْبَل جرح مَنْ أفرط في الرّاوي، يعني جَرَحَ الرّاوي جرحاً شديداً، أفرط، بالغ، فلا يُقبَل منه هذا.
"فجَرِّحَ بما لا يقْتَضي رَدَّاً لحديثِ المُحَدِّثِ"، كأن يَجرَح الشّخص بجرح هو لا يقتضي الردّ ولا يؤثّر في عدالة هذا الرّاوي.
"كما لا يُقْبَلُ تزكِيَةُ مَن أَخَذَ بمجرَّدِ الظَّاهِرِ، فأَطلَقَ التَّزكيةَ"، هذا تَسَاهَلَ، وذاك تَشَدَّدَ، فلا يُقْبَل من متساهل، ولا يُقْبَل من متشدّد، لابدّ أن يكون الشّخص فطناً معتدلاً.
"وقالَ الذَّهبيُّ وهُو مِن أَهْلِ الاستِقراءِ التَّامِّ في نَقْدِ الرِّجالِ"، أنظر هذه الشّهادة من الحافظ ابن حجر للإمام الذّهبي -رحمه الله-، "وهُو مِن أَهْلِ الاستِقراءِ التَّامِّ في نَقْدِ الرِّجالِ".
"لمْ يجْتَمِعِ اثْنانِ مِن عُلماءِ هذا الشَّأنِ قطُّ على تَوثيقِ ضَعيفٍ، ولا على تَضعيفِ ثِقةٍ"، لم يجتمع اثنان من علماء الحديث على توثيق ضعيف، إذا كان ضعيفاً لابدّ أن يوجد مَنْ يقول فيه بأنّه ضعيف، وإذا كان ثقةً لابدّ أن يوجد مَنْ يقول بأنّه ثقة، لا يمكن أن يجتمعوا على باطل، على خطأ، لا يمكن أن يحصل هذا، وهذا من دقّة علماء الحديث ومن ورعهم -رحمهم الله- في كلامهم في الرّجال.
"ولهذا كانَ مذهَبُ النَّسائيِّ أَنْ لا يُتْرَكَ حديثُ الرَّجُلِ حتَّى يجتَمِعَ الجَميعُ على تَرْكِهِ"، هذه الكلمة التي يتعلّق بها بعض أهل الضّلال، فيشترطون أن يُجْمِع العلماء على تضعيف شخص حتّى يتركوه، وهذا الكلام لا متعلّق لهم به؛ لأنّ النّسائي -رحمه الله- يتكلّم عن التّرك، لا عن التّضعيف، عن ترك حديث الرّجل، وعندهم التّرك شيء، وعدم الاحتجاج به شيء آخر.
ثم الظّاهر أنّ النّسائي -رحمه الله- أخذ هذا المذهب من مذهب شيخه أحمد بن صالح، وأحمد بن صالح كان يتكلّم عن حديث أهل بلد الشّخص، عن أهل بلد الشّخص أنفسهم، يعني لا يترك الرّجل حتّى يجتمع أهل بلده على ترك حديثه، وكما ذكرنا المسألة في التّرك لا في مجرّد التّضعيف، وفرقٌ بين الأمرين.
ثمّ ذكروا هم إجماع أهل البلد على التّرك لا الإجماع العام المعروف والله أعلم.
لكن على كلّ حال لابدّ من تحرير كلمات هؤلاء الأئمّة، النّسائي، وأحمد بن صالح فيما ذكروه.
قال: "ولْيَحْذَرِ المتكلِّمُ في هذا الفنِّ مِن التَّساهُلِ في الجَرْحِ والتَّعديلِ، فإِنَّهُ إِنْ عدَّلَ بغيرِ تثبُّتِ كانَ كالمُثْبِتِ حُكْماً ليسَ بثابتٍ، فيُخْشى عليهِ أَنْ يدْخُلَ في زُمرةِ ((مَن روى حَديثاً وهُو يُظنُّ أَنَّهُ كَذِبٌ))، وإِنْ جَرَّحَ بغيرِ تَحرُّزٍ أَقْدَمَ على الطَّعنِ في مُسلمٍ بَريءٍ مِن ذلك، ووسَمَهُ بِميْسَمِ سُوءٍ"، يعني "ووسَمَهُ" يعني وصفه بوصف وعلّمه بعلامة سوء، "يَبْقى عليهِ عارُهُ أَبداً"، يعني المحذور، الضّرر والمفسدة حاصلة في كلا الأمرين، في حال التّساهل في الجرح، أو التّساهل في التّعديل؛ فلابدّ من التوسّط والاعتدال، فالتّساهل في التّعديل يؤدّي إلى إدخال أحاديث كذب في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وليست هي من أحاديثه، والتّساهل في الجرح، في تجريح النّاس بغير تحرّز، بغير انتباه يؤدّي إلى مفسدة الطّعن في مسلم بريء ممّا طعنه فيه هذا الطّاعن؛ فكلا الأمرين فيهما مفسدة، كلا الأمرين سواء التّساهل أو التشدّد في باب الجرح والتّعديل مفسدان ومفسدان جدّاً، التّساهل في الجرح والتّساهل في التّعديل، لابدّ من التوسّط والاعتدال.
قال: "والآفةُ تدخُلُ في هذا: تارةً مِنَ الهَوى"، الآفة المشكلة عندما تدخل في مثل هذا من أين تأتي؟
قال: "تارةً مِنَ الهَوى"، وما أكثرها في زماننا.
"والغَرَضِ الفاسِدِ"، يعني القصد الفاسد من وراء الأمر، وكلّها مجتمعات عندنا بكثرة، والله المستعان.
"وكلامُ المتقدِّمينَ سالِمٌ مِن هذا غالباً"، أنظر كيف فصّل، المتقدّمون لأنّ في قلوبهم ورع وتقوى أكثر ممّا حصل عند المتأخّرين ممّن يتكلّمون في هذا الميدان بغير علم، وجهل؛ لا نعني العلماء الكبار الذين عُرِف منهم الورع والتّقوى؛ إنّما نعني هؤلاء الذين شغلهم الشّاغل القيل والقال ولا نصح لهم، ولا عمل، ولا دعوة لإقامة دين الله وتعليم النّاس كتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تجد منهم إلّا الفساد والإفساد.
"وتارةً مِن المُخالفةِ في العَقائدِ"، يعني تارة -أيضا- يأتي هذا مسألة الجرح وغيرها من المخالفة في العقائد بين الجارح والمجروح.
"وهُو موجودٌ كثيراً؛ قديماً وحَديثاً، ولا ينْبَغي إِطلاقُ الجَرْحِ بذلك، فقد قدَّمْنا تحقيقَ الحالِ في العملِ بروايةِ المُبتَدِعِ"، هذا من حيث الرّواية؛ لكن لابدّ من ذكر أيضاً حال الشّخص حتّى من ناحيّة البدعة، لابدّ من ذكر حاله ومعرفة ما هو عليه من طريق، لأنّ بعض أهل العلم لا يقبلون رواية الداعيّة للبدعة، والبعض لا يقبل رواية المبتدع مطلقاً فلابدّ لكي يحقّق مذهبهم من التّجريح بالبدعة وذكر بدعة الشّخص.
"والجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّعْديلِ، وأَطلقَ ذلك جماعةٌ، ولكنَّ محلَّهُ"، يعني متى يأتي هذا، يعني هذا الكلام "الجرح مقدّم على التّعديل" بعضهم أطلق هذا الكلام؛ لكن الحافظ ابن حجر لم يرض هذا الإطلاق، وأراد أن يقيّد المسألة.
فقال:"ولكنَّ محلَّهُ"، المكان الذي يصحّ أن يُقال فيه أنّ: "الجرح يقدّم فيه على التّعديل".
"إِن صَدَرَ مُبَيَّناً مِن عَارِفٍ بأَسْبَابِهِ"، يعني الجرح يكون مقدّما على التّعديل إذا كان مفسّراً، إذا كان مفسّراً، وإذا كان من شخص عارف بالأسباب، يعني لا يجرح إلّا بسبب جارح.
"إِن صَدَرَ مُبَيَّناً"، يعني موضّحاً في المعنى الذي قد جرح الآخر به لسبب.
"مِن عَارِفٍ بأَسْبَابِهِ، لأنَّه إِنْ كانَ غيرَ مفسَّرٍ، لم يَقْدَحْ فيمَنْ ثبَتَتْ عدالَتُه"، إذا لم يكن مفسّراً وجاء جرحاً هكذا مبهماً، فمثل هذا لا يُجْرح به مَنْ ثبتت عدالته.
"وإِنْ صدَرَ مِن غيرِ عارفٍ بالأسبابِ لم يُعْتَبَرْ بهِ أيضاً، فإِنْ خَلا المَجْروحُ عَنِ التَّعديلِ، قُبِلَ الجَرْحُ فيهِ مُجْمَلاً"، هذا الكلام المتقدّم عند تعارض الجرح والتّعديل، يعني إذا جُرِّح الشّخص وكان معدّلاً، متى يُقْبَل فيه الجرح؟ يُقْبَل فيه الجرح إذا كان مفسّراً، وإذا كان قادحاً، لأنّه يوجد تجريح مفسّر ولكنّه غير قادح، فلابدّ أن يكون الجرح مفسّراً وقادحاً، حتّى يُقْبَل فيمن عُدِّل؛ لأنّ مَنْ عُدِّل ثبتت عدالته، والأصل بقاء هذه العدالة حتّى يأتي جرحٌ مفسّر قادحٌ، لكن إذا جُرِّح الشّخص ولم يكن فيه تعديلٌ أصلاً؟ وجُرِح جرحاً مُبْهما هكذا غير مفسّر.
قال: "فإِنْ خَلا المَجْروحُ عَنِ التَّعديلِ، قُبِلَ الجَرْحُ فيهِ مُجْمَلاً"، مجرّد جرح هكذا يُقْبَل.
"غيرَ مبيَّنِ السَّببِ إِذا صدَرَ عن عارفٍ عَلى المُخْتارِ"، إذا صدر من شخص عارف بأسباب الجرح والتّعديل، من العلماء في هذا الميدان يُقْبَل مثل هذا الجرح.
"لأنَّهُ إِذا لمْ يكُنْ فيهِ تعديلٌ؛ كان في حيَّزِ المَجهولِ، وإِعمالُ قولِ المُجَرِّحِ أَولى مِن إِهمالِه"، يعني إعمال التّجريح أولى من إهمال التّجريح، كونه هو في الأصل مجهول أصلاً.
"ومالَ ابنُ الصَّلاحِ في مثلِ هذا إلى التوقُّفِ فيهِ"، يعني لا يُجَرَّح ولا يُعَدَّل بما أنّ الجرح مجملٌ، والشّخص لم يرد فيه تعديل، مال ابن الصّلاح إلى التوقّف في مثل هذا الشّخص.
وعلى كلّ حال سواء قلنا بالتوقّف أو قلنا بإعمال الجرح هو على جميع الحالات غير محتجّ به، فلا يحتجّ به في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نكتفي بهذا القدر -إن شاء الله-.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-12-2012, 13:59   #28
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الدرس الثامن والعشرون من شرح نزهة النظر

الدرس الثامن والعشرون من شرح نزهة النظر

قال المصنّف -رحمه الله-:"فصلٌ: ومِنَ المُهِمَّ في هذا الفنِّ معْرِفةُ: كُنَى المُسَمَّيْنَ"،
أي معرفة كنية من عرفنا اسمه، من المهمّ معرفة كنيته كذلك.
"ممَّن اشْتُهِرَ باسمِهِ ولهُ كُنيةٌ"، أي كان معروفاً به واشتهر بالاسم، لكنّ الكنية ليست مشهورة، فمن المهم معرفة كنيته.
"لا يُؤمَنُ أَنْ يأْتِيَ في بعضِ الرِّاوياتِ مُكَنىً"، يعني ربّما يأتي هذا الرّاوي الذي عُرف باسمه، يأتي في بعض الرّوايات بكنيته، إذا لم يكن عندك معرفة بهذه الكنية التبس عليك الأمر، وظننت أنّه شخص آخر.
قال:"لكي لا يُظَنَّ أَنّه آخرُ "، يعني من المهم أن تعرف كنية من اشتُهر باسمه حتّى إذا جاء مذكوراً بكنيته تعرفه ولا تظنّه شخصاً آخر.
"وَمعرفةُ أَسْمَاءِ المُكَنَّيْنَ، وهو عكسُ الَّذي قبلَهُأيضاً من المهم معرفة أسماء من عُرِف بكنيته، وهذا عكس الذي قبله، هذا يكون الرّاوي قد اشتُهر بكنيته لا باسمه، الأوّل يكون قد اشتهر باسمه لا بكنيته.
"وَمعرِفةُ مَنْ اسمُهُ كُنْيَتُهُ، وهُو قليلٌ"، بعض الرواة اسمه وكنيته واحدة؛ ولكن هذا قليل، كأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قالوا كنيته واسمه واحد، اسمه: أبو سلمة، وكنيته: أبو سلمة.
"وَمعرِفةُ مَنْ اخْتُلِفَ في كُنْيَتِهِ وهُم كثيرٌ "، فيكون اسمه معروفاً مشهوراً به، ثمّ يختلفون في كنيته، فيقولون يُكنى بكذا، وقيل: بكذا، إلى آخره.
"وَمعرِفةُ مَنْ كَثُرتْ كُناهُ"، ومن المهم أيضاً معرفة من كثرت كناه.
"كابنِ جُريجٍ؛ لهُ كُنيتانِ: أَبو الوليدِ، وأبو خالدٍ"، معرفة ذلك ينفي توهّم أنّهما اثنان مثلاً، إذا جاءك وقال: حدّثنا أبو الوليد، وفي رواية أخرى يقول لك: حدّثنا أبو خالد، فتظنّ أبا وليد غير أبا خالد، لكن إذا علمت أنّ له أكثر من كنية فلا يشتبه عليك الأمر.
"أَوْ كَثُرتْ نُعُوتُهُ وأَلقابُه"، أي صفاته، فيشمل النّسبة، والقبيلة، نسبته مثلاً إلى قبيلة، نسبته إلى بلد، نسبته إلى صنعة، هذه كلّها من اختلاف النّعوت.
"وأَلقابُه"، اللقب ما أشعر بمدح أو ذمّ، معرفة هذه الأمور تجعلك تتقن معرفة الرّجل، ولا يشتبه عليك الشّخص الواحد، أو الأشخاص المتعدّدون.
"وَمعرِفةُ مَنْ وافَقَتْ كُنْيَتُهُ اسمَ أَبيهِ؛ كأَبي إِسحاقَ إبراهيمَ بنِ إِسحاقَ المَدنيِّ أَحدِ أَتباعِ التَّابِعينَ"، ومن المهم أيضاً معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه.
هنا الآن كنيته ماذا؟ أبو إسحاق.
اسم أبيه؟ إسحاق.
أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق، وما فائدة معرفة مثل هذا؟
قال: "وفائدةُ معرِفَتِه: نفيُ الغَلَطِ عمَّنْ نَسَبَهُ إِلى أَبيهِ، فقالَ: أَخْبَرنا ابنُ إِسحاقَ، فَنُسِبَ إِلى التَّصحيفِ، وأَنَّ الصَّوابَ أَخْبَرنا أَبو إِسحاقَ"، أي معرفة هذا النّوع يبعدك ويجنبّك تخطئة الرّاوي، أو النّاسخ، فتقول هو مُصَحَّف، وهو في الحقيقة لا تصحيف، ليس فيه تصحيف؛ لأنّك إذا قلت في الرّواية: أخبرنا أبو إسحاق، أو ابن إسحاق، كان كلاهما صحيحاً، وهو نفسه أبو إسحاق، وهو أيضاً ابن إسحاق، صح وإلا لا؟ أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق، فلو جاءت الرّواية: أخبرنا أبو إسحاق أو ابن إسحاق فيه غلط؟ ما فيه غلط، هو نفسه يُقال له أبو إسحاق، ويقال له ابن إسحاق؛ أبو إسحاق كنيته، وابن إسحاق نسبته إلى أبيه.
فأنت إذا لم تعلم أنّ كنيته هكذا، ونِسْبَتُه إلى أبيه هكذا، ربّما أخطأت في الكلام، وهذا يحصل في التّصحيف الذي هو مثل يحصل كثيراً في الكتب المخطوطات بالذّات.
تجد في المخطوطة ابن إسحاق فإذا ركّزت عليها تجد أبو إسحاق أو العكس، فالتّصحيف بهذه الصّورة كثير موجود.
فربّما تظنّ هذا أيضاً من التّصحيف؛ لكن عندما يكون عندك علم بأنّه يحمل كنية كهذه تناسب اسم أبيه فعندئذ لا تُخَطِّئه.
"أَو بالعَكْسِ؛ كإِسحاقَ بنِ أَبي إِسحاقَ السَّبيعيِّ"، هنا اسمه إسحاق، وكنية أبيه أبو إسحاق، عكس الأولى.
"أَوْ وافقتْ كُنْيَتُهُ كُنْيَةَ زَوْجَتِهِ؛ كأَبي أَيُّوبَ الأنصاريِّ وأُمِّ أَيُّوبَ؛ صحابيَّانِ مشهورانِ"، وهذا خشية أيضاً أن تظنّ أنَّ في المسألة خطأ، عندما يقول لك: عن أمّ أيّوب، تقول: لا، كيف أمّ أيوب؟!! هذا أبو أيّوب، الآن عندما تعلم أنّ عندنا راويين أبو أيّوب، وأمّ أيوب تتجنّب مثل هذا الزّلل.
"أَو وافقَ اسمُ شيخِه اسمَ أَبيِه؛ كالرَّبيعِ بنِ أَنسٍ عن أَنسٍ"، معرفة ذلك يبعدك عن توهّم أنّه يروي عن أبيه، فتعلم أنّ شيخه أنس هذا غير أبيه، فقد ورد في بعض الرّوايات بدلاً من أن يقول لك مثلاً: عن عامر بن سعد عن أبيه، يقول لك: عن عامر بن سعد عن سعد، فيكون أباه، هذه وردت في بعض الرّوايات بهذه الصّورة، فربّما تظنّ أنت أنَّ هذه من تلك؛ لذلك إذا علمت أنّ اسم شيخه يوافق اسم أبيه، عندئذ تعلم أنّ شيخه هذا ليس هو أباه؛ بل هذا شيخ له، فمعرفتك لهذا يفيدك من هذه الجهة.
قال: "هكذا يأْتي في الرِّوايات"، هكذا يأتي في الرّوايات على هذه الصورة، الرّبيع بن أنس عن أنس.
"فيُظنُّ أَنّه يَروي عن أَبيهِ"، لماذا يُظَنّ هذا الظنّ؟
قال: "كما وقعَ في ((الصَّحيحِ)): عن عامِرِ بنِ سعدٍ عن سعدٍ، وهو أبوهُ"، لظنّ هذا السّبب، أنّه جاء في بعض الرّوايات بهذه الصّورة، يُقال: حدّثنا عامر بن سعد عن سعد، لا يُقال: عن أبيه، يقال: عن سعد، في بعض الرّوايات بهذه الصّورة، فأنت عندما تعلم أنّ بعض الرّوايات جاءت على هذه الصّورة ثمّ تأتيك رواية الرّبيع بن أنس عن أنس تقول هذه من تلك، فتظنّ أنّ أنساً هذا هو والد الرّبيع، وهذا لا، خطأ، فينبغي أن تتنبّه عندما تأتيك صورة مثل هذه ينبغي أن تعرف من المقصود بسعد هاهنا، أو المقصود بأنس هاهنا، هل هو والده أم شيخه؟
قال: "كما وقعَ في ((الصَّحيحِ)): عن عامِرِ بنِ سعدٍ عن سعدٍ، وهو أبوهُ، وليسَ أَنسٌ شيخُ الرَّبيعِ والِدَهُ"، شيخ الربيع الذي هو الرّبيع بن أنس عن أنس، أنس الثّاني هذا ليس هو والد الرّبيع.
"بل أَبوهُ بكرِيٌّ وشيخُهُ أَنصاريٌّ"، هذا الفرق بينهما، أبوه بكري، يعني من بكر بن وائل، قبيلة من قبائل العرب، فيُقال له بَكْري نسبة إلى قبيلة بَكْر بن وائل، وأمّا شيخه فهو أنصاري أي من الأنصار منسوب إلى الأنصار، وقبيلة بكر بن وائل ليست من الأنصار، فافترقا.
"وهُو أَنسُ بنُ مالكٍ الأنصاري المشهورُ"، أنس بن مالك الأنصاري المشهور، الصحابي المعروف.
"وليسَ الرَّبيعُ المذكورُ مِن أَولادِه"، وليس الربيع بن أنس المذكور في الإسناد من أولاد أنس بن مالك الأنصاري؛ بل أنس شيخٌ له.
"وَمعرِفةُ"، ومن المهم أيضاً.
"معرِفةُ مَنْ نُسِبَ إِلى غَيْرِ أَبيهِ؛ كالمِقدادِ بنِ الأسودِ، نُسِبَ إلى الأسودِ الزُّهْرِيِّ لكونِه تبنَّاه"، أي ربّاه عنده.
"وإِنَّما هُو المِقدادُ بنُ عَمْرٍو"، هذا اسمه الحقيقي.
"أَوْ نُسِبَ إِلى أُمِّهِ"، كذلك من المهمّ معرفة من نُسِب إلى أمّه.
"كابنِ عُلَيَّةَ، هُو إِسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ مِقْسَمٍ"، هذا ربّما يأتيك مذكوراً باسمه الحقيقي فيشتبه عليك.
ثمّ يأتيك المقداد بن عمرو، من هذا المقداد بن عمرو؟ هو نفسه المقداد بن الأسود
وكذلك إسماعيل بن عليّة، أحياناً يأتيك بهذا الاسم: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم فلا يشتبه عليك، هذا بالنّسبة إلى أمّه، عُليَّة هذه هي أمّه، وأبوه هو إبراهيم بن مِقْسَم.
"أَحدُ الثِّقاتِ، و عُلَيَّةُ اسمُ أُمِّهِ، اشتُهِرَ بها، وكانَ يحبُّ أَنْ لا يُقالَ لهُ: ابنُ عُلَيَّة"، معه حق، ما يحبّ أن ينتسب إلى أمّه.
"ولهذا كانَ يَقولُ الشَّافِعيُّ: أَخْبَرَنا إِسْماعِيلُ الَّذي يُقالُ لَهُ: ابنُ عُلَيَّةُ"، تبرّأ من الموضوع هذا؛ لكن لمّا اُشْتُهِر بهذا الاسم فما وجد المحدّثون بُدّا من ذكره به.
"أَوْ نُسِبَ إِلى غَيْرِ مَا يَسْبِقُ إِلى الفَهْمِ"، يعني كذلك من المهمّ معرفة من نُسِب إلى غير ما يسبق إلى الفهم، يعني إذا قال الحذّاء مثلاً نسبوه إلى كذا، أنظر كيف تبادر إلى ذهنه هذا هو الذي نحذّر منه.
الحذّاء نسبة إلى الأحذيّة، أنظر اللّفظ الآن يختلف عن لفظ محمّد، هذه النّسبة نسبة إلى الأحذيّة، وأوّل ما يخطر ببالك ماذا؟ أنّه يصنع الأحذية، أوّل ما يخطر ببالك إمّا أنّه يصنع الأحذيّة، أو يبيع الأحذيّة؛ لكن يكون حقيقة الأمر خلاف هذا، هنا مثلاً كما سيمثّل المؤلّف -رحمه الله-.
قال: "كالحَذَّاءِ، ظاهِرُه أَنّه منسوبٌ إِلى صناعتِها، أو بيعِها وليس كذلك"، لماذا خصّوه بالموضوع؟ لهذا السّبب خُصَّ، قالوا من المهمّ معرفته، لماذا؟ لأنّه على خلاف ظاهره.
قال: "وليس كذلك وإِنما كانَ يجالِسُهم، فنُسِبَ إليهِم"، كان يجلس عند الحذّائين فنُسِب إلى الحذّائين.
"وكسُليمانَ التَّيميِّ؛ لم يكنْ مِن بَني التَّيْم"، لكن ليس من هذه القبيلة.
"ولكنْ نزلَ فيهِم"، نزل بينهم وسكن معهم فنُسِب إليهم.
"وكَذا مَن نُسِبَ إِلى جدِّهِ، فلا يُؤمَنُ التِباسُه بمَن وافقَ اسمُه واسمُ أَبيهِ اسمَ الجدِّ المذكورِ"، كمحمّد بن بشر مثلاً ثقة، ومحمّد بن السّائب بن بِشْر، هنا وافق جدّ هذا اسم والد ذاك، فربّما يُظَنُّ أنّه واحد.
محمّد بن السّائب بن بِشْر ضعيف، محمّد بن بِشْر ثقة.
فلا يؤمن التباس الأوّل بالثاني، أيضاً هذا من المهم معرفته.
"وَمعرِفةُ مَنِ اتَّفَقَ اسمُهُ واسمُ أَبيهِ وجَدِّهِ؛ كالحسنِ بنِ الحسنِ بنِ الحسنِ بنِ عليِّ بنِ أَبي طالبٍ رضي الله عنهثلاثة: اسمه واسم أبيه واسم جدّه، واحد.
"وقد يقعُ أَكثرُ مِن ذلك"، ربّما تجدهم أربعة الحسن الحسن الحسن الحسن، كلّهم اسمهم الحسن، أو خمسة.
"وهُو مِن فُروعِ المُسَلْسَلِ"، يدخل في المسلسل بالاسم، فيكون الاسم واحداً.
"وقد يتَّفِقُ الاسمُ واسمُ الأبِ مع اسمِ الجَدِّ واسمِ الأَبِ فصاعِداً؛ كأَبي اليُمْنِ الكِنْديِّ، هُو زيدُ بنُ الحسنِ بنِ زيدِ بنِ الحسنِ"، هنا الاتّفاق ليس في الاسم وحده، اسم اثنين مع بعض.
زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن.
"أَوْ اتَّفَقَ اسمُ الرَّاوي واسمُ شيخِهِ وشَيْخِ شَيْخِهِ فصاعِداً"، هو وشيخه، وشيخ شيخه اسم واحد.
"كعِمْرانَ عن عِمْرانَ عَن عِمْرانَ؛ الأوَّل: يُعْرَف بالقَصِيرِ، والثَّاني: أبو رَجاءٍ العُطارِديُّ، والثَّالثُ: ابنُ حُصينٍ الصَّحابيُّ رضي الله عنه".
قال: وكسُليمانَ عن سُليمانَ عن سُليمانَ: الأوَّلُ: ابنُ أحمدَ بنِ أيوبَ الطَّبرانيُّ"، صاحب المعجم الكبير، الطبراني، المعاجم الثلاثة.
"والثَّاني: ابنُ أَحمدَ الواسطيُّ، والثَّالثُ: ابنُ عبد الرحمنِ الدِّمشقيُّ المعروفُ بابنِ بنتِ شُرَحْبيلَ، وقد يقعُ ذلك من راوٍ وشيخِهِ معاً كأَبي العلاءِ الهَمْدانيَّ العطَّارِ المَشْهورِ بالرِّوايةِ عن أَبي عليٍّ الأصبهانيِّ الحدَّادِ، وكلٌّ منهُما اسمُه الحسنُ بنُ أَحمدَ بنِ الحَسنِ بنِ أَحمدَ بن الحسن بن أحمد، فاتَّفقا في ذلك، وافْتَرقا في الكُنيةِ، والنِّسبةِ إِلى البلدِ والصِّناعةِ، و صنَّفَ فيهِ أَبو موسى المَدينيُّ جُزءاً حافِلاً، وَمعرفةُ مَنِ اتَّفَقَ اسْمُ شَيْخِهِ والرَّاوِي عَنْهُ"، اسم شيخه وتلميذه نفس الاسم، اسم الشّيخ واسم التّلميذ يعني كرواية مسلم عن البخاري عن مسلم.
الآن البخاري تلميذه اسمه مسلم وشيخه اسمه مسلم، حتّى لا يختلط عليك الأمر، تقول في المسألة خطأ، لا ما فيه خطأ.
"وهو نوعٌ لطيفٌ لم يتعرَّضْ لهُ ابنُ الصَّلاحِ، وفائدتُه: رفعُ اللَّبْسِ عمَّن يُظنُّ أَنَّ فيهِ تَكراراً أو انقلاباً، فمِن أَمثلتِه: البُخاريُّ؛ روى عَن مُسْلمٍ، وروى عنهُ مُسلمٌ، فشيخُهُ مسلمُ بنُ إبراهيمَ الفَراهيديُّ البَصريُّ، والرَّاوي عنهُ مُسلمُ بنُ الحجَّاجِ القُشيريُّ صاحِبُ الصَّحيحِ"، هذه كان شيخنا -رحمه الله- الشيخ مقبل، كان دائماً يعني يسأل هذا السّؤال فيتلخبط الشّباب فيه، يقول: روى مسلم عن البخاري عن مسلم من؟ تحفظونها جيداً هذه.
"وكذا وقعَ ذلك لعبدِ بنِ حُميدٍ أيضاً: روى عن مُسلمِ بنِ إبراهيمَ، وروى عنهُ مُسلمُ بنُ الحجَّاجِ في صحيحِه حديثاً بهذه التَّرجمةِ بعينها.
ومنها: يحيى بنُ أَبي كَثيرٍ، روى عن هِشامٍ، وروى عنهُ هِشامٌ، فشيخُه هشامُ بنُ عُروةَ، وهو مِن أَقرانِه، والرَّاوي عنهُ هِشامٌ بنُ أبي عبدِ اللهِ الدَّسْتُوائِيُّ.
ومنها: ابنُ جُريْجٍ، روى عن هشامٍ، وروى عنهُ هِشامٌ، فالأعْلى": يعني شيخه، "ابنُ عُروةَ، والأدْنى": تلميذه "ابنُ يوسُفَ الصَّنعانيُّ.
ومنها: الحكمُ بنُ عُتَيْبَةَ، روى عن ابنِ أَبي ليلى، وعنهُ ابنُ أبي لَيْلى، فالأعْلى عبدُ الرَّحمنِ، والأدْنى محمد بنُ عبدِ الرَّحمنِ المذكورِ، وأَمثلَتُه كثيرةٌ".
"وَمِن المهمِّ في هذا الفنِّ مَعْرِفَةِ الأَسْماءِ المُجَرَّدَةِ"، أي المجرّدة عن ذكر اللّقب أو الكنية، مجرّد الاسم فقط، ومن غير أن يميّز بين الأسماء فلم يفرد مثلاً أسماء الثّقات عن أسماء الضّعفاء.
"وقد جَمَعَها جماعةٌ مِن الأئمَّةِ: فمنهُم مَن جَمَعَها بغيرِ قَيدٍ، كابنِ سعدٍ في ((الطَّبقاتِ))، وابنِ أَبي خَيْثَمَة، والبُخاريِّ في ((تاريخَيْهِما))"، البخاري له ثلاثة تواريخ، التّاريخ الكبير، وهو المقصود هنا، والأوسط، والصّغير.
"وابنِ أَبي حاتمٍ في ((الجَرْحِ والتَّعديلِ))"، ينقل كلام أبيه في الرّواة الذي هو أبو حاتم الرّازي، كذا ينقل كلام أبي زرعة الرّازي، وكثيرٌ من الرجال الذين فيه مستفادون من كتاب البخاري ((التاريخ الكبير)).
"ومنهُم مَن أَفردَ الثِّقاتِ؛ كالعِجْلِيِّ، وابنِ حِبَّانَ، وابنِ شاهينَ"، أفرد الثّقات عن غيرهم، أمّا الذين تقدّموا فلم يفردوا الثقات عن غير الثّقات.
"ومنهُم مَن أَفْرَدَ المَجْروحينَ؛ كابنِ عديٍّ"، في كتابه ((الكامل)) من أنفس كتب الرجال.
"وابنِ حبّانَ أَيضاً"، كتابه المجروحين، ابن حبّان له كتابان كتاب في الثّقات، وكتاب في المجروحين.
"ومنهُم مَنْ تَقيَّدَ بكتابٍ مَخصوصٍ"، يعني بعضهم ذكر الأسماء دون أن يتقيّد بشيء كما تقدّم، والبعض تقيّد بذكر الثّقات فقط، والبعض تقيّد بذكر الضعفاء فقط.
وهنا بعضهم تقيّد بأسماء كتاب معيّن، بأسماء الرجال الذين ذكروا في كتاب معيّن.
"ومنهُم مَنْ تَقيَّدَ بكتابٍ مَخصوصٍ: كـ ((رجال البُخاري)) لأبي نصرٍ الكَلاَباذيِّ، و ((رجالِ مسلمٍ)) لأبي بكرِ بنِ مَنْجَوَيْهِ، ورجالِهما معاً لأَبي الفضلِ بنِ طاهرٍ، و ((رجالِ أبي داودَ)) لأبي عليٍّ الجيَّانِي، وكذا ((رِجال التِّرمذيِّ)) و((رجال النَّسائيِّ)) لجماعةٍ مِن المَغاربةِ، ورجالِ السِّتَّةِ: الصَّحيحينِ وأَبي داودَ والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابنِ ماجة؛ لعبدِ الغنيِّ المقدِسيِّ في كتابِه ((الكمالِ))"، هذا أوّل كتاب جمع بين رجال الكتب الستّة اسمه ((الكمال)) لعبد الغني المقدسي، وهو من علماء أهل الشام، علماء أهل الحديث، كان قويّاً في السنّة -رحمه الله- مكافحاً لأهل البدع.
"ثمَّ هذَّبَهُ المِزِّيُّ"، هذّب كتاب ((الكمال))، كما هو معروف أنّ الكتاب في بدايته دائماً يحتاج إلى تتمّات وإصلاحات.
"هذَّبَهُ المِزِّيُّ"، المزّي: إمام من أئمّة الحديث، وهو صهر ابن كثير -رحمه الله- وكتابه اسمه ((تهذيب الكمال)).
قال: "ثمَّ هذَّبَهُ المِزِّيُّ في ((تهذيبِ الكَمالِ))"، المزّي كان من كبار علماء الحديث في زمنه، كتابه هذا كتاب نفيس جدّاً يتميّز بذكر الكثير من شيوخ الشّيخ ومن تلاميذه.
كتاب الحافظ ابن حجر الذي لخّص فيه كتاب ((تهذيب الكمال)) هذا وزاد عليه، كتابٌ نفيس ويتفوّق على كتاب المزّي بذكر كلام علماء الجرح والتّعديل في الرّاوي، فيذكر ما لم يذكره المزّي -رحمه الله-؛ لكن في التّفريق بين الرّواة بشيوخهم وتلاميذهم يتفوّق المزّي على كتاب الحافظ ابن حجر -رحمه الله-.
"ثمَّ هذَّبَهُ المِزِّيُّ في ((تهذيبِ الكَمالِ))، وقد لخَّصْتُهُ وزدتُ عليهِ أَشياءَ كثيرةً، وسمَّيْتُه ((تهذيب التَّهذيب))"، هذه الآن أصبحت المراجع المعتمدة في رجال الكتب الستّة، ((تهذيب الكمال))، و((تهذيب التّهذيب))، أفضل مرجعين في معرفة رجال الكتب الستّة.
إذا أردت أن تعرف الرّاوي من هو من خلال تلاميذه وشيوخه فارجع إلى ((تهذيب الكمال))، وأفضل طبعة له طبعة مؤسّسة الرّسالة.
وإذا أردت أن تعرف حال الرّاوي وتعرف كلام علماء الجرح والتّعديل فيه فارجع إلى ((تهذيب التّهذيب))، وأفضل طبعة له الطّبعة الهندية القديمة.
"وجاءَ معَ ما اشتَمَلَ عليهِ من الزِّياداتِ قدْرَ ثُلُثِ الأصلِ"، فهو أخصر من الأصل؛ لأنّ الأصل فيه ذكر المزّي -رحمه الله- شيوخ الرّاوي وتلاميذه وحاول أن يحصرهم، أمّا كتاب الحافظ ابن حجر فقد اختصر هذا الشّيء.
"وَمِن المُهمِّ أَيضاً معرِفةُ الأسماءِ المُفْرَدَةِ"، أي اسم الرّاوي الذي لا يشاركه فيه غيره، هذا معنى الأسماء المفردة، اسم منفرد ليس لراوٍ آخر.
"وقد صنَّفَ فيها"، أي أفردها بالتّصنيف، وإلّا هي مذكورة في ضمن الكتب التي تقدّمت.
"الحافظُ أَبو بكرٍ أَحمدُ بنُ هارونَ البَرديجيُّ"، أحمد إبراهيم البغدادي، "فذكرَ أَشياءَ تَعَقَّبوا عليهِ بعضَها"، أي اعترض عليه النقّاد في بعض ما ذكره.
"مِن ذلك قولُه: ((صُغْديُّ بنُ سِنانٍ))، أَحدُ الضُّعفاءِ، وهو بضمِّ الصَّادِ المُهملةِ، وقد تُبْدلُ سيناً مُهملة وسكونِ الغينِ المُعجمةِ، بعدها دالٌ مُهملةٌ، ثمَّ ياءٌ كياءِ النَّسبِ، وهو اسمُ علمٍ بلفظِ النَّسبِ، وليسَ هُو فرداً، ففي ((الجَرحِ والتَّعديلِ)) لابنِ أَبي حاتمٍ: صُغْديٌّ الكوفيُّ"، هذا صغدي آخر، إذًا لم ينفرد صغدي بن سنان بهذا الاسم.
"وثَّقَهُ ابنُ مَعينٍ، وفرَّقَ بينَه وبينَ الَّذي قبلَه فضعَّفَهُ، وفي ((تاريخِ العُقيليِّ)): صُغْديُّ بنُ عبدِ اللهِ، يروي عن قَتادةَ، قال العُقيليُّ: حَديثُهُ غيرُ محفوظٍ، أهـ"، تبيّن عندنا أنّ الرّواة ثلاثة يُقال لهم صُغْدي.
"وأَظنُّهُ هُو الَّذي ذكرَهُ ابنُ أَبي حاتمٍ"، فيكون الرواة الذين يُقال لهم صغدي اثنين.
"وأَمَّا كونُ العُقَيْليِّ ذكرَه في ((الضُّعفاءِ))؛ فإِنَّما هُو للحديثِ الذي ذكَرَهُ، وليستِ الآفةُ منهُ"، يعني ليس هو علّة الحديث.
"بل هِيَ مِن الرَّاوي عنهُ عَنْبَسَةُ بنُ عبدِ الرحمنِ، واللهُ سبحانه أعلمُ".
"ومِن ذلك: ((سَنْدَر)) بالمُهْمَلةِ والنُّون، بوزنِ جَعْفرٍ، وهو مولى زِنْبَاعٍ الجُذاميِّ له صُحبةٌ وروايةٌ، والمشهورُ أَنَّه يُكْنَى أَبا عبدِ اللهِ، وهُو اسمٌ فردٌ لم يتسمَّ بهِ غيرُه فيما نعلمُ، لكنْ ذكرَ أَبو موسى في ((الذَّيلِ)) على ((معرفةِ الصَّحابةِ)) لابنِ منده: سَنْدَرٌ أَبو الأسودِ، وروى لهُ حديثاً، وتُعُقِّبَ عليهِ ذلك بأِنَّه هُو الذي ذكَرَهُ ابنُ منده.
وقد ذكرَ الحديثَ المذكورَ محمَّدُ بنُ الرَّبيعِ الجِيزيُّ في ((تاريخِ الصَّحابةِ الَّذين نَزلوا مِصرَ)) في ترجمةِ سَنْدَرٍ مولى زِنْباع، وقد حرَّرتُ ذلك في كتابي في الصَّحابة".
"وَكذا"، من المهم، "معرِفةُ الكُنَى المُجرَّدَةِ"، عن الأسماء.
" وَالألْقابِ، وهي تارةً تكونُ بلفظِ الاسمِ"، كسفينة مثلاً لقب لمولى رسول الله صلى الله عليه وسلم لُقِّب به لكثرة ما حمل في بعض الغزوات، واسمه مِهرَان.
"وتارةً بلفظِ الكُنيةِ"، كأبي تراب، لقب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، عندما وجده النّبي صلى الله عليه وسلم نائماً في المسجد وقد التصق التّراب على ظهره، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ينفضه عن ظهره ويقول قم أبا تراب، قم أبا تراب، فهذا لقب ولكنّه جاء بلفظ الكنية.
"وتقعُ بسبب عاهَةٍ"، تكون عاهة في الشّخص فيُلقّب بها.
"أَو حِرفةٍ، أو صناعة، وَكذا مَعْرِفَةُ الأنْسابِ، وَهي تَقَعُ تارةً إِلى القَبائِلِ، وهي في المتقدِّمينَ أَكثرُ بالنِّسبةِ إلى المتأَخِّرينَ"، وَتارةً إِلى الأوْطانِ، وهذا في المتأَخِّرينَ أَكثري بالنِّسبةِ إِلى المتقدِّمين"، يعني أيضاً من المهمّ معرفة أنساب الرّجال.
وأجود كتاب في هذا كتاب الأنساب للسّمعاني، كتاب نفيس في معرفة أنساب الرجال، وأنساب الرّجال إمّا أن يُنسبوا إلى القبائل، قال: وهذا أكثر بالنّسبة للمتقدّمين، وإمّا أن ينسبوا إلى الأوطان وإلى البلدان وهذا أكثر في المتأخّرين.
والظّاهر أنّ سبب الكثرة في المتقدّمين والمتأخّرين أنّ العرب كانت تعتمد النّسبة إلى القبائل، والعجم كانوا يعتمدون النّسبة إلى الأوطان، فلمّا كانت الكثرة في العرب في المتقدّمين كانت النسبة للقبائل، فلمّا صارت الكثرة للعجم صارت النّسبة أكثر في الأوطان، والله أعلم.
"والنِّسبةُ إِلى الوطنِ أَعمُّ مِن أَنْ يكونَ بلاداً، أو ضياعاً، أو سِكَكَاً، أو مُجاوَرَةً"، يعني النّسبة إلى الوطن لا تكون إلى البلاد فقط؛ بل ربّما تكون إلى البلاد، وإلى الضّيعة التي هي المزرعة، أو إلى السِكَّة التي المحلّة أو الطّريق، أو مجاورة البلاد.
"وتقع إِلى الصَّنائعِ كالخَيَّاطِ"، كذلك النّسبة ربّما يُنْسَب الشّخص لصنعة من الّصنائع كالخيّاط.
"وكذلك الحِرَفِ كالبَزَّازِ"، بائع البزّ، وهو نوعٌ من الثّياب.
"ويقعُ فيها الاتِّفاقُ"، أي خطًّا، كالقَرْشِي، والقُرَيْشِيّ.
"والاشتباهُ"، لفظاً، كما مثّلنا.
"كالأسماءِ"، أي كما يقع في الأسماء كما تقدّم كذلك يقع في هذه من الاتّفاق والاشتباه.
"وقد تَقعُ الأنْسابُ أَلقاباً"، أي قد يقع اللّقب بصيغة النّسبة.
"كخالِدِ بنِ مَخلَدٍ القَطوانيِّ، كانَ كوفيّاً، ويلقَّبُ بالقَطَوانيِّ وكان يغضَبُ منها"، فربّما تظنّ هذه نسبة؛ لكن هو لقب جاء على صورة النّسبة، وكان يغضب منها.
"وَمِن المُهمِّ أَيضاً مَعْرِفةُ أَسبابِ ذلك"، أي أسباب الألقاب.
"أي: الألقابِ والنِّسبِ الَّتي باطِنُها على خِلافِ ظاهِرِها"، كصاعقة مثلاً، أحد شيوخ البخاري، لُقِّب بذلك لشدّة حفظه، وكالضّالّ: ظاهرها من الضّلال في الدّين، هو معاوية بن عبد الكريم ضلّ في طريق مكّة فلُقِّب بالضّالّ.
"وَ مَعْرِفَةُ المَوالي مِنْ الأَعْلى و الأَسْفَلَ؛ بالرِّقِّ"، الولاء الذي أُخِذت منه كلمة "موالي" الولاء في اللّغة له عدّة معانٍ:
منها: النُّصرة والحلف، وغير ذلك.
والولاء يحصل بأسباب منها: العتق (ولاء عتق)، والحلف، والإسلام.
فالرّقيق الذي يُعْتَق يسمّى مولىً، ومُعْتِقه يُسَمَّى أيضاً مولىً.
لذلك قال: "وَ مَعْرِفَةُ المَوالي مِنْ الأَعْلى"، يعني الـمُعْتِق، "ومن الأَسْفَلَ"، يعني الــمُعْتَق "بالرِّقِّ"، يعني المولى الحاصل بسبب الرقّ، العبوديّة.
"أَو بالحِلْفِ"، أصله المعاهدة على التّعاضد، والتّساعد.
"أو بالإِسلامِ"، كالحسن بن عيسى مثلاً، أسلم على يد ابن المبارك، فقيل له مولى ابن المبارك، فهذا ولاءٌ سببه الإسلام.
"لأنَّ كلَّ ذلك يُطْلَقُ عليهِ مولى، ولا يُعْرَفُ تمييزُ ذلك إِلاَّ بالتَّنْصيصِ عليهِ"، لا يمكن أن تعرف لماذا سُمِّي مولىً إلّا أن يُنَصَّ على ذلك ويُذْكَر في ترجمة الرّاوي.
"وَ مَعْرِفَةُ الإِخْوَةِ والأخَواتِ، وقد صنَّفَ فيهِ القُدماءُ؛ كعليِّ بنِ المَدينيِّ"، أيضاً هذا من المهمّ معرفة الإخوة والأخوات، مثاله في الصّحابة مثلاً: عبد الله، وعُتْبَة، ابنا مسعود، عبد الله بن مسعود، وعُتْبَة بن مسعود.
ومثاله في التّابعين: عمرو وأرقم ابنا شُرَحْبيل وهما من أصحاب ابن مسعود.
طيب نتوقّف إلى هنا -إن شاء الله-
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-12-2012, 14:00   #29
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الدرس التاسع والعشرون وهو الأخير من شرح نزهة النظر

الدرس التاسع والعشرون وهو الأخير من شرح نزهة النظر

بسم الله الرحمن الرحيم
قال المؤلف -رحمه الله-: "وَمِن المهمِّ أَيضاً مَعْرِفَةُ آدابِ الشَّيْخِ والطَّالِبِ: ويشتَرِكانِ في: تصحيحِ النِّيَّةِ، والتَّطهيرِ مِن أَعراضِ الدُّنْيا"، من المهم لطالب علم الحديث أن يعرف آداب الشيخ والطّالب، آداب الشيخ الذي يعطي الحديث، والطالب الذي يطلب الحديث، كي يتأدّب الشّيخ بتلك الآداب ويتأدّب أيضاً الطالب بالآداب.
قال: "ويشتَرِكانِ"، أي ويشترك الطالب ويشترك الشيخ أيضاً في تصحيح النيّة فيجب عليهما أن يصحّحا النية، فيكون طلبهم للحديث أو إعطاؤهم للحديث لوجه الله -تبارك وتعالى- يبتغون به رضا ربّنا -تبارك وتعالى-، لا يبتغون به متاع الدّنيا الزّائلة، لذلك أكمل الحافظ وقال: "والتَّطهيرِ مِن أَعراضِ الدُّنْيا"، أي تطهير القلب، تنظيفه، من أعراض الدّنيا، من حبّ المال والجاه، لا يكون طلبك العلم الشّرعي كي تصل فيه إلى جاه ورئاسة ومكانة، ومنزلة، ولا يكون طلبك للعلم الشّرعي كي تجني من ورائه الأموال والأرباح؛ بل يكون طلبك للعلم الشّرعي كي ترفع الجهل عن نفسك، وكي تنشر هذا العلم بين النّاس، كي يستفيدوا منه ويرجعوا إلى الله -تبارك وتعالى- وترجو من الله أن ينفعك به في الدّارين، في الدنيا وفي الآخرة، ينفعك به في الدّنيا بالعمل بما تتعلّم، وينفعك به في الآخرة بأن يأجرك على كلّ كلمة تعلّمتها أو علّمتها وانتفع بها العباد، فالحذر الحذر!! من الدّنيا ومن مغرياتها وشهواتها، فكثيرٌ من طلبة العلم زلّت أقدامهم بعد أن منّ الله عليهم بهذا العلم وفتح عليهم، زلّت أقدامهم في هذه الدّنيا بسبب كثرة ما فُتِح عليهم من ألوانها وزينتها وزخرفها، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبّتنا وإيّاكم على جادة الصّواب.
فلابدّ من التّحذير من هذا الأمر، فيُكثر العلماء من التّحذير منه؛ لأنّها حقيقةً مزلّة أقدام، هذه الدّنيا عندما تُفْتَح على العبد إن لم يثّبته الله سبحانه وتعالى على الطّريق تزلّ قدمه لكثرة متاع الدّنيا وبهرجتها.
قال -رحمه الله-: "وتَحسينِ الخُلُق"، تحسين الخُلُق من الشّيخ ومن الطّالب أيضاً، يكون الشّيخ صاحب خلق عالٍ ورفيع في تعامله مع الطّلبة، في تعامله مع النّاس، في تعامله مع المسلمين، وينبغي أن يكون هو أكثر حُسنًا لأخلاقه من غيره من النّاس؛ لأنّه هو داعيّة جالس في موطن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى يُعلّم النّاس أخلاق الإسلام، الأخلاق التي حثّ عليها ربّنا -تبارك وتعالى-، والأخلاق التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يُعلّمهم هذا الامر بكلامه ويعلّمهم أيضاً بأفعاله، فينبغي على طالب العلم أن يكون أكثر حرصاً من غيره من النّاس على التحلّي بالأخلاق الطيّبة، الأخلاق الحسنة، فأعظم طريق لتعليم النّاس دين الله -تبارك وتعالى- ودعوة النّاس إلى دين الله -تبارك وتعالى- العمل، ليس فقط القول.
النّاس اليوم بالذّات ينظرون للعمل؛ لأنّهم قد بذئوا كثيراً من كثير من طلبة العلم الذين يقولون قال الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ بعدما يفتأ أحدهم إلّا وقد ظهر منه ما ظهر من البلايا والمصائب، ويكون قبل أيّام يذكّر النّاس ويدعوهم، ويزهّدهم في الدّنيا وفي غيرها ثمّ بعد ذلك تظهر له فضائح الله بها عليم، فلذلك النّاس اليوم لم تعد تنظر إلى كلام الشّخص كما تنظر إلى عمله، فينبغي على المرء (طالب العلم) أن يتحلّى بالأخلاق الطيّبة الحسنة، وأن يترك أشياء أحياناً تكون جائزة في شرع الله يتركها من أجل أن لا يُظنَّ به سوءاً، ولكي لا يُعْطي صورة سيّئة عن طلبة العلم.
فتحسين الخلق مطلوب من الجميع فإن النبي صلى الله عليه وسلم كانت وصيّته التي قالها لأحدهم: "وخالق النّاس بخلُقٍ حسن"، هكذا ينبغي أن يكون المسلم أخلاقه عاليّة، رفيعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك صاحب الخلق الحسن أن يبلغ درجة الصّائم القائم"، درجة رفيعة عالية، فالخلق الحسن عند الله سبحانه وتعالى له منزلة، له درجة، له قدر، فينبغي على طالب العلم أن يحرص على هذا الباب فهو باب عظيم من أبواب الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى-.
"وينفَرِدُ الشَّيخُ بأَنْ: يُسمعَ إِذا احْتيجَ إِليهِ"، ينفرد الشّيخ من الآداب التي ذكرها، تلك الآداب التي تقدّمت يشترك فيها الشّيخ مع الطّالب، وهنا يذكر آداباً ينفرد بها الشّيخ عن الطّالب.
قال:"وينفَرِدُ الشَّيخُ بأَنْ: يُسمعَ إِذا احْتيجَ إِليهِ"، متى رأى أنّ النّاس بحاجة إلى الأحاديث التي عنده، حدّث بها.
"ولا يُحدِّثُ ببلدٍ فيهِا أَولى منهُ، بل يُرْشدُ إِليهِ"، إذا كان هذا الذي هو أولى منه يقوم به يسقط الواجب وحاجة النّاس إلى الأحاديث التي عنده بتحديث هذا الذي هو أولى منه، فإذا سقط هذا الواجب وكفى هذا الشّخص بالتّحديث يسكت هو عن التّحديث ويُرْشِد إلى مَنْ هو أولى منه وأعلم في هذا الباب؛ ولكن إذا لم يكن كافياً فلا يَحسن به السّكوت؛ بل يجب عليه أن يُحَدِّث لأنّه يكون واجباً عليه في تلك الحالة.
"ولا يَتْرُكُ إِسماعَ أَحدٍ لنيَّةٍ فاسدةٍ"، أي لا يمتنع عن تحديثه لنيّته الفاسدة، فربّما يُصلح الله -تبارك وتعالى- نيّته كما جاء عن بعضهم أنه قال: "كنّا نطلب الحديث لغير الله فأبى الله إلّا أن يجعله لوجهه".
"وأَنْ يتطهَّرَ ويجْلِسَ بوَقارٍ "، يتطهّر: يعني يتنظّف، سواءً كان نظافة من الأوساخ، والنّجاسات، أو تطهّر الوضوء، ويجلس بوقار: أي بسكون وهيبة.
"ولا يُحَدِّثُ قائماً ولا عَجِلاً"، لا يحدّث وهو قائم، ولا وهو مستعجل بحيث لا يُفْهم عنه جيّداً وربّما يحصل الخطأ والزلل بسبب ذلك.
"ولا في الطَّريقِ إِلاَّ إِنِ اضطُرَّ إِلى ذلك"، كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتي في الطريق دون اضطرار ويفتي وهو قائم أيضاً، فالمسألة استحسان منه.
"وأَنْ يُمْسِكَ عنِ التَّحديثِ إِذا خَشِيَ التَّغَيُّرَ "، في لسانه.
"أَو النِّسيانَ"، في حفظه وضبطه، إذا خشي ذلك يُمسك عن التّحديث ولا يُحدّث حتّى لا يُدْخل الخطأ على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"لمَرَضٍ أَو هَرَمٍ"، أي كبر سنّ مؤدٍّ إلى خرف.
"وإِذا اتَّخَذَ مَجْلِسَ إِملاءِ؛ أَنْ يكونَ لهُ مُسْتَملٍ يقِظٌ"، مجلس الإملاء كان يجلس الشّيخ ويحدّث بالأحاديث ويملي على طلبة والطلبة يكتبون، هذا المجلس كان يُسَمَّى مجلس إملاء، قال فإذا اتّخذ مجلس إملاء يتخذ مستملٍ، المستملي: هو المبلّغ للحديث، ما كان عندهم مكبّرات صوت الموجودة اليوم، فكان يجلس الشّيخ في مكان وعلى بُعد مسافة يتمكّن الشّخص من سماع الصّوت يجلس شخص آخر فيُكَرِّر الحديث الذي ذكره الشّيخ كي يُسمع من بعد ذلك الذين لا يصلهم الصوت، هذا يُسَمَّى مستملياً.
قال:"أَنْ يكونَ لهُ مُسْتَملٍ يقِظٌ"، متيقّظ: حاضر القلب حتّى يُحسن البلاغ، ولا يُخْطئ.
"وينفَرِدُ الطَّالِبُ بأَنْ:"، الآن انتهى من الآداب التي ينفرد بها الشّيخ، وبدأ بالآداب التي ينفرد بها الطّالب.
"وينفَرِدُ الطَّالِبُ بأَنْ: يُوقِّرَ الشَّيخَأي يعظّمه ويحترمه.
"ولا يُضْجِرَهُ"، يملّله بكثرة الأسئلة، والإطالة عليه.
"ويُرشِدَ غيرَهُ لِما سَمِعَهُ"، أي يدلّ غيره على الشّيخ ليسمعوا منه، مثلما سمع هو واستفاد.
"ولا يَدَعَ الاستفادَةَ لحَياءٍ أَو تكبُّرٍ"، كما قال مجاهد: "اثنان لا ينالان العلم: مستحٍ، ومستكبر".
المستحي: مستحٍ أن يسأل فلا ينال العلم، والمستكبر: يستكبر على العلم فلا يناله أيضاً.
فكلاهما لايسأل؛ لكن لكلّ واحد منهما سببه.
"ويكتُبَ ما سمِعَهُ تامّاً"، يكتب ما سمعه تامّاً حتّى إذا احتاج إليه يجده عنده.
"ويعتَنِيَ بالتَّقييدِ"، قال بعض السّلف: "العلم صيد والكتابة قيد"، فيكتب ما سمع بخطّ واضح، ويضبطه بالشّكل، ما أشكل منه يضبطه بالشّكل حتّى لا يُخْطئ في ضبطه.
"والضَّبطِ"، أي الحفظ.
"ويُذاكِرَ"، يدرس وحده أو مع غيره.
"بمحفوظِهِ ليَرْسَخَ في ذهْنِه"، أي ليثبت.
"وَمِن المهمِّ أَيضاً معرِفةُ سِنِّ التَّحَمُّلِ والأداءِ"، سنّ التحمّل أي تحمّل الحديث، أي سماعه.
متى يصحّ من الشّخص أن يسمع الحديث، في أي سنّ؟
"والأداءِ"، يعني تبليغ الحديث، والتّحديث به، متى تكون السنّ التي يصحّ معها الشّخص أن يحدّث؟
"والأصحُّ اعتبارُ سنِّ التَّحمُّلِ بالتَّمييزِ"، الأصحّ عند علماء الحديث أنّ المعتبر في سنّ التحمّل الذي يُقْبَل منه أن يحمل الحديث في ذاك السنّ هو سنّ التّمييز، بأن يميّز بين الأشياء، ويَفهَم الخطاب، ويردّ الجواب على وجه صحيح، هذا معنى التّمييز.
"والأصحُّ اعتبارُ سنِّ التَّحمُّلِ بالتَّمييزِ، هذا في السَّماعِ"، هذا عندما يسمع الحديث، وأحياناً كثيرة يكون تقريباً سن خمس سنوات.
"وقد جَرَتْ عادةُ المحدِّثينَ بإِحضارِهِمُ الأطفالَ مجالِسَ الحَديثِ"، أي يأتون بأطفالهم مجالس الحديث.
"ويكتُبونَ لهُم أَنَّهم حَضَروا، ولابدَّ لهم في مثلِ ذلك مِن إِجازةِ المُسْمِعِ"، أي الشّيخ.
"والأصحُّ في سنِّ الطَّالبِ بنفسِهأي طالب علم الحديث بنفسه.
"أَنْ يتأَهَّلَ لذلك"، أي متى كان مستعدًّا للطّلب، طلب الحديث، إذا كان أهلاً له.
"ويَصِحُّ تحمُّلُ الكافِرِ أَيضاً إِذا أَدَّاهُ بعدَ إِسلامِه"، كما تُقْبَل شهادته، ومثاله: حديث جبير بن مطعم المتّفق على صحّته أنّه سمع النّبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطّور، وكان جاء في بداء أسارى بدر قبل أن يُسلم، جبير بن مطعم كان كافراً سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وبلّغه بعدما أسلم، فإذا سمع في حال الكفر، سماعه يكون صحيحاً؛ لكن لا يُقبل منه عند التّأديّة إلّا أن يكون مسلماً؛ لأنّ لحظة السّماع لا نحتاج منه أن يكون عدلاً، حتّى لو كان فاسقاً، كان كافراً لا يهمّ، المهمّ أن يكون عنده القدرة على الحفظ والضّبط والإتقان، هذا الذي نريده منه، ثمّ بعد ذلك التّحديث لا يُقْبَل منه إلّا أن يكون مسلماً عدلاً خشية أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يقع في الخطأ والزّلل.
"وكذا الفاسِقِ مِن بابِ أَوْلى"، إذا صحّ تحمّل الكافر فالفاسق من باب أولى.
"إِذا أَدَّاهُ بعدَ توبتِه وثُبوتِ عدالَتِه"، لاحظ هو يركّز على مسألة التحمّل في حال والأداء في حالٍ ثانٍ، فحالة التّحمّل وهو كافر مقبول، التّحمّل وهو فاسق مقبول؛ لكن الأداء يجب أن يكون مسلماً، وأن يكون عدلاً.
"وأَمَّا الأداءُ؛ فقد تقدَّمَ أَنَّه لا اختصاصَ له بزَمنٍ مُعيَّنٍ، بل يُقيَّدُ بالاحتياجِ والتأَهُّلِ لذلك"، يعني متى يؤدّي الحديث؟ قال بأنّه ليس له زمن معيّن؛ لكن متى احتيج إلى ما عنده من حديث، احتاج إليه النّاس وكان أهلاً للعطاء، أعطى.
"وهُو مُخْتَلِفٌ باخْتِلافِ الأشخاصِ، وقالَ ابنُ خُلاَّدٍ: إِذا بلَغَ الخَمسينَ، ولا يُنْكَرُ عندَ الأربعينَ، وتُعُقِّبَ بمَن حدَّثَ قبلَها؛ كمالكٍ"، إذا بلغ الخمسين وإذا بلغ الأربعين حدّث وإلّا فلا؛ لكن تعقّبوا عليه وردّوا عليه بمن حدّث قبل ذلك من الصّحابة والتابعين وأتباع التّابعين وغيرهم، مازالوا يحدّثون قبل سنّ الأربعين كمالك بن أنس -رحمه الله- وغيره.
"وَمِن المهمِّ معرفَةُ صِفَةِ كِتابَةِ الحَديثِ، وهو أَنْ يكتُبَهُ مُبيَّناً مفسّراً"، كتابة الحديث اُختلف فيها، هل يجوز كتابة الحديث أم لا؟ لكن هذا الخلاف خلاف قديم، انتهى، والآن اتّفق العلماء على جواز كتابته، وسبب الخلاف أنّه وردت بعض الأحاديث تنهى عن كتابة غير القرآن، ووردت أحاديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اكتبوا لأبي شاه"، وأذن بالكتابة، هذا هو سبب الخلاف، والصّحيح في المسألة أنّه كان قد نُهِي عن كتابة الحديث كي لا يختلط بالقرآن، فلمّا استقرّت الأمور أُذِن بكتابة الحديث.
"وهو أَنْ يكتُبَهُ مُبيَّناً مفسّراً"، أي يكتبه كتابة واضحة لا إشكال فيها.
"ويَشْكُلَ المُشْكِلَ منهُ"، يَشكُل: يعني يضبطه بالشّكل.
المشكل منه: الذي يشتبه إلّا بالضّبط بالشّكل.
لاحظ ماذا قال هنا: "ويَشْكُلَ المُشْكِلَ منهُ"، ليس كلّ شيء يُضبط سواء كان معروفا حتّى من، إلى، ... إلى آخره، هذه الأشياء كلّها معروفة وواضحة يضبطها بالشّكل ما فيه داعي لمثل هذا التكلّف؛ إنّما يضبط الأشياء التي ربّما تُشْكِل عند القارئ.
"و يَنْقُطَهُ"، ينقطه كلّه كي يُزَال الإشكال، ينقطه: يعني يضع عليه النُّقط.
قديماً كانوا يكتبون أحياناً بدون النقط، فيركزون هنا على النّقط وعلى الشّكل كي تزول أو يزول الإشكال.
"ويكتُبَ السَّاقِطَ في الحاشيةِ اليُمنى، ما دامَ في السَّطرِ بقيَّةٌ، وإِلاَّ ففي اليُسرى"، الأصل أن يجعل السّقط من ناحيّة الحاشيّة اليمنى كانوا يجعلون خطّاً صغيرا يخرج من محلّ السّقط ويميلون به قليلاً إلى اليمين إشارة إلى أنّ السّقط سيكون في الحاشيّة اليمين.
وإذا أرادوا أن يضعوا سقطاً في الحاشيّة الشّمال كانوا يُخْرِجون خطّاً من موضع السّقط ويميلون به إلى اليسار إشارة إلى أنّ الذي سيُكتب في الحاشيّة في الخارج هذا هو موضعه، فيقول هنا يكتب الحاشيّة يجعلها إلى جهة اليمين، وإلّا ففي اليسرى، الأمر في هذا سهل -إن شاء الله- لكن كلّما كان أضبط وأوضح كلّما كان أحسن، وإذا كان السّقط أقرب إلى اليسار جعل الحاشيّة إلى اليسار، وإذا كان أقرب إلى اليمين جعل الحاشيّة إلى اليمين، هذا أفضل.
"وَصفةِ عَرْضِهِ"، أي ومن المهمّ أيضاً صفة عرض الحديث.
"وهُو مُقابَلتُهُ"، أي مقابلة الطالب.
"معَ الشَّيخِ المُسمِع، أَو معَ ثقةٍ غيرِه، أَو معَ نفسِه شيئاً فشيئاً"، المهمّ أن يأخذ الكتاب الذي قد كتب فيه الأحاديث التي سمعها من الشّيخ، ويأخذ كتاب الشّيخ، ويُقابل الحديث واحداً واحداً شيئاً فشيئاً حتّى لا يحصل الخطأ والزّلل، ويتأكّد من كتابه بأنّه قد كتب بشكل صحيح.
"وَصفةِ سَمَاعِهِ"، أي ومن المهمّ صفة سماع الحديث من الشّيخ.
"بأن لا يتشاغلُ بما يخلُ به من نسخٍ أو حديثٍ أو نعاسٍ"، لا يتشاغل بأيّ شيء، عندما يريد أن يسمع الحديث من الشّيخ لا يشغل نفسه بالنّعاس، يعني كثير من الطلبة يشغلون أنفسهم بماذا؟ بالنّعاس، بل أحياناً يغُطّون في النّوم، فلا يشغل نفسه بمثل هذا الأمر، وكذلك بالكتابة، يشغل نفسه بكتابة شيء والشّيخ يتحدّث في شيء وهو يكتب في شيء آخر، أو كذلك في حديث مع صاحبه، ويشير إليه إشارات هكذا، ويتكلّم في أمور أخرى، هذا كلّه ليس من آداب المجلس، ولا من آداب سماع الحديث، ولا يصحّ سماعه في هذه الحالة.
"وَصفةِ إِسْمَاعِهِ كذلك"، وكذلك من المهم صفة إسماع التّحديث، وإسماعه يكون من الشّيخ، والشّيخ هو الذي يسمعه، فطريقة الإسماع هذه تكون من الشّيخ.
"وأَنْ يكونَ ذلك مِن أَصلِهِ الَّذي سمِعَ فيهِ"، يعني الشّيخ يكون عنده أصل قد سمع فيه، ثمّ يؤدّي من هذا الأصل.
"أَو مِن فرْعٍ قُوبِلَ على أَصلِه"، أو يؤدّي من فرعٍ ليس هو أصله الذي هو كتابه، ولكن عنده كتاب آخر ولكنّه مقابل على هذا الأصل، المهمّ في هذا كلّه أن لا يحدّث إلّا من كتاب هو مضبوط ومتقن الحديث.
"فإِنْ تعذَّرَ؛ فليَجْبُرْهُ بالإِجازةِ لما خالَفَ إِنْ خالَفَ"، أي بشيء، فليجبره بالإجازة.
"لما خالَفَ"، إذا حصلت مخالفة.
"إِنْ خالَفَ"، أي خالف.
"وَصفةِ الرِّحْلةِ فيهِ"، ومن المهمّ معرفة صفة الرّحلة في الحديث.
"حيثُ يَبْتَدِئُ بحديثِ أَهلِ بلدهِ فيستوْعِبُهُ"، هذا الذي يريد أن يرحل في طلب الحديث، قبل أن يرحل يأخذ ما عند أهل بلده من حديث، وبعد أن يستوعبه ويكمله ثمّ بعد ذلك يرحل.
"ثمَّ يرحلُ فيُحَصِّلُ في الرِّحلةِ ما ليسَ عندَه، ويكونُ اعتناؤهُ بتكثيرِ المَسموعِ أَكثر مِن اعتنائِهِ بتكثيرِ الشُّيوخِ"، ليس المهمّ أن يسمع عن فلان، وفلان، وفلان، لا، المهم أن تسمع أكبر قدر ممكن من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى لو سمعت مائة حديث من شيخ واحد، المهمّ في الامر ليس هو التنوّع في الشّيوخ؛ ولكن كثرة السّماع.
"وَصفة تَصْنِيفِهِ"، ومن المهمّ معرفة صفة تصنيفه يعني التأليف في علم الحديث.
"وذلك إِمَّا على المسانيدِ، بأَنْ يجْمَعَ مُسنَدَ كلِّ صحابيٍّ على حِدَةٍ"، هذه طريقة تأليف كتب الحديث فبعضهم جمع كتب الحديث، جمع مسانيد كلّ صحابي على حدة.
والكتب المصنّفة على هذا النّحو تُسَمَّى المسانيد، كمسند الإمام أحمد، ومسند البزّار، ومسند أبي يعلى، وغيرها من المسانيد.
"فإِنْ شاءَ رتَّبَهُ على سوابِقِهِم"، إن شاء رتّب أحاديث كلّ صحابي على حدة، وبدأ بالأسبق إسلاماً من الصّحابة، يعني إذا أراد ذلك فيبدأ بمن؟ يبدأ بأبي بكر الصدّيق، ثمّ بعلي، وخديجة وبلال، وهكذا الأسبق إسلاماً، هذا إذا أراد أن يُرتّب الصّحابة على هذا النّحو.
"وإِنْ شاءَ رتَّبَهُ على حُروفِ المُعْجَمِ"، يعني يبدأ بـ ألف، باء، تاء، ثاء،... من اسمه يبدأ بالألف بدأ، ومن اسمه يبدأ بالباء ثنّى به وهكذا.
"وهو أَسهَلُ تناوُلاً"، أسهل من ناحيّة الوقوف على الحديث المراد.
"أَوْ تصنيفِه على الأَبْوابِ الفِقهيَّةِ أَو غيرِها"، تصنيف الحديث على الأبواب الفقهيّة هذه تسمّى الكتب المصنّفة على هذا النّحو في السّنن، الكتب الحديثيّة التي تؤلّف وتُرتَّب على الأبواب الفقهية والكتب الفقهية تسمّى بالسّنن.
"بأَنْ يَجمَعَ في كلِّ بابٍ ما ورَدَ فيهِ ممَّا يدلُّ على حُكمِه إِثْباتاً أَو نفياً"، ككتاب الصّيام مثلاً، النية في الصيام يجمع فيه كلّ ما يتعلّق بالنيّة في الصّيام، سواءً كان مثبتاً أو نافياً.
"والأوْلى أَنْ يقتَصِرَ على ما صحَّ أَو حَسُنَ"، يعني الأولى في التّأليف أن يقتصر على الأحاديث الصّحيحة أو الحسنة فقط ولا يضع فيها الضّعيف.
"فإِنْ جَمَعَ الجَميعَ فَلْيُبَيِّنْ علَّةَ الضَّعْفِ"، إذا جمع الحسن والصّحيح والضّعيف ووضعه في كتابه يبيّن لنا ما هو الصّحيح من الضّعيف في ذلك.
طبعاً هنا بعض المؤلّفين قد ألّفوا كتبهم واشترطوا فيها الصحّة، وهذه الكتب تسمّى بالصّحيح كصحيح البخاري، وصحيح مسلم، صحيح ابن خزيمة، صحيح ابن حبّان، صحيح الحاكم.
فمثل هذه تسمّى صحيحاً؛ لكن لا يلزم من ذلك أن كلّ ما فيها صحيح، أمّا صحيح البخاري وصحيح مسلم نعم، كلّ ما فيها صحيح إلّا أحاديث يسيرة انتُقدت وهي محلّ اجتهاد وخلاف، أمّا بقيّة الكتب كصحيح ابن حبّان، وابن خزيمة، وغيرها فهذه لا يُسلّم، ففيها الكثير من الأحاديث الضعيفة؛ لكن هي تسمّى صحيحاً من باب ما سمّاها به مؤلّفه -رحمه الله-.
"أَوْ تصنيفِه على العِلَلِ"، وهذه تسمّى كتب العلل، إذا صنّف الكتاب على اعتبار العلل.
"فيذكُرُ المتنَ وطُرُقَهُ، وبيانَ اختلافِ نَقَلَتِه، والأحْسَنُ أَنْ يرتِّبَها على الأبوابِ ليسهُلَ تناوُلُها، أَوْ يجمَعُهُ على الأطْرافِ، فيذكُرُ طرَفَ الحديثِ الدَّالَّ على بقيَّتِه"، طرف الحديث يعني بدايته: "إنّما الأعمال بالنيّات" هذا طرف حديث: "الأعمال بالنيّات" بالكامل وهكذا.
"ويجْمَعُ أَسانيدَه: إِمَّا مستوعِباً"، يعني جميع أسانيد الحديث.
"وإِمَّا متقيِّداً بكُتُبٍ مخصوصةٍ"، في بعض الكتب فقط كأن يتقيّد مثلاً بذكر الأسانيد التي وردت في الكتب الستّة فقط.
"وَمِن المُهِمِ مَعْرِفَةُ سَبَبِ الحَديثِ"، أي السّبب الذي من أجله قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، كحديث مثلاً البحر: "البحر هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته"، ما هو سببه؟ أنّ رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنّا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء..." إلى آخره، هذا سبب الحديث.
من المهمّ معرفة سبب الحديث؛ لأنّ معرفة السّبب تعينك على فهم الحديث.
"وقَدْ صَنَّفَ فيهِ بَعْضُ شُيوخِ القَاضي أَبي يَعْلى بنِ الفَرَّاءِ الحنبليِّ، وهو أبو حفصٍ العُكْبريُّ، وقد ذكَرَ الشيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ دَقيقِ العيدِ أَنَّ بعضَ أَهلِ عصرِه شرعَ في جَمْعِ ذلك، فكأَنَّهُ ما رأى تصنيفَ العُكْبريِّ المذكور".
"وصنَّفوا"، أي العلماء.
"في غالبِ هذهِ الأنْواعِ"، أي التي ذكرها.
"على ما أَشَرْنا إِليهِ غَالِباًمن تصانيفهم.
"وهِيَ، أي: هذهِ الأنواعُ المَذكورةُ في هذهِ الخاتمةِ نَقْلٌ مَحْضٌ"، أي نقلها بدون اجتهاد.
"ظاهِرَةُ التَّعْريفِ"، أي واضحة.
"مُسْتَغْنِيَةٌ عنِ التَّمْثيلِ"، لا تحتاج إلى ضرب الأمثلة لظهورها ووضوحها.
"وحَصْرُها مُتَعَسِّرٌ"، أي يصعب عدّها في عدد معيّن.
"فلْتُراجَعْ لَها مَبْسوطاتُها"، أي الذي يريد أن يتوسّع ويعرف جميع هذه الأنواع، وأمثلتها، فيراجع المؤلّفات التي توسّعت في ذلك.
"لِيَحْصُلَ الوُقوفُ على حقائقِها، واللهُ سبحانه المُوَفِّقُ والهَادي لا إِلَهَ إِلاَّ هُو عليهِ توكَّلْتُ وإِليهِ أُنيبُ، وحسبُنا اللهُ ونِعمَ الوَكيلُ، والحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلَّى اللهُ تعالى على سيِّدنا ورسولنا محمَّدٍ النبي الكريم صلى الله عليه و على آلهِ وصحبه وسلَّمَ"، وبهذا نكون قد انتهينا من شرح هذا الكتاب بحمد الله وتوفيقه.
سبحانك اللهمّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلّا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-03-2013, 09:57   #30
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

سقط النص التالي من شرح الشيخ على نزهة النظر وهوما يتعلق بالمرسل الخفي.
وقد راسلت الشيخ وقام بشرحة وأرسله لي وأنا أضعه الآن بين أيديكم وموقعه من الشرح آخر الدرس الرابع عشر تضعونه في آخر الدرس.
والله الموفق وهو الهادي لخير سبيل.

النص الساقط من الشرح:


وكَذا المُرْسَلُ الخَفِيُّ إِذا صَدَرَ مِنْ مُعاصِرٍ لَمْ يَلْقَ مَن حَدَّثَ عنهُ ، بل بينَه وبينَه واسِطةٌ .
والفَرْقُ بينَ المُدَلَّسِ والمُرْسَلِ الخفيِّ دقيقٌ حَصَلَ تحريرُه بما ذُكِرَ هنا :
وهو أَنَّ التَّدليسَ يختصُّ بمَن روى عمَّن عُرِفَ لقاؤهُ إِيَّاهُ ، فأَمَّا إِن عاصَرَهُ ولم يُعْرَفْ أَنَّه لقِيَهُ ؛ فَهُو المُرْسَلُ الخَفِيُّ .
ومَن أَدْخَلَ في تعريفِ التَّدليسِ المُعاصَرَةَ ، ولو بغيرِ لُقي ؛ لزِمَهُ دُخولُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ في تعريفِهِ .
والصَّوابُ التَّفرقةُ بينَهُما.
ويدلُّ على أَنَّ اعتبارَ اللُّقي في التَّدليسِ دونَ المُعاصرةِ وحْدَها لابُدَّ منهُ إِطْباقُ أَهلِ العلمِ بالحديثِ على أَنَّ روايةَ المُخَضْرَمينَ كأَبي عُثمانَ النَّهْديِّ وقيسِ بنِ أَبي حازِمٍ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ [ وآلهِ ] وسلَّمَ مِن قبيلِ الإِرسالِ لا مِن قَبيلِ التَّدليسِ .
ولو كانَ مجرَّدُ المُعاصرةِ يُكْتَفى [ بهِ ] في التَّدليسِ ؛ لكانَ هؤلاءِ مُدلِّسينَ لأنَّهْم عاصَروا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ [ وآلهِ وسلَّمَ قطعاً ، ولكنْ لمْ يُعْرَفْ هل لَقُوهُ أَمْ لا؟
وممَّن [ قالَ ] باشْتِراطِ اللِّقاءِ في التَّدليسِ الإِمامُ الشافعيُّ وأَبو بكرٍ البزَّارُ ، وكلامُ الخطيبِ في (( الكِفايةِ )) يقتَضيهِ ، وهُو المُعْتَمَدُ .
ويُعْرَفُ عدمُ المُلاقاةِ بإِخبارِهِ عنْ نفسِهِ بذلك ، أَو بجَزْمِ إِمامٍ مُطَّلعٍ .
ولا يَكْفي أَنْ يَقَعَ في بعض الطُّرُقِ زيادةُُ راوٍ [ أَو أَكثرَ ] بينَهُما؛ لاحتمال أَنْ يكونَ مِن المزيدِ، ولا يُحْكَمُ في هذه الصُّورةِ بحُكْمٍ كُلِّيٍّ؛ لتَعارُضِ احتمالِ الاتِّصالِ والانْقِطاعِ.
وقد صنَّفَ فيهِ الخَطيبُ كتابَ (( التَّفصيلِ لمُبْهَمِ المراسيلِ )) ، وكتاب (( المزيدِ في مُتَّصِلِ الأسانيدِ )).
و[ قد ] انْتَهَتْ هُنا (( حكم )) أَقسامُ حُكمِ السَّاقِطِ مِن الإِسنادِ.
**********************************

شرح الشيخ على المرسل الخفي ويوضع آخر الدرس الرابع عشر:

قال رحمه الله: "وكَذا المُرْسَلُ الخَفِيُّ إِذا صَدَرَ مِنْ مُعاصِرٍ لَمْ يَلْقَ مَن حَدَّثَ عنهُ، بل بينَه وبينَه واسِطةٌ".
قوله: "وكَذا المُرْسَلُ الخَفِيُّ": أي هو مثل المدلس في الرَّد وعدم الاحتجاج به.
وقوله: "إِذا صَدَرَ مِنْ مُعاصِرٍ لَمْ يَلْقَ مَن حَدَّثَ عنهُ، بل بينَه وبينَه واسِطةٌ"،هذه صورة المرسل الخفي.
وتعريفه: هو مَا رَوَاهُ المعاصر لمن روى عَنهُ وَلم يلقه؛ بِلَفْظ موهم للسماع.
فشرطه الأول: المعاصرة، والثاني: عدم اللقي، والثالث: أن يروي عنه مباشرة، والرابع: يروي عنه بصيغة موهمة للسماع كصيغة (عن) مثلاً.
مثال حي: أنا عشت في العصر الذي عاش فيه الشيخ الألباني رحمه الله، ولم ألقه، فإذا قُلتُ: (عن) الشيخ الألباني رحمه الله قال: كذا وكذا، يكون هذا من المرسل الخفي.
فهو مرسل: لأنّه منقطع، بيني وبين الشيخ الألباني واسطة لم تذكر.
وخفيٌّ: لأنني عاصرت الشيخ.
فمن لم يعرف الحقيقة يظنني سمعت منه، وصيغة (عن) توهم السماع، هذا هو المرسل الخفي.
قال رحمه الله:"والفَرْقُ بينَ المُدَلَّسِ والمُرْسَلِ الخفيِّ دقيقٌ حَصَلَ تحريرُه بما ذُكِرَ هنا: وهو أَنَّ التَّدليسَ يختصُّ بمَن روى عمَّن عُرِفَ لقاؤهُ إِيَّاهُ، فأَمَّا إِن عاصَرَهُ ولم يُعْرَفْ أَنَّه لقِيَهُ؛ فَهُو المُرْسَلُ الخَفِيُّ".
هذا هو الفرق بين المدَلّس والمرسل الخفي، وهو أنّ المدَلَّس: قد لقي المدّلِّسُ شيخَه الذي يروي عنه وسمع منه، بخلاف صاحب المرسل الخفي فإنّه عاصره ولكنه لم يلقه ولم يسمع منه، هذا واضح الآن.
قال رحمه الله: "ومَن أَدْخَلَ في تعريفِ التَّدليسِ المُعاصَرَةَ ولو بغيرِ لُقي؛ لزِمَهُ دُخولُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ في تعريفِهِ، والصَّوابُ التَّفرقةُ بينَهُما".
أي ومن جعل الراوي المعاصِر لغيره ولم يلقه إذا روى عنه داخل في ضمن التدليس كما فعل النووي والعراقي، فقد ادخل المرسل الخفي في التدليس، والصواب التفريق بينهما بما ذكر المؤلف.
قال المؤلف:"ويدلُّ على أَنَّ اعتبارَ اللُّقي في التَّدليسِ دونَ المُعاصرةِ وحْدَها لابُدَّ منهُ؛ إِطْباقُ أَهلِ العلمِ بالحديثِ على أَنَّ روايةَ المُخَضْرَمينَ؛ كأَبي عُثمانَ النَّهْديِّ وقيسِ بنِ أَبي حازِمٍ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ مِن قبيلِ الإِرسالِ لا مِن قَبيلِ التَّدليسِ".
الآن المؤلف يستدل على صحة تفريقه بين المدلَّس والمرسل الخفي بما ذكر، بأنّ العلماء متفقون جميعا على أنّ رواية المخضرمين عن النبي صلى الله عليه وسلم من الإرسال لا من التدليس.
والمخضرمون هم الذين أدركوا عصر النبي صلى الله عليه وسلم ولكنهم لم يلقوه، كأبي عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم، فأدركوا الجاهلية والإسلام.
فهولاء أدركوا النبيَ وعاشوا في عصره ولكنهم لم يلتقوا به، وعدَّ العلماء روايتهم عن النبي مباشرة من غير واسطة من المرسل لا من المدلس، فهذا دليل قوي للمؤلف على ما قال.
قال رحمه الله: "ولو كانَ مجرَّدُ المُعاصرةِ يُكْتَفى بهِ في التَّدليسِ؛ لكانَ هؤلاءِ مُدلِّسينَ لأنَّهْم عاصَروا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ قطعاً، ولكنْ لمْ يُعْرَفْ هل لَقُوهُ أَمْ لا؟"، فعدم وصفهم بالتدليس من قِبَل علماء الحديث مع معاصرتهم للنبي وروايتهم عنه مباشرة وعدم لقيه دليل على أنّ ذلك ليس بتدليس بل إرسال.
قال رحمه الله: "وممَّن قالَ باشْتِراطِ اللِّقاءِ في التَّدليسِ الإِمامُ الشافعيُّ وأَبو بكرٍ البزَّارُ ، وكلامُ الخطيبِ في «الكِفايةِ» يقتَضيهِ، وهُو المُعْتَمَدُ"، فبعد أن ذكر الدليل على ما قال ذكر من قال بقوله من العلماء.
قال: "ويُعْرَفُ عدمُ المُلاقاةِ بإِخبارِهِ عنْ نفسِهِ بذلك، أَو بجَزْمِ إِمامٍ مُطَّلعٍ".
بما أننا عرفنا الفارق بين التدليس والإرسال وهو الملاقاة، فكيف نعرف أنّ الراوي لم يلقَّ من روى عنه؟
قال المؤلف مجيبا عن هذا السؤال: يُعرف بأن يخبر المرسِل نفسه عن نفسه أنّه لم يلقه، أو بأن ينصَّ إمامٌ من أئمة الحديث ومعرفة الرجال على أنّه لم يلقه، وهذا نجده منصوصاً عليه في كتب الرجال.

قال: "ولا يَكْفي أَنْ يَقَعَ في بعض الطُّرُقِ زيادةُ راوٍ أَو أَكثرَ بينَهُما؛ لاحتمال أَنْ يكونَ مِن المزيدِ".
يعني إذا وجدت الراوي روى عن الراوي الذي نريد أن نعرف ألقيه أم لا؛ إذا وجدت له رواية يرويها عن ذاك الراوي وبينهما راوٍ آخر فلا تسدل بذلك على أنّه لم يلقه، فتقول بما أنّه يروي عنه هنا بواسطة إذا لم يلقه، قال المؤلف: لأنّه ربما يكون وجود الراوي بينهما خطأ وهو المزيد في متصل الأسانيد، يعني وجود راوٍ زائد في إسناد متصل.

قال: "ولا يُحْكَمُ في هذه الصُّورةِ"، التي وقعت في بعض طرقها زيادة راوٍ.
"بحُكْمٍ كُلِّيٍّ"،أي حكم عام يشمل جميع الروايات التي من هذا النوع.
"لتَعارُضِ احتمالِ الاتِّصالِ والانْقِطاعِ"،أي لا يحكم لها بحكم كلي لوجود احتمالين متعارضين فيها وهما الاتصال والانقطاع ولا مرجح لأحدهما.
"وقد صنَّفَ فيهِ الخَطيبُ كتابَ «التَّفصيلِ لمُبْهَمِ المراسيلِ»، وكتاب «المزيدِ في مُتَّصِلِ الأسانيدِ»".
صنف الخطيب في المرسل الخفي وفي المزيد في متصل الأسانيد الكتابين المذكورين.
"و انْتَهَتْ هُنا أحُكمِ السَّاقِطِ مِن الإِسنادِ".
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 10:00.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي