Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
العودة   منتديات شبكة الدين القيم > :: منـبـر الـمـشـرف العــام أبي الحسـن عـلـي الـرمــلي - حفظه الله - :: > منبر الدروس المفرغة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-12-2012, 07:30   #1
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي * مكتمل * تفريغات مجالس نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر.

[الدرس الأول ]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
نبدأ بالدرس الأول من دروس شرح نزهة النظر للحافظ ابن حجر
الحافظ ابن حجر هو أحمد بن علي بن محمد الشهير بابن حجر العسقلاني ، أثنى عليه العلماء ثناءً عطراً وكان إماماً في الحديث في زمنه رحمه الله، ومن أقوال العلماء فيه ما ذكره السخاوي رحمه الله في الضوء اللامع، قال: شهد له القدماء بالحفظ، والثقة، والأمانة، والمعرفة التامة، والذهن الوقاد، والذكاء المفرط، وسعة العلوم في فنونٍ شتى، وشهد له شيخه العراقي بأنه أعلم أصحابه بالحديث، وقال أيضاً ابن العِماد الحنبلي: شيخ الإسلام، علم الأعلام، أمير المؤمنين في الحديث، حافظ العصر، وقال فيه الشوكاني: الحافظ الكبير، الشهير، الإمام، المتفرد بمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة المتأخرة حتى صار إطلاق الحافظ عليه كلمة جامعة، وله رحمه الله من الشيوخ جماعة من أشهرهم ابن الملقِّن عمر بن علي الأنصاري صاحب كتاب "البدر المنير" وكذلك البُلقيني عمر بن رسلان الكناني العسقلاني صاحب "محاسن الاصطلاح"، وهذا يُكثر الحافظ ابن حجر رحمه الله من النقل عنه في فتح الباري، وكذلك شيخه الشهير الحافظ العراقي صاحب "التقييد والإيضاح"، وكذلك شيخه الهيثمي صاحب كتاب "مجمع الزوائد"، وله شيوخ كثر رحمه الله، ومن أشهر تلاميذه الحافظ السخاوي صاحب كتاب "فتح المغيث"، وكذلك زكريا الأنصاري، له عدة كتب منها "تحفة الباري على صحيح البخاري"، وله رحمه الله مصنفات كثيرة في علومٍ شتى من علوم الشريعة ولكن أكثر العلوم تصنيفاً فيه هو علوم الحديث بأنواعها، وكان إماماً في هذا الشأن مشهوداً له بالخير رحمه الله، ولا يكاد أحد من العلماء ممن جاء بعده إلا ويحتاج إلى كتبه ولا بد، وإن صح أن يقال: إن كل من جاء بعده عيالٌ على كتبه في علم الحديث، فهو رحمه الله إمام كبير ذو شأن ومكانة، وكتابه هذا الذي سنشرحه هو "نزهة النظر"، هو عبارة عن شرح لرسالة صغيرة للحافظ ابن حجر اسمها "نخبة الفِكَر في اصطلاح أهل الأثرونزهة النظر هذه هي شرح لتلك النخبة، أدخلها الحافظ ابن حجر، أدخل الشرح في المتن حتى لو أنك تزيل الأقواس التي يضعها المحققون لرأيت كأنها كتاب واحد، وقد أحسن رحمه الله في تصنيفه لهذه الرسالة وتلقاها العلماء بالقبول، فكثرت الشروحات عليها وكثر المحشِّين عليها كذلك، وكثر أيضاً ناظموها، فهو كتاب نافع وعظيم وأحسن الحافظ ابن حجر رحمه الله ترتيبه ترتيباً متقناً ومنسقاً، وحقق فيه أيضاً المسائل الاصطلاحية تحقيقاً علمياً نادراً.

قال رحمه الله:
بِسْـــــمِ اللهِ الرحمن الرَّحيــــمِ

قد فسرنا البسملة وشرحناها في عدة مجالس غير هذا .
((قال الشيخ)) هذا الكلام لأحد تلاميذه، والشيخ كلمة تطلق للكبير، إما في السن أو في الشأن والمكانة، فيقال: الشيخ الفلاني وإن لم يكن كبيراً في السن إلا أن مكانته تكون كبيرة وله شأن فيقال فيه: الشيخ، أو يقال الشيخ فيمن كان كبير السن، والمراد هنا بالشيخ من كان كبير الشأن.
((الإمام)) الإمام هو الذي يُقتدى به، وقد كان رحمه الله إماماً يقتدي به الكثيرون ممن جاء بعده ومن تلاميذه أيضاً.
((العالم)) العالم هو الموصوف بالعلم، وصيغة المبالغة منها يقال: العلاّمة، العلاّمة صيغة مبالغة، العالم الموصوف بالعلم والعلامة الموصوف بكثرة العلم.
((الحافظ)) الحافظ هذا لقب من ألقاب المحدثين وهو يطلق على من حفظ عدة من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن أتقن أيضاً علم الحديث وعرف صحيح الأحاديث من ضعيفها وعرف العلل وعرف الرجال أيضاً وحفظ قدراً من الأحاديث كما ذكرنا، وهذا القدر يختلف من زمن إلى زمن آخر، فقد قال تقي الدين السُّبكي : سألت الحافظ المزي عن حد الحافظ الذي انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ؟ فقال المزي رحمه الله: يُرجع إلى أهل العرف، يرجع في ذلك إلى أهل العرف فهذا يختلف من وقت إلى آخر .
قال رحمه الله:((الإمام العالم الحافظ وحيد دهره وأوانه وفريد عصره وزمانه)) هما جملتان بمعنًى واحد أي أنه كان رحمه الله مميزاً تميزاً لا يشاركه فيه أحد في وقته.
(( شهاب الملة والدين)) الشهاب هو النجم المضيء، فهو نجم مضيء في الملة والدين، الملة بمعنى الدين، فهُما بمعنى واحد.
((أبو الفضل))كنيته أبو الفضل، الكنية ما صُدِّر بأبٍ أو أم، فـ أبو الفضل كنية الحافظ ابن حجر.
((أحمد)) هذا اسمه.
((ابن علي العسقلاني)) العسقلاني نسبة إلى عسقلان، وهي بلد بفلسطين من بلاد الشام، بلاد الشام تشمل فلسطين والأردن وسوريا ولبنان، هذه كلها بلاد الشام، ولكن حدودها لا تقتصر على الحدود الموجودة اليوم، يوجد زيادة ونقص على حسبه، كله مفصَّل في كتب معاجم البلدان.
((الشهير بابن حجر)) اختلف أهل العلم في هذا، هل هو لقب له، أم لقب لأحد أجداده، أم هو اسم لأحد أجداده، الأمر في هذا سهل ولكنه اشتُهر بهذا اللقب.
((أثابه الجنة بفضله وكرمه)) أي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يثيبه، أي أن يجازيه الجنة بفضله وكرمه، لا بعمله، الأمر كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" ما منكم أحد يدخل الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" .
هذا كله من كلام تلميذ الحافظ ابن حجر فيبدأ الآن الكلام للحافظ رحمه الله:
((الحمد لله الذي لم يزل عالماً قديراً، حياً قيوماً سميعاً بصيراً)) ذكرنا أن الحمد هو وصف المحمود بصفات الكمال محبة وتعظيماً، ويبدأ العلماء بالحمد اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يبدأ خطبه بالحمد، ولو أنه بدأ بالبسملة لكان أنسب لأن الكتابة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبدؤها بالبسملة، والخطب والمحاضرات كان يبدؤها بالحَمْدَلَة، على كلٍ الأمر سهل إن شاء الله .
الذي لم يزل عالماً قديراً حياً قيوماً سميعاً بصيرا، الذي لم يزل في القِدم موصوفاً بهذه الصفات المذكورة ولا يزال موصوفاً بها في الحديث أيضاً وفيما سيأتي، فلم يزل ولا يزال موصوفاً بأنه عالم قدير حي قيوم سميع بصير، القيوم هو القائم بنفسه الذي لا يحتاج لأحد من خلقه، والقائم على جميع خلقه فجميع خلقه محتاجون إليه، هذا معنى القيوم، وأما بقية الأسماء فواضحة معانيها .
((وأشهد أن لا إله إلا الله)) الشهادة هي إخبارٌ عن أمرٍ أنت تؤمن به وتعتقده، فهنا كأنك تقول: أُخبر وأُنبؤ عن إيماني ويقيني بأنه لا معبود بحق إلا الله تبارك وتعالى، فإذا عبدت غيره معه تكون ناقضاً لكلمتك هذه.
((وحده لا شريك له)) وحده أي منفرداً لا شريك له في عبادته ولا فيما يختص به سبحانه، ((وأُكَبِّره تكبيراً)) أي وأعظِّمه تعظيماً، ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) أيضاً أُخبر عن إيماني ويقيني بأن محمداً الذي بعثه الله تبارك وتعالى بالرسالة عبده، فلا نغلو فيه ونتجاوز الحد ونعطيه أكثر مما أعطاه الله سبحانه وتعالى ورسوله، ولا نقصر في حقه ولا ننتقصه عنه، ونؤمن بأنه مرسل من عند الله تبارك وتعالى برسالة الإسلام فيلزمنا على ذلك أن نصدقه فيما أخبر وأن نطيعه فيما أمر وأن نجتنب ما عنه نهى وزجر .
((وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله للناس كافة بشيراً ونذيراً))، صلى الله على سيدنا أي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلي عليه، وصلاة الله على نبيه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، سيدنا وهو سيدنا ولا شك فقد قال - صلى الله عليه وسلم - :" أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخرمحمد ابن عبد الله الهاشمي الذي أرسله للناس كافة بشيراً ونذيرا، أرسله الله سبحانه وتعالى للناس كافة، وهذه من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - فقد كان النبي يرسل إلى أمته خاصة والنبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل للناس كافة كما قال - صلى الله عليه وسلم - وقال الله تبارك وتعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ } [ سبأ/28] فهو مرسل لجميع الخلق ، وقال - عليه الصلاة والسلام - أنه بُعث للناس كافة للأحمر وللأسود.
بشيراًيبشر من أطاعه بالجنة، ونذيراًينذر من عصاه بالنار،((وعلى آل محمد))آل محمد هم أقاربه من المؤمنين، وقلنا أقاربه فقط لأنه عطف عليهم الصَّحب فقال: وآل محمد وصحبه، ولنا إذا لم يعطف عليهم الصحب والأتباع أن نقول: وآل محمد أقاربه وأتباعه لأن الآل تأتي على معنى الأقارب وتأتي على معنى الأتباع.
((وعلى آل محمد وصحبه)) الصَّحب هم أصحابه الذين صحبوه، والصحابي هو من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به ومات على ذلك، فهؤلاء كلهم من الصحابة لهم فضيلة الصُّحبة، ((وسلم تسليماً كثيراً)) أي سلِّمه من الآفات والنقائص.

((أما بعد: )) هذه كلمة يؤتى بها للتحول من أسلوب إلى أسلوب آخر في الخطاب، وقد استعملها النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاء ذكرها في الصحيح،وهنا بعد أن انتهى المؤلف رحمه الله من الحمد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والثناء عليه، أراد أن يبدأ بموضوع الكتاب فانتقل من أسلوب إلى أسلوب آخر في الكلام (من موضوع إلى موضوع آخر) فأراد أن ينتقل بهذه العبارة فقال: أما بعد، ومعناها مهما يكن من شيء بعد فكذا وكذا ، ((فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث، قد كثرت)) التصانيف جمع تصنيف وهو المؤلَّف، سمي تصنيفاً لأن المؤلِّف يجمع بين أنواع الكلام ويجعلها أصنافاً، يجعل كل صنفٍ وحده، فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت، الاصطلاح هو عبارة عن اتفاق قوم على تسمية شيء باسم يُنقل عن موضوعه كالصحيح مثلاً عند أهل الحديث، الصحيح في اللغة هو ضد السقيم، نقله علماء الحديث واتفقوا على أن يسموا الصحيح هو ما توفرت فيه شروط الصحة :ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاهولا يكون شاذاً ولا معللاً، اتفق علماء الحديث على أن يأخذوا كلمة الصحيح هذه وينقلوها إلى هذا المعنى، هذا يسمى اصطلاح، الآن الصحيح بمعنى ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللا، الصحيح بهذا المعنى هو اصطلاح وإلاّ أصل كلمة الصحيح في اللغة ليس هذا معناها، معناها ضد السقيم، رجل صحيح أي ليس مريضاً، فنُقلت هذه اللفظة إلى هذا الاصطلاح الذي اتفق عليه أهل الحديث، فذكرنا أنه اتفاق قوم على تسمية شيء باسم يُنقل عن موضوعه الأصلي الذي هو الوضع العربي الذي وُضع عليه.
هذا معنى الاصطلاح
التصانيف في اصطلاح أهل الحديث، أهل الحديث هم الذين يشتغلون بالحديث ويعتنون به، قد كثرت، التآليف في هذا العلم قد كثرت، ((للأئمة في القديم والحديث)) يعني أن أئمة كُثر من علماء الحديث قد ألّفوا في علم الحديث، هذا معنى كلامه .
((فمن أول من صنف في ذلك: القاضي أبو محمد الرامَهُرْمُزي كتابه "المحدِّث الفاصل" لكنه لم يستوعب)) الإمام الرامهرمزي هذا، هو الحسن بن عبد الرحمن بن خلاّد، الرامهرمزي، رامَهُرْمُزْ بلاد في خوزستان، بلاد ما وراء النهر فوق إيران، هذه البلاد منها هذا العالم، الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد،توفي سنة 360هـ فهو من علماء القرن الرابع، ألّف كتاباً في علم الحديث سماه "المحدِّث الفاصل"، وهذا الكتاب (كتاب مطبوع) يقول فيه الحافظ ابن حجر: لكنه لم يستوعب أي لم يستوعب جميع أنواع علوم الحديث، وهذا حال التآليف في أي فن من الفنون لا يستوعب مؤلفه كل ما فيه حتى يأتي مَن بعده ويستدرك عليه ثم يأتي مَن بعده ويحقق وينقح ويزيد وينقص إلى أن يصبح العلم كاملاً مكتملاً وهذا شأن العلوم الاصطلاحية.
((والحاكم أبو عبد الله النيسابوري)) أيضاً ممن ألَّف في هذا العلم الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، محمد بن عبد الله ابن البَيِّع صاحب كتاب "المستدرك"، ألَّف في هذا الفن، له كتاب "معرفة علوم الحديث" وهو مطبوع أيضاً.
((لكنه لم يهذِّب ولم يرتِّب)) يعني لم ينقح الكتاب ولم يرتبه ترتيباً جيداً .((وتلاه أبو نعيم الأصفهاني فعمل على كتابه مستخرِجاً، وأبقى أشياء للمتعقِّب)) يعني أبو نعيم الأصفهاني ألَّف أيضاً كتاباً وأبقى أشياءً للمعترض، لمن أراد أن يعترض عليه، يعني في الكتاب أشياء تستحق الاعتراض أو أنه أبقى أشياء للمتعقب أي لمن يأتي عقبه أي لمن يأتي بعده، يعني أن كتابه ليس كاملاً.
((ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي)) الإمام الشهير المعروف صاحب كتاب "تاريخ بغداد" وله كتبٌ كثيرة في علم الحديث، ((فصنف في قوانين الرواية)) أي في قواعد علم المصطلح،(( كتاباً سماه "الكفاية")) في علم الرواية ومطبوع وكتابٌ نفيس عظيم في علم المصطلح،(( وفي آدابها كتاباً سماه "الجامع لآداب الشيخ والسامع" وقَلَّ فنٌّ من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً)) له كتب كثيرة ما من نوع من أنواع الحديث إلا وتجد له فيه كتاب إلا ما ندر،(( فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: كل من أنصف علِم أن المحدثين بعد الخطيب عيالٌ على كتبه)) أي أنهم بحاجة إلى كتبه كحاجة العيال لأبيهم، (( ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب)) أخذ بحظ ،((فجمع القاضي عياض كتاباً لطيفاً سماه "الإلماع"، وأبو حفصٍ الميّانجي جزءاً سماه "ما لا يسع المحدث جهله". وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت وبُسِطت)) أي توسع فيها أصحابها، البسط يعني التوسع ،((ليتوفر علمها)) كي تزداد فوائدها، (( واختُصِرَت ليتيسر فهمها)) تصانيف اختصرها أصحابها ليسهل فهمها على الدارس،(( إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشَّهرزوري نزيلدمشق فجمع لما وُلِّيَ تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور)) وهو "علوم الحديث" المشهور "بمقدمةابن الصلاح" الذي اختصره الحافظ ابن كثير في كتابه "الباعث الحثيث" والذي شرحناه في مجالس سابقة، ((فهذَّب فنونه)) هذَّب أينقَّح، فنونه أيأصناف أصول علم الحديث، ((وأملاه شيئاً بعد شيء))كان كلما جهَّز نوع أملاه على تلاميذه ولذلك لم يخرج الكتاب مرتباً ترتيباً جيداً، ((فلهذا لم يحصل ترتيبه)) لم يحصل ترتيبه يعني لم يرتب ترتيباً جيداً لأنه كان كلما جهز نوعاً كان يلقيه على تلاميذه مباشرة، ((على الوضع المتناسب)) الذي تتناسب فيه الفنون بعضها مع بعض،((واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرَّقة)) يعني ابن الصلاح اعتنى بمؤلفات الخطيب، درسها وقرأها جيداً وجمع فوائدها وأخذ خلاصتها وجعلها في كتابه هذا،((فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها مِنْ غيرها نُخَبَ فوائدها))أخذ مقاصد كتب الخطيب وزاد عليها فوائد من مواضع أخرى ((فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه)) عظمت فائدة هذا الكتاب لأنه أخذ خلاصة الكتب التي قبلها وجمع فوائدها ووضعها فيه،((وساروا بسَيره )) مشوا على طريقة هذا الكتاب ((فلا يُحصى كم ناظم له ومختصر))الكثرة هذه، كثرة مَن يَنْظم الكتاب ويختصره ويشرحه وكذا ،هذه تدل على أن العلماء قد أعجبهم هذا الكتاب وكان له من العلم مكانة عالية،((ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر)) من ينتصر لصاحب الكتاب ويدافع عنه وآخر يعترض عليه وثالث ينتقده ..إلخ، هذا حال الكتب المصنفة.
((فسألني بعض الإخوان أن ألخص له المهم من ذلك)) كثر القيل والقال في شروح هذا الكتاب وفي الاستدراكات وفي المنتصرين له، فأشكل الأمر على بعض طلبة العلم فطلبوا من الحافظ ابن حجر أن يلخص لهم خلاصة في هذا المصطلح، هنا الآن الحافظ ابن حجر يذكر لك سبب تأليفه لهذا الكتاب،((فلخَّصته في أوراقٍ لطيفة)) في أوراق قليلة وهي : قال :((سميتها:"نخبة الفِكَرْ في مصطلح أهل الأثر")) نُخبة أي الشيء المختار، يعني تنتخب من هذه المجموعة شخصاً لعملٍ ما، فتختار منهم أحسنهم وأصلحهم لهذا العمل، هذا معنى الانتخاب، نخبة الفِكَر، يعني بالفكر: الأفكار، خلاصتها وأفضلها في هذا العلم، اختارها وجعلها في هذا الكتاب فسمى كتابه :"نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، مصطلح أهل الحديث، ((على ترتيبٍ ابتكرته)) رتب الكتاب ترتيب اخترعه هو من عنده، لكن كان اختراعاً نفيساً من رجلٍ خبير، ((وسبيلٍ انتهجته)) طريق سِرتُ فيه، ((مع ما ضممتُ إليه من شوارد الفرائد)) أي النفائس الحسنة الفريدة التي لا يشترك معها غيرها في حسنها، ((وزوائد الفوائد)) زوائد المسائل التي فاتت المتقدمين. ((فرَغَّب إلي ثانياً أن أضع عليها شرحاً يحل رموزها، ويفتح كنوزها، ويوضح ما خفي على المبتدئ من ذلك)) يعني بعض الإخوان رغَّبوا إليه وطلبوا منه بعد أن ألَّف نخبة الفكر أن يفك لهم ألفاظ هذا الكتاب، يحل رموزها يعني يفك لهم الألفاظ، ويفتح كنوزها، يبين لنا المعاني الدقيقة الثمينة التي فيها، ويوضح ما خفي على المبتدئ من ذلك، يوضح لهم ما لم يفهمه من قرأها من المبتدئين، ((فأجبته إلى سؤاله رجاء الاندراج في تلك المسالك)) أي مسالك المصنفين والمؤلفين في علم مصطلح الحديث، ((فبالغتُ في شرحها في الإيضاح والتوجيه)) أي في توجيه معناها التوجيه السليم الذي أراده هو،((ونبهتُ على خبايا زواياها)) خبايا زواياها أي ما سُتِر في الزوايا التي تكون بعيدة شيئاً ما عن الظهور، كالزاوية تلك ما خُبِّئ فيها، الزاوية تكون أخفى من غيرها فتخبَّأ فيها الأشياء، تسمى خبايا زواياها يعني الزاوية فيها خبايا لا تظهر فأظهرها هو، ((لأن صاحب البيت أدرى بما فيه)) فشبَّه الأمر كله بالبيت الذي له زوايا، والزوايا التي فيها أشياء مخبأة، ((وظهر لي أن إيراده على صورة البسط أَلْيَقْ)) على صورة التوسع، ((ودمْجَها ضمن توضيحها أوْفَق)) دمجها يعني أدخل الشرح في المتن حتى صارت كالشيء الواحد، وهذا رآه أوفق وأقرب إلى الصواب، ((فسلكتُ هذه الطريقة القليلة السالك. فأقول طالباً من الله التوفيق فيما هنالك:))... وبدأ بعد ذلك بشرح الكتاب.
نؤجل ذلك إلى الدرس القادم إن شاء الله تبارك وتعالى
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-12-2012, 07:32   #2
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الثاني]

[الدرس الثاني]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
هذا الدرس الثاني من دروس شرح نزهة النظر للحافظ ابن حجر
قال الحافظ رحمه الله:((الخبر، عند علماء هذا الفن مرادف للحديث)) الخبر لم يُعرِّفه الحافظ ابن حجر رحمه الله، بدأ مباشرة ببيان الفرق بينه وبين الحديث، الحديث هو ما أضيف للنبي - صلى الله عليه وسلم - من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو صفة خَلقية أو خُلقية، هذا هو تعريف الحديث، الحديث الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما هو؟ هو ما أضفته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - :
__
من قولٍ، فإذا قلت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :" إنما الأعمال بالنيات" هذا يسمى حديثاً، لماذا؟ لأنك أضفت هذا القول للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فما أضفته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من قولٍ ،

__ أو فِعلٍ، تقول مثلاً
:صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وحمل أُمامة بنت العاص في صلاته، هنا فعلٌ أضفته إلى من؟ أضفته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم فهذا يسمى أيضاً حديثاً،
__ أو تقرير، ماذا يعني التقرير؟ هو أن يفعل أحدٌ فعلاً أمام النبي
- صلى الله عليه وسلم - أو في زمنه ولا ينكره - صلى الله عليه وسلم - عليه، فيُقِرُّه على فعله، مثل هذا يسمى أيضاً حديثاً،
__
أو صفةً خَلقية أي خلقه الله سبحانه وتعالى عليها،كأن تقول: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - طويلاً، هنا هذا أيضاً حديث لأنك أضفته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ،
__
أو صفة خُلُقِيَّة، يعني أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - التي كان عليها، كما قالت عائشة رضي الله عنها:" كان خُلقه القرآن" فهذا أيضاً يعتبر حديثاً، هذا معنى الحديث .

طيب الخبر؟
يقول الحافظ ابن حجر
: الخبر عند علماء هذا الفن مرادفٌ للحديث، يعني هو والحديث بمعنى واحد، لا فرق، فإذا قلتَ حديثاً أو قلتَ خبراً، المعنى واحد .

((وقيل:الحديث ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - والخبر ما جاء عن غيره)) هذا قولٌ ثانٍ لبعض أهل العلم، فقوله في الأول: عند علماء هذا الفن أي عند جمهورهم وأكثرهم، والظاهر أن الحافظ اختار هذا القول، أن الخبر والحديث بمعنىً واحد لأنه صدَّر كلامه به وبدأه به ، ثم جاء بالأقوال الأخرى بصيغة: قيل، صيغة تمريض، أي إشارة إلى تضعيف هذا القول، لكن المسألة اصطلاحية على كل حال . وقيل الحديث ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - والخبر ما جاء عن غيره، هذا تفريق، فالحديث كما عرَّفناه : ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو صفة خَلقية أو خُلُقية، طيب والخبر؟ ما جاء عن غير النبي - صلى الله عليه وسلم -، من صحابي أو تابعي أو غيرهم، قال الحافظ :((ومن ثَمَّة)) أي من هذه الجهة أو من أجل ذلك ((قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها : "الإخباري"، ولمن يشتغل بالسنة النبوية : "المحدِّث"))، التواريخ جمع التأريخ ، كتب التاريخ هي الكتب التي تذكر فيها الحوادث والوقائع وأحوال الناس عبر الزمن، وأيضاً يُذكر فيها مواليد الأعلام ووفياتهم وغير ذلك وما شاكلها من القصص والحكايات، فمثل هذه التي تروي أخبار الناس وحكاياتهم عبر العصور والأزمان وتذكر تراجم الرجال ومواليدهم ووفياتهم هذه كلها تسمى تواريخ، فمَن يشتغل بهذه التواريخ يسمى "إخباري"، نسبة إلى الخبر، لأن الخبر كما ذكرنا هو ما جاء عن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - .((ولمن يشتغل بالسنة النبوية:"المحدث" )) لأن الحديث هو ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والسنة النبوية هي التي جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .هذا القول الثاني
القول الثالث:((وقيل: بينهما عمومٌ وخصوص مطلق)) بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلق أي أن أحدهما يدخل في الآخر، والآخر يزيد عليه، قال: ((فكل حديثٍ خبرٌ من غير عكس)) فأيهما يكون أعم وأيهما يكون أخص؟ الخبر أعم، أي حديث يصح أن تقول فيه خبر بناءً على هذا التعريف، لكن لا يصح في كل خبر أن تقول هو حديث، لا ، الخبر يشمل الحديث ويشمل أيضاً ما جاء عن الصحابة والتابعين وغيرهم، فالخبر أعم والحديث أخص.
هذا قول آخر من أقوال أهل العلم، والمسألة كما ذكرنا اصطلاحية، كلٌ يصطلح ما يشاء من التعاريف.

((وعبَّر هنا بالخبر ليكون أشمل)) مَن الذي عبَّر؟ المؤلف، يتكلم عن نفسه لأنه هو يشرح في رسالته التي هي "نخبة الفكر"،وعبّر المؤلف هنا (أي في المتن) بالخبر ليكون أشمل، باعتبار الأقوال كلها، فالخبر يشمل كل ما تقدم، أي أنه عبَّر بالخبر ولم يقل الحديث ليصح ما سيأتي من أحكام على جميع الأقوال التي ذُكرت، أي حكم نذكره فيما سيأتي يتماشى مع كل المصطلحات التي تقدمت. (( فهو-أي الخبر- باعتبار وصوله إلينا: )) أي بالنظر إلى هذه الجهة ، جهة أن هذا الخبر وصل إلينا، كيف وصل؟ بغض النظر عن جهة الصحة والضعف ليس لنا علاقة فيها الآن، نحن نتكلم عن الخبر كيف وصل إلينا فقط،((إما أن يكون له طرق أي أسانيد كثيرة )) لماذا فسَّر الطرق بالأسانيد الكثيرة ؟ يريد أن يبين لك السبب الآن، قال:((لأن طرقاً جمْع طريق، وفَعيلٌ في الكثرة يُجمَع على فُعُل بضمتين وفي القِلَّة على أفعِلة)) الآن هذا تصريف، الوزن الذي منه طريق، هذه الكلمات عند أهل الصرف لها أوزان، يسمونها وزن، مثل هذه مثلاً: طريق يقول لك على وزن فعيل، هذا وزن، الوزن مكوَّن من حروف الفاء والعين واللام، الأوزان تتكون من هذه الحروف ويزيدون عليها، الآن هذه الكلمة، كلمة طريق لها وزن، ما هو ؟ فَعيل ، قال : هذا الوزن في الكثرة يُجمع على فُعُل، يعني الكلمة الآن الإسم الذي هو على هذا الوزن يُجمع للكثرة لأن الجمع عندنا جمعين: جمع قلة وجمع كثرة، إذا أردتَ أن تجمع جمع كثرة تجمعه بشكل وإذا أردتَ أن تجمع جمع قلة تجمعه بشكل آخر، ففعيل في الكثرة يُجمع على فعل، فطريق فعيل، عندما تريد أن تجمعها جمع كثرة، ماذا تقول؟ طرق، فإذاً، طرق هو جمع كثرة، جمع الكثرة الذي هو أكثر من العشرة، جمع القلة هو الذي يكون ما بين ثلاثة إلى عشرة، وفي القلة أفعلة ، يعني الآن طريق تريد أن تجمعها جمع قلة ماذا تقول؟ أطرِقة ، هذا جمع ولكنه جمع قلة ، مثل الآن رغيف: أرغفة (جمع قلة) إذا أردت أن تجمع جمع كثرة ماذا تقول؟ رُغُفْ، ثم قال:((والمراد بالطرق الأسانيد)) عندما قال هنا: إما أن يكون له طرق يعني ماذا؟ أسانيد، فسَّر الطرق بالأسانيد. ((والإسناد: حكاية طريق المتن)) ماذا تعني حكاية طريق المتن؟ يعني يأتي البخاري مثلاً يقول: حدثنا فلان حدثنا فلان حدثنا فلان، حكاية هذا الطريق الموصل إلى المتن، حكايته تسمى إسناداً، والإسناد والسند عند علماء المصطلح بمعنى واحد وهي سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن .
قال:(( والمراد بالطرق الأسانيد. والإسناد: حكاية طريق المتن .وتلك الكثرة أحد شروط التواتر)) ما هي الكثرة التي يتكلم عنها؟ يقول: الخبر باعتبار وصوله إلينا إما أن يكون له طرق، يعني طرق كثيرة، نحن ذكرنا أن طرق الآن هذا جمع كثرة فإذاً معنى طرق: أي طرق كثيرة، قال: هذه الطرق الكثيرة هي أحد شروط المتواتر. بطريقة أسهل من كل هذا الكلام نقول: الخبر الذي يصل إلينا إما أن يكون متواتراً أو أن يكون آحاداً، قسَّمه العلماء إلى قسمين: متواتر وآحاد، الخبر الآحاد ثلاثة أنواع: الغريب والعزيز والمشهور، فإذا كان الحديث غريباً أو عزيزاً أو مشهوراً يسمى خبر آحاد، وإذا لم يكن آحاداً فهو متواتر، القسمة على الصحيح ثنائية: إما متواتر أو آحاد ، المتواتر هذا له شروط كي يوصف بأنه متواتر، كي يوصف الخبر بأنه متواتر له شروط: الشرط الأول الذي أشار إليه الحافظ الآن في كل ما تقدم هو كثرة رواته، أن يروى من طرق لا من طريقٍ واحد، من طرق كثيرة ، كم هذه الطرق الكثيرة؟ هل هي عشرة؟ عشرين؟ ثلاثين؟ لا يُشترط لها عدد معين، ربما يكون الخبر وصل إلينا من طريق عشرة، يرويه عشرة عن عشرة عن عشرين عن ثلاثين، يعني أقل طبقة فيه عشرة ولا يصل إلى حد التواتر، وربما يرويه سبعة ويصل إلى حد التواتر، إذاً القضية ليست قضية عدد، قضية ماذا؟ ستأتي تتمة الشروط نعرف ما هو الضابط في (..)التواتر، لكن لا بد أولاً أن يكون عندنا طرق كثيرة، طريق واحد لا يكفي حتى يسمى متواترا، لا بد أن يكون عندنا طرق كثيرة، كم هذه الطرق؟ غير محصورة؟ طيب ما هو الضابط حتى نعلم أنه قد وصل إلى التواتر؟ سيأتي الآن في الكلام . قال:((وتلك الكثرة أحد شروط التواتر إذا وردت بلا حصر عددٍ معيَّنٍ)) أي أن المتواتر لا يُشترط له عدد معيَّن بل يُشترط أن يأتي بطرق كثيرة فقط. قال:((بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم على الكذب، وكذا وقوعه منهم اتفاقاً من غير قصد، فلا معنى لتعيين العدد على الصحيح)) هذا هو الضابط، قال: بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم على الكذب، أي جرت سُنة الله سبحانه وتعالى في خلقه على أن هؤلاء القوم الذين نقلوا لنا هذا الخبر، فلنقل بأنهم مثلاً عشرة أو اثنا عشر أو خمسة عشر شخصاً نقلوا لنا هذا الخبر، من خلال ما اعتدنا وعرفنا من سنة الله سبحانه وتعالى أنه يستحيل أن يكون هؤلاء الإثنا عشر مثلاً قد اتفقوا على الكذب، توافقوا على الكذب قصداً، يستحيل هذا، من خلال معرفتنا وتكرار الحوادث ومعرفة الأمور في سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه، وكذا وقوعه منهم اتفاقاً أي وكذا أحالت العادة وقوع الكذب من الرواة اتفاقاً من غير قصد بحيث يقع منهم عن طريق الغلط أو السهو، علمنا من العادة أن مثل هذا لا يقع، أن هؤلاء القوم الذين رووا الخبر يستحيل أن يتفقوا على الكذب في هذا الخبر ويستحيل أيضاً أن يقع منهم خطأ أو سهو في نقلهم لهذا الخبر، متى علمنا هذا كان هذا الخبر متواتراً مع توفر بقية الشروط التي ستأتي .
قال
:(( ومنهم مَنْ عيَّنه في الأربعة)) هذا الكلام الذي ذكرناه سابقاً ليس متفقاً عليه، مِن العلماء مَنْ عيَّن المتواتر بعدد وقال: يجب أن يكون المتواتر أقل شيء أربعة يرويه، يعني نحن عندنا إسناد الآن، زيد عن بكر عن خالد إلى أن يصل إلى الصحابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كل راوي يُعتبر طبقة، في كل طبقة من طبقات السند يجب أن يكون العدد أربعة فما فوق، إذا زاد فلا بأس فالزيادة مطلوبة لكن النقص لا، هذا شرط لبعضهم، ((وقيل في الخمسة، وقيل في السبعة، وقيل في العشرة ، وقيل في الاثني عشر، وقيل في الأربعين، وقيل في السبعين، وقيل غير ذلك)) وكل واحد أقام على ما قال دليل وحجة.((وتمسَّك كل قائل بدليل جاء فيه ذِكرُ ذلك العدد)) كل واحد من الذين قالوا بقول، الذي قال خمسة أتى بدليل على أن الخمسة تفيد العلم، الذي قال سبعة أتى بدليل على أن السبعة تفيد العلم، (( وليس بلازمٍ أن يطَّرد في غيره)) يعني وإن كان العدد الذي ذكره أفاد العلم في الدليل الذي استدل به فلا يَلزمه أن يفيد العلم في كل موضع ، فلنقل شخص مثلاً أتى بدليل { وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا } [ الأعراف/155]السبعين رجل هؤلاء اختارهم موسى ليذهبوا إلى الله سبحانه وتعالى ليعتذروا إليه (إلى الله سبحانه وتعالى) من عبادة العجل ولسماعهم كلام الله تبارك وتعالى من أمرٍ ونهي ليخبروا قومهم بما سمعوه، قال: فإذاً السبعين هؤلاء يفيدون العلم اليقين لأن هذا الخبر صِدْق، يقول الحافظ الآن: وإن كان السبعين في هذا الأمر الذي عندنا الآن، في إتيان هؤلاء قوم موسى وسماعهم من رب العالمين ونقلهم الخبر إلى قومهم يفيد اليقين، إلا أنها ممكن السبعين في موضع آخر في أمرٍ آخر لا تفيد اليقين، ممكن تفيده في موطن ولا تفيده في آخر، هذا معنى كلام الحافظ، قال: وليس بلازمٍ أن يطَّرد في غيره، ليس بلازم إفادة العلم تكون حاصلة في الأمر الذي ذكره في الدليل وتكون كذلك حاصلة في غيره، لا، إذاً القضية ليست قضية عدد، هذا الذي يريد أن يصل إليه هاهنا، المسألة ليست مسألة (..) ، المسألة مسألة إفادة علم،((لاحتمال الاختصاص)) قالوا له: لماذا ممكن يفيده في الأمر الذي ذكره بدليله ولا يفيده في غيره؟ قال: ممكن يكون هذا العدد أفاد العلم لخصوصيته في هذا الأمر، أما في أمرآخر لا ينطبق عليه.

((فإذا ورد الخبر كذلك)) على الصورة التي ذكرنا إذا وردنا الخبر على الصورة التي ذكرناها ،((وانضاف إليه)) من الشروط أيضاً، ((أن يستوي الأمر فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه- والمراد بالاستواء ألاّ تَنقُص الكثرة المذكورة في بعض المواضع لا أن تزيد إذ الزيادة ها هنا مطلوبة من باب الأَولى -)) يقول هنا: لا بد من وجود الكثرة التي تحصل بها الإحالة المتقدمة وإفادة العلم أيضاً من أول الإسناد إلى آخره، ولكن إذا تخلفت هذه الكثرة في إحدى الطبقات-طبقات السند- فلا يكون متواتراً، إذاً لا بد أن تكون كل طبقة من الطبقات فيها كثرة من الرواة قد أحالت العادة تواطؤهم وتَوافقهم على الكذب وحصل العلم بخبرهم، فإذا كان في إحدى الطبقات فيها كثرة ولكن لم تفد العلم فهذه لم ينطبق شرط التواتر فيها ، قال:((وأن يكون مستنَدُ انتهائه الأمر المشاهد أو المسموع)) هذا شرط آخر، لا بد أن يكون الخبر أصلاً الذي رواه هؤلاء القوم: الكثرة عن كثرة عن كثرة ، لا بد أن يكون قد أُخِذ من الأصل بطريقة حسية، يعني فلنقل الآن حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - متواتر، لازم يكون الصحابة قد أخذوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بطريق الحس، إما سمعوه أو رأوه، بهذه الحالة يكون متواتر، إذا لم يكن عن طريق الحس ، نقلوا خبراً مثلاً (ليس الصحابة، غيرهم) نقلوا خبراً عقلياً كالاثنين أكبر من الواحد، خبر عقلي، ونقله جمعٌ عن جمع بالكثرة حصلت شروط المتواتر، لا يقال فيه متواتر هذا ، لماذا؟ لأنه ليس خبراً حسياً منقولاً بالحس، ولكن خبر عقلي، فالخبر العقلي هذا لا ينطبق عليه أنه متواتر . قال:((لا ما ثبت بقضية العقل الصِّرف)) ما ثبت بقضية العقل الصِّرف هذا لا يقال له متواتر .
إلى هنا سنتوقف إن شاء الله وبارك الله فيكم ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-12-2012, 11:15   #3
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الثالث]

[الدرس الثالث]


درسنا اليوم هو الدرس الثالث من دروس شرح نزهة النظر
تحدثنا في الدرس الماضي عن المتواتر ولا يزال المصنف رحمه الله يتحدث عن هذا الموضوع فقال رحمه الله:((فإذا جمع هذه الشروط الأربعة وهي:

_ عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب .
_ رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء.
_ وكان مستند انتهائهم الحس .
_ وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه.
فهذا هو المتواتر.
وما تخلفت إفادة العلم عنه كان مشهوراً فقط))
هذه هي شروط المتواتر، ذكرنا في الدروس الماضية أن الخبر الذي يأتينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون متواتراً أو أن يكون آحاداً، هذه القسمة الثنائية عند جمهور العلماء، المتواتر هو ما توفرت فيه الشروط الأربعة التي ذكرها المصنف رحمه الله، وما لم تتوفر فيه الشروط الأربعة هذه فهو آحاد، والآحاد يشمل المشهور والعزيز والغريب، الآن نحن في موضوع المتواتر، ذكر المصنف رحمه الله أن شروطه أربع، الأول: عدد كثير يجب أن يأتي الخبر برواية عدد كثير عن عدد كثير عن عدد كثير من أول الإسناد إلى آخره، كم هذا العدد؟ ليس مرتبطاً برقم معين.
الشرط الثاني: أحالت العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، يعني عادة من خلال ما علمنا من سنة الله تبارك وتعالى في خلقه أن هذا العدد الكثير يستحيل معهم أن يتفقوا فيما بينهم على الكذب أو أن يحصل منهم الخطأ والسهو أو يأتي منهم الخبر سهواً أو خطأً، فهذا مستحيل، علمنا هذه الاستحالة من العادة.
وأن يروي ذلك عن مثله من الابتداء إلى الانتهاء، أي لا بد الشرط الثاني هذا أن يكون متحققاً في الكثرة من أول الإسناد إلى آخره، كل كثرة موجودة في طبقة يجب أن تكون هذه الكثرة بحيث يستحيل معها أن يتواطئوا أو أن يتوافقوا على الكذب.
_ وكان مستند انتهائهم الحس، يعني لا بد أن يكون أول مَن نقل الخبر، الكثرة هؤلاء الذين نقلوه اعتمدوا في نقله على الحس(على المشاهدة أو على السماع) لا يكون خبراً عقلياً، العقلي هذا لا يسمى متواتراً، لا يثبت حكم التواتر للخبر إلا أن يكون مأخوذاً من الحس إما مُشاهد مرئي أو أن يكون مسموعاً، فالطبقة الأولى التي نقلت هذا الخبر تكون قد رأته مباشرة أو سمعته فأعطته للذين من بعدهم وهكذا..نعم
هذا هو الشرط الرابع فإذا توفرت هذه الشروط يفيد ذلك العلم، يفيد اليقين، العلم الضروري الذي يضطر إليه الإنسان.
قال:فهذا هو المتواتر. وما تخلفت إفادة العلم عنه كان مشهوراً فقط، إذا ما أفادنا اليقين، هذا الخبر يكون فقط مشهوراً ولا يكون متواتراً، المتواتر لا يكون متواتراً حتى يفيدنا اليقين.
قال:((فكل متواتر مشهور من غير عكس)) كل متواتر تخلَّف عنه العلم، أي كل متواتر تخلف عنه العلم فهو مشهور، وليس كل مشهورٍ متواترا.
((وقد يقال: إن الشروط الأربعة إذا حصلت استلزمت حصول العلم)) قد يقال هذا لأن الشروط الأربعة هذه لا توجد إلا ويوجد معها اليقين ولا بد.
قال:((وهو كذلك في الغالب)) الآن ما سلَّم مطلقاً الحافظ لهذا الأمر، ما يقول الحافظ الآن إذا توفرت هذه الشروط الأربعة إذاً عندنا يقين ولا بد، لا، يقول: هذا أمر على الغالب، لكن أحياناً يتخلف، مثل ماذا؟ قال:((وهو كذلك في الغالب، لكن قد يتخلف عن البعض لمانع ))أي يوجد مانع يمنع من حصول اليقين، مثَّلوا للمانع هذا بأن يكون السامع غبي مثلاً، قالوا: إذا كان السامع غبياً لا يحصل عنده اليقين بمثل هذه الشروط.
هذا ما مثَّل به بعضهم
((وقد وَضَح بهذا التقرير تعريف المتواتر)) خلص عرفنا المتواتر ما هو من خلال هذا التقرير، فالمتواتر هو ما رواه جمعٌ عن جمع يستحيل تواطؤهم أو توافقهم على الكذب من أول الإسناد إلى منتهاه ويكون مستندهم الحس.
هذا هو خلاصة الموضوع، هذا هو المتواتر.
قال رحمه الله:((وخلافه)) أي غير المتواتر وهو المشهور، ((قد يرِد بلا حصرٍ أيضاً)) كالمتواتر، يعني المشهور قد يأتي أيضاً بكثرة غير محصورة، ((لكن مع فقْد بعض الشروط)) كي لا يحصل تداخل ما بين المشهور والمتواتر، ((أو مع حصرٍ بما فوق الاثنين)) أي بثلاثة فصاعداً ما لم تجتمع شروط التواتر، وهذا يكون مشهوراً، ((أو بهما أي باثنين فقط)) الذي هو العزيز،((أو بواحد)) وهذا الغريب، ((والمراد بقولنا:" أن يرد باثنين": ألاّ يرد بأقل منهما، فإن ورد بأكثر في بعض المواضع من السند الواحد لا يضر، إذ الأقل في هذا يقضي على الأكثر)) الآن الأنواع التي عندنا: غريب وعزيز ومشهور ومتواتر، الآن المتواتر قسم وحده، والثلاثة هذه قسم وحدها، هذه الثلاث: الغريب والعزيز والمشهور من قسم الآحاد، والمتواتر هو متواتر وحده، ما هو ضابط الغريب؟ الغريب هو أن يكون في أقل طبقة من طبقات السند: واحد ، ما هي الطبقة؟ الطبقة هي الرواة الذين اشتركوا في السن أو في الإسناد، أي في الأخذ على الشيخ، مثلاً: أنا وشخص آخر أخذنا عن شيخ واحد ونروي حديثاً عنه، أنا وهو نكون من طبقة واحدة، لماذا؟ لأن شيخنا واحد، أو نكون أنا وهو في سن واحد فنكون من طبقة واحدة، الآن فلنقل مثلاً حديث يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر ابن الخطاب، يرويه عن عمر ابن الخطاب علقمة ابن وقاص الليثي، نبحث عن راوٍ آخر يروي الحديث عن عمر فلا نجد إلا علقمة، مثلاً: لو قلنا بأن علقمة هذا يرويه عنه ثلاثة أو أربعة، الثلاثة هؤلاء يرويه عنهم خمسة، وهكذا ، ماذا يسمى هذا؟ غريب ، لماذا؟ لأن فيه طبقة من طبقات السند فيها واحد، هذا يسمى غريباً.
الآن فلنقل بأن الحديث رواه أقل طبقة فيه اثنان، هذا ماذا يسمى؟ عزيز.
إذا الطبقة الأولى فيها اثنان والثانية فيها ثلاثة أو أربعة أو خمسة هل تؤثر؟ يبقى عزيزاً لأن النظر ليس للأكثر، الأكثر لا نبالي به، المهم عندنا أن ننظر للأقل، هذا ما يريد أن يقوله الحافظ ابن حجر، عندما قال هنا:(( فإن ورد بأكثر في بعض المواضع من السند الواحد فلا يضر إذ الأقل في هذا يقضي على الأكثر )) إذاً الغريب ما كان في أقل طبقة من طبقاته واحد، العزيز ما كان في أقل طبقة من طبقاته اثنان، المشهور ما كان في أقل طبقة من طبقاته ثلاثة فأكثر ما لم يكن متواتراً، فإذا صار متواتر انفصل عن المشهور، إما أن يكون متواتراً أو مشهوراً، إذا كان ثلاثة فأكثر فإما أن يكون متواتراً أو أن يكون مشهوراً، إن توفرت فيه الشروط المتقدمة كان متواتراً، إن لم تتوفر فهو مشهور.
قال:((فالأول: المتواتر)) أي ما له طرق بلا حصر،((وهو المفيد للعلم اليقيني)) المتواتر هو المفيد للعلم اليقيني، لا شك فيه ولا يتطرق إليه الاحتمال أصلاً، هو يقيني مئة بالمئة، فهو علم يقيني ضروري، والعلم الذي هو اليقين علمان: علم ضروري وعلم نظري، ماذا نعني بالضروري؟ العلم الذي لا يحتاج إلى نظر واستدلال، لا تحتاج أن تنظر في الأدلة وتستدل وتبحث وكذا، لا، هو يهجم عليك فلا تستطيع أن تدفعه، لا يحتاج إلى نظر ولا إلى استدلال، كوجود مكة ، هل هناك أحد يحتاج أن ينظر ويستدل هل هناك مكة أم لا ؟ لا يحتاج، هذا أمر ضروري لا تستطيع أن تدفعه عن نفسك.
علم نظري: هذا الذي يحتاج إلى نظر وتفكر وبحث عن أدلة وتصل معه إلى اليقين، هذا يسمى علم نظري، لأنه نتج عن نظرٍ واستدلال، صحيح حصل عندك يقين لكن بعد نظرٍ واستدلال، أما الضروري لا، يحصل عندك يقين من غير نظر ولا استدلال .
قال:((فأخرج النظري)) بقوله: المفيد للعلم اليقيني أخرج النظري، لما يقال: قَيْد بكذا أخرج كذا يعني يريد أن يفرق بينهما، يقول: المراد هذا وليس هذا، هذا معنى أخرج كذا، ((فأخرج النظري)) الذي يحتاج إلى نظر واستدلال،((على ما يأتي تقريره بشروطه التي تقدمت.
واليقين:)) الآن يريد أن يفسر لك الكلمة التي أتى بها، فقال: المفيد للعلم اليقيني، ماذا يريد باليقين؟قال:((واليقين: هو الاعتقاد الجازم)) أي الذي لا يتطرق إليه احتمال ((المطابق)) المطابق للواقع، قال:((وهذا هو المعتمَد أن الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري)) هذا هو المعتمد بناء على أن في المسألة خلاف، هل الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري أو النظري؟ هنا المؤلف يقول: يفيد العلم الضروري ، قال:((وهذا هو المعتمد أن الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري وهو: الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكن دفعه)) هذا تعريف العلم الضروري من كلام الحافظ ابن حجر ، عرَّف العلم الضروري وهو الذي يضطر الإنسان إليه أي يضطر إلى العلم به، بحيث لا يمكن دفعه.
هذا هو تعريف العلم الضروري.
((وقيل: لا يفيد العلم إلا نظرياً)) هذا قول آخر، فقوله:((وقيل)) صيغة تضعيف ، يضعّف القول، هذه صورة تمريض يستعملها كثير من العلماء لتضعيف القول، أي كأنه يقول لك: قال بعضهم: كذا كذا وهو قولٌ ضعيف ، ((وقيل: لا يفيد العلم إلا نظرياً. وليس هذا بشيء)) أكَّد النفي الآن، هذا القول قول ضعيف، هذا ليس بشيء، ((لأن العلم)) أي اليقيني الحاصل ((بالمتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر كالعامي))، يقول لك: العلم بالمتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر كالعامي، عندما يكون العلم بالمتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر كالعامي، عندما يكون العلم اليقيني حاصل للشخص من خلال التواتر ، ما ثبت عنده بالتواتر حصل عنده اليقين، ثبت ذلك وحصل عند عامة الناس من نساء وأطفال وغيرهم الذين لا يستطيعون أن ينظروا وأن يستدلوا، فكون العلم اليقيني الذي جاء عن طريق التواتر حصل لهذه الفئة من الناس إذاً فهو ضروري، لأنه حصل عند من لا يستطيعون أن يستدلوا ولا أن ينظروا، إذاً فهو علم يقيني وليس علماً نظرياً، هذا استدلال الحافظ عليهم، قال:(( إذ النظر ترتيب أمور معلومة أو مظنونة يُتوصل بها إلى معلوم أو مظنون، وليس في العامي أهلية ذلك)) النظر والاستدلال الذي تقولون أنتم أن المتواتر علم النظر، نقول لكم : النظر هو ترتيب أمور معلومة أو مظنونة يعني إما يقينية أو تحصل بها غلبة الظن، يتوصل بها إلى معلوم أومضنون، يعني مقدمات واستدلالات تقول: إن كان كذا، فكذا وكذا ، هذا يحتاج إلى استنتاجات، فهذه الاستنتاجات أو المقدمات يتوصل بها إلى نتائج، فإما المقدمات هذه تكون يقينية أو حاصلة بغلبة الظن فتوصل إما إلى أمر يقيني أو بغلبة ظن المهم أنها مقدمات واستدلالات تحتاج أن توصِل إلى معلومة، هذه المقدمات لا تستطيعها العامة الذين هم كالنساء والأطفال وغيرهم، ما يستطيعون أن يستدلوا ويأتوا بمقدمات وإلى آخره ، فإذاً إذا كان هذا لا يحصل عندهم ويحصل عندهم اليقين بالخبر المتواتر، إذاً فالخبر المتواتر ماذا يفيد ؟ يفيد اليقين الضروري.
((فلو كان نظرياً لما حصل لهم))، هذه الخلاصة ((ولاح بهذا التقرير)) أي تبين لنا بهذا التقرير الذي قدمه ((الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري)) من خلال نقاشنا تبين لك تلقائياً ما هو العلم الضروري وما هو العلم النظري وما هو الفرق بينهما ((إذ الضروري يفيد العلم بلا استدلال، والنظري يفيده لكن مع الاستدلال على الإفادة، وأن الضروري يحصل لكل سامع، والنظري لا يحصل إلا لمن له أهلية النظر)) واضح هذا أظن ، ((وإنما أَبهمتُ شروط المتواتر في الأصل)) يعني في نخبة الفكر، الآن هذه التي بين أيدينا نزهة النظر شرح نخبة الفكر ، في نخبة الفكر لم يذكر شروط المتواتر، لماذا(الآن سؤال مقدَّر، لماذا فعلت هذا يا حافظ؟)قال : وإنما أبهمت شروط المتواتر في الأصل أي في نخبة الفكر (( لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد))أي أن هذا ليس من عملنا أصلاً ، هذا الأمر المتواتر وبحثه وكذا هذا من أصول الفقه وليس من مباحث علم الحديث .
قال:((إذ علم الإسناد )) الذي هو العلم هذا((يُبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه))هذا الذي يهمنا، المتواتر ما يحتاج أن تبحث فيه هو متواتر ما يحتاج أن تنظر فيه صحيح أو ضعيف، إذاً نحن بحثنا في القوانين والقواعد التي توصلنا إلى صحة الحديث أو ضعفه، هذا عملنا، المتواتر ثابت يقيني ليس فيه أدنى شك ولا أدنى احتمال فلا يحتاج بحث ونظر، إذا قال لك : خبر متواتر، انتهى الموضوع ما يحتاج إلى صحيح أو ضعيف؟ لا، هو متواتر تجاوز هذه المرحلة، ((ليُعمل به أو يُترك)) يُترك العمل به، ((من حيث صفات الرجال وصيغ الأداء))التي هي "حدثنا، سمعت، أخبرنا، عن" هذه صيغ الأداء التي يؤدي بها الراوي الحديث ((والمتواتر لا يُبحث عن رجاله بل يجب العمل به من غير بحثٍ)) لأنه متواتر انتهى الأمر.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-12-2012, 11:16   #4
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الرابع]

[الدرس الرابع]


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ،
درسنا اليوم في شرح نزهة النظر هو الدرس الرابع


قال المؤلف رحمه الله :
فائدة:
((ذكر ابن الصلاح أن مثال المتواتر على التفسير المتقدم يَعِزُّ وجوده)) ، ابن الصلاح معروف فهو صاحب كتاب علوم الحديث وهي المقدمة التي تسمى مقدمة ابن الصلاح، تقدم معنا تفسير المتواتر مما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله في المتن والشرح، يقول الحافظ ابن حجر الآن متعقباً لكلام ابن الصلاح، قال: ذكر ابن الصلاح أن مثال المتواتر على التفسير المتقدم يعز وجوده، يعني المتواتر بالمعنى الذي ذكره الحافظ ابن حجر قليل، نادر الوجود، ((إلا أن يُدَّعى ذلك في حديث"من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"))، هذا الحديث متواتر ولكن مع وجود مثل هذا الحديث إلا أن المتواتر بالمعنى الذي ذكره الحافظ قليل نادر على ما ذكر ابن الصلاح، قال الآن الحافظ ابن حجر متعقباً على ابن الصلاح: ((وما ادعاه من العزة ممنوع)) لا يوافق، يرفض الحافظ ابن حجر أن المتواتر بالمعنى الذي ذكره عزيز، لا، بل يوجد منه كثير من الأحاديث، قال:((وكذا ما ادعاه غيره من العدم)) يتعقب على اثنين، على ابن الصلاح وعلى مَن ادعى بأن المتواتر بالمعنى المذكور ليس موجوداً أصلاً، ابن الصلاح أخف قليلاً قال: يعني قليل، وذاك قال: ليس موجوداً أصلاً، يعني نهائياً، يذكرون أن ابن حبان والحازمي هما من قالا ذلك، فالآن الحافظ ابن حجر يرد عليهما، قال:((لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يُتواطأ على الكذب أو يحصل منهم اتفاقاً)) يعني يقول: السبب في كون ابن الصلاح وابن حبان ادعوا أن الحديث المتواتر لا يوجد أو يوجد بقلة بالصفات التي ذكرناها، عدم اطلاعهم على كثرة الطرق وأحوال الرواة التي وصلت بهم إلى الحال الذي يدل على أن رواياتهم متواترة.
قال:((ومن أحسن ما يُقرَّر به كون المتواتر موجوداً وجود كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً، المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفها، إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط، أفاد العلم اليقيني بصحة نسبته إلى قائله، ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير))، يقول الحافظ الآن: من أحسن ما يُرد به على ابن الصلاح وغيره الذين قالوا بقلة الأحاديث المتواترة والذين قالوا بعدم وجودها، أحسن ما يُرَد عليهم في ذلك وجود كثرة في الأحاديث المتواترة أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً مثل صحيح البخاري، صحيح مسلم، مسند أحمد، سنن أبي داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه، الدارمي، صحيح ابن حبان، صحيح ابن خزيمة، مستدرك الحاكم..إلخ من كتب السنن والمسانيد والمعاجم المشهورة ما بين أيدي العلماء شرقاً وغرباً، قال: هذه الكتب المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفها، مقطوع عند العلماء أن البخاري هو الذي صنّف صحيحه، وأن أبا داود هو الذي صنف سننه، وأن ابن ماجه هو الذي صنف سننه، وأن الحاكم هو الذي صنف مستدركه، هذا أمر مقطوع عندهم لا يشكون فيه، قال: المقطوع عندهم بصحة نسبتها(أي نسبة تلك الكتب) إلى مصنفها، هذه الكتب إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط، يعني توفرت فيه شروط المتواتر التي تقدمت كلها وأصحاب الكتب هؤلاء قد أخرجوا هذا الحديث عندهم في سننهم وفي صحاحهم، قال: أفاد العلم اليقيني بصحة نسبته إلى قائله، يفيدنا ذلك العلم اليقيني بأن هذا الحديث قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عندما يأتي أصحاب الكتب، كتب السنن والمسانيد والصحاح والمعاجم، هذه الكتب الكثيرة المشهورة التي نعلم يقيناً أن أصحابها هم الذين صنفوها، يُخرجون لنا حديثاً له طرق كثيرة تستحيل عادة أن يتواطأ أصحاب هذه الطرق أو يتفقوا على الكذب وهذه الطرق كثيرة، والطرق كثرتها وشرط الاستحالة فيها من أولها إلى آخرها ومستندهم في نقل هذا الخبر السماع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذا توفرت هذه الشروط كلها يقول الحافظ ابن حجر: فقد حصل عندنا العلم اليقيني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذا الخبر، إذاً فهو متواتر، فعلى ذلك يكون عندنا كثير من الأحاديث قد توفرت فيها الشروط التي ذُكرت، كحديث الشفاعة وحديث الحوض ورؤية الله في الآخرة وغيرها من الأحاديث، ينطبق عليها ما ذكره الحافظ الآن، وهناك كتاب ألّفه السيوطي رحمه الله في جمع الأحاديث المتواترة، سمّاه "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة" واختصره في كتاب سمّاه " قطف الأزهار المتناثرة، الكتاب موجود (مطبوع).
قال المؤلف رحمه الله: ((والثاني))أي من الأقسام الأربعة التي قدَّم المؤلف ذكرها ، ((وهو أول أقسام الآحاد: ما له طرقٌ محصورة بأكثر من اثنين)) أي بثلاثة فأكثر، ((وهو المشهور عند المحدثين)) الآن انتهينا، خرجنا من موضوع المتواتر وانتقلنا إلى موضوع المشهور، قلنا نحن أن القسمة ثنائية للأحاديث، إما أن يكون الحديث متواتراً أو أن يكون آحاداً، والآحاد هذا أقسام: المشهور والعزيز والغريب، الآن بدأ المصنف بذكر المشهور، قال: وهو أول أقسام الآحاد: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، محصورة طرقه بأكثر من اثنين، قلنا بأن المشهور شرطه أن يكون أقل طبقة في طبقات السند ثلاثة فأكثر، المهم أن أقل طبقة في طبقات السند يكون فيها ثلاثة لا يقل عن ذلك، هذا يسمى مشهوراً.
((عند المحدثين .سمي بذلك لوضوحه))، لأنه واضح سمي عندهم مشهوراً، ((وهو المستفيض على رأي جماعة من أئمة الفقهاء)) هو نفسه المستفيض، فالمشهور والمستفيض عند جماعة من أئمة الفقهاء معناهما واحد وفي المسألة خلاف سيأتي، ((سمي بذلك لانتشاره)) لماذا سمي مستفيضاً؟ لانتشاره (لأنه منتشر)، قال:((مِنْ فاض الماء يفيض فيضاً)) هذا أصل الاشتقاق اللغوي، ((ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور)) من العلماء من جعل المستفيض شيء والمشهور شيئاً آخر، كيف غايَر؟ قال الحافظ:((بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء)) يعني ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة من أول الإسناد إلى آخره، هذا يسمى مستفيضاً، أو أربع عن أربع عن أربع عن أربع، كلها متساوية، ((والمشهور أعم من ذلك))، المشهور يكون هو هذه الصورة تدخل في المشهور أيضاً وتدخل فيها أيضاً ما كان في أقل طبقة من طبقاته ثلاثة فأكثر، فهو أعم من المستفيض، فكل مستفيض مشهور وليس كل مشهور مستفيضاً، ((ومنهم من غاير على كيفية أخرى)) منهم مَن له مذهب ثالث في المسألة، فقال مثلاً: المستفيض ما تلقته الأمة دون اعتبار عدد، فقال بعض أهل العلم : هو بهذا المعنى هو والمتواتر واحد، أي على التفسير المتقدم للمستفيض، فيكون المستفيض والمتواتر واحد ويخالف المشهور بما ذُكر، قال:((وليس من مباحث هذا الفن)) هذا كله ليس من مباحث هذا الفن الذي هو فن علم الحديث.
((ثم المشهور يُطلق على ما حُرِّر هاهنا، وعلى ما اشتُهر على الألسنة)) يعني المشهور يطلق على معنيين: المعنى الاصطلاحي الذي ذكرناه وهو أقل طبقة في طبقات السند تكون ثلاثة فأكثر، ويطلق أيضاً على ما اشتُهر على الألسن، (( فيشتمل على ما له إسناد واحد فصاعداً بل على ما لا يوجد له إسناد أصلاً)) على المعنى الثاني للمشهور، المعنى الثاني للمشهور هو المعنى اللغوي، المشهور هو أن يكون مشهوراً على الألسن، إما مشهور عند العلماء أو مشهور عند الفقهاء أو مشهور عند العامة أو مشهور عموماً، فينطبق على الغريب وينطبق على العزيز وينطبق على المشهور بالمعنى الثاني، وينطبق أيضاً على المتواتر وينطبق على الحديث الذي ليس له إسناد أصلاً، ما انتُشر بين الناس بأنه حديث.
قال: ((الثالث: العزيز: وهو ألاّ يرويه أقل من اثنين عن اثنين)) هذا العزيز، العزيز شرطه أن يكون أقل طبقة في طبقاته اثنان فأكثر، ليس من شرطه أن يكون كل طبقة فيها اثنين عن اثنين عن اثنين، لا، اثنين فأكثر، إذا كانت الطبقة الأولى اثنين والثانية ثلاث والثالثة أربع، يكون هذا عزيزاً، فشرطه أن تكون أقل طبقة فيه فيها راويان.
((وسُمي بذلك -أي بالعزيز-إما لقلة وجوده- من العزة يكون- وإما لكونه عز، أي قوِيَ لمجيئه من طريقٍ آخر. وليس شرطاً للصحيح، خلافاً لمن زعمه وهو أبو علي الجُبَّائي من المعتزلة وإليه يومئ كلام الحاكم أبي عبد الله في علوم الحديث حيث قال:"الصحيح هو الذي يرويه الصحابي الزائل عنه اسم الجهالة بأن يكون له راويان، ثم يتداوله أهل الحديث إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة")) الآن عرفنا ما هو العزيز، قال: هو ليس شرطاً للصحيح، يعني لا يُشترط في الحديث الصحيح أن يكون عزيزاً، بل إذا كان غريباً يكون صحيحاً إذا توفرت فيه شروط الصحة لأننا إذا اشترطنا أن يكون الحديث عزيزاً، إذاً لا يكون عندنا الحديث صحيحاً إذا رواه واحد، بل يكون صحيحاً إذا رواه اثنان فأكثر، أما إذا رواه واحد فلا، هذا إذا اشترطنا أن يكون الحديث الصحيح عزيزاً، ولكن هذا الشرط مردود على صاحبه اشترطه أبو علي الجبائي من المعتزلة واختلف أهل العلم في فهم كلام الحاكم في معرفة علوم الحديث، الحافظ ابن حجر قال: المعنى الذي أراده الحاكم موافق للمعنى الذي ذكره الجبائي، وبعض أهل العلم قالوا : لا، كلام الحاكم لا يدل على ذلك لكن الظاهر أن الصواب مع الحافظ ابن حجر، فقال هنا نقلاً عن الحاكم : (الصحيح هو الذي يرويه الصحابي الزائل عنه اسم الجهالة) وتزول عنه الجهالة بماذا؟ قال:(بأن يكون له راويان، تابعيان، عدلان، كما في معرفة علوم الحديث للحاكم،ثم يتداوله أهل الحديث إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة) من هنا جاء الفهم الذي فهمه الحافظ ابن حجر ،كالشهادة على الشهادة: يعني يرويه اثنان عن اثنين، لكن على كل حال سواء أراد الحاكم هذا المعنى أم لم يرده هو كلام مردود على صاحبه، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يأخذون الأحاديث بعضهم عن بعض وما كانوا يشترطون العدد، وكذلك التابعون من بعدهم والتابعين إلى الأوقات المتأخرة وهم يقبلون حديث الواحد ولا يردونه.
قال:((وصرَّح القاضي أبو بكر بن العربي في شرح البخاري بأن ذلك شرط البخاري)) وهذا من أغرب ما يكون، أن يكون هذا شرطاً للبخاري، أن يشترط البخاري أن لا يكون الحديث صحيحاً إلا إذا كان عزيزاً، كيف هذا والبخاري قد أخرج أكثر من حديث غريب لم يروه إلا راوٍ واحد، منها حديث "إنما الأعمال بالنيات" كما سيأتي، فهذا الشرط ليس بشرطٍ للإمام البخاري والفهم الذي فهمه ابن العربي على البخاري فهم خاطئ، قال:((وأجاب عما أورد عليه من ذلك بجوابٍ فيه نظر)) عندما قال ابن العربي بأن شرط البخاري أن لا يكون الحديث صحيحاً إلا إذا كان عزيزاً، يعني يرويه اثنين فأكثر، أجابوا عنه بحديث "إنما الأعمال بالنيات" فقالوا: يُرَد عليك في أول حديث للبخاري، أول حديث للبخاري من رواه؟ تفرد به عمر بن الخطاب وتفرد به عن عمر علقمة وتفرد به عن علقمة محمد بن إبراهيم وتفرد به عن محمد بن إبراهيم يحيى بن سعيد، فهو غريب من رواية واحد عن واحد عن واحد عن واحد، إذاً كيف تقول بأن هذا شرط للبخاري؟ هذا بعيد جداً، فهنا قال البخاري: وأجاب عما أورد عليه من ذلك بجواب فيه نظر، فأوردوا عليه ماذا ؟ حديث "إنما الأعمال بالنيات"، أجاب ابن العربي عن الإيراد، يعني رد هذا الجواب، كيف رده ؟ قال الحافظ بجواب فيه نظر، فالحافظ رد الجواب أصلاً ماذا قال؟ قال: ((لأنه قال : فإن قيل حديث "الأعمال بالنيات" فرْدٌ لم يروه عن عمر إلا علقمة ؟ قال: قلنا قد خطب به عمر على المنبر بحضرة الصحابة فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه. -كذا قال- .وتُعقِّب(أي اعتُرض عليه) بأنه ( الآن الرد على كلامه ، فهمنا الآن كلامه كيف رد الموضوع هو، قال: قد سمعوا الحديث منه الصحابة وهو على المنبر، قال: فلولا أنهم يعرفون هذا الحديث لكذّبوه فيما نقل، إذاً هنا لا يكون عمر وحده هو الذي ذكر الحديث بل هو والصحابة أيضاً إقرارهم عليه كافٍ، فكيف الرد عليه الآن؟ قال: بأنه لا يلزم من كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوه من غيره)) فكونهم سكتوا عنه ولم ينكروه، لا يعني ذلك أنهم سمعوه من غير عمر ابن الخطاب، ((وبأن هذا لو سُلِّم)) لو سلَّمنا لك في عمر ((في تفرُّد عمر رضي الله تعالى عنه مُنع في تفرد علقمة عنه، ثم تفرُّد محمد بن إبراهيم به عن علقمة ثم تفرُّد يحيى بن سعيد به عن محمد)) يعني إن رددت في قضية عمر فعندك هؤلاء الذين بعده، ماذا ستفعل معهم ؟ قال:(( على ما هو الصحيح المعروف عند المحدثين)) الصحيح المعروف عند المحدثين أن هؤلاء قد تفردوا بالحديث، ((وقد وردت لهم متابعات لا يعتبر بها)) المتابعات التي وردت من هنا وهناك هذه كلها لا يعتبر بها، الحديث لا يصح إلا من هذه الطريق فقط، قال:((لضعفها، وكذا لا نسلِّم جوابه في غير حديث عمر رضي الله تعالى عنه)) تركنا لك حديث عمر كله، الآن رُد لنا على الأحاديث الأخرى الغريبة التي في الصحيحين، هناك أحاديث أخرى غريبة لم تُروَ إلا من طريقٍ واحد فماذا تفعل بها ؟ لو رددت حديث عمر بن الخطاب كله، تركناه لك، فماذا تجيب عن بقية الأحاديث؟ إذاً فهو محجوج بعدة حجج .
((قال ابن رُشَيْدٍ: ولقد كان يكفي القاضي في بطلان ما ادعاه أنه شرط البخاري أول حديثٍ مذكور فيه)) يعني ابن رشيد الآن رد على ابن العربي بأنه أول حديث مذكور في البخاري وهو "إنما الأعمال بالنيات" هو حديث غريب، فكيف يدعي على البخاري بأنه يشترط العزة لكي يكون الحديث صحيحاً؟.
((وادعى ابن حبان نقيض دعواه، فقال:)) يعني ما يخالف دعوة ابن العربي، ((فقال: إن رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلاً)) اثنين عن اثنين عن اثنين هذه لا وجود لها أصلاً.
(( قلتُ: إن أراد أن رواية اثنين فقط عن اثنين فقط لا توجد أصلاً فيُمكن أن يسلَّم هذا الكلام، وأما صورة العزيز التي حررناها فموجودة بألاّ يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين)) عرفت ماذا يريد من العزيز ؟ فإذاً هنا فسَّر لك كلامه المتقدم الحافظ ابن حجر بأنه يريد أن أقل طبقة تكون فيه، فيها اثنان، فإذاً، ما حرره الحافظ ابن حجر من معنى العزيز ما هو ؟ أقل طبقة في طبقات السند يكون فيها اثنين، أما الصورة التي ذكرها ابن حبان والذي قال له : ممكن أن يسلم لك فهي أن يرويه اثنين عن اثنين عن اثنين عن اثنين من أول الإسناد إلى آخره، قال : هذه يمكن أن يسلَّم بأنه لا يوجد حديث بهذه الصفة، أما الصورة التي ذكرناها فيوجد الشيء الكثير، منها:
قال:((ومثاله: ما رواه الشيخان من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال:" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده" الحديث. ورواه عن أنس رضي الله عنه قتادة وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة شعبة وسعيد، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل ابن عُليَّة وعبد الوارث ورواه عن كلٍّ جماعة)) إذاً، رواه اثنين عن اثنين، فهذا يسمى عزيزاً.
ونكتفي بهذا القدر إن شاء الله
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-12-2012, 11:18   #5
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الخامس من شرح نزهة النظر

المجلس الخامس من شرح نزهة النظر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فهذا الدرس الخامس من دروس شرح نزهة النظر.

قال المؤلف رحمه الله: "والرَّابِعُ: الغَريبُ وهُو: ما يَتَفَرَّدُ بِروايَتِهِ شَخْصٌ واحِدٌ في أَيِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ التَّفَرُّدُ بِهِ مِنَ السَّنَدِ عَلى مَا سَيُقْسَّمُ إِليهِ الغَريبُ المُطْلَقُ والغَريبُ النِّسبيُّ".

تفصيل مسألة الغريب ستأتي إن شاء الله، لكن هنا عرّفه بأنّه ما يتفرد بروايته شخصٌ واحدٌ في أيِّ طبقةٍ من طبقات السند، ليس المقصود من ذلك أنَّ الإسناد كلّه يكون فيه شخصٌ واحدٌ، لا، إسناد يُروى: فلان عن فلان عن فلان، عندما ننظر في الطبقة الأولى نجد فيها مثلاً: واحد، الطبقة الثانية فيها: اثنان أو ثلاث، الطبقة الرابعة فيها: خمسة .. الخ، فننظر إلى أقل طبقة، إذا كانت أقل طبقة فيها واحد فقط فهذا يسمى غريباً، هذا مقصود المؤلف فيما يتفرد بروايته شخص واحد، أي في أقل طبقة من طبقات السند يكون واحداً، هذا يسمى غريباً، والغريب ينقسم إلى غريب مطلق وغريب نسبي سيأتي في موضعه إن شاء الله نُفصِّله هناك.

قال المؤلف رحمه الله: "وكُلُّها أي: الأقسامُ الأرْبَعَةُ" وهو المتواتر والمشهور والعزيز والغريب.

"سوى الأوَّلِ، وهو المُتواتِرُ آحادٌ" يعني المشهور والعزيز والغريب كلها آحاد، هذه تسمى آحاداً.

"ويُقالُ لكُلٍّ منها خَبَرُ واحِدٍ"، هذه كلها يقال لها من أخبار الآحاد، أو خبر الواحد لأنّه ليس عندنا على الصحيح من كلام أهل العلم إلّا متواتر وآحاد، والآحاد منه المشهور والعزيز والغريب.

قال: "وخَبَرُ الواحِدِ في اللُّغَةِ: ما يَرويهِ شَخْصٌ واحِدٌ"، هذا من الناحية اللغوية.

"وفي الاصطِلاحِ: ما لَمْ يَجْمَعْ شُروط التواتِرِ". هذا خبر الواحد في الاصطلاح، ما لم يجمع شروط التواتر، فيدخل فيه المشهور والعزيز والغريب، كلُّها لم تجمع شروط التواتر.

"وفيها؛ أي: في الآحَادِ: المَقْبولُ" الذي يعمل به (الصحيح).

"وهو: ما يَجِبُ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ الجُمْهورِ".

"وَفيها المَرْدُودُ، وهُو الَّذي لَمْ يَرَجَحْ صِدْقُ المُخْبِرُ بِهِ"؛ أي الذي لم يترجح صدق الراوي فيُرّد، لأنه لم يغلب على ظنّنا أن راويه قد حفظه، إمّا لأنه يَكذب أو أنه يخطأ، فلم يَغلب على ظنّنا أنه يحفظ فلذلك رددنا روايته، أمّا المقبول فغلب على ظنّنا أنه محفوظ وأن راويه لم يخطأ فيه.

قال: "لتوقُّفِ الاستدلالِ بها عَلى البَحْثِ عَنْ أحوالِ رواتِها، دُونَ الأوَّلِ"، يعني لماذا قسَّمنا الآحاد إلى مقبول ومردود ولم نفعل ذلك في المتواتر، لأن المتواتر لا يحتاج منا إلى بحث ونظر في أحوال الرواة، هل هذا ثقة وإلّا ضعيف وإلّا كذا، لا، كثرة الطرق مع إحالة التواطؤ والتوافق على الكذب أغنت عن النظر في أحوال الرواة، أمّا الآحاد فلا بد أن ننظر في أحوال رواته، فبناءً على ذلك حصل عندنا وجود المقبول والمردود، بناءً على أننا بحاجة إلى النظر في أحوال رواته، واضح الفرق بين المتواتر والآحاد؟ لماذا كان في الآحاد مقبول ومردود؟ لأننا بحاجة إلى النظر في رواة الأسانيد، أمّا المتواتر فلسنا بحاجة إلى هذا كثرة الطرق أغنت عن النظر في أحوال الرواة.

قال: "وهو المُتواتِرُ. فكُلُّهُ مَقْبولٌ لإِفادَتِهِ القَطْعَ بِصِدْقِ مُخْبِرِهِ".

لأن الشروط الأربعة التي تحققت فيه أفادتنا القطع بأن رواته قد صدقوا في روايته.

"بِخلافِ غَيْرِهِ مِنْ أَخبارِ الآحادِ".

"لكنْ؛ إِنَّما وَجَبَ العَمَلُ بالمَقْبولِ مِنها، لأَنَّها إِمَّا أَنْ يُوْجَدَ فيها أَصلُ صِفَةِ القَبولِ - وهُو ثُبوتُ صِدْقِ النَّاقِلِ -، أَوْ أَصلُ صِفَةِ الرَّدِّ - وهُو ثُبوتُ كَذِبِ النَّاقِلِ - أَوْ لاَ ":

الآن انتقل إلى مسألة جديدة وهي: لماذا قبلنا العمل بخبر الواحد؟

قال: وذلك إمّا لأنها يوجد فيها أصل صفة القبول، يعني خبر الواحد إمّا أن يوجد فيه أصل صفة القبول، وهو ثبوت صدق الناقل، إمّا أن يغلب على ظنّنا أن هذا الخبر ناقله صَدَقَ في نقله ولم يُخطأ ولم يَكذب، أو أصل صفة الردّ، أو خبر الواحد قد ثبت فيه أن راويه اخطأ فيه أو كذب فيه فهذا يردّ، إمّا هكذا أو هكذا، وهو ثبوت كذب الناقل أوْ لَا، أو لم يثبت عندنا لا هذا ولا هذا، صار عندنا ثلاث أقسام:

قال: "فالأوَّلُ:" ما وجد فيه أصل صفة القبول.

"فالأول يَغْلِبُ على الظَّنِّ ثُبوتُ صِدْقِ الخَبَرِ".

فصدق الناقل ووجود أصل صفة القبول في الخبر غلَّبت على الظنّ أن الخبر هذا صدق.

"لِثُبوتِ صِدْقِ ناقِلِهِ فيُؤخَذُ بِهِ". فوجود صفات القبول تبني عندنا غلبة الظنّ بصحة الخبر وصدقه فيعمل به.

هذا خلاصة ما ذكرنا.

"والثَّانِي:" هو ما ثبت فيه أصل صفة الردّ، والذي ثبت فيه كذب ناقله.

"والثَّانِي: يَغْلِبُ على الظَّنِّ كَذِبُ الخَبَرِ لِثُبوتِ كَذِبِ ناقِلِهِ فيُطْرَحُ".

"والثالث:" الذي لا هو صفة القبول ولا صفة الرد، لا ثبتت فيه.

"والثَّالِثُ: إِنْ وُجِدَتْ قرينَةٌ تُلْحِقُهُ بأَحَدِ القِسْمَيْنِ الْتَحَقَ، وإِلاَّ فَيُتَوَقَّفُ فيهِ"، إذا وجد عندنا دليل قرينة تلحقه بالمقبول قبلناه، وإن وجدت قرينة تلحقه بالمردود رددناه، وإن لم يوجد هذا ولا ذاك توقفنا فيه، فيتوقف فيه.

"وإِذا تُوُقِّفَ عَنِ العَمَلِ بهِ صارَ كالمَرْدودِحاله واحد لأن المردود لا يُعمل به والمتوقف فيه لا يُعمل به.

"لا لِثُبوتِ صِفَةِ الرَّدِّ"، ما ثبتت عندنا صفة الردّ فيه.

"بل لكَوْنِه لمْ تُوجَدْ فيهِ صفةٌ توجِبُ القَبولَ، واللهُ أعلمُ".هذا كلّه تعليل، قال: لا لثبوت صفة الردّ، يعني الذي توقفنا فيه، لماذا توقفنا فيه؟ ما توقفنا فيه لأنه ثبت عندنا أنّه مردود، لا، بل لكونه لم توجد فيه صفة توجب القبول فتوقفنا فيه لأنه ما فيه عندنا شيء يثبت قبوله، والله أعلم.

"وقد يَقعُ فيها؛ أي: في أَخْبارِ الآحادِ المُنْقَسِمَة إِلى مَشْهورٍ وعَزيزٍ وغَريبٍ؛ مَا يُفيدُ العِلْمَ النَّظريَّ بالقَرائِنِ؛ عَلى المُختارِ؛ خِلافاً لِمَنْ أَبى ذلك."

الآن هذه مسألة، تقدم معنا أن المتواتر يفيد العلم الضروري، وهذا قد تقدم معنا وانتهينا من المتواتر، الآن خبر الآحاد هل يفيد العلم أم يفيد غلبة الظن فقط؟ قال المؤلف هنا: وقد يقع فيها: أي أخبار الآحاد، ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار، فالصحيح أنّ أخبار الآحاد لا يُقال بأنها تفيد الظن مطلقاً، هذا القول خطأ، والصواب أنّ أخبار الآحاد قسمان: قسم احتفت به القرائن، وقسم لم تحتف به القرائن، القسم الخالي عن القرائن يفيد الظنّ، غلبة الظنّ، الغالب على الظنّ أن هذا قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا قلنا غلبة الظنّ؟ لاحتمال الوهم والخطأ على الراوي وإن كان ثقة، الراوي الثقة يُخطئ وإلّا لَا؟ يُخطئ، فيه احتمال الخطأ في روايته وإلّا ما فيه؟ فيه، إذاً فروايته تفيد غلبة الظنّ وليس اليقين.

إذا احتف بالقرائن وجاء ما يَدعم رواية هذا الراوي ويؤكد لنا أنّه لم يخطئ، ما الذي يحصل؟ يحصل عندنا اليقين بأن هذا الكلام قاله النبي صلى الله عليه وسلم، من هذه القرائن مثلاً أن يُروى الحديث في الصحيحين ولا ينتقده أحد من العلماء، قرينة تدلّ على أنّ هذا الحديث صحيح لا إشكال ويقيني، فإذا كان أُدخل في الصحيحين ولم ينتقده أحد من العلماء فهذه قرينة تدلّ على أن راويه لم يُخطئ فيه فهي تفيدنا اليقين.

خطر القول بأن خبر الآحاد يفيد الظن مطلقاً من أين يأتي؟ أين يكمن؟ يكمن في أن العقلانيين يقولون خبر الآحاد لا يفيد إلا الظنّ، والعقل يفيد اليقين، فالعقل مُقَدم على النقل، وبذلك يضربون على أغلب أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جئنا نحن وتبنينا هذا المذهب وقلنا لهم والله خبر الآحاد يفيد الظنّ مطلقاً فقد أعناهم على هدم أكثر السنة، فمن هنا يأتي خطر هذا الكلام، وقد أشار إليه ابن القيم رحمه الله في كتبه، فإذن الصواب ما يقرره الحافظ هنا أن خبر الآحاد يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار، على الصحيح من أقوال أهل العلم يفيد العلم النظري، أي اليقيني الذي يحصل بعد نظر واستدلال بالأدلة، قال: خلافاً لمن أبي ذلك، فرد الحافظ كلام من خالف في هذه المسألة.

"والخِلافُ في التَّحْقيقِ لَفْظيٌّ لماذا يقول الخلاف في التحقيق لفظي، الظاهر أن الخلاف حقيقي وليس لفظياً، الخلاف لفظي: يعني أنّ الخلاف في الألفاظ، أنت تقول لفظ وأنا أخالفك في لفظ آخر، لكنّ المعنى في النهاية واحد فنرى لماذا يقول الحافظ الخلاف لفظي؟

"لأنَّ مَنْ جَوَّزَ إِطلاقَ العِلْمِ قَيَّدَهُ بِكونِهِ نَظَريّاً"،يعني بنظر واستدلال.

"وهُو الحاصِلُ عن الاسْتِدلالِ، ومَنْ أَبى الإِطلاقَ؛ خَصَّ لَفْظ العِلْمِ بالمُتواتِرِ، وما عَداهُ عِنْدَهُ ظَنِّيٌّ، لكنَّهُ لا يَنْفِي أَنَّ ما احْتفَّ بالقرائِنِ أَرْجَحُ"

من هذه الناحية التي ذكرها الآن المؤلف الخلاف لفظي، لكن من الناحية التي ذكرناها نحن الخلاف حقيقي.

فقال: "لكنَّهُ لا يَنْفِي أَنَّ ما احْتفَّ بالقرائِنِ أَرْجَحُ ممَّا خَلا عَنهالكن في النهاية يقول: هل هو حُجّة في الاعتقاد أم ليس بحجة في الاعتقاد؟ هنا يأتي الإشكال.

"والخَبَرُ المُحْتَفُّ بالقَرائِن أنواعٌ مِنْها:" الآن يُريد أن يُشير إلى القرائن التي تجعل الخبر الآحاد يتقوى إلى أن يصل إلى العلم، إلى أن يُفيد العلم.

"مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في صَحيحَيْهِما ممَّا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التواتِرِالأحاديث المتواترة التي في الصحيحين متواترة انتهينا منها، كلامنا الآن على خبر الآحاد، خبر الواحد الذي في الصحيحين الذي لم ينتقده أحد من العلماء، هذه قرينة: وجوده في الصحيحين وعدم انتقاد أحد من أهل العلم منه قرينة تفيد أنّ هذا الحديث صحيح يقيناً.

قال: :فإِنَّهُ احْتُفَّتْ بِهِ قرائِنُ منها: جَلالتُهُما في هذا الشَّأْنِ".

وجود الحديث في الصحيحين قرينة قوية يفيد بها اليقين، قال: لأنه احتف بقرائن عدة، منها جلالتهما في هذا الشأن، يعني: قدر ومكانة البخاري ومسلم في علم الحديث بحيث اختارا هذا الحديث ووضعاه في صحيحيهما.

"وتَقَدُّمُهُما في تَمْييزِ الصَّحيحِ على غيرِهما".

يعني على غيرهما من العلماء، وهما متقدمان على كثير من أهل العلم في هذا الفن.

"وتَلَقِّي العُلماءِ كِتابَيْهِما بالقَبُولِ"، هذا واضح.

"وهذا التَّلقِّي وحدَهُ أَقوى في إِفادةِ العلمِ مِن مُجَرَّدِ كَثْرَةِ الطُّرُقِ القاصرةِ عَنِ التَّواتُرِ".

يقول لك الآن تلقي العلماء لهذين الكتابين بالقبول درجة قوية، أقوى من لو أن الحديث قد ورد من طرق كثيرة بحيث لا يبلغ إلى حد التواتر، تلقي العلماء بالقبول أقوى من كثرة الطرق.

"إِلاَّ أَنَّ هذا مُخْتَصٌّ بِمَا لَمْ يَنْقُدْهُ أَحدٌ مِنَ الحُفَّاظِ مِمَّا في الكِتابينِ"،كما ذكرنا بداية، ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما ولم ينتقده أحد من الحفاظ كالدارقطني وأبي مسعود وأبي علي الجيّان وغيرهم.

"وبِما لَمْ يَقَعِ التَّجاذُبُ بينَ مَدْلولَيْهِ مِمَّا وَقَعَ في الكِتابينِ، حيثُ لا تَرْجيحَ لاستِحالَةِ أَنْ يُفيدَ المُتناقِضانِ العِلْمَ بصِدْقِهِما من غيرِ ترجيحٍ لأحدِهِما على الآخرِ".

الآن قيد آخر قال ما في الصحيحين من أحاديث الآحاد وجودها في الصحيحين قرينة تحتف بالحديث حيث تصل به إلى العلم النظري، إلّا إذا كان الحديث من الأحاديث المنتقدة، فيه استثناء ثانٍ ما هو؟ قال: ما لم يقع التجاذب بين مدلوليه بأن يأتي عندنا حديث في الصحيحين يدلّ على مسألة وحديث آخر يدلّ على مسألة تخالف تماماً ما دلّ عليه الأول، فحصل تناقض فيما دلّ عليه الأول والثاني، إذ يقول لك هنا: لاستحالة أن يُفيد المتناقضان العلم بصدقهما، كيف يكون هذا صادق الأول، والثاني صادق، وكلاهما يقيني وهما متناقضان، التناقض لا يَخرج من النبي صلى الله عليه وسلم، التناقض لا يكون من النبي صلى الله عليه وسلم، إذن كون هذا الحديث يُناقض هذا الحديث، ولا يُوجد عندنا ما يُرجح أحدهما على الآخر هذا يُخرجه من كون وجوده في الصحيحين قرينة توصله إلى العلم النظري.

زيادة توضيح: على كل حال سأمثل من عندي وهو مثال فقط، مجرد مثال للتفهيم، لأنني ما أعددت مثالاً ساقطاً يكون مثالاً حقيقياً، لكن سنمثل بما نستحضره:

الآن جاء في حديث ابن عباس، فلنقل إنه في الصحيحين (الآن لا يحضرني حقيقة أهو في الصحيحين أم في غيرهما)، أنّه قال: "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو مُحرم"، هذا حديث، وجاء في حديث آخر أنّ مولى ميمونة قال بـ: "أن النبي صلى الله عليه وسلمتزوجها وهو حل وليس محرماً"، حديثان يتناقضان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة مرةً واحدةً، إمّا كان في حلٍ أو كان في إحرامٍ، هذان الحديثان فلنقل إنهما في الصحيحين، ولنقل إنه لم ينتقدهما أحد من أهل العلم، هل يصلا إلى العلم النظري أم لا؟، لا لماذا؟ لأنهما متناقضان ولا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر مثلاً (وإلا الصحيح فيه ترجيح، لكن مثلاً أنّه ما فيه ترجيح أحدهما على الآخر، ما استطعنا أن نقول هذا الصواب وهذا الخطأ) فماذا يصلح الآن؟ خلاص هذين الحديثين لا نقول بأنهما يفيدا اليقين لأن بين مدلوليهما تناقض.

قال: "وما عَدا ذلك؛ فالإِجماعُ حاصِلٌ على تَسْليمِ صِحَّتِهِ".

ماعدا ما استثنيناه من انتقاد أحد النُقّاد أو التعارض بين مدلوليهما، ما عدا هذا فإذا جاء حديث آحاد وكان في الصحيحين فهو من الأخبار التي تفيد اليقين.

"فإِنْ قِيلَ: إِنَّما اتَّفَقوا على وُجوبِ العَمَلِ بِهِ لا عَلى صِحَّتِهِ؛ مَنَعْنَاهُ"،إنما اتفق العلماء على الأحاديث التي في الصحيحين اتفقوا فقط على أنّه يُعمل بهما، وأنّه يجب أن يُعمل بهما، ولم يتفقوا على أنهما صحيحان، قال الحافظ: منعناه، أي ما قبلنا بهذا الكلام، هذا الكلام غير صحيح.

"وسَنَدُ المَنْعِ" دليل المنع لماذا قلت منعناه.

"قال: أَنَّهُمْ مُتَّفِقونَ عَلى وُجوبِ العَمَلِ بِكُلِّ مَا صَحَّ ولوْ لَمْ يُخْرِجْهُ الشَّيْخانِ"،ما فيه مزية حديث الصحيحين إذن، العلماء متفقون على وجوب العمل بكل حديث صحيح، ليس فقط متفقون على العمل بأحاديث الصحيحين فقط، إذن ما معنى الاتفاق بعد هذا، إذن كلام فارغ ما له معنى لو قلنا بأن حديث الصحيحين متفق عليهما، قال متفق على وجوب العمل بهما، قلنا هذا الكلام فارغ ليس فيه تخصيص بالصحيحين بشيء، لأن جميع الأحاديث سواء كانت في الصحيحين أو خارج الصحيحين متفق على وجوب العمل بها إذا كانت صحيحة، إذن أين جاءت مزية الصحيحين في اتفاق العلماء، اتفق العلماء على صحة ما فيهما وعلى وجوب العمل بهما لا على وجوب العمل فقط.

"قال: فلمْ يَبْقَ للصَّحيحينِ في هذا مَزيَّةٌ، والإِجماعُ حاصِلٌ على أَنَّ لهُما مَزِيَّةً فيما يَرْجِعُ إِلى نَفْسِ الصِّحَّةِ".

"ومِمَّن صَرَّحَ بإِفادَةِ مَا خَرَّجَهُ الشَّيْخانِ العِلْمَ النَّظَرِيَّ: الأسْتاذُ أَبو إِسْحاقَ الإِسْفَرايِينِيُّ، ومِن أَئِمَّةِ الحَديثِ أَبو عبدِ اللهِ الحُمَيْدِيُّ، وأَبو الفَضْلِ بنُ طاهِرٍ وغيرُهُما".

وهذا الذي رَجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من علماء الإسلام على أنّ حديث الصحيحين التي لم تُنتقد، والتي لا تَعَارُض بين مدلوليها بحيث أنّه لا يُرَجَّح أحدها على الآخر، لأنها كلّها تفيد العلم النظري وقد صَرّح كما قال الحافظ: أبو إسحاق الإسفرائيني وأبو عبد الله الحميدي وأبو الفضل بن طاهر، وهو اختيار الحافظ نفسُه وغيره من العلماء، قرروا هذا الأمر.

"ويُحْتَمَلُ أَنْ يُقالَ: المَزِيَّةُ المَذْكُورَةُ كَوْنُ أَحادِيثِهِما أَصَحَّ الصَّحيحِ". وأيضاً هذا احتمال، قال: يُمكن أن يُقال بأن المزية التي في الصحيحين أن أحاديث الصحيحين أصحّ من غيرها من الأحاديث، لكن المتقدم هو المعتبر.

قال: "ومِنها: المَشْهورُ". أي من ضمن القرائن التي إن احتف بها خبر الواحد يفيد العلم، من هذه القرائن قلنا ما أخرجه الشيخان، ومنها المشهور.

"إِذا كانَتْ لهُ طُرُقٌ مُتبايِنَةٌ -مختلفة- سالِمَةٌ مِنْ ضَعْفِ الرُّواةِ، والعِلَلِ". هذه قرينة ثانية تُعتمد في كون الحديث إذا كان آحاداً وكان على هذه الصورة كان مشهوراً، بالصورة التي ذكرها الحافظ يكون يفيد العلم النظري.

"وممَّن صَرَّحَ بإِفادَتِهِ العِلْمَ النَّظَرِيَّ الأسْتاذُ أَبو مَنْصورٍ البَغْدادِيُّ، والأسْتاذُ أَبو بَكْرِ بنِ فُورَكٍ وغيرُهُما".

"ومِنها: المُسَلْسَلُ بالأئمَّةِ الحُفَّاظِ المُتْقِنينَ، حيثُ لا يكونُ غَريباً؛ كالحَديثِ الَّذي يَرْويهِ أَحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ مَثلاً ويُشارِكُهُ فيهِ غَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، ويُشارِكُهُ فيهِ غيرُهُ عنْ مالِكِ بنِ أَنسٍ؛ فإِنَّهُ يُفيدُ العِلْمَ عندَ سَامِعِهِ بالاستِدْلالِ مِن جِهَةِ جَلالَةِ رُواتِهِ، فأَنَّ فيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ اللاَّئِقَةِ المُوجِبَةِ للقَبولِ مَا يقومُ مَقامَ العَدَدِ الكَثيرِ مِنْ غَيْرِهِم".

هذه القرينة الثالثة أن يكون الإسناد مسلسلاً بحفاظ متقنين كأحمد بن حنبل والشافعي ومالك، هؤلاء الأئمة الكبار مسلسل بهم، يعني هؤلاء هم الذين ينقلوه لنا، وهم مُتَابَعون أيضاً، ما تفرد به أحمد بن حنبل ولا تفرد به مالك بن أنس، تابعهم غيرهم لكن وجود هؤلاء الأئمة الذين لهم صفات في الرواية عظيمة كبيرة في الحفظ والإتقان والعدالة مع وجود من تابعهم هذه قرائن تُفيد بأنّ هذا الخبر خبرُ الواحد يفيد العلم النظري.

الحديث واحد مسلسل بالأئمة، قال: كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلاً ويشاركه فيه غيره عن الشافعي، أحمد عن الشافعي، الشافعي عن مالك، ويشارك أحمد في الرواية غيره ويشارك الشافعي في الرواية غيره، يعني في طبقته يوجد معه غيره لكن وجود هذا الإمام ووجود الإمام الثاني والإمام الثالث هذا له اعتباره.

قال: ولا يَتَشَكَّكُ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمارَسَةٍ - أقل ممارسة لعلم الحديث - بالعِلْمِ وأَخْبارِ النَّاسِ أَنَّ مالِكاً مَثلاً لو شافَهَهُ بخَبَرٍ أَنَّهُ صادِقٌ فيهِ"، من يتشكك مثلاً لو جاءه مالك بن أنس وأعطاه خبر بأنه صادق، ما يتشكك أحد.

"فإِذا انْضافَ إِليهِ أيضاً مَنْ هُو في تِلْكَ الدَّرَجَةِ؛ ازْدَادَ قُوَّةً، وبَعُدَ عَمَّا يُخْشَى عليهِ مِنَ السَّهْوِ".

السهو من: الخطأ والنسيان والغفلة.

"وهذهِ الأنْواعُ الَّتي ذكَرْناها لا يَحْصُلُ العلمُ بصِدْقِ الخَبرِ منها إِلاَّ للعالِمِ بالحَديثِ، المُتَبَحِّرِ فيهِ"، لا شكّ، لا يحصل لأي أحدٍ، إلّا شخص له علم ودراية ومعرفة بأحوال الرواة وبطرق الأحاديث.

"العارِفِ بأَحوالِ الرُّواةِ، المُطَّلِعِ عَلى العِلَلِ، وكَوْنُ غيرِهِ لا يَحْصُلُ لهُ العِلْمُ بصِدْقِ ذلك لِقُصورِهِ عن الأوْصافِ المَذكورَةِ لا يَنْفي حُصولَ العِلْمِ للمُتَبَحِّرِ المَذْكورِ"، يعني كونه لا يحصر العلم عند العالم المتبحر لا يعني ذلكم أنّه لا يحصل للمتبحر.

"ومُحَصّلُ الأنْواعِ الثَّلاَثَةِ الَّتي ذَكَرْناها: أنَّ الأوَّلَ: مُخْتَصُّ بالصَّحيحينِ. والثاني: بِما لَهُ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ. والثَّالِثُ: بِما رواهُ الأئمَّةُ. ويمكِنُ اجْتماعُ الثَّلاثةِ في حَديثٍ واحِدٍ، فلا يَبْعُدُ عندئذٍ القَطْعُ بصِدْقِه، واللهُ أَعْلمُ".

نكتفي بهذا القدر.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-12-2012, 11:20   #6
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس السادس من شرح نزهة النظر

المجلس السادس من شرح نزهة النظر
بسم الله الرحمن الرحيم
مجلسنا اليوم هو المجلس السادس من مجالس شرح نزهة النظر.
قال المؤلف رحمه الله: "ثمَّ الغَرابَةُ إِمَّا أَنْ تَكونَ في أَصلِ السَّنَدِ؛ أي: في الموضعِ الَّذي يَدورُ الإِسنادُ عليهِ ويَرْجِعُ، ولو تَعَدَّدَتِ الطُّرقُ إِليهِ، وهو طرَفُهُ الَّذي فيهِ الصحابيُّ".
الغرابة هذا انعطاف بالكلام على ما سبق وهو أن الحديث إمّا: متواتر أو مشهور أو عزيز أو غريب، الآن المؤلف رحمه الله يريد أن يبين ما هي الغرابة، قال: إمّا أن تكون في أصل السند، أصل السند يُطلق على أوله وعلى آخره أيضاً، ولكنّ المصنف هنا بين مراده من أصل السند، الآن: فلنقل عندنا إسناد يرويه البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، الآن أصل السند من أين؟ من عند البخاري أم من عند الصحابي؟ الآن أصل السند الذي إذا أُطلق فإمّا أن يُراد به هذا أو هذا يصح إطلاقه على المعنيين، لكنّ المؤلف ماذا يريد الآن؟ يريد بأصل السند من عند الصحابي، قال: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع ولو تعددت الطرق إليه وهو طرفه الذي فيه الصحابي، كأن يروي الحديث مثلاً نافع عن ابن عمر ويتفرد به نافع وإن رواه عن نافع كُثُر إلّا أنه يسمى غريباً لتفرد نافع به، فالتفرد في أصل السند، يتفرد به التابعي عن الصحابي هذا يسمى غريباً. قال: إما ان تكون في أصل السند (الغرابة) أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع ولو تعددت الطرق إليه، إذا تفرد به نافع وإن تعددت الطرق إليه (إلى نافع) ورواه أكثر من واحد عن نافع إلّا أنه لا يخرج عن حيز الغرابة، قال: وهو طرفه الذي فيه الصحابي، أي أصل السند.
الآن نحذف الشرح ونرجع إلى المتن فقط.
قال: "ثمَّ الغَرابَةُ إِمَّا أَنْ تَكونَ في أَصلِ السَّنَدِ أَوْ لاَ تكون".
الغرابة إمّا أن تكون في أصل السند وهي طرفه الذي فيه الصحابي أو لا تكون في أصل السند، بأن يكون التفرد في أثنائه وليس في أصله، كأن يرويه عن الصحابي أكثر من واحد ثم يتفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد، أنظروا الآن إلى هذه الصورة، فلنقل بأن عندنا حديث يرويه عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، يرويه عن عبد الله بن عمر ثلاثة، هنا ما فيه تفرد في أصل السند، لو لم يروه عن عبد الله بن عمر إلا واحد لحصل تفرد في أصل السند، لكن هنا يرويه عن ابن عمر ثلاثة: نافع وسالم وعبد الله بن دينار (ثلاثة)، يُروى عن نافع من طرق كثيرة، فلنقل ثلاثة أو أربعة رووه عن نافع، ويروى عن عبد الله بن دينار كذلك من طرق، فلنقل كذلك رواه عن عبد الله بن دينار خمسة، لكن رواية سالم بحثنا فلم نجد يرويه عن سالم إلّا الزهري هذا تفرد أيضاً ولكنه ليس في أصل السند ليس تفرداً في أصل السند لا حظوا الآن كلام المؤلف.
قال: "أَوْ لاَ يَكونُ كَذلكَ؛ بأَنْ يَكونَ التَّفَرُّدُ في أَثنائِهِ"، كالصورة التي ذكرناها تفرد الزهري عن سالم.
"كأَنْ يَرْوِيَه عَنِ الصَّحابيِّ أَكثَرُ مِنْ واحِدٍ"، مثّلنا: رواه عن ابن عمر: سالم ونافع وعبد الله بن دينار ثم يتفرد بروايته عن واحد الذي هو سالم عندنا منهم شخص واحد الذي هو الزهري.
زيادة توضيح:
الآن فلنقل بأن أبا سهيل صحابي يروي حديثاً ما عنه أخونا أبو رياض ويحيى وأبو مالك، هؤلاء الثلاثة يروون الحديث عن أبي سهيل، كونهم رووا الحديث عن أبي سهيل ثلاثة إذن هنا ما فيه تفرد في أصل السند، لو لم يروي الحديث إلا أبا مالك مثلاُ عن أبي سهيل فقط لقلنا تفرد بهذا الحديث أبو مالك عن أبي سهيل، فالتفرد في أصل السند، لكن رواه عندنا ثلاثة أبو رياض ويحيى وأبو مالك عن أبي سهيل، إذن هنا ما فيه تفرد، الذين يروونه ثلاثة، ثم يرويه عن أبي رياض أربعة، ويرويه عن يحيى ثلاثة أشخاص، يبقى عندنا رواية أبي مالك الذي ما وجدنا إلا واحداً رواه عن أبي مالك، هذا الواحد قد تفرد برواية هذا الحديث عن أبي مالك، فهل الحديث الآن في أصله غريب؟ لا، هو مشهور رواه مجموعة لكن في رواية الزهري عن أبي مالك هو غريب.
"فالأوَّلُ: الفَرْدُ المُطْلَقُ"؛ الصورة الأولى التي حصل فيها التفرد في أصل الإسناد تسمى الفرد المطلق.
"فالأوَّلُ: الفَرْدُ المُطْلَقُ؛ كَحديثِ النَّهْيِ عَنْ بيعِ الوَلاءِ وعَنْ هِبَتِهِ"؛ الحديث في صحيح البخاري.
"تفرَّدَ بهِ عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ عنِ ابنِ عُمرَ". فما وجدنا راوٍ له عن ابن عمر إلا عبد الله بن دينار، فهذا التفرد في أصل السند، فيُسمى فرداً مطلقاً.
"وقد يَتَفَرَّدُ بهِ رَاوٍ عَنْ ذلك المُتفرِّدِ؛ كحديثِ شُعَبِ الإِيمانِ؛ تفرَّدَ بهِ أَبو صالحٍ عَنْ أَبي هُريرةَ، وتفرَّدَ بهِ عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ عَنْ أَبي صالحٍ"، ربما التفرد لا يقتصر فقط على أصل السند الذي هو عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ربما أيضاً الذي يروي عن عبد الله بن دينار كذلك يتفرد به ما فيه إشكال كله يسمى فرد مطلق.
"وقدْ يَسْتَمِرُّ التفرُّدُ في جميعِ رواتِهِكلهم يكون فرد عن فرد عن فرد عن فرد ما تجد متابع لأي أحد من رواة الإسناد، وقد تجد أكثرهم تفردوا لكن القلة لم يتفردوا.
"وفي مُسْنَدِ البَزَّارِ و المُعْجَم الأوسط للطَّبرانيِّ أَمثلةٌ كثيرةٌ لذلك"، مسند البزار ومعجم الطبراني الأوسط من مظان الغرائب، الحديث الغريب التي هي مثل هذه التي يتفرد بها بعض الرواة، مسند البزار والمعجم الأوسط لذلك تجد في أحيان كثيرة الأحاديث التي في البزار وفي الطبراني الأوسط إمّا منكرة أو ضعيفة أو هالكة أو غير ذلك لأن في الغالب أو أحيان كثيرة الغريب يكون مظنة للنكارة، أحياناً كثيرة، لكن لا يعني ذلك أن كل غريب ضعيف لا، من الغرائب ما هي نفيسة كحديث: "إنّما الأعمال بالنيات" هذا من الغرائب، هذا حصل فيه التفرد في أصل الإسناد فهو غريب (فرد مطلق)، لكنّه مع ذلك من الغرائب الصحيحة، فليس كلّ غريب ضعيف لا، فيه غرائب صحيحة وفيه غرائب منكرة، لكن كلامنا الذي سبق من باب أنك تكون متحرزاً أكثر ومحتاطاً أكثر للأحاديث الغرائب.
قال: "والثَّانِي: الفَرْدُ النِّسْبِيُّالثاني أي الذي حصل فيه التفرد في غير أصل الإسناد، في أثناء الإسناد، سُمي فرداً نسبياً لأن الصورة التي ذكرناها هو بالنسبة لرواية الزهري عن سالم فرد، لكن حقيقة الحديث أصلاً ليس فرداً، لذلك سُمي فرداً نسبياً، بالنسبة فقط، وليس مطلقاً بالنسبة لأحد الطرق، حصل بالنسبة إلى شخص معين.
"وإِنْ كانَ الحَديثُ في نفسِه مشهوراً"، لأنه رُوي من طرق لكن التفرد النسبي في طريق واحد فقط.
"ويقلُّ إِطلاقُ الفَرْدِيَّةِ عليهِ"، ويَقِلّ إطلاق الفرد عليه، أي أن أهل الحديث قليلاً ما يطلقون اصطلاح الفرد على الفرد النسبي، أهل الحديث قليلاً ما يطلقون كلمة الفرد على الفرد النسبي، غالباً يطلقونه على الغريب يطلقون عليه غالباً غريب، هذا الفرد النسبي، في الغالب أهل الحديث يفرقون، هذا استعمال أغلبي، يقولون في الفرد النسبي غريب والفرد المطلق فرد، هذا استعمال أغلبي، وإن كان هو من حيث المعنى واحد من حيث المعنى اللغوي الغريب والفرد واحد بنفس المعنى، وحتى في استعمال أهل الاصطلاح أحياناً يطلقون الغريب على الفرد والفرد على الغريب، لكن في الغالب يطلقون الغريب على الفرد النسبي، ويطلقون الفرد على الفرد المطلق.
قال: "لأنَّ الغَريبَ والفَرْدَ مُترادِفانِ لغةً واصْطِلاحاً؛ إِلاَّ أَنَّ أَهْلَ الاصطِلاحِ غايَروا بينَهُماأهل الاصطلاح الذين هم أهل الحديث غايروا بين الغريب والفرد.
"من حيثُ كَثْرَةُ الاستِعمالِ وقِلَّتُهُ" فالتفريق بين الغريب والفرد اصطلاحي فقط.
فالفرْدُ أَكْثَرُ ما يُطْلِقونَهُ على الفَرْدِ المُطْلَقِ. والغَريبُ أَكثرُ ما يُطْلِقونَهُ عَلى الفَرْدِ النِّسْبيِّ. وهذا مِن حيثُ إِطلاقُ الاسمِ عليهِما، وأَمَّا مِنْ حيثُ استِعْمالُهم الفِعْلَ المُشْتَقَّ؛ فلا يُفَرِّقونَ، فَيقولونَ في المُطْلَقِ والنِّسْبيِّ: تَفَرَّدَ بِهِ فُلانٌ، أَوْ: أَغْرَبَ بِهِ فُلانٌ".
الفعل المشتق يعني الذي اُشتق من كلمة فرد، والذي اشتق من كلمة غريب، تقول: أغرب، وتفرد، هذه كلمات مشتقة من أصل واحد، قال: عند استعمال الاشتقاق هذا لا يفرقون، يقول: أغرب به فلان، أو تفرد به فلان، لا فرق عندهم.
قال: "وقَريبٌ مِن هذا اختِلافُهُم في المُنْقَطِعِ والمُرْسَلِ"؛قريب من هذه الصورة التي ذكرناها اختلافهم في المنقطع والمرسل.
"هلْ هُما مُتغايِرانِ أَوْ لاَ؟" هل يطلقون المنقطع على شيء والمرسل على شيء آخر أم أنهما بمعنى واحد؟
قال: "فأَكْثَرُ المُحَدِّثين على التَّغايُرِالمرسل عندهم أعم من المنقطع.
"لكنَّهُ عندَ إطلاقِ الاسمِ" أي عند قولهم منقطع أو مرسل فقط هكذا.
"وأمَّا عندَ اسْتِعمَالِ الفِعْل المُشْتَقِّ فيستَعْمِلونَ الإِرسالَ فقَطْ فيَقولونَ: أَرْسَلَهُ فلانٌ، سواءٌ كانَ ذلكَ مُرْسَلاً أَوْ مُنْقَطِعاً"، عند استعمال الفعل المشتق الذي هو أرسل، هكذا يطلقونها على المرسل أو على المنقطع، لكن عند إطلاق الاسم يُفرقون بين المنقطع والمرسل، المرسل عندهم أعمّ.
"ومِن ثَمَّ أَطْلَقَ غيرُ واحِدٍ مِمَّن لم يلاحِظْ مواضِعَ اسْتِعمالِهِ على كثيرٍ مِن المُحدِّثينَ أَنَّهُم لا يُغايِرونَ بينَ المُرْسَلِ والمُنْقَطِعِ"، يعني بعض أهل العلم اشتبه عليه الأمر في اصطلاح العلماء وقال هم يستعملون المرسل والمنقطع بمعنى واحد، وهذا الفهم خاطئ على ما ذكر الحافظ.
قال: "وليسَ كذلك؛ لما حَرَّرناهُوكلامه غير صحيح لم قدمناه لك من تحرير الموضوع.
"وقلَّ مَن نبَّهَ على النُّكْتَةِ في ذلك، واللهُ أعلمُ".
قال رحمه الله: "وخبرُ الآحادِ"، الذي تقدم، بناءً على ما تقدم قلنا أن المتواتر والآحاد.
"وخبرُ الآحادِ؛ بنقلِ عَدْلٍ تامِّ الضَّبْطِ، مُتَّصِلَ السَّنَدِ، غيرَ مُعَلَّلٍ ولا شاذٍّ: هو الصَّحيحُ لذاتِهِ"، الآن بدأ المؤلف رحمه الله بتعريف الحديث الصحيح، الحديث الصحيح قال المؤلف:
"وخبرُ الآحادِ؛ بنقلِ عَدْلٍ تامِّ الضَّبْطِ، مُتَّصِلَ السَّنَدِ، غيرَ مُعَلَّلٍ ولا شاذٍّ: هو الصَّحيحُ لذاتِهِ وهذا أَوَّلُ تقسيمٍ المقبولٍ إِلى أربعةِ أَنواعٍ؛ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يشتَمِلَ مِن صفاتِ القَبولِ على أَعْلاها أَوْ لاَ:
فالأوَّلُ: الصَّحيحُ لذاتِهِ.
والثَّاني: إِنْ وُجِدَ ما يَجْبُرُ ذلكَ القُصورَ؛ ككثْرَةِ الطُّرُق؛ فهُو الصَّحيحُ أَيضاً، لكنْ لا لذاتِهِ.
وحيثُ لا جُبْرانَ؛ فهُو الحسنُ لذاتِهِ.
وإِنْ قامَتْ قرينةٌ تُرَجِّحُ جانِبَ قَبولِ مَا يُتَوَقَّفُ فيهِ؛ فهُو الحسنُ أيضاً، لكنْ لا لذاتِهِ.
وقَدِّمَ الكَلامُ على الصَّحيحِ لذاتِهِ لعُلُوِّ رُتْبَتِهِ.
ثم بعد ذلك بدأ يتكلم عن كل شرط من الشروط التي ذكرها في الحديث الصحيح.
الآن خبر الآحاد فيما تقدم معنا أنّ منه ما هو مقبول ومنه ما هو مردود، المقبول متى يكون مقبولاً الآن يقول لك: "وخبرُ الآحادِ؛ بنقلِ عَدْلٍ تامِّ الضَّبْطِ، مُتَّصِلَ السَّنَدِ، غيرَ مُعَلَّلٍ ولا شاذٍّ: هو الصَّحيحُ لذاتِهِ"، الآن يريد أن يذكر لك أنّ المقبول أربعة أنواع، قَسَّم الحافظ ابن حجر أقسام المقبول إلى أربعة أقسام، هذا القسم الأول الذي ذكره وقال لك: "وهذا أَوَّلُ تقسيمٍ المقبولٍ إِلى أربعةِ أَنواعٍ "، إذن المقبول كم نوع؟ أربعة.
الصحيح لذاته، والصحيح لغيره، والحسن لذاته، والحسن لغيره، فأول ما ذكر لنا ذكر الصحيح لذاته، عرَّفه فقال: هو ما ينقله عدلٌ تامُ الضبط ويكون متصلَ الإسناد ولا يكون معللاً ولا شاذاً، هذا تعريف الصحيح، ونحن ذكرنا في الراجح في دروس الباعث الحثيث أن تعريف الصحيح هو: ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً، إذن الصحيح يجب أن تتوفر فيه كم شرط؟ خمسة شروط لا بد أن تتوفر حتى يكون الحديث صحيحاً.
الشرط الأول: اتصال السند.
الشرط الثاني: عدالة الرواة.
الشرط الثالث: حفظ الرواة.
الشرط الرابع: عدم الشذوذ.
الشرط الخامس: عدم وجود علة قادحة. وسيأتي التفصيل إن شاء الله.
قال المصنف: "وهذا أَوَّلُ تقسيمٍ المقبولٍ إِلى أربعةِ أَنواعٍ "، إذن المقبول عند الحافظ يُقَّسم إلى أربعة أنواع، لماذا قَسَّمه إلى أربعة أنواع؟ قال: "لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يشتَمِلَ (الحديث) مِن صفاتِ القَبولِ على أَعْلاها"، عندنا صفات القبول نفسها متفاوتة، لها أعلى ولها أدنى، وهي لها مراتب ما بين ذلك، قال: صفات القبول في الحديث إمّا أن يشتمل على أعلاها أو لا يشتمل على أعلاها.
قال: "فالأوَّلُ: الصَّحيحُ لذاتِهِ"، إذا اشتمل الحديث على أعلى صفات القبول، أعلى الحالات فهذا يسمى صحيحاً.
قال: أو لا يشتمل على ذلك، تكون فيه أدنى صفات القبول، يعني قبلناه بالدبش مقبول،
والثَّاني: إِنْ وُجِدَ ما يَجْبُرُ ذلكَ القُصورَ؛ ككثْرَةِ الطُّرُق؛ فهُو الصَّحيحُ أَيضاً، لكنْ لا لذاتِهِ، وحيثُ لا جُبْرانَ؛ فهُو الحسنُ لذاتِهِ"، إذن القسم الثاني هو الصحيح لغيره، وحقيقة الصحيح لغيره ما هو؟ هو الحسن لذاته إلّا أنه مدعوم، حسن لذاته إلّا أن له طرقاً تقويه، ترتقي به إلى درجة الصحيح لغيره، فإذا لم توجد له طرق بقي كما هو حسن لذاته، في المرتبة الثالثة، لذلك قال هنا: "إِنْ وُجِدَ ما يَجْبُرُ ذلكَ القُصورَ؛ ككثْرَةِ الطُّرُق؛ فهُو الصَّحيحُ أَيضاً، لكنْ لا لذاتِهِ"، وحيث لا جبران فهو الحسن لذاته، إذن صار عندنا صحيح لذاته، صحيح لغيره، حسن لذاته، ما هو الذي يجعلهم يتفاوتون؟ هو صفات القبول، قوة صفات القبول، كلّما كانت صفات القبول أقوى كلما ارتفعنا درجة، فالآن الحسن لذاته من خلال الأنواع الثلاثة التي أخذناها الحسن لذاته هو الذي فيه صفات القبول أضعف شيء بالنسبة للثاني والثالث، ثم هي أقوى منه في الثانية، وهي الصحيح لغيره، ثم هي أقوى شيء في الصحيح لذاته، بقي النوع الرابع، قال: "وإِنْ قامَتْ قرينةٌ تُرَجِّحُ جانِبَ قَبولِ مَا يُتَوَقَّفُ فيهِ؛ فهُو الحسنُ أيضاً، لكنْ لا لذاتِهِ"،
يعني هو الضعيف، ولكنّ ضعفه يكون خفيفاً إذا وجد له ما يقويه، هذا يُسمى الحسن لغيره، هذه مراتب الصحيح الأربعة: حسن لغيره، حسن لذاته، صحيح لغيره، صحيح لذاته، الحسن لغيره: أصله ضعيف، ولكن ضعفه خفيف إن وجد له ما يشهد له ويقويه يرتقي إلى الحسن لغيره، التي هي الدرجة الأولى من درجات القبول، ثم عندنا الصحيح لغيره: أصله الحسن لذاته، فإن وجد ما يقويه ارتقى إلى الصحيح لغيره، فأعلى شيء: الصحيح لذاته، ثم الصحيح لغيره، ثم الحسن لذاته، ثم الحسن لغيره.
قال: وقَدِّمَ الكَلامُ على الصَّحيحِ لذاتِهِ لعُلُوِّ رُتْبَتِهِ.
لأن الصحيح لذاته أعلى شيء فبدأ بالصحيح لذاته كي يبين لك شروطه، فبدأ الآن بتفسير الشروط التي قدمها في الصحيح لذاته وهي: نقل العدل التام الضبط، متصل الإسناد، وغير معلل ولا شاذ، الآن يريد أن يُفسّر لك معاني هذه الألفاظ التي ذكرها، نؤجلها إلى الدرس القادم بإذن الله تعالى.
خلاصة الموضوع الآن بالنسبة للحديث المقبول هو أربعة أنواع: الحسن لغيره، والحسن لذاته، والصحيح لغيره، والصحيح لذاته، ومن فوق أعلى شيء: الصحيح لذاته هذا أقوى شيء، ثم الصحيح لغيره، ثم الحسن لذاته، ثم الحسن لغيره، هذه هي أنواع الحديث المقبول من أحاديث الآحاد.
نكتفي بهذا القدر.
ملاحظة:قمت بحذف المناقشة التي كانت بين الشيخ والطلاب لعدم وضوح ما كان يقوله الطلبة.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-12-2012, 11:21   #7
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

المجلس السابع من شرح نزهة النظر


طيب نبدأ الآن بشرحنا لنزهة النّظر.
هذا الدّرس في مصطلح الحديث والفائدة منه أنّ طالب العلم يتمكّن بعد دراسته لهذا العلم من معرفة ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث وما ضَعُف، ويعرف كيف تُصَحَّح الأحاديث وكيف تُضَعَّف.
وكنّا بدأنا به سابقا ووصلنا إلى تعريف الصّحيح.
الحديث النّبوي منه ما هو صحيح ثابت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه ما هو ضعيف: أي ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فالصحيح هذا له شروط إذا توفّرت حُكِم على الحديث بالصحّة، وإذا لم يتوفّر واحد منها يُحْكَم عليه بالضّعف أي أنّه لا يثبت.
قال المؤلف رحمه الله: "والمُرادُ بالعَدْلِ"، بعد أنْ عرّف الصّحيح بقوله: "وخبرُ الآحادِ؛ بنقلِ عَدْلٍ تامِّ الضَّبْطِ، مُتَّصِلَ السَّنَدِ، غيرَ مُعَلَّلٍ ولا شاذٍّ: هو الصَّحيحُ لذاتِهِ"،
الآن يريد أن يفسِّر المؤلف معنى كلامه:
قال: "والمُرادُ بالعَدْلِ : مَنْ لهُ مَلَكَةٌ تَحْمِلُهُ على مُلازمةِ التَّقوى والمُروءةِ".
الحديث الصّحيح لابدّ أن تتوفّر فيه خمسة شروط:
الشّرط الاوّل: اتّصال السّند، وذكرنا أنّ السّند معناه سلسلة الرُّواة، تفتح صحيح البخاري مثلا تجده يقول لك: حدّثنا عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، معنى ذلك أنّ ابن عمر (الصّحابي الجليل)، عبد الله بن عمر بن الخطّاب سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فحدّث به نافعا مولاه، أخذ الحديث نافع وحدّث به مالك، أخذ الحديث مالك وحدّث به عبد الله بن يوسف، وأخذ عبد الله بن يوسف الحديث وحَدَّث به الإمام البخاري، والإمام البخاري جمع مجموعة من الأحاديث التي سمعها عن شيوخه في كتابه هذا، واشترط أن لا يضع في كتابه إلا حديثا قد توفّرت فيه شروط الصحّة.
هذا الآن سلسلة الرّجال هذه التي سمّيناها لكم البخاري عن عبد الله بن يوسف التِّنيسي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم هذه تُسَمَّى إسنادًا أو سنداً.
هذه يجب: أن يكون البخاري قد سمع من عبد الله بن يوسف.
وعبد الله بن يوسف سمع من مالك.
ومالك سمع من نافع.
ونافع سمع من ابن عمر.
كي نقبل هذا الحديث.
أمّا فيه واحد منهم لم يسمع من شيخه هذا يُسَمّى منقطعا لا يُقْبَل لأنّنا لا ندري أخذ عن من؟
فيه أحد ساقط في هذا الإسناد، لا نعرفه من هو، ولا نقبل حديثا عن شخص لا يُعْرَف.
هذا يُسَمَّى السّند او الإسناد.
الشّرط الأوّل في الصّحيح أن يكون هذا السّند مُتَّصِلا أي أنّ كلّ راو قد سمع من الذي يليه من أوّل الإسناد إلى آخره.
الشّرط الثاني: أن يكون كلّ راوٍ من رواة هذا السّند عدلاً، هاهنا جاء كلام الــمُصَنِّف رحمه الله، ماذا نعني بالعدل؟
قال رحمه الله: "مَنْ لهُ مَلَكَةٌ"، والملكة هي صفة راسخة في النّفس، ثابتة.
"مَنْ لهُ مَلَكَةٌ تَحْمِلُهُ على مُلازمةِ التَّقوى والمُروءةِ"، هذه الصّفة اللاّزمة الموجودة في نفسه تجعله يتّقي الله سبحانه وتعالى ، يخافه.
ما هي التّقوى؟ التّقوى هي: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، بطاعته فيما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر، هكذا تكون التّقوى.
الذي يحميك ويقيك من عذاب الله ماهو؟ طاعة الله تبارك وتعالى.
فإذن هنا هذا العدل عنده في نفسه صفة راسخة ثابتة تدفعه إلى تقوى الله سبحانه وتعالى، مخافة الله سبحانه وتعالى.
وكذلك المروءة، ماهي المروءة؟
المروءة هي: ترك المذموم عُرْفًا، أو الالتزام بالآداب العُرْفِيَّة، بطريقة سهلة، المروءة هي الالتزام بالآداب العُرْفِيَّة لا الآداب الشَّرْعيَّة، أي ما تعارف النّاس فيما بينهم أنّ هذا الفعل عيب ما يصحّ، فإذا الْتَزَمت بهذه الآداب يُقال هذا رجل صاحب مروءة، أمّا إذا أخْلَلْت بهذه الآداب يُقال هذا مُرْتَكِب لخوارم المروءة.
فهذا الشّخص العَدْل هو الذي عنده ملكة تحمله على ملازمة التّقوى والمروءة على التّفصيل الذي ذكرناه لكم، بتعريف آخر عند علماء الحديث يقولون في العدل: هو المسلم البالغ العاقل الخالي من أسباب الفسق وخوارم المروءة، تعريف آخر يُعْطي نفس المعنى.
المسلم: إذا كان كافرًا لا يكون عدلاً.
البالغ: إذا كان صغيراً لا يوصف بعدل ولا بعدم العدل، لأنّه لا يعي معنى الثّواب والعقاب.
العاقل: المجنون هذا لا يُسَمَّى بأنّه عدل أو غير عدل لأنّه كغير البالغ، لا يُمَيِّز ما بين الثّواب والعقاب.
الخالي من أسباب الفسق: أسباب الفسق ماهي؟ متى يُقال في الشّخص أنّه فاسق؟
إذا ارْتَكَب كبيرة أو أصرّ على صغيرة، إذا ارْتَكَب كبيرة من كبائر الذّنوب أو أصرّ على صغيرة من الصّغائر يُعْتَبَر فاسقا، ما معنى الفاسق؟ الخارج عن طاعة الله تبارك وتعالى.
فارتكاب الكبيرة، الكبائر هي: ما تُوُعِّد عليها بعقاب أو عذاب أو جاءت فيها لعنة أو غضب أو كانت فيها حدًّا من حدود الله، هذا كلّه تُعْتَبر كبائر، أمّا إذا جاء نهي فقط عن فعل فهذه تُعْتَبَر من الصّغائر.
فمن أصرّ على فعل الصّغيرة أو ارْتَكَبَ كبيرة من الكبائر ولم يَتُبْ منها فهذا يُعْتَبَر فاسقا وليس بعدل.
فالفاسق لا يُقْبَل خبره لأنّنا لا نأمن عليه، ما عنده من التَّقْوى والورع ما يمنعه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف نقبل حديثه، لا يُقْبَل حديث هذا.
إذن لابدّ أن يكون خالياً من أسباب الفسق.
وخوارم المروءة اختلف فيها أهل العلم.
بعضهم اشترطها والبعض لا.
الذين اشترطوها قالوا: بأن مُرْتَكب خوارم المروءة يعني تدفعه هذه إلى التّهاون في رواية حديث النَّبي صلى الله عليه وسلم.
والذين منعوا: (منعوا هذا) قالوا ربّما الشّخص يرتكب خوارم المروءة لكن عندما يأتي الحلال والحرام تجده شديدا في هذا.
فإذن العدل على ما عرّفه الــمُصَنِّف: من له ملكة تحمله على ملازمة التّقوى والمروءة فمن كان مُتَّصفا بالعدالة قُبِل خبره وإلّا فلا.
قال رحمه الله: "والمُرادُ بالتَّقوى: اجْتِنابُ الأعمالِ السَّيِّئةِ مِن شِرْكٍ أَو فِسقٍ أَو بِدعةٍ".
"والمُرادُ بالتَّقوى: اجْتِنابُ الأعمالِ السَّيِّئةِ": ماذا يعني بالأعمال السَّيِّئة؟
الأعمال المخالفة لشرع الله، سواء كانت هذه الأعمال شركاً، أو كانت فسقاً، أو كانت بدعة.
الفسق يعني المعاصي لا تصل إلى الشِّرْك.
أو أن تكون بدعة، أمّا مسألة البِدْعة فاختلف أهل العلم فيها، هل تقدح في العدالة أم لا؟
هذا محلّ نزاع بين أهل العلم، لكن الصّحيح في مسألة رواية الــمُبْتَدع وسيأتي التّفصيل فيها إن شاء الله
أنّ الــمُبْتَدِعَ إذا كان صدوقاً، عُرِف بعدم الكذب، ووُثِّق فإنّ روايته تُقْبَل.
أمّا إذا لم تثبت عدالته فهذا تُرَدُّ روايته وسيأتي موضوعه مُسْتَقِلاّ إن شاء الله.
قال: "والضَّبْطُ"، كلّ راو من رواة الإسناد الذين ذكرناهم لكم يجب أن يتوفّر فيه شرطان:
الأوّل: العدالة.
الثّاني: الضّبط.
ماذا يعني الضّبط؟ الحفظ.
شخص ذكرت له خبراً ولم يحفظه فنقله لك وغيّر وبدّل فيه لسوء حفظه، هل يُؤْتَمن على نقل أخبار النّبي صلى الله عليه وسلم؟ لا،
فإذن لابدّ لناقل الخبر مع عدالته أن يكون حافظاً.
والحفظ له طريقتان:
قال الــمُصَنِّف رحمه الله:"والضَّبْطُ ضَبْطُ صَدْرٍ"، هذه الطّريقة الأولى.
ضبط الصّدر هذا الذي نُسَمِّيه نحن ماذا؟ حِفْظٌ عن غَيْب، هذا هو ضبط الصّدر.
"وهُو أَنْ يُثْبِتَ ما سَمِعَهُ بحيثُ يتمكَّنُ مِن استحضارِهِ مَتى شاء"، يعني يسمع الخبر ويَثبت في نفسه بحيث أنّه متى طُلِب منه أدّاه كما سمعه، هذا الحِفْظ عن غيب.
ليس الحفظ تحفظ الآن وبعد خمس دقائق تجد نسيتَ ، لا.
"وضَبْطُ كِتابٍ"،هذا النّوع الثّاني من أنواع الحِفظ.
ضبط صدر.
ضبط كتاب.
ماهو ضبط الكتاب؟، تسمع من لفظ الشّيخ وتكتب مباشرة وتحفظ كتابك ولا تُعَرِّضه للعبث، تحفظه عندك وتصونه إلى أن تُؤَدِّي منه، هذا يُسَمَّى ضبط كتاب.
قال:"وضَبْطُ كِتابٍ وهُو صيانَتُهُ لديهِ"، يعني حفظه عنده.
"مُنذُ سمِعَ فيهِ" من أوّل وقت سماعه فيه.
"وصحَّحَهُ" يعني قابل سماعه على أصل الشّيخ، فنظر هل فيه خطأ في الكتابة أم لا، أو تصحيف يُسَمَّى.
"إِلى أَنْ يُؤدِّيَ منهُ" يبقى حافظاً لكتابه هذا إلى أن يُبَلِّغه لغيره من النّاس، فالذي عُلِم منه أنّ كتابه بين أيدي النّاس ومن أراد أن يزيد فيه أو يُنْقِص، يفعل، فمثل هذا لا يُعْتَبَر ضابطاً.
قال رحمه الله: "وقُيِّدَ بـالتَّامِّ إِشارةً إِلى الرُّتبةِ العُليا في ذلكَ"
ما الذي قُيِّد بالتامِّ؟ الضّبط.
لأنّه قال: "وخبرُ الآحادِ؛ بنقلِ عَدْلٍ تامِّ الضَّبْطِ" يعني حِفْظُه كامل، إشارة إلى أعلى المراتب في الحفظ.
لأنّ الحفظ مراتب، درجات، ويقول لك صاحب الصّحيح هو الذي عنده ضبط تامّ كامل.
قال: "والمُتَّصِلُ:"، رجع إلى الشّرط الأوّل عندنا.
"والمُتَّصِلُ: ما سَلِمَ إِسنادُه مِن سُقوطٍ فيهِ، بحيثُ يكونُ كُلٌّ مِن رجالِه سَمِعَ ذلكَ المَرْوِيَّ عنْ شيخِهِ".
والسّند تقدّم تعريفه، تقدم تعريفه عندما قال في الإسناد: (هو حِكاية طريق المتن) السّند كذلك.
عرّف الاتّصال: "ما سَلِم إسناده" قلنا بأنّ الإسناد هو سلسلة الرُّواة، يسلم من الانقطاع، من سُقُوط أحد الرُّواة من السّند، يجب أن يكون كلُّ راوٍ قد سمع من الذي يليه، من أوّله إلى آخره كي يُسَمَّى مُتَّصِلا، وهذا شرط من شروط صِحَّة الحديث.
إذن يجب في الحديث أن يكون مُتَّصِل الإسناد.
وأن يكون ناقله عدلاً.
وأن يكون ضابطاً.
قال: "والمُعَلَّلُ لُغةً"، الآن جاء لتعريف الــمُعَلَّل لأنّه قال في التّعريف: "وخبرُ الآحادِ؛ بنقلِ عَدْلٍ تامِّ الضَّبْطِ، مُتَّصِلَ السَّنَدِ، غيرَ مُعَلَّلٍ ولا شاذٍّ: هو الصَّحيحُ "،
الآن انتقل إلى الشّرط الرّابع:
الأوّل: اتِّصال السّند.
الثاني: عدالة الرُّواة.
الثّالث: الضّبط.
الرّابع: أن لا يكون مُعَلَّلاً.
عند الــمُصَنِّف ترتيب يختلف، فالــمُصَنِّف الآن بدأ بالعدالة ثمّ بعد ذلك الضّبط ثم ذكر اتّصال السّند والرّابع عنده الــمُعَلّل.
قال: "والمُعَلَّلُ لُغةً: ما فِيهِ عِلَّةٌ"، العِلَّة التي هي المرض من ناحية اللُّغة، العلّة هي المرض.
لكن هذا مرض خاصّ، مرض للأسانيد.
"والمُعَلَّلُ لُغةً: ما فِيهِ عِلَّةٌ، واصطِلاحاً: ما فيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادِحةٌ".
متى يُقال في الحديث: هذا حديث مُعَلَّل؟
عندما تكون فيه عِلَّة، فيه مرض، فيه إشكال عند الــمُحَدِّثين.
لكن هذا المرض خفيّ ليس ظاهرا، إذا جِئْتَ ونظرت في الإسناد، ونظَرْت في المتن قُلْتَ ما شاء الله هذا حديث تمام، لكن فيه شيء خفيّ؛ كيف يظهر هذا الخفيّ؟
عند جمع طُرُق الحديث، من هنا وهناك، يظهر لك المخفي.
أُعْطِيكم مثالا:
كان في الــمُحَدِّثين راويان، يُقال لكلّ واحد منهما عبد الرّحمن بن يزيد، لكن أحدُهما يُقال له عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر، والآخر عبد الرّحمن بن يزيد بن يزيد(*)؛ وكلاهما من أهل الشّام، وكان في العراق راوٍ يُقال له أبو أسامة حمّاد بن أسامة، يَسمَع الحديث؛ ذهب عبد الرّحمن بن يزيد إلى العراق وحدّث ولم يسمع منه أبو أسامة عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر الثِّقة، ذهب وحدّث فلم يسمع منه حمّاد بن أسامة أبو أسامة، ثمّ رجع، وجاء إلى العراق عبد الرّحمن بن يزيد بن يزيد(*) هذا الضّعيف، وذاك ثقة (ابن جابر ثقة، ابن يزيد ضعيف)، وحدّث فسمع منه أبو أسامة، فقال له: ما اسمك؟
قال: عبد الرّحمن بن يزيد.
فظنّ أبو أسامة بأنّه عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر الثِّقة فصار يُحَدِّث ويقول: حدّثنا عبد الرّحمن ين يزيد بن جابر ثمّ يذكر الإسناد.
أنت عندما تنظر إلى إسناد كهذا حمّاد بن أسامة أبو أسامة أصله ثقة ، لكن حصل منه هذا خطأ.
طيب أبو أسامة ثقة.
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقة ثمّ تُكْمِل ثقة، ثقة، وإسناد مُتَّصِل وكلُّ واحد سمع من الآخر، تقول هذا إسناد صحيح ، لا
هذا الإسناد يُسَمِّى إسنادا مُعَلَّلا.
لماذا مُعَلَّل؟
فيه عِلَّة خفِيَّة قادحة، فيه علة خفية لا تظهر بمُجَرَّد أن تنظر في الإسناد، ولكن بعد البحث في الرّجال والتّفتيش تتبيَّن عندك.
هذا الذي يُسَمَّى مُعَلَّلا.
أمّا إذا كانت العِلَّة ظاهرة كأن يكون في الإسناد راو ضعيف، هذا لا يُسَمَّى مُعلَّلا في الاصْطِلاح.
يجب أن تكون العِلَّة خفِيَّة، وقادحة.
من العِلل ما هو غير قادح ومنها ما هو قادح كأن يُبْدِل مثلا أحد الرُّواة اسم شيخه كأن يقول بدل سفيان الثّوري سفيان بن عُيَيْنة، وعند البحث والتّفتيش نجد أنّ الرّاوي هو سفيان الثّوري وليس ابن عُيَيْنة، هذه عِلَّة لكنّها غير قادحة، لماذا؟
لأنّ سفيان بن عُيَيْنة وسفيان الثّوري كلاهما إمامان، ثقتان، سواء كان هذا أو هذا ما تفرق، تمام، فهذه عِلَّة وخفيّة ولكن غير قادحة.
فلابدّ أن تكون العِلَّة خَفِيَّة وقادحة كي يُسَمَّى الحديث مُعلَّلا، تمام.
قال: "والشَّاذُّ لُغةً:" انتقل الآن إلى الشّرط الخامس من شروط الصّحيح وهو عدم الشّذوذ.
يجب أن لا يكون الحديث شاذًا كي يُقْبَل، إذا كان شاذًّا لا يُقْبَل.
ما معنى الشاذّ؟ الشاذّ في اللغة الفَرْد.
الشّذوذ: التَّفَرُّد.
شذّ الرّجل عن القوم يعني تفرّد عنهم.
أمّا في الاصْطلاح: "ما يُخالِفُ فيهِ الرَّاوي مَنْ هُو أَرْجَحُ منهُ".
ما معنى أرجح منه؟ يعني إمّا أن يكون أقوى منه في الحفظ، أو أن يكون الرّواة أكثر منه في العدد.
حفظ الأكثر وحفظ الأحفظ أقوى من حفظ الآخر، فإذا خالف من هو أقوى منه نُسَمِّي روايته شاذّة.
إذن الشاذّ مخالفة المقبول لمن أولى منه، هذا هو الصّحيح في تفسيره.
هنا المؤلف قال: "ما يُخالِفُ فيهِ الرَّاوي مَنْ هُو أَرْجَحُ منهُ" فيدخل في كلمة الرّاوي الثِّقة وغير الثِّقة، لكنّ الصّحيح والمسألة اصْطِلاحية على كلّ حال أنّ الشاذّ يختصّ برواية الثّقات.
مخالفة الثّقة لمن هو أولى منه كما قال الإمام الشّافعي رحمه الله.
فالشاذّ مخالفة الثّقة لمن هو أولى منه.
مثاله: حديث تحريك الأصبع مثلا، هذا الحديث رواه ثلاثة عشر راويا عن وائل بن حُجْر بلفظ: أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم كان يُشِير بأصبعه.
رواه زائدة بن قُدَامة وزاد فيه "ويُحَرِّكها".
طيب ثلاثة عشر راويا رووا هذا الحديث عن شيخهم عن وائل بن حُجْر بدون هذه الزِّيادة.
جاء زائدة بن قُدامة هذا وزادها، من أين زادها؟
الغالب على الظنّ أنّها وهم، خطأ وإلاّ لو كانت محفوظة وصحيحة لرواها الثّلاثة عشر راوياً الآخرون، لماذا لم يروها إلاّ واحد؟
كونه لم يَرْوها إلاّ واحد إذن هذا دليل على شذوذها، والشاذّ من قسم الضّعيف الذي لا يُقْبَل لأنّه خطأ.
هذا معنى الشاذّ، وهذا تحرزٌ من أخطاء الرُّواة، لأنّ الشّخص وإن كان ثقة لكن ربّما يُخْطِئ فكي يتحرَّزوا من خطئ الثقة وضعوا هذا الضّابط، و هذا الشَّرط.
قال المؤلف "ولهُ تفسيرٌ آخرُ"، أي للشاذّ تفسير آخر سيأتي إن شاء الله، وسيتكلّم عنه في موضعه.
قال: "تنبيهٌ: قولُهُ: وخبرُ الآحادِ كالجِنْسِ، وباقي قُيودِهِ كالفَصْلِ". عند العلماء، عندما تريد أن تذكر تعريفا تأتي بجنس.
ونعني بالجنس ما تدخل تحته أنواع مختلفة في الصّفات.
مثاله: تعريف الإنسان، تقول: الإنسان حيوان ناطق، هذا تعريفه.
كلمة حيوان جنس تدخل تحتها أنواع، من هذه الأنواع النّاس، الحيوان يدخل تحته كلّ ما هو حيّ، كلّ ما هو حيّ حيوان.
فالنّاس نوع، وذوات الأربع نوع، والطُّيُور نوع (هذه كلّها تشملها كلمة حيوان)، هذه تُسَمَّى جنس.
وإنسان هذه نوع من الجِنس.
فأنت عندما تريد أن تُعَرِّف شيء ينبغي أن تأتي بجنس يدخل تحته الــمُعَرَّف، يدخل فيه كما أردنا أن نُعَرِّف الإنسان قلنا حيوان، فالإنسان يدخل فيه، طيب.
لابدّ في التّعريف أن يكون جامعا مانعا، ماذا يعني؟
يعني يجمع صفات الــمُعَرَّف ولا يخرج منها شيء ويمنع دخول صفات غيره كي يبقى فقط الــمُعَرَّف.
التّعريف ما هو الــمُراد منه ؟
أن أتصوّر الشّيء المذكور ما هو؟
فإذا أدخلت لي صفات أخرى ليست من صفات الــمُعَرَّف فيدخل معه شيء آخر.
وإذا أنْقَصْت من صفاته لن أتصوّره بشكل صحيح، طيب.
الــمُراد أن يكون جامعا مانعا التّعريف، كيف يكون جامعا مانعا؟
نأتي بجنس أوّل شيء.
تقول الإنسان هو حيوان (هذا نسميه جنس)، ثمّ تنظر هل اشترك مع الإنسان شيء في هذا الجنس؟ نعم، اشترك، ذوات الأربع داخلة، الطيور داخلة، كيف نخرجها، نأتي بشيء يُسَمُّونه في التَّعْريف فصل.
هذا الفصل يفصل ما بين الــمُعَرَّف ومن دخل معه من الأشياء الأخرى، تمام؟
فماذا تقول؟
تقول: الإنسان حيوان ناطق.
فبالتالي بكلمة ناطق أخرجت ماذا؟
أخرجت ذوات الأربع، وأخرجت الطُّيُور، ما بقي إلاّ الإنسان.
إذن عندما أقول لك الإنسان حيوان ناطق، خلاص تعرف ما هو.
هذا كلّه دفعنا إليه المؤلِّف، نعم.
فقال هنا: "وخبرُ الآحادِ كالجِنْسِ"، يعني نفس مسألة الجنس في التّعريفات، نفس ما عرّفنا الإنسان حيوان، كأنّنا عملنا له جنسا.
"وباقي قُيودِهِ كالفَصْلِ"، بقيّة القيود التي ذكرها كالفَصْل، يعني كقولنا: النّاطق في تعريف الإنسان.
فأتينا بتلك القيود من أجل أن نُخْرِج ما ليس من الأحاديث الصّحيح.
"وقولُهُ: ((بِنَقْلِ عَدْلٍ))؛ احْتِرازٌ عَمَّا يَنْقُلُهُ غيرُ العَدْلِ".
يعني لمّا قال خبر الآحاد، ذكر في التّعريف فقال: "وخبرُ الآحادِ؛ بنقلِ عَدْلٍ"، الآن لــمَّا قال خبر الآحاد، نحن ذكرنا أنّ خبر الآحاد ما هو؟
ما كان أقل طبقة في طبقات سنده واحد أو اثنين أو ثلاث بشرط أن لا يصل إلى التّواتر، وهو الذي يرويه جَمْعٌ عن جَمْع إلى آخره.
خبر الآحاد منه ما هو من نقل العدل، [كلمة خبر الآحاد] تدخل فيها من نقله عدل وما نقله غير العدل.
لمّا أقول لك: الصّحيح خبر الآحاد بنقل عدل.
أخرجت خبر الآحاد الذي ينقله غير العدل، هذا ليس من الصّحيح.
وعندما أقول لك: تامّ الضّبط.


قال: "وقوله: ((هُو)) يسمَّى فَصْلاً يتَوَسَّطُ بينَ المُبتَدَإِ والخَبَرِ، ويُؤذِنُ بأَنَّ ما بَعْدَهُ خَبرٌ عَمَّا قَبْلَهُ، وليسَ بِنَعْتٍ لهُ".

"وقولُهُ: ((لذاته))؛ يُخْرِجُ ما يسمَّى صحيحاً بأَمرٍ خارِجٍ عنهُ؛ كما تقدَّمَ"
الآن في كلمة [بنقل عدل] أخرجنا ماذا؟ غير العدل.
بكلمة [تامّ الضّبط] أخرجنا ماذا؟ ناقص الضّبط وغير الضّابط، هذا وهذا خرجا، لأنّ حديث خبر الآحاد إذا رواه شخص غير ضابط أصلا لا يكون صحيحا.
وإذا رواه شخص ضابط لكنّ ضبطه ليس بالتّمام لا يُسَمَّى صحيحا.
وبقوله [مُتَّصِل الإسناد] أخرج ماذا؟ الــمُنْقَطِع بجميع أنواعه.
وبقوله [غير مُعلّل] أخرج الــمُعلّل.
وبقوله [ولا شاذّ] أخرج الشاذّ.
الآن في التّعريف ماذا قال؟
"وخبرُ الآحادِ؛ بنقلِ عَدْلٍ تامِّ الضَّبْطِ، مُتَّصِلَ السَّنَدِ، غيرَ مُعَلَّلٍ ولا شاذٍّ: هو الصَّحيحُ لذاته"،
يريد أن يتكلّم الآن عن كلمة "هو الصّحيح لذاته".
قال: "وقوله: ((هُو)) يسمَّى فَصْلاً يتَوَسَّطُ بينَ المُبتَدَإِ والخَبَرِ"، أي كأنّه قال لك الصّحيح لذاته هو كذا وكذا وكذا.
"يُؤذِنُ بأَنَّ ما بَعْدَهُ خَبرٌ عَمَّا قَبْلَهُ" يعني كأنّه رتّبه ولكن بطريقة عكسية.
أي الصّحيح لذاته هو خبر الآحاد الذي ينقله العدل الضّابط ... إلى آخره، تمام؟
هذا معنى كلامه هنا.
قال: "وليسَ بِنَعْتٍ لهُ" أي ليس بصفة لما تقدّم.
"وقولُهُ: (( الصحيح لذاته))؛ يُخْرِجُ ما يسمَّى صحيحاً بأَمرٍ خارِجٍ عنهُ؛ كما تقدَّمَ"
أي يُخْرج الصّحيح لغيره كما تقدّمت الأقسام السّابقة أنّ الصّحيح ينقسم إلى قسمين:
صحيح لذاته: أي الذي صحّ بإسناده الخاصّ به.
وصحيح لغيره: الذي صحّ لا بإسناده، لكن بدعم خارجي، جاءه دعم من الخارج فقُوِّيَ وصار صحيحا بذلك، تمام؟ واضح إلى هنا؟
طيب، نكتفي بهذا القدر إن شاء الله، وندخل في موضوع جديد.
سبحانك اللّهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك.


---------------------------
(*)- الصواب عبد الرحمن بن يزيد بن تميم لا عبد الرحمن بن يزيد بن يزيد وقد طلب الشيخ مني تصحيحها.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-12-2012, 11:22   #8
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الثامن من شرح نزهة النظر

المجلس الثامن من شرح نزهة النظر

اليوم مجلس جديد من مجالس شرح نزهة النظر

انتهينا في الدرس الماضي من تعريف الصحيح، وشرح فصوله.

قال المؤلف رحمه الله: "وتتفاوَتُ رُتَبُهُ؛ أي: الصَّحيحُ، بـِسببِ تفاوُتِ هذهِ الأوْصافِ".

ذكر لنا أنّ الحديث الصحيح له أوصاف، إذا توفّرت حُكِم على الحديث بالصحّة، وإذا لم تتوفّر فلا يُحْكم عليه بالصحة، وهذه الأوصاف تتفاوت، أي أنّها تكون قوية في بعض الأحاديث وتكون أضعف منها في البعض الآخر، وتكون أضعف في البعض الثالث، وإن كانت كلّها أحاديث صحيحة إلّا أنّ توفّرها في الأحاديث يكون موجوداً بقوّة في بعضها ويكون فيه شيء من الضّعف في البعض الآخر.

فكلّما كانت هذه الأوصاف أقوى كلّما كان الحديث أصحّ وأكثر صحّة من غيره.

فهنا يقول: "وتتفاوَتُ رُتَبُهُ؛ أي: الصَّحيحُ".

"وتتفاوَتُ رُتَبُهُ، بـِسببِ تفاوُتِ هذهِ الأوْصافِ المُقْتَضِيَةِ للتَّصحيحِ في القُوَّةِ".

أي أن هذه الأوصاف تكون متفاوتة في القوّة، وهذه الأوصاف هي التي تقتضي التّصحيح، بناءً على توفّر هذه الأوصاف يكون التّصحيح.

وكلّما كانت أقوى في الحديث كلّما كان الحديث أصحّ.

قال:"فإِنَّها لمَّا كانَتْ مُفيدةً لغَلَبَةِ الظَّنِّ الَّذي عليهِ مَدارُ الصِّحَّةِ"، هذه الأوصاف توفّرها ماذا يفيدنا في الحديث؟

يغلب على ظنّنا أنّ هذا الحديث صحيح وثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى توفر هذه الشّروط أو هذه الأوصاف مدار الصحّة والضّعف.

قال:"فإِنَّها لمَّا كانَتْ مُفيدةً لغَلَبَةِ الظَّنِّ الَّذي عليهِ مَدارُ الصِّحَّةِ؛ اقْتَضَتْ أَنْ يكونَ لها دَرجاتٌ بعضُها فَوْقَ بعضٍ بحَسَبِ الأمورِ المُقَوِّيةِ، وإِذا كانَ كذلك فما يَكونُ رُواتُهُ في الدَّرجةِ العُليا مِن العدالَةِ والضَّبْطِ وسائِرِ الصِّفاتِ التي تُوجِبُ التَّرجيحَ؛ كانَ أَصحَّ ممَّا دونَهُا".

يعني أنّ هذه الأحاديث تتفاوت، الأحاديث الصّحيحة تتفاوت في القوّة، بعض الأحاديث أصحّ وأقوى من البعض الآخر

ما هو سبب تفاوت القوّة؟.

هو تفاوت هذه الصّفات الموجودة في الأحاديث، كلّما كانت أقوى، كلّما كان الحديث أكثر صحّة من غيره.

وكلّما كانت أضعف كلّما كان الحديث أقلّ صحة من غيره.

قال: "فَمِنَ المَرْتَبَةِ العُلْيا في ذلك ما أَطْلَقَ عليهِ بعضُ الأئمَّةِ أَنَّهُ أَصحُّ الأسانيدِ".

المرتبة العليا، الحديث الذي يكون أصحّ من غيره، الذي يكون قد جاء بإسناد قيل فيه بأنّه أصحّ الأسانيد، من هذه الأسانيد:

قال: "كالزُّهْريِّ عن سالِمِ بن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عن أَبيهِ"

الزّهري: محمّد بن شهاب الزّهري، إمام حافظ كبير من أهل المدينة وكان حافظاً كبيراً، وأخرج البخاري ومسلم من أحاديثه كمّاً كثيراً.

عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب: العدوي المدني، معروف، أحد الفقهاء السّبعة، وكان ثبتاً عابداً فاضلاً رحمه الله.

عن أبيه: عبد الله بن عمر بن الخطّاب، الصحابي.

فهذا الإسناد من الأسانيد التي وُصِفت بأنّها أصحّ الأسانيد، فإذا جاء حديث بإسناد كهذا وليست فيه علّة ولا هو شاذّ فيكون في أعلى مراتب الأحاديث الصّحيحة.

قال: "وكمحمَّدٍ بنِ سيرينَ": الأنصاري ثقة، ثبت، عابد كبير، معروف، إمام بصري.

"عن عَبيدةَ بنِ عَمْروٍ": السّلماني أبو عمرو الكوفي، تابعي كبير مُخَضْرم، فقيه ثبت، رحمه الله.

"عَن عَليٍّ": بن أبي طالب الصحابي المعروف.

هذا أيضا من الأسانيد التي قيل بأنّها أصح الأسانيد.

"وكَإِبراهيمَ النَّخَعِيِّ": إبراهيم بن يزيد النَّخَعي الكوفي، ثقة فقيه.

"عَنْ عَلْقَمَةَ": بن قَيْس النّخعي، ثقة ثبت، فقيه عابد، رحمه الله.

"عن ابنِ مَسعودٍ": هو عبد الله بن مسعود الصّحابي المعروف.

"ودونَها في الرُّتبةِ": أي ما هو أنزل من هذه الدّرجة.

الآن هذه الأسانيد في درجة عالية، في القمّة في الصحّة، ثمّ تأتي بعدها درجة ثانية.

قال:"ودونَها في الرُّتبةِ: كرِوايةِ بُرَيْدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أَبي بُرْدَةَ" هو ثقة يُخْطِئ قليلاً.

"عن جَدِّهِ": هو أبو بُرْدة بن أبي موسى الأشعري، مختلف في اسمه ولكنّه ثقة.

"عن أَبيهِ: أَبي مُوسى الأشعري"، صحابي.

"وكَحمَّادِ بنِ سَلَمَةَ عن ثابِتٍ عَنْ أَنسٍ".

"حمَّادِ بنِ سَلَمَةَ" بن دينار البصري، ثقة، أثبت النّاس في ثابت، روايته عن ثابت صحيحة قوية، فهو أثبت النّاس في ثابت.

و ثابِت هذا هو ثابت بن أسلم البُناني، هو ثقة.

"عَنْ أَنسٍ" بن مالك الأنصاري الصّحابي.

فهذه رتبة ثانية من مراتب الصحّة، وعندنا رتبة ثالثة.

قال: "ودُونَها في الرُّتْبَةِ: كسُهَيْلِ بنِ أَبي صالحٍ عَنْ أَبيهِ عن أَبي هُريرةَ".

"سُهَيْلِ بنِ أَبي صالحٍ": أبو يزيد المدني، صدوق تغيّر حفظه بأخرة.

"عَنْ أَبيهِ": الذي هو أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات، مدني، ثقة، ثبت.

"عن أَبي هُريرةَ".

"وكالعَلاءِ بنِ عبدِ الرحمن بن يعقوب":مولى الــخُرَقي أبو شبل، صدوق ربّما وهم.

"عن أَبيهِ": عبد الرحمن بن يعقوب الخُرَقي.

"عن أَبي هُريرةَ": الصّحابي.

"فإِنَّ الجَميعَ يشمَلُهُم اسمُ العَدالَةِ والضَّبْطِ"، كلّ هؤلاء يصحّ أن تُطْلِق على كلّ واحد منهم بأنّه عدل وضابط.

"إِلاَّ أَنَّ في المَرْتَبَةِ الأولى مِن الصِّفاتِ المُرَجِّحَةِ ما يقتَضي تقديمَ روايتِهِم على الَّتي تَليها".

عندما تقارن بين أصحاب المرتبة الأولى وبين الذين بعدهم تجد أنّ أصحاب المرتبة الأولى لهم صفات، يعني توفّر صفة العدالة والضّبط فيهم أقوى بكثير من توفّرها في مَنْ بعدهم فلذلك فاتوا غيرهم في الصحّة.

قال: "وفي الَّتي تليها مِنْ قوَّةِ الضَّبْطِ ما يقتَضي تقديمَها على الثَّالِثَةِ"، المرتبة الثّانية التي فيها حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال في رواتها: حمّاد، وثابت من العدالة وقوّة الحفظ ما لا يوجد في سُهَيْل بن أبي صالح وفي أبيه، فلذلك كانت رتبة الإسناد الذي فيه حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس أعلى من رتبة الإسناد الذي فيه سُهَيْل بن أبي صالح عن أبيه.

"وهِي مُقدَّمةٌ على رِوايةِ مَن يُعَدُّ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ حَسناً"، يعني المرتبة الثّالثة الآن وإن كانت أنزل من المرتبة التي قبلها وكنّا نصف جميع أصحاب هذه المراتب بأنّ أحاديثهم صحيحة إلاّ أنّ المرتبة الثالثة هذه مع نزول مرتبتها بالنسبة للثّانية والأولى إلاّ أنّها مُقَدَّمة على الأسانيد التي توصف بأنّها حسنة وليست بصحيحة، فكلّها مراتب.

أي أنّك وإن كنت تقول في الأحاديث الـــمُحْتَجّ بها: هذا حسن وهذا صحيح.

إلاّ أنّك تعلم أنّ الصّحيح أعلى رتبة من الحسن.

كذلك اعلم أنّ الصّحيح نفسه فيه مراتب، وفيها ما هو أعلى وما هو أدنى، مع أنّك تصف الجميع بأنّه صحيح،

كما أنّك تحتجّ بالجميع، إلّا أنَّ الصحيح أعلى من الحسن.

كذلك الصحيح: هو صحيح وتطلق عليه أنّه صحيح إلا أنّه مراتب.

كذلك الحسن: هو حسن إلّا أنّه مراتب كذلك.

فكلّها هذه الأحاديث كلّها في درجات ومراتب، منها ما وصل إلى الدرجات العلى، ومنها ما هو في أدنى الدّرجات.

فقال هنا:"وهِي مُقدَّمةٌ على رِوايةِ مَن يُعَدُّ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ حَسناً، وإن كانت هي في أنزل المراتب من مراتب الصحيح إلاّ أنّها أعلى من الحسن ولاشكّ.

"كمحمَّد بنِ إِسحاقَ عن عاصمِ بنِ عُمرَ عن جابرٍ"، محمّد بن إسحاق هذا هو ابن يسار صاحب السِّيرة يكون حديثه حسناً إذا صرّح بالتحديث لأنّه مُدَلِّس.

"عن عاصمِ بنِ عُمرَ": هو ابن قتادة أبو عمرو المدني ثقة.

"عن جابرٍ" هو ابن عبد الله الصّحابي.

قال: "و عن عمروِ بنِ شُعَيْبٍ"، هذا الإسناد يُحْكَم عليه بأنّه إسناد حسن إذا صرّح محمّد بن إسحاق بالتّحديث إلاّ أنّه وهو وإن كان حسناً إلاّ وأنزل رتبة من كلّ مراتب الصّحيح.

"وعمروِ بنِ شُعَيْبٍ": هو ابن محمّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، هذا اسمه.

"عنْ أَبيهِ"، شعيب بن محمّد.

"عَنْ جَدِّهِ"، عبد الله بن عمرو بن العاص.

وهذا الإسناد أيضا إسناد حسن.

قال: "وقِسْ على هذهِ المراتِبِ ما يُشبِهُها": قس عليها بقية الأحاديث الأخرى وضعها في مراتبها التي تناسبها بناءً على ما ذكر لك.

"و المرتَبَةُ الأولى هِيَ الَّتي أَطلَقَ عليها بعضُ الأئمَّةِ أَنَّها أَصحُّ الأسانيدِ"، المرتبة الأولى من الصّحيح هي التي وصفها بعض العلماء بأنّها أصحّ الأسانيد.

"والمُعْتَمَدُ عدمُ الإِطلاقِ لترجَمةٍ معيَّنةٍ منها"، يعني المعتمد والصحيح عند الحافظ ابن حجر أنّه لا يُطْلَق على إسناد معيّن بأنّه أصحّ الأسانيد كقولهم مثلاً: أصحّ الأسانيد: الزّهري عن سالم عن ابن عمر، نقول له: لا، لا يطلق هذا هكذا ولكنّنا نُقَيِّد.

قال: "نعم؛ يُستَفَادُ مِن مجموعِ ما أَطلقَ الأئمَّةُ عليهِ ذلك أَرجَحِيَّتُهُ على ما لَمْ يُطْلِقوهُ".

أي أنّه يقول وإن كنّا لا نُسَلِّم بإطلاق كلمة أصحّ الأسانيد على ترجمة مُعَيَّنة أو على إسناد معيّن، إلاّ أنّنا نستفيد فائدة من وراء ما ذكره الأئمّة الكبار عندما قالوا في بعض الأسانيد بأنّها أصحّ الأسانيد كما قال البخاري رحمه الله: مالك عن نافع عن ابن عمر أصحّ الأسانيد.

وقال غيره: الزّهري عن سالم عن ابن عمر، أصحّ الأسانيد.

وهكذا.

قال: مجموع ما ذكره الأئمّة في الأسانيد بأنّها أصحّ الأسانيد، قال نستفيد منها فائدة أنّ هذه الأسانيد التي قيل فيها بأنّها أصحّ الأسانيد يقول: هي تكون أرجح من غيرها، فإذا جاءنا إسناد لم يقل أحد من الأئمّة إنّه أصحّ الأسانيد يكون هذا الإسناد الذي قيل فيه أصحّ الأسانيد أرجح وأقوى من الإسناد الذي لم يَقل فيه أحد من الأئمّة بأنّه أصحّ الأسانيد.

هذه الفائدة التي نستفيدها ممّا ذكره العلماء.

قال: "ويلْتَحِقُ بهذا التَّفضيلِ ما اتَّفَقَ الشَّيخانِ على تَخريجِه بالنِّسبةِ إِلى ما انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُما"، تفضيل الصّحيح بعضه على بعض قال: يلتحق به أيضا مسألة أحاديث الصّحيحين.

قال: لاشكّ بأنه ما اتّفق الشّيخان على إخراجه البخاري ومسلم، أرجح وأقوى ممّا انفرد به البخاري أو مسلم.

قال: "وما انْفَرَدَ بهِ البُخاريُّ"، أي ما انفرد به البخاري أرجح ممّا انفرد به مسلم.

قال: "وما انْفَرَدَ بهِ البُخاريُّ بالنِّسبةِ إلى ما انْفَرَدَ بهِ مُسلمٌ"، أي أنّ الذي انفرد به البخاري يكون أرجح ممّا انفرد به مسلم، لماذا قدّم ما انفرد به البخاري على ما انفرد به مسلم؟

قال:"لاتِّفاقِ العُلماءِ بعدهِما على تلقِّي كِتابَيْهِما بالقَبولِ، واختِلافِ بعضِهِم في أَيِّهِما أَرْجَحُ، فما اتَّفقا عليهِ أَرجَحُ مِن هذهِ الحيثيَّةِ ممَّا لم يتَّفقا عليهِ"، هذا التّعليل لتقديم ما اتفق الشّيخان عليه على ما انفرد به أو ما انفرد به البخاري على ما انفرد به مسلم.

علّل ذلك بقوله: "لاتِّفاقِ العُلماءِ بعدهِما على تلقِّي كِتابَيْهِما بالقَبولِ، واختِلافِ بعضِهِم في أَيِّهِما أَرْجَحُ، فما اتَّفقا عليهِ أَرجَحُ مِن هذهِ الحيثيَّةِ ممَّا لم يتَّفقا عليهِ".

اتّفق العلماء بداية على أنّ ما في الكتابين صحيح ما عدا بعض الأحاديث.

ثمّ اختلفوا بعد ذلك أيُّهما أفضل البخاري أم مسلم؟

هذا ما يشير إليه ابن حجر رحمه الله.

قال: "وقد صرَّحَ الجمهورُ بتقديمِ صحيحِ البُخاريِّ في الصِّحَّةِ، ولم يوجَدْ عنْ أحدٍ التَّصريحُ بنقيضِهِ"، يعني أنّه قدّم ما انفرد به البخاري على ما انفرد به مسلم لذلك أنّ جمهور العلماء قدّموا صحيح البخاري على صحيح مسلم.

قال: "وإن كان قد ذُكِر أنّ بعضهم قدّم مسلماً على البخاري إلاّ أنّه لم يوجد تصريح بذلك" إنّما فيه كلام ربّما يُفْهَم منه أنّه يُقَدِّم مسلم على البخاري.

قال: "وأَمّا ما نُقِلَ عَن أبي عليٍّ النَّيْسابوريِّ أَنَّهُ قالَ: ما تحتَ أَديمِ السَّماءِ أَصحُّ مِن كتابِ مُسلمٍ، فلمْ يُصرِّحْ بكونِه أَصحَّ مِن صحيحِ البُخاريِّ؛ لأَنَّهُ إِنَّما نَفَى وُجودَ كتابٍ أَصحَّ مِن كتابِ مسلم؛ إِذ المَنْفِيُّ إنما هُو ما تَقْتَضيهِ صيغَةُ أَفْعَلَ من زيادَةِ صحَّةٍ كتابٍ شارَكَ كتابَ مُسلمٍ في الصِّحَّةِ، يمتازُ بتلكَ الزِّيادَةِ عليه، ولم يَنْفِ المُساواةَ".

الآن يناقش في كلمة أبي علي النيسابوري.

قال أبو علي النّيسابوري: ما تحت أديم السّماء أصحّ من كتاب مسلم، هل يقتضي هذا الكلام أنّ كتاب مسلم أصحّ من كتاب البخاري؟ لا.

هو ينفي أن يكون البخاري أصحّ من مسلم لأنّه قال: ما تحت أديم السّماء أصحّ من كتاب مسلم، فكونه ينفي أن لا يكون كتاب البخاري أصحّ من مسلم، نعم، ولكن لا يدلّ ذلك على أنّ مسلم أصحّ من البخاري، لماذا؟ لأنّه فيه احتمال ثالث وهو أن يكونا متساويين.

فقوله: ما تحت أديم السّماء أصحّ من كتاب مسلم يحتمل أحد أمرين:

إمّا أن يريد أنّهما متساويين.

أو يريد أنّ صحيح مسلم أصحّ من صحيح البخاري.

وحمل كلامه على الثّاني دون الأوّل تَحَكُّم.

فليس كلامه صريحا في كون مسلم أصحّ من البخاري، لذلك قال: "لا يوجد تصريح من أحد بأن مسلم أصحّ من البخاري".

قال: "وكذلكَ ما نُقِلَ عنْ بعضِ المَغارِبَةِ أَنَّهُ فَضَّلَ صحيحَ مُسلمٍ على صحيحِ البُخاريِّ؛ فذلكَ فيما يرجِعُ إِلى حُسْنِ السِّياقِ وجَوْدَةِ الوَضْعِ والتَّرتِيبِ". الآن نُقِل عن بعض المغاربة، عن بعض علماء المغرب أنّه يُفَضِّل مسلم على البخاري، التّفضيل من أيّ جهة؟

ناقَشوهم: قالوا إن أردتّم من ناحية الصحّة فكلام غير مُسَلَّم.

وإن أردتّم من ناحية التّرتيب وحسن السّياق فمثل هذا صحيح، لأنّ مسلم رتّب كتابه بطريقة أجود من ترتيب البخاري، فمسلم رتّب كتابه في بلاده وكانت كُتُبَه بين يديه، بخلاف البخاري.

ثمّ البخاري قطَّع الحديث قطع ووزّعها في كتابه على حسب الأبواب.

مسلم لا، ساق الأحاديث كلّها في مكان واحد.

فكان ترتيب مسلم للكتاب أجود من ترتيب البخاري.

قال: "وإن كانوا أرادوا هذا المعنى"، وهذا المعنى هو الذي حمله عليه الحافظ ابن حجر، حمل كلامهم عليه، قال: فإذن كلامهم هنا ليس فيه تصريح بتفضيل مسلم على البخاري في الصحّة، وكلامنا هنا.

قال: "ولم يُفْصِحْ أَحدٌ منهُم بأَنَّ ذلكَ راجِعٌ إِلى الأصحِّيَّةِ" هو يناقش الآن في قضيّة التّصريح منهم بأنّ مسلم أفضل من البخاري، قال لم يفصح أحد منهم بذلك.

"ولو أَفْصَحوا به لردَّهُ عليهِمْ شاهِدُ الوُجودِ، فالصِّفاتُ الَّتي تدورُ عليها الصِّحَّةُ في كتابِ البُخاريِّ أَتمُّ منها في كتابِ مسلمٍ وأَشَدُّ"، يعني لو صرّحوا بأنّ كتاب مسلم أصحّ من كتاب البخاري فالواقع الذي بين أيدينا لمن تأمّل الصِّفات التي عليها الأسانيد والأحاديث التي أخرجها البخاري تردّ عليهم دعواهم هذه، فالوجود يُكَذِّب ما ادَّعوه في هذه المسألة،

نعم ، نكتفي بهذا الحد.

قال: "وشرطُهُ فيها أَقوى وأَشَدُّ". أي شرط البخاري أقوى وأشدّ من شرط مسلم.

وسيأتي الآن التفصيل في هذه المسألة.

وسبحانك اللهم وبحمد أشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك.



تنبيه هام: قام بتفريغ المجلس الأخ الفاضل: أبو عمر عبد العزيز السلفي - جزاه الله خيراً-
وقمت بتنقيحه فقط.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-12-2012, 11:24   #9
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس التاسع من شرح نزهة النظر

المجلس التاسع من شرح نزهة النظر
وبين لنا أن الصّحيح يتفاوت وبعض الأحاديث تكون أقوى من الأحاديث الأخرى وبيّن لنا كيفية التّفاوت، ومتى يكون بعضها أصحّ من بعض، تكلّم على أحاديث الصّحيحين وذكر بأن ما اتّفق الشّيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما يُقَدَّم في الرُّتبة وفي الصحّة على ما انفرد به البخاري، وما انفرد به البخاري يُقَدَّم في الرتبة على ما انفرد به مسلم، وذكر أنّ السّبب في ذلك أنّ العلماء تلقّوا الكتابين بالقَبُول واتّفقوا على ذلك.
ثمّ بدأ يُناقش في قضيّة تقديم البخاري على مسلم، لماذا قدّم ما أخرجه البخاري أو ما انفرد به البخاري على ما انفرد به مسلم في الأصحيّة؟
فذكر أسباباً في ذلك، بدأ بقوله:
"وأَمَّا رُجْحانُهُ مِن حيثُ الاتصالُ؛ فلاشْتِراطِهِ أَنْ يكونَ الرَّاوِي قَدْ ثَبَتَ لهُ لِقاءُ مَنْ روى عنهُ ولو مَرَّةً، واكْتَفى مُسْلِمٌ بمُطْلَقِ المُعاصَرَةِ، وأَلْزَمَ البُخاريَّ بأَنَّهُ يحتاجُ أَنْ لا يقْبَلَ العَنْعَنَةَ أَصلاً! وما أَلْزَمَهُ بهِ ليسَ بلازِمٍ؛ لأنَّ الرَّاويَ إِذا ثبتَ لهُ اللِّقاءُ مرَّةً؛ لا يجْري في روايتِهِ احْتِمالُ أَنْ لا يكونَ قد سمِعَ منهُ؛ لأنَّهُ يلزمُ مِن جَريانِهِ أَنْ يكونَ مُدَلِّساً، والمسأَلةُ مَفروضَةٌ في غير المُدَلِّسِ". طيب
الآن نبدأ في المسألة من أوَّلِها:
الإسناد الــمُعَنْعَن، كنّا قد عرفنا معناه ولكن نعيد تفسيره.
الإسناد الــمُعَنْعَن هو الذي قال فيه راويه: فلان عن فلان.
هذه الكلمة، كلمة "عن" في الأصل اللُّغوي لا تدلّ على السّماع، ليست مثل "حدّثتا" أو "أخبرنا" أو "سمعت".
"عن" لا تدلّ في الأصل، الوضع اللُغوي على السّماع، لكنّها تدلّ على ذلك عُرْفاً، لكنّها دلّت على ذلك عُرْفا بشروط:
الشّرط الأول: أن لا يكون الرّاوي مُدَلِّساً، تمام؟ إذا كان مُدَلِّسا لا يُقْبَل منه أن يقول: "عن" حتّى يقول: "حدثنا" أو "سمعت" أو "أخبرنا" كي يُقْبَل منه الحديث.
الشّرط الثاني: اِخْتَلَف فيه العلماء، يعني الآن الذي يهمنا هما شرطان نريد أن نتحدّث عنهما ولا نريد أن نتوسّع، الشّرط الذي ذهب إليه مسلم أن يكون الرّاوي الذي قال عن شيخه "عن" قد عاصره ويمكنه أن يلتقي به، عاصره يعني عاش هو وإيّاه في نفس الزمن، وإمكانية اللِّقاء بينهما مُمْكِنة، كأن يكون الأوّل والثاني قد عاشا في نفس البلد مثلاً، فإمكانية اللِّقاء بينهما موجودة، وإن لم نقف على تصريح بأنّه قد التقى به، فمُجرَّد الــمُعاصرة مع إمكان اللِّقاء اكتفى به مسلم، فمسلم إذا قال الرّاوي عن شيخه: عن فلان، وثبت عنده أنّ هذا التّلميذ الذي قال عن شيخه: عن فلان، ثبت عنده أنّه عاصر شيخه وإمكانية اللِّقاء بينهما ممكنة، يحمل الإسناد على الاتّصال، هذا مسلم.
أمّا البخاري وعلي بن المديني وغيرهما فاشترطوا شرطا زائدًا قالوا: لا نحمله على الاتّصال إلاّ أن يثبت عندنا اجتماعهما، إلا أن يثبت عندنا اللُّقي وهو اجتماعهما، أن يكون الأوّل قد لقي الثّاني، فإذا ثبت عندنا أنّه لقيه عندئذ نحمل الرّواية على الاتّصال، أمّا إذا لم يثبت أنّه لقيه وإن ثبت أنّه عاصره، وإمكانية اللِّقاء ممكنة، فلا يُعْتَبَر عندهم مُتَّصِلاً.
الآن فهمنا الخلاف في الموضوع.
مسلم ردّ على الذي يقول بقول البخاري وعليّ بن المديني في مُقَدِّمة صحيحه، وألزمهم بعدم قبول الــمُعَنْعَن أصلاً
كيف ألزمهم بهذا الإلزام؟
كأنّه يقول لهم إذا اشترطتم ثبوت اللِّقاء ولو مرّة في السّند الــمُعَنْعَن لاحتمال الانقطاع، عندما اشترطوا هم أن يكون قد لقي التّلميذ شيخه كي نقبل منه العنعنة، لماذا اشترطوا هذا الشّرط؟ قالوا: لاحتمال أن يكون مُنْقَطِعا، إذا ما ثبت عندنا أنّه لقي شيخه، إذن احتمال أن لا يكون قد لقيه أصلاً وارد، فكونه ثبت عندنا ولو مرّة واحدة أنّهما اجتمعا إذن فيكون الإسناد محمول على الاتّصال في غالب الحال فهنا يقول لهم مسلم: إذا اشترطتم ثبوت اللِّقاء ولو مرّة في السّند الــمُعَنَعن لاحتمال الانقطاع يلزمكم أن لا تُثْبِتوا سندا مُعَنْعَنًا أصلا حتّى يُرى فيه السّماع من أوّله إلى آخره لأنّ احتمال الانقطاع فيه جائز، كيف جائز؟
يعني إذا أنت أثبتّ ولو مرّة واحدة عندك الاجتماع، فممكن يروي في حديث آخر شيئا ما سمعه منه أصلاً، فقال هنا كون هذه الصّورة ممكنة جائزة إذن فاحتمال الانقطاع لا يزال قائما، إذن فيلزمك أن لا تقبل الــمُعَنْعَن مُطْلَقا ودائما تحتاج إلى تصريح بالتّحديث.
فقال له الآن الحافظ ابن حجر: "وأَلْزَمَ البُخاريَّ بأَنَّهُ يحتاجُ أَنْ لا يقْبَلَ العَنْعَنَةَ أَصلاً! وما أَلْزَمَهُ بهِ ليسَ بلازِمٍ"، الآن يريد أن يَرُدّ الحافظ ابن حجر على مسلم ما ذكره من إلزام.
لماذا قال له ليس بلازم؟
قال:"لأنَّ الرَّاويَ إِذا ثبتَ لهُ اللِّقاءُ مرَّةً؛ لا يجْري في روايتِهِ احْتِمالُ أَنْ لا يكونَ قد سمِعَه منهُ"، لا يمكن بعد ذلك أن يُحَدِّث عن شيخه بصيغة "عن" وهو لم يسمعه منه، لا يمكن أن يكون هذا، تمام؟
وإن وُجِد فيكون الرّاوي مُدَلِّسا، فتكون هذه الصّورة محصورة في الــمُدَلِّسين، وكلامنا عن غيرهم، نحن موضوعنا الآن ليس في الــمُدَلِّسين، في غير الــمُدَلِّسين، وإذا حصلت الصّورة التي تذكرها أنت يا مسلم فيكون هذا الرّاوي مُدَلِّسا وموضوعنا في غير الــمُدَلِّسين؛ فردّ عليه بهذا الكلام.

وضحت الصورة وإلا لا يزال فيها خفاء؟
نقاش مع الطلبة في الدقيقة 8 و30 ثانية

لن يقول عنه من غير أن يكون قد سمعه.
لا لا، هو يقول "عن" لكن لن يقولها وهو لم يسمع من شيخه.
الطالب: طيب شيخنا، بالنسبة أنت ذكرت أنّ مسلم أنه قال ذلك على أساس أنه إذا البخاري قال نفسو هو ويحي بن معين، مضبوط؟
الشيخ: هو وعلي بن المديني.
الطالب: طيب هنا يعني احتمال أن يكون واحد مُدَلِّس مثلاً.
الشيخ: نحن كلامنا ليس في الــمُدَلِّسين.
الطالب: طيب ولماذا رفضوا العنعنة هنا مثلاً، إذاً كلامنا ليس على الــمُدَلِّسين؟
الشيخ: هم ما رفضوها، هو الآن إلزام من مسلم الذي يشترط اللُّقي، قال أنا أُلْزِمُك كونك تشترط اللُّقي، لماذا اشترطت اللُّقي؟
قلت: خوفا من احتمال الانقطاع، صح؟طيب.
فلوجود احتمال الانقطاع، اشترطنا أن يثبت عندنا أنّ فلان قد التقى بفلان، تمام؟
قال بما أنّكم تخشون من احتمال الانقطاع فما زال احتمال الانقطاع قائماً مع اشتراطكم ِللُّقي.
واضح وإلاّ مازال فيه إشكال؟ نعم.
الطالب: على شرط البخاري إذا التقى الاثنين مع بعض لماذا ما يحكي حدّثني؟
الشيخ: والله هذه ما كانت عندهم عُرْفاً على أساس أنّهم تعارفوا على أنّ "عن" عندهم محمولة على الاتّصال فصاروا يذكرونها فهي أخفّ عندهم من التَّحْديث، أن تقول في كلّ سند مثلاً: حدّثنا، أخبرنا، سمعت إلى آخره.
فصاروا يستعملون هذه الكلمة لأنّها أخفّ في الاستعمال.
الطالب: هي مستعملة عند البخاري وعند مسلم؟
الشيخ: مستعملة عند كلّ الــمُحَدِّثين، لكن الإشكال بعد ذلك على ماذا تُحْمَل؟
على الانقطاع وإلا على الاتّصال؟ هو هذا الموضوع، على كلّ حال هذا ما ذكره الحافظ في هذا الموضع.
قال: [وأمّا] هذه يعني الآن خلاصة الموضوع الذي يريد أن يذكره الحافظ هنا.
أيُهما أقوى في نظركم في الاتّصال، شرط البخاري ولاّ شرط مسلم؟
الطالب: البخاري.
الشيخ: هذا الذي يريد أن يصل إليه الحافظ ابن حجر، يقول لك لماذا رجّحنا أحاديث البخاري التي انفرد بها على أحاديث مسلم؟
يقول لك لأنّ شرط البخاري في الاتّصال أقوى من شرط مسلم هذا الذي نريده، تمام؟ طيب.
هذا جهة من جهات التّرجيح وهي مسألة الاتّصال.
الآن يريد أن ينتقل إلى جهة ثانية، يعني مش من باب واحد نحن رجّحنا البخاري على مسلم، لا، عندنا أكثر من باب
أنا ذكرت لكم واحدا، الآن الحافظ ابن حجر يقول لكم تعالوا ننتقل إلى الصّورة الثّانية.
قال: "وأَمَّا رُجْحانُهُ" أي صحيح البخاري.
"مِنْ حيثُ العَدالَةُ والضَّبْطُ؛ فلأنَّ الرِّجالَ الَّذينَ تُكُلِّمَ فيهِم مِن رجالِ مُسلِمٍ أَكثرُ عَدداً مِن الرِّجالِ الَّذينَ تُكُلِّمَ فيهِم مِن رجالِ البُخاريِّ".
"تُكُلِّمَ فيهِم"، يعني طُعِن في عدالتهم أو في ضبطهم.
الرّجال الذين أدخلهم البخاري في صحيحه، والرجال الذين أدخلهم مسلم في صحيحه.
العلماء تكلّموا في هؤلاء الرّجال، أكثر الرّجال من البخاري ومسلم لم يُطْعَن فيهم لا في عدالتهم ولا في حفظهم.
لكن بعض الرجال عند البخاري قد تكلّم فيهم بعض العلماء، وبعض الرجال عند مسلم تكلّم فيهم بعض العلماء
لكن الذين تُكُلِّم فيهم عند البخاري أقلّ من الذين تُكُلِّم فيهم عند مسلم.
فمن هذا الباب كان صحيح البخاري أقوى من صحيح مسلم.
قال:"معَ أَنَّ البُخارِيَّ لم يُكْثِرْ مِن إِخراجِ حَديثِهِمْ"، لاحظ الذين تُكُلِّم فيهم مع أنّهم قلّة عند البخاري بالنسبة لما عند مسلم أيضا البخاري لم يُكْثِر من أحاديث الذين تُكُلِّم فيهم عنده، أحاديثهم قليلة.
"بل غالِبُهُمْ مِن شيوخِهِ الذينَ أَخَذَ عنهُم ومَارَسَ حَديثَهُم، بخِلافِ مُسلمٍ في الأمْرَينِ".
غالب الذين تُكُلِّم فيهم عند البخاري من شيوخه، ومعروف أنّ الرّجل يكون عالماً بحال شيوخه، عالماً بأحاديثهم، ممارساً لها، فهو يكون مُتْقِن لأحاديث شيوخه أكثر من غيرهم، فهذا يكون مُرجِّحا للبخاري على مسلم.
مسلم: غالب الذين تُكُلِّم فيهم ليسوا من شيوخه، هم أعلى، وهو قد أكثر من الإخراج عن الذين تُكُلِّم فيهم فكان البخاري أقوى من مسلم، هذه جهة ثانية.
الجهة الأولى: جهة الاتّصال.
الجهة الثانية: جهة العدالة والضّبط.
الآن ننتقل إلى جهة ثالثة.
قال: "وأَمَّا رُجْحانُهُ مِن حيثُ عدمُ الشُّذوذِ والإِعلالِ"، الآن أتى لك على كلّ شروط الصّحيح.
ما هي شروط الصّحيح؟
اتّصال السّند، نقل العدل، الضّابط، عدم الشّذوذ، عدم العِلَّة.
إذن في جميع الصّور البخاري مُرَجَّح على مسلم.
قال:"وأَمَّا رُجْحانُهُ مِن حيثُ عدمُ الشُّذوذِ والإِعلالِ؛ فلأنَّ ما انْتُقِدَ على البُخاريِّ مِن الأحاديثِ أَقلُّ عدداً مِمَّا انْتُقِدَ على مُسْلِمٍ، هذا مع اتِّفاقِ العُلماءِ على أنَّ البُخاريَّ كانَ أَجلَّ مِن مُسْلِمٍ في العُلوِ وأَعْرَفَ بصِناعةِ الحَديثِ مِنهُ، وأَنَّ مُسلماً تِلْميذهُ وخِرِّيجُهُ، ولم يزَلْ يَسْتَفيدُ منهُ ويتَبِّعُ آثارَهُ حتَّى قالَ الدَّارَقُطنِيُّ: "لولا البُخاريُّ لَما راحَ مُسْلِمٌ ولا جَاءَ""، فالبخاري كان حقيقة جبلاً في هذا العلم (علم الحديث)، إمام كبير، له شأنه وله مكانته عند علماء الحديث، ويعرفون له منزلته حتى مسلم لم يصل إلى مستوى البخاري وهو تلميذه أخذ عنه، وكان يقول له يا أستاذ الأستاذين، فكان يُعَظِّمه ويُبَجِّله، فمن هذه النّاحية لاشكّ أنّها ستؤثّر في الأحاديث التي سيضعها البخاري في صحيحه، والأحاديث التي سيضعها مسلم في صحيحه، فما ينتقيه ويُصَحِّحه البخاري سيكون أقوى ممّا ينتقيه ويُصَحِّحه مسلم، لأنّ البخاري أقعد علمياً أصلاً من مسلم.
ومع ذلك يقول لك أيضا أنّ الأحاديث التي اُنْتُقِدت على مسلم أكثر من الأحاديث التي اُنْتُقِدت على البخاري.
الأحاديث التي اُنْتُقِدت في الصّحيحين كم حديث؟ مائتا حديثا كلّها، بصحيح البخاري بصحيح مسلم، ولكن هذا الانتقاد ليس دائماً في صحّة أصل الحديث، لا، أحياناً يكون الانتقاد فقط في الإسناد، أنّ إسناد أصحّ من إسناد، الطّريق هذه أفضل من الطريق هذه، إلى آخره.
والذي يكون في أصل الصحة أحياناً كثيرة يكون الصّواب مع البخاري أو مع مسلم لا مع الــمُنْتَقِد.
وأجاب النّووي رحمه الله عن انتقادات صحيح مسلم، وأجاب الحافظ ابن حجر عن انتقادات صحيح البخاري.
لكن كما ذكرنا أحيانا يكون الصّواب مع البخاري ومسلم وهو الغالب، وأحيانا يكون مع الــمُنْتَقِد، ولكن في أصل الصحّة قليل جدّا من الأحاديث التي تكون ضعيفة وهي في البخاري أو في مسلم ممّا اُنْتُقِد عند العلماء وهي قليلة جدّاً، نادرة يعني.

سؤال من الطالب غير مفهوم الدقيقة 16 و57 ثانية.
كونهم اتفقوا على إخراجه يعني اتفقوا في تصحيحه، فقط.
طيب، هذه هي أسباب ترجيح ما انفرد به البخاري على ما انفرد به مسلم، فبعد هذا كلّه يكون ما أخرجه البخاري في صحيح أقوى ممّا أخرجه مسلم في صحيحه وكلّه صحيح.
قال: "ومن ثَمَّ" أي من هذه الجهة وهي أرجحيّة شرط البخاري على غيره.
"قُدِّمَ صحيحُ البُخاريِّ على غيرِه من الكُتُبِ المُصَنَّفةِ في الحديثِ"، كان صحيح البخاري هو أصحّ كتاب جمع سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم.
"ثمَّ صحيحُ مُسْلِمٍ؛ لمُشارَكَتِه للبُخاريِّ في اتِّفاقِ العُلماءِ على تَلَقِّي كِتابِهِ بالقَبولِ أَيضاً، سوى ما عُلِّلَ"، يعني يُقَدَّم البخاري ثمّ مسلم من بعده، لماذا؟
لأنّ العلماء تلقوا ما في هذين الكتابين من أحاديث بالقبول والصحة "سوى ما عُلِّلَ" يعني سوى ما اُنْتُقِد من أحاديث وهي قرابة مائتي حديث، وكما ذكرنا بالتّفاصيل التي تقدّمت.
ثمّ قال: "ثمَّ يُقَدَّمُ في الأرجحيَّةِ من حيثُ الأصحِّيَّةُ ما وافَقَهُ شَرْطُهُما"، بعد أن انتهينا الآن من هذا التّرتيب وخرج الحديث عن البخاري ومسلم، ما أخرجه غير البخاري ومسلم.
أيّ حديث يُقَدَّم على الآخر؟
قال: "ما وافَقَ شَرْطَهُما؛ لأنَّ المُرادَ به"، أي بشرطهما.
"رواتُهُما معَ باقي شُروطِ الصَّحيحِ"، هذا الــمُراد بشرط البخاري ومسلم، فإذا كان الحديث على شرطهما فيكون صحيحاً ولكن ليس في مرتبة أحاديث الصّحيحين بل هو أنزل رتبة.
ما الـمُراد بشرطهما؟
قال: رجال البخاري ومسلم مع توفّر بقيّة شروط الصّحيح من اتّصال السّند مع عدم الشّذوذ وعدم العِلَّة إلى آخره، تمام؟
فإذا توفّرت هذه الشّروط في حديث وكان الرّجال الذين في الحديث هم رجال البخاري ومسلم وبنفس النّسق،
ماذا نعني بنفس النّسق؟
أي أنّك لا تأتي بحديث سِماك بن حَرْب وترويه عن عِكْرِمة ثمّ تقول هذا على شرط البخاري ومسلم، هذا غلط.
مسلم وإن كان أخرج لسِماك ولم يُخْرِج لعِكْرِمة.
والبخاري وإن كان أخرج لعِكْرِمة ولم يُخْرِج لسِماك.
إلاّ أنّهما لم يُخْرِجا رواية سِماك عن عِكْرِمة.
لأنّ البخاري لم يُخْرِج رواية سِماك أصلاً، مسلم لم يُخْرِج رواية عِكْرِمة أصلاً.
ولو قدّرنا أنّهما أخرجاها لم يُخرِجا رواية سِماك عن عِكْرِمة لأنّ رواية سِماك عن عِكْرِمة مُضْطَرِبة أصلاً فلا تأتي بعد ذلك وتقول: هذا على شرط البخاري أو على شرط مسلم، لابدّ أن يكون النّسق واحداً، حتّى تقول والله هذا على شرط البخاري أو على شرط مسلم.
تجد رواية مثلا لسُفْيان عن الزّهري، إذا وجدتها عند البخاري ومسلم لك أن تقول هذا على شرط الشّيخين.
أمّا إذا أخرج البخاري لسفيان ولم يخرج للزّهري مثلاً فلا تقل هذا على شرطه.
أو أخرج لسفيان وأخرج للزّهري ولكنّه لم يُخْرِج رواية سفيان عن الزّهري فليس لك أن تقول هذا على شرط البخاري، واضح؟
إذا أخرج لسُفْيَان وأخرج للزّهري لكنّه لم يُخْرِج رواية سفيان عن الزّهري فليس لك أن تقول هذا على شرط البخاري حتّى يُخْرِج رواية سفيان عن الزّهري لكن الرّاوي أحيانا يكون ثقة في نفسه لكن في روايته عن شيخ مُعَيَّن فيه خلل، فيه ضعف، فلا يُخْرِجها البخاري أو مسلم، فعندما تأت وتقول رواية فلان عن فلان على شرط البخاري تكون أخلَلْتَ في الأمر.
البخاري نظره يكون أدقّ وأبعد من نظرك، فأنت مُخْطِئ.
ثمّ قال: "ورواتُهما قد حَصَلَ الاتِّفاقُ على القَوْلِ بتَعديلِهِمْ بطريقِ اللُّزومِ"، يعني أنّ العلماء لـمّا تلقّوا كتابيهما بالقبول لزم أن يكون رجالهما على وصف العدول.
"فهم مُقَدَّمونَ على غيرِهم في رِواياتِهم، وهذا أَصلٌ لا يُخْرَجُ عنهُ إِلاَّ بدليلٍ"، هذا الكلام ليس بمُسَلَّم.
رواة البخاري ومسلم وإن كان ما أخرجه البخاري ومسلم لهم من أحاديث صحيحة إلا أنّ بعضهم قد تُكُلِّم فيه وجُرِح بجرح بيِّن واضح، بل أبو زرعة أنكر على مسلم إخراج بعض أحاديث الضُّعفاء وإن اعتبر مسلم بأنّ عنده أصول صحيحة لها إلا أنّه أقرّ على أنّ هؤلاء الرُّواة ضُعَفاء.
إذن يوجد في صحيح مسلم رواة ضعفاء فكيف نقول بعد ذلك بأن ّ جميع الرواة الذين فيه قد تمّ تعديلهم، حتّى قال بعض أهل العلم: الرّاوي إذا كان في صحيح البخاري ومسلم هذا قد تجاوز القنطرة، لا ما تجاوز القنطرة ولا شيء، هذا يُنْظَر في حاله.
نعم، هو إذا كان في البخاري ومسلم تلقاه علماء الحديث بالقبول خلاص انتهينا، نحن ... بتلقي العلماء بالقبول، لكن الرّاوي يُنْظَر في حاله ربّما يكون قد انتقى له البخاري ومسلم من أحاديثه ووضعها في الصّحيح لكن هو في أصله يكون فيه كلام، ربما يكون حسن الحديث وغيره ممّن لم يُخَرِّجوا له ثقة فإذن يُقَدَّم غيره على هذا.
قال: "فإِنْ كانَ الخَبَرُ على شَرْطِهما معاً؛ كانَ دونَ ما أَخرَجَهُ مسلمٌ أَو مثله"، إذا كان الحديث ليس في الصّحيحين ولكنّه على شرطهما، قال يكون هو دون ما أخرجه مسلم "أَو مثله" يعني في نفس الدّرجة.
إذن هو يكون دونه ولا شكّ لماذا؟
لأنّ حديث مسلم قد تلقّاه العلماء بالقَبُول، هذا وإن كنت أنت تعتقد بأنّه على شرطهما إلا أنّه ربّما لا يكون على شرطهما.
وإن كان على شرطهما فلم يحظ بما حظي به ما أخرجه مسلم من تلقّ العلماء له بالقبول، إذن فلا يكون مثل ما عند مسلم.
"وإِنْ كانَ على شَرْطِ أَحَدِهما؛ فيُقَدَّمُ شَرْطُ البُخاريِّ وحْدَه على شرطِ مُسلمٍ وحدَه"، لاشكّ أنّ شرط البخاري أقوى من شرط مسلم.
" تَبَعاً لأصلِ كُلٍّ منهُما، فخَرَجَ لنا مِن هذا سِتَّةُ أَقسامٍ تتفاوتُ دَرَجاتُها في الصِّحَّةِ، وثَمَّةَ قسمٌ سابعٌ وهو ما ليسَ على شرطِهما اجتِماعاً وانْفراداً"، ليس على شرطهما أصلاً.
"وهذا التَّفاوتُ إِنَّما هو بالنَّظرِ إِلى الحيثيَّةِ المذكورةِ، أَمَّا لو رُجِّحَ قِسْمٌ على ما فَوْقَهُ بأُمورٍ أُخرى تقتَضي التَّرْجيحَ، فإِنَّهُ يُقَدَّمُ على ما فَوْقَهُ"، يعني هذا الأصل هو الذي ذكرناه من تلك النّاحية التي تكلّمنا فيها، لكن ربّما يَعْرِضُ لحديث مُعَيَّن صفات تجعلنا نُقَدِّمه على غيره ممّا ذكرناه.
فتجعلنا مثلا نُقَدِّم الحديث الذي أخرجه مسلم على الحديث الذي أخرجه البخاري، لأمر ما كما سيأتي.
"إذ قَدْ يَعْرِضُ للمَفوقِ مَا يجعَلُهُ فائقاً"، قد يَعْرِض لما هو أنزل رتبة أعراض وصفات تجعله أعلى رتبة.
"كما لو كان الحديثُ عندَ مُسلم مثلاً، وهُو مشهورٌ قاصِرٌ عن دَرَجَةِ التَّواتُرِ، لكنْ حَفَّتْهُ قرينةٌ صارَ بها يُفيدُ العِلْمَ؛ فإِنَّه يُقَدَّمُ على الحديثِ الذي خَرَّجهُ البُخاريُّ إِذا كانَ فَرْداً مُطْلقاً"، واضح هذا الكلام؟
الآن عندنا أصل أن أحاديث مسلم أنزل رتبة من أحاديث البخاري لكن قد تَحْتَفُّ بها قرائن وتَعْرِض لها صفات تجعلها أكثر قوّة من أحاديث البخاري.
"وكما لو كانَ الحَديثُ الَّذي يُخْرِجَاهُ مِن ترجمةٍ وُصِفَتْ بكونِها أَصَحَّ الأسانيدِ كمالِكٍ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ؛ فإِنه يُقَدَّمُ على ما انفرَدَ بهِ أَحدُهُما مثلاً، لا سيَّما إِذا كانَ في إِسنادِهِ مَن فيهِ مَقالٌ"، فالحديث مثلا عند مسلم من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر.
وعند البخاري من رواية شخص فيه مقال.
لاشكّ أنّه في هذه الحالة يفوق ما عند مسلم ما عند البخاري.
فالشّاهد في الأمر أنّ الأصل عندنا أنّ ما انفرد به البخاري أقوى ممّا انفرد به مسلم إلا أنّه قد يَعْرِض شيء يجعل ما انفرد به مسلم أقوى ممّا انفرد به البخاري.
نكتفي بهذا القدر، نكون قد انتهينا من مبحث الصّحيح والحمد لله.

قام بتفريغه الأخ أبو عمر عبد العزيز السلفي وفقه الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-12-2012, 11:25   #10
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس العاشر من شرح نزهة النظر

المجلس العاشر من شرح نزهة النظر




انتهينا في الدرس الماضي من مبحث الصحيح.

قال المؤلف رحمه الله: "فإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ، أي: قلَّ – يُقالُ: خَفَّ القومُ خُفوفاً: قَلُّوا – والمُرادُ معَ بقيَّةِ الشُّروطِ المُتقدِّمَةِ في حَدِّ الصَّحيحِ؛ فـهُو الحَسَنُ لذاتِهِ". إذن الآن بدأ المؤلف رحمه الله بتعريف الحسن لذاته وجعل الفارق بينه وبين الصّحيح خِفَّة الضَّبْط.

فيكون الحسن: ما اتّصل إسناده بنقل العدل الذي خفّ ضبطه عن المقبول إلى منتهاه ولا يكون شاذّا ولا مُعَلّلاً، هذا هو الحسن.

فالفارق بين الصّحيح والحسن لذاته هو خفّة ضبط أحد رواة الإسناد.

قال: "والمُرادُ معَ بقيَّةِ الشُّروطِ المُتقدِّمَةِ في حَدِّ الصَّحيحِ"، اي اتّصال السّند، والعدالة، وعدم الشّذوذ، وعدم العلّة.

قال: "فـهُو الحَسَنُ لذاتِهِلا لِشيءٍ خارِجٍ" هو حسن لذاته لا لغيره، أي لا لأنّه قد جاء شيء آخر من الخارج ودعمه فصار به حسناً، هو حسن لذاته، بنفسه.

"وهو" أي الحسن لغيره.

"الَّذي يكونُ حُسْنُهُ الاعْتِضادِ"، أي بوجود ما يعضده، ما يقوّيه.

"نحوُ حديثِ المَسْتُورِ"، أي مثل حديث المستور.

والمستور هو الذي لم يُنْقَل فيه جرح ولا تعديل.

قال: "إِذا تعَدَّدَتْ طُرُقُه"، فإذا جاء ما يشهد له قوّاه ودلّ على أنّ راويه حفظه، وليس هذا خاصّا بالمستور، المستور مثال، فكلّ ضعيف لم يكن ضعفه شديداً، ووُجِد ما يشهد له يرتقي حديثه إلى الحسن لغيره، شرطه أن لا يكون ضعيفاً ضعفاً شديداً، فإذا كان ضعفه خفيفاً ووجدنا ما يشهد له ويقوّيه يرتقي إلى الحسن لغيره.

قال: "وخَرَجَ باشْتِراطِ باقي الأوْصافِ الضَّعيفُ"، يعني لــمّا اشترطنا في الحسن أن يكون راويه خفيف الضّبط مع بقيّة شروط الصّحيح أخرجنا الضّعيف، لأنّنا إذا ما اشترطنا بقية شروط الصّحيح يكون قد اشترك الحسن مع الضّعيف.

إذا لم يكن مُتَّصِل الإسناد يكون ضعيفاً.

إذا كان مُعَلَّلا يكون ضعيفاً.

إذا كان شاذّا يكون ضعيفاً.

إذا كان مطعون في عدالة الرّاوي يكون ضعيفاً.

لكن لمّا قال مع بقيّة الشّروط أخرج كلّ هذه الأشياء، ما بقي عندنا إلا الحسن لغيره.

قال: "وهذا القِسْمُ مِنَ الحَسَنِ مُشارِكٌ للصَّحيحِ في الاحتِجاجِ به".

"وهذا القِسْمُ مِنَ الحَسَنِ"، أي الحسن لذاته.

"مُشارِكٌ للصَّحيحِ في الاحتِجاجِ به"، فالصّحيح والحسن مُحْتَجٌّ بهما، كلاهما حُجَّة.

"وإِنْ كانَ دُونَه"، أي أنزل منه، يعني هو مُحْتَجٌّ به وإن كان دونه، هو من حيث الاحتجاج يشترك مع الصّحيح، لكن من حيث الرُّتْبة هو أنزل من الصّحيح.

نعم، نحتجُّ به لكن الصّحيح أقوى منه، هذا معنى كلامه.

قال: "وهذا القِسْمُ مِنَ الحَسَنِ"، أي الحسن لذاته.

"مُشارِكٌ للصَّحيحِ في الاحتِجاجِ به وإِنْ كانَ دُونَه"، هو مشارك له في الاحتجاج به وإن كان أنزل منه رُتْبَةً إلاّ أنّه في رتبة ما يُحْتَجُّ به.

"ومشابِهٌ لهُ في انْقِسامِه إِلى مراتِبَ بعضُها فوقَ بعضٍ"، فالحسن لذاته يُشْبِه الصّحيح من حيث إنّ الصّحيح له مراتب أعلى وأدنى، كذلك الحسن له مراتب أعلى وأدنى.

"وبِكثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ"، إذن ممكن أن يكون الحسن لذاته صحيح؟

-نعم، ممكن.

-كيف؟ بكثرة طُرُقِه.

قال:"وبِكثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ"، فالحسن لذاته إذا وجدت له طرقاً أو إذا وُجِدت له طُرُقا تقويّه يرتقي إلى الصّحيح لغيره.

قال: "وإِنَّما يُحْكَمُ لهُ بالصِّحَّةِ عندَ تعدُّدِ الطُّرُقِ" فقط، ما نحكم له بالصحة وهو لذاته، هو لذاته حسن، لكن إذا وجدنا له طُرُقاً أخرى ارتقينا به إلى الصّحيح لغيره. لماذا؟

قال: "لأنَّ للصُّورةِ المجموعةِ قُوَّةً تَجْبُرُ القَدْرَ الَّذي قَصَّرَ بهِ ضَبْطُ راوِي الحَسَنِ عن راوي الصَّحيحِ" الآن الفارق بين الصّحيح والحسن ما هو؟

أحد الرّواة قد خفّ ضبطه، تمام؟

إذا وجدنا له طُرُقاً، هذه الطُّرُق تُعَوِّض خفّة الضّبط الموجود عند الرّاوي فتدفعنا إلى أن نرفع رتبة الحسن لذاته إلى الصّحيح لغيره لأنّه هو الذي جعلنا نحكم عليه بالحُسن ماذا؟

خفّة ضبطه، وجعلناه أقلّ من الصّحيح لذلك، لكن إذا جاءت له طرق أخرى قوّته ودعّمته فعوّضت خفّة الضّبط فارتقت به إلى رتبة الصحيح لغيره، لكن مع ذلك لا يصل إلى درجة الصّحيح لذاته.

"ومِن ثَمَّ" أي من هذه الجهة.

"تُطلَقُ الصِّحَّةُ على الإِسنادِ الَّذي يكونُ حسناً لذاتِه لو تفرَّدَ إِذا تَعَدَّدَ". أي من هذه الجهة نُطْلِق على الحسن لذاته صحيح من أجل أنّ طُرُقَه قد تعدّدت ووُجِد له ما يشهد له وإلاّ لا، فيُقال فيه صحيح لغيره.

قال: "وهذا" أي الكلام الـمُتَقَدِّم الذي بيّنا فيه اصطلاح الصّحيح والحسن.

"حيثُ ينفردُ الوصفُ"، كلامنا الــمُتَقَدِّم كلُّه: "حيثُ ينفردُ الوصفُ"، فقط تقول حديث صحيح أو حديث حسن فقط، أمّا إذا اتّحد الوصف، إذا اجتمع الوصفان، الصّحيح والحسن، هذا ما سيأتي الآن في البحث.

كلامنا الــمُتَقَدِّم فيما إذا قلنا صحيح أو حسن فقط.

أمّا إذا جمعنا وقلنا صحيح حسن؟

قال: "فإِنْ جُمِعا"، أي قُلْتَ صحيح وحسن.

"أي الصَّحيحُ والحسنُ في وصفِ واحدٍ"، تقول في إسناد واحد أو في حديث واحد: هذا حديث حسن صحيح، الآن الكلام يختلف.

"كقولِ التِّرمذيِّ وغيرِه: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ؛ فللتَّرَدُّدِ الحاصلِ مِن المُجتهدِ في النَّاقِلِ؛ هل اجتَمَعَتْ فيهِ شُروطُ الصِّحَّةِ أَو قَصُر عَنْها"، يعني الآن يقول لك: أنتم جمّعتم لنا صحيح وحسن، وقبل قلتم لنا بأنّ الصّحيح ما تمّ ضبط صاحبه، والحسن ما خفّ ضبط صاحبه، يجتمعان؟ لا يجتمعان، هما مختلفان تماماً، إذا تمّ ضبط صاحبه سُمِّي صحيحاً، إذا خفّ ضبط صاحبه سُمِّي حسناً.

فكيف يكون صحيح وحسن؟ تمّ ضبطه وخفّ ضبطه؟ لا يجتمعان.

وهنا يقول لك نحن الآن نتكلّم في موضوع آخر، المعنى هنا يختلف عن المعنى هناك.

هنا لا نريد بالصّحيح والحسن ما تمّ ضبطه ولا ما خفّ ضبطه لكن نريد أنّ هذا المعنى أننّا مُتَرَدِّدون فيه.

هل ناقل الحديث هذا، هل هو تامّ الضّبط أو خفيف الضّبط؟

هذا الذي نريده، هذا ما نريده بقولنا "حسن صحيح" جمعنا بين الأمرين، أي أنّك تقول حسن أو صحيح.

إمّا هكذا أو هكذا، فنحن ما جمعنا بين الأمرين.

الطالب: ............

الشيخ: هذا كلام ابن كثير رحمه الله، الآن كلام الحافظ ابن حجر شيء آخر سيأتي إن شاء الله سنذكر وجهة نظر ابن كثير في النّهاية.

هنا الآن الحافظ ابن حجر هنا يقول: لا، هذا للترَدُّد، يعني عندما أقول لك أنا هذا حديث حسن صحيح أي كأنّه فيه راوٍ أنا ما عرفت هل هو صحيح تامّ الضّبط أم أنه خفيف الضّبط؟

اختلف العلماء فيه ما اِسْتَطَعْتُ أن أُرَجِّح قلت لك: هذا حديث حسن صحيح، أي أنّه حسن أو صحيح.

هذا توجيه الحافظ ابن حجر، المسألة توجيهيّة، اجتهادات، لكن حقيقة ما أراد التّرمذي عندما جمع بين الأمرين لا يستطيع أحد أن يقف عليه إلاّ أن يخرج التّرمذي ويقول: أردتّ كذا وكذا.

هذا اجتهاد ونظر من الحافظ ابن حجر.

قال: "وهذا حَيْثُ يَحْصُلُ منهُ التَّفرُّدُ بتلكَ الرِّوايةِ"، يعني هذا إذا كان الحديث فرْدًا، تفرّد به أحد الرُّواة فنحمله على هذا المعنى، أنّ هذا الرّاوي قد اُخْتُلِف فيه فبعضهم يقول: هو تامّ الضّبط، وبعضهم يقول: هو خفيف الضّبط، وأنا احترْتُ فقلت لك هذا حديث حسن صحيح، أي أنّه حسن أو صحيح.

قال: "وعُرِف بهذا جوابُ مَن اسْتَشْكَلَ الجَمْعَ بينَ الوصفينِ"، بعض العلماء اِسْتَشْكل قال كيف تجمعون بين صحيح وحسن وهما مُفْتَرِقان أصلاً، هذا تامّ الضّبط، وهذا خفيف الضّبط؛ فكيف تقول لي حسن صحيح أي تامّ الضّبط وخفيف الضّبط؟ ما يجتمعان.

بعض العلماء اسْتَشْكل هذا الاسْتِشْكال.

قال: الآن عَرَفْتَ كيف أجبنا على هذا الاسْتِشْكال، كيف أجاب الحافظ ابن حجر؟

قال هذا باعتبار التَّرَدُّد، أي كأنّك حَذَفْتَ حرف "أو"، "حسن أو صحيح" فقط.

قال:"قالَ: فالحسنُ قاصرٌ عنِ الصَّحيحِ"، هذا الــمُسْتَشْكِل الآن، كيف اسْتَشْكل؟

قال الحسن قاصر عن الصّحيح، رتبته أنزل.

"ففي الجمعِ بينَ الوَصفَيْنِ إِثباتٌ لذلك القُصورِ ونَفْيُه"، عندما تقول لي: "حسن صحيح" كأنّك تقول في الرّاوي: أنّه خفيف الضّبط وتامّ الضّبط، كيف هذا؟

لإثبات للقصور ونفيه كأنّك إثبات للقصور كأنّك قلت هو خفيف الضّبط.

ونفي القُصُور: قُلْتَ هو تامّ الضّبط.

لما قلت: "حسن" أَثْبَتَّ القُصُور.

لــمّا قُلْتَ: "صحيح" نَفَيْتَ القُصُور.

أمران لا يجتمعان.

الحافظ ابن حجر أجاب بهذه الإجابة، قال: لا، لا، هذا ليس معناه ما ذَهَبْتَ إليه، ولكن معناه: "حسنٌ أو صحيح".

"ومُحَصّلُ الجوابِ أَنَّ تردُّدَ أَئمَّةِ الحديثِ في حالِ ناقلِه اقْتَضى للمُجتهدِ أَنْ لا يصِفَهُ بأَحدِ الوَصفَينِ".

"تردُّدَ أَئمَّةِ الحديثِ في حالِ ناقلِه"، كأنّه يشير إلى اِخْتِلاف أئمّة الحديث في حاله فوصف هذا الاختلاف بالتَّرَدُّد، أنّ بعضهم يقول: هو تامّ الضّبط، وبعضهم يقول: لا، هو صدوق، وليس بثقة.

فصار فيه ماذا؟ تَرَدُّد واضطراب في الموضوع.

فقال لمّا اختلفوا هم واضطربوا، أنا جئت أحكم عليه فوجدت اختلاف العلماء في الموضوع فماذا أفعل؟ ما ترجّح عندي شيء! فقلت في الحديث حسن صحيح، أي إنّه حسن أو صحيح، فإذا كان الصّواب فيه أنّه خفيف الضّبط فهو حسن، وإذا كان الصّواب فيه أنّه تامّ الضّبط فهو صحيح.

قال:"ومُحَصّلُ الجوابِ أَنَّ تردُّدَ أَئمَّةِ الحديثِ في حالِ ناقلِه اقْتَضى للمُجتهدِ أَنْ لا يصِفَهُ بأَحدِ الوَصفَينِ، فيُقالُ فيهِ: حسنٌ؛ باعتبارِ وَصْفِه عندَ قومٍ، صحيحٌ باعتبارِ وصفِهِ عندَ قومٍ"، على قول من وثّقه وقال هو تامّ الضّبط هو صحيح، وعلى قول من قال: هو خفيف الضّبط، وقال فيه: صدوق، فهو حسن، فهو إمّا هكذا أو هكذا.

"وغايةُ ما فيهِ أَنَّه حَذَفَ منهُ حرفَ التردُّدِ"، يعني كلّ ما في الموضوع أنّه أزال كلمة "أو" فقط في الموضوع، ضع كلمة "أو" يخلص عندك الإشكال، "لأنَّ حقَّهُ أَنْ يقولَ: حَسَنٌ أَو صحيحُ" فقط.

"وهذا" أي الحذف.

"كما حُذِفَ حَرْفَ العَطفِ مِن الَّذي يُعَّدُ"، أي كما حُذِف من الخبر المتعدّي، كقولهم زيدٌ عالمٌ جاهلٌ، أي زيد عالمٌ أو جاهلٌ، يعني هذا من ناحية اللُّغة هكذا يفعلون، هذا صورته كصورة التي يفعلها أهل اللُّغة.

"وعلى هذا؛ فما قيلَ فيهِ حَسَنٌ صحيحٌ؛ دونَ ما قيلَ فيهِ: صَحيحٌ"، مضبوط الكلام؟ نعم، صحيح.

لأنّ فيه راوٍ اُخْتُلِف فيه هل هو صدوق أو ثقة، أمّا الصّحيح لا، ما فيه راوٍ اختلف فيه، كلّهم ثقات، فالصّحيح أعلى من الذي قيل فيه حسن صحيح، معي؟

قال: "لأنَّ الجزمَ أَقوى مِن التَّردُّدِ"، لــمّا تجزم في راوٍ، تقول هو ثقة فيكون حاله أقوى من حال راوٍ آخر يُقال فيه: هو ثقة وإلاّ صدوق؟! ممكن هكذا أو هكذا، أيّهما أقوى؟

ما جُزِم بأنّه ثقة أقوى بلا شكّ.

"وهذا من حيثُ التفرُّدُ"، كلامنا كلّه في حديث تفرّد به أحد الرّواة وقيل فيه حسن صحيح.

"وإِلاَّ"، أي إذا لم يحصل التّفرّد.

"فـإِطلاقُ الوَصفَيْنِ معاً على الحديثِ يكونُ باعْتِبارِ إِسنَادَيْنِ"، يعني إذا وجدنا للحديث أكثر من إسناد، ما وجدنا راوياً واحدا قد تفرّد به، لا، وجدنا له أكثر من إسناد، هنا يكون معنى الكلام معنى آخر غير هذا، ما هو ؟

قال: "يكونُ الوصف باعْتِبارِ إِسنَادَيْنِ"، فباعتبار إسناد هو صحيح، وبالنّظر إلى الإسناد الآخر هو حسن.

فنَظَر الحاكم على الحديث إلى حال الأسانيد المختلفة فوصف بعضها بالصحّة ووصف البعض الآخر بالحُسن فقال: "حسن صحيح"، واضح.

كيف يجمع؟

الآن على كلام الحافظ الآن الذي يذكره هو قال لك حسن صحيح كي يشير إليك بأنّه له أكثر من إسناد بعضها حسن وبعضها صحيح، أي نعم.

"باعْتِبارِ إِسنَادَيْنِ، أحدُهُما صحيحٌ، والآخرُ حسنٌ. وعلى هذا؛ فما قيلَ فيهِ: حسنٌ صحيحٌ"، أنتم الآن كملوا، أقوى ولا أضعف ممّا قيل فيه صحيح؟

ما قيل فيه حسن صحيح باعتبار إسنادين أقوى ممّا قيل فيه صحيح ولاّ أضعف؟

أقوى الله يصلح حالكم، نعم، هو أقوى لأنّ الذي قيل فيه صحيح يكون له إسناد واحد فقط.

أمّا هذا فله أكثر من إسناد فهو مدعوم أكثر فإذن يكون هو أعلى من الصّحيح.

يعني الآن يأتيك الحديث من طريق واحد أقوى وإلاّ من طريقين؟ من طريقين.

يروي لك الخبر زيد فقط، ولاّ زيد وعمر؟ زيد وعمر.

أي إذن هنا الآن عندما حكمنا على حديث بأنّ له إسنادين أو أكثر يكون أقوى ممّا له إسناد واحد ولاّ أضعف؟ يكون أقوى.

الطالب: شيخنا إذا كان نفس الحديث.

لا ليس نفس الحديث.

قال: "وعلى هذا؛ فما قيلَ فيهِ: حسنٌ صحيحٌ؛ فوقَ ما قيلَ فيهِ: صحيحٌ فقطْإذا كانَ فَرْداً"، يعني ما قيل فيه صحيح إذا كان فرداً يكون ذاك أقوى منه.

"لأنَّ كثرةَ الطُّرقِ تُقَوِّي، فإِذا قيلَ: قدْ صَرَّحَ التِّرمِذيُّ بأَنَّ شَرْطَ الحَسَنِ أَنْ يُرْوى مِن غيرِ وجْهٍ، فكيفَ يقولُ في بعضِ الأحاديثِ: حسنٌ غَريبٌ لا نعرِفُه إِلاَّ مِن هذا الوجهِ؟!".
الآن اسْتِشْكال جديد، انتهينا من الأوّل، مفهوم المراد الآن وإلاّ فيه اشكال.


قام بتفريغه الأخ الفاضل: أبو عمر عبد العزيز السلفي وفقه الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 08:34.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي