Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 23-02-2013, 08:04   #11
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ المجلس الحادي عشر من مجالس شرح كتاب لب الأصول.

تفريغ المجلس الحادي عشر من مجالس شرح كتاب لب الأصول

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فكنّا في الدرس الماضي قد قفزنا عن بعض الفقرات نرجع إليها قبل أن نتمم مادة المقدمات في هذا اليوم إن شاء الله.
قال المؤلف رحمه الله: "مسألة: الأصحّ أنّ الحسن ما يُمدح عليه والقبيح ما يُذم عليه وما لا ولا واسطة".
هذا تقسيم للفعل إلى حسن وقبيح، فكأنّه يقول بأنّ من الأفعال ما هو حسن ومنها ما هو قبيح، فقال: الفعل الحسن هو الذي يُمدح عليه فاعله، والفعل القبيح هو الذي يُذم عليه فاعله، وأُدخل في الحسن الواجب والمندوب وفعل الله تبارك وتعالى، وأُدخل في القبيح الحرام، وقال بعد ذلك: "ومالا ولا"، أي: وما لا يُمدح عليه ولا يُذم عليه: واسطة، أي بين الحسن والقبيح، ويدخل في ذلك المكروه الشامل لخلاف الأولى، وأَدخل فيه بعضهم أيضاً المباح وأدخل فيه أيضاً فعلَ غير المكلَّف، وقد تقدم الحديث عن مسألة التحسين والتقبيح.
ثم قال: "وأنّ جائزَ الترك ليس بواجبٍ والخلف لفظي"، أي: والأصح أنَّ جائز الترك ليس بواجب، لا شك أنّ الشيء إذا قلنا فيه بأنّه جائزٌ تركه فهو ليس بواجبٍ، فجواز الترك فيه تخيير بين الفعل والترك، وهذا يتنافى مع الوجوب، فلا يكون هذا واجباً، ومسألة: جائز الترك ليس بواجب، وجه ذلك أنَّ الواجب مركبٌ من أمرين:
·الأول: طلب الفعل.
·والثاني: المنع من الترك.
هذه حقيقة الواجب، أنّه مركبٌ من أمرين: طلب الفعل والمنع من الترك، فلو كان جائزُ الترك واجباً لاستحال كونه جائزاً، والمقصود أنَّ جائز الترك مطلقاً ليس بواجبٍ، إذا جوَّزنا ترك شيء مطلقاً (في أيِّ وقت من الأوقات) فهذا لا يكون واجباً، وقلنا هنا مطلقاً: كي نُخرج الواجب الموسع، (الواجب الموسع يجوز تركه ولكن في وقت دون وقت وليس مطلقاً).
قالوا: يدخل في هذا مسائل منها: أنَّ الحائض والمريض والمسافر لا يجب علهم صوم شهر رمضان، لماذا؟ لأنّهم يجوز لهم تركه، فبما أنّهم يجوز لهم أن يتركوه فلا يكون صيامه عليهم واجباً لأنّه قلنا بأنّ جائز الترك ليس بواجبٍ.
قال النووي: "أجمع المسلمون على أنّه لا يجب عليهم الصوم في الحال"، يعني المسافر لا يجب عليه أن يصوم وهو مسافر، وكذلك الحائض وكذلك المريض، لا يجب على الحائض أن تصوم وهي حائض، ولا يجب على المريض أن يصوم وهو مريض، واختلفوا هل الحائض مخاطبة بالصوم في زمن الحيض أم لا؟ يعني هل هي مأمورة بالصوم في زمن الحيض أم ليست بمأمورة؟ والخلاف لفظي، لأنّهم متفقون أنّه ليس عليها صيام، ويجب عليها أن تقضي الصوم، يعني النتيجة متفقون عليها، والخلاف فقط هل هي مكلفة في ذلك أم ليست مكلفة في حال الحيض؟ إذن الخلاف لا فائدة من وراءه يكون خلافاً لفظياَ فقط.
قال المؤلف: "وأنّ المندوب مأمورٌ به"، الأصحّ أنّ المندوب مأمورٌ به حقيقةٍ، فالخلاف في هذه المسألة في كون المندوب هل هو داخل في المأمور به حقيقةً أم مجازاً فقط، هنا الخلاف، في كون هذا الشيء المندوب إذا أمر به أمراً، هل يُقال بأنّ الشيء المندوب هذا مأمور به حقيقة أم يُأمر به فقط من باب المجاز؟ هنا الخلاف، هنا يقول: وأنّ المندوب مأمور به، أي: حقيقةً وليس مجازاً، هل المندوب مأمورٌ به، بمعنى أنّه يدخل في الأمر حقيقةً أم لا؟ خلاف حاصل بين العلماء سببه أنّ هذه الصيغة التي هي صيغة الأمر، هل هي حقيقة في الإيجاب أم أنّها في القدر المشترك بين الإيجاب والندب؟ أي أنّها في طلب الفعل، أي: صيغة الأمر هذه هل هي موضوعة عند العرب أصلاً لطلب الفعل سواءً كان إيجاباً أو ندباً أم أنّها موضوعة فقط للإيجاب، هنا محل الخلاف والنزاع في الأمر، فمن قال بأنّها موضوعة أصلاً عند العرب للإيجاب، قال هنا: المندوب يكون يأتي بصيغة الأمر مجازاً لا حقيقة، ومن قال بأنّها موضوعة عند العرب أصلاً للطلب سواء كان إيجاباً أو ندباً، قال بأنّ الندب هنا: تذكر صيغة الأمر ويراد بالأمر الندب حقيقةً لا مجازاً، لأنّه موضوع عند العرب لهذا ولهذا، وأمّا كونه مأمور به بمعنى أنّه متعلق الأمر، أي: صيغة افعل فلا نزاع فيه سواءٌ قالوا إنّها مجاز في الندب أم حقيقة فيه كالإيجاب، يعني لا نزاع بينهم في أنّ المندوب مُتعَلِقُ الأمر، يعني يأتي للأمر ويُراد به الندب ويأتي الأمر ويُراد منه الوجوب، هذا لا إشكال فيه، لكنّ الإشكال والنزاع في قضية الحقيقة والمجاز فقط.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وأنّه ليس مكلفاً به كالمكروه بناءً على أنّ التكليف إلزام ما فيه كُلفَة لا طَلَبُهُ".
أي: والأصحّ أنّ المندوب غير مكلفٍ به، فلا يدخل في التكليف كما لا يدخل فيه المكروه أيضاً، وهذا بناء على أنّ التكليف هو إلزام ما فيه كلفة، وإذا قلنا التكليف إلزام ما فيه كلفة، فهنا المندوب لا يدخل فيه، لماذا؟ لأنّ المندوب ليس فيه إلزام، المندوب ليس فيه إلزام، فإذا قلنا التكليف هو إلزام ما فيه كلفة فلا يدخل فيه المندوب، كذلك المكروه ليس فيه إلزام فلا يدخل في التكليف، ولكن على القول الذي يقول إنّ التكليف هو طلب ما فيه كلفة، لا إلزام، هنا يدخل المندوب والمكروه أيضاً، يدخل المكروه والمندوب في التكليف لماذا؟ لأنّه قلنا التكليف هو طلبٌ وليس إلزامٌ، فرق بين الأمرين، فإذا قلنا التكليف هو طلب ما فيه كلفة، فيدخل فيه المندوب والمكروه، وإذا قلنا هو إلزام ما فيه كلفة، فلا يدخل فيه المندوب والمكروه.
قال المؤلف: "وأنّ المباح ليس بجنس للواجب"، المباح ليس بجنس للواجب، قال بل هما نوعان لجنس واحدٍ وهو فعل المكلف الذي تعلق به حكم شرعي، والبعض قال: المباح جنسٌ للواجب، فالواجب نوعٌ من أنواع المباح، فيكون المباح هنا أعمّ، إذا كان المباح جنس للواجب فالواجب نوع من أنواع المباح، فيكون المباح أعمّ من الواجب، إذا قلنا إنّ المباح هو المأذون فيه يكون جنساً للواجب، لماذا؟ لأنّ الواجب مأذون بفعله واختُص بفصل المنع من الترك، فالواجب اشترك مع المباح في كونه ماذا؟ مأذون في فعله وزاد عليه أنّه ماذا؟ أنّه ممنوع من تركه، فهنا إذاً صار داخلاً تحت المباح، وإذا قلنا المباح هو المخير فيه، فليس جنساً للواجب لأنه لا تخيير في الواجب.
قال المؤلف: "وأنّه في ذاته غير مأمور به"، فليس بواجب ولا مندوب، المباح في ذاته أي بالنظر إلى المسألة فقط لا بما يتعلق بها، نفس المسألة إذا نظرنا إليها وكانت مباحة فهذه غير مأمور به، فلا هو واجب ولا هو مندوب، فالأصحّ أنّ المباح غير مأمور به في الشرع من حيث هو، أي من غير نظر إلى شيء آخر، فأراد هنا بقول في ذاته أي من غير نظر إلى شيء آخر، بالنظر إليه هو.
قال المؤلف: "وأنّ الإباحة حكم شرعي"، أي والأصحّ أنّ الإباحة حكم شرعي، قال: لأنّها تخيير بين الفعل والترك المتوقف وجوده كبقية الأحكام على الشرع، يعني أنّ التخيير بين الفعل والترك من أين عُلم؟ عُلم من الشرع، فهو حكم شرعي، وقال بعضهم: الإباحة ليست حكماً شرعياً، قالوا: لانتفاء الحرج عن الفعل والترك، وهو ثابت قبل ورود الشرع مستمر بعده فقالوا: الإباحة هي انتفاء الحرج عن الفعل والترك، وهذا ثابت من قبل أن يوجد الشرع فلذلك قالوا: هو ليس بحكم شرعي.
قال المؤلف: "والخلف لفظي"، أي والخلاف في المسائل الثلاث، مسائل المباح التي ذكرت:
·المباح ليس بجنس للواجب.
·وأنّه في ذاته غير مأمور به.
·وأنّه حكم شرعي.
خلاف لفظي، كلّ الخلاف الذي حصل بين العلماء في هذه المسائل خلاف لفظي يرجع إلى اللفظ من غير المعنى.
نرجع الآن إلى درس اليوم، هذا كلّه كان قد فات من الدرس الماضي، نرجع الآن إلى درس اليوم.
قال المؤلف رحمه الله: "مسألة: المقدور الذي لا يتم الواجب المطلق إلّا به واجب في الأصح"،هذه المسألة يُعبّر عنها الأصوليون بقولهم: "ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب"، والمقصود أنّ ما لا يمكن الإتيان بالواجب إلّا بفعله ففعله واجب، هذا معنى القاعدة، مثاله: السفر للحجّ، الحجّ واجب لكن لا يمكنك أن تحجّ إلّا بالسفر فما حكم السفر؟ يصبح السفر واجباً، مالا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، وكذلك الصلاة لا يمكن لأحدٍ أن يُصلي إلّا أن يأتي بالوضوء، فما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، لا يتم فعل فرض الصلاة إلّا بالوضوء، فالوضوء واجب، هذا معنى القاعدة، لكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، فما لا يتم الواجب إلّا به ثلاثة أقسام:
·القسم الأول: ما ليس تحت قدرة العبد، كزوال الشمس لوجوب الظهر، هذا ليس بواجب على العبد إجماعاً، زوال الشمس هل يجب علينا أن نعمل على زوال الشمس كي نأتي بالظهر، كي يجب الظهر، ثم نأتي به، لا يجب علينا، فهذا ليس بواجب بالاتفاق.
·القسم الثاني: ما تحت قدرة العبد، يعني العبد يقدر على فعله، القسم الأول العبد غير قادر على فعله، أمّا الثاني هذا: العبد يقدر على فعله، هو تحت قدرة العبد عادةً إلّا أنّه لا يُأمر بتحصيله، مثال ذلك: النّصاب لوجوب الزكاة، لا يجب على أحد أن يجمع قدر النصاب كي تجب عليه الزكاة، وكذلك الاستطاعة لوجوب الحج لا يجب على الشخص أن يأخذ بوسائل الاستطاعة حتى يجب عليه الحجّ.
·القسم الثالث: ما هو تحت قدرة العبد وهو مأمور به كالطهارة للصلاة، وهذا القسم الثالث هو المقصود بالقاعدة المذكورة.
لذلك قال المؤلف: "المقدور"، أنظر كيف بدأ بالمقدور، أخرج ماذا؟ أخرج ما ليس تحت قدرة العبد.
"المقدور الذي لا يتم الواجب المطلق": أخرج ماذا؟ أخرج الواجب المعلق، المعلق على شرط الذي هو داخل تحت قدرة العبد ولكنّه ليس مطلوباً من العبد، وهو الواجب المعلق على شرطٍ كالزكاة، الزكاة واجبة لكنّها معلقة على وجود شرطِ وجوب النصاب، هذا معلق على شرط، فأنت غير مطلوبٍ منك أن تأتي بهذا الشرط وتحققه كي تجب عليك الزكاة، وكذلك الاستطاعة في الحجّ، الحجّ لا يجب إلّا عند توفر الاستطاعة فهو واجب معلق على شرط، فلمّا قال هنا: "المقدور الذي لا يتم الواجب المطلق" أخرج الواجب المعلق على شرط، هذا حقيقة قبل أن يوجد الشرط لم يكن واجباً عليك أصلاً، فليس هو داخل في قاعدتنا، فقال: المقدور الذي لا يتم الواجب المطلق، أخرج الواجب المعلق.
"إلّا به واجبٌ في الأصحّ"، في المسألة خلاف ونزاع والصحيح أنّه واجب.
قال المؤلف: "مسألة: لا تكليف إلّا بفعلٍ، فالمكلّف به في النهي الكفّ أي الانتهاء في الأصحّ".
أي لا يطلب الشارع إلّا إيجاد فعلٍ، التكليف معلق بالأفعال، فالإنسان يُطلب منه أن يفعل أو أن يكفّ عن الفعل، هذا معنى قول المؤلف: "لا تكليف إلّا بفعل"، فأوامر الله ونواهيه كلّها معلقة بالأفعال، والأفعال الاختيارية التي يتعلق بها التكليف أربعة أقسام:
·الأول: الفعل الصريح، كالصلاة: فعل صريح.
·الثاني: فعل اللسان، وهو القول، والدليل على أنّه فعل، قول الله تبارك وتعالى: ، فسمّى القول فعلاً.
·الثالث: الترك، الترك أيضاً فعل، وهو كفّ النفس وصرفها عن المنهي عنه، خلافاً لمن زعم أنّ الترك أمر عدمي، بعضهم يزعم أنّ الترك ليس فعلاً، ويقول: لكن أمر عدمي لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء، وهذا القول خطأ، والدليل على أنّ الترك فعلٌ: الكتاب والسنة واللغة.
أمّا الكتاب: فقال تعالى: ﭿ، ﭿ: فكانوا يتركون النهي عن المنكر، فسمى ترك النهي عن المنكر فعلاً، فقال: ، وهذا واضح، إذن سمّى الله سبحانه وتعالى الترك فعلاً، فالترك فعل وليس عدماً.
وأمّا السنّة: فقال صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده"، يعني ترك أذيتهم باليد وباللسان، فسمّى الترك هذا إسلاماً، والإسلام أفعال.
وأمّا اللغة: فقال الصحابة:
لئن قعدنا والنبي يعمل *** لذاك منا العمل المضلل
لئن قعدنا والنبي يعمل: فسمّوا القعود (ترك العمل) سمّوه عملاً.
هذه الأدلة تدل على أنّ الترك فعل، وهذا هو الصحيح، فالتكليف يكون إمّا بأمرٍ أو بنهيٍ، الأمر: إيجاد فعل، والنهي: الكفّ وهو أيضاً فعل، فالتكليف يكون بفعل كما قال المؤلف رحمه الله، وهذه المسألة وهي: هل الترك فعل أم لا؟ مسألة مهمة ينبني عليها مسائل كثيرة منها: من منع مضطراً فضل طعام أو شراب حتى مات، شخص مضطر يريد أكلاً أو يريد شراباً، منعه من الطعام ومنعه من الشراب حتى مات، ما أعطاه طعام ولا أعطاه شراب إلى أن مات، فعلى أنّ الترك فعل فإنّه يضمن ديته، فقد قتله، وعلى أنّه ليس بفعلٍ فلا ضمان عليه، هو ما فعل شيء، ومن منع خيطاً لمن به جائفة، ماهي الجائفة؟ الطعنة التي تصل إلى الجوف، شخص به جائفة، طُعن طعناً بسكين وصلت إلى جوفه، ومعك خيط بإمكانه أن يصلح هذا الضرب وبإمكانه أن يخيط مكان الجرح حتى لا يبقى ينزف، فأنت منعت هذا الخيط عنه ولم تعطه إياه، من منع خيطاً لمن به جائفة حتى مات، هل هنا يضمن أو لا يضمن؟ إذا قلنا بأن الترك فعل يضمن، وإذا قلنا بأن الترك ليس بفعلٍ فلا يضمن، وهكذا، جميع المسائل على هذا النوع، والصحيح أنّ الترك فعلٌ للأدلة التي ذكرناها.
·الرابع: العزم المصمم على الفعل، العزم المُصمِم صاحبه على الفعل، أن يعزم في قلبه ويُصمِم على أن يفعل، هذا أيضاً فعل يحاسب عليه المرء، دليل ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار"، قال صلى الله عليه وسلم هنا في المقتول لمّا قالوا له: "ذاك القاتل قد علمناه فما بال المقتول؟"، قال: "إنّه كان حريصاً على قتل صاحبه"، فعزم المقتول مع التصميم على قتل صاحبه أدخله النّار، فهذا يُعتبر فعلاً يتعلق به التكليف.
ثم قال المؤلف: "والأصح أنّ التكليف يتعلق بالفعل قبل المباشرة بعد دخول وقته إلزاماً وقبله إعلاماً وأنّه يستمر حال المباشرة"، هذه المسألة ليست مهمة ولا فائدة منها في الفقه، قال ابن العراقي: "هذه المسألة في وقتِ توجه الأمر للمكلّف"، يعني: متى يوجه الأمر للمكلّف؟ "هذه المسألة في وقت توجه الأمر للمكلَّف"، الكلام الآن لابن العراقي: "وهي كما قال القرافي أغمض مسألة في أصول الفقه مع قلة جدواها، إذ لا يظهر لها ثمرة في الفروع"، فماذا إذن وجع رأس على الفاضي، والمقصود منها أنّ طلب الفعل يحصل قبل أن يُباشر المكلف الفعل، فيجب على المكلف قبل دخول الوقت اعتقاد وجود إيجاد الفعل، كأنّه قيل له افعل إذا دخل الوقت، فإنّ هذا الفعل واجب إذا دخل الوقت وإذا دخل الوقت وجب عليه الامتثال ويبقى الالزام إلى أن ينتهي من الفعل.
قال المؤلف: "مسألة: الأصحّ أنّ التكليف يصح مع علم الآمر فقط انتفاء شرط وقوعه عند وقته، كأمر رجلٍ بصوم يومٍ عُلِمَ موته قبله".
يصح التكليف، أي يصح أمر العبد بأن يفعل فعلاً، لهذا الفعل شرط لا يمكن فعله إلّا بوجود الشرط، والآمر يعلم أنّ الشرط لا يوجد وقت وجوب الفعل، هذا قالوا: التكليف صحيح.
مثال ذلك: أن يأمر الله عبداً بصوم يومٍ ويعلم الله أنّ العبد سيموت قبل ذلك اليوم، ومن شرط الصوم قدرة العبد على أن يصوم، شرط ذلك الحياة، أن يكون حياً، فيعلم الله أنّ هذه الحياة لن تكون موجودة في وقت الصيام، فهذا الشرط غير متحقق في عِلمِ الآمر، هذه هي صورة المسألة، فجمهور العلماء قالوا: التكليف هنا صحيح، المعتزلة قالوا: لا يصحّ هذا التكليف لأنّه تكليف بأمرٍ محال، وهؤلاء عندهم لا تكليف إلّا للامتثال، التكاليف الشرعية لا تكون إلّا للامتثال للأمر، وهذا الشخص عَلِم الآمر أنّه لن يتمكن من الامتثال، إذن لا يصحّ التكليف، هكذا عندهم هم، والجمهور عندهم التكليف يكون للامتثال ويكون أيضاً للابتلاء والاختبار، أيقبل هذا العبد ويُسلم بأمر الله تبارك وتعالى فيعزم في نفسه على الطاعة بتقدير القدرة على الفعل، فإذا فعل ذلك فهو مطيع وقد نجح في الاختبار وإذا لم يعزم في نفسه على الطاعة فقد فشل في الاختبار، هذا فائدة التكليف في مثل هذه الصورة، هذا عند جمهور العلماء ويخالفهم في ذلك المعتزلة.
قال المؤلف: "وأنّه يعلمه المأمور إثر الأمر"، أي: والأصحّ أنّ التكليف يعلمه المأمور عقب الأمر، أي: بعده، أي: بعد الأمر المسموع له، الدال على التكليف من غير توقف على زمن يمكن فيه الامتثال، يترجم الأصوليون لهذه المسألة بأنّه: هل يعلم المأمور كونه مأموراً قبل التمكن من الامتثال أو لا؟ حتى يمضي عليه زمن الإمكان، وما قاله المؤلف واضح، المأمور يعلم بمجرد وصول الأمر حتى قبل زمن التمكن من الامتثال.
قال المؤلف رحمه الله: "خاتمة:"هذه الخاتمة يُنهي بها المقدمات.
"خاتمة: الحكم قد يتعلق على الترتيب أو البدل فيَحرُم الجمع أو يُباح أو يُسن"، الحكم قد يتعلق بأمرين فيكون لهما في حال الترتيب أو البدل حكم، إمّا التحريم أو الإباحة أو الاستحباب، هذا الحكم يكون لهم عند الجمع بينهما، إمّا الجمع بينهما يكون للتحريم أو الإباحة أو الاستحباب، فالحكم قد يتعلق على الترتيب، كأكل المذكى والميتة قد يتعلق الحكم بأمرين، كأكل المذكى والميتة، فإنّ كلّا منهما يجوز أكله، المذكى يجوز أكلها والميتة يجوز أكلها، لكن جواز أكل الميتة عند العجز عن غيره، فيَحرُم الجمع بينهما لحرمة الميتة، لا يجوز أن تجمع بين المذكى والميتة، لأنّ الميتة أصلاً محرمة، ما أُبيحت إلّا للضرورة، فيَحرُم الجمع بينهما لحرمة الميتة، حيث قَدِر على غيرها الذي من جملته المذكى، فعندنا ترتيب في الحكم: المذكى أولاً، فإن لم يقدر على المذكى فالميتة بعده، ولا يجوز أكل الميتة مع وجود المذكى، إذن فالجمع بينهما محرمٌ، وقوله: "أو البدل": كتزويج المرأة من كفأين فإن كلّا منهما يجوز التزويج منه بدلاً عن الآخر، أي: إن لم تُزوّج من الآخر جاز تزويجها من الأول، ويَحرُم الجمع بينهما بأن تُزوج منهما، فالجمع بينهما محرم، لكن على سبيل البدل يجوز لها أن تتزوج هذا أو هذا، فعند الجمع إمّا يَحرُم الجمع كما مثلنا أو يباح، مثلوا له بالوضوء والتيمم: فهل يجمع الشخص بين الوضوء والتيمم وهذا خطأ، فالجمع بينهما ليس مباحاً، فلا يصحّ التيمم ولا وجه له مع صحة الوضوء والقدرة عليه، وقوله: "أو يسن": يعني يُستحب الجمع بين الأمرين، ومثّلوا له بخصال كفارة الوقاع، يعني: الجماع، وهذا أيضاً لا يُسلّم لهم أنّه يستحب الجمع بين الأمرين، فكفارة الجماع فيها ترتيب: يعتق رقبة فإن لم يعتق رقبة فيفعل الأمر الآخر، أمّا أن يجمع بين أمرين أو أكثر فهذا لا دليل عليه، فالواجب المرتب: قسمٌ يَحرُم الجمع بين أفراده، وقسم يُباح، وقسم يُستحب، على ما ذكروا، والله أعلم.
وهذا آخر مبحث المقدمات من كتاب لب الأصول وبذلك ننتهي من المقدمات، ويبدأ المؤلف بأول الأدلة الشرعية وهو القرآن ويذكر مباحثه.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-05-2013, 10:17   #12
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ الدرس الثاني عشر من شرح كتاب لبّ الأصول:

تفريغ الدرس الثاني عشر من شرح كتاب لبّ الأصول:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أمّا بعد:
كان قد سقط منا في الدروس الماضية في المقدمات، سقطت ملزمة من الكتاب الذي بين أيدينا، الطبعة التي عندنا الذي عنده طبعة الغلاف، سقطت منها ملزمة كاملة موجودة في طبعة المجلد في الكتاب، هذه الملزمة فيها مسألة كاملة سقطت من الكتاب نرجع إليها ونشرحها ثم نبدأ بموضوعنا اليوم وهو القرآن.
قال المؤلف رحمه الله: "مسألة: مطلق الأمر لا يتناول المكروه في الأصح".
مسألة مطلق الأمر والأمر المطلق ومطلق البيع والبيع المطلق ومطلق الإيمان والإيمان المطلق، ما هو الفرق بين هذه الأمور؟ طبعاً انفصل فيها القول في الفرق بين اللفظتين فرق اصطلاحي، القرافي في كتابه الفروق: والفرق بينهما أنك عندما تقول مطلق الأمر تريد بذلك أيّ أمر يكون في هذه اللحظة، الأمر والأمرين والثلاث كلّه يدخل في هذه اللفظة، فأنت تتكلم عن جنس الأمر، عن أصل الأمر، لمّا أقول: مطلق الأمر أو مطلق البيع، تتكلم عن مصدره فيدخل في كلامك البيعة والبيعتين والثلاث وأكثر من ذلك، وعندما تقول مطلق الإيمان: أي أصل الإيمان وأمّا إذا قلت الأمر المطلق فتعني به الأمر الكامل فيدخل في ذلك العموم والشمول، يدخل في ذلك عموم وشمول الأمر، فجميع الأوامر تدخل في هذا، عندما تقول البيع المطلق يعني جميع البيوع تدخل في هذا اللفظ، لأنها تدل على العموم والشمول، عندما تقول الإيمان المطلق يعني الإيمان الكامل، فعندما تقول مثلاً من عقيدة أهل السنة والجماعة أنّهم ينفون عن الفاسق الإيمان المطلق وإلّا مطلق الإيمان؟ الإيمان المطلق، لكن لا ينفون عنه مطلق الإيمان، فيثبتون له مطلق الإيمان، أصل الإيمان موجود عنده لكنّه ليس عنده كمال الإيمان، هذا الفرق الاصطلاحي، ولكن هنا المؤلف رحمه الله كأنه استعمل المعنى اللغوي، فقوله هنا: مطلق الأمر يعني الأمر الذي لم يُقيّد بقيدٍ، لا بشرط ولا صفة ولا غير ذلك، مثلاً: كالأمر بالصلاة هذا مطلق الأمر، الأمر بالصلاة، مطلق الأمر أي الأمر بالصلاة من غير قيد لا بشرط ولا بصفة ولا غير ذلك، فقول المصنف هنا مطلق الأمر لا يتناول المكروه يعني: الأمر بالصلاة مثلاً، لا يتناول الصلاة المشتملة على سبّ، رفع البصر إلى السماء والالتفات وغير ذلك مما نُهي عنه في الصلاة، يعني عندما أمرك الله بالصلاة هل أمرك بصلاة فيها هذه الأمور المذكورة، الصلاة التي فيها هذه الأمور المذكورة لا تدخل في مطلق الصلاة، تمام، فهنا يقول: مطلق الأمر لا يتناول المكروه، لماذا؟ لأنّه مطلوب الترك، المكروه مطلوب الترك، والأمر المطلوب مطلوب الفعل، فيتناقضان، لا يجتمعان مع بعضهما، يريد منك الله سبحانه وتعالى أن تصلي صلاة ولا يريد منك أن تصلي صلاة فيها التفات أو فيها رفع البصر إلى السماء، فهما متناقضان، لذلك قال هنا: مطلق الأمر لا يتناول المكروه فإذا أمر بأمرٍ لا يدخل المكروه فيه، لذلك قال: فلا تصح الصلاة في الأوقات المكروهة، أي هذه المسألة التي تقدمت هي أصلٌ، من فروعها الصلاة في الأوقات المكروهة، أمرنا الله تبارك وتعالى بالصلاة ولكنه لم يأمرنا بصلاة في وقت الكراهة، بل نهانا عن الصلاة في ذاك الوقت، فالصلاة في وقت الكراهة لا تدخل في الأمر بالصلاة، هذا معنى كلامه، قال: فلا تصح الصلاة في الأوقات المكروهة، لماذا لا تصح؟ لأنّها لا تدخل في الأمر أصلاً، فهي منفية، غير صحيحة.
قال: "ولو كراهة تنزيه في الأصح"، أي ولو كانت الكراهة المقصودة كراهة تنزيه، يعني سواءً كانت الكراهة كراهة تحريم أو كراهة تنزيه لا يمكن أن تجتمع مع الأمر.
ثم قال رحمه الله: "فإن كان له جهتان لا لزوم بينهما تناوله قطعاً في نهي التنزيه، وعلى الأصحّ في التحريم، فالأصحّ صحة الصلاة في مغصوب وأنّه لا يثاب".
يعني: إذا كان الأمر له جهتان لا جهة واحدة، يعني المؤلف فيما تقدم كان يتكلم عن الأمر الذي له جهة واحدة، هنا الآن يتحدث عن الأمر الذي له جهتان، وهذا فيه تفصيل، نبدأ المسألة من أولها وهي مسألة اجتماع الأمر والنهي في أمرٍ واحد، فهل يجوز أن يكون الشيء الواحد مأموراً به ومنهياً عنه؟ يُقال: الشي الواحد في الجملة هذه التي ذكرناها، هل يجوز أن يكون الشيء الواحد مأموراً به ومنهياً عنه؟ نقول: الشيء الواحد هذا الذي ذُكر عندنا هنا لا يخلو أن يكون واحداً من: جنسه أو بالنوع أو بالعين، هذه الثلاث تقدم معنا شرحها.
مثال الواحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير لأنّهما يشملهما جنس واحد وهو الحيوان، فمثل هذه وحدة الجنس يجوز أن يكون شيئاً واحداً مأموراً به ومنهياً عنه، الواحد بالجنس: يعني يجوز أن يكون حيوان من الحيوانات أُمرنا بأكله ونهينا عن أكله، لكن ما لمقصود بواحد الحيوانات؟ الجنس: يختلف في نوعه، فلا إشكال عندنا هنا في حرمة الخنزير وإباحة البعير.
ومثال الوحدة بالنوع: السجود: السجود نوع واحد، الوحدة بالنوع أي أنّ هذا السجود الآن هو نوع واحد ولكن يمكنه أن يتجزأ، لأن الوحدة فيه بالنوع، فالنوع واحد وهو السجود لكنّه هذا النوع يختلف، السجود لله والسجود للصنم؟ اختلف، فمثل هذه الوحدة بالنوع يجوز أن يكون مأموراً به ومنهياً عنه لأنّه يختلف في العين فسجودُ زيدٍ لله يختلف عن سجودِ زيد للصنم مثلاً، فهذا النوع نفسه هو ممكن أن يأتي منه عدة أفراد، فإذاً السجود للصنم يختلف عن السجود لله، إذاً هو نفس النوع؟ يتفرق، إذاً هذا يجوز أن يكون فيه مأمور به ومنهي عنه.
أمّا الوحدة بالعين: أو تسمى الوحدة بالشخص، هذه محل البحث، وعليه كلام المؤلف في أول المسألة، والمراد هنا أن يكون العمل الواحد كالصلاة لله من شخص معين، هذا عمل معين، هو واحد بالعين، الصلاة لله من شخص معين، هل هذه الآن صلاة زيد لله، هل يمكن أن تكون مأموراً بها ومنهياً عنها؟ هنا محل الإشكال في المسألة ومحل النزاع، فقال العلماء:
· إذا كان هذا الشيء له جهتان منفكتان، قالوا: يجوز أن يكون منهياً عنه ومأموراً به.
· وإذا لم تكن له إلّا جهة واحدة فلا يجوز.
مثال ذلك: الصلاة في الأرض المغصوبة، الآن صلاة زيدٍ من الناس لله في أرضٍ مغصوبةٍ، هل هذه صحيحة أم باطلة؟ هل اجتمع فيها أمر ونهي؟ اجتمع فيها أمر ونهي، الأمر بالصلاة، والنهي عن شغل المكان المغصوب، فأنت يَحرُم عليك أن تستعمل هذه الأرض المغصوبة وأن تشغل المكان الذي فيها، وأنت مأمورٌ بالصلاة، فإذا صليت في الأرض المغصوبة يكون قد اجتمع عندك أمرٌ ونهيٌ، صلاةٌ مأمورٌ بها وأرضٌ مغصوبةٌ منهيٌ عن شغلها، طيب، هل هذه الصلاة الآن تدخل فيما أمر الله بها فتكون جائزة وتكون مطلوبة، أم أنّها تكون باطلةً ومردودةً لأنّها ليست مما أمر الله تبارك وتعالى به؟ هنا اختلف أهل العلم في مثل هذه الصورة.
· فمن قال إنّ جهة الأمر منفكةٌ عن جهة النهي، قال: الصلاة صحيحة.
· ومن قال إنّ جهة الأمر غير منفكة عن جهة النهي، قال: الصلاة باطلة.
وقضية الانفكاك وعدمه قد ذكرناها في الدرس قبل الماضي أنّ الضابط فيها هو أنّ النهي إذا عاد إلى ذات المنهي عنه أو إلى شرطه أو إلى أمر لازم له تكون الصلاة باطلة وتكون الجهة غير منفكة وإذا عاد النهي إلى أمرٍ خارج عن الشيء المأمورِ به فهنا تكون الجهة منفكة وتكون العبادة صحيحة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وأنّ الخارج من مغصوب تائباً آت بواجب".
يعني: شخص غَصَب أرضاً و وقف في وسطها ثم تاب إلى الله من هذا الغصب وأراد أن يخرج، في أثناء خروجه الآن هو يشغل الأرض المغصوبة، شُغلُه للأرض المغصوبة وهو خارج، هل هو محرم أم جائز؟ هنا حصل خلاف، المؤلف يقول: هو آت بواجب فهو مأجور، وبعضهم قال: هو آت بمحرم فهو آثم، لأنّه شاغل لأرض لا يحلّ له أن يَشغَلها، لكنّ الصحيح ما قاله المؤلف لأنّه هو الآن يريد أن يتخلص مما حرّم الله تبارك وتعالى عليه، يريد أن يتخلص من محرم ولا يمكنه أن يتخلص منه إلّا بشغل هذه البقعة المغصوبة فهذا الشغل شغل اضطراري، لا بد له منه من أجل أن يتخلص من محرم، فلا يكون محرماً.
وقال المؤلف رحمه الله: "وأنّ الساقط على نحو جريح يقتله أو كفأه يستمر".
إذا سقط شخص على شخص جريحٍ مثلاً، والجريح هذا حوله أناس أيضاً جرحى، فلا يمكنه أن يقوم عن الجريح الذي تحته إلّا أن يقع على الجريح الذي بعده وإذا بقي على الجريح الذي تحته قتله وإذا انتقل إلى الجريح الآخر قتله، فماذا يفعل؟ قال: "وأنّ الساقط على نحو جريح يقتله أو كفأه يستمر"، يعني: إذا سقط الشخص على شخص جريح واستمر عليه يقتله وإذا انتقل إلى غيره يقتله، قال: لا، هو يستمر على الأول يقتل الأول، وخلاص، هكذا يقول المؤلف رحمه الله.
هكذا نكون قد انتهينا من المقدمات التي ذكرها المؤلف.

قال رحمه الله: "الكتاب الأول:"
ذكرنا أنّه قسَّم كتابه إلى مقدماتٍ وسبعةِ كتبٍ، فبعد أن انتهى من المقدمات بدأ بالكتب، وهذه الكتب سبعة يذكر فيها الأدلة الشرعية، والأدلة الشرعية منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه.
الأدلة الشرعية المتفق عليها:
· الكتاب.
· السنة.
· الإجماع.
· القياس عند غير أهل الظاهر.
وهناك أدلة مختلف فيها: كقول الصحابي والمصالح المرسلة وغير ذلك.
الآن بدأ المؤلف بأول دليل شرعي وهو الكتاب يعني القرآن.
قال: "في الكتاب ومباحث الأقوال:".
الكتاب الأول من الكتب السبعة التي ذكر كتابه بناءً عليها هو: "في الكتاب ومباحث الأقوال:"، في الكتاب: يعني في القرآن، ومباحث الأقوال: يعني ذكر مباحث الأقوال التي يشتمل عليها القرآن: من الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد ونحوها، وهذا الكتاب كتاب مهمٌ جداً ومباحثه تقريباً في الغالب مهمة ومفيدة، ليست كما تقدم كثير من المباحث هي مباحث اصطلاحية أو مباحث نظرية لا عمل من ورائها، أمّا هذا المبحث الآن مبحث عملي جداً وهو مبحث القرآن، وكذلك مباحث الأقوال.
قال: "الكتاب: القرآن وهو هنا اللفظ المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المعجز بسورة منه المتعبد بتلاوته"، الكتاب: القرآن، الآن عرّف المؤلف الكتابَ بالقرآنِ، تعريف بمرادف، وهذا نوعٌ من أنواعِ التعريفات، يسألك شخصٌ مثلاً: ما الغضنفر؟ ماذا تقول له؟ الأسد، الاسمان يختلفان في اللفظ لكن في المعنى والدلالة واحدة، هذا معنى الترادف في الأسماء، فهذا نوع من أنواع التعريفات، عندما يُعرِّف لك الشيء بمرادفه، هذا نوعٌ من أنواع التعريفات عند أهل المنطق، فالكتاب قال هنا: القرآن، أي المقصود بالكتاب هنا القرآن، طبعاً الكتاب سُمي كتاباً وسُمي قرءاناً بناءً على أمر آخر، يختلف الكتاب عن القرآن، لكن المقصود هنا أنّ الكتاب في الأصل هو اسم جنس يطلق على أي كتاب ، ولكن غلب استعماله في المراد هنا وهو معنى شرعي وتكون "الـ" فيه عهدية وعرَّف المؤلف القرآن بقوله: "وهو هنا": هذه المسألة مهمة لماذا قال: "وهو هنا"؟ كي يشير إلى أنّ القرآن عندهم له معنى هنا وله معنى هناك، أين؟ في علم الكلام، عند الأشاعرة.

الأشاعرة يُقسِّمون القرآن إلى قسمين:
· قرآن هو من مباحث الأصوليين والفقهاء.
· وقرآن هو من مباحث المتكلمين.
قال: "وهو هنا"،أي: في علم الأصول، وفي علم الكلام شيء آخر، فإذاً: عندهم قرآن لفظي وقرآن معنوي، هذا الذي بين أيدينا هو القرآن اللفظي، ما هو هذا القرآن اللفظي؟ هو هذا الذي فيه الكلمات والجمل التي بين أيدينا وهو ألفاظ، أمّا القرآن النفسي فهو الذي يكون صفة لله سبحانه وتعالى عندهم، هذا القرآن اللفظي مخلوق، والقرآن النفسي عندهم هو صفة لله تبارك وتعالى، لأنّ عندهم القرآن أو الكلام عندهم كلام الله سبحانه وتعالى لا يعترفون بكلام حقيقي، يقولون كلام الله سبحانه وتعالى كلام نفسي، ماذا تعني كلمة نفسي؟ صفة نفسية، في النفس ليس هو بحرف ولا بصوت، هذا الكلام عند الأشاعرة، لذلك عندما يُعرِّفون القرآن هنا الذي بين أيدينا، حقيقته عندهم هو شيء مخلوق، خلقه الله سبحانه وتعالى في الورق، هو موجود بالشكل الموجود عليه عندنا، أمّا كلام الله سبحانه وتعالى عندهم نفسي لا يكون بحرف ولا بصوت، فذاك القرآن الذي هو الكلام النفسي الذي هو صفة لله سبحانه وتعالى يكون من مباحث علم الكلام، أمّا القرآن الذي هو بين أيدينا هذا الذي هو الألفاظ المخلوقة عندهم: هذا من مباحث الأصوليين والفقهاء لا من مباحث المتكلمين، هذا كلّه تقسيم مبتدع، جرهم إلى ذلك أصول الجهمية التي يقررون فيها أنّ أي صفة لله تبارك وتعالى يوصف بها البشر بأنّ إثباتها لله يقتضي التشبيه والتجسيم، فلذلك يحاولون نفيها عن الله تبارك وتعالى بالتحريف والتأويل أو بتضعيف الأدلة الشرعية التي وردت في ذلك، فهذا الأصل الذي عندهم وهو ردّ دلالة الكتاب والسنة على صفات الله تبارك وتعالى بأي طريقة من الطرق هو الذي أداهم إلى إثبات الكلام النفسي وإلى نفي أن يكون هذا الذي بين أيدينا هو كلام الله حقيقةً، هذا الذي أداهم إلى هذا وهذا كلّه تقسيم باطل، تقسيم مبني على أصول فاسدة، وأمّا أهل السنة والجماعة فعندهم القرآن قرآن واحد وهو كلام الله الحقيقي ويكون بحرف وصوت، فهذا الكلام الذي بين أيدينا هو كلام الله سبحانه وتعالى، هو صفة من صفات الله تبارك وتعالى وهذا من كلام الله تبارك وتعالى، فقوله: إلى هنا هو يشير القرآن نفسي وقرآن لفظي.
قال: "اللفظ المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم"، نحن نقول بدل اللفظ، القرآن هو كلام الله الحقيقي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، بالنسبة للمؤلف قال: "وهو هنا اللفظ"، أخرج الكلام النفسي بزعمه، فأمّا عندنا نضرب على هذا كله ونقول: "هو كلام الله الحقيقي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم"، أو لك أن تقول: "هو كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم"، ومقصوده بالمنزل على محمد صلى الله عليه وسلم أنّه نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين }، وأخرج بذلك ما نزل على غيره من الأنبياء، ما نزل على غيره من الأنبياء ليس من القرآن، القرآن هو الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فقط، وقوله المعجز بسورة منه، يعني المعجز: أعجز عن الاتيان بمثله، فلن يقدر الناس على الاتيان بمثله، هذا معنى المُعجِز أنَّه أعجز الإنس والجنّ أن يأتوا بمثله، ولا حتى بسورة منه، وهو معجز في لفظه ونظمه ومعناه، وأخرج بذلك المنزل لا للإعجاز، وهي الأحاديث النبوية، الأحاديث النبوية وحيٌ من الله، ، ولكنها ليست معجزة كالقرآن، وبقوله: "المتعبد بتلاوته": أخرج الآيات المنسوخة كآية الرجم، آية الرجم الآن آية منسوخة لا يمكن لأحد أن يتعبد بتلاوتها، لا يصحّ، لا تُقرأ في الصلوات، ولا تجلس تقرأها كما تقرأ القرآن للعبادة.
قال المؤلف رحمه الله: "ومنه البسملة أول كل سورة في الأصح غير براءة".
أي ومن القرآن البسملة أي قول: ، هذه الجملة تسمى البسملة، كما تقول في: لا حول ولا قوة إلّا بالله: الحوقلة، وفي: الحمد لله: الحمدلة، وهكذا، هذه طريقة عند العرب تسمى النحت، النحت: اختصار كلمتين أو أكثر في كلمة واحدة، فالبسملة منها ما اتفق العلماء على أنّها من القرآن ومنها ما اختُلف فيه:
· اتفق العلماء على أنّها بعض آية من سورة النمل، هذه اتفقوا عليها.
· واختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة أو من أول كل سورة كتبت في أولها، أو أنّها بعض آية من كل سورة، أو أنّها آية الفاتحة دون غيرها أو أنّها كتبت للفصل، لا أنّها آية.
والصحيح أنّها آية مستقلة في أول كل سورة لا منها براءة، ماعدا براءة لا تكتب في أولها ولا تنطق، وهذا محل اتفاق، إجماع لا خلاف فيه، والصحيح أنّها آية مستقلة لحديث ابن عباس عند أبي داود: "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل سورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم"، فهذا يبين أنّها نزلت للفصل بين السور، وكذلك في الحديث القدسي قال: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، وبدأ بالحمد ولم يذكر البسملة، هذا يدل على أنَّ البسملة ليست من الفاتحة ولا من أولها.
ثم قال المؤلف: "والشاذة في الأصح".
الصحيح أنَّ الشاذ ليس من القرآن، القراءة الشاذة عند الأصوليون ما ليست بمتواترة، القرآن الذي وصلنا وصلنا بالتواتر، رواه جمع عن جمع عن جمع إلى أن وصل إلينا يستحيل تواطؤهم على الكذب، وهناك بعض القراءات شاذة ليست متواترة جاءت برواية الآحاد، ما ليس بمتواتر فهو شاذ، وهذا الشاذ ليس بقرآن يقول المؤلف في الأصح، هو طبعاً تبعٌ لأصله جمع الجوامع لابن السبكي، وقوله: "في الأصح" إشارة إلى أنّ في المسألة خلاف لكن أنكر بعض العلماء عليه هذا الكلام وقالوا المسألة لا خلاف فيها، مجمعٌ على أنَّ القراءات الشاذة ليست من القرآن والخلاف حاصل في الاحتجاج بالقراءات الشاذة، هي ليست من القرآن، طيب، هل يحتج بها في الأحكام الشرعية أم لا؟ هذه محل خلاف، والصحيح أنّها ليست بحجة، لماذا؟ لأنّها رُويت على أنّها قرآن، لم تروى على أنّها حديث نبوي، ونحن اتفقنا أنّها ليست بقرآن، إذاً فهي خطأ لا يصح الاحتجاج بها مثل قراءة ابن مسعود: فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ، زيادة متتابعات هذه في قراءة ابن مسعود ليست في القرآن المتواتر، هل يحتج بها ونقول أنه يلزم على من أراد أن يصوم ثلاثة أيام يصوم ثلاثة أيام متتابعات واجب؟ أم يجوز له التفريق؟ إذا قلنا بأنّها حجة فيجب عليه أن يتابع، وإذا قلنا بأنّها ليست بحجة يجوز له أن يُفرِّق، لأنّ الله سبحانه وتعالى لم يُقيّد بالتتابع، والصحيح أنّها ليست بحجة.
قال المؤلف: "وسبع متواترة ولو فيما هو من قبيل أدائك المد".
لا خلاف بين العلماء في القراءات السبع أنّها متواترة وهي قراءة:
· نافع المدني.
· ابن كثير المكي.
· ابن عمرو الشامي.
· ابن عمرو البصري.
· عاصم الكوفي.
· حمزة الكوفي.
· الكسائي الكوفي.
وكذلك قال المؤلف أداء هذه القراءات كالمدّ والإمالة وتخفيف الهمزة ومثل هذه الأمور كلّ هذه متواترة، تنازعوا في تواتر هذه المدود والإمالات هل هي متواترة أم ليست بمتواترة، حصل نزاع بينهم في ذلك، والصحيح أنّ القراءات العشر متواترة بالإضافة إلى قراءة:
· أبي جعفر.
· خَلَف.
· يعقوب.
فالقراءات العشرة متواترة وليست السبع فقط، إضافة إلى ما ذكرنا قراءة أبي جعفر وقراءة خَلَف وقراءة يعقوب، وقال بعض أهل العلم القول بأنّها غير متواترة (أي هذه الثلاثة) في غاية السقوط ولا يصحّ القول به عمن يعتبر قوله في الدين، وقال أبو حيّان لا نعلم أحداً من المسلمين حَظَر القراءة بالثلاثة الزائدة على السبعة، بل قُرِئ بها في سائر الأمصار، إذاً فهي عشر قراءات.
قال المؤلف: "وتحرُم القراءة بالشاذ".
فإذا قلنا بأنها ليست بقرآن فلا يجوز القراءة بها ولا التعبد بها، والأصح أنّه ما وراء العشر، أي الأصح في القراءات الشاذة ما هي؟ أي ما بعد العشر، العشر متواترة وما بعد العشر فهو شاذ، وأنّه يُجرى مجرى الآحاد، أي يُعطى حكم الآحاد، تمام، قوله: "ويجرى مجرى الآحاد"، يعني بها في الاحتجاج، يعني تُعامل معاملة أخبار الآحاد، فيحتج بها، هكذا يقول المؤلف رحمه الله، وقلنا أنّ هذا الكلام غير صحيح، لأنّها ليست مروية أحاديث نبوية، رويت قرآناً، فإذا لم تصح قرآنا فهي أخبار.
قال المؤلف: "وأنّه لا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة".
يعني لا يرد عندنا في القرآن والسنة ما لامعنى له، يأتينا كلام فنقول هذا الكلام لا معنى له، هذا غير وارد لماذا؟ لأنّه هذيان، هذا لا يليق لعاقل أن يتكلم به، فما بالك بربّ العزة تبارك وتعالى، وبعضهم قال يجوز ذلك وأتوا مثالاً على ذلك الحروف المقطعة في أوائل السور: وغير ذلك، لكن هذا خطأ منهم لأن المقصود بالحروف المقطعة هذه: الإعجاز، كأنّ الله سبحانه وتعالى يقول للناس هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف التي تتكلمون أنتم بها فاتوا بمثله.
قال المؤلف: "وهذا لا يعنى به غير ظاهرة الذي يليه".
لا يجوز أن يكون في القرآن ما يقصد به غير ما ظهر منه، يقصد به معنى خفي ولا يوجد دليل يدل على هذا المعنى الخفي، هذا لا يوجد في القرآن، إذا وجد لفظ ظاهره غير مراد فلا بد من وجود دليل يدل على أن الظاهر هنا غير مراد وأنّ المراد غير الظاهر، تمام، الذين قالوا بجواز أن يكون في القرآن والسنة ما هو ليس على ظاهره ولا يوجد دليل يدل على ذلك هم المرجئة، المرجئة الذين يؤخرون الأعمال عن مسمى الإيمان والذين يقولون: الإيمان هو التصديق والناس في إيمانهم سواء، والعبد إذا آمن دخل الجنة ولا يدخل النّار، طيب، الآيات الموجودة بأنّ كثيراً من المسلمين يدخلون النّار: الزاني والسارق والقاتل إلى آخره، ماذا نفعل بها، قالوا هذه الآيات والأحاديث ظاهرة في ذلك لكن ظاهرها غير مراد، هاتوا دليل، قالوا: لا يوجد دليل، ويجوز أن يكون في القرآن مثل هذا، فهو ظاهره غير مراد ولكن لا يوجد دليل يدل على ذلك، من أجل ماذا؟ من أجل أن يدعموا قولهم، وهو قول باطل، لأنّه منافٍ لما ذكره الله تبارك وتعالى من أوصاف كتابه، من أنّه مُبين ظاهر واضح، مُبيِّن للحق، مقيم للحجة على عباده، كل هذه منافي أن يكون في القرآن ما ظاهره غير مراد ولا يوجد دليل يدل على ذلك، لأنّه عندئذ لن يكون مبيِّناً ولا مُوضِّحاً ولا يكون ظاهراً ولا يقيم الحجة على العباد.
قال المؤلف رحمه الله: "وأنّه لا يبقى مجملٌ كلِّف بالعمل به غير مميز".
عرفنا المجمل في دروس سابقة، ما لا يعرف معناه ولا يفهم معناه إلّا بوجود دليلٍ آخر يوضِّحه، قال: "وأنّه لا يبقى مجملٌ كلِّف بالعمل به غير مميز"، يعني لا يوجد في القرآن والسنة ما هو غير مفهوم المعنى مع أنّ فيه أوامر تحتاج إلى ماذا؟ إلى معاني، فلا يوجد، إذا وجد شيء مثل هذا لا بد أن يوجد في القرآن والسنة ما يبين هذا الإجمال ويوضحه، لأنّ الله سبحانه وتعالى قد أكمل دينه وما مات نبيه صلى الله عليه وسلم حتى أكمل به الدين، وسلمان رضي الله عنه ماذا قال لليهود عندما قالوا له: قد علمكم نبيكم كل شيء، قال: "نعم، علمنا كلّ شيء حتى الخراءة"، أي كيفية قضاء الحاجة علمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يقال هناك مجمل لم يبينه النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الكلام لا يصدر إلّا عن إنسان قد غمر بالجهل والضلال.
قال المؤلف: "وأنّ الأدلة النقلية قد تفيد اليقين بانضمام غيرها".
أنتم تعرفون الأصل عند المتكلمين (عند أهل البدع) الذين يُعظِّمون العقول ويستخفون بالقرآن والسنة، ما هو الأصل عندهم؟ أنّ الدليل العقلي يقيني لا يتطرق إليه شك أبداً ولا يتطرق إليه الاحتمال، أمّا الدليل النقلي من القرآن والسنة فظني يتطرق إليه الاحتمال، هذا الأصل الذي دفعهم إلى تحريف كلّ الأسماء والصفات سواء كانوا جهمية أو معتزلة أو أشاعرة أو غيرهم، هذا الأصل الأصيل عندهم في المسألة فإذا خالف عندهم العقل النقل ماذا يفعلون؟ يقدمون العقل على النقل لأنّ العقل يقيني والنقل ظني، فيرجع إلى اليقيني وهو العقل، فلا تسأل عن الاضطرابات بعد ذلك في التقعيدات العقلية التي يُقعِّدونها، تجد هذا يرد على هذا، وذاك يرد على الآخر، وهذا يقرر قاعدة يقينية ثم بعد ذلك يردها ويقول هي قاعدة باطلة وهي واحدة، أين اليقين؟ ما فيه يقين كلّه كذب، يكذبون على أنفسهم، هنا الآن ماذا يقولون في الأصول؟ يقولون: أنّ الأدلة النقلية قد تفيد اليقين بانضمام غيرها، هذا قول أفضلهم، وإلّا كثير منهم يقول أنّها لا تفيد اليقين أصلاً، هي ظنية دائماً، فالصحيح أنّ الأدلة النقلية:
· تفيد اليقين تارة بدون أن ينضم إليها شيء البتة.
· وتارة تفيد اليقين إذا ضمّ إليها غيرها.
· وتارة تفيد الظنّ ، على حسب الاحتمال في الأدلة .
كالعلم بأحكام المعاد مثلاً: من البعث والحساب ووجود الجنة والنّار، أهذه تحتاج إلى ما يضم إليها؟ الأدلة التي وردت في ذلك تحتاج إلى ما يضم إليها كي تفيد اليقين؟ هذه أفادت اليقين في نفسها بمفرها دون غيرها لا تحتاج إلى شيء آخر، أخبار الآحاد إذا احتفت بها قرائن أفادت اليقين، شبهتهم في هذا ماذا عندما قالوا إنها لا تفيد اليقين؟ قالوا: احتمالية النسخ واردة، احتمالية وجود التخصيص للعموم واردة، احتمالية وجود التقييد للمطلق واردة،وهكذا ، فقالوا: وجود هذه الاحتمالات يجعلنا نقول بأن الأدلة النقلية ظنية، وهذه الاحتمالات ليست موجودة في كل الأدلة النقلية، كثير من الأدلة النقلية هذه الاحتمالات بعيدة جداً عنها، هذه عبارة عن احتمالات ظنية في ظنّ عقولهم أصلاً وليست دائماً موجودة .....
من الأدلة الشرعية ما هو قطعي ومنه ما هو ظني .
فالدليل القطعي : ما كان قطعي الثبوت( و) قطعي الدلالة .
والدليل الظني : ما كان ظني الثبوت ( أو ) ظني الدلالة .
وكلها يجب العمل بها في العقائد والأحكام عند أهل السنة ، وإنما نحتاج لهذا التفريق عند الترجيح هذا ما كان عليه السلف رضي الله عنهم .

آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 28-05-2013 الساعة 21:40
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-05-2013, 10:21   #13
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

أرجو من شيخنا الفاضل إن كان عنده وقت إعادة مراجعة تفريغ الدرس الثاني عشر فقد كان تسجيل الشريط رديء للغاية وحاولت فيه التدقيق قدر الإمكان والحمد لله فلا إخالني إلّا وفقت في ذلك إن شاء الله.
وإن لم يكن هناك وقت فالرجاء مراجعة ما يتعلق بالكتاب (القرآن) لأهميته وللخوف من الخطأ فيه.
وكذلك تتميم الشريط فإنه ناقص في الأخير أو ختمه.
وفقكم الله شيخنا الكريم.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-05-2013, 19:48   #14
أبو الحسن علي الرملي
المشرف العام على المنتدى
 
تاريخ التسجيل: 20 / 11 / 2012
المشاركات: 0
افتراضي

تم ما أردت حفظك الله وجزاك الله خيرا على جهودك جعله الله في ميزان حسناتك .
أبو الحسن علي الرملي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-06-2013, 17:08   #15
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ الدرس الثالث عشر من شرح كتاب لبّ الأصول.

تفريغ الدرس الثالث عشر من شرح كتاب لبّ الأصول:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فقال المؤلف رحمه الله: "المنطوق والمفهوم:".
هذا المبحث يعتبر من أهم مباحث أصول الفقه، فهو يعينك على فهم المعنى المراد من اللفظ.
قال المؤلف رحمه: "المنطوق ما دلّ عليه اللفظ في محلِّ النطق".
لمّا توقف الاستدلال بالقرآن لكونه عربياً على معرفة أقسام اللغة شرع في بيان أقسام اللغة، واللغة تنقسم إلى أقسام باعتبارات مختلفة، فباعتبار المراد من اللفظ تنقسم إلى منطوق ومفهوم.
المنطوق لغة: مأخوذ من نطق، بمعنى تكلم بصوت واشتمل كلامه على حروف ومعانٍ، فالمنطوق: هو الكلام الذي نطق به المتكلم وتلفظ به.
واصطلاحاً: عرَّفه المؤلف بقوله: ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق.
ويعرفه بعضهم بقوله: هو المعنى المستفاد من اللفظ من حيث النطق به. (هذا أوضح).
يعني بهذا الكلام أنّ اصطلاح المنطوق يُطلق على المعنى الذي تستفيده من اللفظ سواء كان هذا المعنى حكماً أو محلّ الحكم لكنّ استفادتك لهذا المعنى من نفس المنطوق من غير واسطة، تستفيد المعنى من نفس المنطوق من غير واسطة.
مثال ذلك: قول الله تبارك وتعالى:، هذا لفظٌ نريد أن نأخذ منه حكماً، ونريد أن نأخذ منه محل الحكم، فنستفيد منه فائدتين، هاتان الفائدتان نستخرجهما من اللفظ دون الاستعانة بأي شيء آخر، فلسنا بحاجة إلى واسطة أخرى، من نفس اللفظ نستخرج هاتين الفائدتين.
· الفائدة الأولى: الحكم.
· الثانية: محل الحكم.
الآن نستخرج حكم التأفف، لمّا قال الله تعالى: استخرجنا حكم التأفف من هذا اللفظ، وهو تحريم التأفف.
· التأفف هو محل الحكم.
· والحكم هو تحريمه.
هذا كلّه استفدناه من مجرد اللفظ، هذا يُسمى منطوقاً، وهذا معنى قول المؤلف ما دلّ عليه اللفظ، يعني أنّك تستفيد هذا المعنى من نفس اللفظ، اللفظ هو الذي يدلّك على هذا، "مادلّ عليه اللفظ في محل النطق"، يعني بمجرد النطق فقط تستفيد هذه الفائدة من غير واسطة، هذا هو المنطوق.
قال المؤلف رحمه الله: "وهو -أي المنطوق- إن أفاد ما يحتمل غيره كزيد فنصٌ أو ما يحتمل بدله مرجوحاً كالأسد فظاهر".
إذاً هنا وقف وقفة مع النَّص قبل أن يكمل طريقه إلى المفهوم فقال: المنطوق ينقسم إلى قسمين، قال: "وهو -أي المنطوق- إن أفاد ما يحتمل غيره كزيد فنصٌ"، إذاً فالمنطوق ينقسم إلى نصٍ، "أو ما يحتمل بدله مرجوحاً كالأسد فظاهر"، إذاً المنطوق ينقسم إلى نصٍ وإلى ظاهرٍ.

والنص عند المؤلف: ما لا يحتمل غير معنى واحد، ومثَّل له بزيدٍ.
والنص في اللغة: هو الظهور والارتفاع، ومنه منصة العروس لأنّها مرتفعة.
وأمّا في الاصطلاح فقال المؤلف: ما لا يحتمل غير معنى واحد.
كقوله تعالى: ، فقوله تعالى: : تحتمل أن تكون ثمانية أو ثلاثة عشر أو ما شابه؟ لا تحتمل، هو معنى واحد فقط، هذا يسمى نصاً لأنّ اللفظ لا يحتمل إلّا معنى واحداً.
ومثَّل له بزيدٍ، كجاء زيدٌ مثلاً، وكلمة زيدٍ لا تحتمل إلّا هذا الشخص، شخصية زيدٍ لا شيء آخر، فهذا يعتبر نصاً، هذا المعنى المراد هنا الذي يقابل الظاهر، ولكنّ النَّص يُطلق عند الأصوليين على هذا الذي ذكره المؤلف وعلى ما دلّ على معناه، اللفظ الذي يدلّ على معناه من الكتاب أو السنة، فأي لفظٍ يدل على معنىً من الكتاب أو من السنة يسمى نصاً في اصطلاح آخر، ويطلق أيضاً على الظاهر الذي سيأتي تعريفه، فالظاهر أيضاً يطلق عليه نصٌ، لكن في بعض الاصطلاحات الآن هذه اصطلاحات إضافية الآن، الذي يهمنا ويخصنا هو أنَّ النَّص: ما لا يحتمل غير معنى واحد، هذا الذي نريده الآن، الاصطلاحات الثانية في مواضعها، المنطوق قلنا ينقسم إلى نصٍ وإلى ظاهر.
الظاهر في اللغة: بمعنى الواضح والبين.
واصطلاحاً قال المؤلف: ما يحتمل بدله مرجوحاً، أي اللفظ الذي يحتمل معنيين أو أكثر أحدهما أظهر من الآخر، ممكن اللفظ يحتمل معنيين أو ثلاث أو أربع لكن يكون أحد المعاني أقوى من المعاني الأخرى، فالأقوى هذا يسمى ظاهراً، هذا هو الظاهر.
كقولك مثلاً: رأيت اليوم أسداً، قولك هذا يحتمل:
· أنّك رأيت أسداً حيواناً مفترساً.
· وأنّك رأيت رجلاً شجاعاً.
فيه احتمال في اللفظ وإلّا ما فيه؟ فيه، الاحتمال يدلّ على كلا المعنيين، لكن أيهما أظهر، الأظهر في لفظ الأسد أنّه الحيوان المفترس، هذا الأكثر استعمالاً أو هو الحقيقة على من يفرق بين الحقيقة والمجاز، فإذاً عندنا هنا اللفظ دلّ على معنيين لكن أحد المعنيين كان أقوى من المعنى الآخر.
· فيسمى الأقوى راجحاً وظاهراً.
· إذا تساوى كلا المعنيين يسمى مجملاً وسيأتي إن شاء الله.
لكن نحن الآن موضوعنا هو النص والظاهر، عرفنا الفرق بينهما النَّص لا يحتمل إلّا معنى واحداً، أمّا الظاهر فيحتمل معنيين أو أكثر لكن معنى من المعاني يكون أظهر من غيره.
قال المؤلف: "ثم إن دلّ جزؤه على جزء معناه فمركب وإلّا فمفرد".
المركب: هو الذي يدل جزؤه على جزء معناه، والمفرد: ما لا يدل جزؤه على جزء معناه.
هذا تقسيم آخر للكلام في اللغة باعتبار الإفراد والتركيب، المركب: هو ما يدل جزؤه على جزء معناه، والمفرد: ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، معنى ذلك: إذا قلنا زيدٌ قائم، جزء هذا الكلام ما هو؟ زيد أو قائم، هذا الجزء هل يدلّ على جزء من معنى كلمة زيد قائم أم لا؟ يدلّ على جزء من هذا المعنى، زيد قائم لو أخذنا كلمة زيد فقط دلت على معنى زيد فجزؤه يدل على جزء من معناه، لكن لو قلنا كلمة زيد وحدها ليس زيد قائم، زيد وحدها، جزؤها ما هو؟ الزاي والياء والدال، هل يدلّ جزؤها على جزء من معنى كلمة زيد؟ لا، إذاً فهذا مفرد، وذاك مركب، هذا هو معنى المفرد والمركب.
قال المؤلف رحمه الله: "ودلالته على معناه مطابَقةٌ وعلى جزؤه تَضَمُنٌ ولازِمُه الذهني التزَام، والأُوليان لفظيتان والأخيرة عقلية".
يقول هنا: "ودلالة اللفظ على معناه مطابقة"، دلالة اللفظ الوضعية، هذه الدلالة إذا دلّ اللفظ على مطابقة المعنى تماماً سميت دلالة مطابقة، عندنا الدلالات التي ذكرها المؤلف ثلاثة:
دلالة مطابقة ودلالة تضمن ودلالة التزام.
دلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على تمام المعنى الذي وضع له.
دلالة التضمن: دلالة اللفظ على جزء المعنى الموضوع للفظ، أنظر الآن كلمة بيت، إذا دلّتك هذه الكلمة على الجدران والأسقف والنوافذ والأبواب وكلّ ما يحتويه البيت، فاللفظ بيت والمعنى ما في البيت مما يحتويه لفظ البيت من معنى كاملاً كلّه، ينطبق بعضه على بعض، هذه تسمى دلالته دلالة مطابقة، طيب إذا دلّ على جزء من المعنى كأن يدُلّك فقط على السقف وتفهم من كلمة البيت وجود سقف في هذا المكان، هذه تسمى دلالة تضمن لأنّه دلّ على جزء من المعنى ليس على المعنى كامل.
مثال آخر: الإنسان، كلمة الإنسان إذا فهمت منها الحيوان الناطق هنا تكون مطابقة لأنّ كلمة الإنسان دلّت على كلّ معنى لها الذي هو الحيوان وناطق، فكلّ المعنى الآن صار مطابقاً للفظ تماماً، إذا أخذت من كلمة الإنسان فهمت كالحيوان إذا قلت لك إنسان فهمت أنّه حيوان فقط، هنا الآن هذه الدلالة ماذا تسمى؟ دلالة تضمن، لأنّها هي من ضمن الإنسان وليست كلّ الإنسان لكن الكل المعنى كامل، الحيوان مع النطق هذه دلالة التضمن، فدلالة المطابقة دلالة اللفظ على تمام المعنى الذي وضع له اللفظ، دلالة التضمن دلالة اللفظ على جزء المعنى الموضوع للفظ.
الآن نأتي للدلالة الثالثة وهي:
دلالة الالتزام: هي دلالة اللفظ على أمرٍ خارج عن معناه لازم له لا ينفك عنه، دلالة اللفظ على أمر خارج عن معنى اللفظ لكنّه لازم له لا ينفك عنه، في مثالنا الذي ذكرناه البيت، البنَّاء الذي بنى البيت هل هو داخل في معنى البيت؟ داخل، لكن هل تتصور بيت من غير بنّاء؟ لا، إذاً فهو ملازم لا ينفك عنه أبداً، فهذا يُسمى لازماً ودلالته دلالة الالتزام، الآن بالنسبة للإنسان قلنا هو الحيوان الناطق، الضحك هذا ليس جزءاً من معنى الإنسان، فإنك عندما يُقال لك الإنسان بإمكانك أن تتصور حقيقته من غير تصور الضحك لأنّه هو ليس جزءاً من معنى الإنسان لكن لا يمكنك أن تتصور إنساناً إلّا وهو ضاحك لأنّه ملازم له لا ينفك عنه، فلا تتصور إنسان إلّا وعنده القدرة على الضحك ولو في أصله، إذاً فالضحك ملازم للإنسان، صفة لازمة له، وتسمى هذه دلالة الالتزام، اللزوم الذهني الذي ركز عليه المؤلف في قوله: "ولازمه الذهني التزام"، اللازم هذا ممكن أن يكون لازماً في الذهن، في العقل (الدماغ)، وممكن أن يكون لازماً في الظهر، ممكن أن يكون لازماً في الجهتين مع بعضهما، مثال اللازم مثلاً في الظهر وليس لازماً في الذهن: السواد للغراب، في الخارج في الوجود، هل عمرك رأيت غراباً ليس أسوداً؟ ما رأيت، هل يتصور الذهن غراباً بلون آخر؟ يتصور، إذاً هو ليس لازماً ذهنياً ولكنّه لازم ظاهر، يعني في الخارج، يقصد بالظاهر في الخارج أي في الوجود، اللزوم الذهني ما هو؟ هو الذي ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ، مجرد أن تسمع اللفظ مباشرة الذهن ينتقل إلى ذلك المعنى، واللزوم الذهني هو الذي ذكرناه، هذا الذي ذكرناه هو لزوم ذهني ولزوم خارجي، في الأمثلة التي ذكرناها في البيت مثلاً، البيت: لزوم وجود بنّاء له أمر ذهني، الذهن لا يتصور وجود بيت من غير بناء، وهو كذلك في الخارج في الواقع، في الواقع لا يمكن أن يوجد بيت وحده من غير وجود بناء.
ويقول المؤلف: دلالة المطابقة والتضمن لفظية ودلالة الالتزام عقلية.
دلالة المطابقة والتضمن لفظية لأنّهما مفهومتان من الكلام، من نفس اللفظ، فاللفظ يدلّ على تمام المعنى وعلى جزء المعنى أيضاً، وأمّا دلالة الالتزام فهي وإن كان اللفظ يدلّ عليها إلّا أنّه لابد من الانتقال الذهني فيها، إذاً فهي دلالة عقلية نتوصل إليها بطريق العقل، لذلك قالوا هي دلالة عقلية.
قال المؤلف رحمه الله: "ثم هي إن توقف صدق المنطوق أو صحته على إضمار فدلالة اقتضاء، وإلّا فإن دلّ على ما لم يقصده فدلالة إشارة وإلّا فدلالة إيماء".
الآن هذا التقسيم الأخير لدلالة الالتزام، "ثم هي:" أي: دلالة الالتزام، فدلالة الالتزام تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
· دلالة اقتضاء
· ودلالة إشارة
· ودلالة إيماء وتنبيه.
أولاً: دلالة الاقتضاء: يقول: "ثم هي: -أي دلالة الالتزام- إن توقف صدق المنطوق أو صحته على إضمار فدلالة اقتضاء"، إذاً ما هي دلالة الاقتضاء؟ دلالة الاقتضاء: دلالة اللفظ على أمرٍ لا يستقيم المعنى إلّا بتقديره إمّا لتوقف الصدق عليه أو لتوقف الصّحة عليه، هما أمران، يعني اللفظ عندما يأتيك أنت تقول ولابد هذا اللفظ لا يصدق، لا بد من تقديم كلمة، أو هذا اللفظ لا يصح عقلاً أو شرعاً إلّا بتقدير كلمة، أمّا أن نتركه هكذا لا يصحّ أو لا يصدق.
مثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان"، ما معنى وَضَع؟ يعني: أسقط، الآن ظاهره أنّ الخطأ والنسيان غير موجود في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هو موجود أو غير موجود؟ موجود، إذاً صِدْقُ هذا اللفظ لا يصحّ ولا يتم إلّا بتقدير شيء فيه، فيه كلمة لازم نأتي بها، نستوردها ونُقدِّرها فيه من أجل أن يصحّ ويكون صادقاً، ماهي؟ نقول: إن الله وضع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم المؤاخذة في الخطأ والنسيان، قدّرنا هذه الكلمة، هذا طبعاً أسلوب من أساليب العرب في الخطاب، الآن من أين أتينا بالمؤاخذة هذه؟ من قول الله تبارك وتعالى: ، فقال: قد فعلت، هذا على صحة هذا الحديث أصلاً، الحديث نفسه فيه نزاع، الاستدلال الأصلي بالآية وليس بالحديث لكن على صحته الآن هذا التقدير لابد منه حتى يكون الحديث صادق المعنى، فإذاً التقدير لابد منه إمّا لصدق اللفظ أو لصحته، لصحته من الناحية الشرعية أو من الناحية العقلية، توقف الصحة عليه عقلاً كقول الله تبارك وتعالى: ، الآن هذا عقلاً فيما يذكرون من معنى القرية، يقولون لا يصحّ، كيف؟ قالوا: القرية: هي الجدران، فكيف أذهب وأسأل القرية، إذاً لا بد من تقدير، ماذا نقدر؟ نقول: اسأل أهل القرية، في حال أن يكون اللفظ قد احتاج إلى تقدير من أجل صِدقه أو صِحته، ماذا تكون هذه الدلالة؟ دلالة الاقتضاء، التي هي من دلالة الالتزام، هذا على صحة الترتيب بمثل هذا، وإلّا الصحيح أن القرية لفظ أصلاً يُطلق على أهل القرية ويُطلق على الجدران أيضاً، فهو لفظ مشترك في لغة العرب أصلاً، لكن بغض النظر الآن، ليس موضوعنا، إمّا لتوقف الصحة عليه عقلاً أو شرعاً، كيف شرعاً؟ كقول القائل مثلاً: أعتق عبدك عني وعليَّ ثمنه، الآن أعتق عبدك عني وعليَّ ثمنه، قالوا: لا بد هنا من تقدير المِلك، أعتق عبدك عني، أي ملكني عبدك وأعتقه عني وعليَّ ثمنه، لماذا قالوا؟ لأنه لا يصحّ أن يُعتقه عنه إلّا بعد أن يتملكه، لا يصحّ أن يُعتق شيئاً ليس ملكاً له، فقالوا هنا: إذاً هذا لا يصحّ من الناحية الشرعية إلّا أن يُقدَر في مثل هذا الكلام، أن يُقدَر التمليك حتى يصحّ اللفظ من الناحية الشرعية، فكأنّه قال له: بِعني عبدك وأعتقه عني، هذه دلالة الاقتضاء.
قال المؤلف: "ثم هي إن توقف صدق المنطوق أو صحته على إضمار"، يعني وجود كلمة مضمرة مخفية غير ظاهرة، فدلالة اقتضاء، هذه دلالة الاقتضاء، إذاً عرفنا دلالة الاقتضاء، إذا جاءنا اللفظ ولم يصحّ هذا اللفظ عقلاً أو شرعاً أو لا يمكن أن يكون صادقاً إلّا بكلمة مضمرة واحتجنا إلى تقدير هذه الكلمة عندئذ هذه تسمى دلالة الاقتضاء.
ثم قال: "وإلّا فإن دلّ على مالم يقصده فدلالة إشارة".
إذاً ما هي دلالة الإشارة؟ أن يدلّ اللفظ على معنىً ليس مقصوداً باللفظ في الأصل، ولكنّه لازم للمقصود، فكأنّه مقصود بالتبع، لا يصحّ أن نقول ليس مقصوداً مطلقاً وإلّا كيف دلّ عليه اللفظ، لكن يكون مقصوداً بالتبع، أن يدلّ اللفظ على معنى ليس مقصوداً باللفظ في الأصل ولكنه لازم للمقصود، هو لازم للمقصود، فكأنّه يكون مقصوداً بالتبع، كاستفادة أنّ أقل مدة الحمل ستة أشهر، من أين أخذنا هذا؟ من آيتين:
الأولى: قوله تعالى: .
الثانية: مع قوله تعالى: ﭿ.
كم يبقى من العامين؟ فيبقى للحمل ستة أشهر، إذاً فأقل الحمل ستة أشهر، فمن أنجبت بعد ستة أشهر من موت زوجها مثلاً ترجم وإلّا ما ترجم بالزّنا؟ ما ترجم، لأنّ أقل الحمل كم؟ ستة أشهر، فلا تتهم بالزّنا في مثل هذه الحال، لكن الآيات أساساَ جاءت لبيان هذا المعنى، لا، ما جاءت لبيان هذا المعنى، الآيات في الأصل المقصود منها ما جاءت لبيان هذا المعنى ولكنّه اُستفيد منها وهذه الدلالة التي تسمى بدلالة الإشارة، وهي من دلالة الالتزام، وكقوله تعالى: ، هذه الآية أصلاً سيقت لماذا؟ لتبين أنّ الجماع في الليل في شهر رمضان جائز، طيب، لكن أخذنا منها فائدة بالإشارة وهي صحة صيام من أصبح جنباً، كيف أخذنا هذا المعنى من هذه الآية؟ إذ يلزم من جواز الجماع في ليلة الصيام أن يجامع في آخر لحظة من الليل، لمّا أباح الله سبحانه وتعالى الجماع في الليل جاز له أن يجامع حتى في آخر ساعة من الليل، لأنّ الله سبحانه وتعالى قال: ، وهذا يشمل أول الليل وأوسطه وآخره، فلمّا جاز ذلك وعُلم ولابد أنّه سيصبح جنباً فاستفدنا من ذلك أنّه يكون صيامه صحيحاً، فهذه الآية أشارت إلى صحة صيام من أصبح جنباً.
ثالثاً: دلالة الإيماء: قال: "وإلّا فإن دلّ على ما لم يقصده فدلالة إشارة وإلّا فدلالة إيماء"، دلالة الإيماء أو يقال لها دلالة التنبيه، أو الإيماء والتنبيه، وهي: أن يقترن بالحكم وصفٌ لو لم يكن هذا الوصف تعليلاً لهذا الحكم لكان ذكره حشواً في الكلام، أي لا فائدة منه، وطبعاً الحشو في كلام الله وفي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس موجوداً، منزه عنه كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، إذاً فما بقي إلّا أنّ اقتران الوصف بالحكم يدلّ على أنّ هذا الوصف معتبرٌ، كقوله تعالى: ، الآن الوصف الذي هو وصف البرّ لو لم يكن هو السبب في إدخال هؤلاء القوم في النعيم لكان ذكرهم بهذا الوصف حشواً وعبثاً وهذا منزه عنه ربنا تبارك وتعالى، إذاً ذكرهم بوصف البرّ هو الذي أوصلهم إلى النعيم فالبرّ هنا وصف معتبر في هذا الحكم فمن أراد نعيم الجنة يكون برّاً، وكذلك قوله تعالى: ، إذاً دخول الجحيم كان سببه ماذا؟ الفجور، لذلك وصفهم به فقال: ، فإذاً هنا هذا الوصف اقترن بحكم دخول الجحيم فيدلّ على أنّه هو السبب في دخولهم الجحيم، دلالة إيماء وتنبيه، أومأ ونبه إلى هذا الأمر.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "والمفهوم ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق".
انتهى المؤلف من المنطوق وبدأ الآن بالمفهوم، وعرّفه بقوله: "ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق"، وبعضهم يقول: هو المعنى المستفاد من حيث السكوت اللازم للفظ، الأول من حيث النطق وهذا من حيث السكوت، المنطوق ملفوظ به، المعنى موجود أمامك في اللفظ، تأخذه منه أمّا المفهوم لا، مسكوت عنه، ليس مأخوذاً من اللفظ، كقول الله تبارك وتعالى: ، المنطوق هنا: تحريم التأفف، طيب: الضرب هل هو منطوق به: ليس منطوقاً لأنّه غير مذكور في اللفظ، لكنّه لازم للفظ، فهو ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق، أي في محل السكوت، والمفهوم قسمان:
· مفهوم موافقة.
· ومفهوم مخالفة.
قال المؤلف: "فإن وافق المنطوقَ فموافقةٌ ولو مساوياً في الأصحّ ثم فحوى الخطاب إن كان أولى ولحنه إن كان مساوياً فالدلالة مفهومية على الأصحّ"
المفهوم ينقسم إلى قسمين:
· مفهوم موافقة.
· ومفهوم مخالفة.
ومفهوم الموافقة ينقسم إلى قسمين أيضاً:
o مفهوم مساوي.
o ومفهوم أولوي.
المفهوم المساوي يسمى لحن الخطاب والمفهوم الأولوي يسمى فحوى الخطاب.
مثال مفهوم الموافقة المساوي: تحريم إحراق مال اليتيم الدال عليه قوله تعالى: ، هنا المحرم باللفظ ما هو؟ أكل أموال اليتامى، هذا مأخوذ بدلالة المنطوق، المسكوت عنه: إحراق مال اليتيم، فإحراق مال اليتيم من حيث الإتلاف، هنا أكل مال اليتيم إتلاف له، طيب إحراق مال اليتيم يشترك في الإتلاف وإلّا ما يشترك؟ يشترك، هو مساوٍ له؟ نعم مساوٍ له، إحراق مال اليتيم مثل أكل مال اليتيم من حيث الإتلاف، فهذا يُسمى مفهوم موافقة مساوي، فيكون المسكوت عنه مساوياً للمنطوق به.
مثال مفهوم الموافقة الأولوي: قوله تعالى: ، الآن المنطوق به: هو التأفف والنهر، المسكوت عنه: الضرب، الآن التأفف منهي عنه لماذا؟ للأذية، الضرب يشاركه في المعنى أم لا؟ يشاركه، هل هو مساوٍ له؟ هو أعظم منه، فهو أولى منه في التحريم، لأنّ المعنى الذي حُرِّم من أجله التأفف موجودٌ في الضرب وزيادة، فهو أولى من التأفف في التحريم وليس مساوياً له كما هو الحال في إحراق مال اليتيم مع أكل مال اليتيم من حيث الإتلاف، هناك إذا نظرنا إلى المعنى الذي حُرِّم من أجله أكل مال اليتيم وهو الاتلاف وجدنا الإحراق مساوياً له، لكن هنا لمّا نظرنا إلى المعنى وجدنا أنّ الضرب أعظم وأشد من التأفف، هذا يسمى مفهوم أولوي، تسمعون كثيراً الفقهاء يقولون: وهذا من باب أولى، هذا هو مفهوم الأولوي، والمفهوم المساوي يسمى لحن الخطاب تجد أحياناً عندما يستدل الفقهاء يقول: وبدلالة لحن الخطاب هذا يدل على كذا وكذا، ما هو لحن الخطاب؟ تكون فاهماً معناه الذي هو دليل مفهوم الموافقة المساوي، مفهوم الموافقة الأولوي يسمى فحوى الخطاب، بعض العلماء قال: المساوي لا يسمى موافقة، يعني ليس من مفهوم الموافقة، وإن كان مثل مفهوم الأولى في الاحتجاج به، من حيث الحجية هو عندهم حجّة لكن قال: هو ليس من مفهوم الموافقة فما أدخله في ضمنه، فحجيته عنده من باب القياس لا من باب المفهوم، ليس من باب اللفظ يعني، ليست حجّة لفظية ولكن حجّة من باب القياس، والمؤلف يقول: موافقة المسكوت للمنطوق دلالة مفهومية، يعني: بطريق الفهم من اللفظ هذا مذهب المؤلف، والأصوليون اختلفوا في ذلك على قولين: فبعضهم قال: دلالة المفهوم قياسية، يعني هي من باب القياس، فقالوا: الأولى دلالة الأولوية، قياس أولى يسمى، والثاني يسمى: قياس المساوي، هذا الذي يُسمى بالقياس الجلي وهو القياس الأولوي، وقالوا هذه دلالته دلالة قياسية، لماذا؟ قالوا: لأنّ حدّ القياس وتعريفه ينطبق عليه: حمل فرعٍ على أصلٍ في حكم بعلّة جامعة بينهما، قالوا هذا نفس الشيء حدّ هذا التعريف ينطبق تماماً على هذه الدلالة، وهذا القول هو قول الشافعي رحمه الله وأكثر الشافعية، والبعض قال: هي دلالة لفظية وليست قياسية، فُهمت من السياق والقرائن ودليلهم: قالوا هو مأخوذ من اللغة، مفهوم الموافقة الأولوي والمساوي أخذا من أين؟ من اللغة، والعرب كانت تستعمله ويشترك في فهمه اللغوي وغير اللغوي بلا قرينة، ولا يحتاج إلى اجتهاد ولا استنباط فقالوا: إذاً هذا كلّه يدل على أنّ الدلالة دلالة لفظية من نفس اللفظ، وليست قياسية وأكثر أهل العلم على هذا القول أنّها دلالة لفظية، وهل الخلاف خلاف لفظي وإلّا خلاف حقيقي؟ هنا حصل خلاف أيضاً بين أهل العلم، هل الخلاف في هذه المسألة أنّ مفهوم الموافقة الأولوي والمساوي دلالته دلالة لفظية وإلّا قياسي، حصل خلاف بين أهل العلم، هل دلالته دلالة قياسية وإلّا دلالة لفظية، وإذا كانت دلالته هكذا وهكذا: هل الخلاف لفظي وإلّا الخلاف معنوي حقيقي، الصحيح أنّ الخلاف حقيقي، لماذا؟ ما الذي يترتب على ذلك؟ يترتب على ذلك لو قلنا أنّ الدلالة دلالة لفظية لقلنا بأنّه يجوز النسخ بها، القياس لا ينسخ كما هو معلوم، لكنّ الذي ينسخ هو اللفظ، فإذا قلنا بأنّها دلالة لفظية إذاً تكون ناسخة لأحكام خالفتها جاءت قبلها، هذا من حيث النسخ، وكذلك من حيث التقديم والتأخير عند المخالفة فإذا خالف دلالة الموافقة قياس مثلاً ما الذي يقدم؟ إذا قلنا بأنّها لفظية فيقدم اللفظ وإذا قلنا بأنّها قياسية يقارن بينها وبين القياس الذي خالفها.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وإن خالفه فمخالفة".
أي إن خالف المفهومُ المنطوقَ يسمى مفهوم مخالفة أو مخالفة، ومفهوم المخالفة هو مخالفة المسكوتُ عنه المنطوقَ في الحكم إثباتاً ونفياً، ويسمى دليل الخطاب، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقه في الدين"، مفهومه من لم يرد به خيراً لا يفقهه في الدين، هذا مفهوم المخالفة يسمى، فإذاً مخالفة المسكوتُ عنه المنطوقَ في الحكم إثباتاً ونفياً، فالمحكوم عليه مثلاً إذا أثبته المخالف له تنفيه وإذا نفيت المحكوم عليه المخالف له تثبته، ، مفهومه: إن جاءكم عدل فلا تتبينوا، فلستم بحاجة إلى التبين، إذاً فيقبل خبر العدل وإلّا ما يقبل؟ يقبل، بما أنّك ما أُمرت بالتبين من خبره إذاً فخبره مقبول، هذا من مفهوم المخالفة، هذا هو مفهوم المخالفة، طيب هل يُعمل به دائماً؟ لا، له شروط وله تقسيمات نأجلها إلى الدرس القادم إن شاء الله ونكتفي اليوم بهذا القدر.

أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-09-2013, 07:19   #16
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الرابع عشر من شرح كتاب لبّ الأصول:

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
توقفنا عند مفهوم المخالفة، ذكرنا في مسألة دلالة اللفظ أنّ دلالات الألفاظ تنقسم إلى قسمين: منطوق ومفهوم، والمنطوق: المعنى المستفاد من اللفظ من حيث النطق، وهو ثلاثة أقسام: دلالة مطابقة ودلالة تضمن ودلالة التزام، بعض أهل العلم يقسّمه إلى: صريح وإلى غير صريح، فيجعل الصريح دلالة المطابقة والتضمن، ويجعل غير الصريح دلالة الالتزام، ودلالة الالتزام قسّمناها إلى ثلاثة أقسام: دلالة اقتضاء ودلالة إشارة ودلالة إيماء وتنبيه، ثم بعد ذلك انتقلنا إلى المفهوم وهو المعنى المستفاد من حيث السكوت اللازم للمنطوق، وقسّمناه إلى قسمين: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة، ومفهوم الموافقة قسّمناه إلى قسمين: فحوى الخطاب الذي هو المفهوم الأولوي، ولحن الخطاب الذي هو المفهوم المساوي، وموضوعنا اليوم هو مفهوم المخالفة: ويُقال له دليل الخطاب، صار عندنا ثلاثة أشياء: فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب.
فحوى الخطاب: المفهوم الأولوي، لحن الخطاب: المفهوم المساوي، دليل الخطاب: مفهوم المخالفة.
ومفهوم المخالفة هذا قال المؤلف رحمه الله فيه: "وإن خالفه فمخالفة".
أي: إن خالف المفهومُ المنطوقَ سمي مفهوم مخالفة، ما هو مفهوم المخالفة؟ هو مخالفة المسكوتِ عنه المنطوقَ في الحكم إثباتاً ونفياً، ويُسمى دليل الخطاب، مخالفة المسكوتِ عنه المنطوقَ في الحكم إثباتاً ونفياً بالمثال يتضح المعنى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقه في الدين"، المنطوق عندنا في هذا الحديث أنّ الذي يفقهه الله سبحانه وتعالى في الدين أراد به خيراً، طيب: قال في مفهوم المخالفة: مخالفة المسكوتِ عنه المنطوقَ، هنا ما هو؟ الذي لم يفقهه الله تبارك وتعالى، مخالفة المسكوتِ عنه المنطوقَ، المنطوق الذي هو: يفقهه الله في الدين، في الحكم: مخالفته في الحكم إثباتاً ونفياً، هذا أراد الله به خيراً والآخر لم يرد الله به خيراً، هذا هو مفهوم المخالفة.
قال المؤلف رحمه الله: "وشرطه أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غيرَ نفي حكم غيره، كأن خرج للغالب في الأصحّ أو لخوف تهمة أو لموافقة الواقع أو سؤالٍ أو حادثةٍ أو لجهل بحكمه أو عكسه".
متى يعتبر مفهوم المخالفة؟ ويصير حجّة؟ يقول المؤلف له شرط: لا بد أن يتحقق ما هو؟ قال: "أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غيرَ نفي حكم غيره"، ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني بهذا أنّك عندما تقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقه في الدين"، لا يمكن أن تجد فائدة غير نفي الحكم عن المسكوتِ عنه، وبالصور التي ذكرها يوضّح لك القاعدة هذه أكثر،
أول صورة: قال: "كأن خرج للغالب في الأصح": أنظروا معي الآن قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ، الآن ذكر الله سبحانه وتعالى النساء المحرمات ثم ذكر الربائب، الربيبة من هي؟ هي بنت الزوجة، طيب متى تُحرَّم بنت الزوجة؟ على ظاهر اللفظ الذي معنا: ، طيب، ما معنى اللاتي في حجوركم؟ يعني: التي في كنفكم، في حفظكم، في بيوتكم، أنتم تربوهن وتقوموا على شأنهن، هذا معنى في حجوركم، طيب، لو أردنا أن نعمل مفهوم المخالفة هنا، نقول: البنت التي تَحرُم عليك، بنت زوجتك تَحرُم عليك متى؟ إذا كانت في حجرك، وإذا لم تكن لا تَحرُم عليك بمفهوم المخالفة، صحيح، هل يُعمل بمفهوم المخالفة هنا؟ لو أتينا للقاعدة التي ذكرها المؤلف: "أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي حكم غيره"، يعني تخصيص الكلام الآن بمن في حجورنا، ما هي الفائدة من وراء هذا القيد: في حجوركم؟ هل له فائدة غير نفي اللاتي لسن في حجورنا، إذا قلنا لا ماله فائدة إلّا هذا أخذنا بمفهوم المخالفة، لكن إذا قلنا له فائدة أخرى وأتينا بها هنا مفهوم المخالفة غير معتبر، الآن ما هي الفائدة الثانية الموجودة هنا؟ هنا تنازع العلماء، بعضهم قال هناك فائدة ثانية وذُكر هذا القيد بتلك الفائدة لا لإخراج من ليست في الحجر، ما هي هذه الفائدة؟ قالوا: الغالب، قالوا: هذا القيد خرج مخرج الغالب، ما معنى خرج مخرج الغالب؟ الآن حضور هذه الصورة التي هي بنت الزوجة لمّا كانت في الغالب تكون في حجر الزوج صار الأمر كأنّه مقترن ببعضه في الذهن، في العقل، فمجرد أن تذكر الربيبة يأتي في الذهن مباشرة يُستحضر معه الحجر، وأنّها تكون في حجر الرّجل، فصار الأمر هذا أغلبياً فلمّا صار هذا الأمر أغلبياً يُذكر من باب الغالب، فلذلك قالوا هو خرج مخرج الغالب، فالوصف بالربيبة خرج مخرج الغالب، لماذا؟ لأنّ الربيبة في الغالب تكون في حجر زوج أمّها، فصار هذا الوصف ملازماً للربيبة في الذهن، لذلك عندما تُذكر الربيبة يُذكر معها الحجر ، قالوا هذا السبب الذي دفع إلى ذكر هذا القيد وليس لأجل إخراج من ليست في الحجر، وضحت الصورة، هذا قول جمهور العلماء والبعض لم يعتبر هذا الغالب وأخذ بمفهوم المخالفة.
مثال آخر: قوله تعالى: ، المقصود هنا إن أرادت الفتيات الإيماء، إذا كانت عندك أمة لا تغصبها على أن تزني إن أرادت تحصناً، يعني إذا أرادت أن تعفف عن الزّنا، طيب، هل يُؤخذ بمفهوم المخالفة إذا لم ترد التحصن نكرهها على الزّنا؟ لا، إذن لماذا ذكر هنا؟ ذكر للغالب، تمام، وهذا مذهب جمهور علماء الإسلام، فإذن هنا قد تبين عندنا فائدة ثانية غير اعتبار مفهوم المخالفة فلمّا ظهرت عندنا الفائدة الثانية هذه لم نعتبر مفهوم المخالفة، وضحت القاعدة الآن التي ذكرها لنا، هذه صورة من الصور التي تنضبط على القاعدة، "أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غبر نفي حكم غيره"، الآن المنطوق بالذكر عندنا ما هو؟ الحجور الآن هذا تخصيصه تخصيص التحريم بالحجور بالذات ذُكر لفائدة ثانية لا لنفي الحكم عن غيره، وهذه لها صور كثيرة منها: قضية الغالب، قال كأن خرج للغالب في الأصحّ، كأن يقول القيد أصلاً مذكور فقط للغالب، وليس لإخراج ضدّه.
"أو لخوف تهمة":كيف صورة خوف التهمة هذه؟ مثلاً شخص قريب عهد بإسلام، إسلامه جديد يقول لعبده بحضور المسلمين: تصدق بهذا على المسلمين، يعطيه شيء ويقول له: تصدق بهذا على المسلمين، مفهومه الآن أنّه لا يتصدق به على غير المسلمين، لكنّه هو لا يريد هذا ، لكن خشية أن يُتهم بالنفاق ذكر المسلمين ولم يذكر غيرهم، هذا معنى خشية التهمة، خشية أن يُتهم بسوء إسلامه فلذلك لم يذكر غير المسلمين، فهنا مفهوم المخالفة غير معتبر.
قال: "أو لموافقة الواقع":هذا كقول الله تبارك وتعالى: ، الآن هذه الآية فيها نهيٌ عن اتخاذ الكافرين أولياء من غير المؤمنين، ألا يفهم منها أنّه يجوز أن تتخذ الكافرين أولياء مع المؤمنين؟ لا يفهم منها، مفهومها يقتضي هذا، تمام، لكن هذا المفهوم غير معتبر، لماذا؟ لأنّه ما جاء ليعطي المعنى هذا الثاني، الآية ما جاءت لتعطي للمعنى الآخر ولكن جاءت لأمرٍ واقع، كان بعض الناس –قوم- والَوا اليهود دون المؤمنين، والّوا اليهود ولم يُوالُوا المؤمنين، فقوله تعالى: ذُكر لموافقة الواقع، هكذا الواقع كان هؤلاء قوم من الناس جاؤوا ووالَوا اليهود وتركوا المؤمنين فنزلت الآية في ذلك، فواقع الحال كانت هذه صورته، فلا يُستفاد من ذلك أنّه تجوز موالاة الكافرين مع المؤمنين، لأنّه جاءت آيات أخرى تُحرِّم موالاة الكافرين مطلقاً.
الصورة التي بعدها قال: "أو سؤال":أن يخرج المذكور جواباً لسؤال، كأن يَسأل شخصٌ مثلاً: هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيُجاب: في الغنم السائمة زكاة، طيب، الآن لما قال: في الغنم السائمة زكاة، مفهوم المخالفة أنّه في غير السائمة ليس فيها زكاة -التي هي المعلوفة-، السائمة هي التي تأكل من العشب الذي ينبته ربّ العالمين تبارك وتعالى ولا يكون مملوكاً لأحدٍ، تأكل من العشب الذي في الأرض فلا يُنفق عليها، ما عليها مُؤنة، طيب، الآن لمّا قال: في الغنم السائمة زكاة، هنا لا نأخذ بالمفهوم، لماذا؟ لأنّه لمّا قال هذا قاله جواباً لسؤال، هكذا جاء السؤال فالجواب جاء على قدر السؤال، وما أراد من وراء ذلك أن ينفي الحكم عن المعلوفة وإنّما أجاب على قدر السؤال.
قال: "أو حادثة":كمل لو قيل: لزيدٍ غنمٌ سائمة، شخص يتكلم فقال: لزيدٍ غنمٌ سائمة، فيُقال فيها زكاة، الآن هذا حدث وجاء الخطاب بناء على هذا الحدث الذي وقع، فلا يُؤخذ منه مفهوم مخالفة.
قال: "أو لجهل بحكمه":أي أن يكون المنطوق إنّما ذُكر لجهل المخاطب بحكمه مع علمه مثلاً بحكم غيره، كأن يعلم الشخص مثلاً حكم المعلوفة في الزكاة ويجهل حكم السائمة، فيُقال له: في الغنم السائمة زكاة؟ ففي قولنا: في الغنم السائمة زكاة، لا يُؤخذ منه أنّ المعلوفة لا زكاة فيها، لماذا؟ لأني أعلم أنّه يعرف حكم المعلوفة، فأنا أعطيته حكم السائمة، فبينت له حكم ما يجهل وتركت حكم ما يعلم.
"أو عكسِه":أي لجهله بحكم المسكوت دون حكم المنطوق، أي لجهل من؟ المتكلم، المتكلم يكون جاهلاً بحكم ما سكت عنه وما نطق به يعلم حكمه، فيقول مثلاً: في الغنم السائمة زكاةٌ، وهو لا يعرف حكم المعلوفة، فهنا هو جاهل بحكم المعلوفة، فلا يُقال هنا مفهوم المخالفة معتبر، لأنّه هو ما ذكر حكم السائمة لينفي الحكم عن المعلوفة، وإنّما لجهله بحكم المعلوفة سكت عنها وبَيَّن حكم ما يعلم وهي السائمة، وهذه الصورة الأخيرة كثيراً ما تقع في الفتوى، يفتي شخص مثلاً في أحكام الزكاة يقول: في الغنم السائمة زكاة، فإذا سُئل عن المعلوفة قال: الله أعلم لا أدري، فهنا مفهوم المخالفة لا يكون معتبراً.
هذه الصور من التي ذكرها المؤلف رحمه الله والصور كثيرة، يجمع القاعدة عندنا ما ذُكر بداية، إذا تبين لنا أنّ القيد الذي ذُكر لا يراد منه إلّا نفي الحكم عن ضدّه فهنا نؤخذ بمفهوم المخالفة، أمّا إذا تبين لنا أنّ له فائدة أخرى فهنا لا يُؤخذ بمفهوم المخالفة، وضحت الصورة هذه، تمام.
ثم قال المؤلف: "ولا يمنع قياس المسكوتِ بالمنطوقِ، فلا يعمّه المعروض وقيل يعمه".
على ما تقدم إذا وُجد عندنا فائدة ومعنى آخر غير بيان حكم المسكوت عنه هنا قلنا لا نعمل بمفهوم المخالفة، طيب، هل يصحّ أن نقيس المسكوت عنه على المنطوق به؟ يعني عندنا مثلاً: في الغنم السائمة زكاة، شخص سألك: هل في الغنم السائمة زكاة؟ قلت له: نعم في الغنم السائمة زكاة، هنا الآن يُعمل بمفهوم المخالفة وإلّا لا؟ لا يُعمل لأنّه جوابٌ لسؤالٍ، تمام، خرج الجواب للسؤال، فإذن لم يُذكر لكي يُخرج حكم المعلوفة وإنّما ذُكر السّوم لأجل جواب السؤال، لأنّ السؤال كان على السّوم، فإذن هو من الصور التي لا يُعمل بمفهوم المخالفة فيها، طيب، إذا أردنا أن نأخذ حكم المعلوفة بالقياس؟ أن نقيس المعلوفة على السائمة، لنا ذلك؟ يقول المؤلف: "ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق"، إذاً لنا ذلك، لنا أن نقيس المعلوفة على السائمة بجامع كونه كلّه غنماً، فنقيس المعلوفة على السائمة ونأخذ الحكم واحد مثلاً: إذا صحّ القياس بغض النظر الآن، لكن المهم لك أن تقيس المسكوت عنها بالمنطوق بها إذا تحققت شروط القياس.
قال: "فلا يعمّه المعروض"، هنا مسألة أخرى الآن، ما هو المعروض؟ اللفظ العام: هو المعروض، في مثالنا: في الغنم السائمة زكاة، المعروض هو اللفظ العام الذي هو الغنم، الغنم هذه هل هو لفظ عام يعم السائمة والمعلوفة أم لا؟ تقول نعم في حال أنّك لم تعتبر وصف السّوم، لكن لو اعتبرت وصف السّوم ماذا تقول؟ تقول: لا، لأنه قال في الغنم السائمة، إذن المعلوفة ليست داخلة في الموضوع، لكن لو ما اعتبرت السّوم نهائياً، فلفظ الغنم يشمل السائمة والمعلوفة، لكن السّوم موجود فهو معتبر، لماذا نلغيه، فلا يُلغى، إذن المعلوفة لا تدخل في عموم الغنم هنا لأنّه عندنا قيد السّوم موجود، تمام، فإذا لم تدخل فمن أين نأخذ حكمها؟ لنا أن نقيس، لو قلنا بأنّها تدخل كما ذكرت فلسنا بحاجة إلى القياس، نأخذ الحكم من العموم، صحيح، لكنّ الصحيح أنّها لا تدخل، لأنّ قيد السّوم موجود، وإذا كان موجوداً غير ملغى، فإذا المعلوفة لا تدخل في هذه الحال، فلنا أن نعمل بالقياس إذا تحققت شروطه، هذا معنى كلام المؤلف، نقل بعضهم الإجماع على أنّه لا يعمّه، وهو الصحيح لوجود العارض والمقصود بالعارض الذي هو الوصف.
قال المؤلف رحمه الله: "وهو صفة كالغنم السائمة، وسائمة الغنم، وكالسائمة في الأصحّ، والنفي في الأولين معلوفة الغنم على المختار وفي الثالث معلوفة النعم".
مفهوم المخالفة أنواع: بدأ المؤلف بذكرها وهي: مفهوم صفة ومفهوم شرط ومفهوم غاية ومفهوم تقديم المعمول ومفهوم العدد ومفهوم الحصر ومفهوم ضمير الفصل ومفهوم لا وإلّا الاستثنائية، هذه كلّها ذكرها المؤلف، وهناك مفهوم آخر يُقال له: مفهوم التقسيم، وهذا لم يذكره المؤلف وسنذكره في النهاية.
بدأ بمفهوم الصفة:
ومثّل له بثلاثة أمثلة: الأول: الغنم السائمة، الثاني: سائمة الغنم، الثالث: السائمة فقط.
وتعريفه: هو تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات، يتضح لنا التعريف من خلال المثال:
في الغنم السائمة الزكاة، الغنم ذاتٌ له صفتان: صفة العلف وصفة السّوم، عرَفنا الفرق بينهما.
العلف: الذي يقدم له العلف صاحبه، يشتري له العلف ويقدمه له، السّوم: هو أن يرعى من العشب الذي في الأرض، طيب.
الغنم له صفتان، هذا ذاتٌ بصفتين، قلنا في مفهوم الصفة: تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات، الآن في مثالنا: في الغنم السائمة الزكاة، الحكم تعلق بالسّوم، فيُنفى عن الضدّ –العكس- الذي هو العلف، هذا يُسمى مفهوم صفة.
والمثال الثاني: في سائمة الغنم الزكاة، هذا المثال الأول: في الغنم السائمة الزكاة، في المثال الثاني: في سائمة الغنم الزكاة، الآن في المثال الأول أخذنا بمفهوم المخالفة، حكم الغنم المعلوفة، الآن في هذا المثال: في سائمة الغنم الزكاة، مفهومه: في سائمة غيره لا زكاة، فنكون أخذنا حكم سائمة البقر وسائمة الإبل –النعم-، النعم: الإبل والبقر والغنم، هذه التي توصف بالسّوم، فلمّا قال: في سائمة الغنم زكاة، مفهومه أنّه في سائمة البقر ما فيه زكاة، في سائمة الإبل ما فيه زكاة (الجاموس يُلحق بالبقر والماعز يُلحق بالغنم)، والبعض طبعاً ذهب إلى عدم الفرق بين الجملتين ونفى الحكم عن المعلوفة، المؤلف قال: "وفي الثالث معلوفة النعم"، لأنّه قال في سائمة الغنم: "والنفي في الأولين معلوفة الغنم على المختار" هو هذا الذي ذهب إليه المؤلف إلى عدم الفرق بين الأول والثاني، فجعل المفهوم للأول والثاني واحد، ما فرّق بينهما، لكن كثير من أهل العلم فرّقوا وجعلوا المفهوم الأول يختلف عن المفهوم الثاني، أمّا الثالث فهو: معلوفة النعم، الذي هي في المثال الثالث: الذي هو السائمة، السائمة قلنا لفظ السّوم يُطلق على الثلاث التي هي: الإبل والبقر والغنم، فلمّا قال السائمة فقط فمفهومه أنّ معلوفة النعم كلّها منفيٌ عنها الحكم، هذا هو.
قال المؤلف رحمه الله: "ومنها العلّة والظرف والحال".
منها: من ماذا؟ من الصفة، يعني الصفة عندنا هنا هي ليست الصفة التي عند أهل النحو، الصفة عندنا هنا أعمّ، تشمل الصفة التي عند أهل النحو والعلّة والظرف والحال.
مثال العلّة:ما أسكر كثيره فقليله حرام، مفهومه: أنّ ما لا يُسكر كثيره لا يَحرُم.
ومثال الظرف:-سواء كان ظرف زمان أو ظرف مكان-:
سافر غداً، مفهومه: لا تسافر في غيره، هذا ظرف زمان.
واجلس أمام فلان، مفهومه: لا تجلس غير أمامه، لا يمين ولا شمال ولا خلف، تمام، وهذا ظرف مكان.
وقال تعالى: ، أي: فلاحجّ إلّا في الأشهر المعلومات.
وقال تعالى: ، مفهومه: أنّ الذكر عند غيره ليس محصلاً للمطلوب.
ومثال الحال:، مفهومه: باشروهن وأنتم غيرُ عاكفين في المساجد، وأنتم عاكفون: جملة حالية.
وأحسن إلى العبد مطيعاً، مطيعاً: هنا حال، أي: أحسن إلى العبد مطيعاً، لا تحسن إليه عاصياً.
ثم قال: "والشرط وكذا الغاية وتقديم المعمول غالباً والعدد".
أي: ومفهوم الشرطمن أنواع مفهوم المخالفة، مفهوم الشرط وهو تقييد الحكم بما هو مقرون بحرفِ شرطٍ، فهو الشرط اللغوي، المقصود هنا حروف الشرط: إن وإذا، تمام، كقوله تعالى: ، أي: فغير أولات الحمل لا يجب الانفاق عليها.
"وكذا الغاية":أي ومفهوم الغاية وهو تقييد الحكم بغاية كإلى وحتى.
كقوله تعالى: ﭿ، مفهومه: أن لا صيام في الليل، وأنّه بانتهاء النهار ينتهي الصيام.
وقوله: ﯿ، حتى هنا: للغاية، فهي بمعنى: إلى أن تنكح زوجاً غيره، طيب، إذن مفهومه ماذا؟ إذا نكحت زوجاً غيره ودخل بها ثم طلقها حلّ له نكاحها.
قوله: "وتقديم المعمول":المعمول ما هو؟ هو ما يتغير آخره برفعٍ أو نصبٍ أو جرٍ أو جزمٍ، بتأثير العامل فيه كالمفعول به والجار والمجرور والحال والظرف والخبر وتقديمه، أن يُقدم في الذكر على العامل، أي الذي أحدث فيه الرفع أو الجرّ أو النصب أو الجزم، مثال ذلك: قوله تعالى: ، أصلها: نعبدك، ما الذي جعل الكاف هنا منصوبة؟ الضمير: هذا الكاف، هذا ضمير وهو منصوب في محل مفعول به، ما الذي جعله منصوباً؟ الفعل: نعبد، الآن صار العامل ما هو؟ الفعل نعبد، والمعمول: الضمير الكاف، فالعامل: الفعل عمل فيه النصب، وضحت الصورة، طيب، الآن لمّا قال: ماذا حصل؟ قدّم الضمير على الفعل، الأصل أن يكون الفعل متقدماً وأن يكون المفعول به بعده، صحّ؟ هنا قلبنا، جعلنا المفعول به أولاً ثم الفعل جاء بعد ذلك، فإذا هنا يقول: تقديم المعمول معناه أنّ هنا الضمير قُدّم على الفعل الذي عمل فيه، وضحت الصورة، تمام، وتقديم المعمول هذا يفيد ماذا؟ يفيد الحصر، فالمفهوم الذي يُؤخذ من هذا: مفهوم الحصر يسمى، ما معنى الحصر؟ معنى الحصر أن يخصّ الحكم فيما ذُكر ويمنعه من غيره، إثبات الحكم في المذكور ونفيه عمّا سواه، هذا يسمى بالحصر، طيب لمّا قال: ما هو الحصر الذي حصل؟ أنّ العبادة حُصرت لله سبحانه وتعالى ونُفيت عن غيره، هذا معنى الحصر، فمفهوم أننا لا نعبد غيرك،
ومثال الجار والمجرور:قوله تعالى: ، هنا لإلى: فُكّها تكون: اللام وحدها و: إلى الله تحشرون، إلى الله: هنا جار ومجرور، طيب، لمّا ترد الكلام إلى أصله ماذا يكون؟ تحشرون إلى الله، فهنا قُدِّم الجار والمجرور على الفعل، الجار والمجرور هذا يُعتبر معمولاً، وتحشرون هو العامل، فقُدّم عليه، فالتقديم هذا يفيد الحصر، فتحشرون إلى الله لا تحشرون إلى غيره.
قال المؤلف: "وتقديم المعمول غالباً"،يعني غالباً يُؤخذ بمفهوم تقديم المعمول، وأحيانا لا، هذا عند المؤلف ولكن غيره لم يقيد بهذا القيد، وقال وتقديم المعمول مطلقاً يُؤخذ بمفهومه.
قال المؤلف: "والعدد"،يعني مفهوم العدد، كقوله تبارك وتعالى : ، مفهومه: لا أكثر ولا أقل.
قال المؤلف: "ويفيد الحصر إنّما بالكسر في الأصحّ".
يعني كلمة إنّما تفيد الحصر، إنّما التي هي همزتها مكسورة وليست أنّما، هذا معنى قوله بالكسر، يريد أن يبين لك أنّما كلامي في إنّما لا في أنّما، ويُفيد الحصر إنّما بالكسر في الأصحّ، في الأصح: في المسألة خلافٌ، والصحيح أنّ إنّما تفيد الحصر، مثالها: ، فحصر الألوهية في ربّ العزة تبارك وتعالى وليس لكم إلاه غيره، والإله معناه المعبود بحقّ، وهنا من الفوائد التي تُؤخذ أنّ المحلي في شرحه على جمع الجوامع فسّر الإله بالمعبود بحقّ، تمام، وتبِعه المصنف، فهذا نحتج به على الأشاعرة وعلى الصوفية الذين يُخالفون في تفسير الإله، نقول لهم هذا المحلي أشعري والأنصاري صوفي وقد فسّرا هذه الآية بالمعبود بحقٍّ، فالمعبود بحقٍّ هو الله سبحانه وتعالى وحده، والذي يدلّ على أنّ إنّما تفيد الحصر أنّ ابن عباس رضي الله عنه فهم منها الحصر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّما الرّبا في النسيئة"، وكان في وقت من الأوقات ابن عباس رضي الله عنه يُجز ربا الفضل، فلمّا استدل على الذين يُحرّمون ربا الفضل بهذا الحديث ما اعترض عليه الصحابة بأنّها لا تفيد الحصر، ما معنى: "إنّما الرّبا في النسيئة"؟ يعني: أنّه لا ربا في الفضل، لأنّه محصور، فمفهومها أنّه لا ربا في الفضل، الصحابة لما اعترضوا على ابن عباس ما قالوا له هذه لا تفيد الحصر ولكن اعترضوا عليه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الآخر، فدلّ ذلك على أنّها تفيد الحصر عند الصحابة رضي الله عنهم.
قال المؤلف: "وضمير الفصل"،يعني الضمير الذي يأتي بين المبتدأ والخبر، الضمير الذي يفصل بين المبتدأ والخبر كذلك يفيد الحصر، كقولهم: زيد هو العالم، فيفيد ثبوت العلم لزيدٍ ونفيه عن غيره بالمفهوم، زيد هو العالم: بمنطوقه يفيد بأنّ زيد عالمٌ، وبمفهومه: ينفي العلم عن غير زيدٍ، ومنه: ، لمّا عابوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا بأنّه أبتر، قال الله سبحانه وتعالى: ، يعني: أنّك أنت لست كذلك وغيرك ليس كذلك، إنّما هو الذي ادعى هذه الدعوة هو الأبتر، ومنها قوله تعالى: ، أي: ليس غيره.
قال المؤلف: "ولا وإلّا الاستثنائية"،مع بعضهما لا وإلّا التي للاستثناء، كقولهم مثلاً: لا عالم إلّا زيدٌ، لا وإلّا، لا عالم إلّا زيد، نفي وإثبات لا بد أن يكون عندنا نفي وإثبات، لا عالم: نفي، وإلّا زيد: إثبات، المنطوق في هذه نفي العلم عن غير زيد، لا عالم إلا زيدٌ ومفهومها إثبات العلم لزيدٍ، ومثلها ما قام إلّا زيد، ليس لا فقط وما أيضاً، ما قام إلّا زيد، فيها نفي وإثبات أيضاً.
قال المؤلف: "وهو أعلاها".
بدأ الآن بالترتيب، ذكر الأقسام ثم بدأ بالترتيب فقال: "وهو أعلاها"، يعني: أقواها مفهوم النفي والإثبات، لا وإلّا الاستثنائية، هذا أقوى شيء، هذا ينفعك عند التعارض، فأقوى مفهوم هو مفهوم لا وإلّا الاستثنائية، أو النفي والإثبات، لماذا جعله الأقوى؟ لأنّ بعض أهل العلم جعلوه من المنطوق لا من المفهوم.
ثم قال: "فما قيل منطوق كالغاية وإنّما".
يعني يأتي في الترتيب الثاني ما قيل فيه بأنّه منطوق كالغاية وإنّما، يعني مفهوم الغاية ومفهوم الحصر إنّما، يأتي في الترتيب الثاني، طيب ما هي ما وإلّا الاستثنائية قالوا فيها بأنّها منطوق، فكيف هنا يقول ما قيل منطوق يعني جعله في الترتيب الثاني مع أن الأولى قالوا فيها منطوق والثاني قالوا فيها منطوق ومع ذلك جعل تلك مقدمة على هذه، لماذا؟ لأن الأولى جعلوها من المنطوق الصريح، وهذه الثانية جعلوها من المنطوق بالإشارة، والمنطوق الصريح أقوى من المنطوق بالإشارة.
ثم قال المؤلف: "فالشرط".
أي الترتيب الثالث: مفهوم الشرط، جعله ثالثاً لأنّه لم يقل أحدٌ بأنّه من المنطوق.
"فصفة أخرى مناسبة وغير مناسبة".
الترتيب الرابع الصفة، سواء كانت مناسبة للحكم أو غير مناسبة للحكم.
مثال الصفة المناسبة للحكم: في الغنم السائمة، السوم وصف مناسب للحكم.
ومثال الصفة الغير مناسبة للحكم: في الغنم العفر الزكاة، ما معنى العفر؟ التي يميل لونها إلى البياض، هنا اللون لا يُؤثر في الحكم، فهو غير مناسب للحكم، فهنا يكون الوصف سواء كان مناسباً أو غير مناسب يأتي في هذا الترتيب -مفهوم الوصف-.
ثم قال: "فالعدد".
يعني الترتيب الخامس يأتي العدد، لأنّ الكثير أنكروه، الكثير أنكروا مفهوم العدد ولم يعتبروه.
ثم قال: "فتقديم المعمول".
يعني يأتي بعد العدد تقديم المعمول، هذا عند المؤلف، لماذا؟ قال لأنّه في بعض الأحيان لا يُؤخذ بمفهوم تقديم المعمول، لأنّه هناك في البداية قال: "فتقديم المعمول غالباً"، يعني أحياناً لا يُؤخذ به، هذا عند المؤلف، أمّا غيره فقالوا: تقديم المعمول مطلقاً، لذلك لم يجعلوه في هذا الترتيب بل جعلوه في مرتبة الحصر، في مرتبة بعد إنّما والغاية.
مفهوم التقسيم:هو أن يذكر في الكلام أمرين على سبيل التقسيم، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الثيب أحقّ بنفسها والبكر تُستأذن"، الآن هنا قسّم النبي صلى الله عليه وسلم النساء إلى قسمين: ثيب وبكر، وأعطى كلّ واحدةٍ منهما حكماً، فإعطاؤه الحكم الآن، تخصيص كلّ واحدة بحكم يدلّ على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر، هذا هو مفهوم التقسيم، وهذا بعض أهل العلم جعلوه من أقوى أنواع المفاهيم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "والمفاهيم حجة لغة في الأصح".
جميع مفاهيم المخالفة حجّة على الصحيح، وهو مذهب جمهور العلماء إلّا مفهوم اللقب وسيأتي إن شاء الله الحديث عنه، وحجتها لغوية، يعني أنّها من حيث اللغة، لأنّ الكثير من أئمة اللغة قال بمفهوم المخالفة، منهم أبو عبيدة معمر بن مثنى وتلميذه أبو عبيد القاسم بن سلام وهما إمامان من أئمة اللغة، ومن أئمة السلف أيضاً رحمهم الله.
قال المؤلف: "وليس منها لقب في الأصح".
يعني: مفهوم اللقب خارج عن الحجية، لا يُحتج به، مفهوم اللقب هو تعليق الحكم بالاسم الجامد سواء أكان اسم جنس أو علماً أو لقباً أو كنية، هو تعليق الحكم بالاسم الجامد سواء أكان اسم جنس أو علماً أو لقباً أو كنية هذا يسمى مفهوم اللقب، وهذا ليس بحجة عند الجمهور، من أسباب القول بعدم حجيته، لو قلنا عيسى رسول الله مفهومه ماذا؟ أنّ محمداً ليس برسول الله وغيره أيضاً من الأنبياء ليسوا برسل، ومفهومه كفر، لذلك لم يعتبر العلماء مفهوم اللقب، "وجعلت لي تربتها طهوراً" الآن اللقب أين هنا؟ التربة، التربة هذه اسم جنس، فلا يُؤخذ بمفهومها بأنّ غير التربة ليس بطهور، تمام، فمفهوم اللقب غير معتبر عند جمهور العلماء وهو الصحيح إن شاء الله.
وبهذا نكون قد انتهينا من المفهوم والمنطوق والحمد لله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-09-2013, 10:21   #17
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ المجلس الخامس عشر من شرح كتاب لبّ الأصول

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فقال المؤلف رحمه الله: "مسألة: من الألطاف حدوث الموضوعات اللغوية".
من الألطاف: جمع لطف، وهو الرفق، أي: من رفق الله بنا أن أوجد الموضوعات اللغوية، الموضوعات اللغوية المقصود بها الألفاظ الدالة على المعاني، عندما تقول أسدٌ هذا لفظ، يدلّ على الحيوان المفترس، هذه الألفاظ التي وضعها الله تبارك وتعالى أنعم بها علينا، هذه من نعم ومن رحمة الله ومن رفقه بعباده، هذا معنى قول المؤلف: "من الألطاف حدوث الموضوعات اللغوية"، واللفظ هو الحرف والصوت الذي يُعبِر به الشخص عن مراده الذي في نفسه، فيدخل في الألفاظ: الضمائر المستترة في الأفعال فهي ملفوظ بها حكماً، وأخرج بذلك الخط والإشارة فهذه ليست من اللفاظ.
قال: "وهي أفيّد من الإشارة والمثال وأيسر".
وهي: أي الموضوعات اللغوية، فالألفاظ والتخاطب باللغة أفيّد من الإشارة والمثال، الإشارة التي تكون باليد مثلاً أو بالوجه بالحاجبين أو بالعين أو بالفم، إشارات، يقول المؤلف: "الألفاظ أفيّد من الإشارة والمثال"، تضرب مثالاً على أمرٍ تريد أن تُعبر عنه، الإنسان بحاجة إلى التعبير عمّا في نفسه، لأنّ الإنسان بطبعه أصلاً لا يستطيع أن يعيش في هذه الدنيا وحده فلا بد أن يتعاون مع الناس كي يتمكن من العيش في هذه الدنيا فهو بحاجة أن يتخاطب مثلاً من صانع الملابس كي بلبس، بحاجة أن يتخاطب مع من عنده خُضار، من عنده طعام، ويشتري منه، وبحاجة أن يبيع للناس ما عنده من زائد، فهو بحاجة إلى ذلك، فتتكون معاني في نفسه يريد أن يخاطب أو يوصل هذه المعاني للناس، طيب، إيصال هذه المعاني التي في نفسه إلى الناس كيف يكون؟ إمّا أن يكون باللفظ أو بأمر آخر كالإشارة مثلاً أو كالمثال، أيها أكثر فائدة؟ قالوا: الألفاظ أكثر فائدة من الإشارة ومن المثال، لماذا أكثر فائدة؟ الألفاظ بإمكانك أن تُعبِر بها عن الموجود والمعدوم والمحسوس وغير المحسوس، لكنّ الإشارة أو المثال لا يمكن ذلك، لا يمكن أن تُعبّر عن شيء معدوم بالإشارة، هل يمكن أن تشير إلى شيء معدوم؟ لا يمكن، والمثال: ليس كل شيء يوجد له مثال، فالألفاظ هي أفيّد شيء في هذا الباب وأيسره أيضاً، من حيث السهولة هي أسهل شيء لأنّ طبيعة الإنسان في إخراجه للصوت أسهل بكثير من استعمال الإشارات والتمثيلات، هذا معنى قوله: "وهي أفيّد من الإشارة والمثال وأيسر".

ثم قال: "وهي ألفاظ دالة على معانٍ".
وهي: الموضوعات اللغوية، هي ألفاظ دالة على معانٍ، اللفظ: هو الحرف والصوت، كقولنا: أسد، هذا لفظ يدلّ على معنى وهو الحيوان المفترس، فبقوله ألفاظ دالة على معانٍ أخرج الألفاظ المهملة التي لا معنى لها، هذه ليست داخلة في كلامه.
قال: "وتعرف بالنقل وباستنباط العقل منه".
تعرف اللغة بالنقل وباستنباط العقل منه، الآن عندما نريد أن نعرف معنى كلمة: بحر، أو كلمة: سماء، كيف نعرف ذلك؟ نعرفه بالنقل عن أهل اللغة، فنحن نرجع إلى ماذا حتى نعرف معنى هذه الكلمات؟ نرجع إلى القواميس، المعاجم اللغوية، المعاجم اللغوية عبارة عن نقل لكلام العرب لهذه الألفاظ وأنّها وضعت لمعانٍ معينة، فهذا كان بماذا؟ بالنقل، نُقل عن العرب، فتعرف اللغة بماذا ؟ بالنقل، فهي منقولة عن العرب، وهذا النقل له طريقان: إمّا بالتواتر أو بالآحاد، فمثلاً معنى السماء والأرض والشمس والقمر والبحر ومثل هذه الألفاظ هذه منقولة بالتواتر، ما فيها إشكال، وهناك ألفاظ نقلت عن أهل اللغة بالآحاد لا بالتواتر كلفظة: القرء مثلاً، ما تواتر النقل عن أهل اللغة بأنّ معناها الحيض أو الطهر، فلمّا نقلت إلينا هذه اللفظة وأنّها وضعت بالوضع العربي لهذين المعنيين نُقلت بالآحاد لا بالتواتر، هكذا يكون نقل اللغة.
قال: "وتعرف بالنقل وباستنباط العقل منه"، يعني إمّا أن نعرف اللغة بالنقل، بأن تُنقل عن أهل اللغة، أنّهم استعملوا هذه الكلمة أو وضعوا اللفظ الفلاني، أو باستنباط العقل من النقل، العقل وحده قالوا: لا محالّ له هنا، لا يمكن أن يدرك اللغات وحده، ولكنه يستعين باللغة، بإمكانه أن يستعين باللغة فيستنبط معانٍ، مثّلوا لذلك بالجمع المعرف بالـ، قالوا هذا عام، من أين أخذنا عمومه؟ قالوا: أخذناه استنباط عقلي من النقل، النقل الذي وردنا الذي دلّنا على أنّ الجمع المعرف بالـ يفيد العموم هو الاستثناء، الجمع يصحّ الاستثناء منه، هذا نُقل إلينا عن العرب، أنّ الجمع المعرف بالـ يصحّ الاستثناء منه، أي: إخراج بعضه بإلّا أو بإحدى أخواتها، وإذا علمنا أيضاً بأن كلّ ما صحّ الاستثناء منه مما لا حصر فيه فهو عام، للزوم تناوله للمستثنى، خرجنا من ذلك بأنّ الجمع المعرف بالـ يفيد العموم، كقولنا مثلاً: أكرم الطلاب إلّا زيداً، أين الجمع المعرف بالـ؟ الطلاب، هذا الاستثناء من الجمع نُقل إلينا عن العرب، فاستطعنا أن نستنبط منها أنّ الجمع المحلى بالـ أنّه يفيد العموم، إذن بإمكاننا أن نَعرف اللغة من طريقين:
· طريق النقل إمّا بالتواتر أو بالآحاد.
· طريق الاستنباط العقلي مما نُقل وليس مطلقاً.

قال المؤلف: "ومدلول اللفظ معنى جزئي أو كلي أو لفظ مفرد أو مركب".
هذا تقسيم اللفظ المفرد من حيث مدلوله، اللفظ المفرد بالنظر إلى ما يدلّ عليه، مدلول اللفظ أي: المعنى الذي يدلّ عليه اللفظ، إمّا أن يكون ما دلّ عليه اللفظ معنى أو لفظ، اللفظ إمّا أن يدلّ على معنى أو أن يدلّ على لفظ، نترك اللفظ الآن مؤقتاً بعد أن ننتهي من المعنى، نبدأ بالمعنى:
قلنا: مدلول اللفظ إمّا أن يكون معنى أو لفظ، ضع اللفظ جانباً، نبقى مع المعنى، يقول: المعنى جزئي وكلّي، إمّا أن يكون معنىً كلّياً أو جزئياً، الآن نفسر الكلّي والجزئي، يقولون: إذا اتحد اللفظ والمعنى واشترك في مفهومه كثير سُمي كلّياً، ويعرّفونه: ما لا يمنع تصوره من الشركة، الكلّي ما هو؟ مالا يمنع تصوره من الشركة، كإنسان وبعير ورجل، الآن نبدأ من الأول، عندنا المثال: رجل، قلنا إذا اتحد اللفظ والمعنى، اللفظ عندنا رجل، والمعنى الذي يدلّ عليه هو الإنسان الذي يتصف بالرجولة، اتحد اللفظ والمعنى، هل اشترك في مفهومه كثير أم لم يشترك في مفهومه؟ هل لفظ الرجل يُطلق على شخص معين أم يطلق على أكثر من شخص؟ يُطلق على أكثر من شخص، إذن يشترك في مفهوم كلمة رجل أكثر من واحد، هذا هو المقصود، إذا اتحد اللفظ والمعنى واشترك في مفهومه كثير سمي كلّياً، كإنسان وبعير ورجل، الكلّي هذا يُتصور في النّكرة ليس في المعرفة، طيب، إذا اتحد اللفظ والمعنى ولم يشترك في مفهومه كثير سمي جزئياً، ويعرّفونه: ما يمنع تصوره من الشركة، ما معنى كلمة ما يمنع تصوره وما لا يمنع تصوره؟ تصور المعنى في الذهن، عندما أقول لك: رجل، عندما تتصوره في الذهن يمكنك أن تتصور شخصاً واحداً معيناً؟ لا، فهو لا يمنع تصوره من الشركة، لكن إذا قلت لك: زيد، فأنت تتصور شخصاً معيناً، فهنا تصوره يمنع من الشركة، فكلمة: زيد الآن هذا يعتبر جزئي وكلمة رجل يعتبر كلّي، ربما يقول شخص زيد ربما إذا أُطلق يصحّ إطلاقة على أكثر من شخص يُسمى بزيد، نقول عند الخطاب لا نفهم منه إلّا شخصاً معيناً واحداً، إذن عندنا كلّي وجزئي، ما الفرق بينهما؟ الفرق بين الكلّي والجزئي والكلّ والجزء: عندنا كلّي وجزئي وعندنا كلّ وجزء، نريد أن نفرّق بين هذا الاصطلاح وهذا الاصطلاح:
أولاً: الكلّ والجزء يكون في عين واحدة، والجزء بعض من الكلّ كالإنسان، الإنسان كلّ واليَد جزء منه، الآن كلمة الإنسان وكلمة اليد مشتركة في عين واحدة أم لا؟ العين واحدة، واليد جزء من الإنسان، هذا الكلّ والجزء، علامة الكلّ والجزء: أن لا يصحّ الإخبار بإحدى الكلمتين عن الأخرى، فلا يُقال الإنسان يد ولا يُقال اليد إنسان، لا يصحّ الإخبار، وأمّا الكلي والجزئي فيدلّ على عام له أفراد يتميز بعضها عن بعض، مثل: رجل، هذا كلّي، لأنّه يدلّ على أفراد متباين بعضها عن بعض، فزيدٌ رجلٌ وعمرو رجلٌ وخالدٌ رجلٌ وهكذا، وزيد غير عمرو وعمرو غير خالد وهكذا، وعلامته أنّه يصحّ أن تخبر بإحدى الكلمتين عن الأخرى فتقول: زيد رجل، وخالد رجل وعمرو رجل، إذن يصحّ أن تخبر بإحدى الكلمتين عن الثانية، هذا علامة الكلّي والجزئي، فالفرق بين الكلّ والجزء والكلّي والجزئي من وجهين: لفظي ومعنوي.
الوجه المعنوي: أنّ الكلّ يدلّ على عينٍ واحدةٍ ذات أجزاء، والجزء هو جزء من تلك العين، وأمّا الكلّي فيدلّ على شيء عام تشترك فيه أفراد متباينة ينفصل بعضها عن بعض، هذا الفرق المعنوي من حيث المعنى.
الفرق من حيث اللفظ: أنّ الكلّ لا يصحّ الإخبار به عن جزئه ولا العكس، وأمّا الكلّي فيصحّ.
وهناك فرق ثالث وهو: أنّ الكلّي يصحّ تقسيمه، وأمّا الكلّ فلا يصحّ تقسيمه، مثلاً يصحّ أن تقول: الكلام ينقسم إلى: اسم وفعل وحرف، قسّمنا، هل يصح أن تقول الإنسان ينقسم إلى يد ورجل ورأس؟ لا يصحّ، لأنّك عندما تقول: ينقسم إلى كذا وكذا فمعنى ذلك أنّ أحد هذه الأقسام هي تعبر عنه، هذا الفرق بين الكلّي والجزئي والكلّ والجزء، فمدلول اللفظ معنى جزئي أو معنى كلّي.
نرجع الآن إلى اللفظ، قلنا: مدلول اللفظ ما هو؟ إمّا معنى أو لفظ، انتهينا من المعنى، الآن نريد أن نرجع إلى اللفظ، اللفظ يدلّ على لفظ، اللفظ نفسه مدلوله يكون لفظاً فيدل على لفظ آخر، مثل: الكلمة، الكلمة لفظ تدل على لفظ آخر وهو إمّا اسم أو فعل أو حرف، فمدلول اللفظ لفظ، وهذا ينقسم إلى مفرد ومركب وكلّ منهما إمّا مستعمل وإمّا مهمل.
اللفظ المفرد المستعمل: كالكلمة، الكلمة لفظ مفرد مستعمل، وهي قول مفرد والقول لا يكون إلّا مستعملاً. والمفرد المهمل: كأسماء الحروف: ألف باء تاء ثاء، أسماء الحروف هذه مفردة لكنّها مهملة لا معاني لها، إنّما تستعمل متى؟ عند تدريس الصغار بداية اللغة وإلّا هي ألفاظ مهملة لا معنى لها، هذا بالنسبة للمفرد.
وأمّا المركب المستعمل: الآن عندنا لفظ مدلوله لفظ مركب مستعمل، لفظ الخبر مثلاً يدلّ على لفظ مركب وهو كـ: قام زيد، خبر وإلّا ليس خبر؟ خبر، فمدلوله خبر ولكنه خبر مركب، مستعمل وإلّا مهمل؟ مستعمل.
وأمّا المركب المهمل: فقالوا هذا غير موجود لأنّ التركيب يؤتى به أصلاً لماذا؟ للإفادة، فإذا ما فيه إفادة وهو معنى الإهمال فلا يوجد.
قال المؤلف رحمه الله: "والوضع جعل اللفظ دليل المعنى وإن لم يناسبه في الأصحّ".
هذا تعريف للوضع، قال في تعريف الوضع: هو جعل اللفظ دليل المعنى، فإذا جُعل لفظ الأسد مثلاً يدلّ على الحيوان المفترس سُمي هذا وضعاً، بمعنى أنّهم هيأوه له، كما يهيأ اسم المولود، يقال نسميه زيداً، تهيء: تجهيز يعني، فإذا وضع لفظ معين وأعد كي يستعمل للحيوان المفترس سُمي هذا وضعاً بغض النظر عن الواضع الآن -من الذي وضع- فيه خلاف:
· بعضهم قال: الله سبحانه وتعالى هو الذي علّم الناس هذه الأسماء على ما هي عليه، فالله سبحانه وتعالى وضع هذه الألفاظ لهذه المعاني.
· وبعضهم قال: لا، الناس هي التي اصطلحت عليه.
وسيأتي هذا الموضوع مستقلاً، لكن الآن عندما أُخذ لفظ أسد وأُعد لأن يوضع للحيوان المفترس يُطلق على الحيوان المفترس، هذا سموه وضعاً.
قال: "جعل اللفظ دليل المعنى"، جعل لفظ أسد يدلنا على الحيوان المفترس، هذا يسمى وضعاً، تمام، طيب، عندنا هنا الآن اصطلاحات ثلاثة: مهم أن نعرفها.
الاصطلاح الأول يهمنا متى؟ يهمنا في مسألة الحقيقة والمجاز، عرفنا ما هو الوضع، طيب، فيه عندنا وضع وعندنا استعمال وعندنا حمل، وضع واستعمال وحمل.
الوضع عرفناه، وهذا يكون ممن؟ من الواضع، إمّا العرب أو الله تبارك وتعالى.
وعندنا استعمال وهذا يكون من المتكلم، إذا استعمل لفظ الأسد في ماذا؟ أطلقه على المعنى الذي وضعته له العرب وهو الحيوان المفترس، عند هذا الإطلاق نقول في المتكلم إنّه مستعمل، هو الذي استعمل اللفظ، هو الذي استخدمه، تمام، هذا يسمى: مستعمل.
الحمل: اعتقاد السامع وفهمه للكلام، فيكون الحمل ممن؟ من السامع، الاستعمال من المتكلم والحمل من السامع، مرّ عليكم كلام أهل العلم يقولون: حمل كلامه على كذا وكذا، كلامه محمول على هذا المعنى، هذا من هذا، ما معنى الحمل؟ الحمل اعتقاد السامع وفهمه للكلام.
الآن الذي يريده المؤلف هو عندنا هنا فقط أن يقول: والوضع جعل اللفظ دليل المعنى، وفي آخر كلامه قال: وإن لم يناسبه في الأصحّ، الآن عندما يريدون أن يضعوا لفظاً لمعنى من المعاني، يُتصور المعنى في ماذا؟ في الذهن، ثم يُوضع له لفظ ليدل على هذا المعنى، طيب، هل يجب أن يكون بين المعنى واللفظ مناسبة؟ أمر طبيعي، ما معنى الأمر الطبيعي؟ بعضهم قال: الحروف التي تتركب منها الألفاظ هذه حروف لها طبائع فطبائعها إمّا أن تكون حرارية أو برودة أو رطوبة أو يبوسة، هذه بالنسبة للحروف نفسها، فعندما تأتي مثلاً لكلمة نار ينبغي أن تكون النون والألف والراء هذه من طبيعة هذه الحروف أنّ فيها حرارة، فعند الوضع تراعى هذه المناسبة بين لفظ النّار والمعنى الذي أطلقت عليه، تمام، هو أحد المعتزلة الذي اخترع هذا الكلام، اخترع هذا الكلام وقال بهذه القاعدة، قال بأنّه لا بد من وجود تناسب ما بين اللفاظ والمعاني، التناسب هذا الذي يعنيه بالتناسب، جمهور العلماء على خلاف ذلك وردّوا ذلك بماذا؟ قالوا: نحن وجدنا في لغة العرب كلمات تستعمل للضدين مثل: الجَوْن يُطلق على البياض وعلى السواد، ومثل القرء يستعمل للحيض ويستعمل للطهر، لمّا تقول أنت اللفظ يكون فيه مناسبة بينه وبين المعنى، كيف سيكون هنا اللفظ مناسباً لماذا؟ أمران متضادان، كيف سيصلح هذا، لا يصحّ، الحيض سيلان والطهر جفاف، فكيف ستجعل كلمة القرء متناسبة مع هذا ومع هذا، لا يمكن، فردّوا قوله بمثل هذا، هو قال لهم طيب تخصيص لفظ معين بمعنى معين بدون مخصص هكذا لا يصحّ، ما الذي جعل مثلاً كلمة نار تُطلق على هذه النّار، لماذا هذه لفظة نار بالذات لماذا ما نقول بحر مثلاً؟ إذن لا بد من مخصص، قالوا له: الإرادة كافية في ذلك، إرادة من؟ إرادة الواضع بغض النظر عن الواضع الآن تمام، قالوا الإرادة كافية في هذا.
ثم قال المؤلف: "واللفظ موضوع للمعنى الذهني على المختار".
هذه المسألة اختلفوا فيها أيضاً، هل اللفظ وُضع للمعنى الذهني أم لما هو في الخارج؟ الآن: لفظ أسد، كلمة أسد، عندما جاء العرب مثلاً -لو قلنا العرب الذين وضعوا- يريدون أن يضعوها لمعنى الحيوان المفترس، هل وضعوها للمعنى الذي قام في أذهانهم أم وضعوها على هذا الحيوان الذي يجري في الخارج؟ هنا محل الخلاف، تمام، فبعضهم قال: وضعت للمعنى الذي في الذهن فقط ثم المعنى الذهني هو الذي يوصل لما في الخارج واستدلوا على ذلك بماذا؟ قالوا: لو جاء شخص ورأى شيئاً من بعيد، رأى حجراً، رأى شيئاً بغض النظر عما هو، لكن قال هو حجر، تمام، فصوّره في الذهن أنّه حجر، فأطلق اللفظ على ما في الذهن، فلمّا اقترب قليلاً قال هو شجر، أحسّ أنّه يتحرك -هو الشيء واحد تغير الشيء هذا الذي في الخارج؟ ما تغير هو واحد-، لكن هنا ما الذي صار؟ قال: هو شجر، تغير أطلق اللفظ الآخر على ما قام في ذهنه، لمّا تغير ما في ذهنه غير اللفظ له، واضح، ثم لمّا اقترب وجده إنسان، فقال: هذا إنسان، فيُطلق الألفاظ على ما يحصل في ذهنه، قالوا: هذا دليل على أنّ الألفاظ وضعت لماذا؟ لما في الذهن، وردّ عليهم الآخرون قالوا: إنّما حصل الإطلاق بناءً على الاعتقاد، لمّا اعتقد أنّ الذي في الخارج هو حجر أطلق اللفظ على ما هو في الخارج بناءً على اعتقاده لأنّه ظنّه حجر، فلم يطلقه على المعنى الذي في الذهن دون الذي هو في الخارج، فردّوا عليهم بهذا الكلام، فهذا القول الثاني هو الأصوب إن شاء الله أنّ الألفاظ وضعت لما هو في الخارج لا للمعنى القائم في الذهن وهذا الذي رجحه ابن مالك رحمه الله.
قال المؤلف: "ولا يجب لكل معنى لفظ".
بل المعنى محتاج للفظ، هل يجب لكلّ معنى من المعاني الموجودة أن يكون لها لفظ أم فقط اللفظ يُوضع لمعاني نحتاج إليها؟ هنا محل الخلاف في المسألة، المؤلف ماذا يقول؟ ولا يجب لكلّ معنى لفظ، لا يجب لكلّ معنى من المعاني أن يكون له لفظ خاص به، بل يوجد معاني ليست لها ألفاظ، مثل: رائحة الروائح، أنواع الروائح، قالوا: أنواع الروائح كثيرة، هذه المعاني ليست لها ألفاظ تخصها جميعاً لكن يوضع اللفظ لمعاني نحتاج إلى أن يكون لها لفظ يعبر عنه.
ثم قال المؤلف: "والمحكم المتضح المعنى والمتشابه غيره في الأصحّ وقد يوضحه الله لبعض أصفيائه".
هذه المسألة مهمة وهي من مسائل القرآن ويبحثها أهل الأصول ويبحثها أهل التفسير وهي متعلقة بتفسير قوله تبارك وتعالى: ، لتفسير هذه الآية متعلقة هذه المسألة، الإحكام والتشابه جاء في القرآن من عدة آيات، منها هذه التي فرّقت بين المحكم والمتشابه، وجاءت آية أخرى قال الله تبارك وتعالى فيها: ، وهنا وصف الكتاب كلّه بأنّه محكم، وجاء أيضاً في الكتاب أنّه قال: ، فهنا ماذا؟ وصف الكتاب بالكامل بأنّه متشابه، والآية الأولى منه محكم ومنه متشابه، طيب، كيف الجمع بين هذه الآيات؟ لمّا وصف الله سبحانه وتعالى كتابه بالمحكم أراد بالإحكام الإتقان فهو كتاب كلّه متقن، ولمّا وصفه بالمتشابه أراد أنّه يشبه بعضه بعضاً، لا اختلاف فيه ولا تضاد، فتجد آية تدلّ على العذاب والأخرى تدلّ على العذاب، هذه تدلّ على أنّ الفعل جائز والأخرى تدلّ على أنّ الفعل جائز، الآية تدلّ على أنّ الفعل مُحرّم والثانية تدلّ على أنّ الفعل مُحرّم، وهكذا لا تجد في كتاب الله تضاد واختلاف، بل هو متآلف يشبه بعضه بعضاً في الاتقان والإحكام، طيب، الآن بالنسبة للآية التي قال الله تبارك وتعالى فيها: ، ما المقصود بالمحكمات هنا؟ يقول المؤلف: والمحكم: المتضح المعنى، هذا تفسير المؤلف، قال: المتضح المعنى، يعني: الذي معناه واضح لا خفاء فيه ولا لبس يعتريه، قال الطبري رحمه الله: "فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل" الآيات المحكمات، "فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام ووعد ووعيد وثواب وعقاب ..." إلخ ما ذكر، وهن أمّ الكتاب: أي أصله، فهن معظم الكتاب وأصل الكتاب، ومعنى الإحكام هنا الذي هو واضح المعنى ولا يحتمل أكثر من معنى، معناه واضح، أمّا المتشابه قال: "والمتشابه غيره في الأصحّ"، طبعاً هنا خلافات كثيرة بين العلماء في تفسير المحكم والمتشابه هنا، في الأصحّ إشارة إلى أن المسألة فيها خلاف، المتشابه قال: هو غير المحكم، المتشابه هو الذي يُعطي أكثر من معنى، فيشتبه معناه على بعض الناس، هذا هو المتشابه، قال: "وقد يوضحه الله لبعض أصفيائه"، أي المتشابه هذا لمّا قال الله سبحانه وتعالى فيه ، الآن هنا لمّا قال الله سبحانه وتعالى: ، الآن إذا وقفنا عند قوله تبارك وتعالى: ، إذن علم تأويله لا يعلمه إلّا ربّ العالمين تبارك وتعالى، وإذا قلنا: ، فيكون الذين يعلمون تأويله هو الله والراسخون في العلم أيضاً يعلمون تأويله، واختلف السلف في الوقف هاهنا، هل الوقف يكون عند لفظ الجلالة أم يكون عند قوله: ، بناءً على ذلك هل الواو هنا واو عاطفة أم واو استئنافية؟ خلاف بين أهل العلم، والصحيح في المسألة أنّ الوقف يكون على حسب مرادك بالتأويل، فالتأويل يُطلق عند أهل العلم على ثلاثة معاني:
· المعنى الأول: بمعنى التفسير، وهذا استعمال شرعي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"، وكذلك ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره كثيراً ما يقول وتأويل هذه الآية كذا وكذا أي تفسيرها.
· ويُطلق التأويل بمعنى ما يؤول إليه الأمر، أي ما يصير إليه الأمر، يعني: إظهار حقيقة الأمر ما يؤول إليه الأمر يعني حقيقة الأمر كيف تكون.
· ويُطلق التأويل وهذا المعنى الأخير هو المعنى الاصطلاحي، المعنى الأول والثاني شرعي، المعنى الأخير اصطلاحي، يُطلق التأويل على صرف اللفظ عن ظاهره لقرينة ما، صرف اللفظ عن ظاهره لدليل أو لقرينة ما، هذا المعنى الأخير معنى اصطلاحي، دعونا منه، اتركونا على المعنيين الأولين.
v فإذا قلنا التأويل هنا بمعنى التفسير فيكون الوقف عند:، لأنّ الكتاب –القرآن- الذي أنزله الله سبحانه وتعالى ليس فيه شيء لا يُعلم معناه، كلّ ما فيه يُعلم معناه للأمة بالجملة، ربما يخفى على بعض الناس ويظهر للبعض الآخر، لكن لا يخفى على الأمة بالكامل.
v وإن قلنا التأويل بمعنى ما يؤول إليه الأمر فهنا الوقف يكون على لفظ الجلالة، لأنّ حقائق الأمور لا يعلمها إلّا الله تبارك وتعالى،
هذا أصحّ الأقوال في هذه المسألة.
نختم بقول المؤلف: "واللفظ الشائع لا يجوز وضعه لمعنى خفي على العوام، كقول مثبتي الحال: الحركة معنى يوجب تحرك الذات".
يعني الألفاظ الشائعة المنتشرة تدلّ على معاني ظاهرة عند عامة الناس وتوضع لذلك، ولا يجوز أن يُوضع لفظ شائع في معنى خفي لا يعرفه خواص الناس، هذا قالوا غير جائز، وليس موجوداً، كالحركة مثلاً، الحركة عند الناس معناها معلوم، لكن يفسره بعضهم بمعنى خفي لا يعلمه كثير من الناس، كقولهم في تعريفه، الحركة: معنى يوجب تحرك الذات، أي أنّها معنى أوجب الانتقال، وجود معنى أوجب الانتقال، هكذا عرّفوها وهو معنى من معاني الحركة التي لا تُعرف عند أكثر الناس، فالمقصود من الكلام أنّ الألفاظ الشائعة لا تُطلق على معاني لا يعلمها إلّا قليل من الناس أو الخاصة من الناس.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-09-2013, 10:22   #18
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس السادس عشر من شرح كتاب لب الأصول

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: "مسألة: المختار أنّ اللغات توقيفية علّمها الله بالوحي أو بخلق أصواتٍ أو علمٍ ضروريٍ وأنّ التوقيف مظنون".
هذه المسألة هي مسألة واضع اللغة هل هو الله تبارك وتعالى أم الناس، خلاف بين أهل العلم جرى في هذا الموضوع والموضوع لا ثمرة له، خلافُ لا ثمرة من ورائه والقول الصحيح فيها أنّ الواضع هو الله تبارك وتعالى وأنّه أوحى بها إلى آدم ثم أخذها الناس عنه، وبناءً على ذلك يُقال هي توقيفية لا اصطلاحية، لو قلنا بأنّ الواضع هم الناس تكون اصطلاحية، أي اصطلح الناس عليها، وأمّا إذا قلنا بأنّ الواضع هو الله فنقول هي توقيفية، والدليل على أنّها توقيفية قول الله تبارك وتعالى: ، وفي حديث الشفاعة في الصحيحين قال: "يأتون إلى آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلّمك أسماء كلِّ شيء" متفق عليه، إذا علمنا أنّها توقيفية فكيف علّمنا الله تبارك وتعالى هذه اللغة، هنا جاء قول المؤلف: "علّمها الله بالوحي أو بخلق أصواتٍ أو علمٍ ضروريٍ"، ثلاثة أقوال الصحيح منها أنّ الله سبحانه وتعالى علّمها لآدم بالوحي، أوحاها لآدم وتعلّمها الناس منه وقال بعضهم بخلق أصوات، أي أرشد الناس إليها بخلق أصوات تدل على اللغات وأسمعها لمن عرفها ونقلها، وهذا أمر غيبي يحتاج إلى دليل ولا يوجد هذا، أمرٌ لا يُدرك بالعقل، أمرٌ غيبي يحتاج إلى دليل شرعي ولا يوجد دليل شرعي على هذا القول، وقال بعضهم بعلم ضروري، أي عرّفها الناس بخلقِ علمٍ ضروريٍ بها، علم ضروري باللغة عند من شاء من خلقه، والصحيح القول الأول، وقال: "وأن التوقيف مظنون": يعني القول بأنّ اللغات توقيفية أمرٌ مظنون، ظني وليس يقينياً لاحتمال الأدلة، هذه الأدلة التي ذكرت محتملة.
قال المؤلف رحمه الله: "مسألة: وأنّ اللغة لا تثبت قياساً فيما معناه وصف".
يعني بهذا أنّ اللغة لا يُمكن أن نأخذها بالقياس، بمعنى أنّه إذا اشتمل اسمٌ على وصفٍ مناسبٍ للتسمية كالخمر أي مسكر، هذا يغطي العقل، فإذا وجد الإسكار -وصف الإسكار إذا وجد- في معنى آخر كالنبيذ مثلاً ثبت له بالقياس ذلك الاسم لغة، يثبت له اسم الخمر بالقياس كون الوصف الموجود في الاسم الأول موجود في الاسم الثاني، وهذا القياس لو قلنا به ما احتجنا إلى القياس الشرعي، لكن يقول المؤلف عندنا وأنّ اللغة لا تثبت قياساً فيما معناه وصف، يعني اللغة لا تؤخذ بالقياس.

ثم قال المؤلف رحمه الله: "مسألة: اللفظ والمعنى إن اتحدا فإن منع تصور معناه الشركة فجزئي وإلّا فكلّي".
هذا تقدم معنا وذكرنا الجزئي والكلّي، ذكرنا أنّ اللفظ ينقسم إلى جزئي وكلي، وأنّ الكلّي عرّفناه بأنّه: ما لا يمنع تصوره الشركة، هذا الكلّي، أمّا الجزئي فما يمنع تصوره الشركة، اللفظ يكون إمّا كلّياً أو جزئياً والكلّي يكون إمّا متواطئ أو مشكك، فالكلّي ينقسم إلى قسمين: إمّا متواطئ أو مشكك، هذا يُؤخذ من قول المؤلف: "متواطئ إن استوى" ماذا يعني؟ الكلّي، الكلّي: متواطئ إن استوى وإلّا فمشكك، طيب، الآن بدأ بتقسيم الكلّي، إذا عرفنا بأنّ اللفظ منه كلّي و منه جزئي، الكلّي ينقسم إلى قسمين متواطئ ومشكك، عرفنا أنّ الكلّي فيه شركة إذا لم يمنع تصوره الشركة فيه، في نفس اللفظ، كالإنسان تمام، عندنا إنسان يشترك في هذا اللفظ: زيد وبكر وعمرو وخالد ...الخ، هذا يسمى كلّياً طيب، الآن هؤلاء الأفراد أفراد الكلّي إذا تساووا فيما اشتركوا فيه من المعنى الكلّي الآن زيد وعمرو وبكر وخالد اشتركوا في ماذا؟ في الإنسانية، إذا تساووا في الإنسانية ولم يتفاوتوا وكانت الإنسانية في زيد كهي في عمرو أيضاً هي نفسها في خالد لا تتفاوت، ليست هي في زيد أقوى منها في خالد مثلاً، إذا تساوت يُسمى هذا متواطئاً، هذه الألفاظ المتواطئة، تشترك كلّها في كلّي، وتتساوى فيه، فتعريفها: ما توافق لفظاً ومعنى، المتواطئ: هو المتوافق لفظاً ومعنى، طيب، المشكك: قال: متواطئ إن استوى وإلّا فمشكك، أي أنّ هذه الأفراد إذا لم تستوي وكانت متفاوتة في وجود الوصف الذي اشتركوا فيه وهو الكلّي، سُمي مشككاً، مثل كلمة نور، الآن نور هذا كلّي تشترك فيه أفراد: نور الشمس، نور الشمعة، نور المصباح، هذه أفراد تشترك في كلّي وهو نور، طيب، هل هي متفاوتة في هذا الكلّي الذي تشترك فيه أم متساوية؟ متفاوتة، نور الشمس ليس كنور الشمعة، ونور المصباح ليس كنور الشمعة ولا كنور الشمس، فهي متفاوتة في قوة وجود الوصف الذي في الكلّي، هذه تسمى مشككة، في تعريف المشكك نقول: ما اتفق أصله واختلف وصفه، ما هو الأصل الذي اتفقت فيه في المثال الذي ذكرناه؟ الأصل النور، اختلاف الوصف: قوة النور، لماذا سُمي مشككاً لأنّه يُشكك السامع، هل هو من المتواطئ الذي تقدم أو هو من المشترك لما بين أفراده من تفاوت، لذلك سُمي مشككاً.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وإن تعددا فمباين".
ما معنى إن تعددا؟ إن تعدد اللفظ والمعنى كالفرس والإنسان، الآن الفرس لفظ ومعنى مختلف عن الإنسان لفظاً ومعنى فتعدد عندنا اللفظ وتعدد عندنا المعنى، فإذن هذا اللفظ قد باين اللفظ الآخر ، هذه الألفاظ التي تسمى بالألفاظ المتباينة ليس بينها اشتراك، هذا اللفظ يختلف عن هذا اللفظ وهذا المعنى يختلف عن هذا المعنى، هذا معنى الألفاظ المتباينة، وفي تعريفه نقول: ما تعدد لفظه ومعناه، الألفاظ المتباينة ما تعددت ألفاظها ومعانيها.
قال: "أو اللفظ فقط فمرادف".
إن تعدد اللفظ فقط واتحد المعنى هذا يُسمى: مرادف، اللفظ الأول مرادف للفظ الثاني، المترادف: ما تعدد لفظه واتحد معناه، كالإنسان والبشر، الأسد والغدنفر، ألفاظ مختلفة متعددة لكن المعنى واحد، هذه الألفاظ المترادفة.
قال: "وعكسه"، أي إن اتحد اللفظ وتعدد المعنى.
قال: هذا قسمان: كيف عرفنا التقسيم؟ من قوله: "إن كان حقيقة فيهما فمشتَرك وإلّا فحقيقة ومجاز".
إذن عندنا تقسيم إمّا هكذا أو هكذا.
أولاً: نريد مثالاً اتحدت واختلفت معانيه، العين لفظ واحد، تمام، الأسد لفظ واحد، إذا أطلقنا الأسد على الرجل الشجاع وعلى الحيوان المفترس تعدد المعنى؟ تعدد المعنى، إذا أطلقنا العين على عين الإنسان وعلى الجاسوس تعدد المعنى؟ تعدد المعنى، هل هناك فرق بين هذا اللفظ وهذا؟ نعم، واحد من القسم الأول وواحد من القسم الثاني، الأول: وهو العين -الذين يقسّمون الحقيقة إلى حقيقة ومجاز- قالوا: في أصل الوضع العين وُضع لعدة معانٍ ليس لمعنى واحد في أصل الوضع العربي، تمام، بغض النظر عن الواضع الآن، فيما تقدم هل الواضع الله سبحانه وتعالى أم الواضع هم الناس اصطلاحاً، في أصل الوضع، من وضع اللغة؟ وضع كلمة العين لفظ يدل على عدة معاني، يدلّ على عين الإنسان ويدلّ على الجاسوس ويدلّ على عين الماء ويدلّ على العين التي هي العين المالية، في أصل الوضع اللغوي، فإذا استعمل شخص العين في عين الماء ، قال: شربت من العين، فقد استعمل استعمالاً حقيقياً لأنّه استعمل اللفظ فيما وضع له، هذه معنى الحقيقة، وإذا استعمل العين شخص آخر مثلاً في عين الإنسان وقال: عيني متعبة أو بها مرض، استعمل العين هنا استعمالاً حقيقياً فيما وضعته العرب، هذا يسمى مُشتَرك، حصل اشتراك في اللفظ، أكثر من معنى اشتركت في لفظ واحد، هذا يسمى مُشتَركاً لأنّ الوضع حقيقي في جميعها، لكن عندما نأتي للمثال الآخر، الأسد يُطلق على الحيوان المفترس ويُطلق على الرجل الشجاع، من يُقسِّم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز هنا ماذا يقول؟ يقول: هذا ليس من المشتَرك، لماذا؟ لأنّ العرب لم تضع كلمة الأسد للحيوان المفترس، هذا حصل من استعمال المستعمل، لكن في أصل الوضع، الأسد عند العرب ما وضع إلّا للحيوان المفترس فقط، أمّا استعماله في غير الحيوان المفترس -في الرجل الشجاع- هذا من استعمال المستعمل لا من وضع العرب، فصار هذا من القسم الثاني وهو من قسم الحقيقة والمجاز، لذلك قال المؤلف: "وعكسه"، أي إن اتحد اللفظ وتعدد المعنى، "إن كان حقيقة" يعني في أصل الوضع العربي وضعوه على أكثر من معنى، "فيهما" في المعنى الأول والثاني، "فمشترك" من الألفاظ المشتركة، "وإلّا فحقيقة ومجاز" كما مثّلنا في الأسد، الأسد على الحيوان المفترس حقيقة وإطلاقه على الرجل الشجاع مجاز، سيأتي إن شاء الله الحديث على الحقيقة والمجاز، الآن عندما تأتيك آية في كتاب الله يقول الله فيها: ، الآن ما المقصود بالقرء هنا؟ عندما تطّلع على كلام العرب تجدهم يُطلقون القرء على الحيض وعلى الطهر، فالقرء هنا من الألفاظ المشتركة.
قال المؤلف رحمه الله: "والعَلَم ماعَيِّن مسماه بوضع، فإن كان تعيينه خارجياً فعَلَم شخصٍ وإلّا فعَلَم جنسٍ".
انتقل الآن إلى الجزئي، انتهى من الكلّي وتقسيماته، ودخل على الجزئي، العَلَم من الجزئي لا من الكلّي، لأنّه يمنع تصوره الشركة، قال في تعريفه: "والعَلَم ما عَيِّن مسماه بوضع"، بقوله: "ما عَيّن مسماه" أخرج النكرة وأبقى المعرفة، أي النكرة لا تُعيّن مسمى، عندما تقول: زيدٌ، هنا تُعيّن شخصاً معيناً بهذا العلم بخلاف النكرة، وقوله: "بوضع" أخرج جميع المعارف الأخرى، كاسم الإشارة والاسم الموصول، فهذه وإن كانت تُعيِّن المسمى إلّا أنّها تُعيّن المسمى بواسطة لا مباشرة، ليست كالعَلَم لأنّ العَلَم أصلاً في الوضع وُضع ليدلّ على معين، وليُعيّنه، بخلاف اسم الإشارة، اسم الإشارة لا يدلّ على المعين إلّا بواسطة الاشارة، والاسم الموصول لا يدلّ على المعين إلّا بصلة الموصول، ففي واسطة في الموضوع وهو أصلاً بالوضع العربي ما وضع ليدلّ على معين.
قال: "فإن كان تعيينه خارجياً فعَلَم شخصٍ وإلّا فعَلَم جنسٍ".
إذن يريد أن يُقسِّم العَلَم إلى قسمين: إلى عَلَم شخصٍ وإلى عَلَم جنسٍ، عَلَم الشخص وهو ما يُعيّن مسماه تعييناً خارجياً، يعني شيئاً موجوداً في الخارج، مشاهدة مثل: خالد، بكر، زيد، يُعيِّن المسمى باسم خالد في الوجود في المشاهد شخصاً معيناً، هذا يُسمى عَلَم شخصٍ، وأمّا عَلَم الجنس ما يُعيّن مسماه تعييناً ذهنياً، أي في الذهن فقط لا في الخارج، ويُعيّن حقيقة الشيء، صورة الشيء ترتسم في الذهن مثل: كسرى، قيصر، النجاشي، هذا عَلَم جنسٍ، لماذا؟ لأنّ النجاشي يُطلق على كلّ من حكم الحبشة، وقيصر يُطلق على كلّ من حكم الروم، وكسرى يُطلق على كلّ من حكم الفرس، فأنت عندما تطلق كلمة كسرى أو قيصر، السامع يُعيّن هذا الأمر في ذهنه، فإذا عيّن مسماه تعييناً ذهنياً، فهذا يُسمى عَلَم جنسٍ كأسامة مثلاً، أسامة اسم وضعته العرب ليدلّ على جنس الحيوان المفترس، فإذا قيل لك أسامة تصورت الصورة في ذهنك، صورة الأسد حلت في ذهنك، لكن إذا أطلقت اسم أسامة على أسد عندك في البيت يصبح عَلَم شخص وليس عَلَم جنسٍ لأنّك أطلقت على واحدٍ معين موجود في الخارج، ما بقي في ذهنك فقط هذا هو الفرق ما بين عَلَم الشخص وعَلَم الجنس.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-09-2013, 21:48   #19
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس السابع عشر من شرح كتاب لبّ الأصول

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أمّا بعد:
فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: "والعَلَم ما عَيَّن مُسماه بوضعٍ، فإن كان تعيينه خارجياً فعَلَم شخصٍ وإلّا فعَلَم جنسٍ".
العَلَم من أقسام الجزئي، عرّفه المؤلف بأنّه: "ما عَيَّن مُسماه بوضعٍ"، فبقوله: "عَيَّن مُسماه" أخرج النكرة وأبقى المعرفة، فالعَلَم معرفة وليس نكرة، وبقوله: "بوضع" أخرج جميع المعارف ماعدا المُعرّف، فجميع المعارف الأخرى كاسم الإشارة والاسم الموصول وغيرها لا يُعيَّن مسماه بوضعٍ، أي أنّه لم يُوضع ليُعيِّن المسمى، فهو لا يُعيِّن المسمى إلّا بواسطة، بخلاف العَلَم فهو موضوع لذلك، فيُعيِّن المسمى مباشرة من غير واسطة، وأمّا اسم الإشارة مثلاً وهو من المعارف كـ: هذا يُعيّن المسمى بالإشارة إليه، إذن عندنا واسطة في الأمر، واسطة الإشارة، فتَعيّن المسمى لمّا أشرنا إليه بالأصبع مثلاً، والاسم الموصول الذي يُعيِّن المسمى بالصلة -صلة الموصول-، وأمّا العَلَم فيُعيِّن المسمى وضعاً من غير واسطة، ثم قال مقسّماً العَلَم إلى قسمين: "فإن كان تعيينه خارجياً فعَلَم شخصٍ وإلّا فعَلَم جنسٍ"، أي العلم ينقسم إلى قسمين عَلَم شخصٍ وعَلَم جنسٍ،
· عَلَم الشخص وهو ما يُعيِّن مسماه تعيينا خارجياً، أي في الوجود في الخارج المشاهد وليس فقط في الذهن، خالد، بكر، عمرو، أشخاص معينين موجودين في الحياة، في الساحة الخارجية لا في العقل فقط،
· وعَلَم الجنس ما يُعيِّن مُسمّاه تعييناً ذهنياً أي في العقل -في الذهن- فقط لا في الخارج، فيرسم صورة الشيء في الذهن، مثل: كسرى، النجاشي، قيصر، هذه أعلام أجناس، النجاشي يُطلق على كلّ من حكم الحبشة، فلا يُطلق على معين في الخارج، كذلك قيصر يُطلق على كلّ من حكم الروم، وكسرى يُطلق على كلّ من حكم فارس، هذه الأسماء وضعتها العرب لتدلّ على جنسٍ، فهو عَلَمٌ يدلّ على جنسٍ لا على شخصٍ معين، كأسامة وضعته العرب ليدلّ على جنس الأسود، فترتسم صورته في الذهن، لكن لو سميت به أسداً عندك لصار عَلَم شخصٍ لأنّه أُطلق على أسدٍ موجودٍ في الخارج فصار اسماً له.


قال المؤلف: "الاشتقاق ردّ لفظٍ إلى آخر بمناسبةٍ بينهما في المعنى والحروف الأصلية".
هذا تعريف الاشتقاق اللغوي، وهو في اللغة: الاقتطاع، واصطلاحاً ما ذكره المؤلف: "ردّ لفظٍ إلى آخر"، أي يجعل أحد اللفظين فرعاً للفظ الآخر، فأحدهما يكون أصلاً والآخر يكون فرعاً له، والفرع مردود إلى الأصل، كالناطق مثلاً، الناطق من النطق، فالأصل هو النطق والفرع هو الناطق، والناطق متفرع عن النطق، هذا هو الاشتقاق، ردّ لفظٍ إلى آخر لمناسبةٍ بينهما، لا بد أن يكون بين الناطق والنطق مناسبة في المعنى، فهما يشتركان في أصل المعنى، والحروف الأصلية تكون مشتركة بينهما، فالاشتراك بينهما في أصل المعنى وفي الحروف الأصلية، فالناطق مثلاً يدلّ على النطق، ففيه معنى اللفظ الآخر وهو النطق، وحروفه الأصلية هي الموجودة في اللفظ الآخر، نطق: هذه الحروف الأصلية ثلاثة: النون، والطاء، والقاف، فهذه الحروف الأصلية موجودة في اللفظ الثاني، وأصل المعنى موجود في اللفظ الثاني، هذا معنى الاشتقاق، أخرج بقوله: "بأن تكون بينهما مناسبة في الحروف الأصلية" ما يوافقه في المعنى ولكن حروفه مختلفة، كإنسان وبشر، المعنى الموافقة والمناسبة في المعنى موجودة، لكنّ الحروف الأصلية غير موجودة، الحروف الأصلية في الانسان تختلف عن الحروف الأصلية في البشر، فلا يُقال في مثل هذا إنّ أحدهما مشتقٌ من الآخر، وأخرج بقوله: لمناسبة بينهما في المعنى ما يوافقه في حروفه ولا مناسبة له في المعنى، كالذهاب والذهب، هنا الحروف الأصلية موجودة، الذال، والهاء، والباء، موجودة في الذهاب كما أنّها موجودة في الذهب، ولكن لا مناسبة بينهما في المعنى، فمعنى الذهاب يختلف تماماً عن معنى الذهب، إذن لا بد من الاشتراك في الأمرين حتى يكون أحد اللفظين فرعاً للفظ الآخر ومشتقاً منه، وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله -هذه فائدة-: "من أحسن ما أُلف فيه –الاشتقاق- معجم مقاييس اللغة لابن فارس"، كتابٌ نفيس يبين لك ابن فارس رحمه الله في هذا الكتاب أصل المعنى، ككلمة حدّ مثلاً، الحدّ يقول لك هذا يأتي في اللغة على أصلين، يأتي بمعنى المنع ويأتي بمعنى طرف الشيء، ثم يذكر لك ما يتفرع عن الحدّ بمعنى المنع، وما يتفرع عنه بمعنى طرف الشيء من الكلمات، وإذا كان له أصلٌ واحد قال لك هذا أصل واحد، أي له معنى واحد فقط، فالاشتقاق ربما يكون واحداً وربما يكون مختلفاً في أصل المعنى، فإذا كان مختلفاً فلا يكون مشتقاً وليس من باب الاشتقاق، أو اشتقاقه لا يكون من الباب الذي خالفه وإنّما يكون من الباب الذي وافقه، فلا بدّ عندنا من اشتراك في المعنى وفي الحروف الأصلية، فهو ينبهك إذا كانت الحروف الأصلية واحدة وكان يدلّ على أكثر من معنى، ينبهك على ذلك، ويبين لك ذلك.


ثم قال المؤلف رحمه الله: "وقد يطّرد كاسم الفاعل وقد يختص كالقارروة".
قد يطّرد الاشتقاق كاسم الفاعل، اسم الفاعل مشتق كضارب من الضرب، ضارب اسم فاعل مشتق من الضرب، وبإمكانك أن تشتق اسم فاعل مثلاً أو اسم مفعول من الأصل، فبإمكانك أن تشتق الضارب لكلّ من وقع منه الضرب، فتطلق عليه بأنّه ضارب، وهذا معنى اطراد اسم الفاعل أي أنّه مستمر، فتشتق اسم الفاعل بشكل مستمر من ألفاظه الأصلية، "وقد يختص"، أي يختص بشيء معين ولا تستطيع أن تشتق له من أي شيء، "كالقارورة"، القارورة: مشتقة من الاستقرار، فهل بإمكاننا أن نشتق هذا الاسم لكل من وقع منه الاستقرار أو لكل ما استقر فيه شيء كالفنجان مثلاً، الماء يستقر في الفنجان، هل يمكننا أن نسمي الفنجان قارورة لأنّ الماء استقر فيه؟ لا، لا يمكننا ذلك، إذن فتارة يكون الاشتقاق مطّرداً وتارة لا يكون مطّرداً، يكون مختصاً بشيء معين.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "ومن لم يقم به وصف لم يُشتق له منه اسم عندنا، فإن قام به ماله اسم وجب وإلّا لم يجز".
يعني من لم يُمارس البيع مثلاً لا يُشتق له اسم من البيع فلا يُسمى بائعاً، لماذا؟ لأنّ الوصف لم يقم به -وصف البيع-، فلا يصحّ أن نسميه بائعاً وهو لم يبع وليس ببائع، هذا معنى كلام المؤلف، فمن قام به وصفٌ معينٌ استطعنا أن نشتق له منه اسم، فنسمي الضارب إذا وقع منه الضرب ضارباً، ونسمي من وقع منه البيع بائعاً، لأنّ الوصف قد وقع منه وقام به، قال المؤلف: "عندنا"، يشير إلى خلاف المعتزلة، "عندنا" أي عند الأشاعرة رداً على المعتزلة الذين يثبتون الأسماء دون الصفات، فيقولون: الله حيٌّ، عليمٌ، فيسمونه بالأسماء ويسلبون عنه الصفات، وهذا خطأ لأنّه من قامت به الصفة وجب أن يُعطى الاسم ومن لم تقم به الصفة لا يُعطى الاسم، فإذا نزعتم الصفات ولم تثبتوها إذن يلزمكم أن لا تثبتوا أيضاً الأسماء، وقول المؤلف: "فإن قام به ما له اسم وجب وإلّا لم يجز"، يعني: أنّ شخصاً قام به وصف له اسم كالعِلم، وصفٌ له اسم وهو العِلم، قام بشخص يُسمى الشخص عندئذ عالماً، ويجب أن يُشتق له هذا الاسم من الصفة التي قامت به، هذا معنى قوله: "فإن قام به ماله اسم وجب"، أي وجب أن يُشتق له منه اسم، "وإلّا لم يجز"، أي إذا لم يكن في هذا الوصف اسم فلا يجوز أن نشتق لمن قام به الوصف اسم منه، كالروائح مثلاً، روائح بعض الأسماء ليست لها أسماء فإذا قامت الرائحة في الشخص فلا نستطيع أن نشتق له اسم، لماذا؟ لأنّه هي نفسها الرائحة ليست لها اسم، فكيف نشتق منها اسم لمن قامت به، لا يمكن، أمرٌ مستحيل، هذا معنى كلامه رحمه الله.

ثم قال: "والأصل أنّه يُشترط بقاء المشتق منه في كون المشتق حقيقةً إن أمكن وإلّا فآخر جزء".
عندنا مشتق ومشتق منه، المشتق مثلاً كالضارب والمشتق منه الضرب، فإذا كان الضرب واقعاً وحاصلاً في وقت التكلم، فيصحّ أن تقول في الشخص بأنّه ضارب، ويكون الاطلاق حقيقياً وليس مجازاً، فيقول المؤلف هنا: "يُشترط بقاء المشتق منه"، وهو الضرب في مثالنا الذي ذكرنا، في كون المشتق وهو الضارب حقيقة حتى يكون الاشتقاق حقيقي، ينبغي أن يكون الضرب واقعاً من الضارب حتى نشتق له اسم الضارب، فيكون الاشتقاق حقيقياً، فعندما تكلمنا كان هذا الضرب واقعاً من الضارب، إن أمكن أن يبقى مستمراً في الضرب يُسمى له ذلك حقيقة، وإن كان هذا الضرب آخر جزء منه فقط واقع، يعني بقي يضرب فيه عندما أردنا أن نسميه بهذا الاسم وقعت منه آخر ضربة نسميه ضارب، آخر جزء من الوصف، "وإلّا فآخر جزء"، هذا معنى "وإلّا فآخر جزء"، آخر جزء من المشتق منه وهو الضرب في مثالنا، فإذا كان الضرب واقعاً أو انتهى الضرب ولكن بقي منه آخر جزء فقط يمكننا أن نسميه ضارباً حقيقة لا مجازاً، هذا معنى كلامه.
قال المؤلف: "فاسم الفاعل حقيقة في حال التلبس لا النطق".
"في حال التلبس"، يعني في حال وقوع الفاعل في الوصف الذي نريد أن نشتق له منه اسم، فهو الآن يضرب، عندما نسميه ضارباً وهو متلبس بالفعل وواقعٌ الضرب منه فعلاً في وقت الكلام فهذا يُسمى ضارباً حقيقة والعبرة بحال التلبس لا بحال النطق، يعني إذا تكلمنا وكان التلبس قد حصل في الماضي فتسميتنا له ضارب يكون مجازاً لا حقيقة عندهم، لأنّ التلبس الآن وقع في الماضي لم يقع في الحال.
قال: "ولا إشعار للمشتق بخصوصية الذات".
يعني بذلك أنّك إذا أطلقت لفظاً مشتقاً كالضارب على ذات المعين لا يدلّ اللفظ المشتق على خصوصية الذات من كونها بشراً أو حماراً أو غير ذلك، لا تُعيِّن لنا هذه الذات ما هي، كلّما نستفيده من الأمر اتصافها بالوصف الذي اشتققنا منه الاسم، عندما تقول الضارب تعرف أنّ الضرب قد وقع من ذات المعين، ما هي هذه الذات؟ إنسان، حيوان؟ ما ندري، هذا لا يُشعرنا به لفظ الضارب، "ولا إشعار للمشتق بخصوصية الذات"، هذا معنى كلامه رحمه الله.


ثم قال رحمه الله: "مسألة: الأصحّ أنّ المرادف واقعٌ وأنّ الحدّ والمحدود ونحو حسن بسن ليسا منه، والتابع يُفيد التقوية وأنّ كلّا من المرادفين يقع مكان الآخر".
المرادف ويُقال له المترادفان، وهو: ما تعدد لفظه واتحد معناه، يقول المؤلف: "هو واقع"، أي أنّه موجود، فقد اختلف العلماء فيه فبعضهم قال: لا يوجد في اللغة لفظان مترادفان، بل لا بد من اختلاف في المعنى بينهما، والمؤلف يقول: "واقع"، أي موجود وهو الصحيح فهو كثير في لغة العرب، هذا معنى قوله: "الأصح أن المرادف واقع"، ثم قال: "وأنّ الحدّ والمحدود ونحو حسن بسن ليسا منه"، هما صورتان اختلفا فيهما، هل الحدّ والمحدود من المترادف؟ فيكون معنى الحدّ هو معنى المحدود والاختلاف في اللفظ فقط أم هما اسمان مختلفان؟ فبعض أهل العلم قال: هما اسمان مختلفان وفرّق بينهما بأنّ الحدّ يدلّ على أجزاء الماهية تفصيلاً، يعني عندما تقول في تعريف الإنسان هو الحيوان الناطق، فعندما قلت: الحيوان الناطق هذا هو الحدّ، المحدود الذي هو المعرَّف يعني الإنسان، فالإنسان هو المحدود، والحيوان الناطق هو الحدّ، فالمعرَّف هو الإنسان، والتعريف هو الحدّ: الحيوان الناطق، ما الفرق بينهما؟ يقولون الحدّ يدلّ على أجزاء الماهية تفصيلاً، يعني أجزاء الحقيقة بالتفصيل، فعندما تقول في الإنسان إنّه حيوان ناطق فقد فصلت الأمر وذكرت أنّه يتصف بالحيوانية وأنّه يتصف بالنطق، بخلاف ما تقول إنسان مثلاً، فأنت هكذا عرفته بالجملة، لفظة الإنسان تعرفك به بالجملة بدون تفصيل، هذا الذي فرّقوا به بين الحدّ والمحدود، والبعض قال: هما مترادفان، بمعنى واحد، "ونحو حسن بسن"، يعني بذلك الاسم وتابعه، بعض الأسماء تتبعها أسماء أخرى لا تأتي إلّا وهي ملاصقة لاسم آخر، لا تأتي منفردة، مثل هذا الذي معنا، حسن بسن، بسن هذه لا تأتي لفظة هكذا وحدها، لا تأتي إلّا تابعة لاسم آخر، فقوله: "حسن بسن" الآن، هذه بسن هل هي مرادفة لحسن وهي بنفس معناها أم مختلفة عنها، المؤلف يقول: هي ليست من المترادفات، يعني إذاً معنى بسن يختلف عن معنى حسن، فغاير بين معنى الحسن والبسن، وكذلك العطشان والنطشان، نفس الشيء، نطشان لا تأتي وحدها، تأتي تابعة، فقالوا: هذه جاءت فقط للتقوية، تأتي للتقوية، لا تأتي لفظاً منفرداً، تأتي للتقوية، ما الفرق بينها وبين التوكيد؟ قالوا:
· الفرق بينها وبين التوكيد أنّ التوكيد ينفي احتمال المجاز، هذا الأمر الأول، كيف ينفي احتمال المجاز؟ عندما قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ، كلمة تكليماً جاءت تأكيد، وإذا جاء التأكيد للوصف يدلّ على أنّ الوصف حقيقي وليس مجازاً، هذه من قواعد اللغة، ، يعني أنّ الله كلّمه كلاماً حقيقياً، ما فيه مجاز عندنا في الأمر(*راجع الهامش*)، فهذا فرق بين التوكيد والتقوية.
· فرق آخر: أنّ التابع إذا انقطع عن متبوعه لا تكون له دلالة أصلاً بخلاف التوكيد له دلالة، يدلّ على معنى، هذا الفرق بينهما.
إذن الحدّ والمحدود وحسن وبسن وما شابهها ليست من المترادفات.
ثم قال: "والتابع يفيد التقوية"، هذه فائدة التابع مثل بسن تابع لحسن، وأنّ كلّاً من المترادفين يقع مكان الآخر، أي يصحّ أن يوضع أحد المترادفين مكان الآخر في الكلام وهذا واضح، وبناء عليه فتجوز رواية الحديث بالمعنى.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "مسألة: الأصحّ أنّ المشترك واقع مجازاً وأنّه يصحّ لغةً إطلاقه على معنييه مجازاً وأنّ جمعه باعتبارهما مبني عليه وأنّ ذلك آت في الحقيقة والمجاز وفي المجازين نحو: افعلوا الخير يعمّ الواجب والمندوب".
الصحيح أنّ الألفاظ المشتركة موجودة في اللغة وواقعة في الكلام، لكن يقول المؤلف على وجه المجاز، والصحيح عندنا أنّ كلام العرب حقيقةٌ ولا مجاز فيه، ويُعرف المعنى المراد بالسياق والقرائن، وقد تقدم معنا تعريف المشتَرك وهو: أن يتحد في اللفظ ويختلف في المعنى، قال وأنّه يصحّ لغة إطلاقه على معنييه مجازاً، بمعنى أنّه يصحّ في لغة العرب أن تستعمل اللفظ الواحد وتريد منه كلا معنييه إذا كان له معنيان أو أكثر، كأن تقول مثلاً: عندي عين، وتريد بالعين العين الباصرة والعين الجارية -عين الماء-، قال الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان: "مع أنّ التحقيق جواز حمل المشتَرك على معنييه كما حققه الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية في رسالته في علوم القرآن وحرر أنّه هو الصحيح في مذاهب الأئمة الأربعة رحمهم الله"، كلفظ النّكاح مثلاً، النّكاح يراد به الوطء تارة والعقد تارة أخرى، فهو من الألفاظ المشتركة، لفظ واحد له أكثر من معنى، فيُطلق في بعض الآيات على كلا المعنيين، فإذا صحّ حمله على كلا معنييه فهذا هو الواجب، وقوله: "وأنّ جمعه باعتبارهما مبني عليه"، يعني جمع اللفظ المفرد من المشترك يجوز بناءً على ما تقدم من أنّه يصحّ إطلاقه على معنييه أو معانيه كقولك مثلاً: عندي عيون، ولا تريد بها نوعاً واحداً من العيون، تريد مثلاُ عندك عينان باصرتان وعندك عين جارية، أو عندك عين باصرة وعين جارية وعندك ذهباً أيضاً، فهذه العيون مختلفة الآن، معنى العين في الأول تختلف عن الثاني وعن الثالث لكنك جمعتها فقلت عيون وأردت بها المعاني المختلفة، يجوز هذا الجمع بناءً على ما تقدم في المسألة المتقدمة من أنّه يجوز استعمال اللفظ المشتَرك في معانيه، وقوله: "وأنّ ذلك آت في الحقيقة والمجاز"، يعني ما ذُكر من صحة إطلاق اللفظ المشتَرك على معنييه مع المجاز وأنّه يصحّ لغةً إطلاقه على معنييه معاً مجازاً هو في الحقيقة والمجاز كذلك، فكما قلنا في المشتَرك نقول في الحقيقة والمجاز، أي أنّك يجوز أن تستعمل اللفظ وتريد معناه الحقيقي ومعناه المجازي، كقولك مثلاً: رأيت أسداً وتريد بذلك أنّك رأيت الحيوان المفترس ورأيت الرجل الشجاع، فيكون مجازاً إطلاقه على المعنيين معاً، والبعض قال: حقيقة ومجاز، وذكرنا أنّ كلّه حقيقة ولا مجاز في اللغة، والقرائن والسياق هو الذي يدلك على المراد، وقوله: "وفي المجازين"، يعني إطلاق اللفظ وإرادة معنيين مجازيين، كقولك: والله لا أشتري وتريد بالشراء السوم أي المساومة على السلعة، والتوكيل، أي أنّك لن تشتري مساومة ولن تشتري توكيلاً وكلا المعنيين عندهم مجاز، استعمال الشراء لهذين المعنيين مجاز، فقالوا: يجوز أن تستعمل اللفظ وتريد به المعاني المجازية فقط لا تريد الحقيقة أصلاً، وقوله: "نحو افعلوا الخير" يعم الواجب والمندوب، الآن قوله: افعلوا، أمر، والأصل في الأمر أنّه يفيد الوجوب، قالوا: عندما يُفيد الاستحباب يفيده مجازاً، فقالوا هنا: افعلوا الخير يُراد به الخير الواجب والخير المستحب، فالأمر بالخير الواجب أمر إيجاب والأمر بالخير المستحب أمر استحباب، والقرينة على ذلك أنّ الخير يشمل هذا وهذا، فافعلوا الخير عمت الواجب والمندوب، بناءً على ما تقدم فهو محمول على الحقيقة والمجاز، لفظ واحد استعمل للحقيقة والمجاز، هذا ما أراده المؤلف في هذا الفقرة، نكتفي بهذا القدر والله الموفق.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.










(*)-قال الشيخ علي الرملي وفقه الله تعالى في بداية الدرس التالي (الثامن عشر) ما يلي:
"بداية ننبه على خطأ في تمثيل في الدرس الماضي، مثّلنا على التوكيد الذي ينفي المجاز بالمصدر وهذا خطأ، والصواب أن يمثل له بالتوكيد، لأنّنا نحن نريد أن نذكر الفرق بين التابع الذي يأتي للتقوية والتوكيد، فنذكر مثالاً للتوكيد، ويصلح في ذلك قولهم: جاء القوم، لأنّ مثل هذا الكلام اُستعمل عند العرب لمعنيين، اُستعمل بمعنى: جاء القوم -بمعنى القوم جميعاً-، واُستعمل أيضاً بمعنى: بعض القوم، وهذا الذي يُسمونه بالمجاز، يُطلق اللفظ عام ويُراد به الخصوص، فهذا يُسمونه مجازاً، فإذا جاءت كلمة : جاء القوم كلّهم، هذا توكيد أكد مجيء جميع القوم، فينفي المجاز في هذه الحالة وهذا هو الفرق بين التوكيد والتابع الذي يأتي للتقوية الذي ذكرناه في الدرس الماضي". انتهى تعليقه فيتنبه.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-09-2013, 07:23   #20
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الثامن عشر من شرح كتاب لب الأصول

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجميعن، أمّا بعد:
فبداية ننبه على خطأ في تمثيل في الدرس الماضي، مثّلنا على التوكيد الذي ينفي المجاز بالمصدر، وهذا خطأ، والصواب أن يُمثل له بالتوكيد لأنّنا نحن نريد أن نذكر الفرق بين التابع الذي يأتي للتقوية والتوكيد، فنذكر مثالاً للتوكيد، ويصلح في ذلك قولهم: جاء القوم، لأنّ مثل هذا الكلام اُستعمل عند العرب لمعنيين، اُستعمل بمعنى: جاء القوم، بمعنى القوم جميعاً، واُستعمل أيضاً بمعنى بعض القوم، وهذا الذي يُسمونه بالمجاز، يُطلق اللفظ عام ويراد به الخصوص، فهذا يسمونه مجازاً، فإذا جاءت كلمة: جاء القوم كلّهم، هذا توكيد، أكدّ مجيء جميع القوم، فينفي المجاز في هذه الحالة، وهذا هو الفرق بين التوكيد والتابع الذي يأتي للتقوية الذي ذكرناه في الدرس الماضي، أمّا درسنا اليوم:
فقال المؤلف رحمه الله: "الحقيقة لفظ مُستعمل في ما وُضع له أولاً".
المؤلف هنا بدأ بالكلام على الحقيقة والمجاز وتقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز، وهذا التقسيم في حدّ ذاته متنازع فيه، فبعض أهل العلم ينفي هذا التقسيم من أصله والبعض يثبت وسيأتي، الآن نحن سنشرح درسنا على التسليم بالتقسيم كي نمشي مع المؤلف رحمه الله، فقال هنا: "الحقيقة لفظ مستعمل فيما وضع له أولاً"، الذي لم يفهم ما تقدم في الدروس الماضية -التقسيم الذي ذكرناه في مسألة الوضع والحمل والاستعمال- لا يستطيع أن يفهم الحقيقة والمجاز، ذكرنا أنّ الوضع يكون من الواضع وهو إمّا العرب أو الله سبحانه وتعالى، تمام، عندما نقول لفظ الأسد وضعه العرب ليدلّ على الحيوان المفترس، هذا وضع أصلي، وذكرنا أنّ الاستعمال يكون ممن؟ يكون من المتكلم، فالمتكلم هو الذي يستعمل اللفظ الذي وضعته العرب، والحمل يكون من السامع على حسب ما يفهم من اللفظ، يحمل اللفظ على حسب ما يفهمه هو، ولذلك تجد في كلام العلماء يقولون: هذا محمول على كذا، تمام، بمعنى أنّهم يفهمون اللفظ على صورة ما، الآن عندنا مسألة الحقيقة والمجاز، يقول المؤلف: "لفظ مستعمل في ما وضع له"، فصار عندنا استعمال وعندنا وضع في تعريف الحقيقة، "لفظ مستعمل فيما وضع له أولاً"، العرب وضعت لفظ الأسد للحيوان المفترس فيأتي أبو علي فيقول: رأيت أسداً، تمام، أخذ اللفظ الذي وضعته العرب ليدلّ على الحيوان المفترس، الآن الاستعمال حصل ممن؟ من أبي علي، أخذ هذا اللفظ واستعمله هو، يعني كأنّه استعاره من العرب وقال لهم: جزاكم الله خيراً أنّكم وضعتم لنا هذا اللفظ ليدلّ على الحيوان المفترس أعطوني هذا اللفظ حتى استعمله، فاستعمله أبو علي في نفس ما وضعته له العرب أولاً ، تمام، فيه عندنا وضع أول ووضع ثاني، الوضع الأول الذي وضعته العرب له، أول شيء وضعته على الحيوان المفترس، ثم بعد ذلك وضعت لفظ الأسد ليدلّ على الرّجل الشجاع، هذا وضع ثاني، فأبو علي الآن عندما استعار من العرب هذا اللفظ استعمله فيما وُضع له أولاً، الآن استعمال أبو علي هذا ماذا نسميه؟ نسميه حقيقة، هذه هي الحقيقة، "الحقيقة لفظ مستعمل فيما وضع له أولاً"، هذا معنى التعريف.
قال المؤلف: "وهي لغوية وعرفية ووقعتا وشرعية والمختار وقوع الفرعية منها لا الدينية".
بعد أن عرّف المؤلف رحمه الله الحقيقة بقوله: "لفظ مستعمل فيما وضع له أولاً"، بدأ الآن يبين لنا أنّ الحقيقة ثلاثة أقسام : حقيقة لغوية وحقيقة عرفية وحقيقة شرعية.
الحقيقة اللغوية: هي التي وضعها أهل اللغة، ذكرنا أنّ اللفظ إذا وُضع ليدلّ على معنى معين، الواضع إذا وضعته العرب يسمى هذا وضعاً، إذا استعملوا لفظاً أو وضعوا لفظاً معينا ليدلّ على معنى معين هذا يُسمى وضعاً، فإذا كان الواضع هم أهل اللغة سُمي هذا حقيقة لغوية، وإذا كان الواضع الشرع –الشارع- سُمي حقيقة شرعية، الآن لفظ الأسد من الذي وضعه ليدلّ على الحيوان المفترس؟ العرب، فهذا يُسمى حقيقة لغوية، الصلاة وضعتها العرب لتدلّ على الدعاء، فهذه تسمى حقيقة لغوية، الشارع وضع لفظ الصلاة ليدلّ على العبادة المخصوصة، من الذي وضعها؟ الشارع، هذه تسمى حقيقة شرعية، إذا وضع أهل العرف لفظاً معيناً ليدلّ على معنى معين سميت حقيقة عرفية، كالدّابة، الدّابة إذا دلّت على كلّ ما يدب على الأرض هذه حقيقة لغوية؟ لماذا؟ لأنّ العرب هي التي وضعت الكلمة لتدلّ على هذا المعنى، وهي أنّها تطلق على كلّ ما يدبّ على وجه الأرض، طيب، إذا وُضعت لتدلّ على ذوات الأربع هذه حقيقة عرفية لأنّ الذي وضعها لهذا المعنى هم أهل العرف، وأهل العرف إمّا العرف العام الذي يكون معروفاً عند الناس أو العرف الخاص كعرف أهل النحو عندما وضعوا الفاعل ليدلّ على من وقع منه الفعل، والمبتدأ للاسم الذي اُبتدأ به الكلام، وهكذا، هذه الألفاظ وضعت لهذه المعاني عرفاً خاصاً الذين وضعوه هم أهل العرف الخاص، وضح التقسيم الآن، صار عندنا حقيقة لغوية حقيقة شرعية حقيقة عرفية، الآن نأتي لكلام المؤلف قال: "ووقعتا" يعني الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية، "وقعتا" أي موجودتان، وحصلتا، الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية، طيب، الحقيقة الشرعية قال: "والمختار" بالشرعية وقوع الفرعية منها لا الدينية، يعني أنّك تجد في الشرع ألفاظاً غيّر الشارع في معانيها في المسائل الفقهية دون المسائل العقائدية، هذا ما يُريده المؤلف، في المسائل الفقهية دون المسائل العقائدية، وبعضهم نفى وقوع هذا نهائياً، والمؤلف يقول: "والمختار وقوع الفرعية منها" أي من الحقيقة الشرعية لا الدينية، الآن المؤلف فصّل على مذهبه أنّك تجد في الشرع ألفاظاً حوّلها الشارع من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي مثل الصلاة، أصلها في اللغة الدعاء، ثم حُولت في الشرع إلى العبادة المخصوصة، الصوم أصلها في اللغة الإمساك ثم صارت في الشرع إمساكاً مخصوصاً، الحجّ أصله في اللغة القصد ثم صار الأعمال الشرعية المعلومة، كذلك الزكاة أصلها في اللغة النماء ثم صارت بعد ذلك المال الذي يُخرجه الشخص ... الخ، فهذه كلّها المؤلف يؤكد هذا الشيء، أنّ هناك حقائق شرعية لكنّه يُخالف في الدينية، يقول ما فيه حقيقة دينية، أي حقيقة عقائدية، شرعية عقائدية ما فيه، وهذا ماذا يريدون أن يصلوا من وراء هذا؟ تحقيق مذهب المرجئة، الذين يقولون بأنّ الإيمان هو التصديق، بناءً على الحقائق اللغوية، وإذا جاء الإيمان في الكتاب والسنة فيُحمل على الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية غير موجودة في مثل هذا، تمام، فنقول له كلامك باطل، فكما أنّ الشارع قد تصرف في الحقائق اللغوية في الفقه كذلك تصرف فيها في العقيدة، والأدلة الشرعية موجودة على ذلك، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، فحوّل الشارع الآن الإيمان من تصديق قلبي فقط إلى تصديق قلبي ولساني وعملي أيضاً بالجوارح والأركان.
قال المؤلف رحمه الله: "والمجاز لفظٌ مستعمل بوضع ثانٍ لعلاقة".
بعد أن انتهى من الحقيقة أراد أن يُعرّف الآن المجاز، فقال: "المجاز لفظٌ مستعمل بوضعٍ ثانٍ لعلاقة"، الآن أبو علي في المثال الأول استعار اللفظ من العرب واستعمله فيما وُضع له أولاً، فقلنا استعمال أبو علي هذا يسمى حقيقة، طيب، إذا استعاره واستعمله للمعنى الثاني الذي وضعته العرب لا للمعنى الأول، العرب وضعت اللفظ للمعنى الأول ثم وضعت اللفظ للمعنى الثاني، فإذا جاء أبو علي وأخذ اللفظ من العرب واستعمله في المعنى الثاني، فقال: رأيت أسداً، وعنى رأيت رجلاً شجاعاً، هذا يُسمى مجازاً، وبعضهم يعرّفه فيقول: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، يعتبر أنّ المعنى الثاني لم تضعه له العرب وإنّما هو من تصرف المستعمل، تمام، الشاهد عندنا في الكلام أنّ المجاز هو لفظ مستعمل بوضعٍ ثانٍ، أي أنّ المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وُضع له أولاً، تمام، ثم قال: "لعلاقة"، ماذا يريد بهذا؟ أي استعمال اللفظ بوضعٍ ثانٍ يكون لوجود علاقة بين الوضع الأول والوضع الثاني، ليس عبثاً هكذا، لا، فيه علاقة بين الوضع الأول والوضع الثاني، يعني الآن عندما تأتي للمثال الذي ذكرناه، الأسد لفظ يدلّ على الحيوان المفترس، هذا الوضع الأول، الوضع الثاني: الأسد يدلّ على الرّجل الشجاع، ما هي العلاقة بين الحيوان المفترس وبين الرجل الشجاع؟ هذه العلاقة هي التي جعلتنا نستعمل هذا اللفظ الواحد للوضع الأول وللوضع الثاني، تمام، أخرج بكلمة: "لعلاقة" أموراً، منها الخطأ والسهو، كأن يقول مثلاً: خذ هذا القلم ويشير إلى كتاب، ويريدك أن تأخذ الكتاب، طيب، ما هي العلاقة الآن بين القلم وبين الكتاب؟ لا يُوجد بينهما علاقة، فلا يصحّ أن يُقال أنّ هذا مجازٌ لأنّه ما فيه علاقة بين القلم والكتاب، تمام، أو يكون هو قاصداً اللفظ، لا يخطأ ولكن لا مناسبة بين المعنيين، كقولي: خذ هذا الكتاب أو اشتريت كتاباً وتريد تفاحاً، أنت لم تخطأ تعمدت هذا، قلت: اشتريت هذا الكتاب وفي يدك تفاحاً، ما هي العلاقة بين الكتاب والتفاح؟ لا علاقة، إذن لا يصحّ منك هذا الاستعمال، تمام، فهذا لا يُسمى مجازاً، إذن جاء بهذا القيد ليُخرج مثل هذه الأشياء، وضحت الآن مسألة المجاز والحقيقة، طبعاً الأصل في الكلام هو الحقيقة ولا يُصار إلى المجاز عند الذين يقولون بالمجاز إلّا مع وجود قرينة، إذن لا بد من وجود دليلٍ يُصرف به الكلام من الحقيقة إلى المجاز، وهذا باتفاق الذين قرروا مسألة وجود المجاز في اللغة.
قال المؤلف: "فيجب سبق الوضع جزماً لا الاستعمال في الأصحّ".
يعني بناءً على ما تقدم نستفيد أنّ المجاز يستلزم وضعاً سابقاً عليه، وهذا لا خلاف فيه، يعني يجب قبل أن تستعمل اللفظ فيما وُضع له ثانياً أن يُسبَق استعمالك هذا بوضع العرب، وأن تكون العرب قد وضعت هذا اللفظ للمعنى الأول، واضح، تمام، ولا يجب أن يكون الاستعمال في المعنى الأول سابقاً للاستعمال في المعنى الثاني، يعني يجب أن تكون العرب قد وضعت اللفظ للمعنى الأول لكن لا يجب أن يكون الاستعمال قد حصل للمعنى الأول، وإن لم يستعمله أحد في المعنى الأول لك أن تستعمله في المعنى الثاني، إذن الاستعمال ليس واجباً لكنّ الوضع واجبٌ في مثل هذا.
قال المؤلف: "وهو واقع في الأصح".
"وهو واقع" هذا عائد إلى المجاز، والمجاز واقع في الأصحّ، أي: واقع وموجود، وهذا محل نزاع لذلك قال المؤلف: "في الأصح" أي في المسألة خلاف، وقد أنكر المجاز جمع من علماء العربية وغيرهم، وعدّه الإمام ابن القيم رحمه الله طاغوتاً من الطواغيت، طاغوت من طواغيت أهل الكلام، لماذا؟ لأنّهم استعملوا المجاز لنفي صفات الله تبارك وتعالى وجعلوه أساساً عندهم في هذا الشيء، فكلّ ما جاءت صفة من صفات الله يقولون هذه مجاز، هذا مجاز، هذا مجاز، فلذلك عدّه ابن القيم رحمه الله طاغوتاً من طواغيت أهل الكلام، للتلاعب في صفات الله وفي أسمائه، الخلاف في المجاز واقع، هل المجاز موجود في اللغة العربية أو لا يوجد مجاز أصلاً في اللغة العربية؟ هذا أمرٌ أول، ثانياً: طبعاً الذين قالوا لا مجاز في اللغة العربية انتهى هؤلاء نضعهم على جنب الآن، الآن الذين قالوا يوجد مجاز في اللغة العربية اختلفوا هؤلاء أيضاً، هل يوجد مجاز في القرآن والسنة أم لا مجاز في القرآن والسنة، وكذلك هؤلاء الذين قالوا يوجد مجاز في السنة اختلفوا في القرآن هل يوجد مجاز في القرآن أم لا يوجد مجاز في القرآن، وقد ألّف الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله كتابه: منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز، وهو مطبوع وهو كتاب نفيس، وكذلك ألّف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة المجاز في كتاب الإيمان الجزء السابع من مجموع الفتاوى وبيّن أن لا مجاز في القرآن والسنة، وكذلك فعل ابن القيم رحمه الله ونفى المجاز كذلك شيخ الإسلام ليس فقط في القرآن بل أيضاً في اللغة العربية، وهم يُسمّونه –هؤلاء-، المجاز يقول فيه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم هو أسلوب من أساليب العرب، وأساليب العرب تُبين معنى اللفظ المراد الذي يُستعمل في أكثر من معنى، يبينه السياق وتبينه القرائن، هذا الذي يُبين لنا المعنى المراد من لفظ المتكلم ولسنا بحاجة إلى المجاز، وأعظم ماستدلوا به على نفي المجاز في القرآن أنهم جميعاً اتفقوا على جواز نفي المجاز، ماذا يعني؟ يعني عندما تأتي وتقول: رأيت أسداً وتعني بذلك الرجل الشجاع، للسامع أن يقول لك: أنت لم ترى أسداً بل رأيت رجلاً شجاعاً، فالمجاز يجوز نفيه، لكن في القرآن لا يجوز أن تنفي شيئاً، لا يجوز أن تأتي وتقول مثلاً: ﯯ ﯰ ﯱ ، تقول: لا، لا، اليدان غير مرادتين، هذا لا يجوز في شرع الله سبحانه عز وجل، أو أنّك تقول مثلاً: اليدان، عندما يفسرونها بالقدرة، الآن قلنا المجاز يجوز نفيه نقول: لا، لا، هنا لا يصحّ أن يُقال اليدان لأنّه المقصود: القدرة، وهذا لا يجوز في كتاب الله تبارك وتعالى، وهذا الذي اعتمد عليه من قال بعدم جواز المجاز في القرآن، وهو اعتماد قوي وحجّة قوية، على كلٍّ من أراد أن يتوسع يراجع كلام ابن القيم رحمه الله في هذا الباب في الصواعق المرسلة، وكذلك كلام الشيخ الشنقيطي رحمه الله في كتابه: منع جواز المجاز.
قال المؤلف رحمه الله: "ويُعدل إليه لثقل الحقيقة أو بشاعتها أو جهلها أو بلاغته أو شهرته أو غير ذلك".
"ويُعدل إليه" أي نترك الحقيقة ونذهب إلى المجاز، لماذا؟ لأسباب، ماهي الأسباب التي تجعلك تترك الحقيقة وتذهب إلى المجاز؟ وتستعمل اللفظ في الوضع الثاني لا في الوضع الأول، قال:
أولاً: "لثقل الحقيقة"، الحقيقة تكون ثقيلة، يعني عندما تريد أن تقول مثلاً: جاء الخنفقيق، هذه حقيقة الآن، هذه: الخنفقيق ثقيلة على اللسان، البعض لا يستطيع أن ينطقها أصلاً، فلثقلها على اللسان وصعوبة نطقها أنت تنتقل منها إلى المجاز فتقول: جاء الموت، فأنت تعني بالخنفقيق الداهية، الخنفقيق معناه الداهية، رجل داهية، مصيبة، فتقول: جاء الموت، فتسميه موتاً، لأنّ دهائه يمكن يصل بك إلى الهلاك، هذه واحدة من الأسباب التي يعدلون عن الحقيقة إلى المجاز لأجلها.
ثانياً: "أو بشاعتها"، لبشاعة الحقيقة كالخَرء يُعدل عنه إلى الغائط، الخَرء الذي يخرج من الإنسان وهو الغائط، يعني حوّلوا عن اللفظة الأساسية للكلمة إلى الغائط وهو المكان المنخفض، فنقلوا الأمر ليخففوا من بشاعة الكلمة.
ثالثاً: "أو جهلها"، يعني الحقيقة تكون مجهولة لا تُعلم، إمّا عند المتكلم أو عند السامع، فتُترك ويذهبون إلى ما هو معلوم، فيكون المجاز معلوماً، فتُترك الحقيقة ويُذكر المجاز.
رابعاً: "أو بلاغته"، الكلام في الأول كان عن الحقيقة، لثقل الحقيقة أو بشاعة الحقيقة أو جهل الحقيقة، هنا: أو بلاغة المجاز، يعني المجاز يكون أكثر بلاغة من الحقيقة، كـ: زيدٌ أسدٌ، مثلاً، أبلغ من قولك: زيدٌ شجاعٌ، أكثر بلاغة فيُستعمل المجاز لذلك.
خامساً: "أو لشهرته"، أي المجاز يكون أشهر من الحقيقة، فتَترك الحقيقة التي هي أقل شهرة وتذكر المجاز.
"أو غير ذلك"، من الأسباب كأن تكون في مجمعٍ مثلاً إذا تكلمت بالحقيقة فهم الجميع عليك ما تريد وأنت لا تريد ذلك، تريد الذي يفهم عليك الموضوع فقط زيدٌ من الناس، فإذا تكلمت بالمجاز فهم عليك زيدٌ فلم يفهم البقية، وإذا تكلمت بالحقيقة فهم الجميع، فتترك الحقيقة إلى المجاز، هذه من الأسباب والأسباب كثيرة.
قال المؤلف رحمه الله: "والأصحّ أنّه ليس غالباً على الحقيقة".
بعضهم قال: المجاز غالب على جميع اللغات حتى على اللغة العربية، يعني أكثر استعمال الكلمات في المجاز لا في الحقيقة، هكذا يقول بعضهم، فردّه المؤلف وقال: "والأصحّ أنّه ليس غالباً على الحقيقة"، وهذا الذي قال بأنّه غالب الأمر في المجاز حتى كلمة: رأيت زيداً جعلها مجازاً، وضربت زيداً جعلها أيضاً مجازاً، وأنت لمّا تقول: رأيت زيداً فحقيقةً ما رأيت كلّ زيد، أنت رأيت ما واجهك من زيد فقط، يعني مثلاً الأمر الخلفي من زيد أنت ما رأيته، تمام، أو: ضربت زيداً، أنت حقيقة ضربت جهة من جهات زيد، ما أوقعت الضرب على جميع زيد، فجعل الكلام كلّه مجازاً.
قال المؤلف: "ولا معتمَداً حيث تستحيل".
الأصحّ أنّ المجاز ليس هو الغالب على اللغات، وأنّ المجاز لا يُعتمد إذا كانت الحقيقة مستحيلة، بمعنى رجل له عبد، يريد أن يُعتقه وهذا العبد أكبر سنا من سيده، عمر العبد أكبر من عمر السيد، فيقول السيد مثلاً في عبده: هذا ابني، ويريد أن يعتقه الآن، هو يريد: هذا ابني مجازاً وأراد به العتق، هو من حيث المجاز صحيح يصحّ مثل هذا، لكن من حيث الحقيقة لا يصحّ، هل يمكن من هو أكبر منه سنًّا أن يكون ابنا له؟ لا يمكن، حقيقة غير ممكن، فالمجاز ممكن لأنّه هو أراد أصلاً في الكلمة: هذا ابني أي أنّه معتق، لكن لمّا كانت الحقيقة مستحيلة قالوا هنا: لا يُعتمد على المجاز، والمجاز يكون باطلاً، والكلام يكون لغواً، غير معتمد، وأبو حنيفة قال: يُعتق في مثل هذه الحالة ويعتمد على المجاز.


قال المؤلف رحمه الله: "وهو والنقل خلاف الأصل".
هذه مسألة مهمة، الآن بدأ بمسألة الاحتمالات، بدأ هنا بما يُخلّ بفهم السامع ويؤثر في فهمه بكلام المتكلم، وما أراد من اللفظ الذي ذكره، فالسامع الآن يريد أن يُحلّل ألفاظ المتكلم ويصل إلى مقصوده، غاية السامع أن يصل إلى مقصود المتكلم، الألفاظ لماذا جعلت؟ لتدلّ على مقصود المتكلم، فعندما يتكلم المتكلم، السامع يريد أن يصل إلى مقصود المتكلم من خلال تحليل الألفاظ، الألفاظ هذه لها عدة احتمالات، هذه الاحتمالات هي التي يقولون فيها بأنّها تقدح في اليقين، تذكرون مسألة المتكلمين ولماذا يقدّمون العقل على النقل، المتكلمون يقدّمون العقل على النقل لسببين:
· الأول: يقولون العقل هو الذي دلّ على النقل، فالنقل فرع للعقل، والعقل أصلٌ للفرع، فإذا تعارض أصل مع فرع يُقدم الأصل.
· الأمر الثاني: أنّ النقل يحتمل احتمالات، الأدلة السمعية تحتمل احتمالات، هذه الاحتمالات هي التي سنذكرها الآن، سنذكر منها خمسة، هي عشرة احتمالات، وكون الأدلة السمعية تحتمل هذه الاحتمالات العشر إذن لا يمكن أن تكون الأدلة السمعية يقينية، والعقل يقيني، دلالته يقينية، فإذا تعارض العقل مع النقل قُدم العقل.
بهذا الطاغوت الأعظم تم نفي صفات الله تبارك وتعالى والتلاعب فيما أثبت الله تبارك وتعالى لنفسه وجعلوا أنفسهم حكماً على ربّ العزة تبارك وتعالى وما يجوز له وما لا يجوز، والكلام باطل كلّه، العقل الذي أدى إلى صحة النقل هذا غير صحيح، العقل ليس دليلاً على صحة النقل، العقل مدرك، آلة إدراك فقط، فالأدلة التي دلّت على حدوث العالم، وأنّ العالم مخلوق، والكون هذا مخلوق، وأنّ الله سبحانه وتعالى موجود، هو ما وُجد من خلق الله تبارك وتعالى، والعقل أدرك، تمام، هذه الشبهة الأولى، والشبهة الثانية مسألة الاحتمالات هذه لا توجد في جميع الكلام -في جميع الأدلة السمعية-، بل السياق والقرينة التي تكون موافقة لكثير من الأدلة السمعية تكون قاطعة مائة بالمائة، وهذه الاحتمالات تكون منفية تماماً، وقد ردّ هذا كلّه الإمام ابن القيم رحمه الله في أول كتابه الصواعق المرسلة رداً مفحما لهؤلاء القوم، موضوعنا الآن الذي نحن نريده هنا الآن أنّ هذه الاحتمالات في الكلام إذا تعارضت مع بعضها ما الذي يُقدم على الآخر؟ يعني إذا تعارضت الحقيقة مع المجاز ما الذي يُقدم؟ إذا اللفظ الذي ورد عندنا إذا دار اللفظ بين كونه حقيقة ومجازاً، على ماذا يُحمل؟ على الحقيقة أم على المجاز؟ الآن المؤلف يقول: "وهو" أي المجاز، "والنقل خلاف الأصل" ما المقصود بالأصل هنا؟ الأصل إمّا الغالب أو الدليل، بعضهم قال: هذا وهذا، والأكثر على أنّه الغالب، يعني الغالب والمقدم هو الحقيقة لا المجاز، تمام، "وهو والنقل خلاف الأصل"، فالأصل في الكلام الحقيقة، والأصل في الكلام عدم النقل، هكذا يقول المؤلف رحمه الله، الأصل في الكلام الحقيقة، لماذا؟ لأنّنا قلنا في المجاز بأنّه لا يُحمل الكلام عليه إلّا عند وجود قرينة، أمّا الحقيقة فلا، الحقيقة يُحمل الكلام عليها من غير قرينة، أمّا النقل فيريدون بالنقل يعني النقل من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي مثلاً، هذا الذي يريد أن يذكره في النقل، فيقول لك إذا تعارض المعنى الشرعي مع المعنى اللغوي، أيهما يقدم؟ عند المؤلف هنا يقول: "وهو" أي والمجاز "والنقل خلاف الأصل"، فعند المؤلف تكون الحقيقة اللغوية هي المقدَمة، لماذا؟ قالوا: لأنّ هذا هو الأصل، والأصل بقاء ما كان على ما كان، لكن هذا الدليل دليل ضعيف في أصله وهنا النقل قد حصل ووجد فإذا جاءنا اللفظ واحتمل أحد أمرين فإذا كان اللفظ قد جاء من الشارع والشارع له عرف خاص به لماذا نقدم المعنى اللغوي؟ لا يصحّ تقديم المعنى اللغوي في هذه الحال، في حال أن يكون للمتكلم عرفٌ خاصٌ به، يُقدم عرفه على المعنى اللغوي.
قال المؤلف: "وأولى من الاشتراك".
الآن أخرّ المجاز عن الحقيقة، فقال: الحقيقة تقدم على المجاز، لكن هنا قال: "وأولى من الاشتراك" يعني أولى من اللفظ المشترك، فعندما تريد أن تحمل اللفظ على الاشتراك واحتمل أن يكون مجازاً قال لك: لا تقول بأنّه المجاز هذا المقدم على الاشتراك، عرفنا نحن اللفظ المشترك ما هو؟ وكذلك النقل، إذا دار الكلام ما بين النقل والاشتراك تقدم النقل على الاشتراك.
قال المؤلف: "والتخصيص أولى منهما".
التخصيص من العموم، يعني إذا تعارض الآن المجاز مع التخصيص تقدم التخصيص، وإذا تعارض النقل مع التخصيص تقدم التخصيص.
قال المؤلف: "والأصحّ أنّ الإضمار أولى من النقل وأنّ المجاز مساوٍ للإضمار".
ما المراد من الإضمار؟ أن يكون في الكلام لفظاً محذوفاً، هذا الإضمار، فيه لفظ مضمر –محذوف-، كقول الله تعالى: ﭪ ﭫ، على قول الأحناف قالوا: المقصود من هذا: وحرّم أخذ الرّبا، هذا الإضمار، وجعلوا هنا لفظاً مضمراً وهو الأخذ، فهنا يقول: "والأصحّ أنّ الإضمار أولى من النقل"، يعني إذا دار الكلام بين أن يكون فيه إضمار أو أن تحمله على النقل، فماذا يقول؟ يقول الإضمار أولى من النقل، "وأنّ المجاز مساوٍ للإضمار" يعني إذا دار الكلام بين أن يكون إضماراً أو مجازاً فالمسألة متساوية لا نقدم أحد الأمرين على الآخر ويكون الكلام مجملاً يحتاج إلى بيان، هذا معنى كلامه، طيب.


الخلاصة في الموضوع:
o إذا تعارض المجاز والحقيقة فالحقيقة أرجح لأنّ المجاز بحاجة لقرينة.
o وإذا تعارض النقل والحقيقة فالحقيقة أرجح، هذا كلام المؤلف طبعاً.
o وإذا تعارض المجاز والاشتراك فالمجاز أولى.
o وإذا تعارض النقل والاشتراك فالنقل أولى.
o وإذا تعارض المجاز والإضمار فهما متساويان.
o وإذا تعارض النقل والإضمار فالإضمار أولى.
o وإذا تعارض التخصيص والنقل فالتخصيص أولى.
o وإذا تعارض التخصيص والمجاز فالتخصيص أولى.
هذه خلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله، ونزيدكم بعض الفوائد:
في شرح الكوكب المنير ذكر ما ذكره المؤلف في مواطن كثيرة، نزيد بعض الفوائد منها: قال:
· وإذا دار الأمر في اللفظ بين جريانه على عمومه أو تخصيصه، إذا اللفظ احتمل عندك أن يُحمل على العموم أو أنّه مخصّص، قال: فإنّه يُحمل على عمومه لأنّ الأصل بقاء العموم، نحو قوله تعالى: ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ يدخل في عمومه الحرّتين والأمتين، وإذا كانت إحداهما أمة والأخرى حرّة، ولا يُخصّص بالحرتين، يعني حُمل على العموم، هذا هو الأصل فدخلت فيه الحرّة والأمة.
· وكذا إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركاً أو مفرداً فإنّه يُحمل على إفراده، كالنّكاح فإنّه مشترك بين الوطء والعقد فيُحمل على الوطء دون العقد أو على العقد دون الوطء لا على الاشتراك.
· وكذا إذا دار اللفظ بين أن يكون مضمراً أو مستقلاً فإنّه يُحمل على استقلاله وهو عدم التقدير، يعني إذا احتمل عندك الأمر أنّ في الأمر تقدير وإلّا ما فيه تقدير؟ ماذا تقول؟ الأصل عدم التقدير هذا معنى ما يذكره المؤلف رحمه الله.
· وإذا دار اللفظ بين أن يكون مقيداً أو مطلقاً فإنّه يُحمل على إطلاقه.
· وإذا دار اللفظ بين أن يكون زائداً أو متأصلاً فإنّه يُحمل على تأصيله.
ماذا يعني التأصيل؟ يعني أنّه يزيد معنى، وليس زائدا لا معنى له، هذا المعنى، فإذا ادعى أحدٌ بأنّ لفظاً ما زائداً، الأصل معك إذا خالفته وقلت الأصل على عدم الزيادة وهذا يدلّ على معنى كذا وكذا، فالأصل معك وهو يلزمه الدليل
· وإذا دار الأمر بين أن يكون اللفظ مؤخَراً أو مقدماً يُحمل على التقديم لأنّه الأصل في الكلام.
· وكذا إذا دار اللفظ بين أن يكون مؤكِدا أو مؤسِساً، هذه فائدة مهمة، إذا جاء في الكلام لفظ يحتمل أن يكون للتأكيد ويحتمل أن يكون قد أعطى معنى زائداً، هذا معنى التأسيس، فالأصل في الكلام التأسِيس لا التأكيد، وإذا دار الكلام بين أن يكون مؤكدا أو مؤسساً فإنّه يُحمل على تأسيسه.
· وإذا دار اللفظ بين أن يكون مترادفاً أو متبايناً فإنّه يُحمل على التباين لأنّه الأصل، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى"، الأحلام والنهى بعضهم فسّرها بالعقل، لا يصحّ منك أن تُفسر الأحلام بالعقل وتفسر النهى بالعقل، تحتاج أن تغاير، لأنّ الأصل هو المباينة لا الترادف في المعنى، فيُحمل: النُهى بمعنى العقل وأولوا الأحلام يعني البالغين، هكذا تكون قد غايرت.
هذه الفوائد الزائدة التي ذكرها صاحب الكوكب المنير، وذكر من ضمن الكلام قال: ويحمل اللفظ الصادر من متكلم له عرف على عرف متكلم كالفقيه مثلاً، فإنّه يُرجع إلى عرفه في كلامه ومصطلحاته، وكذا الأصولي والمحدث والمفسر واللغوي ونحوه من أرباب العلوم، وكذلك إذا سُمع من الشارع شيء له مدلول شرعي ومدلول لغوي فإنّه يُحمل على مدلوله الشرعي، قال: كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاةً بغير طهور" فإنّه لو حُمل على المعنى اللغوي وهو الدعاء يصبح المعنى: لا يقبل الله دعاءً بغير طهور، وهذا لم يقل به أحد كما يقول المؤلف رحمه الله، قال: ولم يقل به أحد فيجب حمله على الصلاة المعهودة في الشرع وهي العبادة المخصوصة والله تعالى أعلم.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 14:14.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي