Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
العودة   منتديات شبكة الدين القيم > :: منـبـر الـمـشـرف العــام أبي الحسـن عـلـي الـرمــلي - حفظه الله - :: > منبر الدروس المفرغة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-12-2012, 07:41   #11
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الحادي عشر من شرح نزهة النظر

المجلس الحادي عشر من شرح نزهة النظر
بسم الله الرحمن الرحيم
نبدأ بشرح نزهة النّظر.
توقفنا في الدرس الماضي عند اصطلاح التّرمذي في قوله "حسن صحيح" وذكرنا أنّ مذهب الحافظ ابن حجر رحمه الله في فهم ذلك أنّه باعتبار ما له إسناد واحد، وماله إسنادان.
فما له إسناد واحد يكون مراده بالحسن الصحيح كأنّه حذف منه درجة التّردّد "حسن أو صحيح" فهنا يذهب الحافظ ابن حجر إلى أنّ الإسناد إذا لم يكن له إلاّ راو واحد، واختلف العلماء في هذا الرّاوي من حيث التّوثيق ومن حيث كونه ثقة أو صدوق، وتردّد الحال فيه، فيقول حسن صحيح أي بمعنى إمّا صحيح أو حسن.
أمّا إذا كان له إسنادين فيقول في هذه الحالة: يكون حسن صحيح بمعنى أنّ له إسناد صحيح وله إسناد حسن، فعلى المعنى هذا يكون ما قيل فيه حسن صحيح أعلى ممّا قيل فيه صحيح.
وعلى المعنى الأوّل الذي تفرّد به راوٍ واحد يكون ما قيل فيه حسن صحيح أدنى من الصّحيح.
ثمّ قال المؤلف رحمه الله:"فإِن قيلَ: قدْ صَرَّحَ التِّرمِذيُّ بأَنَّ شَرْطَ الحَسَنِ أَنْ يُرْوى مِن غيرِ وجْهٍ، فكيفَ يقولُ في بعضِ الأحاديثِ: حسنٌ غَريبٌ لا نعرِفُه إِلاَّ مِن هذا الوجهِ؟!". هذا إشكال.
التّرمذي عندما ذكر الحسن ذكر في تعريفه للحسن الذي يريده في كتابه أن يُرْوى من غير وجه نحو ذلك، أي أنّه لا يقع فيه تفرّد، معنى أن يُرْوى من غير وجه أنّه ليس فيه تفرُّد.
قالوا: إذا كان يريد بالحسن أنّه الذي لم يتفرّد به الرّاوي بل يوجد من تابعه، كيف يقول مع ذلك في بعض الأحاديث: "حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه"؟ فيه تعارض وإلاّ ما فيه ؟! فيه.
يقول الحسن يُرْوى من غير وجه ثمّ يقول: "حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه"، أي أنّه لم يُرْوَ إلاّ بوجه واحد، يعني لم يُرْوَ من غير وجه، طيب كيف تجمع بين الأمرين؟! هنا إشكال، واضح الإشكال الآن قبل أن نبدأ بالردّ؟ تمام؟ طيّب، قال: "فالجوابُ: أَنَّ التِّرمذيَّ لم يُعَرِّفِ الحَسَنَ مُطْلقَاً، وإِنَّما عَرَّفَ بنوع خاصٍّ منهُ وقعَ في كتابِه"، التّرمذي لمّا عرّف الحسن ما عرّف كل حسن أدخله في كتابه، لا.
الحسن الذي في كتاب التّرمذي أكثر من نوع وليس واحداً.
هو عرّف واحداً من هذه الأنواع، هذا معنى كلام الحافظ، واضح الكلام؟
قال: "أَنَّ التِّرمذيَّ لم يُعَرِّفِ الحَسَنَ مُطْلقَاً، وإِنَّما عَرَّفَ بنوع خاصٍّ منهُ وقعَ في كتابِه وهو"، أي النّوع الذي عرّفه
"ما يقولُ فيهِ: ((حسن))؛ من غيرِ صفةٍ أُخرى"، النّوع الذي عرّفه التّرمذي هو الذي يقول فيه حسن من غير أن يضيف معها ولا شيء، يقول هذا حديث حسن ويسكت.
"وذلك أَنَّهُ يقولُ في بعضِ الأحاديثِ: ((حسنٌ))، وفي بعضِها: ((صحيحٌ))، وفي بعضِها: ((غريبٌ))، وفي بعضِها: ((حسنٌ صحيحٌ))، وفي بعضِها: ((حسنٌ غَريبٌ))، وفي بعضِها: ((صحيحٌ غريبٌ))، وفي بعضِها: ((حسنٌ صحيحٌ غريبٌ))". كلّ هذه الكلمات أو الألقاب قد وقعت في كتاب التّرمذي.
"وتعريفُه إِنَّما وقعَ على الأوَّلِ فقطْ"، الذي يقول فيه "حسن" فقط، "حسن صحيح" ليس داخل في موضوعنا، ليس هذا الحسن الذي عرّفته أنا، تمام؟
"وتعريفُه إِنَّما وقعَ على الأوَّلِ فقطْ وعبارتُه تُرشِدُ إِلى ذلك"، كلامه الذي ذكره يُبيِّن أنّ هذا هو الــمُراد الذي ذكرناه.
"حيثُ قال في آخِرِ كتابِه"، في آخر كتاب السُّنن للتِّرمذي يوجد كتاب اسمه العِلل الصّغير للترمذي، وهذا الكلام الذي ذكر فيه تعريف الحسن في ذاك الكتاب.
"قال في آخِرِ كتابِه: وما قُلْنا في كتابِنا: ((حديثٌ حسنٌ))؛ فإِنَّما أَرَدْنا بهِ حَسُنَ إِسنادِهِ عندَنا"، بإمكانك أن تقرأها "حَسُنَ إسناده"، و "حَسَنٌ إسناده"، و "حُسْنَ إسناده" ضُبِطَت على هذه الأوجه الثّلاثة.
"فإِنَّما أَرَدْنا بهِ حَسُنَ إِسنادِهِ عندَنا، فكُلُّ حديثٍ يُرْوي ولا يكونُ راويهِ مُتَّهَماً بالكَذِبٍ، ويُروي مِن غيرِ وجْهٍ نحو ذلك، ولا يكونُ شاذّاً؛ فهو حديثٌ حسنٌ"، هذا كلام التّرمذي، وهو يشير إلى ما ذكر المؤلف رحمه الله.
"فعُرِف بهذا أَنَّهُ إِنَّما عَرَّفَ الَّذي يقولُ فيه: ((حَسنٌ)) فقطْ" من غير إضافة، "وأَمَّا ما يقولُ فيهِ: ((حسنٌ صحيحٌ))، أو: ((حسنٌ غريبٌ))، أو: ((حسنٌ صحيحٌ غريبٌ))؛ فلم يُعَرِّجْ على تعريفِه"، ما عرّفه أصلاً هذا، إنّما عرّف فقط النّوع الأوّل الذي يقول فيه "حسن" فقط.
"كما لم يُعَرِّجْ على تعريفِ ما يقولُ فيهِ: ((صحيحٌ)) فقط، أو: ((غريبٌ)) فقط. وكأنَّهُ تَرَكَ ذلك اسْتِغناءً لشُهرَتِه عندَ أَهلِ الفنِّ"، كون هذه الألقاب "صحيح" أو "غريب" أو غير ذلك، مشهورة عند علماء الحديث لم يُعَرِّفها، أمّا الحسن هذا فعرّفه لأنّه لم يكن مشهوراً عند أهل الفنّ (عند أهل الحديث).
"واقْتصرَ على تعريفِ ما يقولُ فيهِ في كتابهِ: ((حسنٌ)) فقط؛ إِمَّا لغُموضِهِ"، لأنّه خفيّ، ليس واضح لذلك عرّفه.
"وإِمَّا لأنَّهُ اصطِلاحٌ جديدٌ"، لأنّ بعض العلماء قالوا: الحسن ما اصطلحه اصطلاحاً وما شهّره إلا التّرمذي رحمه الله، ثمّ بعد ذلك انتشر، أمّا قبل التّرمذي قالوا ما كانوا يستعملون الحسن بالمعنى الاصطلاحي، إنّما كانوا يستعملون الحسن بالمعنى اللُّغوي وهذا هو الصّحيح، أوّل من جعل الحسن اصطلاحا هو التّرمذي رحمه الله لذلك عرّف الحسن عنده في كتابه، أمّا بقيّة الاصطلاحات كانت معروفة عندهم فلذلك لم يُعَرِّفها.
"ولذلك قيَّدَهُ بقولِه: ((عندنا))، ولم ينْسِبْهُ إِلى أَهلِ الحديثِ"، قال "عندنا" يعني هو اصطلاحي، وما قال هو اصطلاح علماء الحديث.
"كما فعل الخَطَّابيُّ"، الخطّابي هو الذي نسبه إلى أهل الحديث.
"وبهذا التَّقريرِ"، الذي قدّمناه لك.
"يندفعُ كثيرٌ مِن الإِيراداتِ"، الإيرادات التي يوردها الــمُحَدِّثون على تفسير كلام التّرمذي، عندما تُفَسِّر أنت كلام التّرمذي يورِدون عليك إيرادات: في تفسيرك هذا إشكال، إشكالان، ثلاثة، هذه الإيرادات قال كلّها دفعناها (الحافظ ابن حجر) بما قدّمنا من تقرير.
"التي طالَ البحثُ فيها ولمْ يُسْفِرْ وجْهُ توجيهِها، فللهِ الحمدُ على ما أَلهم وعَلَّمَ".
"ولمْ يُسْفِرْ وجْهُ توجيهِها"، أي لم يتَّضِح توجيهها توجيهاً صحيحاً لم يتّضِح هذا الأمر ولكن هو رحمه الله وضّحه وجلاّه، وحمد الله على ما فتح عليه، تمام إلى هنا؟
انتهينا من موضوع الحسن، والحسن الصّحيح عند التّرمذي رحمه الله.
طبعا الحافظ ابن كثير رحمه الله لا يوافق الحافظ ابن حجر فيما ذهب إليه من تعريف الحسن الصّحيح عند التّرمذي ولكنّه يقول: كأنّه يُشَرِّب الصحّة شيئا من الحسن، ويُشَرِّب الحُسْن شيئا من الصحّة، وعلى ذلك فيكون ما قال فيه الترمذي حسن صحيح دائماً هو في درجة بين الصّحيح والحسن، فهو أدنى من الصّحيح وأعلى من الحسن، هذا على قول ابن كثير رحمه الله ولعلّه أقوى الأقوال وأصحّها إن شاء الله.
انتهينا الآن من هذا الموضوع، ندخل في الموضوع الجديد.
قال رحمه الله: "وزِيادةُ راويهِما، أي: الصَّحيحِ والحَسنِ؛ مقبولةٌ؛ مَا لمْ تَقَعْ مُنافِيَةً لِـروايةِ مَنْ هُو أَوْثَقُ ممَّن لم يَذْكُرْ تلك الزِّيادةِ".
"وزِيادةُ راويهِما، أي: الصَّحيحِ والحَسنِ".
راو إمّا ثقة أو صدوق، روى حديثا وروى غيره من الرُّواة حديثا، جاء هذا الرّاوي وزاد زيادة في الحديث، ما حُكْمُ هذه الزِّيادة؟ نُمَثِّل دائما بزيادة تحريك الأصبع في الصّلاة.
الحديث من رواية عاصم بن وائل بن حُجْر عن أبيه، روى عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنّه كان يشير بأصبعه.
روى هذا الحديث ثلاثة عشر راوياً، ثلاثة عشر راوياً يروون هذا الحديث، فهؤلاء الرّواة رووا هذا الحديث عن وائل بن حُجْر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه كان يشير بأصبعه.
منهم واحد وهو زائدة بن قُدامة زاد زيادة "يُحَرِّكها"، هذه صورة الزّيادة التي يتحدّث عنها الحافظ ابن حجر ههنا والتي تُسَمَّى زيادة الثّقة.
هذه زيادة الثّقة الآن كيف نتصرّف معها؟
ليس مرادنا بالزّيادة أن يزيد أصل الحديث، أن يروي حديثاً لم يَرْوِه غيره، لا، ليس هذا المقصود، المقصود أن يروي حديثاً ويروي غيره نفس الحديث بنفس المخرج ثمّ يزيد أحدهم زيادة في الحديث، هذه صورة زيادة الثِّقة.
يقول الحافظ ابن حجر: "وزِيادةُ راويهِما، أي: الصَّحيحِ والحَسنِ"، يعني راوي الصّحيح وهو الثّقة.
وراوي الحسن وهو الصّدوق، إذا زادا زيادة ما حُكْمُها؟
قال:"مقبولةٌ"؛ الزّيادة من الثِّقة مقبولة، سواء كان ثقة أو صدوقاً.
قال: "مَا لمْ تَقَعْ مُنافِيَةً"، يعني بالمنافية أن تكون متعارضة مع أصل الحديث، فلا يمكن الجمع بينها وبين أصل الحديث فتعارضه.
قال: "مَا لمْ تَقَعْ مُنافِيَةً لِـروايةِ مَنْ هُو أَوْثَقُ منه، ممَّن لم يَذْكُرْ تلك الزِّيادةِ"، فإذا كانت منافية وبينها وبين أصل الحديث تعارض فهنا يقول الحافظ ابن حجر ليست مقبولة، أمّا إذا لم تقع منافية فيقول هي مقبولة.
قال: "وزِيادةُ راويهِما، مقبولةٌ؛ مَا لمْ تَقَعْ مُنافِيَةً لمَنْ هُو أَوْثَقُ ممَّن لم يَذْكُرْ تلك الزِّيادةِ"، يُعَلِّل ذلك قائلا: "لأنَّ الزِّيادةَ إِمَّا أَنْ تكونَ لا تَنافِيَ بينَها وبينَ روايةِ مَن لم يَذْكُرْها؛ فهذه تُقْبَلُ مُطْلقاً"، إذا كانت الزّيادة لا تُنافي أصل الحديث الذي رواه من هو أوثق ممّن زاد، زيادة هذا الزّائد لا تنافيها، ليس بينها وبين الأصل تعارض قال: "هذه تُقْبَلُ مُطْلقاً".
"لأنَّها في حُكْمِ الحديثِ المُستقلِّ الذي يتفرِدُ بهِ الثِّقةُ ولا يَرويه عن شيخِهِ غيرُه"، تمام إلى هنا؟
الآن الحافظ ابن حجر يُفَصِّل عندنا في الزِّيادة.
إمّا أن تكون منافية لأصل الحديث أو لا تكون منافية:
· فإن كانت منافية يقول لك هذه لا تكون مقبولة.
· إذا كانت غير منافية فهي مقبولة عنده مطلقاً، تمام؟
المنافية سيأتي له تفصيل آخر فيها، لكن إذا كانت غير منافية فهي مقبولة مطلقاً عند الحافظ ابن حجر.
ههنا نقف مع الحافظ وقفة.
الآن لمّا قال الحافظ ابن حجر بأنّ الزّيادة إذا لم تكن منافية فهي مقبولة مطلقاً، على ماذا اعتمد؟
قاسها على الحديث الـمُسْتَقلّ، حديث جاء راوٍ من الرّواة وروى حديثاً لم يروه أحدٌ غيره، كحديث إنّما لأعمال بالنيّات، فهذا الرّاوي قد تفرّد بأصل الحديث تقبلونه أم لا تقبلونه؟ نقبله.
قال: كما أنّكم قبلتم هذا، فاقبلوا الزّيادة من الثّقة إذا لم تكن منافية، هذا كلام الحافظ.
نحن نقول هذا القياس غير صحيح، لماذا؟ لأنّ تفرّد الرّاوي بأصل الحديث هذا أمر ناشئ عن ماذا؟
ناشئ عن أنّ الــمُحَدِّث يروي تارة بعض الاحاديث فيخصّ بعض التّلاميذ بأحاديث لا يرويها لغيرهم.
ثمّ يروي أحاديث في بعض المجالس لا يرويها في مجالس أخرى.
فيسمع هذا ما لم يسمعه ذاك، ويفوت هذا ما لم يفت ذاك، هذا في أصل الحديث.
لكن هذا غير وارد في الزّيادة نفسها.
الــمُحَدِّثون كانوا حريصين جدّاً على كلّ لفظة تخرج من الشّيخ وهو يُحَدِّث، فمع حرص الحفَّاظ على حفظ الحديث من شيخهم بجميع ألفاظه وبمعناه كاملاً يستحيل أن تفوتهم زيادة ويتفرّد بها واحد إلاّ ما ندر، ولكنّ الغالب أنّ هذا لا يحصل والحكم للغالب، والغالب على الظنّ في مثل هذه الحالة مع حرص الرّواة على أخذ كلّ شيء وعلى التّحديث بكلّ شيء سمعوه وحفظوه يغلب على الظنّ أنّ الزّيادة تكون وهماً وخطأً لا تكون حفظاً.
إذا كان الرّاوي الذي زاد أقلّ حفظاً أو أقلّ عدداً، الغالب على الظنّ أنّ هذا وهم وخطأ.
أمّا إذا كان الرّاوي أكثر حفظاً أو أكثر عدداً ههنا يغلب على ظنّنا أنّ هذا حفظ ما لم يحفظ ذاك.
ممكن ذاك نسي، وهم، أخطأ ، إلى آخره.
أمّا هذا يكون قد حفظ لأنّ حفظه أقوى، أو في العدد أكثر بحيث أنّهم أهل لأن تكون روايتهم مُقَدَّمة على غيرهم.
فإذن عندنا الزّيادة سواء كانت منافية أو غير منافية لابدّ أن تُعْرَض على القرائن وننظر إلى التّرجيح لأنّ الأصل في الرّواة إذا كانوا عدداً كثيرا أن يكون الجميع قد حفظ هذه الزّيادة، لماذا تفرّد بها هذا بالذّات؟!
ما تفرّد بها هذا بالذّات وترك اثني عشر راوياً إلاّ ويكون الغالب على الظنّ أنّه قد أخطأ فيها ووهم.
لكن لو كانت القضيّة عكسية، الشّخص الواحد لم يزد وخمسة أو عشرة زادوا هنا نقول الغالب على الظنّ أنّ هؤلاء حفظوا وأتقنوا ما لم يحفظ ذاك.
فإذن لا فرق عندنا بين كون الزّيادة منافية أو غير منافية، دائماً الزّيادة تُعْرَض على التّرجيح والقرائن.
هذا المذهب الذي ذكرناه مع التّعليل الذي ذكرناه هو مذهب علماء العلل الكبار الــمُتَقَدِّمون كعبد الرحمن بن مهدي ويحي بن سعيد القطّان وأحمد بن حنبل ويحي بن معين وأبي حاتم الرّازي وأبي زرعة الرّازي والبخاري ومسلم وغيرهم كما سيأتي النّقل عنهم، نقل ذلك عنهم العلاّئي بل من نظر في كتب العلل تبيّن له هذا بوضوح وجلاء لا خفاء فيه.
فإذن الصّحيح أنّ الزيادة من الثّقة يُعْمَل فيها بالتّرجيح، يُنْظر إلى القرائن وبناءً على القرائن نحكم، إمّا أنّها محفوظة أو غير محفوظة.
إمّا أن نقول فيه هي شاذّة، أو أن نقول محفوظة.
قال: "وإِمَّا أَنْ تكونَ مُنافِيةً بحيثُ يلزمُ مِن قبولِها رَدُّ الرِّوايةِ الأخرى".
الزيادة إمّا أن تكون منافية أو لا تكون منافية:
· إذا ما كانت منافية قال نقبلها مطلقاً.
· أمّا إذا كانت منافية بحيث يلزم من قبولها ردّ أصلها قال ننظر هنا إلى.
قال: "فهذه هي التي يَقَعُ التَّرجيحُ بينها وبينَ معارِضِها"، المنافية هي التي جعلها تحت التّرجيح، أمّا غير المنافية فقبلها مطلقاً وهذا خطأ.
الصواب: أنّ الكلّ يدخل تحت الترجيح، فننظر إن كان الزّائد أتقن وأحفظ وأعلم فعندئذ نُقَدِّم الزيادة ونقبل الزّيادة
وإذا كان الزائد أكثر عدداً فكذلك نقبل الزيادة لأنّ الغالب على الظنّ في هذه الحالة أنّ الذين زادوا هم الذين حفظوا وأنّ الوهم والخطأ من الذي نقص.
لكن إذا كانت الزّيادة من الأقلّ حفظاً أو الأقلّ عدداً فهنا الغالب على الظنّ أنّ الزيادة وهم وخطأ.
هذا هو الذي يترجّح عندنا وهو مذهب الــمُحَقِّقين من علماء الحديث، علماء العلل، الذين ذكرنا أسماءهم.
قال: "فهذه هي التي يَقَعُ التَّرجيحُ بينها وبينَ معارِضِها، فيُقْبَلُ الرَّاجحُ ويُرَدُّ المرجوحُ واشْتُهِرَ عَنْ جَمْعٍ مِن العُلماءِ القَوْلُ بقَبولِ الزِّيادةِ مُطْلقاً مِن غيرِ تفصيلٍ"، هؤلاء هم العلماء، هم الفقهاء وليسوا الــمُحَدِّثين.
الفقهاء هم الذين يقبلون الزّيادة مطلقاً لأنّه كما سيأتي من كلام الحافظ أنّ هذا لا يستقيم على مذهب الــمُحَدِّثين،
والقول قول أهل الحديث وليس الفقهاء في هذا الميدان لذلك تجد كثيرا ممّن مشى مذهب الفقهاء تجدهم يصحِّحون زيادات بشكل كبير وواسع، كلّ زيادة عندهم صحيحة!!، صحيحة!!، صحيحة!!، فيتوسّع الفقهاء كثيرا في قبول الزيادات.
قال: "ولا يَتَأَتَّى ذلك على طريقِ المُحَدِّثينَ"، يعني قبول الزيادة مطلقاً لا تتماشى مع طريقة الــمُحَدّثين، لماذا؟
قال: "الَّذينَ يشتَرِطونَ في الصَّحيحِ أَنْ لا يكونَ شاذّاً"، الـمُحَدِّثون الذين يقولون في الحديث "ولا يكونَ شاذّاً" لا يصحّ أن نقول كلّ زيادة عندهم فهي مقبولة، إذن لا يبقى شاذٌّ، ما فيه شاذّ، لماذا اشترطنا الشاذّ إذن؟!
أمران يتنافيان، يتعارضان، أن تقول في الحديث الصّحيح من شرطه أن لا يكون شاذّاً، ثمّ تكون الزّيادة من الثِّقة مقبولة، لا يجتمعان.
قال: "ثمَّ يفسِّرونَ الشُّذوذَ بمُخالَفةِ الثِّقةِ مَن هو أَوثقُ منهُ" طيب، لن يبقى شاذّ إذن.
"والعَجَبُ مِمَّنْ أَغفلَ ذلك منهُم معَ اعْتِرافِه باشْتِراطِ انْتفاءِ الشُّذوذِ في حدِّ الحديثِ الصَّحيحِ"، تناقض عجيب!!!
هذه مسألة دقيقة مسألة التّناقض، ربّما الشّخص يقول قولين يظنّ أنّ القولين صحيحين ويكون القولان متضادّين، متناقضين، لا يجتمعان، فينبغي الحذر! من مثل هذا.
"والعَجَبُ مِمَّنْ أَغفلَ ذلك منهُم معَ اعْتِرافِه باشْتِراطِ انْتفاءِ الشُّذوذِ في حدِّ الحديثِ الصَّحيحِ"، هو عندما يريد أن يُعَرِّف الحديث الصّحيح يقول و لا يكون شاذّا ولا مُعَلّلا، ثمّ بعد ذلك يقول: الزّيادة من الثّقة مقبولة، كيف يجتمعان؟!! مازال الحافظ يتعجّب من مثل هذا.
قال: "والعَجَبُ مِمَّنْ أَغفلَ ذلك منهُم معَ اشْتِراطِه انْتفاءِ الشُّذوذِ في حدِّ الحديثِ الصَّحيحِ، وكذا الحَسنِ والمَنقولُ عن أَئمَّةِ الحَديثِ المُتَقَدِّمينَ كعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدي، ويحيى القَطَّانِ، وأَحمدَ بنِ حنبلٍ، ويحيى بنِ مَعينٍ، وعليِّ بنِ المَدينيِّ، والبُخاريِّ، وأَبي زُرْعةَ، وأَبي حاتمٍ، والنَّسائيِّ، والدَّارقطنيِّ وغيرِهم"، جبال الذين ذكرهم، والله النّفس ما تستطيع أن تخالف أمثال هؤلاء، جبال العلل.
قال: "اعتبارُ التَّرجيحِ فيما يتعلَّقُ بالزِّيادةِ وغيرها"، دائما يُرَجِّحون عند التّعارض، ينظرون إلى القرائن ويُقَدِّمون ويُؤَخِّرون، هذا مذهبهم.
هل ذكر هو نفسه أنّ في تفصيل عندهم في المنافية وغير المنافية؟ لم يذكر لك، ما عندهم هذا التّفصيل، لو راجعت عملهم لتبيّن لك بجلاء ووضوح.
قال:"ولا يُعْرَفُ عن أَحدٍ منهُم إِطلاقُ قَبولِ الزِّيادةِ"، هكذا مُطْلَقا، ربّما تأتي في عبارات البعض عندما يُسأل عن حديث ما يقول: هذه زيادة ثقة وزيادة من الثّقة مقبولة، فاغْتَرّ البعض بمثل هذه الألفاظ فظنّ أنّه يعني أنّ الزيادة من الثّقة مقبولة مطلقاً، ولا ، هذا خطأ.
هو يعني من الزيادة من الثّقة مقبولة في مثل هذا الموضع الذي رجّحنا فيه زيادة الثّقة، وليس مطلقاً.
والدّليل على ذلك أنّه هو نفسه كالبخاري رحمه الله، هو نفسه يُعِلُّ بعض الزّيادات بالشّذوذ، فكيف يجتمع أن تقول هو يقبل الزّيادة مطلقاً ثمّ بعد ذلك نجده يقول في الأحاديث غير محفوظ.
علماً أنّ علماء العلل يستعملون اصطلاح "غير محفوظ"، لعلّك لا تجد عندهم إلاّ ما ندر كلمة شاذ.
علماء العلل تجده يقول لك "هذا محفوظ ، وهذا غير محفوظ"، غير محفوظ يعني شاذّ.
المحفوظ يعني هو الصّواب المخالف للشاذّ.
قال: "ولا يُعْرَفُ عن أَحدٍ منهُم إِطلاقُ قَبولِ الزِّيادةِ، وأَعْجَبُ مِن ذلك إِطلاقُ كثيرٍ مِن الشَّافعيَّةِ القَوْلَ بقَبولِ زِيادةِ الثِّقةِ، معَ أَنَّ نصَّ الشافعيِّ يدلُّ على غيرِ ذلك"، وهذا تنتبهون له، هذا سواء في المسائل الفقهية أو المسائل الحديثية أو المسائل العقائديّة، تجد أصحاب المذهب يتبنّون مذهباً يخالف مذهب إمامهم وعندما ينسبون المذهب إلى الشّافعي يقولون: مذهب الشّافعي أو مذهب أحمد أو مذهب مالك أو غير ذلك.
لكن عند التّحقيق تجد أنّ الإمام يخالف ما ذهب إليه أصحابه مثل هذه، انظر الحافظ ابن حجر ماذا يقول، يتعجّب من فعل الشّافعيّة في قبولهم زيادة الثّقة مع أنّ الشّافعي نفسه قد نصّ على مسألة الشّذوذ.
قال: "وأَعْجَبُ مِن ذلك إِطلاقُ كثيرٍ مِن الشَّافعيَّةِ القَوْلَ بقَبولِ زِيادةِ الثِّقةِ، معَ أَنَّ نصَّ الشافعيِّ يدلُّ على غيرِ ذلك"، يقول لك أنّ الشّافعي نفسه لا يقبل كلّ زيادة، فكيف أنتم الشّافعية تقولون بقبول الزّيادة مطلقاً؟!
"معَ أَنَّ نصَّ الشافعيِّ يدلُّ على غيرِ ذلك؛ فإِنَّهُ قالَ في أَثناءِ كلامِه على ما يُعْتَبَرُ بهِ حالُ الرَّاوي في الضَّبْطِ ما نَصُّهُ: "ويكونُ إِذا شَرِكَ أَحداً مِن الحُفَّاظِ"، يعني إذا شارك أحدا من الحفّاظ في رواية.
"لم يُخالِفْهُ، فإِنْ خالَفَهُ فوُجِدَ حديثُهُ أَنْقَصَ كانَ في ذلك دليلٌ على صحَّةِ مَخْرَجِ حديثِهِ، ومتى خالَفَ ما وَصَفْتُ أَضرَّ ذلك بحديثِهِ"[ انتهى كلامه ]"، طيب، كيف نفعل الآن؟
قال: "ومُقتَضاهُ أَنَّهُ إِذا خَالَفَ فوُجِدَ حديثُهُ أَزْيَدَ أَضرَّ ذلك بحديثِه، فدلَّ على أَنَّ زيادةَ العَدْلِ عندَه لا يلزَمُ قَبولُها مُطْلقاً، وإِنَّما تُقْبَلُ مِن الحفاظِ؛ فإِنَّهُ اعْتَبَرَ أَنْ يكونَ حديثُ هذا المُخالِفِ أَنْقَصَ مِن حديثِ مَن خالَفَهُ مِن الحُفَّاظِ، وجَعَلَ نُقصانَ هذا الرَّاوي مِن الحديثِ دليلاً على صحَّتِه؛ لأنَّه يَدُلُّ على تَحَرِّيهِ، وجَعَلَ ما عَدا ذلك مُضِرّاً بحديثِه، فدَخَلَت فيهِ الزِّيادةُ، فلو كانتْ عندَه مقبولةً مُطْلقاً؛ لم تكنْ مُضِرَّةً بحديثِ صاحِبِها، واللهُ أَعلمُ"، أي أن الشّافعي رحمه الله قال في الرّاوي إذا روى حديثاً ونقص فيه ولم يزد دلّ ذلك على ضبطه وحفظه، لكن إذا زاد زيادات لم يزدها غيره ممّن روى الحديث قال جعل ذلك قادحاً فيه.
ممّا يدلّ على أنّ الشّافعي لا يقبل الزّيادة مطلقا، فكيف مع ذلك يذهب الشّافعية إلى قبول زيادة الثّقة مطلقا؟! هذا إشكال يرد عليهم.
قال: "فإِنْ خُولِفَ بأرْجَحَ منهُ؛ لمزيدِ ضَبْطٍ أَوْ كثرةِ عدَدٍ أَو غيرِ ذلك مِن وُجوهِ التَّرجيحِ؛ فالرَّاجِحُ يقالُ لهُ: المَحْفوظُ. ومُقابِلُهُ – وهو المرجوحُ – يُقالُ لهُ: الشَّاذُّ".
إن روى راوٍ حديثا ثمّ خالفه غيره، إن كان المخالف له أكثر عددا أو أحفظ، أو أي شيء من أسباب التّرجيح، وُجِد عندنا سبب من أسباب التّرجيح، فالرّاجح الأقوى نُسَمِّيه ماذا؟ محفوظا، والأضعف الذي يُقابله؟ نُسَمِّيه شاذّاً وكما ذكرنا علماء العلل يستعملون "غير محفوظ".
قال: "مثالُ ذلك: ما رواهُ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَة مِن طريقِ ابنِ عُيَيْنَةَ عن عَمْرو بنِ دينارٍ عن عَوْسَجة، عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رجُلاً تُوُفِّي على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولم يَدَعْ وارِثاً إِلاَّ مولىً هو أَعتقَهُ .... الحديثَ"، اُنْظُرُوا في الإسناد الآن! رَكِّزوا فيه! من رواية من؟
- ابن عُيَيْنة، - يرويه عن من؟ - عن عمرو بن دينار، - عمرو بن دينار عن من؟، - عن عَوْسَجة.
- عوسجة عن من؟ - عن ابن عبّاس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
"وتابَعَ ابنَ عُيَيْنَةَ على وَصْلِهِ ابنُ جُريجٍ وغيرُه"، أي أنّ ابنَ عُيَيْنة عندما رواه عن عَمْرُو بن دينار موصولاً، أي مذكورا فيه ابن عبّاس، تابعه غيره عليه، منهم ابنُ جُرَيْج، فالمتابعة الآن قوّت رواية ابن عُيَيْنة، تمام؟
"وخالفَهُم حمَّادُ بنُ زَيْدٍ"، حمّاد بن زيْد ثقة، لكن خالف ابن عُيَيْنة، وابنَ جُرَيْج، ومن معهما.
فرواه كيف؟ رواه مُرْسلا، أي ليس فيه ابن عبّاس، أيُّهما الصّواب الآن؟
ابنُ عُيَيْنة يروي الحديث عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عبّاس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتابعه غيره عليه.
حمّاد بن زيْد يرويه عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أيُّهما صواب؟ الــمُرْسَل أم الــمُتَّصِل؟ الــمُتَّصِل، لماذا؟
الطالب: لأنّه فيه أكثر من واحد.
الشيخ: هذا هو، صحيح، فالــمُتَّصِل هنا هو الصّواب، لماذا؟! لأنّ الذين رووه مُتَّصِلا أكثر عددا من الذي رواه مُرْسَلا، نأتي وننظر علماء العلل ماذا فعلوا؟.
قال هنا: "وخالفَهُم حمَّادُ بنُ زَيْدٍ، فرواهُ عَنْ عَمْرو بنِ دينارٍ عَن عَوْسَجَةَ ولم يَذْكُرِ ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما"، أي أنّه رواه مُرْسَلاً.
"قال أبو حاتمٍ:" الرازي، "المَحفوظُ حديثُ ابنِ عُيَيْنَةَ. انتهى". ما هو المحفوظ؟
حديث ابن عُيَيْنة، يعني ما هو؟ الــمُتَّصِل، لماذا؟ لأنّ الذي وصلوه أكثر عدداً من الذي أرسله.
قال: "فحمَّادُ بنُ زيدٍ مِن أَهلِ العدالةِ والضَّبطِ، ومعَ ذلك رجَّحَ أبو حاتمٍ روايةَ مَن هُم أَكثرُ عدداً منهُ"، هذا يدلّ على أنّهم لا يقبلون الزّيادة مطلقاً وإنّما يُفَصِّلون ويمشون مع التّرجيح، فهو لم يقبل الزّيادة لأنّها زيادة وإنّما قبلها لأنّ الذين رووها أكثر عدداً.
"وعُرِفَ مِن هذا التَّقريرِ أَنَّ: الشَّاذَّ: ما رواهُ المقْبولُ مُخالِفاً لِمَنْ هُو أَوْلَى مِنهُ"، بهذا التّقرير الذي تقدّم، بالكلام الذي تقدّم عرّفنا الشاذّ، ما هو الشاذّ؟
ما رواه المقبول مُخَالِفا لمن هو أولى منه، فيدخل في قوله "الــمَقْبُول" كلُّ من قُبِلَ حديثه، سواء كان من أصحاب الحديث الحسن أو أصحاب الحديث الصّحيح.
فإذا خالف من هو أولى منه في الحِفْظ، أو أولى منه من ناحيّة العدد، فحديثه يكون شاذّا.
"وهذا هُو المُعْتَمَدُ في تعريفِ الشاذِّ"، وهو الــمُعَتَمَد كما قال.
لكن تتنبّهون للاسم، الشاذّ انتشر عند الــمُتَأخِّرين، لكن عند علماء العلل يستعملون غير المحفوظ.
ولا مُشاحّة في الاصطلاح، المسألة اصطلاحية، تسميات سهلة، لكن معنى هذه التّسمية ما فيها إشكال عندنا.
قال: "وهذا هُو المُعْتَمَدُ في تعريفِ الشاذِّ بحَسَبِ الاصْطِلاحِ".
نكتفي بهذا القدر.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-12-2012, 07:42   #12
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الثاني عشر من شرح نزهة النظر

المجلس الثاني عشر من شرح نزهة النظر

انتهينا في الدرس الماضي من مبحث الشاذّ والمحفوظ، اليوم يبدأ المؤلِّف رحمه الله بــ "الــمُنْكر" و "الــمَعْروف".
قال: "وَإِنْ وَقَعَتِ المُخالفةُ معَ الضَّعْفِ؛ فالرَّاجِحُ يُقالُ لهُ: المَعْروفُ، ومُقابِلُهُ يُقالُ لهُ: المُنْكَرُ ".
الشاذّ يقابله المحفوظ، المنكر يقابله المعروف.
قال: "وَإِنْ وَقَعَتِ المُخالفةُ"، مخالفة الثّقات، "معَ الضَّعْفِ"، أي مع ضعف راويه.
"فالرَّاجِحُ يُقالُ لهُ: المَعْروفُ، ومُقابِلُهُ يُقالُ لهُ: المُنْكَرُ "، يعني يقول الحافظ رحمه الله بأنّ المنكر هو الذي يخالف فيه الضّعيفُ الثّقات، هذا معنى كلام الحافظ.
فإذا جاءنا حديثان أحدهما يرويه ثقة، والآخر يرويه ضعيف، ورواية الضّعيف تخالف رواية الثّقة، فرواية الضّعيف نحكم عليها بأنّها مُنْكَرة، ورواية الثّقة نحكم عليها بأنّها معروفة، واضح؟ هذا ما ذكره هنا الحافظ في كلامه هذا.
"مثالُه: ما رواهُ ابنُ أَبي حاتمٍ مِن طريقِ حُبَيِّبِ بنِ حَبيبٍ – وهو أَخو حَمزَةَ بنِ حَبيبٍ الزَّيَّاتِ المُقرئِ– عن أَبي إِسحاقَ عن العَيْزارِ بنِ حُريثٍ عن ابنِ عبَّاسٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: ((مَن أَقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ وحَجَّ وصامَ وقَرَى الضَّيْفَ؛ دَخَلَ الجنَّةَ))". تعالوا انظروا إلى الإسناد، المخالفة ستكون في الإسناد.
الإسناد يرويه حُبَيِّب بن حبيب عن أبي إسحاق عن العَيْزار بن حُرَيْث عن ابن عباس، واضح؟
حُبَيِّب بن حبيب هذا ضعيف، يروي الحديث عن أبي إسحاق موصولاً كما هو أمامك.
"قالَ أَبو حاتمٍ:" وهو الرّازي.
"هُو مُنْكَرٌ "، هذا الحديث منكر.
"لأَنَّ غيرَه مِن الثِّقاتِ رواهُ عن أَبي إِسحاقَ مَوقوفاً"، غير من؟ غير حُبَيِّب بن حبيب.
حُبَيِّب بن حبيب يرويه عن أبي إسحاق موصولاً، رواه غير حُبَيِّب موقوفاً على أبي إسحاق من قوله، تمام؟
فهنا تكون رواية حُبَيِّب ما حالها؟ مُنْكرة، وتكون رواية غيره معروفة.
قال: "وهُو المَعروفُ"، يعني المعروف رواية الثّقات عن أبي إسحاق موقوفاً.
فسمّى ذاك منكرا وسمّى هذا معروفاً، هذا أبو حاتم الرّازي، طيب.
قال: "وعُرِفَ بهذا أَنَّ بينَ الشَّاذِّ والمُنْكَرِ عُموماً وخُصوصاً مِن وَجْهٍ؛ لأنَّ بينَهُما اجْتِماعاً في اشْتِراطِ المُخالفَةِ، وافْتراقاً في أَنَّ الشَّاذَّ روايةُ ثقةٍ أو صدوقٍ، والمُنْكَرُ رِوايةُ ضعيفٍ، وقد غَفَلَ مَن سَوَّى بينَهُما، واللهُ أَعلمُ".
الآن ما العلاقة ما بين الشاذّ والمنكر؟ بماذا يتَّحِدَان؟ في المخالفة، راوي الحديث الشاذّ مخالف، وراوي الحديث المنكر مخالف، فاتّحدا من هذا القبيل.
الطالب: المخالفة لضعفهما؟! الشيخ: لا، المخالفة لأنّهما خالفا غيرهما من الثّقات.
واختلفا في الضّعف والثّقة، راوي الشاذّ ثقة أو صدوق، وراوي المنكر ضعيف، من هنا افترقا واجتمعا في المخالفة،
فقول المصنِّف هنا عموماً وخصوصاً من وجه لا يريد به المعنى المصطلح المعروف الذي درسناه في أصول الفقه، لا،
يريد به المعنى اللُّغوي، أي اجتماعهما من وجه وافتراقهما من وجه، هذا ما يريده.
قال: "لأنَّ بينَهُما اجْتِماعاً في اشْتِراطِ المُخالفَةِ"، فالمنكر يُشْتَرط فيه أن يكون فيه مخالفة، والشاذّ يُشْتَرط فيه أن يكون فيه مخالفة.
"وافْتراقاً في أَنَّ الشَّاذَّ روايةُ ثقةٍ أو صدوقٍ"، رواية مقبول، الشاذّ لابدّ أن يكون راويه مقبولاً حتّى نحكم عليه بالشّذوذ.
قال:"والمُنْكَرُ رِوايةُ ضعيفٍ"، هذا هو الفرق بينهما.
"وقد غَفَلَ مَن سَوَّى بينَهُما"، أي أنّ بعض أهل الحديث جعل الشاذّ والمنكر بمعنى واحد وهو ابن الصّلاح، ابن الصّلاح جعل الشاذّ والمنكر بمعنى واحد.
لكن قد وُجِد في كلام علماء العلل إطلاق المنكر على رواية الثّقات كما في حديث لُبْس الخاتم، أنّه كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، هذا الحديث أطلقوا عليه بأنّه منكر، قالوا مع أنّ المخالف فيه هو همّام بن يحي وهو ثقة، فأطلقوا عليه بأنّه منكر.
والبعض أجاب بأنّ الحُكْم للغالب، هم في الغالب يُطْلِقونه على الضّعيف إذا خالف، لا على الثّقة إذا خالف.
والبعض قال: لا، المنكر، المراد به عندهم هو الذي يبعد أن يكون صحيحاً، أو يمتنع أن يكون صحيحاً، تَبْعُد صحّته أو تَمْتَنِع، يقولون هذا هو المنكر.
"وَما تقدَّم ذِكرُه مِن الفَرْدِ النِّسْبِيِّ؛ إِنْ وُجِدَ بعدَ ظَنِّ كونِه فَرْداً قد وافَقَهُ غيرُهُ؛ فهُو المُتابِعُ -بكسرِ الـمُوَحَّدة- والمُتابَعَةُ على مراتِبَ"، الآن دخل في موضوع جديد، انتهينا من الموضوع الأوّل وهو معرفة المنكر والمعروف.
الآن بدأ بذكر المتابعات والشّواهد.
فقال:"وَما تقدَّم ذِكرُه مِن الفَرْدِ النِّسْبِيِّ"، عرّفنا الفرد النّسبي فيما تقدّم.
"إِنْ وُجِدَ بعدَ ظَنِّ كونِه فَرْداً قد وافَقَهُ غيرُهُ"، ظنّنَا أحد الرّواة قد تفرّد بحديث عن شيخه، تمام؟ ثمّ وجدنا بعد ذلك له مُتَابِعاً، وجدنا من روى الحديث نفسُه عن هذا الشّيخ، فلنقل مثلا رواية الشّافعي عن مالك، بحثنا فلم نجد حديثاً مُعَيَّناً يرويه عن مالك إلاّ الشّافعي بصورةٍ مُعَيَّنة وإن كان رواه غيره بصُوَر أخرى، لكن بصورة مُعَيَّنة لم يروه إلا الشّافعي عن مالك فنُسَمِّيه فرداً نِسْبِيًّا، تمام؟
ظنّنَا أنّ الشافعي قد تفرّد به، وبعد البحث والتّفتيش تبينّ عندنا أنّه قد توبع، وأنّه قد رواه عن مالك غير الشّافعي بنفس اللّفظ الذي رواه الشّافعي.
قال:"فهُو المُتابِعُ"، هذا الثاني الذي رواه عن مالك غير الشافعي يُسَمَّى مُتَابِعًا للشّافعي، وضحت الصّورة الآن؟
قال: "المُتابِعُ -بكسرِ الـمُوَحَّدة-"، ماهي الــمُوَحَّدة؟ الباء، يقولون: هي الــمُوَحَّدة يعني عليها نقطة واحدة، مُوَحَّدة تحتيّة، يعني نقطة واحدة من تحت كي يُفَرِّقوا بينها وبين الياء والنون والتّاء، هذه كلّها تُشْكل صح؟ فلمّا أقول لك مُوَحَّدة أخرجت ماذا؟ الياء والتّاء، صح؟ والثّاء أيضاً.
فلمّا أقول: التّحتيّة، أخرجتُ ماذا؟ أخرجنا الفوقية التي هي النّون والثّاء، الثاء خرجت من الأوّل وتخرج أيضاً بهذا، بقيت معنا الباء.
"فهُو المُتابِعُ -بكسرِ الـمُوَحَّدة- والمُتابَعَةُ على مراتِبَ"، المتابعة كلّها ليست مرتبة واحدة، لها مراتب، خذ الآن المراتب.
قال: "إِنْ حَصَلَتْ للرَّاوي نفسِهِ"، الآن الرّاوي عندنا في المثال من؟ الشّافعي.
"إِنْ حَصَلَتْ للرَّاوي نفسِهِ"، يعني إن وجدنا راويًا آخر يُشارك الشّافعي في الرّواية عن مالك.
"فهِي التَّامَّةُ"، الـمُتَابعة تامّة، تابعه في جميع الإسناد وفي كلّ المتن، كامل، ما ترك شيئاً، نفس ما روى الشّافعي روى هو.
"وإِنْ حَصَلَتْ لشيخِهِ فمَنْ فوقَهُ؛ فهِيَ القاصِرةُ"، إن حصلت المتابعة لمالك وليست للشّافعي، يعني ما رواه غير الشّافعي عن مالك ولكن وجدنا من يرويه عن نافع غير مالك، مُتَصَوِّرين المسألة؟ لو كان فيه لوح لرسمنا الصّورة
الآن صورة الإسناد: مالك عن نافع عن ابن عُمر.
يروي الحديث عن مالك جمعٌ بصيغة معيّنة.
يرويه الشّافعي عن مالك بصيغة مُخْتَلِفة عن الصِّيغ الأخرى، تمام؟
وجدنا راوياً يُشارك الشّافعي في روايته عن مالك، هذا ماذا يُسَمّى؟ متابعة تامّة، لأنّه تابعه في كلّ شيوخه من مالك إلى الأخير، تمام؟ طيب، ما وجدنا أحداً يشارك الشّافعي في روايته عن مالك، ولكن وجدنا عُبَيْد الله بن عمر يرويه عن نافع، والحديث يرويه مالك عن نافع وليس الشّافعي، فهنا المتابعة لمالك الذي هو شيخ الشّافعي، فالمتابعة ليست للشّافعي ولكن لشيخه هذه تُسَمّى مُتَابعة قاصرة بالنِّسْبة للشّافعي وليست متابعة تامّة، لأنّه لم يتابعه في كلّ شيوخه، تابعه في شيخ شيخه، فالتقى عُبَيْد الله مع الشّافعي في "نافع".
إذن عندنا واحد ما شاركه فيه وهو مالك، فهذه تُسَمَّى متابعة قاصرة.
"وهكذا إن تابعه في من هو فوقه"، كذلك هي قاصرة، إن تابعه فقط (اشترك معه في الصّحابة) هي أيضا متابعة قاصرة، لكن يُشْتَرط أن يكون اللّفظ واحد أو المعنى واحد، ما يكون حديث آخر، لا، لابدّ أن يكون الحديث واحداً.
قال: "والمُتابَعَةُ على مراتِبَ، إِنْ حَصَلَتْ للرَّاوي نفسِهِ، فهِي التَّامَّةُ، وإِنْ حَصَلَتْ لشيخِهِ فمَنْ فوقَهُ؛ فهِيَ القاصِرةُ، ويُستفادُ منها التَّقويةُ"، ماذا يُسْتَفَاد من المتابعة؟ التَّقْويَّة، لاشكّ أنّ الحديث إذا رواه واحد أضعف من أن يرويه اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، فكلّ ما زاد عدد الرُّواة، كلّما كانت الرِّواية أقوى وأمتن.
"مِثالُ المُتابعةِ ما رواهُ الشَّافعيُّ في الأمِّ"، الأمّ كتاب للشّافعي، كتاب فقهي كبير، وهو من أنفس ما ألّف الإمام الشّافعي رحمه الله.
"عن مالِكٍ"، ابن أنس، إمام دار الهِجْرة.
"عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ عن ابنِ عُمرَرضي الله عنه أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشرون، فلا تَصوموا حتَّى تَروُا الهِلالَ، ولا تُفْطِروا حتَّى تَرَوْهُ، فإِنْ غُمَّ عليكم؛ فأَكْمِلوا العِدَّةَ ثلاثينَ))"، هذا الحديث رواه عن مالك جمعٌ لكنّهم لا يذكرون فيه "فأكملوا العِدَّة ثلاثين"، يذكرون يقولون: "فاقْدِروا له".
أمّا الشّافعي فقال: "فأكْمِلوا العِدَّة ثلاثين" فهو فَرْدٌ نِسْبي، بالنّسْبة لهذه الرّواية تفرّد به الشّافعي عن مالك.
"فهذا الحديثُ بهذا اللَّفظِ ظَنَّ قومٌ أَنَّ الشافعيَّ تفرَّدَ بهِ عن مالِكٍ، فعَدُّوهُ في غرائِبِه"، يعني من الأشياء التي أغرب فيها الشّافعي، فجاء بشيء غريب، لا يُعْرَف.
"لأنَّ أَصحابَ مالِكٍ روَوْهُ عنهُ بهذا الإِسنادِ، بلفظِ: ((فإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ فاقْدُروا لهُ))"، واضح الآن المخالفة أين صارت؟ لكن وجدنا للشّافعي مُتَابِعاً.
الآن ظنّنا بأنّ الشّافعي قد تفرّد به فكان عندنا فرْداً نِسْبيًّا، ثمّ بعد التّفتيش والتّنقيب وجدنا أنّ الشّافعي قد تُوبِع.
قال: "لكِنْ وجَدْنا للشَّافعيَّ مُتابِعاً، وهو عبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ، كذلك أَخرجَهُ البُخاريُّ عنهُ عن مالكٍ".
فهذه متابعة تامّة وإلاّ قاصرة؟ تامّة لأنّ عبد الله بن مسلمة القعنبي يرويه عن مالك، والشّافعي يرويه عن مالك.
إذن المتابعة تامّة.
"فهَذهِ متابَعةٌ تامَّةٌ، ووَجَدْنا لهُ أَيضاً مُتابَعَةٌ قاصرةً في صحيحِ ابنِ خُزَيْمةَ مِن روايةِ عاصمِ بنِ محمَّدٍ عن أبيهِ محمَّدِ بنِ زيدٍ عن جدِّهِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بلفظِ: ((فكَمِّلوا ثلاثينَ))".
الآن عاصم بن محمّد شارك الشّافعي في من؟ في عبد الله بن عمر، انظروا إلى الإسنادين.
من عنده كتاب يطّلع في الإسناد، لابدّ لطالب العلم أن يكون معه الكتاب، ما ينفع بدون كتاب، يكون القلم في يده، ويُسَجِّل ما يَعْتَبِره فائدة، لا يعرفها يُسَجِّلها كي عندما يراجع يحفظ، أمّا هكذا إذا ما كان في يده كتاب ما يتمكّن من إتقان الكلام الذي يُذْكر.
الآن اللّوحة ما عندنا حتّى نرسم الإسنادين، لكن الإسناد الأوّل والثّاني لا يشتركان إلاّ في الصّحابي فقط، فتكون هذه المتابعة متابعة قاصرة لأنّه ما تابع الشّافعي في جميع الإسناد، لا، تابعه فقط في الصّحابي، فهذه تُسَمَّى متابعة قاصرة.
قال:"وفي صحيحِ مسلمٍ من روايةِ عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ بلفظ: ((فاقْدُروا ثلاثينَ))".
هذه متابعة قاصرة؟ لماذا؟ اشترك مع الشّافعي في عبد الله بن عمر الصّحابي فقط، فهي متابعة قاصرة.
"ولا اقْتِصارَ في هذه المُتابعةِ سواءٌ كانتْ تامَّةً أَم قاصرةً على اللَّفْظِ"، يعني لا نقول متابعة قاصرة وتامّة فقط إذا اتّحد اللّفظ، لا، لا نقتصر على هذا، بل حتّى لو كان الاتّحاد في المعنى.
"بل لو جاءَتْ بالمعنى لكَفَى"، فالــمُعْتَبَر عندنا في كونها متابعة أو غير متابعة، بالنّظر إلى ماذا؟
إلى الصّحابي لا إلى اللّفظ أو المعنى، خلافا لابن الصّلاح، الذي درسناه في الباعث كان النّظر فيه إلى اللّفظ أو المعنى، فإذا كانت المتابعة بنفس اللّفظ سُمِّيَتْ مُتَابَعة، وإذا كانت بالمعنى سُمِّيَ شاهداً.
لكن هنا عند الحافظ لا، يختلف الحال، الآن عند الحافظ العبرة بالصّحابي.
إذا جاء الحديث بنفس اللّفظ أو بنفس المعنى، إذا كان الصّحابي مُتَّحِدًا يُسَمَّى متابعة، وإذا اختلف الصّحابي يُسَمَّى شاهداً.
قال: "ولا اقْتِصارَ في هذه المُتابعةِ سواءٌ كانتْ تامَّةً أَم قاصرةً على اللَّفْظِ، بل لو جاءَتْ بالمعنى لكَفَى"، يكفينا بالمعنى.
"لكنَّها مختَصَّةٌ بكونِها مِن روايةِ ذلك الصَّحابيِّ"، يعني لابدّ أن يكون الاتّحاد قد حصل في الصّحابي، ويأتي الحديث إمّا بنفس اللّفظ أو بالمعنى، لا فرق، لكن لابدّ يكون فيه اتّحاد، إمّا باللّفظ أو المعنى، ليس لا يكون لا لفظ ولا معنى، هذا يكون حديث آخر، انتهى.
"وإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُروى مِن حديثِ صحابيٍّ آخَرَ يُشْبِهُهُ في اللَّفظِ والمعنى، أَو في المعنى فقطْ؛ فهُو الشاهِدُ"، إذن الـمُعْتَبَر عندنا في التّفريق بين المتابعة والشّاهد هو الصّحابي، بغضّ النّظر عن الحديث جاء باللّفظ أو بالمعنى، لا يهمّ.
"ومثالُه في الحديثِ الَّذي قدَّمناهُ ما رواهُ النَّسائيُّ مِن روايةِ محمَّدِ بنِ حُنَينٍ عن ابن عبَّاسِ ((رضي الله عنهما)) عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذَكَرَ مثلَ حديثِ عبد اللهِ بنِ دينارٍ عنِ ابنِ عُمرَ سواءً، فهذا باللَّفظِ، وأَمَّا بالمَعْنى؛ فهو ما رواهُ البُخاريُّ مِن روايةِ محمَّدِ بنِ زيادٍ عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه بلفظ: ((فإِنْ غُمَّ عليكُمْ فأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثلاثينَ))".
الحديث الثّاني شاهد وإلاّ متابعة؟ شاهد، لماذا؟ لأنّ الصّحابي قد اختلف، حديث ابن عبّاس وإن كان قد جاء بنفس اللّفظ، الذي بعده أيضاً شاهد، ولكنّه جاء بالمعنى، لكنّنا عددْناه شاهداً لأنّه قد اختلف الصّحابي، واضح إلى هنا الآن؟ اُتْقِنَت المسألة إن شاء الله؟
"وخَصَّ قومٌ المُتابعةَ بما حَصَلَ باللَّفظِ"، يشير إلى ابن الصّلاح.
"سواءٌ كانَ مِن روايةِ ذلك الصَّحابيِّ أَم لا"، ما ينظر إلى الصّحابي في مسألة المتابعة أو الشّاهد، ينظر إلى المتن، أهو بنفس اللّفظ أم بالمعنى؟
"والشاهدَ بما حصلَ بالمَعنى كذلك"، يعني الشّاهد عنده ما جاء بالمعنى، والمتابعة ما جاء باللّفظ.
"وقد تُطْلَقُ المُتابعةُ على الشَّاهدِ وبالعكسِ، والأمرُ فيهِ سَهْلٌ"، تمام؟ بعد كلّ هذه الغلبة يقول لك الأمر سهل، ما فيه مشكلة، نعم، لاشكّ أنّ الأمر سهل والمسألة اصطلاحيّة، وسَمِّ ما شئت، لكن هذا الضّابط الذي ذكره الحافظ ابن حجر أتقن وأجود وأحسن إن شاء الله.
"وَاعْلمْ أَنَّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ مِن الجوامعِ والمسانيدِ والأجزاءِ لذلك الحديثِ الذي يُظنُّ أَنَّه فردٌ لِيُعْلَمَ هلْ لهُ متابِعٌ أَم لا هُو: الاعتبارُ "، الآن يريد أنْ يُعَرِّف لك ما هو الاعْتِبَار؟
تقول: ما يعني الاعتبار عند علماء الحديث؟ يقول لك الاعتبار: هو تتبُّع طُرُق الحديث حتّى تَعرف هل الرّاوي تفرّد بالحديث أم أنّه له متابعات وشواهد؟ هذا هو الاعتبار.
"وَاعْلمْ أَنَّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ"، يعني طُرُق الحديث.
"مِن الجوامعِ"، أي الكتب التي جمعت الأحاديث ورتّبتها على الكتب الفقهية ككتب السُّنن وغيرها.
"والمسانيدِ"، أي الكتب التي جمعت أحاديث كلّ صحابي على حدى ثمّ بعد ذلك رتّبها كلّ مؤلّف بطريقته، هذا معنى الــمُسْنَد.
الــمُسْنَد: هو الكتاب الذي جُمِعَت فيه أحاديث كلّ صحابي على حدى.
"والأجزاءِ"، الأجزاء: ما جُمِعَت فيه أحاديث أحد الرّواة في كتاب خاصّ، أو جُمِعت فيه مسألة مُعَيَّنة، كجُزْء القراءة خلف الإمام للإمام البخاري، هذا اسمه جُزْءُ لأنّه يتعلّق بمسألة مُعيَّنة.
أو يُسَمَّى جُزْءً إذا جُمِعَت فيه أحاديث أحد الرّواة، نجمع أحاديث سفيان الثّوري مثلاً، يُسَمَّى جُزْء سفيان الثّوري، وهكذا، المهمّ أي مراده من هذا تتبُّع طُرُق الحديث في كتب الحديث وجمعِها حتّى نعلم هل الرّاوي تفرّد بالحديث أم أنّه لم يتفرّد؟ هذه الطّريقة تُسَمَّى الاعْتِبار.
"وَاعْلمْ أَنَّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ مِن الجوامعِ والمسانيدِ والأجزاءِ لذلك الحديثِ الذي يُظنُّ أَنَّه فردٌ لِيُعْلَمَ هلْ لهُ متابِعٌ أَم لا هُو: الاعتبارُ، وقولُ ابنِ الصَّلاحِ: ((معرفةُ الاعتبارِ والمتابعاتِ والشَّواهِدِ))"، ابن الصّلاح في علوم الحديث في مقدّمته قال: باب معرفة الاعْتِبار والمتابعات والشّواهد، هذا الكلام لو سمعه أحدٌ يظنُّ أنّ الاعتبار قسم من أقسام المتابعات والشّواهد، واضح؟ لأنّه قال: الاعتبار والمتابعات والشّواهد، يعني سيأتينا ثلاثة أقسام، لكن الأمر ليس كذلك.
قال: "وقولُ ابنِ الصَّلاحِ: ((معرفةُ الاعتبارِ والمتابعاتِ والشَّواهِدِ))، قد يوهِمُ أَنَّ الاعتبارَ قَسيمٌ لهُما"، يعني قسم.
"قد يوهِمُ"، يعني بعض النّاس يمكن تظنّ أنّ مراده من الاعتبار والمتابعات والشّواهد، أنّ الاعتبار قسم من أقسام المتابعات والشّواهد.
"وليسَ كذلك، بل هُو هيئةُ التوصُّلِ إِليهِما".
"الاعتبار": هو طريقة الوصول إلى المتابعات والشّواهد، فليس هو قسم من هذه الأقسام.
"وجَميعُ ما تقدَّمَ مِن أَقسامِ المَقبولِ تَحْصُلُ فائدةُ تقسيمِهِ باعتبارِ مَراتِبِهِ عندَ المُعارضةِ، واللهُ أَعلمُ"، بيّن بهذه الجملة الأخيرة فائدة ترتيب الحديث المقبول التي قدّمناها، تقدّم وذكرنا مراتب للحديث المقبول؟! ذكر مراتب للصّحيح وإلاّ ما ذكر؟ ذكر مراتب للحسن وإلاّ ما ذكر؟ ذكر مراتب وأقسام، وقال هذا أصحّ وذاك أدنى صحّة إلى آخره.
قال:"وجَميعُ ما تقدَّمَ مِن أَقسامِ المَقبولِ تَحْصُلُ فائدةُ تقسيمِهِ"، لماذا أتعّبْتُّ نفسي وقسَّمتُ لكم إياه وأريتكم مراتبه؟!! فيه فائدة.
قال:"تَحْصُلُ فائدةُ تقسيمِهِ باعتبارِ مَراتِبِهِ عندَ المُعارضةِ"، هناك تحصل الفائدة، عندمّا يحصل تعارض بين حديثين ولم تتمكّن من الجمع بينهما، ولا وُجِد عندك ناسخٌ ولا منسوخٌ، تحتاج ماذا؟ أن تُرَجِّح.
أيُّهما أقوى فتأخذ به، وما هو أدنى قوّة فتتركه، تمام؟ فعند التّعارض هذا ماذا تفعل؟
تُقَدِّم الأقوى وتترك الأدنى قوّة، لذلك ذكر لك مراتب المقبول، واضح؟
"ثمَّ المَقبولُ ينقسِمُ أَيضاً إلى مَعمولٍ بهِ وغيرِ مَعْمولٍ بهِ"، انتهينا من الضّعيف غير المقبول، شُغْلُنا معه انتهى.
الآن تعالوا إلى المقبول، المقبول كلّه يُعْمَلُ به؟ الحافظ يقول لك: لا، من المقبول ما يُعْمَل به، ومن المقبول مالا يُعْمل به، كلمة الــمَقْبُول يُدْخِل فيها ماذا؟ الحديث الصّحيح، والحديث الحسن، لأنّنا قلنا: الحديث الصّحيح يُعْمل به، والحديث الحسن يُعْمل به؛ لكن هنا يقول لنا: بعضُ الــمَقْبُول لا يُعْمَلُ به.
تعالوا ننظر ماذا هو هذا الذي لا يُعْمَل به؟
قال: "لأنَّهُ إِنْ سَلِمَ مِنَ المُعارَضَةِ؛ أَي: لم يَأْتِ خبرٌ يُضادُّهُ"، يختلف معه في المعنى، هذا يتكلّم بالشّيء وهذا يُعَارِضه، إذا ما جاءنا حديث يعارضه.
"فهُوَ المُحْكَمُ"، يعني الذي لا يُعَارضه أي حديث، فمعناه واضح، وصريح، ولا معارض له من الكتاب والسنّة، ليس من العقول الخَرِبة العَفِنة، هذه لا علاقة لنا بها، نحن نتكلّم عن معارض من الكتاب والسنّة.
قال: "فهُوَ المُحْكَمُ، وأَمثلتُه كثيرةٌ، وإِنْ عُورِضَالحديث المقبول إنْ وُجِد حديث آخر عارضه.
"فلا يَخْلو إِمَّا أَنْ يكونَ مُعارِضُةُ مقبولاً مثلَه، أَو يكونَ مَردوداً"، إذا كان مردوداً ما فيه مشكلة، ماذا نعمل؟ نشطب المردود، مالنا شغل به، ونأخذ بالمقبول، لكن تبقى المشكلة إذا تعارض مقبول مع مقبول.
قال: "والثَّاني"، أن يكون المعارض له مردود.
"لا أَثرَ لهُ؛ لأنَّ القويَّ لا يُؤثِّرُ فيهِ مُخالفةُ الضَّعيفِ"، فلا تأت تعارض لي حديث صحيح بحديث ضعيف، وتقول لي كيف أجمع بينهما؟ هو ضعيف، ضعيف: يعني أنّه لم يثبت عن النّبي صلى الله عليه وسلم، ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا شُغْل لنا به.
"وإِنْ كانتِ المُعارضةُ بِمِثْلِهِ"، يعني مقبول بمقبول، ماذا نفعل؟
"فلا يخلو إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ الجَمْعُ بين مدلولَيْهِما بغيرِ تَعَسُّفٍ أَوْ لاَ"، عندي أحد احتمالين لا ثالث لهما:
إذا تعارض مقبول مع مقبول، إمّا أنّني قادرٌ على أن أجمع بينهما بأن أحمل كلّ منهما على حالة مثلاً.
أو أي طريقة من طرق الجمع الــمُقَرَّرة في كتب الأصول.
"فلا يخلو إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ الجَمْعُ بين مدلولَيْهِما"، المدلول ما يدلّ عليه الحديث من معنى، يعني المعنى الذي يدلّ عليه الحديث، هذا معنى المدلول.
فمدلول الحديث الأوّل، المعنى الذي يدلّ عليه الحديث الأوّل، والمعنى الذي يدلّ عليه الحديث الثّاني إن استطعتُ أن أجمع بينهما وأوّفق، فالحمد لله انتهى الإشكال.
فقط "بغيرِ تَعَسُّفٍ"، وهذا موجود للأسف بكثرة عند بعض المتأخِّرين، تجده إذا تعارض عنده حديثان، يتعسّف في طريقة الجمع بينهما، التّعسُّف بمعنى التّكلّف وزيادة.
"إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ الجَمْعُ بين مدلولَيْهِما بغيرِ تَعَسُّفٍ"، يعني لابدّ تجمع، نعم، لكن جمع يكون قريب من اللّفظ، من لفظ الأوّل ولفظ الثّاني، ما تجمع جمع بعيد لا علاقة له لا بهذا ولا بهذا، لا، "أَوْ لاَ".
"فإِنْ أَمْكَنَ الجَمْعُ؛ فـهو النَّوعُ المُسمَّى مُخْتَلِفَ الحَديثِ"، وهو الحديث الذي اختلف معناه مع حديث آخر.
"و مثَّلَ لهُ ابنُ الصَّلاحِ بحديثِ: ((لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ))، مع حديث: ((فِرَّ مِنَ المَجذومِ فِرارَكَ مِن الأسَدِ))"
المجذوم: الذي أصابه مرض الجُذام، مرضٌ مُعدٍ، فقال هنا: ((فِرَّ مِنَ المَجذومِ فِرارَكَ مِن الأسَدِ))، لــمّا تجد الأسد قدّامك ماذا تفعل؟ ستركض بأقصى سرعة، كذلك ههنا.
"وكلاهُما في الصَّحيحِ"، ماذا يعني؟ يعني كلا الحديثين صحيحين، كلاهما في صّحيح البخاري، طيب.
كيف تجمع بينهما، الأوّل يقول لك: "لا عدوى"، فهو نافٍ للعدوى أي أنّ العدوى غير مُؤَثِّرة، والثّاني يقول لك: "فِرَّ من المجذوم"، لماذا أفرُّ؟! خشية العدوى.
فيه تعارض بين مدلوليهما وإلاّ ما فيه؟ فيه، وهذا صحيح، وهذا صحيح، كيف تفعل؟!!
إن استطعت الجمع بينهما فهذا النّوع ممّا يُسَمَّى عند أهل العلم مُخْتَلِف الحديث، حديثان مختلفان في معناها، فماذا تفعل معهما؟.
قال:"وظاهِرُهما التَّعارُضُ"، حقيقة لا يوجد شيء اسمه تعارض في كتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الشّريعة كلّها من عند الله، شريعة مُتْقَنة مُحْكَمة، التّعارض في أفهامنا، في عقولنا نحن فقط، فكيف أجمع الآن أنا من خلال عقلي هذا بين هذين الحديثين؟!!
قال: "ووجْهُ الجمعِ بينَهُما أَنَّ هذهِ الأمراضَ لا تُعْدي بطبْعِها"، يعني لا تُعْدي بنفسها دون قدر الله، تُعْدي بقدر الله سبحانه وتعالى، ولكن هذا ما كان يعتقده المشركون أنّها تُعْدي بنفسها.
"لا تُعْدي بطبْعِها، لكنَّ الله سبحانه وتعالى جَعَلَ مُخالطةَ المريضِ بها للصَّحيحِ سبباً لإعدائِهِ مَرَضَه"، فهو بإذن الله حاصل، العدوى حاصلة بإذن الله وقدره.
"ثمَّ قد يتخلَّفُ ذلك عن سبَبِه كما في غيرِهِ من الأسبابِ"، في أشياء كثيرة تعمل بالسّبب لكن النّتيجة لا تحصل مع وجود السّبب، كذلك هذه ممكن أن يوجد السّبب وهو الاختلاط لكن العدوى لا تحصل، لكن الغالب أنها تحصل مع وجود سببها، لكن المؤثّر والفاعل حقيقة هو الله تبارك وتعالى، فلا عدوى مُؤَثِّرة بنفسها، هذا يكون الجمع بين الحديثين.
يكون معنى الحديث الأوّل أنّه لا عدوى مؤثِّرة بنفسها بل بتأثير الله تبارك وتعالى، تمام؟
"ثمَّ قد يتخلَّفُ ذلك عن سبَبِه كما في غيرِهِ من الأسبابِ، كما جَمَعَ بينَهما ابنُ الصَّلاحِ تَبعاً لغيرِه"، كذا جمع، هذا الجمع الذي ذهب إليه هو ابن الصّلاح، ولكن ابن الصّلاح أصلاً مسبوق، قال سبقه غيره إلى هذا الجمع.
"والأَوْلى في الجَمْعِ بينَهُما أَنْ يُقالَ: إِنَّ نَفْيَهُ صلى الله عليه وسلم للعَدوى باقٍ على عُمومِهِ"، أي أنّه لا عدوى حقيقة، لا مُؤَّثِّرة بنفسها ولا بغيرها، ما في تأثير أصلاً، لا هي سبب، ولا هي مُؤَثِّرة بنفسها.
"وقد صحَّ قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يُعْدِى شيءٌ شيئاً))، وقولُه صلى الله عليه وسلم لِمَن عارَضَهُ: بأَنَّ البَعيرَ الأجْرَبَ يكونُ في الإِبلِ الصَّحيحةِ، فيُخالِطُها، فتَجْرَبُ، حيثُ ردَّ عليهِ بقولِه: ((فمَنْ أَعْدى الأوَّلَ؟))"، هذا حديث آخر، شخص قال للنبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، أنّه إذا أدْخَلْت بعيراً صحيحا بين مجموعة من الإبل مريضة بالجرب أنّ الجرب سينتقل الجرب إلى الصّحيح، فقال له صلى الله عليه وسلم: "فمن أعدى الأوّل؟"، أوّل من حصل فيه الجرب من أين جاءه؟ من الله سبحانه وتعالى.
"يعني: أَنَّ الله تعالى ابتَدَأَ ذلك في الثَّاني كما ابْتَدَأَه في الأوَّلِ"، إذن ليست هي العدوى الــمُؤَثِّرة، ولكنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي أوجد المرض في الثّاني كما ابتدأه في الأوّل.
"وأَمَّا الأمرُ بالفِرارِ مِن المَجْذومِ فمِن بابِ سدِّ الذَّرائعِ"، ماذا يعني من باب سدّ الذّرائع؟
"لئلاَّ يَتَّفِقَ للشَّخْصِ الذي يخُالِطُه شيءٌ مِن ذلك بتقديرِ اللهِ تعالى ابتداءً لا بالعَدْوى المَنْفِيَّة، فيَظُنَّ أنَّ ذلك بسببِ مُخالطتِه فيعتقدَ صِحَّةَ العَدْوى، فيقعَ في الحَرَجِ، فأَمَرَ بتجنُّبِه حسْماً للمادَّةِ"، يقول هنا أمره بالفرار من المجذوم، لا لأنّ العدوى مؤثّرة، لا، لا، ولكن لأمر آخر، ما هو؟ قال: كي لا يحصل أمر وهو أن ينتقل المرض لهذا الشّخص لا بالعدوى ولكن بتقدير الله أن يمرض هذا الشّخص بهذا المرض، فيَظُنُّ عندما يقع هذا الشّيء أنّ العدوى مُؤَثِّرة فيقع في المحذور لأنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى"، فلأجل إغلاق هذا الباب قال: "فِرْ من المجذوم"، كي لا يحصل هذا الاعتقاد عند الشّخص الذي أصابه المرض بقدر الله، فيظنّ أنّ هناك عدوى، وضحت الصّورة؟ هذا كلام الحافظ.
لكن الذي يظهر أنّ الصّحيح كلام ابن الصّلاح ومن سبقه، يعني الكلام الأوّل هو الصّواب لأنّ النّبي صلى الله عليه وسلم في الطّاعون نهى عن الخروج من البلد التي يَدِبُّ فيه الطّاعون ونهى عن الدّخول إليها، فهذا الظاهر والله أعلم لتأثير العدوى بقدر الله تبارك وتعالى.
"والله أعلم، وقد صنَّفَ في هذا النَّوعِ الإِمامُ الشافعيُّ رحمه الله تعالى كتابَ: ((اختِلافِ الحديثِ))، لكنَّهُ لم يَقْصِدِ استيعابَه"، كتاب "مُخْتَلِف الحديث" مطبوع، للإمام الشّافعي رحمه الله، لم يستوعب جميع الأحاديث المتعارضة.
"و قد صنَّفَ فيهِ بعدَهُ ابنُ قُتيبةَ"، له أيضاً كتاب هو مُخْتَلِف الحديث، وهو مطبوع.
"والطَّحاويُّ"، كتابه مُشْكِل الآثار.
"وغيرُهما"، طيب، نكتفي بهذا.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-12-2012, 07:43   #13
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ المجلس الثالث عشر من شرح نزهة النظر

تفريغ المجلس الثالث عشر من شرح نزهة النظر

بسم الله الرحمن الرحيم
انتهينا في الدرس الماضي من تقسيم المؤلف الحديث المقبول إلى ما سَلِم من المعارضة وهو المحكم، وما عورض من الأحاديث بغيره، ، فذكر رحمه الله أنّ الحديث الذي عارضه غيره من الأحاديث المقبولة، نرجّح بين الحديثين ترجيحاً، وذكر مُصنّفات أُلِّفَت في هذا الباب.
ثمّ قال إن لم يمكن الجمع فيُصار إلى النّسخ إن علمنا التّاريخ، وإن لم نعلم التّاريخ ننتقل إلى التّرجيح، طيب.
قال: "وإِنْ لم يُمْكِنِ الجمعُ؛ فلا يخْلو إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ التَّاريخُ أوْ لاَ:" يعني إذا وجدت حديثين مقبولين متعارضين ولم تتمكّن من الجمع بينهما، ماذا تفعل؟
تنتقل إلى المرحلة الثّانية، وهي البحث عن التّاريخ، هل تجد تاريخاً يَدُلّك على المتقدِّم والمتأخِّر من الحديثين أم لا؟
فإن عرفت التّاريخ قال: "فإِنْ عُرِفَ وَثَبَتَ المُتَأَخِّرُ بهِ": أي بالتّاريخ، "أَو بأَصرحَ منهُ": أي بأصرح من التاريخ، ما الذي يكون أصرح من التاريخ في إثبات المتقدِّم والمتأخِّر؟
نصّ النّبي صلى الله عليه وسلم كقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".
هذا قد بيّن أنّ النّهي سابق والأمر بالزّيارة لاحق، هذا أصرح من التّاريخ في إثبات المتقدِّم والمتأخِّر.
قال: "فإن عُرِف": أي التاريخ، "وثبت المتأخِّر": من الحديثين المتعارضين، "به": أي بالتاريخ، "أو بأصرح منه كنصّ النّبي صلى الله عليه وسلم فهو النَّاسِخُ": واضح العبارة الآن؟ "والآخَرُ المَنْسُوخُ": الذي جاء أخيراً هو النّاسخ، والذي سبقه وجاء أوّلاً هو المنسوخ.
"والنَّسْخُ: رفْعُ تعلُّقِ حُكمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأَخِّرٍ عنهُ": أي قطع تعلُّق حُكْم شرعي بفعل الـمُكَلَّفِين.
يأتيك حُكْمٌ شرعي كنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور، هذا حكم شرعي، ما هو الحكم هنا؟ يحرم زيارة القبور.
إذا جاءنا دليل شرعي يرفع هذا التّحريم، هذا يُسَمَّى نَسْخًا.
والنّاسخ يُعْمَل به، والمنسوخ لا يُعْمل به، خلاص المنسوخ مُلْغَى، مُنْتَهٍ، أمّا النّاسخ هو الذي يُعْتَمد ويُعْمَل به.
قال: "والنَّاسخُ: ما دلَّ على الرَّفعِ المذكورِ"، النّاسخ هو الدّليل الذي دلّ على رفع الحكم.
"وتسميتُهُ ناسِخاً مجازٌ": ليس بحقيقة هو مجاز، على سبيل التَّجَوُّز.
قال: "لأنَّ النَّاسخَ في الحقيقةِ هو الله سبحانه وتعالى": اللهُ هو الذي نسخ الحكم وغيَّره، فسُمِّي الدّليل ناسِخاً مجازاً على ما يذكر المؤلِّف.
"ويُعْرَفُ النَّسخُ بأُمورٍ: أَصرحُها: ما ورَدَ في النَّصِّ": كيف تعرف النّسخ؟
قال يُعرَف بأمور أصرح شيء ما ورد في نفس النصّ يُبَيِّن لك أنّ الحكم مرفوع.
"كحديثِ بُريدَةَ في ((صحيحِ مسلمٍ)): ((كُنْتُ نَهَيْتُكُم عن زِيارةِ القُبورِ ألا فزُوروها؛ فإِنَّها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ))".
إذن هنا عَلِمْنا أنّ النّهي عن زيارة القبور ماذا؟ منسوخ، بنصّ النّبي صلى الله عليه وسلم.
"ومِنها ما يجزِمُ فيه الصَّحابيُّ بأَنَّه متأَخِّرٌ كقولِ جابرٍ رضي الله عنه: ((كانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: تَرْكُ الوُضوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)) أَخرَجَهُ أَصحابُ السُّننِ".
الصّحابي نفسه هو الذي يَجْزِم لنا بالـمُتَقَدِّم والـمُتَأَخِّر، هنا جابر بن عبد الله بيّن لنا أنّه كان هناك حُكْمٌ سابق وهو وجوب الوضوء ممّا مسّت النّار، يعني ممّا طُبِخ على النّار، إذا أَكَلْتَ منه وجب عليك أن تتوضّأ.
هذا حُكْمٌ منسوخ كان في السّابق ثمّ بعد ذلك نُسِخ، وجابر بن عبد الله هنا بيّن لنا أنّه قد ثبت عن النّبي صلى الله عليه وسلم الأوّل وثبت عنه الثّاني، والثّاني ناسخٌ للأوّل، فقال: "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء ممّا مسّت النّار".
الذي يدلّ على ذلك أنّه حكم منسوخ.
"ومِنْها ما يُعْرَفُ بالتَّاريخِ، وهُو كَثيرٌ ": يعني تعرف المتقدّم والمتأخِّر بالتّاريخ.
مثلاً يأتيك حديث يُبيِّن حُكْماً ويذكر لك أنّ هذا الحكم كان في غزوة بدر، ثمّ يأتيك حُكْم آخر يُخالِف ذاك الحكم ويُبيِّن لك أنّ هذا الحكم كان في غزوة تبوك، ماذا تقول هنا؟ أرشدك التّاريخ وإلاّ ما أرشدك؟ أرشدك، غزوة بدر سابقة بكثير عن غزوة تبوك، إذن عرفنا التّاريخ وعرفنا المتقدّم من المتأخّر.
قال: "وليسَ مِنْها مَا يَرويهِ الصَّحابيُّ المُتأَخِّرُ الإِسلامِ مُعارِضاً للمُتَقَدِّمِ عليهِ"، الآن عرفنا نحن كيف نعرف التّاريخ صح؟ قرائن تدلّك، طيب، جاءك حديث رواه أحد الصّحابة الذين أسلموا قديماً، وحديث آخر يعارضه رواه صحابي أسلم متأخِّراً، ألا تستدلّ بذلك على التّاريخ؟ بلى، صح؟ لكن هنا الحافظ لا يقبل هذا.
يقول لك: "وليسَ مِنْها مَا يَرويهِ الصَّحابيُّ المُتأَخِّرُ الإِسلامِ مُعارِضاً للمُتَقَدِّمِ عليهِ"، ليس منها، أي هذا ليس من الأحاديث التي تثبت التّاريخ المتقدّم والمتأخِّر، لماذا يا حافظ؟ تعالوا ننظر ما هو تعليل الحافظ لهذا.
قال: "لاحْتمالِ أَنْ يكونَ سَمِعَهُ مِن صَحابيٍّ آخَرَ أَقدمَ مِنَ المُتَقَدِّمِ المذكورِ أو مثلِهِ فأَرْسَلَهُ".
احتمال قائم؟ قائم نعم، كلامه صحيح.
يروي لنا أبو هريرة مثلا حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون أبو هريرة قد أسلم متأخراً عن حديث آخر يرويه صحابي قبله، والحديثان متعارضان.
تقول أبو هريرة متأخِّر الإسلام عن الصّحابي الآخر، إذن يكون حديث أبي هريرة ناسخا للحديث الآخر.
يقول لك: لا، ربّما يكون أبو هريرة قد أخذ الحديث عن غيره من الصّحابة ولم يذكره هنا، ولم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، احتمال قائم وإلا غير قائم؟ قائم، والصّحابة يروي بعضهم عن بعض، وأحيانا يكون قد سمع من الصّحابي فيُسْقِطُه ويرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، هذا واقع من الصّحابة، لكن لــمّا كان الصّحابة كلّهم ثقات عدول مشَّينَا هذه الأحاديث وقلنا هي كلّها صحيحة، إذن لا يهمّنا سقوط الصّحابي، كلّهم ثقات عدول، لا يهمّ.
لكن هنا لــمّا تريد أن تثبت التّاريخ لا ينفعك هذا، لكن إن ذكر الصّحابي في الحديث قرينة تدلّ على أنّه سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ماذا يحصل هنا؟ نستدلّ به، ونقول هو ناسخ، تمام؟ لأنّ الاحتمال الذي ذكره الحافظ هنا يكون منفياً، كأن يقول الصّحابي مثلاً: "جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له كذا وكذا"، خلاص هذا واضح أنّ هذا الصّحابي هو نفسه قد سمع الحديث أو أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة وما في واسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فمثل هذا يُثْبَتُ به ويُعْرَف به التّاريخ، واضح؟
قال: "لكنْ؛ إِنْ وَقَعَ التَّصريحُ بسماعِه لهُ مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيَتَّجِهُ أَنْ يكونَ ناسِخاً"، إذا وقع عندنا التّصريح بأنّ هذا الصحابي هو نفسه قد سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، خلاص هنا يكون الاحتمال قد زال.
"بشَرْطِ أَنْ يكونَ لمْ يَتحمَّلْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قبلَ إِسلامِهِ"، هذا الشّرط وجيه، وفي محلِّه.
كي نجزم بأنّه سمعه منه متأخِّرا بعد إسلامه، تمام؟ ما يكون سمع الحديث قبل إسلامه ثمّ رواه في حال الإسلام، هنا ما يكون متأخِّراً على ذلك الآخر، تمام؟
قال: "وأَمَّا الإِجماعُ؛ فليسَ بناسِخٍ"، الإجماع لا ينسخ.
"بل يدُلُّ على ذلكَ"، الإجماع نفسه لا ينسخ الحديث النّبوي، ولكنّه دليل على النّاسخ، دليل على الدّليل، أي يدلّ على وجود دليل ناسخ.
فالإجماع لابدّ أن يكون مُسْتَنِدا إلى دليل من كتاب أو سنّة فيكون النّاسخ هو الدّليل الذي استند إليه الإجماع، والإجماع يكون دليلاً على هذا الدّليل، تمام؟ إذن نقول هذا منسوخ بالإجماع، هل يصح هذا؟ يصح إن قلنا أنّ الإجماع دليل على النّاسخ، أمّا الإجماع نفسه لا ينسخ.
"وإِنْ لمْ يُعْرَفِ التَّاريخُ؛ فلا يخلو إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ ترجيحُ أَحدِهِما على الآخَرِ بوجْهٍ مِن وجوهِ التَّرجيحِ المُتعلِّقَةِ بالمتْنِ أَو بالإِسنادِ أَوْ لاَ:"، الآن انتقلنا إلى الصّورة الثّانية.
الآن نحن عندما ذكرنا الحديث المقبول، قلنا الحديثان إذا كانا مقبولين وتعارضا:
·فالواجب الأوّل هو الجمع بينهما.
·إذا لم يمكن الجمع نرجع إلى التّاريخ لنعرف النّاسخ من المنسوخ.
·طيب، لم نجد تاريخاً! ننتقل إلى الطريقة الثالثة وهي التّرجيح.
لماذا جعلنا الجمع مُقَدَّم على التّرجيح؟ لأنّ الجمع فيه إعمال للدّليلين، فأنت تأخذ بالدّليلين ولا تُهْمِل أحدهما، والإعمال بالدّليلين اولى من إهمال أحدهما، أمّا التّرجيح ففيه إهمال لأحد الدّليلين، هناك عندما تُرَجِّح تعمل بالدليل الرّاجح وتترك المرجوح.
هنا الآن قال: "إذا لمْ يُعْرَفِ التَّاريخُ؛ فلا يخلو إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ ترجيحُ أَحدِهِما على الآخَرِ بوجْهٍ مِن وجوهِ التَّرجيحِ المُتعلِّقَةِ بالمتْنِ أَو بالإِسنادِ أَوْ لاَ"، أحد أمرين:
إمّا أن يمكنك التّرجيح، أو لا يمكنك التّرجيح.
"فإِنْ أَمْكَنَ التَّرجيحُ؛ تعيَّنَ المصيرُ إِليهِ"، إذا تمكّنت من ترجيح أحد الدّليلين المتعارضين على الآخر لابدّ لك أن تُرَجِّح وتأخذ بالرّاجح وتترك المرجوح.
"وإِلاَّ؛ فلا"، تعيّن المصير إلى التّرجيح "وإِلاَّ؛ فلا"، فلا يتعيّن المصير إلى التّرجيح.
"فصارَ ما ظاهِرُهُ التَّعارُضُ واقِعاً على هذا التَّرتيبِ"، الآن انتهى من قضيّة ما ظاهره التعارض.
الآن يقول لك صار ما ظاهره التّعارض واقعاً على هذا التّرتيب، انظر الآن معي للتّرتيب:
"الجمعُ إِنْ أَمكَنَ"، هذه الطّريقة الأولى، الحديث المقبول إذا تعارض مع غيره، مع حديث مقبول آخر ماذا تفعل؟
أوّلاً:"الجمعُ إِنْ أَمكَنَ".
ثانياً: قال: "فاعْتبارُ النَّاسِخِ والمَنْسوخِ"، يعني إذا لم تتمكّن من الجمع تنظر في النّاسخ والمنسوخ.
ثالثاً:"فالتَّرْجيحُ إِنْ تَعيَّنَ".
رابعاً: "ثمَّ التوقُّفُ"، إذا لم تستطع التّرجيح تتوقّف، خلاص تقول ما عندي شيء، هذان الحديثان عندي مُشْكِلان، أتوقّف فيهما، لا أقول هذا ولا ذاك.
"ثمَّ التوقُّفُ عنِ العَمَلِ بأَحدِ الحَديثينِ"، خلاص تُهْمِل الحديثين، تقول: لا أعمل بهذا ولا بذاك، هذه الطّريقة الأخيرة، اليأس خلاص، يئست، ما عاد عند تفعل شيء، تتوقّف فيهما وتتركهما.
قال: "والتَّعبيرُ بالتوقُّفِ أَولى مِن التَّعبيرِ بالتَّساقُطِ"، التّعبير بالتّساقط عند بعض الأصوليين.
قال: أنّ الحديثين إذا تعارضا ولم تتمكّن من الجمع ولا معرفة ا لنّاسخ من المنسوخ، ولا التَّرجيح، قال يتساقطان.
فقال الحافظ: التّعبير بالتوقّف أولى من التّعبير بالتّساقط.
قال: "لأَنَّ خفاءَ ترجيحِ أَحدِهِما على الآخَرِ إِنَّما هُو بالنِّسبةِ للمُعْتَبِرِ في الحالةِ الرَّاهنةِ"، يعني خفاء أمر ترجيح أحد الدّليلين على الآخر إنّما هو لشخص مُعيَّن في وقت مُعَيَّن.
"معَ احتِمالِ أَنْ يظهَرَ لغيرِهِ ما خَفِيَ عليهِ"، ربّما أنت ما استطعت أن تعرف الرّاجح من المرجوح، غيرك يتمكّن من ذلك، فلا يصحّ أن نقول هما متساقطتين، ولكن نقول نتوقّف فيهما، هذا تصحيح يعني لفظي فقط، "واللهُ أعلمُ".
قال: "ثمَّ المردودُ": الآن الكلام فيما سبق الكلام عن ماذا؟ عن الحديث المقبول، الحديث المقبول منه ما يعمل به ومنه ما لا يعمل به.
الآن "ثمَّ المردودُ: وموجِبُ الرَّدِّ"، يعني ما الذي أوجب الردّ؟ والذي أوجد ردّ الحديث؟
"إِمَّا أَنْ يكونَ لِسَقْطٍ مِن إِسنادٍ، أَوْ طَعْنٍ"، ما الذي جعلنا نردّ الحديث المردود؟
·إمّا أن يكون في سنده سقط: يعني نوع من أنواع الانقطاع.
·أو طَعْنٌ: طعن في راويه، في راوٍ من رواته.
"أَوْ طَعْنٍ في رَاوٍ على اخْتِلافِ وُجوهِ الطَّعْنِ"، ستأتي وجود الطّعن المختلفة التي تطعن في الرّاوي.
وبغضّ النّظر عن اختلاف وجوه الطّعن.
"أَعَمُّ مِن أَنْ يكونَ لأمْرٍ يرجِعُ إِلى دِيانةِ الرَّاوي أَو إِلى ضبْطِهِ"، يعني أيّ نوع من أنواع الطّعن، وليس فقط خاصّة الطّعن في ديانة الرّاوي، في عدالته، أو الطّعن في حفظه، لا، الأمر أعمّ من هذا، سيأتي تفصيل هذا كلّه.
قال: "فالسَّقْطُ"، الآن ذكرنا الحديث يُرَدُّ لأحد أمرين:
·إمّا أن يكون في سنده سقط.
·أو أن يكون في سنده مطعون فيه. صح؟ طيب.
قال:"فالسَّقْطُ إِمَّا أَنْ يَكونَ مِنْ مَبادئ السَّنَدِ مِن تصرُّفِ مُصَنِّفٍ أو من آخِرِهِ أي: الإِسنادِ بعدَ التَّابعيِّ، أَو غير ذلك"، السّقط إمّا أن يكون:
·من مبادئ السند، من بداية السّند، بداية السّند إمّا أن تُطْلَق من جهة الصّحابي أو من جهة الــمُصَنِّف، لكن هنا يريد من جهة المصنّف فقد بيّن مراده رحمه الله.
فقال:"فالسَّقْطُ إِمَّا أَنْ يَكونَ مِنْ مَبادئ السَّنَدِ مِن تصرُّفِ مُصَنِّفٍ"، تمام؟
إذا كان السّقط من أوّل الإسناد من تصرّف المصنّف ماذا يُسَمَّى؟ الــمُعَلَّق، هذه الصّورة التي يتحدّث عنها هي صورة الــمُعَلَّق، لأنّ الــمُعَلَّق ما حُذِف من مُبْتَدَأ إسناده راوٍ أو أكثر، هذا هو المعلّق في تعريفه.
قال: "أو من آخِرِهِ"، إمّا يكون السّقط من أوّل الإسناد أي من جهة المصنّف، أو "من آخِرِهِ": من جهة الصّحابي.
"بعدَ التَّابعيِّ": يكون السّقط بعد التّابعي، يعني من جهة الصّحابي.
"بعدَ التَّابعيِّ": يعني السّاقط صحابي وأكثر، لكن فيه تابعي، جائز أن يكون السّاقط صحابي وتابعي آخر، أو صحابي وتابعيّان، أو صحابي وثلاثة من التّابعين، وهكذا.
"أَو غير ذلك": من أنواع السّقط التي ستأتي.
"فالأوَّلُ: المُعَلَّقُ": الذي هو ماذا؟
الذي قال فيه: "إِمَّا أَنْ يَكونَ مِنْ مَبادئ السَّنَدِ مِن تصرُّفِ مُصَنِّفٍ"، إلى هنا هذا هو الــمُعَلَّق.
قال: "فالأوَّلُ: المُعَلَّقُ": يعني به هذه العبارة.
بعبارة أسهل: الـــمُعَلَّق: ما حُذِف من مُبْتَدأ إسناده راوٍ أو أكثر، ويكون هذا الحذف من تصرّف المؤلّف، وهذا يفعله كثيراً الإمام البخاري، فالمعلّقات في صحيح البخاري كثيرة وكثيرة جدّا.
تجد البخاري يحذف من الإسناد أوّله، يعني شيخه فأكثر.
تارة يقول لك البخاري: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا.
وأحياناً يقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، ما في إسناد، يسقط الإسناد بالكامل.
أو يسقط راوٍ واحد فقط هو شيخه ثمّ يقول: عن فلان عن فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فأسقط شخصاً أو أسقط الإسناد كلّه بما أنّه حذف شيخه فهو مُعَلّق، واضح؟
"فالأوَّلُ: المُعَلَّقُ سواءٌ كانَ السَّاقِطُ واحداً أَم أَكثرَ"، ما فيه فرق، ما في مشكلة.
"وبينَهُ وبينَ المُعْضَلِ الآتي ذِكْرُهُ عمومٌ وخُصوصٌ مِن وجْهٍ، فمِنْ حيثُ تعريفُ المُعْضَلِ بأَنَّهُ سقَطَ منهُ اثنانِ فصاعِداً يجتَمِعُ معَ بعضِ صُورِ المُعَلَّقِ، ومِن حيثُ تقييدُ المُعَلَّقِ بأَنَّه مِن تصرُّفِ مُصَنِّفٍ مِن مبادئِ السَّنَدِ يفتَرِقُ منهُ، إِذْ هُو أَعَمُّ مِن ذلك"، ماهي العلاقة الآن؟ أنظر يريد أنّ يُبيِّن لنا العلاقة ما بين الـمُعَلَّق والــمُعْضَل.
يتَّحِدان في بعض الصّور؛ ويفترقان في صور كثيرة.
الــمُعْضَل ما هو؟ هو الذي سقط منه راويان فصاعدا، بشرط التّتابع، يسقط زيْد فبَكْر، وراءه مباشرة.
أمّا إذا روى الحديث زيْد، ثمّ بكْر أُثْبِت، ثمّ أُسْقِط عمر، هذا لا يسمّى معضلاً؛ لا يُسَمَّى معضلاً حتّى يكون السّاقط اثنان وراء بعضهما مباشرة، سقط زيد فعمرو وراءه مباشرة، هذا يُسَمَّى معضلاً، تمام؟ هذا المعضل.
اُنْظِر الآن إلى الصّورة التي يتَّحِد فيه المعضل مع المعلّق، ماهي؟ أن يُسْقِط المصنّف شيخَه وشيخَ شيْخِه فأكثر؛ تمام؟ هذه الصّورة يجتمع فيها أن يكون الحديث معلّقاً، ومعضلاً.
معلق لماذا؟ لأنّه حُذِف من مُبْتَدَأ إسناده راوٍ فأكثر.
مُعْضَل لماذا؟ لأنّ سقط منه اثنان فصاعدا، تمام؟
إذن هنا اتَّحد الـمُعْضَل مع الــمُعَلَّق؛ تمام؟ هذه الصّورة.
إذا حذف المصنّف من الإسناد شيخه فقط، هل يتّحد مع المعضل؟ يكون معلّقاً لكنّه لا يكون معضلاً، وهنا افترقا.
إذا سقط من الإسناد اثنان فأكثر لكنّ شيخ المصنّف مُثْبَت، ماذا يُسَمَّى؟ يُسَمَّى مُعلَّقا؟!
الطالب: لا.
الشيخ: إذن افترق المعضل عن المعلّق.
وضحت الصّورة الآن؟ هذا الذي يريد أن يذكره الحافظ ابن حجر.
قال: "ومِن صُوَرِ المُعَلَّقِ: أَنْ يُحْذَفَ جميعُ السَّندِ"، كما نرى عند البخاري تجده في تبويباته: باب كذا وكذا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، فقط هكذا تجده؛ هذا يُسَمَّى معلّقاً، حذف الإسناد بالكامل.
"ويُقالَ مثلاً: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم". فقط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، هذا يُسَمَّى مُعَلَّقاً، لأنّه حُذِف الإسناد بالكامل، الضّابط عندنا في المعلّق أن يُحْذَف شيخ المصنّف، بعد ذلك زدْ من تشاء، احْذف من تشاء، المهمّ عندنا أنّ شيخ المصنّف موجود ولاّ غير موجود؟ هذا هو.
قال: "ومنها: أَنْ يَحْذِفَ إِلاَّ الصَّحابيَّ"، ومنها أن يَحذِف المصنّف جميع الإسناد إلاّ الصّحابي فيقول: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، هذا أيضا يُعْتَبَر معلّقاً.
"أَوْ إِلاَّ الصَّحابيَّ والتَّابعيَّ معاً"، فيقول عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، وأبو صالح تابعي، وأبو هريرة صحابي، تمام؟ يعني الشّاهد في الموضوع أنّه يحذف شيخه فما فوق.
"ومنها: أَنْ يَحْذِفَ مَن حَدَّثَهُ"، يعني شيخه.
"ويُضيفَهُ إِلى مَنْ فوقَهُ"، يعني يحذف شيخه ويُثْبِت شيخَ شيخِه فما فوق، فقط المحذوف من؟ شيخَه فقط.
"فإِنْ كانَ مَن فوقَه شيخاً لذلك المصنِّفِ"، تأتينا الإشكال عاد هنا.
طيب إذا كان الآن، البخاري يروي عن شيخين، روى عن الشّيخ الأوّل وروى أيضا عن الشّيخ الثّاني، ولكن حديث معيّن لم يسمعه من الشّيخ الثّاني، سمعه من الشّيخ الأوّل عن الشّيخ الثّاني، وحذف الشّيخ الأوّل، تصوّروا الآن ونحن نتكلّم مسألة التَّدْلِيس، نفس الصّورة؟ صح؟ الصّورة واحدة.
قال: "فإِنْ كانَ مَن فوقَه شيخاً لذلك المصنِّفِ فقد اخْتُلِفَ فيه: هل يُسمَّى تعليقاً أَوْ لاَ؟".
هل هو تعليق وإلاّ تدليس؟ فيه إشكال.
"والصَّحيحُ في هذا: التَّفصيلُ"، الحافظ الآن يريد أن يبيّن لنا الإشكال، قال المسألة فيها تفصيل، لا يُطْلَق القول فيها.
قال: "فإِنْ عُرِفَ بالنَّصِّ أَو بالاستِقْراءِ أنَّ فاعِلَ ذلك مُدَلِّسٌ قضي بهِ"، إذا عرفنا من فاعل هذا الفعل أنّه مُدَلِّس فنقول هذا تدليس، لا نقول هذا تعليق.
"وإِلاَّ فتعليقٌ"، أي إن عرفنا منه أنّه لا يفعل ذلك، أنّه ليس مُدَلِّسا فنقول هذا تعليق، لأنّه فعله من قبيل التّعليق، لا من قبيل الإيهام، إيهام السّامع أنّه قد سمع من هذا الشّيخ، وهذا ما يفعله البخاري، إن وُجِدت صورة من هذا إذا قال: "عن فلان" ولم يسمع منه كما ذكروا في هشام بن عمّار، قالوا: قال هشام بن عمّار ولم يسمع هذا الحديث من هشام بن عمّار، مع أنّ هشام بن عمّار شيخه، طيب مشكل هذا.
فهل يوصف البخاري الآن بالتَّدْلِيس؟ لا.
لماذا؟ لأنّه أصلاً بالاستقراء عُرِف أنّه ليس مُدَلِّساً، ونحن نعرف من عادته أنّه يُعَلِّق الأحاديث، إذن فعل هذا على سبيل التّعليق لا على سبيل التَّدْلِيس.
هذا إن سلّمنا أنّه مُعلّقٌ الحديث.
"وإِنَّما ذُكِرَ التَّعليقُ في قسمِ المردودِ للجَهْلِ بحالِ المحذوفِ"، لماذا ذكروا الـمُعلّقات في قسم المردود من الحديث؟
قال:"للجَهْلِ بحالِ المحذوفِ"، فإذا قال البخاري مثلاً: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ما أدرانا أنّ الإسناد الذي بين البخاري و أبي هريرة، ما حاله؟ أو حتّى فقط حذف شيخه، ما أدرانا ما حال شيخِه؟ فكونه مجهولاً عندنا.
إذن يُعْتَبر من قسم المردود، لا من قسم المقبول.
"وقد يُحْكَمُ بصحَّتِهِ": الــمُعَلَّق.
"إِنْ عُرِفَ بأَنْ يجيءَ مسمَّىً مِن وجهٍ آخَرَ"، يعني إذا بحثنا في طُرُق الحديث فوجدنا الإسناد وعرفنا الرّاوي المحذوف، نحكم عليه بما يستحقُّه، فإن كان ثقة صحّحنا الحديث، وإن كان غير ذلك ضعّفناه.
"فإِنْ قالَ: جميعُ مَن أَحْذِفُهُ ثقات"، لو قدّرنا أنّ هذا الشّخص الذي يُعَلِّق الأحاديث قال: جميع من أحذفه من الإسناد ثقات عندي.
"جاءتْ مسأَلةُ التَّعديلِ على الإِبهامِ"، دخلنا في مسألة أخرى.
التّعديل على الإبهام، إذا قال الرّاوي: "حدّثني الثّقة" هل يُقْبَل هذا ويُقال بأنّه سند صحيح ونمشي على ذلك أم لا؟
المسألة هذه مُخْتَلَفٌ فيها، والجمهور على عدم القبول.
قال:"و عندَ الجُمهورِ لا يُقْبَلُ حتَّى يُسمَّى". لماذا؟ لاحتمال أن يكون ثقة عنده، ويكون ضعيفاً عند غيره، كما كان الشّافعي يقول: حدّثني الثّقة.
فلمّا نظرنا وجدناه إبراهيم بن أبي يحي الأسلمي، وهو متروك.
هو ربما يكون ثقة عنده، أحسن الظنّ به، لكن في حقيقة الأمر يكون ضعيفاً، إذن لابدّ أن يُظْهِرَه.
إذن حتّى لو قال إنّ جميع من أحذفه ثقات لا يُقْبَل، حتى نعرف من الذي حُذِف، على قول الجمهور.
"لكنْ قالَ ابنُ الصَّلاحِ هنا: إِنْ وَقَعَ الحَذْفُ في كتابٍ التُزِمَتْ صحَّتُه كالبُخاريِّ؛ فما أَتى فيه بالجَزْمِ دلَّ على أَنَّه ثَبَتَ إِسنادُهُ عِندَه، وإِنَّما حُذِفَ لغَرَضٍ مِنَ الأَغْراضِ، ومَا أَتى فيهِ بغيرِ الجَزْمِ؛ ففيهِ مقالٌ، وقد أَوْضَحْتُ أَمثلةَ ذلك في ((النُّكتِ على ابنِ الصَّلاحِ))". هذا كتاب للحافظ ابن حجر.
الآن ابن الصّلاح ماذا يقول؟ صاحب المقدّمة، معروف.
يقول: إذا وقع الحذف في كتابٍ أُلْتُزِمَت صحَّته كالبخاري، البخاري اِلْتَزَم صحّة الأحاديث التي يضعها في كتابه، لكن هل اِلْتَزَم ذلك في المعلّقات؟ لا، بل قالوا المعلّقات ما علّقها إلاّ ليُخْرِجَها عن مادّة الكتاب، فكأنّه يقول لنا هذه الأحاديث ليست على شرط كتابي، وإنّما التي على شرط كتابي هي الأحاديث التي ذكرتها بأسانيدها، أمّا هذه المعلّقات فلا، لكن قال بعض أهل العلم بأنّه إذا حَذَفَ من الإسناد بعض الرّجال كأنّه قد تكفّل بهم فكأنّه يقول لك ماذا؟
أنا أتكفّل بكلّ من أسقطتُّ، لكن الذين أظهرتهم لك اُنْظُرْ رأيك فيهم، تمام؟
قال: "فما أَتى فيه بالجَزْمِ"، بالجزم يعني أتى فيه بصيغة الجَزْم: قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا،
هذه: "قال" بناءُ الفعل للمعلوم، هذه تُسَمَّى صيغة جَزْمٍ.
قال، حكى، روى، تُقَابِلها صيغة التَّمْرِيض وهي التي تكون على وزن ماذا؟ على البناء للمجهول، الفعل يكون مبنياً للمجهول مثل: قيل، حُكِيَ، رُوِيَ، مثل هذه الصِّيغ، هذه تكون صيغة تمريض.
فقال بعضهم بأنّ الحديث إذا رواه البخاري مُعَلَّقًا بصيغة الجزم فهو صحيح.
وإذا رواه مُعَلَّقا بصيغة التّمريض فهذا منه ما هو صحيح، ومنه ما ليس بصحيح.
لكن الصّحيح أنّ البخاري رحمه الله لم يَشْتَرِط الصحَّة لا في الذي هو بصيغة الجزم، لا هو الذي بصيغة التّمريض فكلّ الأحاديث الــمُعَلَّقة يُنْظَرُ فيها.
منها ما هو في نفس البخاري قد وصله في موضع آخر، ومنها ما هو موصول في صحيح مسلم.
هذه لا إشكال في صحّتها.
ومنها ما هو موصول في كتب أخرى، وقد عَمِلَ على جمع هذه الأحاديث ووصْلِها الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه "تَغْلِيق التَّعْلِيق"، فوصل هذه الأحاديث الــمُعَلَّقة.
خلاصة الموضوع أنّ الحديث الــمُعلَّق بما أنّه ليس على شرط البخاري، وليس على شرط الصّحيح، إذن فيُبْحَث فيه، وتُجْمَعُ طُرُقه، ويُحْكَمُ عليه بما يستحِقَّه من صحّة وضعف.
ونكتفي بهذا القدر.
سبحانك اللّهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-12-2012, 07:44   #14
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ المجلس الرابع عشر من شرح نزهة النظر

تفريغ المجلس الرابع عشر من شرح نزهة النظر


بسم الله الرحمن الرحيم
تحدّثنا في الدّرس الماضي من شرح نزهة النّظر عن المردود وذكر الحافظ ابن حجر أنّ أسباب الردّ إمّا أن تعود لسقط في السّند، أو لطَعْنٍ في الرّاوي، وبدأ يُفَصِّل في مسألة السّقط في الإسناد، فذكر أنّ السّقط إمّا أن يكون من مبادئ السّند من المصنّف إلى آخر الإسناد، أو غير ذلك.
فذكر الــمُعَلَّق وذكر أيضاً الــمُعْضل، وذكر المَحَلّ الذي يلتقيان فيه، والمَحَالّ التي يفترقان فيها، وتتميماً لذكر أقسام السّقط.
قال رحمه الله: "والثَّاني:"، يعني هذا الذي قدّمناه من أجل أن نربط ما مضى مع ما هو آتٍ.
"والثَّاني:"، ما هو الأوّل؟ المعلّق، قال: "فالأوّل المعلّق".
"والثَّاني: وهو ما سَقَطَ مِن آخِرِهِ مَن بعدَ التَّابعيِّ، هو المُرْسَلُ:"، بغضّ النّظر عن السّاقط.
فالــمُرْسل ما أضافه التّابعي إلى النّبي صلى الله عليه وسلم.
إذن كي تَحْكُم على الحديث بأنّه مُرْسَل يلزمك أمران:
الأوّل: أن تعرف أنّ آخر رجلٍ في الإسناد تابعي.
الثّاني:أن يُضِيف هذا التّابعيُّ الحديثَ إلى النّبي صلى الله عليه وسلم.
عندئذ تحكم على الحديث بأنّه مُرْسَل.
هل يصحّ أن نقول في الــمُرْسَل هو ما سقط منه الصّحابي؟ لا، لماذا؟
لأنّنا إذا عَلِمْنا أنّ السّاقط صحابي فقط من الإسناد لجعلنا الــمُرْسَل من قسم المقبول لا المردود، صحيح؟ نعم.
لأنّ الصّحابة كلَّهم ثقات عدول، فلمّا كان السّاقط عندنا مجهول غير معلوم جعلنا المرسل من قبيل المردود، لا المقبول، ووُجِد من التّابعين من يروي عن تابعي آخر، وأكثر ما وُجِد من ذلك سبعة أو ثمانيّة.
فإذن يجوز أن يكون السّاقط صحابيًّا فقط، ويجوز أن يكون صحابيًّا وتابعيًّا، ويجوز أن يكون صحابيًّا واثنين من التّابعين، وثلاثة من التّابعين، وهكذا.
بما أنّه جائز كلّ هذه الاحتمالات، إذن فالــمُرْسَل يكون عندنا من قبيل المردود، لا من قبيل المقبول.
لكن الـمُهِمّ الآن عرفنا صورته: ما أضافه التّابعي إلى النّبي صلى الله عليه وسلم، هذا الذي اُشْتُهِر عند الــمُتَأَخِّرين.
أمّا المشهور عند الــمُتَقَدِّمين في الـمُرْسَل أعمّ من ذلك، يُطْلِقون الــمُرْسَل على كلّ سَقْطٍ في الإسناد، كلّ سقط في الإسناد يقولون هذا مُرْسَل، سواء كان مُنْقَطِعًا، أو مُعْضَلاً أو مُرْسَلاً بالاصطلاح الثّاني.
قال: "وصورَتُه أَنْ يقولَ التابعيُّ سواءٌ كانَ كبيراً أو صغيراً قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو: فعَلَ كذا، أو: فُعِلَ بحضرتِه كذا، أو نحوُ ذلك".
التّابعي: من لَقِي الصّحابي ولم يَلْقَ النّبي صلى الله عليه وسلم، هذا تابعي.
وقَسَّم أهل العلم التّابعين إلى قِسْمَيْن: تابعي كبير، وتابعي صغير.
التّابعي الكبير: هو الذي أدْرَك جماعة من الصّحابة وجالسهم وكانت جُلُّ روايته عنهم، وكانت أكثر رواياته عنهم.
أمّا التّابعي الصّغير: وهو الذي لم يَلْقَ منهم إلاّ العدد اليسير، الذي لم يَلْقَ من الصّحابة إلاّ العدد اليسير، أو لَقِيَ جماعة إلاّ أنّ جُلَّ روايته عن التّابعين، لا عن الصّحابة.
هذا هو الفَرْقُ ما بين التّابعي الكبير والتّابعي الصّغير.
وبعضُ أهلِ العلم يجعل التّابعين ثلاثة طبقات: كبرى، ووُسْطَى، وصُغْرَى.
المهمّ، هنا المؤلف رحمه الله لــمّا قال: "أَنْ يقولَ التابعيُّ سواءٌ كانَ كبيراً أو صغيراً" ردًّا على الذين يقولون بأنّ الــمُرْسَل: ما رواه التّابعي الكبير عن النّبي صلى الله عليه وسلم، تمام؟
فيُريد أن يرُدَّ هذا التّفريق فقال: "سواءٌ كانَ كبيراً أو صغيراً"، إذن التّابعي إن روى الحديث عن النّبي صلى الله عليه وسلم يكون مُرْسَلاً على ما ذهب إليه الـمُصَنِّف وهو الذي اُشْتُهِر عند الــمُتَأخِّرين.
"أَنْ يقولَ التابعيُّ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، أو يقول: فعَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو: فَعَلَ فلان في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم".
أي في وجود النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرى ويسمع.
"فَعَلَ فلان في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم". أيضا هذا يُعْتَبَر مُرْسَلا.
"وإِنَّما ذُكِرَ في قسمِ المَردودِ للجَهْلِ بحالِ المحذوفِ"، يعني هنا يقول لك: لماذا ذكرْتم الــمُرْسل في قسم المردود من الحديث، لا في قسم المقبول؟ قال: "إِنَّما ذُكِرَ": أي الــمُرْسَل، "في قسمِ المَردودِ"، أي في قسم الحديث المردود، لا المقبول، "للجَهْلِ بحالِ المحذوفِ"، لأنّ الذي سقط من الإسناد بعد التّابعي يُجْهَلُ حاله، لا يُعْرَف.
نحن نعلم إذا كان صحابيًّا خلاص الصّحابة كلُّهم ثقات و عُدُول، لكن لا ندري لعلّه سقط مع الصّحابي آخر غيره لا نعرف حاله.
"لأَنَّه يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ صحابيّاً"، فيه احتمال؟ نعم، فيه احتمال أن يكون السّاقط فقط صحابياً، ولو علمنا ذلك لقلنا هذا الحديث من قسم المقبول، لا من القسم المردود.
"ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ تابعيّاً"، تابعيًّا يعني تابعي وصحابي، فلابدّ يكون في الإسناد صحابي ساقط.
"وعلى الثَّاني"، أي على الاحتمال الثّاني، وهو أن يكون السّاقط تابعيّاً.
"يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ ضَعيفاً، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ ثقةً"، صح وإلاّ لا؟!
إذا احتمل أن يكون الذي سقط تابعيًّا، طيّب، فيه احتمال أن يكون ثقة؟ نعم، فيه احتمال ان يكون ضعيفاً؟ نعم.
"وعلى الثَّاني"، أي على احتمال أن يكون تابعيًّا ثِقَةً.
"يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ حَمَلَ عن صحابيٍّ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ حَمَلَ عن تابعيٍّ آخَرَ"، فإذا كان ثقة وحمل عن صحابي فيكون الحديث مقبولاً، لكن إذا تبيّن لنا هذا، لكن هذا مُجرَّد احتمال.
وإن كان ثقة وحمل عن تابعي آخر عن صحابي فصار عندنا تابعي مجهول الحال، ما ندري حاله، أهو ثقة أم ضعيف؟
"وعلى الثَّاني"، أي على احتمال أن يكون حمل عن تابعيّ آخر.
"فيعودُ الاحتمالُ السَّابقُ ويتعدَّدُ"، يرجع لنا نفس الاحتمال السّابق.
التّابعي الثّاني يُحْتَملُ أن يكون ثقة، ويُحْتَمل أن يكون ضعيفاً.
فإن كان ثقة: يُحْتَمَل أن يكون روى عن الصّحابي، ويُحْتَمل أن يكون روى عن تابعي آخر، طيب.
إذا روى عن تابعي آخر: يُحْتَمل أن يكون التّابعي الآخر ثقة، ويُحْتَمل أن يكون ضعيفاً.
نعمل شجرة، اطلع أنت هكذا، تمام وَضَحت الصورة الآن؟ هذا ما يريد أن يذكره.
"وعلى الثَّاني فيعودُ الاحتمالُ السَّابقُ، ويتعدَّدُ وأَمَّا بالتَّجويزِ العقليِّ، فإِلى ما لا نهايةَ لهُ"، عقلا الشّجرة هذه التي صنعناها تظلّها ماشية إلى ما لا نهاية، تظلّك تضع احتمالات إلى النّهاية، عقلاً جائز هذا.
"وأَمَّا بالاستقراءِ"، يعني بالتّتبّع والنّظر في الأحاديث والأسانيد.
"فإِلى ستَّةٍ أَو سبعةٍ"، الاحتمال يبقى إلى ستّة تابعين أو سبع تابعين فقط، لأنّه هذا أكثر ما وُجِد من رواية التّابعين بعضهم عن بعض.
"وهو أَكثرُ ما وُجِدَ مِن روايةِ بعضِ التَّابعينَ عن بعضٍ"، إذن الاحتمال ينتهي إلى ست أو سبع تابعين فقط، هذا من ناحية الاستقراء والتتبّع، لكن بالجواز العقلي يمكن أن تعمل شجرة إلى ما لا نهاية، واضح؟
انتهينا من هذا الآن؟ وضحت الصورة؟ طيب.
الآن يريد أن ينتقل على مسألة ثانية.
"فإِنْ عُرِفَ مِن عادةِ التَّابعيِّ أَنَّه لا يُرسِلُ إِلاَّ عن ثِقةٍ"؛ الآن الـمُرْسَل: ما أضافه التّابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
جاءنا أحدُ التّابعين وروى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، عرفنا مِن هذا التّابعي أنّه لا يروي إلا عن ثقةٍ، فلنقل هذا التّابعي مثلاً، مُجرَّد مثال: سعيد بن الــمُسَيَّب يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
سعيد بن الــمُسَيَّب تابعي، إمام من أئمّة الّتابعين، وعرفنا بالاستقراء أنّ سعيد بن الــمُسَيَّب لا يروي إلاّ عن ثقة، الآن هل يُقْبَل إرساله أم لا؟ مُرْسَله يُقْبَل أو لا؟
"فذهَبَ جُمهورُ المحُدِّثينَ إِلى التوقُّفِ؛ لبقاءِ الاحتمالِ"، ماذا يعني التوقّف؟ يعني التوقّف في الحديث، لا نقبله، تمام؟ أي لاحتمال أن يروي عن من ليس بثقة عند غيره، أو لاحتمال خروجه عن عادته، وارد وإلا ليس وارد؟ وارد.
شخص لا يروي إلاّ عن ثقة، لكن جاءته مرّة وروى عن ضعيف، يرد وإلا ما يرد؟ يرد.
أو أنّه لا يروي إلاّ عن ثقة عنده، وبعد التحرِّي تبيّن أنّه ضعيف عند غيره، كما حصل للإمام الشّافعي رحمه الله، كان يُحَدِّث ويقول: حدّثني الثّقة، حدّثني الثّقة، عندما بحثوا عن الثّقة وجدوه رجلاً متروكاً، أبو يحي الأسلمي وهو متروك، فهو كان ثقة عنده، لكن عند غيره بعد أن برز وظهر تبيّن لهم بأنّه متروك، إذن هذا الاحتمال قائم، وهذا الاحتمال قائم.
إذن فلا نصحّ بأن نجزم بأنّ الذي أسقطه ثقة، وإن قيل فيه بأنّه لا يروي إلاّ عن ثقة، مع أنّه فيما ذكر بعض أهل العلم ما مِنْ أحدٍ قيل فيه بأنّه لا يروي إلاّ عن ثقة إلاّ ووجدوا له روايات عن الضُّعفاء.
"وهُو أَحدُ قولَيْ أَحمدَ"، أي التوقّف وعدم القبول في مثل هذه الحالة.
"وثانيهِما"، أي القول الثّاني للإمام أحمد في هذا.
"وهُو قولُ المالِكيِّينَ والكوفيِّينَ يُقْبَلُ مُطْلقاً"، أي إذا عُلِم أنّه لا يُرْسِل إلاّ عن ثقة.
"يُقبَل مُطْلَقًا"، أي سواءً اُعْتُضِد بمجيئه من وجه آخر أو لا، هذا معنى قوله: "يُقْبَل مُطْلَقا"، سواءٌ اُعْتَضِد بمجيئه من وجه آخر أو لا.
يعني سواء وجدنا ما يدعمه ويُقَوِّيه أو لا.
على جميع الأحوال يُقْبَل عندهم مُطْلَقا إذا كان التّابعي ممّن لا يروي إلاّ عن ثقة.
قال: "وقالَ الشَّافِعيُّ: يُقْبَلُ إِنِ اعْتَضَدَ بمجيئِهِ مِن وجْهٍ آخَرَ يُبايِنُ الطَريقَ الأولى"، أي يُخَالِفُها ويُغَايِرها، يعني هنا الشّافعي رحمه الله لا يقبل ذلك إلا أن يجد له ما يُقَوِّيه، ما يدعمه، سواءً كان إسناداً مُتَّصِلاً فيه ضَعْف، أو كان مُرْسَلاً آخر لكن يُشْتَرَط أن يكون مُخَالِفا له في الطّريق تماماً، لا يلتقيان خشْيَة أن يكون الذي سقط من هنا هو نفسه الذي سقط في الطّريق الثّاني.
فلوجود هذا الاحتمال وضع هذا الشّرط، أن يكون الــمُرْسَل الأوّل مُبَايِنًا تماماً يعني مغايراً ومختلفاً تماماً عن الــمُرْسَل الثّاني، لكن معناهما واحد كي يَتَقَوى هذا بهذا، واضح؟
لكن على كلّ حال الــمُرْسَل عندنا لا يتقوَّى بسهولة، يعني نجد من بعض طلبة العلم توسُّعًا في مسألة تقوية الــمُرْسَل، الــمُرْسَل ضعفه ليس سهلاً، لماذا؟ لأنّ السّقط ليس من السّهل أن يُجْبَر، لماذا؟
لأنّ السّقط فيه احتماليّة أن يكون السّاقط متروكاً، وفيه احتمال أن يكون كذّاباً.
فإذا قامت هذه الاحتمالات فليس من السّهل أن تقول في هذا الإسناد الذي فيه إعضال أو انقطاع، أو فيه إرسال، أن تقول والله جاءه ما يُقَوِّيه، فتعضده وتُقَوِّيه مباشرة، لا.
المسألة تحتاج إلى تحرُّز، فمسألة قبول الــمُرْسَل في الشّواهد والــمُتَابعات مسألة تحتاج إلى تأنٍّ، وليس كلُّ مُرْسَل تستطيع أن تُقَوِّي فيه، خاصّة إذا قيل فيه: هذا من أوهى المراسيل، أو من أضعف المراسيل.
أو قيل في صاحبه: مراسيله شِبْه الرِّيح.
فمثل هذه المراسيل شديدة الضّعف لا تُقْبَل بسهولة، يعني عندما يأتيك إمام كالزُّهري يقولون لك: ما الذي منعه أن يُسَمِّي؟ مثل هذا حافظ، لماذا لم يُسَمِّ؟ نحن نخشى أن تكون عدم التّسمية نتيجة وجود راوٍ هالك في الإسناد، فما أراد أن يُظْهِرَه، وأن يُعْطِيه قدراً للرّواية عنه فتركه.
لذلك فمسألة الإرسال وقبول الــمُرْسَل في الشّواهد والــمُتابعات هذه مسألة دقيقة لا يُقَوَّى الــمُرْسَل بكلّ سهولة هكذا، أمّا الــمُنْقَطِع فلا يُقْبَلْ في الشّواهد والمتابعات أصلاً لاحتمال أن يكون السّاقط متروكاً أو كذّاباً، فمثل هذا الاحتمال لا يجعلنا نقبل الــمُنْقَطِع في الشّواهد والمتابعات.
قال: "قالَ الشَّافِعيُّ: يُقْبَلُ إِنِ اعْتَضَدَ بمجيئِهِ مِن وجْهٍ آخَرَ يُبايِنُ الطَريقَ الأولى"، يعني يُخَالِفها ويُغَايِرها، تمام.
"مُسْنَداً كانَ أَو مُرْسَلاً"، حتّى نطمئنّ بأنّ الذي سقط في الإسناد الأوّل غير السّاقط في الإسناد الثّاني.
أو إذا كان مُتَّصِلا أن يكون الضّعيف الذي في الــمُتَّصِل مُخْتَلِف عن السّاقط في الــمُرْسَل.
"ليترجَّحَ احتمالُ كونِ المحذوفِ ثقةً في نفسِ الأمرِ"، أي يُرَجِّح ذلك ما يعضده، فإن اِعْتَضد ترجّح عندنا أنّ الرّواية صحيحة.
"ونقلَ أَبو بكرٍ الرَّازيُّ مِن الحنفيَّةِ وأبو الوليدِ الباجِيُّ مِن المالِكيَّةِ أَنَّ الرَّاويَ إِذا كانَ يُرْسِلُ عنِ الثِّقاتِ وغيرِهم لا يُقْبَل مُرسَلُه اتِّفاقاً"، هنا نقلوا الاِتِّفاق على أنّ الــمُرْسِل إذا كان يروي عن الثّقات وعن الضُّعفاء أنّه لا يُقْبَل مُرْسَلُه مُطْلَقاً، واضح إلى هنا؟
"والقسمُ الثَّالِثُ مِن أَقسامِ السَّقْطِ مِن الإِسنادِ إِنْ كانَ باثنَيْنِ فصاعِداً مَعَ التَّوالي؛ فهو المُعْضَلُ"، تقدّم بيانه.
الــمُعْضَل: ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا، بشرط التّوالي.
يعني يسقط واحد وراءه الثّاني مباشرة، تمام؟ وبينّاه في الدّروس التي تقدّمت.
"وإِلاَّ بأنْ كانَ السَّقْطُ اثنينِ غيرِ متوالِيَيْنِ في مَوضِعَيْنِ مثلاً؛ فـهُو المُنْقَطِعُ"، عرفنا الفرق الآن بين الــمُنْقَطع الــمُعْضَل؟ يشتركان وإلا لا؟ يشتركان في السّقط فقط، أمّا في غير السّقط فلا يشتركان.
ممكن أو جائز أن يكون السّقط في الإسناد باثنين فأكثر، ويختلف الــمُنْقَطِع عن الــمُعْضَل أو لا يختلف؟ بالتّوالي وعدم التّوالي فقط، إذا كان السّقط راويان فأكثر يجوز أن يكون مُعْضَلاً، ويجوز أن يكون مُنْقَطِعاً، صح؟ إذا كان السّقط بالتّوالي فهو مُعْضَل، وإذا كان السّقط مُتَفَرِّقاً فهو مُنْقَطِع.
"وكذا إِنْ سَقَطَ واحدٌ فقط، أَو أَكثرُ مِن اثنينِ، لكنَّ بشرطِ عدمِ التَّوالي، ثمَّ إِنَّ السَّقطَ مِن الإِسنادِ قدْ يَكونُ واضِحاً يحصُلُ الاشْتِراكُ في معرفَتِه"، أي بين الحذّاق والجهابذة وغيرهم من الطلبة.
"ثمَّ إِنَّ السَّقطَ مِن الإِسنادِ قدْ يَكونُ واضِحاً"، واضح لا خفاء فيه، فيعرفه الجِهْبِذ النّاقد، ويعرفه طالب العلم الــمُبْتَدئ حتّى.
"يحصُلُ الاشْتِراكُ في معرفَتِه بكَوْنِ الرَّاوي مثلاً لم يُعْاصِرْ مَن روى عنهُ"، لم يُعاصِرْه، لم يعش هو والرّاوي عنه في عصر واحد، في زمن واحد، خلاص عُرِف الأمر.
كأن يروي مثلاً الإمام أحمد عن ابن عُمر، فيه أحد لا يعلم أنّ هذا مُنْقَطِع؟ صغار الطّلبة الذي يعرفون الطّبقات يعرفون أنّ هذا من قبيل الــمُنْقَطِع، هو من قبيل الــمُعْضَل طبعاً، لكن فقط للتّمثيل بشيء واضح.
الآن لو قلنا من رواية مالك عن ابن عمر، حتّى يكون التّمثيل صحيح.
مالك عن ابن عمر هو منقطع لماذا؟ لأنّ مالكًا لم يُعاصِر، لم يعش في الزّمن الذي عاش فيه ابن عمر، فهذا انقطاع واضح ظاهر، لا يخفى على أحد.
"أَوْ يكونُ خَفِيّاً"، أي قد يكون السّقط خَفِيًّا ليس واضحاً.
"فلا يُدْرِكُهُ إِلاَّ الأئمَّةُ الحُذَّاقُ المُطَّلِعونَ على طُرُقِ الحديثِ وعِلَلِ الأسانيدِ، فالأَوَّلُ وهُو الواضحُ يُدْرَكُ بعَدمِ التَّلاقي"، كيف تستطيع أن تعرف الواضح؟ بعدم التّلاقي.
مالك عن ابن عمر، خلاص مالك لم يعش في زمن ابن عمر، انتهى الأمر.
"بينَ الرَّاوِي وشيخِهِ بكونِه لمْ يُدْرِكْ عصْرَهُ أَو أَدْرَكَهُ لكنَّهما لم يجْتَمِعا، وليستْ لهُ منهُ إِجازةٌ ولا وِجَادَةٌ"، ستأتي الإجازة والوجادة في صورها إن شاء الله.
الإجازة: يقول لتلميذه مثلاً أو لأحد الرّواة: أَجَزْتُك أن تروي عنّي، هذه تُسَمَّى إجازة.
الوِجادة: أن يجد له أحاديث في كتاب فيرويها عنه، هذه تُسَمَّى وِجادة.
واليوم الكُتُب التي بين أيدينا كلّنا نروي فيها ونحكي عنها وِجادة.
"ومِنْ ثَمَّ احْتِيجَ إِلى التَّاريخِ"، أي من أجل أنّ بعض الرّواة لم يحصل لهم اللّقاء المذكور اُحْتِيج إلى التّاريخ لمعرفة من لقي ممّن لم يلق.
"لتضمُّنِهِ": أي التّاريخ.
"تحريرَ مواليدِ الرُّواةِ ووَفياتِهِم وأَوقاتِ طَلَبِهِم وارْتِحالِهم"، يعني الوقت الذي طلبوا فيه العلم، طلب في السّابعة، طلب في الثّامنة، لأنّ هذا ينفع عندما يروي عن شيخ ويكون الشّيخ مثلاً مات في سنة ما، نريد أن نعرف هذا متى وُلِد، ومتى طلب العلم؟ فإن وُلِد في سنة، وطلب العلم في أخرى، فننظر متى طلب العلم حتّى نعرف أسَمِع من ذاك الشّيخ أم لم يسمع؟ إن وُلِد في سنٍّ ما حتّى وإن كان من الممكن أن يعيش في عصره لا ينفعه ذلك، لأنّه ما طلب العلم إلاّ بعد فترة من الزّمن مثلاً.
فإذن معرفة أوقات الطّلب، ومعرفة وقت الرِّحلة أيضاً، عندما يكون شيخ في بلاد الشامّ وآخر في العراق، إذا كان الشّيخ مات في سنة ثلاثين، والآخر رحل في سنة اثنين وثلاثين، يكون أدركه؟ ما يكون أدركه، لأنّ هذه كلها تحتاج تدقيقها وكتابتها في كتب التّاريخ هذه تنفعنا لمعرفة الــمُتَّصِل من الــمُنْقَطِع.
قال:"وقد افْتُضِحَ أَقوامٌ ادَّعَوا الرِّوايةَ عن شيوخٍ ظهرَ بالتَّاريخِ كَذِبُ دعْواهُم". أقوام قد ادّعوا أنّهم قد رأوا الشّيخ الفلاني، وسمع منه، بعد أن نُظِر في التّاريخ وجدوا أنّ هذا تاريخه لا يصلح أن يكون قد أدرك هذا الشّيخ.
"وَالقسمُ الثَّانِي: وهو الخَفِيُّ"، الذي تقدّم ذكره.
"المُدَلَّسُ؛ بفتحِ اللاَّمِ، سُمِّي بذلك لكونِ الرَّاوي لم يُسَمِّ مَن حَدَّثَهُ"، أسقطه، وروى عمّن لم يسمع منه تلك الرّواية.
"وأَوهَمَ سماعَهُ للحَديثِ مِمَّن لم يُحَدِّثْهُ بهِ، واشْتِقاقُهُ مِن الدَّلَسِ بالتَّحريكِ وهو اختلاطُ الظَّلامِ بالنُّورِ"، هذا أصله اللّغوي.
"سُمِّيَ بذلك لاشتراكِهِما في الخَفاءِ"، لأنّ الدَّلَس أصلاً اختلاط الظُّلْمة في النّور، فاختلط الأمر، كذلك هنا.
"ويَرِدُ المُدَلَّسُ بِصيغَةٍ مِن صيغِ الأداءِ تَحْتَمِلُ وقوعَ اللقِاء بينَ المُدَلِّسِ ومَن أَسنَدَ عنهُ كَعَن وَكذا قَاَلَ. ومتى وقَعَ"، أي عدم اللُّقُي.
"بصيغةٍ صريحةٍ لا تَجَوُّزَ فيها؛ كانَ كذِباً"، التَّدْلِيس يُفْعَلُ من قِبَل بعض الرُّواة الثِّقات بصيغة فيها احتمال، تَحْتَمِل السّماع وعدم السّماع، من هنا يكون تدليساً.
لكن إذا قال الرّاوي "حدّثنا فلان"، أو "سمعتُ فلاناً"، وهو لم يسمع، وفلان لم يُحَدِّثه، ماذا يكون هذا؟ كذب صريح، ما فيه تدلِيس هنا.
لكن عندما يقول: عن فلان، "عن" بمُقْتَضى اللُّغَة العربية لا تدلّ على السّماع، دلّت على السّماع بالعُرْف، بالشّروط التي ذكرها أهل العُرْف، فإذن كونها لا تدلّ بمُقْتَضى اللّغة العربية على السّماع إذن يصحّ أن يقول: عن فلان، وهو لم يسمع منه، صح وإلاّ لا؟ صحيح.
لذلك كثيرٌ من الثِّقات قالوا: عن فلان، وهم أصلاً لم يلتقوا به، فكان مُنْقَطِعًا، لأنّه ليس صريحاً في السّماع.
فإذن مع وجود الاحتمال في الكلمة نفسها فلا يكون هذا كذِباً، ولا يُسْقِط العدالة.
لكن لا يُقْبَل ممّن عُرِف عنه أنّه يفعل ذلك إلاّ أن يُصَرِّح بالتّحديث فيقول: حدّثنا، أو "سمعتُ"، أو "أخبرنا"، حتّى نقبل منه.
أمّا أن يقول "عن"، أو "قال"، أو "حكى"، أو ما شابه، هذا لا يُقْبَل منه.
ما هي حقيقة التَّدْلِيس؟ أن يروي الرّاوي عن شيخٍ قد سمع منه، سمع منه هو شيخه لكن يأتي لرواية ما فيرويها عنه وهو لم يسمعها منه، تمام؟ هذا هو التّدليس.
من أين سمعها؟ سمعها من تلميذ آخر للشّيخ، أسقطه وروى عن الشّيخ مباشرة، فيظُنُّ السّامع أنّه قد سمع هذه الجملة من شيخه لأنّه يعلم أنّه شيخه، وأنّه روى عنه، وأنّه سمع منه، فهنا يحصل الإيهام، فيتوهّم السّامع أنّ زيداً سمع من عمروٍ تلك الجملة.
هو يعلم أنّه سمع منه في الأصل، وهو صحيح سمع منه في الأصل وهو تلميذه، لكن هذه الجملة بالذّات لم يسمعها منه فأسقط الواسطة ورواها بصيغة تحتمل السّماع كــ "عن"، أو "حكى"، أو "قال"، أو "أنّ فلاناً قال"، إلى آخره، رواها بهذه الصِّيغة ليوهم السّامعين أنّه أخذها عن شيخه.
من عُرِف عنه أنّه يفعل ذلك يُسمَّى ماذا؟ مُدَلِّسًا.
وإذا سُمِّي مُدَلِّسًا فلا يُقْبَلُ خبرُه حتّى يقول: حدّثنا، أو سمعت، أو أخبرنا، أو أنبأنا، أو ما شابه من الصِّيغ الصّريحة في السّماع، واضح؟
"وحُكْمُ مَن ثبتَ عنهُ التَّدليسُ إِذا كانَ عَدْلاً أَنْ لا يُقْبَلَ منهُ إِلاَّ إذا صرَّحَ فيهِ بالتَّحديثِ على الأصحِّ"، ماذا يعني "على الأصحّ"؟ فيه خلاف في المسألة، لكن الصّحيح عند الحافظ وهو الصّحيح - إن شاء الله - هو ما ذُكِرَ هنا:
إذا صرّح بالتّحديث يُقْبَلُ منه، وإذا لم يُصَرِّح فلا.

قال رحمه الله: "وكَذا المُرْسَلُ الخَفِيُّ إِذا صَدَرَ مِنْ مُعاصِرٍ لَمْ يَلْقَ مَن حَدَّثَ عنهُ، بل بينَه وبينَه واسِطةٌ".
قوله: "وكَذا المُرْسَلُ الخَفِيُّ": أي هو مثل المدلس في الرَّد وعدم الاحتجاج به.
وقوله: "إِذا صَدَرَ مِنْ مُعاصِرٍ لَمْ يَلْقَ مَن حَدَّثَ عنهُ، بل بينَه وبينَه واسِطةٌ"،هذه صورة المرسل الخفي.
وتعريفه: هو مَا رَوَاهُ المعاصر لمن روى عَنهُ وَلم يلقه؛ بِلَفْظ موهم للسماع.
فشرطه الأول: المعاصرة، والثاني: عدم اللقي، والثالث: أن يروي عنه مباشرة، والرابع: يروي عنه بصيغة موهمة للسماع كصيغة (عن) مثلاً.
مثال حي: أنا عشت في العصر الذي عاش فيه الشيخ الألباني رحمه الله، ولم ألقه، فإذا قُلتُ: (عن) الشيخ الألباني رحمه الله قال: كذا وكذا، يكون هذا من المرسل الخفي.
فهو مرسل: لأنّه منقطع، بيني وبين الشيخ الألباني واسطة لم تذكر.
وخفيٌّ: لأنني عاصرت الشيخ.
فمن لم يعرف الحقيقة يظنني سمعت منه، وصيغة (عن) توهم السماع، هذا هو المرسل الخفي.
قال رحمه الله:"والفَرْقُ بينَ المُدَلَّسِ والمُرْسَلِ الخفيِّ دقيقٌ حَصَلَ تحريرُه بما ذُكِرَ هنا: وهو أَنَّ التَّدليسَ يختصُّ بمَن روى عمَّن عُرِفَ لقاؤهُ إِيَّاهُ، فأَمَّا إِن عاصَرَهُ ولم يُعْرَفْ أَنَّه لقِيَهُ؛ فَهُو المُرْسَلُ الخَفِيُّ".
هذا هو الفرق بين المدَلّس والمرسل الخفي، وهو أنّ المدَلَّس: قد لقي المدّلِّسُ شيخَه الذي يروي عنه وسمع منه، بخلاف صاحب المرسل الخفي فإنّه عاصره ولكنه لم يلقه ولم يسمع منه، هذا واضح الآن.
قال رحمه الله: "ومَن أَدْخَلَ في تعريفِ التَّدليسِ المُعاصَرَةَ ولو بغيرِ لُقي؛ لزِمَهُ دُخولُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ في تعريفِهِ، والصَّوابُ التَّفرقةُ بينَهُما".
أي ومن جعل الراوي المعاصِر لغيره ولم يلقه إذا روى عنه داخل في ضمن التدليس كما فعل النووي والعراقي، فقد ادخل المرسل الخفي في التدليس، والصواب التفريق بينهما بما ذكر المؤلف.
قال المؤلف:"ويدلُّ على أَنَّ اعتبارَ اللُّقي في التَّدليسِ دونَ المُعاصرةِ وحْدَها لابُدَّ منهُ؛ إِطْباقُ أَهلِ العلمِ بالحديثِ على أَنَّ روايةَ المُخَضْرَمينَ؛ كأَبي عُثمانَ النَّهْديِّ وقيسِ بنِ أَبي حازِمٍ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ مِن قبيلِ الإِرسالِ لا مِن قَبيلِ التَّدليسِ".
الآن المؤلف يستدل على صحة تفريقه بين المدلَّس والمرسل الخفي بما ذكر، بأنّ العلماء متفقون جميعا على أنّ رواية المخضرمين عن النبي صلى الله عليه وسلم من الإرسال لا من التدليس.
والمخضرمون هم الذين أدركوا عصر النبي صلى الله عليه وسلم ولكنهم لم يلقوه، كأبي عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم، فأدركوا الجاهلية والإسلام.
فهولاء أدركوا النبيَ وعاشوا في عصره ولكنهم لم يلتقوا به، وعدَّ العلماء روايتهم عن النبي مباشرة من غير واسطة من المرسل لا من المدلس، فهذا دليل قوي للمؤلف على ما قال.
قال رحمه الله: "ولو كانَ مجرَّدُ المُعاصرةِ يُكْتَفى بهِ في التَّدليسِ؛ لكانَ هؤلاءِ مُدلِّسينَ لأنَّهْم عاصَروا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ قطعاً، ولكنْ لمْ يُعْرَفْ هل لَقُوهُ أَمْ لا؟"، فعدم وصفهم بالتدليس من قِبَل علماء الحديث مع معاصرتهم للنبي وروايتهم عنه مباشرة وعدم لقيه دليل على أنّ ذلك ليس بتدليس بل إرسال.
قال رحمه الله: "وممَّن قالَ باشْتِراطِ اللِّقاءِ في التَّدليسِ الإِمامُ الشافعيُّ وأَبو بكرٍ البزَّارُ ، وكلامُ الخطيبِ في «الكِفايةِ» يقتَضيهِ، وهُو المُعْتَمَدُ"، فبعد أن ذكر الدليل على ما قال ذكر من قال بقوله من العلماء.
قال: "ويُعْرَفُ عدمُ المُلاقاةِ بإِخبارِهِ عنْ نفسِهِ بذلك، أَو بجَزْمِ إِمامٍ مُطَّلعٍ".
بما أننا عرفنا الفارق بين التدليس والإرسال وهو الملاقاة، فكيف نعرف أنّ الراوي لم يلقَّ من روى عنه؟
قال المؤلف مجيبا عن هذا السؤال: يُعرف بأن يخبر المرسِل نفسه عن نفسه أنّه لم يلقه، أو بأن ينصَّ إمامٌ من أئمة الحديث ومعرفة الرجال على أنّه لم يلقه، وهذا نجده منصوصاً عليه في كتب الرجال.

قال: "ولا يَكْفي أَنْ يَقَعَ في بعض الطُّرُقِ زيادةُ راوٍ أَو أَكثرَ بينَهُما؛ لاحتمال أَنْ يكونَ مِن المزيدِ".
يعني إذا وجدت الراوي روى عن الراوي الذي نريد أن نعرف ألقيه أم لا؛ إذا وجدت له رواية يرويها عن ذاك الراوي وبينهما راوٍ آخر فلا تسدل بذلك على أنّه لم يلقه، فتقول بما أنّه يروي عنه هنا بواسطة إذا لم يلقه، قال المؤلف: لأنّه ربما يكون وجود الراوي بينهما خطأ وهو المزيد في متصل الأسانيد، يعني وجود راوٍ زائد في إسناد متصل.

قال: "ولا يُحْكَمُ في هذه الصُّورةِ"، التي وقعت في بعض طرقها زيادة راوٍ.
"بحُكْمٍ كُلِّيٍّ"،أي حكم عام يشمل جميع الروايات التي من هذا النوع.
"لتَعارُضِ احتمالِ الاتِّصالِ والانْقِطاعِ"،أي لا يحكم لها بحكم كلي لوجود احتمالين متعارضين فيها وهما الاتصال والانقطاع ولا مرجح لأحدهما.
"وقد صنَّفَ فيهِ الخَطيبُ كتابَ «التَّفصيلِ لمُبْهَمِ المراسيلِ»، وكتاب «المزيدِ في مُتَّصِلِ الأسانيدِ»".
صنف الخطيب في المرسل الخفي وفي المزيد في متصل الأسانيد الكتابين المذكورين.
"و انْتَهَتْ هُنا أحُكمِ السَّاقِطِ مِن الإِسنادِ".


طيب، نكتفي بهذا القدر - إن شاء الله –

آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 13-03-2013 الساعة 09:58
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-12-2012, 07:45   #15
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ المجلس الخامس عشر من شرح نزهة النظر

تفريغ المجلس الخامس عشر من شرح نزهة النظر

قسَّم المصنِّف رحمه الله الحديث إلى: مقبول، ومردود، ثمّ قال: "المردود إمّا أن يكون لسَقْطٍ، أو طعن".
المردود: أي الحديث المردود، إمّا أن يكون مردوداً لحصول سَقْطٍ في إسناده، أو لحصول طَعْن في أحد رواته.
وهذا كلُّه قد تقدّم من قول الــمُصَنِّف، ثمّ فصَّل في مسألة السّقط وذكر أنواعاً:
ذكر الــمُعَلَّق، وذكر الــمُنْقَطِع، والــمُعْضَل، والــمُدَلَّس، والــمُرْسَل، والــمُرْسَل الخفيّ، كم نوع؟
ستّة أنواع من العيوب التي تكون في الحديث بسبب السّقط، انتهينا من هذا كلُّه في الدّروس الماضية.
قال: "إمّا يكون لسقطٍ، أو طعن"، ثمّ أخذ يُفَصِّل في السّقط على ما تقدّم.
ثمّ قال: "ثمَّ الطَّعْنُبعد أن فصّل في السّقط وبيّن، وذكر الأنواع الستّة.
قال: "ثمَّ الطَّعْنُ يكونُ بعشرةِ أَشياءَعشر أشياء، يكون الطّعن في الحديث بها.
"بعضُها يكون أَشدُّ في القَدْحِ مِن بعضٍأي هي متفاوتة، رُتَب.
بعضها الطّعن في الحديث بسببها يكون أشدّ من البعض الآخر.
"خمسةٌ منها تتعلَّقُ بالعدالَةِ، وخمسةٌ تتعلَّقُ بالضَّبْطِ"، خمسة يُطْعَنُ في الرّاوي بسبب عدالته، وخمسة يُطْعَنُ في الرّاوي بسبب حفظه، هذه هي العشرة التي يُضعَّف الحديث بسبب الطّعن في الرّاوي.
"ولم يَحْصُلِ الاعتناءُ بتمييزِ أَحدِ القِسمينِ مِن الآخَرِ"، أي بأن يُبيِّن جميع ما يتعلّق بالعدالة على حدى، وجميع ما يتعلّق بالضّبط على حدى، فيحصل التّمييز بينهما.
"لمصلحةٍ اقْتَضَتْ ذلك، وهي ترتيبُها على الأشدِّ فالأشدِّ في موجَبِ الرَّدِّ على سَبيلِ التَّدلِّيعلى سبيل التدلّي، أي بداية بالأعلى نُزُولا إلى الأدنى.
يعني يقول هنا لم يحصل الاعتناء بفصل الانواع التي تتعلّق بالعدالة على الأنواع التي تتعلّق بالحفظ، لماذا؟
لمصلحة هي أهمّ من هذا، ما هي؟ هي التّرتيب على حسب القُوَّة وشِدَّة الطّعن، فيعني كلامه بأنِّي عندي طريقتين لترتيب هذا الموضوع:
الطّريقة الأولى: أن أفصل ما يتعلّق بالعدالة عمّا يتعلّق بالحفظ، فأُقَدِّم مثلاً ما يتعلّق بالعدالة ثمّ بعد ذلك أُثَنِّي ما يتعلّق بالحفظ.
أو الطّريقة الثّانية وهي: أن أُدْخِلْهُما في بعضهما ولكن أُقَدِّم الأشدّ فالأشدّ.
هاتان طريقتان في التّرتيب، فأهمل الطّريقة الأولى كي يحافظ على الطريقة الثّانية، واضح الكلام الآن؟ الكلام كلّه فقط يُبَيِّن لماذا رتّب الكتاب بالطّريقة التي مشى عليها ولم يُرَاعي قضيّة ما يتعلّق بالعدالة على حدى، وما يتعلّق بالحفظ على حدى، قضيّة ترتيب وتصنيف فقط.
قال:" وهي ترتيبُها على الأشدِّ فالأشدِّ في موجَبِ الرَّدِّ على سَبيلِ التَّدلِّي"؛أي بداية بالأعلى نُزُولاً بالأدنى.
"لأنَّ الطَّعْنَ إِمَّا أَنْ يكونَ لِكَذِبِ الرَّاوِي": بدأ الآن، بدأ يُبَيِّن لك الطّعن في الحديث ماهي أسبابه؟
الأولى قال:"إِمَّا أَنْ يكونَ لِكَذِبِ الرَّاوِي": هذا القسم الأوّل، تمام؟
"إِمَّا أَنْ يكونَ لِكَذِبِ الرَّاوِي في الحديثِ النبويِّ بأَنْ يرويَ عنهُ صلى الله عليه وسلم ما لمْ يَقُلْهُ متَعمِّداً لذلك". هذا معنى كذب الرّاوي: أن يَرْوِيَ حديثاً عن النّبي صلى الله عليه وسلم لم يقله صلى الله عليه وسلم، مُتَعَمِّدًا لهذا الفعل، هذا هو الكذّاب.
يُقال فيه عند علماء الجرح والتّعديل: كذّابٌ.
"أو تُهْمَتِهِ بذلكَ"؛ هذا القسم الثّاني.
"أو تُهْمَتِهِ بذلكَ"؛ تُهْمَتِه بماذا؟ تُهْمَتِه بالكذب.
"بأَنْ لا يُرْوى ذلك الحديثُ إِلاَّ مِن جِهتِهِ"، كيف نتّهمه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يروي حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ونعلم أنّ هذا الحديث مكذوب، ولا يُرْوى الحديث إلاّ من طريقه هو، لا يرويه غيره، فهنا نتّهمه بأنّه هو الذي كذب هذا الحديث، ولكنّنا لا نَجْزِم، لذلك نتّهمه اتِّهاماً.
"ويكونَ مُخالِفاً للقواعِدِ المعلومةِ"، كيف نعلم أنّ الحديث موضوع؟ بمخالفته لقواعد الشّريعة المعلومة.
"وكذا مَنْ عُرِفَ بالكذبِ في كلامِهِ"، نوعٌ ثانٍ، يُتَّهَمُ الرّجل بالكذب لأمرين - لسببين -:
الأوّل: أن يتفرّد بحديث لا يُعْرَف هذا الحديث إلاّ من جهة هذا الرّجل، ونعلم أنّ هذا الحديث لم يَقُلْه النبي صلى الله عليه وسلم من باب أنّه مخالفٌ لقواعد الشّريعة المعلومة.
الحالة الثّانية: أن يُعْرَف الرّجل بالكذب في حديث النّاس.
"و إِنْ لم يَظْهَرْ منهُ وقوعُ ذلك في الحَديثِ النبويِّ"، يُعْرَف أنّ الرّجل كذّاب بينهم، لكن لم يرد عنه حديثٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه كذبه، ولا يُعْرَف عنه أنّه كذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن كونه معروفاً بالكذب في حديث النّاس يجعلنا نتّهمه بالكذب، لأنّه أصبح محلّ تهمة، ربّما يكذب على النّبي صلى الله عليه وسلم كونه يتساهل بالكذب في حديث النّاس.
"وهذا دُونَ الأوَّلِ". أقلّ حالة من الأوّل، لأنّ الأوّل أشدّ.
"أَو فُحْشِ غَلَطِهِ"؛ هذا القسم كم؟ الثّالث، وسيأتي في كلام الــمُصَنِّف نفسه لكن نحن نستعجل لكي تستطيعون أن ترْبِطوا الأمور ببعضها.
إمّا أن يكون لكذب الرّاوي، هذا القسم هو الذي يُسَمّى الموضوع، أو بتُهْمَتِه بذلك: هذا الذي يُسَمَّى المتروك.
ثمّ قال: "أَو فُحْشِ غَلَطِهِ، أي: كَثْرَتِه"، فيكون كثير الخطأ.
"أَو غَفْلَتِهِ عن الإِتْقانِ"، هذا القسم الرّابع، غفلته عن الاتقان: أي ذهوله عن اتقان حفظ الأحاديث.
"أَو فِسْقِهِ"، هذا القسم الخامس، "أي: بالفعلِ والقَوْلِ ممَّا لم يبلُغُ الكُفْرَ"، أي يكون الرّاوي فاسقاً، إمّا بسبب قوله، أو بسبب فعله، مالم يبلغ به حدّ الكفر.
"و بينَهُ وبينَ الأوَّلِ عُمومٌ"، أي وبين الفسق وكذب الرّاوي عموم وخصوصٌ مُطْلَق، فالفسق يشمل كذب الرّاوي، وغيره، الكذب من ضمن الفسق، كذّاب، فاسق، فالكذب من ضمن الفسق، لكن الفسق أعمّ، يشمل الكذّاب وغيره، مضبوط؟
"وإِنَّما أُفْرِدَ الأوَّلُ"، الذي هو كذب الرّاوي.
"لكونِ القَدْحِ بهِ أَشدَّ في هذا الفنِّ"، أي له برواية الحديث تعلُّقٌ شديد، فالقدح به يؤثِّر بشدّة في الرّواية، الذي هو الأوّل الذي أفردناه وهو كذب الرّاوي، وإن كان هو من الفسق لكن أفردناه لِعِظَم تعلُّقِه بمسألة الرّواية.
"وأَمَّا الفِسقُ بالمُعْتَقَدِ؛ فسيأْتي بيانُه"، الفسق بالمعتقد يعني الشّخص يكون مُبْتَدِعًا، ضالاًّ، هذا يُعْتَبَر فاسقاً، سيأتي الكلام عن هذا الموضوع عند حديثه عن رواية الــمُبْتَدِع.
"أَو وَهَمِهِ"، هذا القسم السّادس، "بأَنْ يَرْوِيَ على سبيلِ التوهُّمِ"، التوهّم: الذي هو الطّرف المرجوح من الشكّ.
عندنا درجة الشكّ وهو أن يستوي طرفا المعلومة، والرّاجح هو ما يغلب على الظنّ منها، والمرجوح هو الوهم الذي هو أقلّ درجة من الشكّ.
"أَو مُخالَفَتِه"، هذا القسم السّابع، "أَي: للثِّقاتِ، أو جَهالَتِهِ؛ بأَنْ لا يُعْرَفَ فيهِ تعديلٌ و لا تَجريحٌ مُعيَّنٌ".
"أَو بِدْعتِهِ"، هذا القسم التّاسع، "وهي اعتقادُ ما أُحْدِثَ على خِلافِ المَعروفِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم"، البدعة قال:
هي اعتقاد ما أُحْدِث على خلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم، كبدعة الرّفض، وبدعة المعتزلة، وبدعة الخوارج، وغيرها، سيأتي التّفصيل فيها في موضعها إن شاء الله، هذا كلّه سيأتي تفصيله.
"وهي اعتقادُ ما أُحْدِثَ على خِلافِ المَعروفِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لا بِمعانَدَةٍ، بل بنَوْعِ شبهةٍ".
"لا بِمعانَدَةٍ"، قال فيما يذكرون أنّه ما يكون بمعاندة يكون كُفْراً، وأمّا ما يكون بشبهة يكون بدعة مُفَسِّقة.
"أَو سوءِ حِفْظهِ"، وهذا القسم العاشر، هو في البداية كم قال؟ عشرة، هذا العاشر.
"وهِيَ عبارةٌ على أَنْ لا يكونَ غَلَطُهُ أَقلَّ مِن إِصابتِه"، يعني إمّا أن يكون غلطه مساوياً لإصابته، أو أكثر من إصابته، فهذا يكون سيِّء الحفظ.

يبدأ الآن بالتّفصيل:
قال: "فـالقسمُ الأوَّلُ"، وهو الحديث الذي طُعِن فيه بكذب راويه، هذا القسم الأوّل.
قال: "فـالقسمُ الأوَّلُ: وهُو الطَّعْنُ بكَذِبِ الرَّاوي في الحَديثِ النبويِّ هو المَوضوعُ، والحُكْمُ عليهِ بالوَضْعِ إِنَّما هُو بطريقِ الظَّنِّ الغالِبِ لا بالقَطْعِ"، أي لا نجزم يقيناً بأنّ الحديث موضوع، لكن بغلبة الظنّ، الغالب على الظنّ أن هذا مكذوب، وليس عندنا يقين في ذلك ولكن يكفي العمل بغلبة الظنّ.
"إِذ قَدْ يَصْدُقُ الكَذوبُ"، صح؟ قد يصدق وإلاّ لا؟ ما الذي يدلّ على ذلك من الحديث؟
الطالب: حديث أبي هريرة؟
الشيخ: نعم، صدقك وهو كذوب.
"إِذ قَدْ يَصْدُقُ الكَذوبُ، لكنَّ لأهلِ العلمِ بالحديثِ مَلَكَةً قويَّةً يميِّزون بها ذلك".
"مَلَكَةً قويَّةً"، أي مهارة علميّة، أهل الحديث لهم مهارة علمية صارت لهم كالجِبِلَّة.
"يميِّزون بها ذلك"، يعني يُمَيِّزون بها بين الموضوع وغير الموضوع.
"وإِنَّما يقومُ بذلك منهُم مَن يكونُ اِطِّلاعُهُ تامّاً"، كاملاً يعني في معرفة الــمُحَدِّثين والأحاديث، لهم خِبْرة كاملة.
"وذهْنُهُ ثاقِباً"، مُضِيئاً، قويّاً.
"وفهمُهُ قويّاً، ومعرِفتُهُ بالقرائنِ الدَّالَّةِ على ذلك متمَكِّنَةً".
"معرِفتُهُ بالقرائنِ الدَّالَّةِ على ذلك"، أي الدالّة على وضع الحديث، معرفته بقرائن وضع الحديث مُتَمَكِّنة ثابتة راسخة، قويٌّ جدّاً، ومُتَفَنِّنٌ في معرفة الموضوع من غير الموضوع.
"وقد يُعْرَفُ الوضعُ بإِقرارِ واضِعِه"، هذه من طُرُق معرفة الوضع، أن يقول الكذّاب: أنا قد وضعت هذا الحديث، وقد كذبته.
في قول عُمَر بن صُبَيْح: أنا وضعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم.
يعني نسب خطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: أنا وضعتها، خلاص أقرّ على نفسه.
"وقد يُعْرَفُ الوضعُ بإِقرارِ واضِعِه، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: لكنْ لا يُقْطَعُ بذلك"، يعني إن جاء شخص وقال: أنا كذبت على رسول الله وقلت كذا وكذا وكذا، هل نجزم بالفعل بأنّ هذا الحديث الذي ذكره موضوعاً؟
ما نجزم، لا نجزم، لماذا؟ ربّما يكون كذب في هذه أيضاً.
"لاحتمالِ أَنْ يكونَ كَذَبَ في ذلك الإِقرارِ"، كذّاب هو من الأوّل للآخر، فما نستطيع أن نجزم، لكن خلاص يكفينا هذا إذا أقرّ، يكفينا أن نحكم على الحديث بالوضع عملاً بغلبة الظنّ، لا يُشْتَرَط اليقين.
"وفهِمَ منهُ بعضُهم أَنَّهُ لا يُعْمَلُ بذلك الإِقرارِ أَصلاً"، هذا فهمٌ خاطئ، عندما يقول لك: لا يلزم منه القطع، لا يدلّ ذلك على أنّه لا يُعْمَل به لأنّ العمل يكون بالقطع، ويكون بغلبة الظنّ، إن ما تمكنّا أن نصل إلى القطع واليقين فنكتفي بغلبة الظنّ، فلذلك قال الحافظ هنا "وفهِمَ منهُ": يعني من كلام ابن دقيق العيد الذي قال فيه: لكن لا يُقْطَع بذلك، أي لا يُقْطَع بالوضع الحديث بإقرار واضعه بأنّه وضعه.
قال: "وفهِمَ منهُ بعضُهم أَنَّهُ لا يُعْمَلُ بذلك الإِقرارِ أَصلاً، وليسَ ذلكَ مرادَهُ"، ردّ الحافظ ابن حجر هذا الفهم، قال ابن دقيق العيد ما أراد هذا، ما أراد أنّنا لا نعمل به أصلاً، ولا نحكم على الحديث بالوضع بسبب هذا.
قال: "وإِنَّما نفى القَطْعَ بذلك"، هو هذا الذي نفاه فقط، قال: لا نقطع به، ليس: لا نعمل به، أو لا نحكم عليه بالوضع لأجل ذلك، لا.
نحكم عليه بالوضع ونعمل على هذا الأساس، ولكن لا نجزم بأنّه موضوع، لكن غلبة الظنّ كافية في العمل.
"ولا يلزَمُ مِن نفيِ القَطْعِ نفيُ الحُكْمِ"، كما ذكرنا لكم، لــمّا أقول لك هذا الحديث لا أقطع بأنّه موضوع لا يعني ذلك أنّني لا أحكم عليه بأنّه موضوع.
لا تلازم بين الأمرين، القطع شيءٌ، والحُكْمُ عليه بالوضع شيءٌ آخر.
أنا أحكم عليه بالوضع، لكن حكمي عليه بالوضع بناءً على غلبة ظنّي.
"لأنَّ الحُكْمَ يقعُ بالظَّنِّ الغالِبِ، وهُو هُنا كذلك"، هذا هو، الحكم على الحديث بالوضع، يكون بالقطع، ويكون بغلبة الظنّ، فإذا انتفى القطع، بقي غلبة الظنّ.
"ولولا ذلك"، أي ولولا أنّ الحكم يقع بغلبة الظنّ.
"ولولا ذلك لَما ساغَ قتْلُ المُقرِّ بالقتلِ"، لماذا؟ شخص جاء وأقرّ على نفسه بأنّه قتل فلان، يُقْتَل به وإلاّ لا؟ يقتل، لكن هل نقطع بأنّه قتله فعلاً؟ ما نقطع، ربّما واحد قَتَل ودفع له مبلغ كبير وقال أعطيه لورثتك وقال له اذهب أنت واعترف عنّي، جائز ولاّ مش جائز؟ إذن لا نقطع بذلك، صح؟
قال: "ولولا ذلك"، لولا أنّنا نعمل بغلبة الظنّ.
"لَما ساغَ قتْلُ المُقرِّ بالقتلِ"، يعني ما جاز لنا أن نحكم على شخص بالقتل بمُجَرَّد أنه اعترف أنّه القاتل، ولكن غلبة الظنّ كافية ومعمول بها، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم حكم بالقتل على من اعترف وأقرّ على نفسه بالفعل.
"ولا رَجْمُ المُعْتَرِفِ بالزِّنى"، ولا جاز لنا أن نرجم من اعترف بالزّنا لأنّه ربّما يكون كاذباً باعترافه بأنّه زنا، والنّبي صلى الله عليه وسلم رجم بالاعتراف، صح؟ رجم ماعز لاعترافه.
"لاحتمالِ أَنْ يكونا كاذِبَيْن فيما اعْتَرَفا به"، هذا كلّه بناءً على ماذا؟ على أنّه يُعْمَل بغلبة الظنّ، والقطع ليس شرطاً في ذلك، فاعتراف الشّخص بالفعل كافٍ في الحكم عليه بالشيء، واضح إلى هنا الكلام؟
"ومِن القَرائنِ الَّتي يُدْرَكُ بها الوَضْعُ"، الآن سيبدأ يذكر لك ماهي القرائن التي بإمكانك معها أن تحكم على الحديث بأنّه موضوع.
"ومِن القَرائنِ الَّتي يُدْرَكُ بها الوَضْعُ ما يؤخَذُ مِن حالِ الرَّاوي؛ كما وقَعَ للمأْمونِ بنِ أَحمدَ أَنَّه ذُكِرَ بحضرَتِه الخلافُ في كونِ الحسنِ سَمِعَ مِن أَبي هُريرةَ أَم لاَ؟ فساقَ في الحالِ إِسناداً إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ: "سمِعَ الحسنُ مِن أَبي هُريرة"، هذا ماذا؟ هذا أقرّ على حاله بأنّه كذّاب، "سمع الحسن من أبي هريرة رضي الله عنه".
يعني كان في مجلس فتنازعوا هل سمع الحسن من أبي هريرة أم لا؟ الحسن هو البصري، وأبو هريرة هو الصّحابي.
هل سمع الحسن البصري من أبي هريرة أم لم يسمع؟
طبعا الإسناد والكلام فيه كلّه جاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ما يُعرِف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه يتكلّم في هذه المواضيع البتّة، فجلس الــمُحَدِّثون يتناقشون هل الحسن سمع من أبي هريرة رضي الله عنه؟
قام رجل فقال: حدّثني فلان عن فلان عن فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سمع الحسن من أبي هريرة" ماذا تريدون بعد هذا؟ خلاص أقرّ على نفسه بأنّه ماذا؟ كذّاب.
"وكما وقعَ لِغياثِ بنِ إِبراهيمَ حيثُ دخَلَ على المَهْدي"، وهو الخليفة في عهد الدّولة العبّاسية.
"فوجَدَهُ يلعبُ بالحَمَام"، معروف الحمام.
"فساقَ في الحالِ إِسناداً إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَّه قالَ: ((لا سَبَقَ إِلاَّ في نَصْلٍ أَو خُفٍّ أَو حافِرٍ أَو جَناحٍ))"، مباشرة حطّ له حديثاً للخليفة هذا من أجل أن يُسَوِّغ له فعله الذي يفعله، لكن مع ذلك، صحيح كان عندهم مجاوزات وعندهم أخطاء، لكن كان عندهم تقوى، عندهم شيء من التّقوى والورع، فماذا فعل هذا الخليفة؟
قال: "فزادَ في الحديثِ: ((أَو جَناحٍ))"، هذا الرّجل، أصل الحديث أصلاً صحيح: "لا سبق إلاّ في نَصْلٍ، أو خُفٍّ، أو حافر" هذا هو الحديث، فهو زاد شيء كي يُرْضِي خليفته "أو جَناح".
"فَعَرَفَ المهديُّ أَنَّه كذبَ لأجلِهِ"، المهدي عرف أنّه كذب هذه الكِذْبة لأجل المهدي.
لماذا يكذب من أجل المهدي؟ يريد الدّنيا، هذه الدنّيا التي غرّت العالم وضيّعت النّاس، يريد الدّنيا، يريد العطاء الذي يعطيه المهدي له.
"فَعَرَفَ المهديُّ أَنَّه كذبَ لأجلِهِ، فأَمرَ بذَبْحِ الحَمَامِ"، قطع هذه الوسيلة نهائياً، ... الحمام كلّه وأمر بذبحه بالكامل حتّى لا يكذب أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لإرضائه بذلك.
فالشّاهد أن هذا يشهد على نفسه بأنّه كذّاب من خلال الحال، القرائن هذه تدلّ أنّ هذا كذب.
"ومِنها ما يُؤخَذُ مِن حالِ المَرويِّ"، ليس من حال الــرّاوي، الآن الحالات الأولى حال الرّاوي أُخِذَت.
الآن تُؤْخَذ من حال الــمَرْوي من نفس الحديث.
"كأَنْ يكونَ مُناقِضاً لنَصِّ القُرآنِ أَو السُّنَّةِ المُتواتِرَةِ أَو الإِجماعِ القطعيِّ أَو صَريحِ العَقْلِ، حيثُ لا يَقْبَلُ شيءٌ مِن ذلك التَّأْويلَ"، أي يأتي حديث إذا عرضته على الكتاب والسنّة وجدته مُنَاقضاً تماماً لكتاب الله أو لسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث إنّك إذا أردت أن توجهه توجيهاً ما لا تجد إلى ذلك سبيلاً، قال عندئذٍ نحكم عليه بأنّه موضوع.
"ثمَّ المَرويُّ تارةً يختَرِعُهُ الواضِعُ، وتارةً يأْخُذُه مِن كلامِ غيرِهِ كبَعْضِ السَّلفِ الصَّالحِ أَو قُدماءِ الحُكماءِ أَو الإِسرائيليَّاتِ، أَو يأْخُذُ حَديثاً ضَعيفَ الإِسنادِ، فيُرَكِّبُ لَهُ إِسناداً صحيحاً ليَرُوجَ".
يقول لك هنا: "ثمَّ المَرويُّ" يعني الحديث الموضوع.
"تارةً يختَرِعُهُ الواضِعُ"، يأتي بكلام من عنده، يُرَكِّب كلام ويضعه هو وينسبه إلى النّبي صلى الله عليه وسلم.
"وتارةً يأْخُذُه مِن كلامِ غيرِهِ كبَعْضِ السَّلفِ الصَّالحِ أَو قُدماءِ الحُكماءِ أَو الإِسرائيليَّاتِ"، يأخذه من أي أحدٍ سمع عنه هذا الكلام فينسبه إلى النّبي صلى الله عليه وسلم، فيكون الكلام أصلاً إمّا لبعض علماء السّلف، أو يكون من الإسرائيليات، أو من حكيم من الحكماء، أو غير ذلك.
"أَو يأْخُذُ حَديثاً ضَعيفَ الإِسنادِ، فيُرَكِّبُ لَهُ إِسناداً صحيحاً ليَرُوجَ"، يعني لكي يروج ويمشي الحديث بين الــمُحَدِّثين عندما يرون حديثا غريباً بإسناد صحيح تجد بعض الرُّواة يتشوّفون لهذا ويُقْبِلون عليه، لذلك هو يفعله كي يروج بين الــمُحَدِّثين ويمشي.
"والحامِلُ للواضِعِ على الوَضْعِ: إِمَّا عَدَمُ الدِّينِ؛ كالزَّنادقةِ"، الزّنادقة هم المنافقون الذي يُظْهِرون الإسلام ويُبْطِنون الكفر، يعني ما الذي يجعل النّاس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول لك النّاس أنواع في هذا:
بعضهم المنافقون، الزّنادقة الذين هدفهم من ذلك هو الطّعن في دين الله.
"أَو غَلَبَةُ الجَهلِ؛ كبعضِ المتعبِّدينَ"، بعض الــمُتَعَبِّدين كانوا يضعون أحاديث كي يُرَغِّبوا النّاس في عملٍ ما، وهذا من جهلهم كانوا يظنّون أنّهم يُحْسِنون صنعاً، وهم يسيؤون صُنْعاً، فقد توعّد الله تبارك وتعالى كما جاء في الأحاديث من كذب عن النبي صلى الله عليه وسلم مُتَعَمِّداً.
"أَو فَرْطُ العَصبيَّةِ؛ كبعضِ المُقلِّدينَ"، يعني شخص مُتَعصِّبٌ، هالكٌ في تعصُّبِه يدفعه تعصّبُه لشيخ مُعَيِّن إلى أن يضع له حديثاً كما جاء في حديث: "أبو حنيفة سراج أمّتي" حديث موضوع مكذوب، لكن من شدّة تعصّب البعض لأبي حنيفة وضعوا له هذا الحديث.
"أَو اتِّباعُ هوى لبعضِ الرُّؤساءِ"، كما تقدّم الذي وضع له حديث "أو جَناح".
"أَو الإِغرابُ لقصدِ الاشتِهارِ"، يضع شيئاَ غريباَ، يأتي بشيء غريب من أجل أن يُعْرَف ويُشْتَهر ما بين النّاس.
هذه الدّنيا: إمّا شهرة ورياسة، أو جمع مال، فالحريص على الدّنيا يفعل ما يُؤَدِّي به إلى الهلاك، نسأل الله العافية.
"وكُلُّ ذلك حَرامٌ بإِجماعِ مَن يُعْتَدُّ بهِ"، لا شك في حُرْمة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغضّ النّظر عن حال النّية، مهما كانت النيّة لا تُبَرِّر هذا الفعل.
"إِلاَّ أَنَّ بعضَ الكَرَّاميَّةِ وبعضَ المُتصوِّفةِ نُقِلَ عنهُم إِباحَةُ الوَضْعِ في التَّرغيبِ والتَّرهيبِ"، ولا عبرة بهؤلاء الكرّامية، فرقة ضالّة تُنْسَب إلى محمّد بن كرّام، من عقائدها التّشبيه، يشبهون الله سبحانه وتعالى بخلقه، ومن عقائدهم الإرجاء، وغير ذلك من العقائد الــمُنْحَرِفة، والـمُتَصَوِّفة معروفون بقلّة علمهم وجهلهم من يومهم.
"وهو خطأ مِن فاعلِهِ، نشَأَ عَن جَهْلٍ؛ لأنَّ التَّرغيبَ والتَّرهيبَ مِن جُملةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ"، كلّ هذا من دين الله، سواء كان في التّرغيب والتّرهيب، أو كان في الأحكام، كلّه من دين الله وكلّها أحاديث نبويّة، فلا يجوز الكذب في ذلك.
"واتَّفقوا على أَنَّ تَعَمُّدَ الكذبِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن الكَبائِرِ"، اتّفقوا على ذلك لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كذب عليّ مُتَعَمِّدًا فلْيَتَبَوَّأ مقعده من النّار".
"وبالَغَ أَبو مُحمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ"، أحد الشّافعيّة.
"فكَفَّرَ مَن تعمَّدَ الكَذِبَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم"، وأنكروا عليه في ذلك وقالوا هي زلّة من الشّيخ.
"واتَّفَقوا على تَحْريمِ روايةِ الموضوعِ إِلاَّ مقروناً ببيانِه"، يعني يحرم أن تروي مُجرَّد رواية الحديث الــمَكْذوب عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي تعلم أنّه موضوع يحرم عليك أن ترويه إلاّ إن بيّنت أنّه مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"إِلاَّ مقروناً ببيانِه؛ لقولِه صلى الله عليه وسلم: ((مَن حَدَّثَ عَنِّي بحديثٍ يُرى أَنَّهُ كذبٌ؛ فهُو أَحدُ الكاذِبَيْنِ))".
"يُرى": أي يُعْتَقد أنّه كذب فهو أحد الكاذبين.
"أَخرجَهُ مسلمٌ".
نتوقّف إلى هنا إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-12-2012, 13:15   #16
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ المجلس السادس عشر من شرح نزهة النظر

تفريغ المجلس السادس عشر من شرح نزهة النظر
بسم الله الرحمن الرحيم
كان المؤلف رحمه الله قد تكلّم عن الطّعن وذكر أقسامه، ثمّ بدأ يُفَصِّل، وانتهينا في الدرس الماضي من التّفصيل الأول وهو الحديث الموضوع والذي كان السّبب في الحُكْمِ عليه بالوضع الطّعن في الرّاوي بكذبه.
فقال: " ثمّ الطّعن إمّا أن يكون لكذب الرّاوي وجعله من القسم الأوّل وقال هو الموضوع.
ثمّ قال رحمه الله: "وَالقسمُ الثَّاني مِن أَقسامِ المَردودِ، وهو ما يكونُ بسبَبِ تُهمَةِ الرَّاوي بالكَذِبِ، وهُو المَتْروكُ".
فالحديث المتروك هو الذي في سنده راوٍ مُتَّهَمٌ بالكذب.
قال: "والثَّالِثُ: المُنْكَرُ"، الثّالث الذي قد "فَحُشَ غلطه".
"والثَّالِثُ: المُنْكَرُ؛ على رَأْيِ مَن لا يَشْتَرِطُ في المُنْكَرِ قيدَ المُخالفةِ"، قلنا المنكر البعض قال هو: مخالفة الضّعيف للثّقات، إذن فاشترط فيه المخالفة، والبعض لم يشترط المخالفة فذكروا أنّ الرّاوي إذا فحُش غلطه أو كثُرَت غفلته أو فسقه، فهنا قالوا هذا يُعْتَبَر من الحديث المنكر.
"وكذا الرَّابِعُ"، وهو الذي كثُرَت غفلته.
"والخَامِسُ"، وهو الذي ظهر فسقه.
"فمَنْ فَحُشَ غَلَطُهُ، أَو كَثُرَتْ غَفلَتُه، أَو ظهَرَ فِسْقُه؛ فحديثُهُ مُنْكَرٌ"، هذا على قول من أقوال أهل العلم في تعريف المنكر.
"ثمَّ الوَهَمُ، وهُو القِسمُ السَّادسُ"، أي رواية الحديث على سبيل التوهّم، وهو القسم السّادس.
"وإِنَّما أَفْصَحَ بهِ لِطولِ الفَصْلِ"، أي عبّر عنه باسمه الصّريح، وكذا بما بعده ولم يقل السّادس كما فعل فيما قبله.
فقال فيما قبله: "وكذا الرَّابِعُ والخَامِسُ"، وأمّا هذا فقال: "ثمَّ الوَهَمُ"، لأنّ الفصل قد طال لذلك عبّر عنه باسمه:
"إِنِ اطُّلعَ عَليهِ، أي: الوَهَمِ، بِالقَرائِنِ الدَّالَّةِ على وَهَمِ راويهِ بوَصْلِ مُرْسَل أَو مُنْقَطع، أَو إِدخال حَديثٍ في حَديثٍ، أَو نحوِ ذلك مِن الأشياءِ القادحةِ، وتَحْصُلُ معرفةُ ذلك بكثرةِ التَّتبُّعِ، وجَمْعِ الطُّرُقِ؛ فـهذا هو المُعَلَّلُ"، فإذن الطّعن في الرّاوي بالوهم يُعْتَبَر الحديث مُعَلَّلا به، وعرفنا نحن أنّ الـمُعَلَّل ما فيه عِلَّة خفيّة قادحة، والعِلَّة الخفيّة القادحة تكون في الحديث بسبب وَهْمِ أحد الثّقات، فإذن الطّعن في الرّاوي بوهمه يؤدّي ذلك إلى وصف حديثه بالــمُعَلَّل، وذكر أنّ الــمُعَلَّل كيف يُعْرَف؟ بالقرائن، وجمع الطُّرُق.
الــمُعَلَّل لا شكّ كما ذكر علي بن المديني وغيره: أنّ الباب إذا لم تُجْمَعُ طُرُقه لم تُعْرَف علَّته، فإذا أردت أن تَعْرِف الــمُعَلَّل، والتّعليل أين يكون؟ يكون في حديث الثِّقات، الاحاديث الــمُعَلَّلة تكون في رواية الثّقات، أمّا الضّعيف خلاص هذا علّته ظاهرة وليست خفيّة، فليس هو من قسم الــمُعَلَّل، الــمُعَلَّل مُخْتَصٌّ بأحاديث الثّقات لأنّنا نريد أن نعرِف هل هذا الثّقة وهم أم لم يهم؟ حفظ؟ لأنّه ما من ثقة إلاّ ويطرأ عليه الوهم، يطرأ عليه الخطأ.
فكيف نعرف أنّه وهم أو لم يهِم؟ نجمع طُرُق الحديث ونقارن رواية الثّقات بعضها ببعض فيتبيّن عندنا الوهم إذا حصل وهم من أحد الرّواة في الحديث فيُسَمَّى الحديث مُعَلَّلاً.
"وهو"، أي الــمُعَلَّل.
"مِن أَغمَضِ أَنواعِ عُلومِ الحديثِ وأَدقِّها"، بل حقيقة اليوم لا يُسَمَّى الــمُحَدِّث مُحَدِّثا حتّى يُتْقِن هذا العلم، حتّى يُتْقِن علم العلل هذا، وهذا العلم يُتْقَنُ بالممارسة، وإكثار المطالعة في كتب العلل، خصوصا العلل للدّارقطني رحمه الله، من أراد أن يجيد التّعليل يُتْقِن قواعد علم العلل وذلك بدراسة كتاب من كتب العلل كتاب القواعد والفوائد التي قعّدها الحافظ ابن رجب رحمه الله في آخر شرحه على علل التّرمذي الصّغير.
فمن درس هذا الكتاب ومارس علم العلل بكثرة المطالعة والاطّلاع في كتاب العلل للدّارقطني - إن شاء الله - سَيُتْقِن هذا الفنّ.
قال: "ولا يقومُ بهِ إلاَّ مَن رَزَقَهُ اللهُ تعالى فهْماً ثاقِباً، وحِفْظاً واسِعاً، ومعرِفةً تامَّةً بمراتِبِ الرُّواةِ".
لأنّ المسألة "معرِفةً تامَّةً بمراتِبِ الرُّواةِ"، بالذاتّ، يعني الحفظ الواسع بإمكانك أن تُعَوِّضه بجمع الطُرُق من خلال طريق من طُرُق الجمع التي سندرسها إن شاء الله بعد الانتهاء من هذا الكتاب، والفهم الثّاقب، والمعرفة التامّة بمراتب الرّواة هذه تأتي من خلال كثرة ممارسة هذا الفنّ والاطّلاع على أحوال الرّواة.
"المعرِفةً التامَّة بمراتِبِ الرُّواةِ" هذه لها دور كبير جدّاً في معرفة الحديث الـمُعَلَّل، وفي ترجيح روايات الثّقات، فتُقَدِّم رواية الأقوى، وتُقَدِّم رواية الذي له خصوصيّة في شيخه وله كثرة مجالسة، وتُقَدِّم رواية أهل البلد على غيرهم، وغيرها من القواعد المعروفة عند الــمُعْتَنين بهذا الفنّ.
قال: "ومَلَكَةً قويَّةً بالأسانيدِ والمُتونِ"، هذه الملكة القويّة لا تأتي إلاّ بعد طول ممارسة، ودراسة تأتي هذه المَلَكة، فتُصْبِح معرفته بالأسانيد والمتون كالجبِلَّة للشّخص، هذا معنى المَلَكَة القويّة التي يحتاجها من يعتني بهذا الفن.
"ولهذا لم يتكلَّمْ فيهِ إِلاَّ قليلُ مِن أَهلِ هذا الشأْنِ؛ كعليِّ بنِ المَدينيِّ، وأَحمدَ بنِ حنبلٍ، والبُخاريِّ، ويَعقوبَ بنِ شَيْبةَ، وأَبي حاتمٍ، وأَبي زُرعةَ"، أي الرّازيان، "والدَّارَقُطنيُّ": علي بن عمر أبو الحسن، وكتابه من أجود ما أُلِّف في هذا العلم، وأثنى العلماء أيضاً على كتاب عليّ بن المديني، ولكن للأسف الكتاب لا توجد منه إلاّ قطعة صغيرة، لكن كتاب الدّارقطني إن شاء الله يُغْنِي عن هذا، ففيه خير كبير.
قال: "وقد تَقْصُرُ عبارةُ المُعَلِّل عَن إِقامةِ الحُجَّة على دَعْواهُ"، يعني بعض علماء العلل ربّما يقول لك في حديث ما هذا حديث مُعَلَّل، هذا الحديث ليس من حديث النّبي صلى الله عليه وسلم، تقول له الدّليل؟ ما يستطيع، لا يستطيع أن يأتيك بالدّليل، كيف عرف طيب؟
قال: "كالصَّيْرَفيِّ في نَقْدِ الدِّينارِ والدِّرهَمِ"، الصّيرفي يمسك الدّينار أو الدِّرْهم يعمل لها هكذا في يده، يقول لك هذا مُزَوَّر، من أين عرف؟ تقول له ما دليلك؟ لا يجيب، خلاص، هو يعرف، خِبْرَة طويلة، هذا هو.
قال لك: "وقد تَقْصُرُ عبارةُ المُعَلِّل عَن إِقامةِ الحُجَّة على دَعْواهُ؛ كالصَّيْرَفيِّ في نَقْدِ الدِّينارِ والدِّرهَمِ".
الصّيرفي: هو الخبير بالدّنانير والدّراهم الجيّدة من الرّديئة، الحقيقيّة من الـمُزَوَّرة.
الطالب: تؤخذ بخِبْرَته على طول؟
الشيخ: نعم، طبعاً، تؤخذ بخبرته مثل الإمام أحمد أو الدّارقطني، أو أبو زرعة الرّازي، أو أبو حاتم الرّأزي، عندما يقول لك هذا حديث مُعَلّل فما لك إلاّ أن تُسَلِّم لهم بمثل هذا، هؤلاء كبار أئمّة لهم ملكة، ولهم شأن في هذا الفنّ، لكن ليس كلّ من ادّعى هذه الدّعوى يُسَلَّم له أنّه من أهل العلم في هذا الميدان، نعم.
"والدّينار"، الذي هو الدّينار من الذهب، كانت دنانيرهم ذهب، والدّراهم التي هي من الفضّة، وكانت تُزَوَّر كما تُزَوَّر العملات اليوم.
"ثمَّ المُخالفَةُ: وهو القسمُ السابعُ"، الطّعن يكون بالمخالفة، وهو القسم السّابع.
"إِنْ كانتْ واقعةً بـسببِ تَغْييرِ السِّياقِ، أي: سياقِ الإسنادِ؛ فـالواقعُ فيهِ ذلك التَّغييرُ مُدْرَجُ الإِسْنادِ".
إذن هذا القسم هو القسم الـمُدْرَج.
الآن الطّعن في الحديث بسبب مخالفة الرّاوي سيُعْطِينا أقسام من أقسام علوم الحديث وليس قسما واحداً:
أوّلها: الــــمُدرج.
الـمُدْرَج حقيقته: مأخوذ من الإدراج وهو الإدخال، إذا أدخلت الشّيء في الشّيء قلت أَدْرَجْتُه فيه، هذا أصله في اللّغة
أمّا في الاصطلاح: فله علاقة أيضا باللّغة، فهو إدخال إسناد في إسناد، أو إدخال إسناد في متن، أو إدخال متن في إسناد، أو إدخال متن في متن.
فهذا الإدخال يحصل بسبب الوهم والخطأ، فهذا الإدخال إذا خالف فيه الرّاوي غيره وحصل منه هذا الإدخال يُسَمّى هذا الإدخال إدراجاً وهو الــمُدْرَج.
وذكر المؤلف رحمه الله أنّ الــمُدْرَج منه ما هو مُدْرَج الإسناد، ومنه ما هو مُدْرَج المتن.
بقوله: "فـالواقعُ فيهِ ذلك التَّغييرُ مُدْرَجُ الإِسْنادِ"، في إشارة إلى أنّه هناك مُدْرَج آخر وهو مُدْرَج المتن.
قال:"وهو أَقسامٌ:"، أي الــمُدْرَج.
"الأوَّلُ: أَنْ يَرْوِيَ جماعةٌ الحديثَ بأَسانيدَ مُختلفةٍ، فيرويهِ عنهُم راوٍ، فيَجْمَعُ الكُلَّ على إِسنادٍ واحِدٍ مِن تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبَيِّنُ الاختلافَ"، هذا القسم الأوّل من أقسام مُدْرَج الإسناد.
"أَنْ يَرْوِيَ جماعةٌ الحديثَ بأَسانيدَ مُختلفةٍ"، مثاله: واصل، ومنصور، والأعمش، ثلاثة، يروون حديثاً.
منصور والأعمش يرويانه عن أبي وائل عن عَمْرٍو بن شُرَحْبِيل عن ابن مسعود قال: قلت: "يا رسول الله، أيُّ الذّنب أعظم؟..." الحديث.
لاحظوا الحديث الآن، احفظوا الإسناد.
منصور والأعمش يرويان عن مَنْ؟ عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود.
فإذن منصور والأعمش يرويان الإسناد بثلاثة رجال، تمام.
وواصل يروي الحديث عن أبي وائل عن ابن مسعود، رواه بكم رجل؟ برجلين.
فهؤلاء الجماعة الذين هم: واصل، ومنصور، والأعمش، يروون الحديث بأسانيد مختلفة، تمام؟
نرجع إلى كلام الحافظ قال: "أَنْ يَرْوِيَ جماعةٌ"، وهم واصل، ومنصور، والأعمش.
"الحديثَ بأَسانيدَ مُختلفةٍ، فيرويهِ عنهُم راوٍ"، دعونا نأتي براوٍ عنهم، ولنقل مثلاً سفيان الثّوري رواه عن واصل وعن منصور وعن الأعمش، تمام.
"فيرويهِ عنهُم راوٍ، فيَجْمَعُ الكُلَّ على إِسنادٍ واحِدٍ"، فماذا يفعل؟
يقول حدّثنا واصل ومنصور والأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود عن النّبي صلى الله عليه وسلم.
وضحت الصّورة الآن؟ خطأ ولاّ مش خطأ؟
نعيد: الآن فلنقل مثلاً: عبد الحميد، وأبو جعفر، وأبو معاذ، ثلاثة يروون حديثاً عنّي عنك يا أبا علي، تمام؟ عن محمود، تمام؟ الآن عبد الحميد روى نفس الحديث لكن أسقطك لم يذكرك، واضح؟
أنت الآن لم تُذْكَرْ في رواية من؟ في رواية عبد الحميد، في رواية أبي جعفر ورواية أبي معاذ ذُكِرْت، تمام؟
يأتي محمّد حرز الله، ماذا يفعل؟ يروي الحديث عن هؤلاء الشّيوخ الثلاثة، روايتهم نفس الشّيء؟ لا، صح؟ نعم
هو ماذا يفعل؟ يأخذ عن هؤلاء الثّلاث ويروي الإسناد بصورة واحدة، أنت موجود فيها لكن حقيقة عبد الحميد يذكرك في الإسناد؟ لا.
إذن ماذا فعل؟ أدرج، أدخل إسناد عبد الحميد في إسناد أبي جعفر وأبي معاذ؟ تمام هكذا؟ طيب.
"أَنْ يَرْوِيَ جماعةٌ الحديثَ"، الجماعة عندنا هؤلاء الثّلاثة.
"بأَسانيدَ مُختلفةٍ"، الآن أسانيدهم مختلفة سواء بإسنادين أو ثلاثة، ولو قلنا كلّ واحد إسناد مختلف تصبح ... أسانيد مختلفة.
"فيرويهِ عنهُم راوٍ"، يأخذ إسناد واحد مثلاً، صورة واحدة ويرويه عن الثّلاثة بنفس الصّورة.
"فيَجْمَعُ الكُلَّ على إِسنادٍ واحِدٍ مِن تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبَيِّنُ الاختلافَ"، واضح إلى هنا؟.
هذا كيف نعرفه؟ بعد جمع طُرُق الحديث، فنجد بعض الرّواة غير سفيان الثّوري في المثال، ومحمّد حرز الله في المثال الذي عندنا، نجدهم يُفَصِّلون مثلا:
يأتينا أبو حنيفة، أخونا أبو حنيفة فيروي الحديث عن هؤلاء الثّلاث، يرويه عن أبي معاذ، وعن أبي جعفر عنّي عنك عن محمود.
ويرويه عن عبد الحميد عنّي عن محمود مباشرة، واضح؟ فيتّضح لنا من ذلك أنّ محمّد حرز الله ماذا فعل؟ أدرج في الإسناد.
"الثَّاني: أَنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إِلاَّ طَرفاً منهُ؛ فإِنَّه عندَه بإِسنادٍ آخَرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامّاً بالإِسنادِ الأوَّلِ".
طبعاً ليست مفهوم بعض الشيء؟ بالمثال يتّضح -إن شاء الله-
مثاله: حديث سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزّهري عن أنس مرفوعاً: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا" كم واحدة الآن؟ أربعة.
الحديث الآن هذا يرويه سعيد بن أبي مريم عن من؟ عن مالك عن الزّهري عن أنس، واضح؟ بذكر أربع خصال منهي عنها.
هذا الحديث حقيقةً مالك لا يذكر فيه كلمة: "ولا تنافسوا"، يذكر فقط ثلاثة "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا"، لكن "ولا تنافسوا" يرويه مالك بإسناد آخر وهو ماذا؟
مالك عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة، تمام؟
فماذا فعل سعيد بن أبي مريم؟ أخذ هذه الزّيادة "ولا تنافسوا" فأدخلها على الإسناد الأوّل لمالك وحذف الإسناد الثّاني، وضحت الصّورة الآن؟ تمام؟ طيّب.
الآن فلنقل: لي حديثان أرويهما بإسنادين مختلفين، تمام؟
حديث أقول فيه مثلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا"، أروي هذا الحديث عن عبد الحميد عن النبي صلى الله عليه وسلم، تمام؟
وأروي حديثا آخر عن محمّد حرز الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أقول فيه ماذا؟: "لا تنافسوا"، جيّد؟ واضح إلى هنا؟ طيّب.
يأتي محمود يروي عنّي الحديثين من روايتي عن عبد الحميد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيذكر ما أرويه عن عبد الحميد عن النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر ما أرويه عن محمّد حرز الله ولكن لا يذكر الإسناد الثّاني، يجمع بينهما ويسقط أحد الإسنادين، فيضيف الزّيادة التي في الحديث الثّاني على الحديث الأوّل، تمام؟ طيّب.
هذه الصّورة هي الصّورة الثّانية.
قال: "أَنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ"، الآن المتن الذي عند مالك: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا" هذا متن عند مالك.
"أَنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إِلاَّ طَرفاً منهُ"، وهو "ولا تنافسوا" هذه ليست فيه.
"فإِنَّه عندَه بإِسنادٍ آخَرَ"، كلمة: "ولا تنافسوا" عند مالك، ولكنّها بإسناد آخر، إسناد عن أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وليست بإسناد الزّهري عن أنس.
"فيرويهِ راوٍ"، وهو سعيد بن أبي مريم.
"عنهُ"، أي عن مالك.
"تامّاً بالإِسنادِ الأوَّلِ". الذي هو من رواية مالك عن الزّهري عن أنس فيرويه ويزيد فيه كلمة "ولا تنافسوا" التي رواها مالك أصلاً بإسناده عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وضحت الصّورة؟ طيب.
"ومنه"، ومن هذه الصّورة أيضاً.
"ومنهُ أَنْ يسمَعَ الحديثَ مِن شيخِهِ إِلاَّ طرفاً منهُ فيسمَعَهُ عَن شيخِهِ بواسطةٍ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامّاً بحَذْفِ الواسِطةِ"، طيب.
قال:"ومنهُ أَنْ يسمَعَ الحديثَ مِن شيخِهِ"، ولنقل أنا الآن شيخي عبد الحميد، تمام؟
"إِلاَّ طرفاً منهُ"، فلنقل الحديث "لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تدابروا ولا تنافسوا" أربع فقرات من الحديث.
أنا سمعت الحديث من عبد الحميد بثلاث فقرات فقط، تمام؟ ثمّ أخذت الحديث وسمعته عن أبي جعفر عن عبد الحميد نفسه بزيادة فيه وهي زيادة ولا تنافسوا، تمام؟ فيأتي أحد الرّواة ماذا يفعل؟ يحذف أبا جعفر ويروي الحديث تامّاً عني عن عبد الحميد مباشرة بالفقرات الأربع، مع أنّ الفقرة الرّابعة لم أسمعها من عبد الحميد مباشرة، أنا سمعتها من أبي جعفر عن عبد الحميد، واضح الصّورة الآن؟ طيب
"الثَّالِثُ: أَنْ يكونَ عندَ الرَّاوي متْنانِ مُخْتَلِفان بإِسنادينِ مختلفينِ"، عنده حديثان مختلفان تماماً، مالك مثلاً يروي حديثين مختلفين بالإسناد والمتن.
"فيرويهِما راوٍ عنهُ مُقتَصِراً على أَحدِ الإِسنادينِ"، فيروي المتنين، يأخذ المتنين ويرويهما عن مالك بإسناد واحد، والإسناد الثّاني يحذفه، هذه واضحة، طيب.
"أَو يروي أَحَدَ الحَديثينِ بإِسنادِهِ الخاصِّ بهِ، لكنْ يزيدُ فيهِ مِن المَتْنِ الآخَرِ ما ليسَ في الأوَّلِ"، يُدخل أحد الحديثين في الآخر.
"أَو يروي أَحَدَ الحَديثينِ بإِسنادِهِ الخاصِّ بهِ"، يعني يروي أحد الحديثين بإسناد هذا الحديث، ما يخلط في الموضوع، هذا الحديث يذكره بإسناده، صحيح.
"لكنْ يزيدُ فيهِ مِن المَتْنِ الآخَرِ ما ليسَ في الأوَّلِ"، يأخذ جزء من المتن الثّاني ويضعه في الحديث الأوّل، واضح؟
"الرَّابعُ: أَنْ يسوقَ الإِسنادَ، فيَعْرِضُ لهُ عارِضٌ، فيقولُ كلاماً مِن قِبَلِ نفسِهِ، فيظنُّ بعضُ مَن سَمِعَهُ أَنَّ ذلكَ الكلامَ هُو متنُ ذلكَ الإسنادِ، فيَرويهِ عنهُ كذلك، هذهِ أَقسامُ مُدْرَجِ الإِسنادِ".
الصّورة الرّابعة، كما حصل في الواقع في قصّة.
حديث رواه ابن ماجة عن إسماعيل الطّلحي عن ثابت بن موسى العابد الزّاهد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعاً: "من كثُرَتْ صلاتُه باللّيل حَسُن وجهه بالنّهار".
الآن هذا الحديث يرويه ثابت العابد هذا عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
الإسناد جيّد لكن الإشكال أين؟ أنّ المتن الذي هو قوله: "من كثرت صلاته باللّيل حسن وجهه بالنّهار" هذا ليس قولاً للنبي صلى الله عليه وسلم أصلاً، ولا هذا الكلام أصلاً هو المتن لهذا الإسناد، لكن ما الذي حصل؟
قال الحاكم: دخل ثابت - الذي هو ثابت العابد - على شريك وهو يُمْلي، شريك كان جالس يُحَدِّث تلاميذه فقال: حدّثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النّبي صلى الله عليه وسلم وتوقّف شريك قليلاً حتّى يكتب التّلاميذ.
قال: يقول حدّثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكت ليَكْتُبَ الـمُسْتَمِع، فلمّا نظر إلى ثابت، كان ثابت قد دخل، قال شريك من عنده: "من كثرت صلاته باللّيل حسن وجه بالنّهار".
كان يتكلّم عن من؟ عن ثابت وقصد بذلك ثابتاً لزهده وورعه فظنّ ثابت أنّه متن ذلك الإسناد فكان يُحَدِّث به، فأخذ هذا المتن وظنّه أنّه هو المتن للإسناد الذي ساقه شريك وتوقّف حتّى يكتب المستمع، فأدخل كلاما جديداً على إسناد لا علاقة له بالأمر، واضح؟
هذه صور إدراج الإسناد.
قال: "وأَمَّا مُدْرَجُ المَتْنِ، فهُو أَنْ يَقَعَ في المتنِ كلامٌ ليسَ منهُ"، يعني يدخل كلمات ليست من كلمات النّبي صلى الله عليه وسلم أصلاً.
"فتارةً يكونُ في أَوَّلِه"، يعني الإدخال.
"وتارةً في أَثنائِه، وتارةً في آخِرِهِ – وهو الأكثرُ– لأنَّهُ يقعُ بعطفِ جُملةٍ على جُملةٍ"، الإدراج في المتن في مثل هذه الحالة إمّا أن يكون الإدراج في أوّل المتن، أو يكون الإدراج في آخر المتن، أو يكون الإدراج في أثناء المتن.
مثال ذلك: حديث أبي هريرة في الإسباغ: "أسبغوا الوضوء، ويلٌ للأعقاب من النّار".
فالحديث المرفوع عن النّبي صلى الله عليه وسلم هو قوله: "ويلٌ للأعقاب من النّار" وعندما سمع بعض النّاس قول أبي هريرة: "أسبغوا الوضوء"، ويذكر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ويل للأعقاب من النّار"، ظنّوا أنّ هذا من كلام النّبي صلى الله عليه وسلم فصاروا يروونه: "أسبغوا الوضوء، ويلٌ للأعقاب من النّار"، من حديث أبي هريرة.
لكنّ الصّحيح جاءت رواية ثانية تُبَيِّن قال أبو هريرة: "أسبغوا الوضوء فإنّ أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال: "ويلٌ للأعقاب من النّار"، فتبيّن عندنا أنّ أوّل الكلام مُدْرَج في المتن، فالإدراج حصل في أوّل المتن.
ومثال الإدراج في أثناء المتن جاء في حديث بُسْرَة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مسّ ذكره أو أنثييه أو رُفْغَيْه فليتوضّأ".
فقوله هنا: "أو أنثييه أو رُفْغَيْه" هذه مُدْرَجة، الحديث: "من مسّ ذكره فليتوضّأ".
فحصل فيه وهم وأُدْرِجت فيه: "أو أُنْثَيَيْه أو رُفْغَيْه" فهذا إدراج في أثناء المتن، يعني لا هو في الأوّل ولا في الآخر، في الوسط حصل الإدراج.
والصّورة الأخيرة: صورة أن يكون الإدراج في آخر المتن ما جاء عن ابن مسعود في التّشهّد في آخره: "إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فَقُمْ، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، هذه الجملة وصلها زُهَيْر بالحديث المرفوع وهي مُدْرَجة من كلام ابن مسعود.
هذه صور للإدراج في المتن، طيب.
قال: "أو بِدَمْجِ مَوْقوفٍ مِن كلامِ الصَّحابةِ أَو مَنْ بعْدَهُم بِمَرْفوعٍ"، أن يُدْخِلوا كلام النّبي صلى الله عليه وسلم في كلام غيره من الصّحابة أو مَن بعدهم.
"مِن كلامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن غيرِ فصلٍ، فـهذا هُو مُدْرَجُ المَتْنِ، ويُدْرَكُ الإِدراجُ"، يعني كيف تعرف الإدراج؟
"بوُرودِ روايةٍ مُفَصِّلةٍ للقَدْرِ المُدْرَجِ مِمَّا أُدْرِجَ فيهِ"، كما تقدّم معنا في حديث أبي هريرة قال: "اسبغوا الوضوء، فإنّ أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا".
"أَو بالتَّنصيصِ على ذلك مِن الرَّاوي"، قال النّبي صلى الله عليه وسلم كذا وقلت أنا كذا وكذا.
"أَو مِن بعضِ الأئمَّةِ المُطَّلعينَ"، يقول هذه الزّيادة ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، هي مُدْرَجة من كلام فلان.
"أو باستحالَةِ كونِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقولُ ذلك"، كما جاء في الحديث، يُعْزى للنّبي صلى الله عليه وسلم: "وددت أنّني شجرة تُعْضَد، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله وبِرُّ أمّي لأحببت أن أموت وأنا مملوكٌ"، وهذا يستحيل أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام، أن يتمنّى أن يكون مملوكاً بعد أن أكرمه الله بمقام النبوّة.
"وقد صنَّفَ الخَطيبُ في المُدْرَجِ كتاباً ولخَّصْتُهُ وزدتُ عليهِ قدْرَ ما ذكَرَ مرَّتينِ أَو أَكثرَ، وللهِ الحمدُ".
سمّاه "تقريب المنهج بترتيب الــمُدْرَج"
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله، بهذا يكون قد انتهى مبحث الإدراج.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-12-2012, 13:16   #17
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ المجلس السابع عشر من شرح نزهة النظر

تفريغ المجلس السابع عشر من شرح نزهة النظر
بسم الله الرحمن الرحيم
لا زلنا في موضوع المخالفة، مخالفة الراوي الثقة لغيره من الثقات.
ذكر المؤلف رحمه الله من أنواع المخالفة مجموعة من أنواع الحديث.
أول نوع ذكره مرَّ معنا في الدرس الماضي وهو الــمُدْرَج، واليوم معنا نوع آخر من أنواع المخالفة وهو المقلوب.
قال المصنّف رحمه الله:"أَوْ إِنْ كانَتِ المُخالفةُ بِتَقْدِيمٍ وتَأْخيرٍ؛ أي: في الأسماءِ كَمُرَّةَ بنِ كعبٍ، وكَعبِ بنِ مُرَّةَ؛ لأنَّ اسمَ أَحدِهِما اسمُ أَبي الآخَرِ؛ فـهذا هو المَقْلوبُ"، هذا هو المقلوب الذي صوّره، أن يحصل في الاسم تقديم وتأخير، كالصّورة التي مثّل لها: "مُرَّة بن كَعْب"، يقلبه أحد الرّواة فيجعله "كعب بن مُرَّة"، فيخالف غيره من الرّواة الذين يقولون مُرَّة بن كعب، فهذا يسمّى مقلوباً.
والمقلوب يكون غير صحيح ويعتبر راويه واهماً في ذكره على هذه الصّورة.
قال المصنّف رحمه الله: "وللخطيبِ فيهِ كتابُ (( رافعِ الارْتِيابِ))"، أي للخطيب البغدادي كتاب في هذا النّوع وهو نوع المقلوب اسمه: ((رافعِ الارْتِيابِ في المقلوب من الأسماء والأنساب))".
قال رحمه الله: "وقد يَقَعُ المقلوبُ في المتنِ أَيضاً"، لأنّ المقلوب الذي ذكر صورته هو قلب في الإسناد.
قال: والقلب أيضا يقع في المتن، كيف صورته؟
قال: "كحديثِ أَبي هُريرةَ رضي الله عنه عندَ مُسلمٍ في السَّبعةِ الَّذينَ يُظِلُّهُم اللهُ في ظلِّ عَرْشِهِ، ففيهِ: (( و رَجلٌ تصدَّقَ بصدَقةٍ أَخْفاها حتَّى لا تَعْلَمَ يمينُهُ ما تُنْفِقُ شِمالُهُ))"، ركّزوا في الحديث الآن، تحفظون الحديث على الصورة الصحيحة، قال هنا: "رجل تصدّق بصدقة أخفاها حتّى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله".
من التي تنفق اليمين وإلاّ الشمال؟ اليمين، والحديث جاء في الصّحيحين بلفظ: "حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"، فالمنفقة هي اليمين، والتي لا تعلم أو تعلم هي الشّمال.
لكن هنا في الرّواية ماذا قال؟ قال: "حتّى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله"، فجعل الشّمال هي المنفقة واليمين هي التي تعلم أو لا تعلم فقلب.
"فهذا ممَّا انْقَلَبَ على أَحدِ الرُّواةِ، وإِنَّما هو: ((حتَّى لا تعْلَمَ شِمالُه ما تُنْفِقُ يمينُهُ))؛ كما في الصَّحيحينِ".
انتهى من المقلوب، الآن سينتقل إلى نوع آخر من أنواع المخالفة:
"أَوْ إِنْ كانتِ المُخالفةُ بِزيادةِ راوٍ في أَثناءِ السند، ومَن لم يَزِدْها أَتقَنُ ممَّن زادَها، فـهذا هُو المَزيدُ في مُتَّصِلِ الأَسانِيدِ". مثاله: حديث يرويه عبد الله بن المبارك عن سفيان عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بُسْر بن عُبَيْد الله عن أبي إدريس الخولاني عن واثلة بن الأسقع عن أبي مَرْثَد الغنوي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الآن لا نحسب النبي صلى الله عليه وسلم، عندنا كم واحد؟ سبعة.
عبد الله بن المبارك، سفيان، عبد الرحمن بن يزيد، بُسْر بن عُبَيْد الله، أبو إدريس، واثلة بن الأسقع، أبو مرثد الغنوي.
هؤلاء كم؟ سبعة، عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها".
فذِكْر سفيان وأبي إدريس في هذا زيادة ووهم.
أمّا أبو إدريس فنسب الوهم فيه إلى ابن المبارك لأنّ جماعة من الثّقات رووه عن ابن جابر عن بٌسْر عن واثلة ولم يذكروا أبا إدريس بين بُسْرٍ وواثلة، وصرّح بعضهم بسماع بُسْر من واثلة.
الآن الصّورة التي بين أيدينا، سفيان يروي هذا الحديث عن عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر عن بٌسْر عن أبي إدريس عن واثلة.
أبو إدريس الآن وجوده في الإسناد زيادة لأنّنا وجدنا الإسناد قد رواه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بُسْرٍ عن واثلة بدون ذكر أبا إدريس، وضحت الصورة ولا ما زالت؟ الآن من غير ذكر أبي إدريس.
أبو إدريس هنا إقحامه في الإسناد خطأ، فحقيقةً أبو إدريس غير موجود في هذا الإسناد، وهم بعض الرّواة فزاده وأدخله في الإسناد، كيف عرفنا هذا؟ وجدنا غير سفيان يروي الحديث عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ولا يذكرون فيه أبا إدريس، يذكرون الحديث من رواية بُسْر عن واثلة بن الأسقع مباشرة بإسقاط أبي إدريس ويُصَرِّحون بالسّماع أيضاً فيقولون: حدّثني بُسْر بن عُبَيْد الله قال: سمعت واثلة بن الأسقع، هذا يؤكّد على أنّ زيادة أبي إدريس وهم في الإسناد.
يقول لنا قائل: ومن أين لنا أنّه وهم؟ طيب وربّما تكون هي المحفوظة هي الصّحيح وإسقاط أبي إدريس من الإسناد هو الخطأ؟ جائز أو غير جائز؟ جائز.
لكن لمّا كان الأكثر هم الذين يروونه على صورة حذف أبي إدريس قلنا بأنّ ذكر أبا إدريس فيه وهم، خطأ، وهو من المزيد في متّصل الأسانيد، لأنّ الإسناد في أصله متّصل لكن هذا زِيدَ في الإسناد من قبيل الوهم، الخطأ.
واضح الصورة وإلاّ ما زال فيها خفاء؟
الشيخ: تعني أنّ بُسْر يكون قد سمعه من الطّرفين؟
هذا يُحْكَم به في حال أن يكون الرّواة الذين زادوا والذين نقّصوا في نفس القوّة يُقال هذا، هذه طريقة من طرق الجمع، يقال ربّما يكون الإسناد قد رُوي من طريقين، طريق فيه ذكر أبي إدريس، وطريق ليس فيه ذلك.
لكن إذا وجدنا أحد الرّواة فقط مثلاً يزيد أبا إدريس، وخمسة أو ستّة أو سبعة من الرّواة لا يزيدونه، فالاحتمال الأقوى عندك ما هو؟ الزّيادة خطأ، الاحتمال الأكبر عندي أنّ الزيادة هذه خطأ، صح؟ أي نعم.
فحكم صورة المسألة هذه نفس حكم زيادة الثّقة، نفس الطّريقة تتعامل معها.
إذا وجدت زيادة مثل هذه في الإسناد رواها بعضهم وزاد راوياً في الإسناد، والبعض الآخر روى نفس الإسناد ونفس الحديث ولم يزد هذا الرّاوي، انظر إلى التّرجيح.
فإذا كان عندك البعض أقوى من الآخر تُصَحِّح رواية الأقوى، وتُوَهِّن رواية الأقل قوّة.
أمّا إذا كانوا متساوين في القوّة عندئذ تقول هي زيادة ثقة وهي مقبولة، تمام؟
وإلاّ إذا قلنا بأنّها زيادة غير مقبولة فتكون من المزيد في متّصل الأسانيد، وضحت الصورة؟
قال: "وشرطُهُ أَنْ يقعَ التَّصريحُ بالسَّماعِ في مَوْضِعِ الزِّيادةِ".
فلنقل بأنّ عندنا راويان، زيدٌ يروي عن عمرو، تمام؟ الرّاوي الذي يروي عن زيد، أحد الروّاة من الذين يروون عن زيد زادوا بين زيد وعمرو محمّد، فجعل الإسناد من رواية زيد عن محمّد عن عمرو.
طيب الذي لم يزد محمّداً وجعل الحديث من رواية زيد عن عمرو، يقول الحافظ هنا: لا نحكم لروايته إلاّ أن يُصَرِّح بالتّحديث بين زيد وعمرو فيقول في الرواية بأنّ زيداً قال: سمعت عمراً عندئذ نحكم لروايته أنّها هي الصّواب، وأنّ زيادة محمّد في الإسناد من المزيد في متّصل الأسانيد، واضح الصّورة؟
قال: "وشرطُهُ أَنْ يقعَ التَّصريحُ بالسَّماعِ في مَوْضِعِ الزِّيادةِ".
نفس ما ذكرنا موضع الزّيادة عندنا بين زيد وعمرو، إذن لابدّ يكون فيه تصريح بالسّماع ما بين زيد وعمرو، لأنّ موضع الزّيادة هو هاهنا.
"وإِلاَّ؛ فمتى كانَ مُعَنْعَناً – مثلاً –؛ ترجَّحَتِ الزِّيادةُ".
يعني إذا الذي لم يزد الرّاوي لم يذكر محمّدا في الإسناد، إذا روى الإسناد زيد عن عمرو بالعنعنة، وليس بالتّصريح بالسّماع قال هنا: نُرَجِّح الزيادة، ونحكم بالزّائد على الذي لم يزد، تمام؟
لكن الظّاهر أنّ هذه قرينة معتبرة، صحيح لكن الحكم مع الأرجح، سواء صُرِّح بالتّحديث أو لم يُصَرَّح بالتّحديث، دائما النّظر في هذه المسألة للأرجح، الأقوى والأرجح يُحْكَم له في هذه المسألة.
"أَوْ إِنْ كانتِ المُخالفةُ"، الآن انتهى من موضوع المزيد في متّصل الأسانيد، يريد أن ينتقل على نوع جديد وهو الــمُضْطَرِب.
"أَوْ إِنْ كانتِ المُخالفةُ بِإِبْدَالِهِ؛ أي: الراوي، ولا مُرَجِّحَ لإحدى الراويتين على الأخرى، فـهذا هو المُضْطَرِبُ، وهو يقعُ في الإِسنادِ غالباً"، إن كانت المخالفة بإبداله أي الرّاوي، أي أن يروي الرّاويان عن شيخ والآخر يروي عن شيخ آخر.
صورة المسألة أن يروي الراوي عن زيد ويروي الآخر عن عمرو، ويتّحد الإسناد بعد ذلك ثمّ يُتَمِّم نفس الإسناد بنفس المتن.
الآن الحديث عندنا هو من رواية زيد أم من رواية عمرو؟ نريد أن نعرف، هنا حصل خلاف في هذه الرّواية.
فلنقل مثلاً: الزّهري يروي حديثاً عن حُمَيْد بن عبد الرّحمن عن أنس بن مالك عن معاذ بن جبل مثلاً.
فيروي الحديث عن الزّهري عن أبي سلمة عن أنس عن معاذ بن جبل.
أحد الرّواة يرويه عن الزّهري عن حُمَيد عن أنس، والآخر يرويه عن الزّهري عن أبي سلمة عن أنس.
الحكم هنا يكون لمن؟ قال: إذا لم يكن عندنا مُرَجِّح نستطيع أن نُرَجِّح لأحد الرّاويين على الآخر يكون هذا من قبيل الــمُضْطَرِب.
وبتعريف أسهل للــمُضْطَرِب يقولون في تعريفه: أن يُرْوى الحديث بإسنادين أو أكثر مختلفة، أي يختلف بعضها عن بعض ولا يمكن التّرجيح بينها، عندئذ يُحْكَم عليه بالاضطراب.
مثاله: حديث صيام يوم السّبت مثلاً، هذا الحديث يُروى بعدّة أسانيد.
أحد الأسانيد: عبد الله بن بُسْر عن عمّـته عن النّبي صلى الله عليه وسلم.
والآخر: عبد الله بن بُسْر عن أخته الصمّاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والثّالث: عبد الله بن بُسْر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وصور أخرى.
ننظر في أحوال هذه الأسانيد نجدها متساوية القوّة، متساوية في القوّة، أيُّها الصّواب؟ نقول هذا حديث مُضْطَرِب، لماذا؟ لأنّه لو كان محفوظاً لما رُوِي بهذه الصُّوَر المختلفة من الثّقات، لكن اضطرابهم فيه وروايتهم له على صُور مختلفة كهذه دليل على أنّهم لم يحفظوه جيّداً، فيحكم عليه بالاضطراب.
قال الحافظ: "وهو يقعُ في الإِسنادِ غالباً"، في الغالب عند المحدّثين يقع هذا الاضطراب في الإسناد.
"وقد يقعُ في المتْن، لكنْ قلَّ أَنْ يَحْكُمَ المحدِّثُ على الحديثِ بالاضطرابِ بالنِّسبةِ إلى الاختلافِ في المَتْنِ دونَ الإِسنادِ"، يعني حكمهم عليه بالاضطراب من أجل الاختلاف فقط في المتن قليل جدّاً.
"وقد يَقَعُ الإِبدالُ عَمْداً لمَن يُرادُ اختبار حفظه امتحاناً مِن فاعِلِهِ"، هنا بعض الرّواة يتعمّدون قضيّة الإبدال، إبدال إسناد لمتن، ومتن لإسناد وهكذا، فيُبْدِلونه بقصد الاختبار كما حصل مع الإمام البخاري عندما دخل بغداد.
قال: "كما وقعَ للبُخاريِّ والعُقَيْليِّ وغيرِهِما"، عندما دخل البخاري لبغداد أخذ مُحَدِّثو بغداد مائة حديث، وأعطوا لكلّ مُحَدِّث عشرة أحاديث وقلبوا لهم أسانيد هذه الأحاديث وأعطوها لمتون أحاديث أخرى، وأعطوا متون تلك الاحاديث لأسانيد الحديث الأولى، فقُلِبَت ودخلت الأحاديث في بعضها على وجه الامتحان والاختبار للإمام البخاري رحمه الله لا بقصد الإفساد أو الإغراب للحديث.
قال:"وشَرْطهُ أَنْ لا يُستمرَّ عليهِ، بل ينتهي بانْتهاءِ الحاجةِ"، يعني هذا جائز الفعل، ولكن شرطه أن ينتهي عند انتهاء الاختبار، وتُرَدُّ بعد ذلك الأحاديث إلى ما هي عليه ولا تُرْوي على الوجه الخطأ.
"فلو وَقَعَ الإِبدالُ عمداً لا لمصلحةٍ، بل للإِغرابِ مثلاً؛ فهو مِن أَقسامِ الموضوعِ"، لأنّه يكون مكذوباً في هذه الحالة، عندما تأخذ إسناد ليس لمتن مُعَيِّن وتلصقه عليه تكون قد كذبت في هذا الفعل.
"ولو وقعَ غَلَطاً؛ فهُو مِن المقلوبِ أو المُعَلَّلِ"، إذا وقع من قبيل الخطأ فقط، فإمّا أن يعتبر من قبيل المقلوب، أو أن يعتبر من قبيل الــمُعَلَّل.
قال رحمه الله:"أَوْ إِنْ كانتِ المُخالفةُ بتَغْييرِ حرفٍ أَو حُروفٍ مَعَ بَقاءِ صورةِ الخَطِّ في السِّياقِ، فإِنْ كانَ ذلك بالنِّسبةِ إِلى النُّقْطِة؛ فالمُصَحَّفُ. وَإِنْ كانَ بالنِّسبةِ إلى الشَّكْلِ؛ فـالمُحَرَّفُ"، الآن انتقل إلى نوعٍ جديد.
نوع الــمُصَحَّف، والــمُحَرَّف.
يقول هنا:"إِنْ كانتِ مُخالفةُ الراوي بتَغْييرِ حرفٍ أَو حُروفٍ مَعَ بَقاءِ صورةِ الخَطِّ في السِّياقِ".
مثاله: سَلاَم وسَلاَّم.
لو جاء في الإسناد سَلَام وغَيّرَه الرّاوي إلى سَلَاّم، هنا الآن التّغيير حصل بسبب تغيير الشّكل، يعني التّشكيل، لكن صورة الخط بقيت كما هي، رسمة كلمة "سَلَام" و "سَلَّام" واحدة لم تختلف، لكن الاختلاف حصل في الشّكل، هذا التّغيير يُسَمّى:
قال:"فإِنْ كانَ ذلك بالنِّسبةِ إِلى النَّقْطِ؛ فالمُصَحَّفُ. وَإِنْ كانَ بالنِّسبةِ إلى الشَّكْلِ؛ فـالمُحَرَّفُ"، فالمثال الذي مثّلنا به للــمُحَرَّف.
أمّا التّغيير بسبب النّقط كــ "مُزَاحِم" و " مُرَاجِم".
اكتب الكملة بدون نقط، ستكون رسمة الكلمة واحدة، لكن عند النّقط ستختلف.
مُرَاجِم ومُزَاحِم، هذا إذا فعله الرّاوي يسمّى تصحيفاً، هذا عند الحافظ ابن حجر، هذا الاصطلاح عند الحافظ ابن حجر، التّفريق ما بين الــمُصَحَّف والـــمُحَرَّف.
أمّا الحافظ ابن الصّلاح فسمّى هذا كلّه مُصَحَّفًا، سمّاه تصحيفاً.
والمُحَدِّثون يطلقون هذا على هذا، والأمر في هذا سهل، ولا مشاحّة في الاصطلاح، المسألة مسألة اصطلاحيّة.
والاصطلاحات لا مشاحّة فيها، كلٌّ يصطلح ما شاء من اصطلاحات، ولكن يُبَيِّن اصطلاحه حتّى لا يحصل اللّبس.
وكما يكون التّصحيف في الألفاظ كذلك يكون التّصحيف في المعاني، كفهم معنى حديث مثلاً، كالذي قرأ حديثاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم جاءه غلام فوضعه في حجره فبال عليه، أراد أن يعمل بالسنّة الرّجل، ماذا فعل؟ عندما جاءه ولد وضع الولد وبال عليه، كيف هذا؟
قد فهم الحديث فهماً مقلوباً فظنّ أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم هو الذي بال على الغلام، وظنّ أنّ هذه سنّة فذهب يعمل بها.
ووقع هذا أيضا حتّى في القرآن، أنت إذا قرأت من تصحيفات المحدّثين تضحك حتّى تشبع من الضّحك.
كالذي قرأ: "فجعل السّفينة في رجل أخيه".
وقال آخر: كان من قبيل عَنَزَة، قال: عندما سُئِل من أي القبائل أنت؟ قال: أنا من عَنَزَة من التي صلّى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، أو صلّى إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لفهمه الخاطئ لحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كانت معه عنزة فركزها أمامه وصلّى إليها فظنّ أنّ العنزة هي قبيلته.
وهذا كثير منه، هذا التّصحيف يكون تصحيفاً في الألفاظ وتصحيف في المعاني أيضاً، حيث تفهم المعاني على غير وجهها الصّحيح، ومن هاهنا جاء تحذير السّلف رضي الله عنهم من أخذ العلم عن صُحُفي، أخذ العلم من الصُحُف لأنّه سيقع في هذا التّصحيف، إمّا التّصحيف في اللّفظ أو التّصحيف المعنوي.
قال رحمه الله: "ومعرفةُ هذا النَّوعِ"، يعني الــمُصَحَّف والــمُحَرَّف.
"مُهمَّةٌ. وقد صنَّف فيهِ: العَسْكَريُّ، والدَّارَقُطنِيُّ، وغيرُهما"، صنّفوا التّصانيف في هذا النّوع.
كتاب العسكري: "تصحيفات الــمُحَدِّثين".
"وأَكثرُ ما يقعُ في المُتونِ، وقد يقعُ في الأسماءِ الَّتي في الأسانيدِ"، كثيراً يقع في متون الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيقع فيه التّصحيف، ويقع أيضاً في أسماء الرّواة.
"ولا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْييرِ صورَةِ المَتْنِ مُطلقاً"، إذا عندك متن عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لك أن تمسّه بتغيير أبداً.
"ولا الاختصارُ منه بالنَّقْصِ ولا إِبْدالُ اللَّفْظِ المُرادِفِ باللَّفْظِ المُرادِفِ لهُ"، فلا يجوز أن تُنَقِّص من متن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لك أيضا أن تُغَيِّر لفظة بلفظة أخرى بنفس معناه، هذا معنى التّرادف.
التّرادف: كلمتان مختلفتان في اللّفظ لكنّها متوافقتان في المعنى، هذا المعنى المترادف.
فلا يجوز إذا تكلّم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بكلمة أن تغيّر هذه الكلمة إلى كلمة أخرى، وإن كانت بنفس المعنى.
"إِلاَّ لِعالمٍ"، إلاّ لعالم بالألفاظ ويعرف الترادف الذي لا يؤثّر في إخلال المعنى.
"إِلاَّ لِعالمٍ بمَدْلولاتِ الألْفاظِ"، ممّا تدلّ عليه الألفاظ، فهذا الذي يعلم هذه الأشياء عندما يغيّر لفظ بلفظ لا يُفْسِد المعنى لأنّه يعرف أنّ هذا اللفظ يعطي نفس المعنى المراد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"وبِما يُحيلُ المَعاني"، يعني يعلم أيضاً ما يُغَيِّر المعنى.
"على الصَّحيحِ في المسأَلَتَيْنِ"، يعني فيه خلاف في المسألتين اللّتين ذكرهما.
"وأَمَّا اخْتِصارُ الحَديثِ؛ فالأكْثَرونَ على جَوازِهِ بِشرطِ أَنْ يكونَ الَّذي يختَصِرُهُ عالِماً"، حتّى لا يُخِلّ في طريقة الاختصار، وهذا الذي مشى عليه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، فيقع منه الاختصار بشكل كبير في الصّحيح، الإمام البخاري رحمه الله قطّع الأحاديث التي وضعها في صحيحه ووضع بعض ألفاظ الحديث في مواطن مختلفة من صحيحه، والاختصار كما ذكر جائز صحيح، ولكن لمن يعلم معاني الأحاديث حتّى لا يُفْسِد الحديث ويقطّعه عن الذي قبله أو الذي بعده ويكون له به مُتَعلَّق في المعنى.
"بِشرطِ أَنْ يكونَ الَّذي يختَصِرُهُ عالِماً؛ لأنَّ العالِمَ لا يَنْقُصُ مِن الحديثِ إِلاَّ ما لا تعلُّقَ لهُ بما يُبْقيهِ منهُ"، يعني إذا أنقص من الحديث جزءاً يعلم أنّ هذا الجزء الذي ينقصه من الحديث لا يُؤَثِّر على معنى الحديث، وهذا بالنّسبة للعالم، أمّا غير العالم عندما يأتي يختصر ربّما يفسد فيُنْقِص من الحديث ما به يتمّ المعنى المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
"بحيثُ لا تختِلفُ الدِّلالةُ، ولا يختَلُّ البَيانُ، حتَّى يكونَ المَذكورُ والمَحذوفُ بمنزِلَةِ خَبَرينِ"، يعني حتّى يصبح القطعة الأولى والقطعة الثّانية من الحديث كأنّهما منفصلتان تماماً عن بعضهما.
"أَو يَدُلُّ ما ذَكَرَهُ على ما حَذَفَهُ"، أو يكون في اللّفظ الذي ذكره ما يدلّ على المحذوف.
"بخِلافِ الجاهِلِ، فإِنَّهُ قد يُنْقُصُ ما لَهُ تعلُّقٌ؛ كتَرْكِه الاستِثناءِ"، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يُبَاع الذهب بالذّهب".
الجاهل عندما يأتي يختصر، الحديث في أصله يكون: "لا يباع الذهب بالذهب إلا سواء بسواء"،فيأتي الجاهل يختصر ماذا يقول؟ يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يباع الذهب بالذهب" ويسكت.
هنا يكون قد أفسد المعنى، أين الاستثناء؟ "إلا سواء بسواء"، هذه فيه زيادة معنى لا يجوز اختصار الحديث على هذه الصّورة، وهذا لا يصدر من عالم، وإنّما يصدر من شخص جاهل بطريقة الاختصار.
"وأَمَّا الراوية بالمعنى؛ فالخِلافُ فيها شَهيرٌ"، هل يجوز رواية الحديث، حديث النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى، أم يجب أن يُروى بنفس اللّفظ الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم؟ الخلاف في المسألة هذه شهير.
والرّاجح في ذلك أنّ الشّخص إذا كان عالماً بمعاني الاحاديث بحيث إذا روى الأحاديث على المعنى لا يُخِلُّ به، فيجوز أن يرويه على المعنى وإلاّ فلا.
قال:"والأكثرُ على الجَوازِ أَيضاً، ومِن أَقوى حُججهِم الإِجماعُ على جوازِ شرحِ الشَّريعةِ للعَجَمِ بلسانِهِم للعارِفِ بهِ، فإِذا جازَ الإِبدالُ بلُغةٍ أُخرى؛ فجوازُهُ باللُّغةِ العربيَّةِ أَولى"، يعني من حجّة الذين قالوا يجواز الرواية بالمعنى قالوا: أنّه يجوز أن تذكر الحديث للشّخص الأعجمي الذي لا يتكلم اللّغة العربية، يجوز أن تذكر له الحديث بالمعنى، ولاشكّ أنت عندما تترجم الحديث إلى لغة ثانية لن تترجمه باللّفظ إنّما تترجم المعاني.
فإذا جاز هذا، فمن باب أولى قال أن يجوز أن يُذْكر بالمعنى باللغة العربية.
"وقيلَ: إِنَّما يَجوزُ في المُفْرَداتِ دونَ المُرَكَّباتِ!"، يعني هذا قول من الأقوال أنّه يجوز أن يُروى بالمعنى فقط الكلمة المفردة، أمّا الكلام المركّب بعضه ببعض هذا لا يجوز نقله بالمعنى.
"وقيلَ: إِنَّما يَجُوزُ لمَن يستَحْضِرُ اللَّفْظَ ليتَمَكَّنَ مِن التَّصرُّفِ فيه"، يجوز لمن كان حافظاً للّفظ ويستحضره حتّى يكون قادراً على روايته بالمعنى.
"وقيلَ: إِنَّما يَجوزُ لمَن كانَ يحفَظُ الحَديثَ فنَسِيَ لفظَهُ، وبقيَ معناهُ مُرْتَسماً في ذِهنِه، فلهُ أَنْ يروِيَهُ بالمعنى لمصلَحَةِ تحصيلِ الحُكْمِ"، يعني هؤلاء جوّزوه فقط لمن كان يحفظ الحديث بلفظه ولكنّه نسي اللّفظ وبقي معه المعنى، جوّزوه للحاجة فقط.
"فلهُ أَنْ يروِيَهُ بالمعنى لمصلَحَةِ تحصيلِ الحُكْمِ منهُ؛ بخِلافِ مَن كانَ مُسْتَحْضِراً لِلَفْظِهِ"، يعني من كان مستحضراً للفظه فلا يجوز له بناءً على قول هؤلاء.
"وجَميعُ ما تقدَّمَ يتعلَّقُ بالجَوازِ وعَدَمِه، ولا شكَّ أَنَّ الأوْلى إِيرادُ الحَديثِ بأَلفاظِهِ دُونَ التَّصرُّفِ فيهِ"، هذا لا إشكال فيه أنّ أولى شيء أن تحفظ الحديث بلفظه وتُؤَدِّيه بلفظه.
"قالَ القاضي عِياضٌ: ((يَنْبَغِي سَدُّ بابِ الرِّاويةِ بالمَعْنَى لئلاَّ يتَسَلَّطَ مَن لاَ يُحْسِنُ ممَّن يظنُّ أَنّهُ يُحْسِنُ"، يعني القاضي عياض قال بعدم جواز الحديث بالمعنى من باب سدّ الذّريعة حتّى لا يروي بالمعنى أناس لا يعرفون معاني الأحاديث بشكل جيّد فيُفْسِدون المعنى.
"كما وقَعَ لِكثيرٍ مِن الرُّواةِ قديماً وحَديثاً، واللهُ المُوَفِّقُ".
قال: "فإِنْ خَفِيَ المَعْنَى بأَنْ كانَ اللَّفْظُ مستَعْمَلاً بقلَّةٍ احْتيجَ إِلى الكُتُبِ المصنَّفَةِ في شَرْحِ الغَريبِ"، إن خفي عليك معنى الحديث لماذا؟ لأنّ فيه كلمات مثلاً غريبة، ليست مستعملة بكثرة فلم تعرفها.
قال: "احْتيجَ إِلى الكُتُبِ المصنَّفَةِ في شَرْحِ الغَريبِ"، يعني الكلمات الغريبة التي لم تستعمل بشكل كبير حتّى تكون معروفة عند السّامع، ولكن استعمالها قليل فتكون غريبة.
صُنِّفت كتب خاصّة لشرح هذا الغريب ومن أنفسها وهو قد استفاد ممّن قبله، كتاب "النّهاية في غريب الحديث" لابن الأثير.
قال:"ككتابِ أَبي عُبَيْدٍ القاسِمِ بنِ سلامٍ، وهو غيرُ مرتَّبٍ، وقد رتَّبَهُ الشيخُ مُوفَّقُ الدِّينِ بنُ قُدامَة على الحُروفِ، وأَجْمَعُ منهُ كتابُ أَبي عُبيدٍ الهَرَوِيِّ، وقد اعتَنَى بهِ الحافظُ أَبو موسى المَدينِيُّ فعَقَّبَ عليهِ واسْتَدْرَكَ. وللزَّمَخْشَرِيِّ كتابٌ اسمُهُ (( الفائِقُ )) حسنُ التَّرتيبِ، ثمَّ جَمَعَ الجَميعَ ابنُ الأثيرِ في (( النِّهايةِ ))"، فلمّا جمع فوائد هذه الكتب التي ذُكِرَت كان هو أنفس هذه الكتب.
قال:"وكتابُهُ أَسهَلُ الكُتُبِ تناوُلاً، مع إِعواز قليلٍ فيهِ"، يعني يحتاج إلى شيء قليل من الإصلاح.
"وإِنْ كانَ اللَّفْظُ مُستَعْملاً بكثرةٍ، لكنَّ في مَدلُولِهِ دِقَّةً؛ احْتِيجَ إلى الكُتُبِ المُصنَّفَةِ في شَرْحِ معاني الأخْبارِ"، يعني إذا كان ألفاظه مستعملة ومعروفة، لكن فيما يدلّ عليه الحديث دقّة، خفاء، يحتاج إلى شرح وبيان.
قال: نحتاج عندئذ إلى كتب صُنِّفت في شرح الأحاديث.
قال: "احْتِيجَ إلى الكُتُبِ المُصنَّفَةِ في شَرْحِ معاني الأخْبارِ وبيانِ المُشْكِلِ منها، وقد أَكثرَ الأئمَّةُ مِن التَّصانيفِ في ذلك؛ كالطَّحاويِّ والخَطَّابيِّ وابنِ عبدِ البَرِّ وغيرِهم"، وكتب شروح الأحاديث كثيرة، ومنها فتح الباري للحافظ نفسه، وكذلك أيضا التّمهيد لابن عبد البرّ، شرح الموطّأ للإمام مالك، كتاب نفيس جدّاً.
وكذلك كتاب النّووي رحمه الله شرح صحيح مسلم من الكتب النّفيسة كذلك، وهناك شروحات كثيرة جدّاً أيضاً وهي نافعة ولا يغني كتاب عن كتاب، والله أعلم.
ونكتفي بهذا القدر وسبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-12-2012, 13:17   #18
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الدرس الثامن عشر من شرح نزهة النظر

الدرس الثامن عشر من شرح نزهة النظر
بسم الله الرحمن الرحيم
قال المؤلف رحمه الله:"ثمَّ الجَهالةُ بالرَّاوِي، وهِيَ السَّببُ الثَّامِنُ في الطَّعْنِ"، قلنا أنّ المؤلّف - رحمه الله - مازال يذكر في أسباب الطّعن في الحديث، ووصل الآن إلى الجهالة، وهي جهالة الرّاوي، أي عدم العلم بعدالته وضبطه.
فقال:"وسَبَبُها"، أي سبب عدم العلم بعدالة الرّاوي وضبطه.
"أَمْرانِ: أَحَدُهُما: أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعوتُهُ"، يعني أوصافه تكون كثيرة، إمّا أن يُذْكر باسمه، أو أن يُذكر بكنيته، أو يكون له لقب أو تكون له نسبة، وربّما تكون له أكثر من نسبة أو أكثر من لقب أو أكثر من كنية، فتكثر الأوصاف التي يُوصف بها فيُؤدّي ذلك إلى عدم معرفته فيُظنّ أنّ هذا الشّخص أكثر من واحد.
قال: "أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعوتُهُ مِن اسمٍ أَو كُنْيَةٍ أَو لَقَبٍ أَو صِفَةٍ أَو حِرْفةٍ أَو نِسبةٍ، فيُشتَهِرُ بشيءٍ مِنها، فيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ"، فيكون مشهوراً بين المحدّثين بكنيته، فيُذكر باسمه، فيؤدّي ذلك إلى عدم معرفته، لأنّه يكون مشهورا بالاسم، فيُذْكر بلقبه، أو يذكر بكنيته، فلا يُعْرَف، أو العكس، وهكذا.
"فيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ مِن الأغْراضِ"، بغضّ النّظر عن سبب ذكره بالصفة التي لم يُشْتَهر بها.
"فيُظنُّ أَنَّه آخرُ، فيَحْصُلُ الجهْلُ بحالِهِ"، فيُظنّ أنّه آخر فيحصل الجهل بحاله.
"وصنَّفُوا فِيهِ؛ أي: في هذا النَّوعِ المُوْضِحَ لأوهامِ الجمْعِ والتَّفريقِ؛ أَجادَ فيهِ الخَطيبُ"، هذا الكتاب للخطيب البغدادي رحمه الله الذي قيل فيه: كلٌّ مَنْ جاء من بعده عيالٌ على كتبه.
الخطيب البغدادي - رحمه الله - لا يكاد فنٌّ من فنون مصطلح الحديث إلاّ وألّف فيه كتاباً، وهذا منها "الــمُوَضِّح لأوهام الجمع والتّفريق"، أي الأسماء التي هي لشخص واحد وجعلوها لأكثر من شخص، والأسماء التي هي لأكثر من شخص وجعلوها لشخص واحد، "الــمُوَضِّح" ويُقَال "الــمُوضِح" تُخَفَّف الضاد وتُشدَّد، فيُقال: "الــمُوَضِّح لأوهام الجمع والتّفريق" أو "الــمُوضِح لأوهام الجمع والتّفريق".
"أَجادَ فيهِ الخَطيبُ"، وهو كتاب مطبوع، طبعه وحقّقه الشّيخ المعلّمي - رحمه الله - وهو من فرسان هذا الميدان، تحقيقاته نفيسة، فحقّقه تحقيقاً جيّداً، وهو موجود مطبوع.
"وسبَقَهُ إِليه عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ المِصْريُّ وهو الأَزْدِيُّ ثمُّ الصُّورِيُّ، ومِن أَمثلتِهِ"، مثال لهذه الصّورة التي ذكرها:
"محمَّدُ بنُ السَّائِبِ بنِ بِشْرٍ الكَلْبِيُّ، نَسَبَهُ بعضُهم إِلى جَدِّهِ، فقالَ: محمَّدُ بنُ بِشرٍ، وسمّاهُ بعضُهم حمَّادَ بنَ السَّائبِ، وكَنّاهُ بعضُهُم أَبا النَّصرِ، وبعضُهُم أَبا سعيدٍ، وبعضُهم أَبا هِشامٍ، فصارَ يُظَنُّ أَنَّهُ جماعةٌ، وهو واحِدٌ، ومَن لا يعرِفُ حقيقةَ الأمرِ فيهِ لا يعرِفُ شيئاً مِن ذلك". فيُسَمُّونه بأسماء، ويكنّونه بكُنَنٍ، وينسبونه إلى نسب، فيؤدّي ذلك إلى جهالة هذا الرّاوي وعدم معرفته، فيمرّ بك محمّد بن بِشْر فتبحث عن محمّد بن بِشْر فلا تعرف من هو لأنّه ليس مشهوراً بهذا الاسم، وإنّما هو مشهور بمحمّد بن السّائب الكلبي، لهذا إمّا يقال له: الكلبي، أو يقال له: محمّد بن السّائب، فإذا نُسِب إلى جدّه فهنا ستجهل حاله ولن تعرفه إذا لم يكن عندك خبرة بهذا ومعرفة بهذا النّوع.
محمّد بن السّائب الكلبي هذا متّهم بالكذب، وهو رافضي.
"وَالأمرُ الثَّاني: أَنَّ الرَّاويَ قد يكونُ مُقِلاً مِن الحديثِ، فلا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ: وَقد صَنَّفوا فِيهِ الوُحْدانَ"، يعني الرّاوي نفسه يكون مُقِلّ في الحديث، ليست له روايات كثيرة، فلا يُكْثِر المحدّثون من الأخذ عنه ولا يكون له تلاميذ كُثُر، فيُؤَدِّي ذلك إلى عدم معرفته.
"وَقد صَنَّفوا فِيهِ الوُحْدانَ، وهو مَن لم يَرْوِ عنهُ إِلاَّ واحِدٌ"، هذا معنى الوحدان، أي الرّاوي الذي لم يرو عنه إلاّ واحد.
"ولو سُمِّيَ – فمِمَّن جَمَعَهُ مُسلمٌ، والحسنُ بنُ سُفيانَ، وغيرُهما"، وهو من لم يرو عنه إلاّ واحد ولو سُمِّيَ، يعني ولو ذُكِر اسمه إلاّ أنّه يعتبر من الوحدان.
"فمِمَّن جَمَعَهُ"، أي هذا النّوع، وهو نوع الوحدان.
"مُسلمٌ"، وهو مسلم بن الحجّاج النّيسابوري، له كتاب اسمه "الــمُنْفَرِدات والوحدان".
"والحسنُ بنُ سُفيانَ، وغيرُهما، أَوْ لاَ يُسمَّى الرَّاوِي اختِصَاراً مِن الرَّاوي عنهُ؛ كقولِه: أَخْبَرَني فلانٌ، أَو شيخٌ، أَو رجلٌ، أَو بعضُهم، أَو ابنُ فلانٍ". هذا كلّه أيضاً من الأسباب التي تجعلنا نجهل حال الرّاوي، أنّه لا يُسَمَّى أصلاً من الرّاوي عنه اختصاراً، فيقول: حدّثني فلان، أو شيخ، ويمضي، فهنا لا يُعْرَف من هو هذا الشّيخ؟!
"ويُستَدَلُّ على معرفَةِ اسمِ المُبْهَمِ بوُرودِه مِن طريقٍ آخر مسمّىً"، هذا الذي يُقال فيه: "إسناد فيه مُبْهَم".
وكيف تعرف هذا الـمُبْهم؟
قال:"يُستَدَلُّ على معرفَةِ اسمِ المُبْهَمِ بوُرودِه مِن طريقٍ آخر مسمّىً"، يعني تبحث في طرق الحديث وتجمعها فتجده في طريق من الطّرق مذكورا باسمه، عندئذ تعرف أنّ الــمُبْهَم في تلك الرّواية هو نفسه الــمُسَمَّى في هذه الرّواية وذلك بجمع الطّرق.
"وَصنَّفوا فيهِ المُبْهَمات"، يعني وصنّفوا في الــمُبْهَم كُتُبًا خاصة سمّوها المبهمات، والــمُبْهَمات في الكتب الستّة، الحافظ ابن حجر رحمه الله جعل لها فصلاً خاصّاً في آخر كتاب تقريب التّهذيب.
وفي غير الكتب الستّة هناك كتب مصنّفة خاصّة لبيان الــمُبْهَمِين في الأسانيد.
قال:"ولا يُقْبَلُ حديثُ المُبْهَمُ ما لم يُسَمَّ؛ لأنَّ شرطَ قَبولِ الخَبَرِ عدالَةُ رواتهِ، ومَن أُبْهِمَ اسمُه لا تُعْرَفُ عَيْنُهُ، فكيفَ عدالَتُهُ؟!". يعني الإسناد الذي فيه مُبْهَم لا يُقْبَل، الحديث الذي في إسناده راوٍ مُبْهَم لا يُقْبَل.
لماذا لا يُقْبَل؟ لأنّ هذا الــمُبْهَم نحن لم نعلم أهو عَدْلٌ أم حافظ؟، أم ليس بَعدْلٍ؟ أم ليس بحافظ؟ لم نعرف هذا الشّيء، ومن شرط قبول الحديث أن يكون الرّاوي عدْلًا حافظاً.
وهذا لم يتبيّن لنا حاله لذلك لا يُقْبَل خبره حتّى نعلم مَنْ هو هذا الــمُبْهَم الذي في الإسناد.
"وكذا لا يُقْبَلُ خَبَرُه، و لو أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْديلِ"، كيف ذلك؟
يقول: "كأَنْ يقولَ الرَّاوي عنهُ: أَخْبَرَني الثِّقُة"، مُبْهَم، الآن الثّقة هذا مَنْ هو؟ لا يُعْرَف اسمه، لكنّه ذكره بلفظ فيه تعديلٌ منه هو، فهو الآن يُعَدِّله يقول: أخبرني الثّقة.
طيب، الآن يُقْبَل مثل هذا أم حُكمُه كحُكْم الذي سبق؟ يعني إذا قال في الراوي: حدّثني شيخ، أو حدّثني فلان ولم يذكر اسمه هنا قلتم بأنّه ربّما لا يكون عدْلًا، أو لا يكون ضابطاً فلا نقبل خبره.
طيب، هنا قال لك الرّاوي الذي يروي عنه قال: حدّثني الثّقة، فهو وثّقه لك وإن لم يذكر لك اسمه، ولا يزال مُبْهَمًا، لم يذكر اسمه لكنه وثّقه هو من عنده.
فالعلّة التي علّلتم بها في الأوّل قد أزالها لكم فهل تقبلون مثل هذا؟ قال هنا الحافظ: لا، لا يُقْبَل خبره، لماذا؟
قال: "لأنَّهُ قد يكونُ ثقةً عندَه مجروحاً عندَ غيرِه".
كيف؟ مثلما كان يفعل الإمام الشّافعي - رحمه الله - كان يقول: حدّثني الثّقة.
فلمّا بحثوا وجدوا أنّ الثّقة هذا إبراهيم بن أبي يحي الأسلمي وهو متروك، فهو كان ثقة عند الشّافعي، ولكن لمّا ظهر وعُرِف عند العلماء تبيّن لهم أنّه ليس بثقة، بل أنّه متروك، وصل به الحال ليس ضعيفاً فقط بل هو متروك، شديد الضّعف.
طيب، إذن لا نقبل من أي شخص يقول حدّثني الثّقة نقبل منه، ربّما يكون ثقة عنده نعم، لكن عند غيره ليس بثقة.
إذن لابدّ أن يُظْهر لنا من هو هذا حتّى نعلم حاله من كلام علماء الجرح والتّعديل.
قال:"وهذا عَلى الأصَحِّ في المسأَلةِ"، المسألة فيها خلاف، يعني لما يقول لك: "هذا عَلى الأصَحِّ في المسأَلةِ"، أي أنّ المسألة فيها خلاف، وفيها أقوال أخرى، قول آخر بأنّه يُقْبَل، ونرضى بتوثيقه له، لكن ما ذكره الحافظ هو الصّواب - إن شاء الله -.
"ولهذه النُّكتةِ لم يُقْبَلِ المُرسلُ، ولو أَرسَلَهُ العدلُ جازِماً به"، لهذا الاحتمال بعينه.
"لهذه النُّكتةِ"، أي للعلّة المتقدّمة.
ما هي؟ العلّة المتقدّمة نفسها أنّ هذا الرّاوي ربّما لا يكون عدلاً، أو لا يكون حافظاً، فلم نعرفه، فلا نعرف عنه العدالة والضّبط حتّى لو كان ثقة عند الرّاوي، ربّما يكون ثقة عنده وليس ثقة عند غيره، لهذا السّبب لم يقبلوا الـمُرْسَل.
لماذا لم يقبلوا الــمُرْسَل؟ لأنّنا لا نعلم الذي سقط من الإسناد عدْلٌ ضابط، أم ليس بعدل؟ ولا بضابط؟ نريد أن نعرف عنه هذا الشّيء، ولعدم علمنا به لذلك تركنا الاحتجاج بالــمُرْسَل.
قال: "ولو أَرسَلَهُ العدلُ جازِماً به"، أي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا ولم يذكره بصيغة التّمريض، بل ذكره بصيغة الجزم، فمثل هذا قال أيضاً لا يُقْبَل عندنا، وهذا هو الصّحيح إن شاء الله لأنّنا لا نعلم حال هذا السّاقط.
"وقيلَ: يُقْبَلُ تمسُّكاً بالظَّاهِرِ، إِذ الجَرْحُ على خِلافِ الأصْلِ"، هذا قول آخر بأنّه يُقْبَل تمسُّكا بالظّاهر.
"إِذ الجَرْحُ على خِلافِ الأصْلِ"، يعني أنّ الظاهر تمسّكاً بالأصل أي عندهم الظاهر أنّ الرّاوي عدل، وحافظ، وبما أنّ هذا الأصل عندنا وأنّ الجرح أمر طارئ ربّما يكون مجروحاً وربّما لا يكون مجروحاً، إذن نبقى مع الأصل ونقبل خبره.
لكن هذا الكلام غير صحيح، وليس الظّاهر هو عدالة الرّاوي، هذا ليس بظاهر أبداً بل كثير من الرّواة، لعلّ أكثر الرّواة من الضّعفاء وليسوا من الثّقات، فلذلك لا يُقَال إنّ هذا هو الظّاهر.
"وقيلَ: إِنْ كانَ القائلُ عالِماً أَجْزأَ ذلك في حقِّ مَن يوافِقُهُ في مَذْهَبِهِ. وهذا ليسَ مِن مباحِثِ عُلومِ الحَديثِ، واللهُ المُوفِّقُ"، مسألة المذهب والموافقة فيه هذه مسألة خارجة عن موضوعنا.
قال:"فإن سُمِّيَ الرَّاوي وانْفَرَدَ راوٍ واحِدٌ بالرِّوايةِ عَنْهُ؛ فـهو مَجْهولُ العَيْنِ"، الآن بدأ يفصّل في تعريف المجهول.
قال:"إن سُمِّيَ الرَّاوي"، كأن يقال محمّد بن علي، هاذ قد سُمِّي، زال عنه الإبهام.
قال:"وانْفَرَدَ راوٍ واحِدٌ بالرِّوايةِ عَنْهُ"، أي أنّنا بحثنا في جميع الرّوايات، جميع الأسانيد، جميع الأحاديث ما وجدنا لمحمّد بن علي هذا أحدٌ يروي عنه إلاّ راوٍ واحد فقط.
قال: هذا يُسَمَّى "مَجْهولُ العَيْنِ"، لكن شرطه أن لا يرد فيه أيضا توثيق، أن لا يرد فيه جرح ولا تعديل، لأنّ كلامنا عن المجهول، والمجهول الذي لم نعلم عدالته ولم نعلم ضبطه فهو لم يرد فيه جرح ولا تعديل.
فالرّاوي إذا لم نجد أحد يروي عنه إلاّ راوٍ واحد ولم يرد فيه جرح ولا تعديل فهو مجهول العين، وهذا حتّى في الشّواهد والمتابعات لا يُقْبَل على الصّحيح.
قال:"هو المَجْهولُ العَيْنِ؛ كالمُبْهَمِ"، أي في الحُكْم، أي لا يُقْبَل حديث مجهول العين كحديث الــمُبْهَم، أي بما أنّنا لا نقبل حديث الــمُبْهم كذلك لا نقبل حديث مجهول العين.
"إِلاَّ أَنْ يُوَثِّقَهُ غيرُ مَنْ ينفَرِدُ عنهُ على الأصحِّ"، يعني فلنقل بأنّ زيد روى عن محمّد بن علي فجاء توثيق من زيد لمحمّد بن علي هذا، هل يُقْبَل أم لا؟ يقول الحافظ لا يُقْبَل حتّى يوثّقه شخص غير زيد هذا الذي يروي عن محمّد بن علي والذي تفرّد بالرّواية عنه، هذا ما يذكره الحافظ - رحمه الله - لكن الظّاهر أنّ هذا التّوثيق إذا كان خارجاً من عالم بأسباب الجرح والتّعديل، معروف بذلك أنّ توثيقه وتضعيفه مقبول في مثل هذه الحالة سواء روى عنه أو لم يرو عنه لا فرق، بما أنّه عدل غير مُتَّهم فلماذا نُفَرِّق؟
"وكذا مَن يَنْفَرِدُ عنهُ إِذا كانَ مُتَأَهِّلاً لذلك"، ها قد جاء بالتَّتِمَّة التي ذكرناها، فقال:
"إِلاَّ أَنْ يُوَثِّقَهُ غيرُ مَنْ ينفَرِدُ عنهُ على الأصحِّ، وكذا مَن يَنْفَرِدُ عنهُ إِذا كانَ مُتَأَهِّلاً لذلك"، هذا هو الصّحيح، لأنّه إذا كان مُتَأَهِّلًا لذلك وكان من أهل الجرح والتّعديل فمثل هذا يُقْبَل توثيقه وإن كان هو الذي انفرد بالرّواية عنه، أمّا إن لم يكن من هؤلاء فلا يُقْبَل على الصّحيح.
"أَوْ إِنْ روى عنهُ اثنانِ فصاعِداً ولم يُوَثَّقْ؛ فـهو مَجْهولُ الحالِ، وهُو المَسْتورُ"، فلا فرق عند الحافظ بين مجهول الحال والمستور.
ومجهول الحال هو الذي روى عنه راويان فأكثر ولم يرد فيه جرح ولا تعديل، وروى عنه اثنان فأكثر هذا يُسَمَّى مجهول الحال.
قال: "وقد قَبلَ روايتَهُ جماعةٌ بغيرِ قيدٍ، وردَّها الجُمهورُ"، البعض قبل رواية مثل هذا المجهول ولكنّ جمهور أهل العلم لم يقبلوا روايته، هذا هو الصّحيح لأنّ هذا مجهول الحال عدالته وحفظه لم يُعْرَفا فكيف نقبل خبر مثل هذا؟ وشرطنا نحن في قبول الخبر أن يكون عدلاً ضابطاً، وهذا شرط العدالة والضّبط لم يتحقّق فيه.
"والتَّحقيقُ أَنَّ روايةَ المستورِ ونحوِهِ ممَّا فيهِ الاحتِمالُ لا يُطلَقُ القولُ بردِّها ولا بِقَبولِها، بل هي موقوفةٌ إِلى اسْتِبانَةِ حالِه، كما جَزَمَ بهِ إِمامُ الحَرمينِ. ونحوُهُ قولُ ابنِ الصَّلاحِ فيمَن جُرِحَ بجَرْحٍ غيرِ مُفَسَّرٍ"، الآن الحافظ ابن حجر لا يذهب إلى القبول ولا إلى الردّ، يقول لك إنّنا نتوقّف في روايته إلى أن يظهر لنا حاله ويتبيّن، قال عندئذ نقبل خبره وإلاّ توقّفنا فيه، ولا فرق بين التوقّف والردّ لأنّه غير مقبول الخبر في النّهاية، نحن لن نعمل بخبره.
قال:"ونحوُهُ قولُ ابنِ الصَّلاحِ فيمَن جُرِحَ بجَرْحٍ غيرِ مُفَسَّرٍ"، يعني كذلك ابن الصّلاح يقول: إذا جُرِح شخص بجرح غير مُفَسَّر فأيضا يُتوَقَّف في روايته، هذا كلام ابن الصّلاح رحمه الله قد جاء بأنّه مَنْ جُرِح جرحاً غير مُفَسَّر وكان الجرح مُبْهَمًا قال نتوقّف في خبره، لكن مُؤَدَّى التّوقّف هو عدم العمل بروايته.
قال: "ثمَّ البِدْعَةُ، وهي السَّببُ التَّاسعُ مِن أَسبابِ الطَّعنِ في الرَّاوي"، انتهى من مسألة الجهالة وانتقل الآن إلى مسألة البدعة.
البدعة في اللّغة: هي الاختراع على غير مثال سابق.
وفي الشّرع: هي التعبّد لله بما لا أصل له في الشّرع.
أو تقول: هي طريقة في الدّين مخترعة تضاهي الشّرعية يُقْصَد بالسّلوك عليها المبالغة في التّعبّد لله.
الأوّل أسهل للحفظ: التّعبّد لله بما لا أصل له في الشّرع، هذه هي البدعة المحدثة، ومتى يوصف الشّخص بالبدعة؟ قال بعض أهل العلم: إذا وقع في بدعة اُشْتُهِر عند أهل السنّة، أهل العلم بالسنّة مخالفتها للكتاب والسنّة فعندئذ يوصف بأنّه من أهل البدع.
إذا وقع في بدعة اُشْتُهِر عند أهل العلم بالسنّة بأنّها مخالفة للكتاب والسنّة كبدعة الرّفض، وبدعة التّشيّع، وكذلك بدعة المرجئة، وبدعة الخوارج، وغيرها من البدع المعروفة، مثل هذه البدع تعتبر ممّا حرّم الله سبحانه وتعالى، وهي داخلة في قول النّبي صلى الله عليه وسلم: "كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار"، ولا فرق عند أهل العلم بالسنّة بين بدعة وبدعة، فالبدع عند أهل السنّة بدعة واحدة وكلّها ضلالة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار"، وهذا لفظ عام باقٍ على عمومه لم يأت دليلٌ صحيح يُخَصِّصه.
وأمّا ما ادّعى بعض أهل العلم من تخصيصه بحديث: "من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى قيام السّاعة"، فهذا كلام مردود على صاحبه، إذ هذا الحديث ليس من البدعة في شيء.
السُنَّة الحسنة ليست من البدعة ولا هي من الإحداث، بل سبب الحديث يُبَيِّن لنا المراد منه وهو أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا في عمل عمله أحد الصّحابة طاعة واستجابة لأمر النّبي صلى الله عليه وسلم، فكان عمله هذا له أصل في الشّرع في السنّة وهو أمر النّبي صلى الله عليه وسلم وبناءً على ذلك فلا ينطبق عليه تعريف البدعة الذي قدّمناه البتّة.
وإنما هو من السنّة الحسنة، أي السنّة التي سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا المعنى.
وأمّا قول عمر رضي الله عنه: "نعمت البدعة هي"، فيعني بها رضي الله عنهالبدعة اللّغوية، وإلاّ ما أطلق عليه عمر هذه الكلمة إنّما أطلقه على فعل كان موجود في عهد النّبي صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصّلاة والسلام قد فعله قبل عمر فدلّ ذلك على أنّ فعل عمر كان له أصل، وبما أنّ له أصل إذن فليس هو من البدعة الشّرعيّة لكن هو من البدعة اللّغويّة.
إذن فلا دليل عندهم حقيقي على تخصيص هذا الحديث العام، ويبقى على عمومه والبدعة خطرها على الدّين عظيم، فإقرارها في الشّرع والسّكوت عنها يؤدّي إلى خلط الحقّ بالباطل، وطمس دين الله سبحانه وتعالى كما ترون في دين الرّافضة، ودين الصوفيّة خير مثال على ذلك.
قال المصنّف -رحمه الله-:"ثمَّ البِدْعَةُ، وهي السَّببُ التَّاسعُ مِن أَسبابِ الطَّعنِ في الرَّاوي، وهي إِمَّا أَنْ تَكونَ بمُكَفِّرٍ؛ كأَنْ يعتَقِدَ ما يستَلْزِمُ الكُفْرَ، أو بِمُفَسِّقٍ: فالأوَّلُ: لا يَقْبَلُ صاحِبَها الجُمهورُ، وقيلَ: يُقْبَلُ مُطلقاً، وقيلَ: إِنْ كانَ لا يعتَقِدُ حِلَّ الكَذِبِ لنُصرَةِ مقالَتِه قُبِلَ".
بالنّسبة للــمُبْتَدِع قسّمه العلماء أوّلا إلى قسمين:
·الــمُبْتَدِع بدعة مُكَفِّرة.
·والــمُبْتَدِع بدعة غير مُكَفِّرة.
الــمُبْتَدع بدعة مُكَفِّرة فهذا على الصّحيح أنّ البدعة الــمُكَفِّرة مانعة من قبول رواية صاحبها، فالكافر لا يُقْبَل خبره، فمن شروط قبول الخبر أن يكون عَدْلًا، والكافر ليس بعدل البتّة فلذلك لا يُقْبَل خبره.
أمّا الذي ذكره الحافظ بأنّ كلّ فرقة تُكَفِّر الفرقة الاخرى، هذا الكلام غير مُسَلَّم له، العبرة بأحكام أهل السنّة والجماعة الذين كانوا هم أئمّة الرّواية، وأئمّة الحديث في زمنهم، فإذا أطلقوا على الشّخص بأنّه كافر ورأوا منه ذلك فمثل هذا روايته تكون مردودة ولا تُقْبَل.
لذلك قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في مختصره قال: "مسألة: الــمُبْتَدِع إن كُفِّر ببدعته فلا إشكال في ردّ روايته"، وهذا الكلام هو الكلام الصّحيح المتين في هذه المسألة لا ما ذكره الحافظ.
قال:"وهي إِمَّا أَنْ تَكونَ بمُكَفِّرٍ"، يعني البدعة إمّا أن تكون بدعة كفرية تخرج صاحبها من الإسلام، كبدعة غلاة القدرية الذين كانوا ينفون العلم عن الله تبارك وتعالى.
كذلك بدعة الرافضة الذي يدّعون تحريف كتاب الله أو يرمون عائشة بالزّنا أو ما شابه فمثل هؤلاء بدعهم تعتبر بدع كفرية، تُكَفِّر صاحبها وتخرجه من ملّة الإسلام، فمثل هؤلاء لا يُقْبَل لهم خبر.
"كأَنْ يعتَقِدَ ما يستَلْزِمُ الكُفْرَ، أو بِمُفَسِّقٍ"، حيث تكون البدعة تُفَسِّق صاحبها بأن يعتقد معتقداً يؤدي به إلى الفسق.
قال:"فالأوَّلُ: لا يَقْبَلُ صاحِبَها الجُمهورُ"، يعني البدعة الـمُكَفِّرة.
"لا يَقْبَلُ صاحِبَها الجُمهورُ"، علماء الإسلام لا يقبلون خبره وهذا هو الصّحيح.
"وقيلَ: يُقْبَلُ مُطلقاً"، هذا مردود لأنّه منافٍ لشرط العدالة.
"وقيلَ: إِنْ كانَ لا يعتَقِدُ حِلَّ الكَذِبِ لنُصرَةِ مقالَتِه قُبِلَ"، قيل بأنّه إذا كان لا يعتقد أنّ الكذب حلال لأجل تقوية ما ذهب إليه من بدعة فقالوا: هذا يُقْبَل وإلاّ فلا.
"والتحقيق: أنه لا يُرَدُّ كُلُّ مُكفَّرٍ ببدعَتِه؛ لأَنَّ كلَّ طائفةٍ تدَّعي أَنَّ مخالِفيها مبتَدِعةٌ، وقد تُبالِغُ فتُكفِّرُ مخالِفيها، فلو أُخِذَ ذلك على الإِطلاقِ؛ لاسْتَلْزَمَ تكفيرَ جميعِ الطَّوائفِ، فالمُعْتَمَدُ أَنَّ الَّذي تُرَدُّ روايتُهُ مَنْ أَنْكَرَ أَمراً مُتواتِراً مِن الشَّرعِ، معلوماً مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ، وكذا مَن اعتقدَ عكسَهُ"، "الــمُعْتَمَد" أي القول الــمُعْتَمد عند الحافظ:
"أَنَّ الَّذي تُرَدُّ روايتُهُ مَنْ أَنْكَرَ أَمراً مُتواتِراً مِن الشَّرعِ، معلوماً مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ"، لأنّ هذا لا يختلف اثنان بأنّه كافر خارج من ملّة الإسلام، كالذي يُنْكر الصّلوات الخمس، أو ينكر الحج، أو ينكر الزّكاة، وما شابه من الأشياء المعلومة من الدّين بالضّرورة.
"وكذا مَن اعتقدَ عكسَهُ"، أي من لم يكتف بمجرّد الإنكار بل اعتقد عكس الذي أنكره أيضاً، فمثل هذا كذلك يُعْتبر كافراً، وهنا الحافظ ابن حجر فرّق ما بين كفر وكفر، فجعل الكفر الذي هو معلوم من الدّين بالضّرورة والذي لا يُخْتَلف فيه هو الذي تُرَدُّ رواية صاحبه، لكن الذي ذكرناه هو الصّواب -إن شاء الله-.
"فأَمَّا مَن لم يَكُنْ بهذهِ الصِّفَةِ، وانْضَمَّ إِلى ذلك ضَبْطُهُ لِما يَرويهِ مَعَ وَرَعِهِ وتَقْواهُ؛ فلا مانِعَ مِن قَبولِهِ"، أي وإن كان وقع في بدعة مُكَفِّرة لكنّها ليست ممّا ذكره الحافظ ابن حجر.
"والثاني: وهو مَن لا تَقْتَضي بدعَتُهُ التَّكفيرَ أَصلاً، و قد اختُلِفَ أَيضاً في قَبولِهِ ورَدِّهِ"، هذا الثّاني الذي بدعته لا تصل به إلى حدّ الكفر، ولا يُكَفَّر بها، فهل تُقْبَلُ روايته أم لا؟
الرّاجح والصّحيح من كلام أهل العلم أنّه إذا عُلِم صدقه يُقْبَل خبره وإلاّ فلا.
والذي جعلنا نقبل أخبار أهل البدع هو ما قاله علي بن المديني -رحمه الله- قال: "إذا تركت حديث أهل البصرة للقدر، وحديث أهل الكوفة للتشيّع، لخربت الكتب"، إذا تركت هذا لهذا، وهذا لهذا خربت الكتب، يعني ضاع الكثير من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لدفع هذه المفسدة قبل العلماء خبر أهل البدع بشرط أن يُعْلم صدقهم، وأنّهم لا يكذبون.
هنا مسألة:
يستدلّ الكثير من النّاس - لا نريد أن نزيد على هذا- بجواز أخذ العلم عن أهل البدع بهذه المسألة وهي بجواز الرّواية عن أهل البدع.
يقولون: إذا جازت الرّواية عن أهل البدع فأخذ العلم عنهم جائز.
نحن نقول لهم هناك فرق بين هاته وتلك، والفرق هو أنّ أخذ الرّواية عن أهل البدع إنّما جازت لدفع مفسدة كانت ستقع، لذلك جاز أخذ الرّواية عن أهل البدع.
فعندنا مفسدتان دفعنا أعلى المفسدتين بارتكاب أدناهما.
المفسدة الأولى وهي الكبرى والتي كانت ستحصل وهي ضياع الكثير من أحاديث النّبي صلى الله عليه وسلم.
والمفسدة الصّغرى هي تأثّر الطّلبة الذين يأخذون عن مشايخهم من أهل البدع بهم، وانحرافهم بهم عن الطريق، عن جادّة الصّواب.
مثال ذلك: عبد الرزّاق الصّنعاني -رحمه الله- عندما جالس بعض أهل التّشيّع أخذ التّشيّع عنهم.
قال يحي بن معين لعبد الرّزاق الصّنعاني قال له: أعرف شيوخك وكلّهم أصحاب سنّة، من أين جاءك هذا الذي أنت فيه؟ وعبد الرّزاق كان فيه تشيّع.
فقال له: من جعفر بن سليمان الضُّبعي، لقد اغتررت بهديه وسمته.
فأخذ عنه التّشيّع لأنّه كان يجلس إليه ويأخذ عنه الرّواية.
هذه المفسدة هي التي حذّر السّلف رضي الله عنهم من مجالسة أهل البدع لأجلها، وهي التأثّر بالشّيخ والأخذ عنه، أخذ البدعة عنه، فهناك فرق إذن ما بين الرّواية وما بين طلب العلم.
طلب العلم على العالم الــمُبْتَدِع ليس عندنا هناك مفسدة كبرى نحتاج أن ندفعها بأخذ العلم عن العالم الـمُبْتَدِع، أو طالب العلم الــمُبْتَدِع، ليست عندنا هذه المفسدة، وبحمد الله أهل العلم من أهل السنّة والجماعة موجودون وبكثرة، وفيهم كفاية والحمد لله.
فلماذا تذهب وتأخذ عن أهل البدع؟ الرّواية عن أهل البدع كان هناك فيه مفسدة كبرى لو أنّا تركنا الرّواية عنهم، فدفعنا هذه المفسدة الكبرى بأخذ الرّواية عنهم وبإجازة الرّواية عن أهل البدع، إذن فبين الصّورتين فرق.
فلا يستدلنّ أحدٌ بهذه المسألة على جواز الأخذ عن أهل البدع، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الدّجال وحثّنا على البُعد عنه، لأنّ معه شبهات، يأتيه الشّخص ويظنّ نفسه أنّه قادر على شبهاته، ثمّ يقع في الشّبهات.
هكذا البدع، مثلما قال السّلف: القلوب ضعيفة والشُّبه خطّافة.
لا تأمن على نفسك، قلوب العباد بين أُصْبُعَيْن من أصابع الرّحمن يُقَلِّبها كيف يشاء.
أنت اليوم مُؤمن، ممكن غداً تكون كافراً؛ أنت اليوم سنّي، ممكن أن تكون غداً بدعياً، فلذلك لا تأمن على نفسك، ولا تقامر بدينك، فابتعد عن أسباب الفتن وأسباب الضّياع في أمر دينك؛ ولا تجالس أهل البدع، ولا تأخذ عنهم أمر دينك.
أمّا مسألة الرّواية عنهم وأخذ الحديث عنهم، ومجالستم في مجالسهم في ذلك، فإنّما جاز ذلك فقط لحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الضّياع، وقد انتهى هذا بحمد الله واستقرّت الأمور، وانتهى الأمر.
قال: "والثاني: وهو مَن لا تَقْتَضي بدعَتُهُ التَّكفيرَ أَصلاً، و قد اختُلِفَ أَيضاً في قَبولِهِ ورَدِّهِ: فقيلَ: يُرَدُّ مُطلَقاً يعني خبره يُرَدُّ مطلقا، مع ذلك الذي ذكرناه وجود هذه المفسدة، وُجِد من بعض أهل العلم مَنْ قال لا يجوز أخذ الرّواية عن أهل البدع مطلقاً؛ لكن هذا كما قال الحافظ: "– وهُو بَعيدٌ –"، لاشكّ أنّه بعيد، لأنّه كان سيؤدّي إلى مفسدة كبيرة وهي ضياع الكثير من السُّنَن كما أشار إلى ذلك علي بن المديني رحمه الله.
"وأَكثرُ مَا عُلِّلَ بهِ أَنَّ في الرِّوايةِ عنهُ تَرْويجاً لأمرِهِ"، قال أكثر ما ذُكِر في الأمر أنّنا إذا روينا عن هذا الــمُبْتَدع روّجنا أمره، وعملنا دعاية له ونشرنا أمره بين الطّلبة، قال هذا أكثر ما احتجّوا به.
"وتَنْويهاً بذِكْرِهِ، وعلى هذا؛ فيَنْبَغي أَنْ لا يُرْوى على مُبْتَدعٍ شيءٌ يُشارِكُه فيهِ غيرُ مُبتدعٍ. وقيلَ: تُقْبَلُ مُطْلقاً"، هذا القول الثّاني أنّ رواية الــمُبْتَدِع تُقْبَل مطلقاً.
"إِلاَّ إِن اعْتَقَدَ حِلَّ الكَذِبِ؛ كما تقدَّمَ، وقيلَ: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ داعِيةً إِلى بِدعَتِهِ"، وهذا القول مشهور عند علماء المصطلح أنّ روايته تُقْبَل إذا لم يكن من الدّعاة إلى بدعته، يعني يبتدع بدعة كبدعة الإرجاء مثلاً، أو بدعة الخوارج، ثمّ يدعو النّاس إلى هذه البدعة.
·إذا كان داعية قالوا: لا يُقْبَل.
·وإن لم يكن داعية قالوا: قُبِل.
قال: "لأنَّ تزيينَ بِدعَتِه قد يَحْمِلُهُ إلى تَحريفِ الرِّواياتِ وتَسويَتِها على ما يقتَضيهِ مذهَبُه"، هذا هو السّبب الذي ردُّوا فيه رواية الدّاعية إلى البدعة، قالوا لأنّه ربّما بدعته هذه التي يروّج لها، والتي يحاول أن يدعو إليها ربّما تدفعه إلى تغيير أحاديث النّبي صلى الله عليه وسلم لأجل أن تتماشى مع بدعته.
"وهذا في الأصَحِّ، وأَغْرَبَ ابنُ حِبَّانَ، فادَّعى الاتِّفاقَ على قَبولِ غيرِ الدَّاعيةِ مِن غيرِ تفصيلِ"، "أغرب"، يعني هذه من الأقوال الغريبة التي تُرَدّ، وادّعى أنّ الاتّفاق حاصل على قبول رواية غير الدّاعية، من غير أن يُفَصِّل في هذا، وهذا مردود عليه، ردّه على ابن حِبَّان أكثر من واحد.
"نَعَمْ؛ الأكثرُ على قَبولِ غيرِ الدَّاعي"، قال: نعم من ناحيّة الأكثرية هذا مُسَلَّم على أنّهم يقبلون رواية غير الدّاعية، لكن الاتّفاق لا يوجد اتّفاق في المسألة.
"إِلاَّ إنْ رَوى ما يُقَوِّي بِدْعَتَهُ، فيُرَدُّ على المذهَبِ المُخْتارِ وبه صرح"، إذا روى ما يُقَوِّي بدعته، يعني يقول هنا يُقْبَل من لم يكن داعية في الأصحّ، "إِلاَّ إنْ رَوى ما يُقَوِّي بِدْعَتَهُ، فيُرَدُّ على المذهَبِ المُخْتارِ"، يعني المذهب المختار عنده.
"وبهِ صرَّحَ الحافِظُ أَبو إِسحاقَ إِبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوْزَجانِيُّ شيخُ أَبي داودَ، والنَّسائِيِّ في كتابِه ((معرفة الرِّجال))، فقالَ في وَصْفِ الرُّواةِ: ((فمِنهُم زائغٌ عن الحَقِّ – يعني: السُّنَّةِ – صادقُ اللَّهجَةِ، فليسَ فيهِ حيلةٌ؛ إِلاَّ أَنْ يُؤخَذَ مِن حديثِه ما لا يكونُ مُنْكراً، إِذا لم يُقَوِّ بهِ بدْعَتَهُ)) اهـ"، هذا القول الذي ذكره النّسائي هو أصحّ الأقوال بأنّ الرّاوي إذا عُلِم بأنّه ثقة حتّى وإن وقع في بدعة لا يكفر بها يُقْبَلُ خبره بشرط أن لا يروي ما يُقَوِّي بدعته.
لماذا اشترطنا هذا الشّرط؟ شرطنا هذا الشّرط حذرًا من أن يُسَوِّل له الشّيطان فيُغَيِّر ويُبَدِّل في رواية تُقَوِّي بدعته، فإذا روى ما يُقَوِّي بدعته احتياطاً لا نقبل منه خبراً يُقَوِّي بدعته وإلاّ فالأصل عندنا أن نقبل خبره.
"وما قالَه متَّجِهٌ؛ لأنَّ العلَّةَ التي بها يرُدَّ حديثُ الدَّاعيةِ وارِدةٌ فيما إِذا كانَ ظاهِرُ المرويِّ يُوافِقُ مذهَبَ المُبْتَدِع، ولو لم يكنْ داعيةً، واللهُ سبحانه أَعلمُ"، واللهُ سبحانه وتعالى أعلم، فالرّاجح الصّحيح في مسألة البدعة التي لا يصل صاحبها إلى حدّ الكُفْر هو أنّه يُقْبَل خبره إذا كان ثقة ما لم يرو ما يُقَوِّي بدعته.
هذا هو أصحّ الأقوال في هذه المسألة، والله أعلم
وسبحانك اللّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلّا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-12-2012, 13:18   #19
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الدرس التاسع عشر من شرح نزهة النظر

الدرس التاسع عشر من شرح نزهة النظر
بسم الله الرحمن الرحيم
قال المؤلف رحمه الله:"ثمَّ سوءُ الحِفْظِ".
مازلنا في أسباب الطّعن، هذا السبب هو السبب العاشر، وهو سوء الحفظ.
قال المؤلف -رحمه الله-:"ثمَّ سوءُ الحِفْظِ، وهو السَّببُ العاشِرُ مِن أَسبابِ الطَّعنِ، والمُرادُ بهِ: مَن لم يَرْجُح جانِبُ إِصابتِه على جانِبِ خَطَئهِ"، أي لم يترجّح جانب إصابته على جانب خطئه، فيكون خطؤه كثيراً.
"وهو على قسمينِ: إِنْ كانَ لازِماً للرَّاوي في جَميعِ حالاتِه فـهُو الشاذُّ؛ على رَأْيِ بعضِ أَهلِ الحَديثِ".
إن كان سوء الحفظ لازما للرّاوي في جميع حالاته، أخرج بذلك المختلط.
الـمُخْتَلِط، صار عنده سوء حفظ لكنّه طارئ عليه في بعض حالاته لا في جميع حالاته.
أمّا هذا إن كان سوء الحفظ لازماً له في جميع حالاته، قال: "فـهُو الشاذُّ؛ على رَأْيِ بعضِ أَهلِ الحَديثِ".
"أَوْ إن كانَ سوءُ الحفظِ طارِئاً على الرَّاوي، إِمَّا لكِبَرِهِ أَو لذَهابِ بصرِه، أَوْ لاحتِراقِ كُتُبِه، أَو عدمِها"، لأي سبب.
"بأَنْ كانَ يعْتَمِدُها، فرَجَعَ إِلى حفظِهِ، فساءَ، فـهذا هو المُخْتَلِطُ"، الـمُخْتَلِط: هو الذي كان يحفظ ثمّ ساء حفظه، هذا يُسَمَّى مختلطاً وهذا حكم حديثه أنّه إن تبيّن وتميّز عندنا ما رواه قبل الاختلاط عمّا رواه بعد الاختلاط فنأخذ بما رواه قبل الاختلاط، ونترك ما رواه بعد الاختلاط، وإن لم يتميّز تركنا حديثه كلّه، هذا هو حكم الــمُخْتَلِط.
"والحُكْمُ فيهِ أَنَّ ما حَدَّثَ بهِ قبلَ الاختلاطِ إِذا تَميَّزَ قُبِلَ، وإِذا لم يَتَمَيَّزْ تُوُقِّفَ فيهِ، وكذا مَن اشتَبَهَ الأمرُ فيهِ، وإِنَّما يُعْرَفُ ذلك باعْتِبارِ الآخِذينَ عنهُ". يعني كيف نعرف ونُمَيِّز بين ما رواه قبل الاختلاط وبعد الاختلاط؟
نعرف ذلك بالرّاوين عنه، فإذا علمنا بأنّ الرّاوي عنه أخذ عنه قبل الاختلاط نقبل رواية هذا الرّاوي عن هذا الشّيخ،
وإذا علمنا أنّه روى عنه بعد الاختلاط لا نقبل رواية هذا الرّاوي عن هذا الشّيخ.
من هؤلاء المختلطين مثلاً عطاء بن السّائب.
عطاء بن السّائب وجدنا بعض الرّواة تحقّقنا من أنّهم رووا عنه قبل الاختلاط فقَبِلْنا حديث هؤلاء الرّواة الذين رووا عنه قبل الاختلاط ورددنا أحاديث الذين رووا عنه بعد الاختلاط، فإذا تميّز عندنا حديثه قبلنا ما رواه قبل الاختلاط، ورددنا ما رواه بعد الاختلاط، أمّا إذا لم يتميّز توقّفنا فيه ولم نقبل حديثه كلّه.
قال رحمه الله:"ومَتى تُوبِعَ السَّيِّءُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ؛ كأَنْ يكونَ فوقَهُ أَو مِثْلَه لا دُونَه، وكَذا المُخْتَلِطُ الَّذي لا يتَمَيَّزْ وكذا المَسْتورُ والإِسنادُ المُرْسَلُ وكذا المُدَلَّسُ إِذا لم يُعْرَفِ المحذوفُ منهُ صارَ حديثُهُم حَسناً لا لذاتِهِ، بل وَصْفُهُ بذلك بـاعتبارِ المَجْموعِ من المُتابِعِ والمتَابَعِ"، الآن الرّاوي الذي ساء حفظه هو ضعيف لكنّ ضعفه ليس شديداً، سواء كان الرّاوي سيّء الحفظ أو كان مُخْتَلِطاً إذا وُجِد ما يُقَوِّيه يرتقي به إلى درجة الحسن، ترتقي إلى درجة الحسن،
يعني إذا وجدنا له مُتَابِعا يقوى به ويرتقي، هذا معنى كلام الـمُصَنِّف.
وكذلك قال الإسناد المرسل والــمُدَلَّس، كذلك الذي فيه راوٍ مُدَلِّس وقد عَنْعَن، كذلك إذا وجدنا له من يتابعه يتقوّى به ويصير حسناً، لكن عندنا في مسألة الإرسال شروط أظنّ أنّها تقدّمت معنا أنّ الــمُرْسَل لا يتقوّى إلاّ إذا جاء من طريق أخرى، يعني اختلف مع الــمُرْسِل في الشّيوخ، فإذا اختلف الطّريق الثّاني عن الطّريق الأوّل في الشّيوخ عندئذ يتقوّى به وإلاّ فلا.
وكذلك الإسناد الضّعيف إذا كان مخرجه يخالف مخرج الــمُرْسِل يُقَوِّيه وإلاّ فلا.
فقال هنا:"صارَ حديثُهُم حَسناً لا لذاتِهِ، بل وَصْفُهُ بذلك بـاعتبارِ المَجْموعِ"، أي أنّه حديث يصبح حسناً لكن ليس ذات الإسناد نفسه حسناً، لا، الإسناد ذاته ضعيف، لكن باعتبار الإسنادين أو أكثر صار حسناً، هذا معنى كلامه "بـاعتبارِ المَجْموعِ من المُتابِعِ والمتَابَعِ"، باعتبار الإسناد الأوّل والإسناد الثاني.
"لأنَّ معَ كلِّ واحدٍ منهُم احْتِمالَ كونِ روايتِه صواباً أَو غيرَ صوابٍ على حدٍّ سواءٍ. فإِذا جاءَتْ مِنَ المُعْتَبَرينَ روايةٌ مُوافِقةٌ لأحدِهِم؛ رُجِّحَ أَحدُ الجانِبينِ مِن الاحْتِمالينِ المَذكورَيْنِ، ودلَّ ذلك على أَنَّ الحَديثَ مَحْفوظٌ، فارْتَقى مِن درَجَةِ التوقُّفِ إِلى دَرَجَةِ القَبولِ، واللهُ سبحانه وتعالى أَعلمُ"، يريد من ذلك أن يُبَيِّن سبب قبولهم للحديث إذا اجتمعت الطُّرُق.
قال:"لأنَّ معَ كلِّ واحدٍ منهُم احْتِمالَ كونِ روايتِه صواباً أَو غيرَ صوابٍ على حدٍّ سواءٍ"، يعني كلّ واحد من الـــمُتَابِع والــمُتَابَع، كلُّ واحد منهم يوجد في روايته احتمال أن تكون روايته صواباً أو خطأ، صح؟
فإذا جاءت رواية أحدهما موافقة لرواية الآخر دلّت على أنّ الاحتمال الصّواب هو الأقوى عند الطّرفين، فيقوى هذا الاحتمال وتصير الرّواية مُحْتَجًّا بها، هذا معنى كلامه.
قال: "ومعَ ارْتِقائِهِ إِلى دَرَجَةِ القَبولِ؛ فهُو مُنْحَطٌّ عنْ رُتْبَةِ الحَسَنِ لذاتِه"، من حيث المقارنة، وهذه قد تقدّم معنا، قال وإن كنّا قوّينا رواية الضّعيف برواية الضّعيف الآخر مثلاً وصارت روايتهم حسنة إلاّ أنّها مهما بلغت لا تصل إلى درجة الحديث الحسن لذاته، فالحسن لذاته يكون أقوى.
قال: "ورُبَّما توقَّفَ بعضُهم عنْ إِطلاقِ اسمِ الحَسَنِ عليهِ"، يعني الذي يتقوّى، الذي هو ضعيف في الأصل وقويناه بالطّرق، قال بعضهم: لا يطلق عليه اسم الحسن.
"وقد انْقَضى ما يتعلَّقُ بالمَتْنِ مِن حيثُ القَبولُ والرَّدُّ"، يعني أنّه قد تمّ وانتهى ما يتعلّق بالمتن من حيث القبول والردّ، وبقي ما يتعلّق بالإسناد، من حيث أنّه ينتهي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهذه الأقسام التي تتعلّق بالمتن، قد انتهينا منها، بقي عندنا الكلام في الإسناد.
فقال رحمه الله: "ثمَّ الإِسْنادُ وهُو الطَّريقُ المُوصِلَةُ إِلى المتنِ"، الإسناد هو الطّريق الموصلة إلى المتن، والمراد بالطّريق رجال الإسناد.
"والمَتْنُ: هُو غايَةُ ما يَنْتَهي إِليه الإِسنادُ مِن الكلامِ"،
الإسناد رجال السّند، مالك عن نافع عن ابن عمر، هذا إسناد.
عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، هذا المتن، لأنّ هذا الغاية التي انتهى إليها الإسناد.
فالمتن غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام، يعني قول النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي يذكر هذا يُسَمَّى متناً، أي نعم، هذا يُسَمَّى متناً، والإسناد الطّريق الموصلة إلى المتن أو سلسلة الرّواة الموصلة إلى المتن، هذا تُسَمَّى إسناداً.
أمّا المتن فهو الذي بعد أن ينتهي الإسناد هو يبدأ، هذا يُسَمَّى متناً، طيب.
قال:"وهُو إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ويقتَضي لفظُهُ إِمَّا تَصْريحاً أَوْ حُكْماً أَنَّ المنَقْولَ بذلك الإِسنادِ مِن قولِهِ صلى الله عليه وسلم، أَوْ مِن فِعْلِهِ، أو مِن تَقريرِهِ".
"وهُو": أي الإسناد.
"إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ويقتَضي لفظُهُ"، أي تلفّظ الحديث والمراد متنه.
"إِمَّا تَصْريحاً أَوْ حُكْماً أَنَّ المنَقْولَ بذلك الإِسنادِ مِن قولِهِ صلى الله عليه وسلم، أَوْ مِن فِعْلِهِ، أو مِن تَقريرِهِ". فصار عندنا الآن المرفوع إمّا أن يكون مرفوعاً صراحة كأن يقال مثلاً: قال صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو أن يكون مرفوعا حُكْمًا أي يُعْطى حُكْم المرفوع، وسيأتي تمثيله - إن شاء الله -.
قال:"مثالُ المَرفوعِ مِن القولِ تَصريحاً: أَن يقولَ الصَّحابيُّ: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: كذا، أَو : حدَّثَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بكَذا، أَو يقولُ هو أَو غيرُه: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كذا، أَو: عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ كذا، ونحوَ ذلك".
إذن هذا يُسَمَّى مرفوعاً صريحاً، مرفوعاً رفعاً صريحاً.
ما هو الحديث المرفوع؟ هو المضاف إلى النّبي صلى الله عليه وسلم، فإضافته إلى النّبي صلى الله عليه وسلم إمّا أن تكون:
·إضافة قول.
·أو إضافة فعل.
·أو إضافة تقرير.
وإضافته إمّا أن تكون إضافة صريحة كأن تقول: قال صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أنت تضيفه إلى النّبي صلى الله عليه وسلم صراحة.
أو أن تنطق كلاماً يكون في الــحُكْمُ هو من كلام النّبي صلى الله عليه وسلم، يعني مثلاً
يقول الصّحابي قولاً فيه أمر من أمور الآخرة، يذكر أمراً من أمور الآخرة ولا يذكر فيه النّبي صلى الله عليه وسلم هذا إذا لم يكن الصّحابي من الذين يروون عن الإسرائيليات ماذا يُسَمَّى؟ مرفوعاً حُكْمًا، يعني حكمه حُكْم الرّفع وإن لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ أنّ حكمه هو للنّبي صلى الله عليه وسلم، إذ الصّحابي من أين له هذا الأمر الغيبي؟ إذا لم يكن يروي عن بني إسرائيل فمن أين له؟ ما له إلاّ من النّبي صلى الله عليه وسلم فيُسَمَّى مرفوعاً حُكْمًا.
قال:"مثالُ المَرفوعِ مِن القولِ تَصريحاً: أَن يقولَ الصَّحابيُّ: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ..." إلى آخر الأمثلة التي ذكرها.
فكلّها فيها تصريح من الصّحابي أنّه سمع الحديث من النّبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أضاف الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو مرفوع.
وإذا ذكر النّبي صلى الله عليه وسلم صراحة فهو مرفوع صريح، طيب.
"ومِثالُ المَرفوعِ مِن الفِعْلِ تَصريحاً"، مرفوع فعلي صراحة.
"أَن يقولَ الصَّحابيُّ: رأَيْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعَلَ كذا، أَو يقولَ هُو أَو غيرُه: كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يفعَلُّ كذا". هذا فيه رفع ونسبة الفعل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا صريح في الرّفع.
"ومِثالُ المَرفوعِ مِن التَّقريرِ تَصريحاً: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ: فعَلْتُ بحضرَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كذا، أَو يقولَ هو أَو غيرُه: فعَلَ فُلانٌ بحَضْرَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كذا، ولا يذكُرُ إِنكارَهُ لذلك". لكن المهمّ أن يكون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم موجود وإلا ليس موجود؟ موجود، لأنّنا عرفنا أنّ المرفوع كم نوع؟ ثلاثة، قولي أو فعلي، أو تقريري.
·قولي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
·فعلي: فعل النّبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا.
·تقريري: فعلت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا ولم ينكره، هذا تقرير، يعني أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل.
ثمّ بعد ذلك هذه الأقسام الثّلاثة، منها ما هو صريح ومنها ما هو غير صريح.
مثّل الآن المؤلف رحمه الله للصّريح من المرفوع القولي والفعلي والتّقريري.
الآن يريد أن ينتقل إلى التّمثيل بالمرفوع غير الصّريح.
·مرفوع غير صريح قولي.
·مرفوع غير صريح فعلي.
·مرفوع غير صريح تقريري.
هذا هو، قال: "ومثالُ المرفوعِ مِن القولِ حُكْماً لا تَصْريحاً"، هو في الحُكْم يأخذ الحديث الذي قيل فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فعل رسول صلى الله عليه وسلم، أو أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الحُكْم، لكن من ناحية اللّفظ لا تجد في اللّفظ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
"مثالُ المرفوعِ مِن القولِ حُكْماً لا تَصْريحاً: ما يقولَ الصَّحابيُّ – الَّذي لم يأْخُذْ عَنِ الإِسرائيليَّاتِ –"، هذا شرطه لا يأخذ عن الإسرائيليات، لأنّ الأخذ عن الإسرائيليات فيه أمور غيبيّة، أي نعم، فإذا علما أنّه يأخذ عن الإسرائيليات فالاحتمال عندنا يكون احتمالين:
·احتمال أن يكون أخذه عن النّبي صلى الله عليه وسلم.
·واحتمال أن يكون أخذه عن بني إسرائيل.
فإذا لم يكن يروي عن الإسرائيليات ما بقي عندنا إلاّ احتمال واحد وهو أنّه أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك نقول هو مرفوع حُكْمًا.
قال:"ما يقولَ الصَّحابيُّ – الَّذي لم يأْخُذْ عَنِ الإِسرائيليَّاتِ – ما لا مجالَ للاجْتِهادِ فيهِ"، هذا شرط ثانٍ، أن يكون قوله في شيء لا مجال للاجتهاد فيه، كي لا يكون اجتهاداً له.
إذن صارت الاحتمالات عندنا كم؟ ثلاثة: في الخبر الذي يرويه الصحابي:
·إمّا أن يكون من أقوال بني إسرائيل.
·أو أن يكون اجتهاداً.
·أو أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا لم يكن الصّحابي يروي عن الإسرائيليات يبقى عندنا احتمالين:
وإذا لم يكن القول ممّا فيه مجال للاجتهاد يبقى عندنا احتمال واحد وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم.
قال:"ولا لهُ تعلُّقٌ ببيانِ لُغةٍ أَو شرحِ غريبٍ؛ كالإِخْبارِ عنِ الأمورِ الماضيةِ مِن بدْءِ الخَلْقِ وأَخْبارِ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام، أَو الآتيةِ كالملاحمِ والفِتَنِ وأَحوالِ يومِ القيامةِ"، يعني باختصار أنّ الصّحابي يذكر كلاماً لا يُحْتَمل إلاّ أن يكون كلام النّبي صلى الله عليه وسلم، هذا باختصار، تمام؟
"وكذا الإِخْبارُ عمَّا يحْصُلُ بفِعْلِهِ ثوابٌ مَخْصوصٌ، أَو عِقابٌ مَخْصوصٌ. وإِنَّما كانَ لهُ حُكْمُ المَرفوعِ؛ لأنَّ إِخبارَهُ بذلك يقتَضي مُخْبِراً لهُ"، إخباره بأمر غيبي كهذه التي مثّل لها يقتضي مُخْبِرا له، من أين أتى به؟
"و ما لا مَجالَ للاجتِهادِ فيهِ يَقتَضي مُوقِفاً للقائلِ بهِ، ولا مُوقِفَ للصَّحابَةِ إِلاَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعني قول كلام لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي مُوَقِّفا -يعني مُعَلِّما- أو مُطْلِعاً.
"للقائلِ بهِ"، أي لابدّ أن يكون هناك مُعَلِّم علّم هذا القائل هذا القول الذي هو لا مجال للاجتهاد فيه، من أين أتى به؟
"ولا مُوقِفَ للصَّحابَةِ إِلاَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أَو بعضُ مَن يُخْبِرُ عَن الكُتبِ القديمةِ"، الصّحابي ليس له أن يعلم الأمر الغيبي إلاّ من النبي صلى الله عليه وسلم أو مَنْ قرأ في الكتب القديمة.
"فلهذا وقعَ الاحْتِرازُ عنِ القسمِ الثَّاني"، لهذا اشترطنا في الصّحابي أن لا يروي عن الإسرائيليات.
"وإِذا كانَ كذلك؛ فلهُ حُكْمُ ما لو قالَ: قالَ رسولُ صلى الله عليه وسلم"، باختصار إذا الصّحابي قال قولاً، هذا القول ليس فيه مجال للاجتهاد ولا كان الصّحابي ممّن عُرِف بالأخذ عن الإسرائيليات هنا نقول هذا الحديث له حُكْم الرّفع وإن لم يذكر فيه النّبي صلى الله عليه وسلم، لأنّه ليس للصحابي أن يذكره إلا أن يكون قد أخبره به النّبي صلى الله عليه وسلم.
"فهُو مَرْفوعٌ؛ سواءٌ كانَ ممَّا سمِعَهُ منهُ أَو عنهُ بواسِطةٍ"، بغضّ النّظر سواء أخذه عن النّبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، أو أخذه عن صحابي آخر مثلا يُسَمَّى مرفوعاً حُكْماً.
"ومِثالُ المَرفوعِ مِن الفِعْلِ حُكماً: أَنْ يفعَلَ الصَّحابيُّ ما لا مَجالَ للاجْتِهادِ فيهِ فيُنَزَّلُ على أَنَّ ذلك عندَه عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كما قالَ الشافعيُّ رحمه الله تعالى في صلاةِ عليٍّ كرّم الله وجهه في الكُسوفِ في كُلِّ ركعةٍ أَكثرَ مِن رُكوعَيْنِ"، يعني عليّ الآن عندما صلّى صلاة الكسوف صلّاها في كلّ ركوع أكثر من ركوعين.
يقول لك الآن: عليٌّ رضي الله عنه من أين جاء بهذا؟ لا يكون هذا إلاّ أنّه قد أخذه عن النّبي صلى الله عليه وسلم، فمن هذا القبيل قالوا هو من المرفوع الفعلي حُكْمًا.
"ومثالُ المَرفوعِ مِن التَّقريرِ حُكْماً: أَنْ يُخبِرَ الصَّحابيُّ أَنَّهُم كانُوا يفْعَلونَ في زمانِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كذا"، ما قال أنّه فعله أمام النّبي صلى الله عليه وسلم، لا، قال فعلوه في زمن النّبي صلى الله عليه وسلم.
هذا عدّوه من المرفوع التّقريري حُكْمًا.
"فإِنَّهُ يكونُ لهُ حُكمُ المرفوعِ مِن جهةِ أَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلاعُهُ صلى الله عليه وسلم على ذلك لتوفُّرِ دَواعِيهِم على سُؤالِهِ عن أُمورِ دِينِهم، ولأنَّ ذلك الزَّمانَ زمانُ نُزولِ الوَحْيِ فلا يقعُ مِن الصَّحابةِ فِعْلُ شيءٍ ويستمرُّونَ عليهِ إِلاَّ وهُو غيرُ ممنوعِ الفعلِ". هذا هو الصّحيح يعني أنّ هذا الفعل عندما يقع في عهد التّنزيل، ويُقَرُّون عليه ولا ينزل في ذلك قرآن يُصَوِّب هذا الفعل يدلّ ذلك على أنّ هذا الفعل يُعْتَبَر حجّة، وبذلك احتجّ جابر بن عبد الله عندما سُئِل عن العزل، قال: كنّا نعزل والقرآن ينزل، فاستدلّ بالتّقرير الحُكْمي هذا أنّه كان يفعل الفعل في عهد النّبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يأت في ذلك تحريمه.
هذا الذي يُسَمَّى المرفوع التّقريري حُكْماً.
قال:"وقدِ استدلَّ جابِرٌ وأَبو سعيدٍ –رضي الله تعالى عنهما– على جوازِ العَزْلِ بأَنَّهُم كانوا يفعَلونَه والقرآنُ ينزِلُ، ولو كانَ ممَّا يُنْهَى عنهُ لنَهى عنهُ القُرآنُ. ويلتَحِقُ بالقَولي: ((حُكْماً))؛ ما وردَ بصيغةِ الكنايةِ في موضعِ الصِّيَغِ الصَّريحةِ بالنِّسبةِ إِليه عليه الصلاة والسلام؛ كقولِ التَّابعيِّ عنِ الصَّحابيِّ: يرفعُ الحَديثَ، أو: يرويهِ، أو: يَنْميهِ، أَو: روايةً، أَو: يبلُغُ بهِ، أَو: رواهُ"، هذه كلّها صيغ استعملت عند علماء الحديث اصطلاحاً على أنّ معناه أنّ الصّحابي يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه ألحقها الحافظ بما قال فيه بأنّه مرفوع حُكْماً.
فهذه الألفاظ تُسْتَعْمل عند أصحاب الحديث بمعنى الرّفع إلى النّبي صلى الله عليه وسلم، فإذا ذكر الحديث مثلاً فقال: عن أنس بن مالك يرفعه، أو: يرفع الحديث، أو: يرويه، أو: ينميه، أو: رواية، أو: يبلغ به، أو: رواه، فكلّ هذا يعني أنّه رواه إلى النّبي صلى الله عليه وسلم، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
"وقد يَقْتَصِرونَ على القولِ معَ حَذْفِ القائلِ، ويُريدونَ بهِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ كقولِ ابنِ سيرينَ عنْ أَبي هُريرةَ قالَ: قالَ: ((تُقاتِلونَ قَوْماً...)) الحديث".
لاحظ هنا ما ذكر النّبي صلى الله عليه وسلم، لكن قال: "عن أبي هريرة قال:"، الآن القائل هنا مَنْ؟ أبو هريرة.
"قال: تُقَاتِلون"، مَنْ القائل هنا؟ النبي صلى الله عليه وسلم.
"وفي كلامِ الخَطيبِ أَنَّه اصْطِلاحٌ خاصٌّ بأَهلِ البَصرَةِ". أي هم الذين كانوا يفعلون هذا.
طيب، نقف إلى هنا إن شاء الله .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-12-2012, 13:19   #20
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي الدرس العشرون من شرح نزهة النظر

الدرس العشرون من شرح نزهة النظر
بسم الله الرحمن الرحيم
الآن المصنّف يتحدّث عن المرفوع تصريحاً، أو المرفوع حكماً.
قال المؤلف: "ومِن الصِّيَغِ المُحْتَمِلةِ"، التي تحتمل الرّفع و الوقف.
"قولُ الصَّحابيِّ: "مِن السُّنَّةِ كذا"، فالأكثرُ"، أكثر العلماء.
"أَنَّ ذلك مرفوعٌ،ونقلَ ابنُ عبدِ البرِّ فيهِ الاتِّفاقَ؛ قالَ: وإِذا قالَها غيرُ الصَّحابيِّ؛ فكذلك، ما لم يُضِفْها إِلى صاحِبِها كسُنَّةِ العُمَرينِ، ففي نَقْلِ الاتِّفاقِ نَظَرٌ"، يعني الآن كلمة "من السنّة كذا"، هل إذا قالها الصّحابي تُعْتَبَر مرفوعة أم لا؟ أكثر أهل العلم على أنّ هذا يعتبر مرفوعاً وسيأتي من كلام الحافظ الدّليل على ذلك، على صحّة هذا القول.
"ونقلَ ابنُ عبدِ البرِّ فيهِ الاتِّفاقَ؛ وإِذا قالَها غيرُ الصَّحابيِّ؛ فكذلك، ما لم يُضِفْها إِلى صاحِبِها كسُنَّةِ العُمَرينِ"، يعني غير الصّحابي إذا قال: "من السنّة كذا" فمعنى ذلك أنّه يريد أن يرفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وغير الصّحابي كالتّابعي مثلاً قال: "من السنّة كذا" وقلنا هذا حُكْمُه الرّفع فيكون مُرْسَلاً.
وقال: "غير الصّحابي إذا لم يُضِفْها إلى صاحبها"، يعني إذا لم يقل: "من سنّة عمر كذا"، أو "من سنّة أبي بكر كذا"،
إذا أضافها إلى صاحبها انتهى الأمر، أمّا إذا لم يضفها وأطلقها هكذا قالوا فالأصل فيها أنّها سنّة النّبي صلى الله عليه وسلم.
واعترض الحافظ -رحمه الله- على نقل الاتّفاق فقال:
"ففي نَقْلِ الاتِّفاقِ نَظَرٌ، فعَنِ الشَّافعيِّ في أَصلِ المسأَلةِ قولانِ". الشّافعي -رحمه الله- نقل عنه أصحابه قولان فيها.
"وذَهَبَ إِلى أَنَّهُ غيرُ مرفوعٍ أَبو بكرٍ الصَّيرفيُّ مِن الشَّافعيَّةِ، وأَبو بكرٍ الرَّازيُّ مِن الحنفيَّةِ، وابنُ حزمٍ مِن أَهلِ الظَّاهِرِ، واحتَجُّوا بأَنَّ السُّنَّةَ تتردَّدُ بينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وبينَ غيرِه"، هذه حجّتهم، الذي قالوا بأنّه: "من السنّة" لا يكون مرفوعاً، قالوا لأنّ "السنّة" كلمة ممكن تُطْلَق على سنّة النّبي صلى الله عليه وسلم، وممكن تُطْلَق على سنّة أبي بكر، أو سنّة غيرهم من النّاس.
"وأُجِيبوا"، عن قولهم هذا، "وأُجِيبوا بأَنَّ احْتِمالَ إِرادةِ غيرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعيدٌ". يعني الاحتمال الأقوى والأقرب هو أنّ المراد هو سنّة النّبي صلى الله عليه وسلم، أمّا احتمال إرادة غيره فبعيد، فيبقى عندنا الأصل وهو الاحتمال القريب.
"وقد روى البُخاريُّ في صحيحِه في حديثِ ابنِ شِهابٍ عن سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عن أَبيهِ في قصَّتِه معَ الحجَّاج حيث قالَ لهُ: إِنْ كُنْتَ تُريدُ السُّنَّةَ فهَجِّرْ بالصَّلاةِ، قالَ ابنُ شِهابٍ: فقلتُ لسالِمٍ: أَفَعَلَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فقالَ: وهل يَعْنونَ بذلك إِلاَّ سُنَّتَهُ صلى الله عليه وسلمهذا هو الشاهد، "فنَقَلَ سالمٌ وهو أَحدُ الفُقهاءِ السَّبعَةِ مِن أَهلِ المدينةِ، وأَحدُ الحفَّاظِ مِن التَّابعينَ عنِ الصَّحابةِ، أَنَّهم إِذا أَطلَقوا السُّنَّةَ؛ فلا يُريدونَ بذلك إِلاَّ سُّنَّةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهذا دليل كافٍ إن شاء الله.
"وأَمَّا قولُ بعضِهِم: إِذا كانَ مرفوعاً؛ فلمَ لا يقولونَ فيهِ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟"، يعني يقول الآن البعض إذا كان مرفوعاً فلماذا لم يُصَرِّحوا بذكر النّبي صلى الله عليه وسلم فيه؟!! لماذا اكتفوا بقولهم من السنّة كذا؟
"فجوابُهُ: إِنَّهُم تَرَكوا الجَزْمَ بذلك تورُّعاً واحتِياطاً".أي من ورعهم في الرّواية تجنّبوا ذكر النّبي صلى الله عليه وسلم فيها.
"ومِن هذا:"، أي ممّا تُرِك الجزم فيه تورّعًا أيضاً.
"قولُ أَبي قِلابةَ عن أَنسٍ: ((مِن السُّنَّةِ إِذا تزوَّجَ البِكْرَ على الثَّيِّبِ أَقامَ عندَها سَبعاً))، أَخرَجاهُ في الصَّحيحِ،
قالَ أَبو قِلابةَ: لو شِئْتُ لقلتُ: إِنَّ أَنساً رفَعَهُ إِلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام، أَي: لو قُلتُ: لمْ أَكْذِبْ". لو قلت: إنّ أنساً رفعه إلى النّبي صلى الله عليه وسلم لم أكذب في هذا، لكنّ ورعه هو الذي منعه من ذكر هذه الكلمة.
قال:"لأَنَّ قولَه: ((مِن السُّنَّةِ)) هذا معناهُ، لكنَّ إِيرادَهُ بالصِّيغَةِ التي ذَكَرها الصَّحابيُّ أَوْلى، ومِن ذلك"، أي من الصّيغ المحتملة للرّفع والوقف كذلك.
"قولُ الصَّحابيِّ: أُمِرْنا بكَذا، أَو: نُهينا عنْ كذا، فالخِلافُ فيهِ كالخِلافِ في الَّذي قَبْلَهُ"، أيضاً حصل فيها خلاف كما في الذي قبله، وأيضاً الظّاهر في إطلاق الأمر أنّه لصاحب الأمر وهو النّبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُصْرَف لغير ذلك إلاّ فيما يدلّ عليه.
قال:"لأنَّ مُطْلَقَ ذلك ينصَرِفُ بظاهِرِه إِلى مَنْ لهُ الأمرُ والنَّهْيُ وهُو الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم". لذلك يُعْتَبَر من قبيل المرفوع حُكْماً.
"وخالفَ في ذلك طائفةٌ وتمَسَّكوا باحْتِمالِ أَنْ يَكونَ المُرادُ غيرَه، كأَمرِ القُرآنِ، أَو الإِجماعِ، أَو بعضِ الخُلفاءِ، أَو الاستِنْباطِ!"، يعني الذين خالفوا وقالوا لا نحمل قولهم "أُمِرْنا بكذا"، أو "نُهِينا عن كذا"، لا نحمله على أنّهم يريدون به النبي صلى الله عليه وسلم.
قالوا: لأنّ احتمال أن يكون الآمر غير النّبي صلى الله عليه وسلم وارد، كأن يكونوا قد أخذوا الأمر من القرآن، أو أخذوه من إجماع، أو أخذوه من بعض الخلفاء الرّاشدين، أو أخذوه من الاستنباط، يعني من الاجتهاد.
قالوا: فهذه الاحتمالات كلّها واردة وبناءً على ذلك لا نحمل كلامهم هذا على أنّه مرفوع.
"وأُجيبوا بأَنَّ الأصلَ هو الأوَّلُ"، الأصل في ذلك، هذا الجواب: أنّ الأصل هو الأوّل، وهو أنّ الآمر والنّاهي هو لصاحب الأمر والنّهي وهو النّبي صلى الله عليه وسلم.
"وما عداهُ مُحْتَمَلٌ"، وغيره فيه احتمال وإن كنّا لا ننكره بتاتاً، فيه احتمال لكنّه احتمال ضعيف فلا يُعَوَّل عليه.
"لكنَّهُ"، أي الـمُحْتَمل.
"بالنسبةِ إليهِ مرجوحٌ"، أي ضعيف.
"وأَيضاً؛ فمَن كان في طاعةِ رئيسٍ إِذا قالَ: أُمِرْتُ؛ لا يُفْهَمُ عنهُ أَنَّ آمِرَهُ ليس إِلاَّ رئيسُهُ". يعني لا يُفْهَم عنه إذا قال: "أُمِرْتُ" وله رئيس مطاع، لا يُفْهَم من قوله: "أُمِرْتُ" إلاّ أنّ رئيسه هذا الــمُطاع هو الذي أمره بذلك.
"وأَمَّا قولُ مَن يقول: يُحْتَمَلُ أَنْ يُظنَّ ما ليسَ بأمرٍ أمراً"، أي هذا الذي دفع البعض إلى القول بأنّه ليس في حُكْم المرفوع.
قالوا: ربّما ظنّ الصّحابي ما ليس أمراً أمراً، فقال: "أُمِرْنا" وهو لم يأمرهم، فردّ الحافظ هذا القول بما سيأتي، يعني خلاصة هذا الموضوع أنّه استشكل بعضهم أن يُقال فيما قيل فيه: "أُمِرْنا بكذا" أن يكون الصّحابي عندما قال: "أُمِرْنا بكذا" أنّه فهم أمراً من النّبي صلى الله عليه وسلم، لكن حقيقة الأمر أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره.
قالوا: فهنا فيه إشكال لأنّ قول الصّحابي "أُمِرْنا" هذا ناتج عن فهمه للأمر، وربّما يكون فهمه خاطئاً.
قال الحافظ: "فلا اخْتِصاصَ لهُ بهذهِ المسأَلَةِ"، يعني هذا القول ليس مُخْتَصاً بمسألتنا هذه أصلاً.
هذا القول له علاقة بالرّواية بالمعنى ككلّ.
"بل هُو مذكورٌ فيما لو صرَّحَ، فقالَ: أَمَرَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بكذا"، نفس الشّيء، يعني المسألة ليس متوقّفة على قوله "أُمِرْنا بكذا"، أو "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا" هي مطروحة هنا ومطروحة هنا، فلا فرق لأنّ المسألة ليست هنا مسألتنا هذه، هذه مسألتنا ترجع إلى مسألة الرّواية بالمعنى، لأنّ الصّحابي لما قال هنا: "أُمِرْنا بكذا" روى الحديث بمعناه، ما رواه بلفظه، ما نقل لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، هذه المسألة ليست متعلّقة بهذه فحسب.
"بل هُو مذكورٌ فيما لو صرَّحَ، فقالَ: أَمَرَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بكذا، وهو احْتِمالٌ ضعيفٌ"، لماذا احتمال ضعيف؟ أن يكون الصّحابي قد فهم فهماً خاطئاً؟؟
قال: "لأنَّ الصَّحابيَّ عدلٌ"، يعني من ناحية أنّه ممكن أن يكون قد كذب على النبي صلى الله عليه وسلم فهذا بعيد لأنّه عدل.
"عارفٌ باللِّسانِ"، ومن ناحية أنه يكون قد أخطأ هذا أيضاً بعيد لأنّه يعرف اللّسان العربي ويعرف كيف النّبي صلى الله عليه وسلم يتكلّم.
"فلا يُطلقُ ذلك إِلاَّ بعدَ التحقيقِ"، بعد أن يُحَقِّق أنّه بالفعل أراد النّبي صلى الله عليه وسلم الأمر أو النّهي.
"ومن ذلك:"، أي ممّا يحتمل الرّفع أيضاً.
"قولُه: كنَّا نفعَلُ كذا، فلهُ حُكْمُ الرَّفعِ أَيضاً كما تقدَّمَ. ومِن ذلك: أَنْ يَحْكُمَ الصَّحابيُّ على فِعلٍ مِن الأفعالِ بأَنَّه طاعةٌ للهِ أَو لرسولِهِ"، معروف "كنّا نفعل كذا"، يعني أنّ له حكم الرّفع وهذه المسألة قد تقدّمت.
"ومِن ذلك أيضاً: أَنْ يَحْكُمَ الصَّحابيُّ على فِعلٍ مِن الأفعالِ بأَنَّه طاعةٌ للهِ أَو لرسولِهِ أَو معصيةٌ"؛ كما سيأتي.
قال: "كقولِ عَمَّارٍ: ((مَن صامَ اليومَ الَّذي يُشَكُّ فيهِ؛ فقدْ عَصى أَبا القاسِمِ صلى الله عليه وسلم))"، أيضاً هذا يعتبر من قبيل المرفوع.
"فلهذا حُكْمُ الرَّفعِ أَيضاً؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذلك ممَّا تلقَّاهُ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم". وإلا لما جزم بعصيان فاعل هذا الفعل، ما جزم بعصيانه للرسول صلى الله عليه وسلم.
"أَوْ يَنْتَهي غايةُ الإِسنادِ إلى الصَّحابِيِّ"، الآن خلّينا نرجع إلى الخلف كي نربط كلمة "أو" هذه مع ما سبق.
قال المؤلف فيما تقدّم: "ثمّ الإسناد إمّا أن ينتهي إلى النبي تصريحاً، أو حُكْماً من قوله أو فعله أو تقريره"، ثمّ هنا الآن أكمل، يعني كأنّه قال في البداية إمّا أن ينتهي الإسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، هنا يكمل يقول: "أَوْ يَنْتَهي غايةُ الإِسنادِ إلى الصَّحابِيِّ"، إمّا أن ينتهي إلى النّبي صلى الله عليه وسلم وبيّن لك التّفريعات التّي فرّعها عليه.
ثمّ قال هنا: "أَوْ يَنْتَهي غايةُ الإِسنادِ إلى الصَّحابِيِّ"، الأوّل المرفوع لأنّه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا ماذا يسمّى؟ الموقوف، لأنّه انتهى إلى الصّحابي.
قال: "كَذلكَ؛ أَي: مِثْلَ ما تقدَّمَ في كونِ اللَّفْظِ يَقْتَضي التَّصريحَ بأَنَّ المَنقولَ هُو مِن قولِ الصَّحابيِّ، أَو مِن فعلِهِ، أَو مِن تقريرِه، ولا يَجيءُ فيهِ جَميعُ ما تقدَّمَ"، أي التّفصيل فيه في مسألة الموقوف ليس كلّ ما قيل في المرفوع يُقال أيضا في الموقوف.
"بل مُعْظَمُه"، أي أكثره وهو التّصريح.
"والتَّشبيهُ لا تُشْتَرَطُ فيهِ المُساواةُ مِن كلِّ جهةٍ"، يعني عندما شبّهت لك الموقوف بالمرفوع لا يعني ذلك أنّ الموقوف يشبه المرفوع في كلّ شيء، فالتّشبيه أصلاً عندما يُشَبَّه شيء بشيء لا يعني ذلك أنّ التّشبيه مراد من كلّ جهة، لا، ربّما يُراد التّشبيه من جهة دون جهة.
قال: "ولمَّا كانَ هذا المُخْتَصرُ شامِلاً لجَميعِ أَنواعِ عُلومِ الحَديثِ اسْتَطْرَدْتُ منهُ إِلى تَعريفِ الصَّحابيِّ مَن هو، فقلتُ:"، انتهى الآن من ذكر المرفوع ومن ذكر الموقوف.
خلاصته المرفوع: ما أُضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقِيَّة أو خُلُقِيَّة، وسواء كانت الإضافة إضافة صريحة، أو إضافة حُكْمِيَّة كما تقدّم أمثلته.
وكذلك الموقوف: هو ما أُضِيف إلى الصّحابي من قول أو فعل.
الآن يريد استطراداً أن يُعَرِّف الصّحابي مَنْ هو؟
"فقلتُ: وهُو: مَنْ لَقِيَ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام مؤمِناً بهِ، وماتَ عَلى الإِسلامِ، ولو تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ في الأَصَحَّ". هذا هو الصّحابي: مَنْ لقي النّبي صلى الله عليه وسلم، سواءً رآه أو اجتمع به مجرّد اجتماع، حتى إن كان أعمى واجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيه، لأنّ كلمة" لقي" أعمّ من كلمة رأى كي يُدخل الأعمى في هذا الموضوع.
"مَنْ لَقِيَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مؤمِناً بهِ"، هذا شرط أن يكون مؤمنا به؛ إذا لقيه وهو كافر به هذا لا يُعْتَبَر صحابيّاً.
الصّحابي مَنْ لقي النّبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به.
"وماتَ عَلى الإِسلامِ"، يعني إذا ارتدّ ومات مرتدًّا لا يكون صحابيّاً.
"ولو تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ في الأَصَحَّ". يعني لو أنّه عندما رأى النّبي صلى الله عليه وسلم كان مؤمناً، ثمّ ارتدّ وقبل أن يموت أسلم، ومات على الإسلام، هذا يُعْتَبَر صحابياً أيضاً على خلاف في الصورة الأخيرة هذه.
قال: "والمرادُ باللِّقاءِ ما هُو أَعمُّ مِن المُجالَسَةِ والمُماشاةِ، ووصولِ أَحدِهِما إِلى الآخَرِ وإِنْ لم يُكالِمْهُ، ويدخُلُ فيهِ رُؤيَةُ أَحدِهما الآخَرَ، سواءٌ كانَ ذلك بنفسِه أَو بغيْرِه". يعني كلمة اللُّقي الآن أعمّ من كلّ ما ذكر من المجالسة، يعني يجلس معه في مجلس واحد، والمماشاة يعني يمشي معه في طريق واحد، ووصول أحدهما إلى الآخر يصل إليه أو يكلّمه، كلّ هذا اللّقي أعمّ من هذا كلّه.
قال: "والتَّعْبيرُ بـاللُّقِيَّ أَولى مِن قولِ بعضِهم: الصَّحابيُّ مَن رأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم"، بعضهم عرّف الصّحابي قال: مَنْ رأى النّبي صلى الله عليه وسلم، الحافظ ابن حجر قال: لا أنا عندي هذا قولنا "مَنْ لقي النّبي صلى الله عليه وسلم" أولى، لماذا؟
قال: "لأنَّهُ يخرُجُ ابنُ أُمِّ مكتومٍ"، يعني قوله رأى، ابن أمّ مكتوم ما رأى النّبي صلى الله عليه وسلم لأنّه كان أعمى.
"ونحوُهُ مِن العُميانِ، وهُم صحابةٌ بلا تَرَدُّدٍ"، هم صحابة، ما فيه تردّد، ما في شكّ في هذا أنّهم صحابة، فإذا قلنا مَنْ رأى النبي صلى الله عليه وسلم معنى ذلك أخرجناهم من الصّحبة، فلا يصحّ أن نقول مَنْ رأى بل مَنْ لقي وإن كان مَنْ عبّر بكلمة مَنْ رأى مراده مَنْ لقي، لكن تصويب الألفاظ أيضاً جيّد.
قال: "واللُّقي في هذا التَّعريفِ كالجِنْسِ". اللّقي في هذا التّعريف كالجنس، نحن ذكرنا في دروس ماضية أنّ التّعريفات عندما يريدون أن يُعَّرِّفوا شيئا يذكرون له كلمة التي تسمّى جنساً عندهم تشمل الــمُعَرَّف وتشمل غيره أيضاً، ثمّ بعد ذلك يذكرون فصولاً يخرجون بها مَنْ شملهم اللّفظ الأوّل من غير الـمـُعَرَّف.
يذكرون فصولاً إلى أن يصفو عندهم الــمُعَرَّف وحده، كقولنا مثلا: الإنسان حيوان ناطق.
عندما تقول الإنسان حيوان، الآن حيوان هذه تسمّى جنساً يدخل تحتها الإنسان، ويدخل تحتها أي شيء حي،
الحيوانات من ذوات الأربع، الطّيور وغيرها، كلّها تدخل في هذا.
طيب، الآن نحن نريد أن نُعَرِّف الإنسان فقط فماذا نفعل؟ نأتي بفصل جديد، قيد جديد كي يخرج لنا ما دخل مع الإنسان في كلمة الحيوان فنقول: الإنسان حيوان ناطق، فبكلمة ناطق أخرجنا كلّ ما هو حيّ، ماعدا بقي عندنا الإنسان، هذا يسمّى فصلاً.
فيقول هنا المؤلّف رحمه الله:"واللُّقي في هذا التَّعريفِ كالجِنْسِ".
"الصّحابي مَنْ لقي"، فقال هنا: مَنْ لقي: كالجنس تشمل كلّ مَنْ لقي النّبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان مؤمناً أو كان كافراً،
وستأتي القيود الآن حتّى نُخْرِج مَنْ ليس صحابيّا.
"و قَوْلِي: ((مُؤمناً به))؛ كالفَصْلِ، يُخْرِجُ مَن حَصَلَ لهُ اللِّقاءُ المذكورُ، لكنْ في حالِ كونِه كافراً". فمَنْ لقي النّبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر هذا لا يُسَمَّى صحابيّاً، أخرجناه بكلمة "مؤمناً به"، يعني يريد أن يقول لك: أنا قلت في تعريف الصّحابي:
هو مَنْ لقي النّبي صلى الله عليه وسلممؤمنا به، لأنّ مَنْ لقي النّبي صلى الله عليه وسلم كافراً به لا يكون صحابيّاً.
قال: "وقولي: "به""،ماذا يريد "به"؟ لمّا قال "الصّحابي مَنْ لقي النّبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به" مَنْ به؟ مؤمنا بالنّبي صلى الله عليه وسلم، طيب.
قال: "وقَوْلي: ((بهِ)) فصلٌ ثانٍ يُخْرِجُ مَن لَقِيَهُ مُؤمِناً لكنْ بغيرِه مِن الأنبياءِ ((عليهم الصلاة والسلام))"، كاليهود والنصارى الذين لم يُسْلِموا، جاؤوا والتقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، هؤلاء كانوا مؤمنين بموسى، مؤمنين بعيسى لكن ليس هذا مرادنا نحن بالصّحابي.
الصّحابي الذي نريد هو الذي كان مؤمنا بالنّبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قال: "قلت مؤمنا به" أي مؤمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
لو قال مؤمنا فقط ربّما يدخل اليهودي والنّصراني لأنّه كان مؤمناً بموسى وعيسى، فلذلك قال: "مؤمنا به"، أي بالنّبي صلى الله عليه وسلم كي يُخْرِج أمثال هؤلاء لأنّهم ليسوا صحابة إذا لم يسلموا.
قال: "لكنْ: هل يُخْرِجُ مَن لَقِيَهُ مُؤمِناً بأَنَّهُ سَيُبْعَثُ ولم يُدْرِكِ البِعْثَةَ؟"، استشكال، يستشكل الحافظ ابن حجر، لكن قولي مؤمنا به، هل يخرج مَنْ لقيه مؤمنا بأنّه سيبعث ولم يُدْرِك البعثة؟ أي لقيه قبل بعثة النّبي صلى الله عليه وسلم، لقي النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومات قبل أن يُبْعث النّبي صلى الله عليه وسلم، هل هذا يخرج أم لا؟ هم يُمَثِّلون بــ "بَحِيرَة" الرّاهب.
يقولون: "بَحِيرَة"الرّاهب، هذا قد لقي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبْعَث النبي صلى الله عليه وسلم ومات قبل أن يُبْعَث النّبي صلى الله عليه وسلم، فهذا لقي من ناحية اللُّقي، وهو يؤمن بأنّه سيُبْعث، هل هذا يدخل أيضاً أو يخرج؟
"فيهِ نَظرٌ!"، أي يكون محلّ تأمّل، الظاهر أنّ الحافظ متردّد في الموضوع هذا.
"وقَوْلي: ((وماتَ على الإِسلامِ))"، على كلّ هي صورة من النّاحية العمليّة لا تهمّنا لأنّه هو مات ولا يروي شيئا، لكن من ناحية الفضيلة هل تثبت له فضيلة الصُّحْبة لمثل هذا ويعتبر مؤمنا أم لا يُعْتَبر مؤمنا؟
"وقَوْلي: ((وماتَ على الإِسلامِ))؛ فصلٌ ثالِثٌ يُخْرِجُ مَنِ ارتَدَّ بعدَ أَنْ لَقِيَه مُؤمِناً"، يعني شرطه أن يكون لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً وعندما مات أيضاً هذا الشّخص، مات وهو مؤمن، لكن إذا ارتدّ عن دين الله لا يكون صحابيّاً.
"فصلٌ ثالِثٌ يُخْرِجُ مَنِ ارتَدَّ بعدَ أَنْ لَقِيَه مُؤمِناً، وماتَ على الرِّدَّةِ؛ كعُبَيْدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ وابن خَطَلٍ. وقَوْلي: ((ولو تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ))؛ أي: بينَ لُقِيِّهِ لهُ مُؤمِناً بهِ وبينَ موتِه على الإِسلامِ"، يعني بعد موت النّبي صلى الله عليه وسلم ارتدّ بعض النّاس والبعض بقي على ردّته، والبعض رجع إلى الإسلام.
هو الآن كلامه عن الذي ارتدّوا ثمّ رجعوا إلى الإسلام، هذا بدأها بالإسلام وأنهاها بالإسلام، لكن تخلّل ذلك ردّة، هذا يُدْخِله الحافظ ابن حجر في ضمن الصّحابة.
قال: "فإِنَّ اسمَ الصُّحبةِ باقٍ لهُ، سواءٌ رجَعَ إِلى الإسلامِ في حياتِهِ أَم بعدَ موته، وسواءٌ لَقِيَهُ ثانياً أَمْ لا"، يعني "سواءٌ رجَعَ إِلى الإسلامِ في حياتِهِ"، أي في حياة النّبي صلى الله عليه وسلم، أم بعد موت النّبي صلى الله عليه وسلم.
"وسواءٌ لَقِيَهُ ثانياً أَمْ لا"، سواء لقيه بعدما أسلم ورجع إلى الإسلام أم لم يلقه، كلّ هذا لا يهمّ، المهمّ أنّه لقي النّبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً وأنّه مات على الإيمان (سيأتي تعديل هذه الكلمة).
قال: "وقَوْلي: في الأصحِّ؛ إِشارةٌ إِلى الخِلافِ في المسأَلةِ"، عندما قال في التّعريف: "ولو تخلّلت ردّة في الأصحّ"، قال هنا: قول: "في الأصح" لماذا؟ كي يشير إلى أنّ في المسألة خلاف.
"ويدلُّ على رُجْحانِ الأوَّلِ"، رجحان الاوّل يعني الرّاجح هو الأوّل وهو أنّه داخل في ضمن الصّحابة، ما الدّليل؟
قال:"قصَّةُ الأشْعَثِ بنِ قيسٍ؛ فإِنَّه كانَ ممَّنِ ارتَدَّ، وأُتِيَ بهِ إِلى أَبي بكرٍ الصدِّيقِ رضي الله عنه أَسيراً، فعادَ إِلى الإسلامِ، فقَبِلَ منهُ ذلك، وزوَّجَهُ أُخْتَهُ، ولم يتخلَّفْ أَحدٌ عنْ ذِكْرِهِ في الصَّحابةِ ولا عنْ تخريجِ أحاديثِه في المَسانيدِ وغيرِها"، فاستدلّ بذلك على أنّه يُعْتَبَر صحابيّاً، وعلى أنّ مَنْ تخلّلته ردّة يُعْتَبَر أيضاً صحابيّاً.
قال: "تَنْبيهانِ:"، الآن بعد أن انتهى من تعريف الصّحابي، بدأ بتنبيهات، يريد أن يُبَيِّن كيف يُعْرَف الصّحابي بأنّه صحابي؟ لكن هنا مسألة تحتاج أن نُنَبِّه عليها قبل أن نخرج من هذا، وهو قول المؤلّف رحمه الله: "مَنْ لقي النّبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام"، نحن نُصَحِّح هذا اللّفظ ونقول: مَنْ لقي النّبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك.
لماذا؟ لأنّه عندما نذكر الإيمان والإسلام في لفظ واحد يدلّ ذلك على اختلاف الإيمان عن الإسلام، وهنا غير مراد لذلك نقول: مَنْ لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك، هذا هو الصّحيح عندنا، والله أعلم.
قال: "تَنْبيهانِ:أَحَدُهما: لا خَفاءَ في رُجْحانِ رُتبةِ مَن لازَمَه صلى الله عليه وسلم، وقاتَلَ معَهُ، أَو قُتِلَ تَحْتَ رايتِه، على مَن لم يُلازمْهُ، أَو لم يَحْضُرْ معهُ مشهداً، وعلى مَن كلَّمَهُ يَسيراً، أَو ماشاهُ قَليلاً، أَو رآهُ على بُعْدٍ، أَو في حالِ الطُّفوليّةِ، وإِن كانَ شرفُ الصُّحْبةِ حاصِلاً للجَميعِ، ومَنْ ليسَ لهُ مِنهُم سماعٌ منهُ؛ فحديثُهُ مُرْسَلٌ من حيثُ الرِّوايةُ"، الآن يقول، لا خفاء عند أهل العلم في أنّ رُتَب الصّحابة تختلف، فرُتْبَة مَنْ لازمه وقاتل معه وقاتل تحت رايته، ومَنْ حضر معه المشاهد لاشكّ أنّه أفضل وأعلى من الذي لم يحصل منه هذا، هذا الذي يريده، لكن قال: ومع ذلك وإن كانوا يتفاوتون في المراتب، إلاّ أنّ اسم الصّحبة يشمل الجميع، سواء كان من هذا أم لم يكن.
ودليل التّفاوت هذا مذكور في كتاب الله تبارك وتعالى، قال الله سبحانه وتعالى : ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ (الفتح/ 10)، هذه الآية تدلّ على تفضيل مَنْ آمن وقاتل مع النّبي صلى الله عليه وسلم وأنفق على مَنْ لم يحصل منه هذا.
قال: مع أنّهم يتفاوتون إلا أنّ شرف الصُّحبة نائل الجميع.
"ومَنْ ليسَ لهُ مِنهُم سماعٌ منهُ"، يعني مَنْ لم يسمع من الصّحابة من النّبي صلى الله عليه وسلم.
"فحديثُهُ مُرْسَلٌ من حيثُ الرِّوايةُ"، كرواية هو لم يسمع من النّبي صلى الله عليه وسلم، إذن هو حديثه مُرْسَل بمعني أنّه لم يسمعه من النّبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، يوجد واسطة بينه وبين النّبي صلى الله عليه وسلم.
هذا من حيث الرّواية، لكن من حيث الاحتجاج هو مُحْتَجٌّ به لأنّ أمثال هؤلاء روايتهم عن الصّحابة، والصّحابة كلّهم ثقات عدول.
قال: "وهُم معَ ذلك معددونَ في الصَّحابةِ"، وإن لم يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم.
"لما نالوهُ مِن شرفِ الرُّؤيةِ"، أي مجرّد الرُّؤية كافية في إثبات صحبتهم، وأخذهم الشّرف والمكانة.

"ثانيهِما:"، أي التّنبيه الثّاني.
"يُعْرَفُ كونُه صحابيّاً؛"، يعني كيف نعرف أنّ الصّحابيَّ صحابيٌ.
"يُعْرَفُ كونُه صحابيّاً؛ بالتَّواتُرِ"، يعني بأن يتواتر لنا يرويه جمع عن جمع بأنّ هذا صحابي، فيه أحد يشكّ اليوم بأنّ أبا بكر صحابي، وعمر صحابي، عثمان صحابي؟ هؤلاء صحبتهم قد نُقِلت بالتّواتر لا يخفى على أحد وصارت أموراً معلومة ضرورة.
"أو الاستفاضة"، أي يرويه جمع عن جمع ولكن لا يصل إلى حدّ التّواتر.
"أَو الشُّهْرةِ"، يشتهر بين أهل العلم بأنّه صحابي.
"أَو بإِخبارِ بعضِ الصَّحابةِ"، أي إخبار بعض الصّحابة بأنّ هذا قد صحب النّبي صلى الله عليه وسلم، أوقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما شابه من الألفاظ التّي تدلّ على أنّه قد صحب الّنبي صلى الله عليه وسلم.
"أَو بعضِ ثقاتِ التَّابِعينَ"، كذلك إذا أخبر بعض ثقات التّابعين أنّ هذا الشّخص قد صحب النّبي صلى الله عليه وسلم، كذلك تثبت صحبته.
"أَو بإِخبارِهِ عنْ نفسِهِ بأَنَّهُ صحابيٌّ"؛ لكن هذه يُشْتَرَط لها أن يكون موثوقاً به، إذا أثبتنا عدالته أوّلاً ثمّ بعد ذلك قال أنا صحابي عندئذ يُصَدَّق، أمّا قبل أن تثبت عدالته لا يُؤْخَذ منه أنّه صحابي مطلقاً هكذا، لأنّ ما أدرانا لعلّه يكذب في قوله بأنّه صحابي.
فإذا ثبتت عدالته ثمّ قال إنّه صحابي عندئذ يقبل منه ويُعْتَرف له بالصّحبة وإلاّ فلا.
"إِذا كانَ دعواهُ ذلكَ تدخُلُ تحتَ الإِمكانِ!"، يعني ما يأتينا بعد مائتين، ثلاثمئة سنة ويقول أنا صحبت النّبي صلى الله عليه وسلم، هذا دعواه لا تُقْبَل لأنّها غير ممكنة.
"وقد استَشْكَلَ هذا الأخيرَ جماعَةٌ"، يعني إثبات الصُّحبة بإخباره عن نفسه أنّه صحابي.
"وقد استَشْكَلَ هذا الأخيرَ جماعَةٌ مِن حيثُ إِنَّ دعواهُ ذلك نظيرُ دَعْوى مَن قالَ: أَنا عَدْلٌ! ويَحْتاجُ إِلى تأَمُّلٍ"، المسألة هذه تحتاج إلى تأمّل ونظر، ولكن الحقّ فيها ما ذكرناه أنّه إذا ثبتت عدالته قبلنا منه أن يقول أنا صحابي وتُثْبَت صحبته بذلك، لكن إذا لم تَثْبُت عدالته فلا يُقْبَل منه هذا.
هذه لا علاقة لها بكون الصّحابة كلّهم ثقات عدول، نحن أثبتنا لهم الثّقة والعدالة بعد أن ثبتت الصُّحبة، لكن قبل أن تثبت الصُّحبة لا نثبت لهم الثّقة والعدالة للشّخص الذي يدّعي أنّه صحابي قبل أن تثبت له الصُّحبة لا نُثْبِت له العدالة، فهنا الآن عندما يريد هو أن يدّعي أنّه صحابي لابدّ أن يكون عدلاً كي نقبل منه هذه الدّعوى.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 09:13.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي