Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 13-12-2012, 22:02   #1
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغات مجالس شرح كتاب لبّ الأصول في مادة علم أصول الفقه.

المجلس الأول من مجالس شرح كتاب لُبِّ الأصول

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:
فدرْسنا في هذا اليوم سيكون بإذن الله تعالى لشرح كتاب "لُبِّ الأصول" في مادة أصول الفقه، وأصول الفقه عِلمٌ جليلٌ نافعٌ مَن حُرم هذا العلم حُرم الوصول إلى القدرة على فهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحُرم أيضاً القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها.
فمن أراد المُكنة في هذين الأمرين فليعتني بهذا العلم.
أصول الفقه: يعني الأدلة التي ينبني عليها الفقه، فبما أنه أساس الفقه، فلا يمكنك أن تبني بناءً حتى تتمكن من الأساس.
أصول الفقه تتعرف به على الأدلة الإجمالية، الأدلة التي تصلح أن تكون دليلاً تبني عليها فقهاً، فتُميِّز بهذا العلم بين ما يصلح أن يكون دليلاً وما لا يصلح أن يكون دليلاً، فتَعرف به أن القرآن دليلٌ شرعي يُستدل به على استنباط الأحكام الشرعية، وتعرف به أن السنة النبوية دليل شرعي تُستنبط الأحكام الشرعية منها، بتفصيلات مذكورة في هذا العلم، وكذلك الإجماع والقياس وغير ذلك من الأدلة، كقول الصحابي والاستحسان والاستصحاب وغير ذلك.
هذه الفائدة الأولى التي تستفيدها من هذا العلم.
والفائدة الثانية: هي التمكُّن في استنباط الأحكام الشرعية من أدلة الكتاب والسنة.
والفائدة الثالثة: هي القدرة على الفهم الصحيح لأدلة الكتاب والسنة.
وسيأتي معنا إن شاء الله ما يوضِّح هذا كلَّه.
إذاً فهذا العلم مفيد جداً ولا يستغني عنه طالب علم شرعي، قواعد وقوانين تنظِّم لك علمك.
في البداية (في عصر الصحابة) كانوا أصحاب لسان عربي، والقرآن والسنة جاءا بلسان عربي، فعربيتهم مع معرفتهم بالأسباب التي وردت لها أدلة الكتاب والسنة التي أدّتهم إلى معرفة مقاصد الشرعية ومع صفاء ذهنهم وذكائهم تمكنوا من فهم الكتاب والسنة فهماً صحيحاً، ومن استنباط الأحكام الشرعية استنباطاً دقيقاً من غير حاجة إلى وضع هذه القوانين في كتب وتأليف وتحرير لها، فكانت مقرَّرة في عقولهم، وأخذها التابعون عنهم مع أخذهم للقرآن والسنة عنهم، حتى إنك تلتمس هذه القواعد منهم في أثناء كلماتهم وفتاواهم، يُطلِق لك فتوى إذا تأملت فيها وجدتها قاعدة أصولية، ثم لمّا تغيَّرت اللغة عند أهلها وتغير لسان العرب وبَعُد عهدهم عن معرفة أسباب كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم احتاجوا إلى جمع هذه القواعد والاستدلال لها في مؤلَّفات، فجاء أول مؤلَّفٍ في هذا العلم من الإمام الشافعي رحمه الله، أرسل إليه عبد الرحمن بن مهدي رسالة يسأله فيها أن يضع له ما يدلّه على معاني القرآن وعلى معرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة الأخبار ودلالاتها، فكتب له الإمام الشافعي رحمه الله "الرسالة"، سُميت "الرسالة" فوضع فيها الإمام الشافعي رحمه الله علماً جماً، قواعد في أصول الفقه، في مسائل الناسخ والمنسوخ، وفي الأخبار (الأحاديث)، قواعد الأحاديث في القرآن وبعض مباحث القرآن من عامٍّ وخاصٍّ، إلى غير ذلك فأثنى العلماء ثناءً عظيماً على هذا الكتاب، ثم تتابعت التآليف في ذلك، فكان لعلماء الأصول في التأليف في هذا الفن طريقتان:
·طريقة تسمى طريقة المتكلِّمين.
·وطريقة أخرى تسمى طريقة الأحناف أو الفقهاء.
طريقة المتكلمين: يعتمدون فيها على تقرير القواعد التي دلّت عليها البراهين، فيُذكرون القاعدة ويستدلون لها بالبراهين التي دلت عليها، ولا يتطرقون كثيراً للمسائل الفقهية، للفروع التي تبنى عليها.
بينما طريقة الأحناف: يقررون القواعد بناءً على الفروع الفقهية، فيأخذون الفروع الفقهية التي فرَّعها فقهاؤهم، يجمعونها ثم يقررون القواعد بناءً عليها، كأنهم يقولون بأن هذه الفروع نتجت عن هذه القاعدة عند إمامهم، هذه طريقة الأحناف، فالتقعيد يكون على الفتاوى التي يفتيها أئمتهم، وقد أدى بهم ذلك أحياناً إلى تقرير قواعد غريبة كما قال بعض أهل العلم.
هاتان طريقتان ولكل طريقة مؤلَّفات، ألَّف على طريقة المتكلمين كثير من متقدمي الأئمة، أكثر هذه الكتب شهرة وأكبرها كتاب "المعتمَد" لأبي الحسين البَصْري، توفي سنة 463 وهو معتزلي، من المعتزلة، عندما نقول المتكلمين فيشمل كل من خاض في علم الكلام وقرَّر مسائل العقيدة بالعقل، الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم، كل هؤلاء من المتكلمين.
والكتاب الثاني: كتاب"البُرْهان" لإمام الحرمين الجُوَيْني، توفي سنة 478.
والكتاب الثالث: كتاب "المُسْتَصْفى" لأبي حامد الغزالي، توفي سنة 505 .
هذه الكتب الثلاثة اعتمد عليها كثير ممن ألَّف في أصول الفقه على طريقة المتكلمين ممن جاء بعدهم.
الكتب التي بُنيت على هذه المجموعة كتاب "المَحْصول" للرازي توفي سنة 606، وكتاب "الإحكام" للآمِدِي.
يقول بعض أهل العلم في وصفهما: (وكلا الكتابين مبسوط العبارة لا يحتاج لشرح طويل يفسر معناه، بل يكتفي به مَنْ يطالعه)، فهو مشروح ميسَّر لا يحتاج إلى شرح وبسط، يقول: إلا أن "المحصول" أوضح عبارة من كتاب "الإحكام" للآمدي.
ثم تفرَّعت كتب أخرى عن هذين الكتابين، نذكر منهما كتابين مهمين الأول:
·"المِنْهاج" للبَيْضاوي، هذا الكتاب هو اختصار لكتاب "الحاصل" للأَرْمَوي، و"الحاصل" اختصار للــ "المحصول"، فــ "المنهاج" مبني على "المحصول" للرازي.
-أنا أريد أن أصل إلى شيء بعد هذا التفصيل-.
·وكذلك كتاب "مختصر ابن الحاجب" هو مختصر لكتاب "المُنتهى" لابن الحاجب أيضاً، و"المنتهى" مختصر للــ "الإحكام" للآمدي.
والكتب التي نريد أن تُحفظ من هذا الكلام: "المنهاج" للبيضاوي و"مختصر ابن الحاجب".
الخلاصة أن "المنهاج" للبيضاوي مبني على "المحصول" للرازي، و"مختصر ابن الحاجب" مبني على "الإحكام" للآمدي .
هذه أشهر كتبٍ وأشهر مختصرات لهذه الطريقة.
أما طريقة الحنفية فقد ألَّف فيها كثير من الأحناف، ألَّف فيها الجَصّاصّ والدَّبّوسي والبَزْدَوي وغيرهم، ومن المؤلَّفات فيها: متنٌ صغير مختصر اسمه "المَنار" للنَّسَفي، كم مختصر ذكرنا الآن ؟ ثلاثة
·"المنهاج" للبيضاوي.
·"مختصر ابن الحاجب".
·و"المنار" للنسفي.
"المنهاج" للبيضاوي و"مختصر ابن الحاجب" على طريقة المتكلمين في التأليف، و"المنار" على طريقة الأحناف.
ونتجت عن هاتين الطريقين طريقة ثالثة مختلفة، وهي طريقة مَنْ جمع بين الطريقتين، من هذه الكتب كتاب صدر الشريعة "تنقيح الأصول"، أما المختصرات في هذه الطريقة فــ "جَمْع الجوامع".
المختصرات التي ذكرتها الأربعة هي المعتمدة عند كثير من علماء الأصول في التدريس:
·"المنهاج" للبيضاوي، و"مختصر ابن الحاجب"، وهما على طريقة المتكلمين.
·"المنار" للنسفي، على طريقة الأحناف.
·"جمع الجوامع" ، الذي جمع بين الطريقتين
البيضاوي: شافعي، ابن الحاجب: مالكي، النسفي: حنفي، وابن السُّبْكي مؤلِّف "جمع الجوامع": شافعي.
هذه هي المختصرات التي يعتمدها كثير من علماء الأصول في تدريس هذا العلم.
ما معنى المختصر؟ قليل المبنى كثير المعنى، فالذي يختصر ويريد أن يضع مختصراً في علم من العلوم يقلِّل ألفاظه ويُكَثِّر معانيه.
هذا بالنسبة للمؤلَّفات في هذا الفن وهي كثيرة، أكثر المؤلفين في علم الأصول عقائدهم أشعرية، والسبب في ذلك أن كثرة التأليف فيه كانت في الزمن الذي انتشرت فيه هذه العقيدة، سبب انتشارها يطول.
من الكتب التي تجد المباحث التي لها تعلُّق في العقيدة، تجدها على طريقة أهل السنة: "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر، وإن كان الكتاب ليس مختصاً بعلم أصول الفقه إلا أن مؤلفه ذكر فيه كثير من المباحث الأصولية على طريقة أهل السنة.
وكذلك الخطيب البغدادي في كتابه "الفقيه والمتفقِّه"، و"المُسوَّدَةْ" لآل تيمية.
وهناك مباحث أصولية كثيرة تحدث عنها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم في كتبهم الموجودة عندنا، وقد عالج هذه المسألة معالجة طيبة صاحب كتاب: "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة" الجيزاني، ذكر المباحث التي لها تعلق بمسائل العقيدة وقرر فيها عقيدة أهل السنة والجماعة، وتقريباً أكثر كتاب يُعتبر صاحبه على عقيدة أهل السنة والجماعة إلا أنَّ له تأثُّر أحياناً في بعض المباحث في مسائل الكلام "شرح الكوكب المنير" كتاب كبير جمع فيه مباحث أصول الفقه وهو كتاب نافع ومفيد جداً عباراته في الغالب سهلة وذكر المباحث الأصولية ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مباحث كثيرة قرر فيها عقيدة أهل السنة والجماعة.
هذا ما يتعلق بالتأليف في هذا الفن، والكتب طبعاً كثيرة، من حيث سهولة العبارة "المسْتَصْفى" للغزالي، سَهْل العبارة، كثير من كتب أصول الفقه صعبة العبارة نظراً لإدخال علم الكلام والمنطق في مباحثه، وكثير من مباحث أصول الفقه أصلاً هي غريبة عن علم أصول الفقه، فالطالب عندما يدرس لا يحاول أن يتوسع في المبحث حتى يعلم هل من ورائه فائدة عملية في استنباط الأحكام أو في فهم الكتاب والسنة أم لا؟ فإذا وجد فائدة من هذا المبحث توسع فيه وبحث ونظر وقرأ، ولكن إذا لم يجد فائدة من وراء ذلك ووجد أن البحث غريباً عن هذا الفن فليبتعد عنه وهذا قد نبه عليه أكثر من واحد من العلماء، على أن علم أصول الفقه قد دخله كثير من المسائل الغريبة عن هذا العلم وهذا السبب الذي جعل الكثير يُزهِّدون فيه أو يَزْهدون فيه، والعلم هذا كثير من الناس هم بين إفراط وتفريط، ما بين تقصير ومجاوزة في هذا الأمر، فلا يُصرَف النظر عنه بتاتاً لأن مَن فعل ذلك قد خسر خيراً كثيراً، ولا في نفس الوقت يتوسع الشخص في كل مباحثه بل يميِّز ما فيه نفع وما لا نفع فيه عند دراسته.
فكما ذكرنا بالنسبة للتعريفات، المختصرات التي ذكرناها يعني تعتبر تقريباً هي بعد المستوى الأول، وأنا شخصياً أفضِّل كتاب الورقات للمستوى الأول ليس فيه كل أبحاث أصول الفقه لأنه في هذه الطريقة يكون الأمر أسهل على طالب العلم وليس فيه توسع بحيث يُشكل على الطالب ثم اخترنا كتاب "لُب الأصول" الذي هو اختصار لــ "جمْع الجوامع"، المختصر الذي هو "جمع الجوامع" وهو مختصر في أصله لكن زكريا الأنصاري رحمه الله اختصر كتاب "جمع الجوامع" في الكتاب الذي بين أيدينا، سمّاه "لب الأصول".
"لب الأصول" اختصار لــ "جمع الجوامع" لابن السُّبْكي، وكتاب "جمع الجوامع" كما عرفنا متن في أصول الفقه، اعتنى به العلماء لأهميته في هذا الفن فشرحه بعضهم وعلَّق عليه آخرون، ونظمه البعض واختصره آخرون، ممن نظمه السيوطي، وممن اختصره زكريا الأنصاري في المختصر الذي بين أيدينا الذي هو "لب الأصول"، وشرح مختصره نفسه زكريا الأنصاري، سمّى كتابه "غاية الوصول إلى شرح لب الأصول" هذا غاية الوصول هو شرح للب الأصول، شرحه زكريا الأنصاري نفسه بعد أن اختصر جمع الجوامع شرح هذا المختصر في كتابٍ سماه "غاية الوصول إلى شرح لب الأصول" نحن سندرس لب الأصول الذي هو المختصر، لن ندرس شرح اللب، نريد أن ندرس "لب الأصول" فقط الذي هو المختصر لجمع الجوامع.
والمؤلف رحمه الله في كتابه هذا لم يقتصر على الاختصار فقط، بل أبدل ما ليس بمعتمَدٍ عند الشافعية بما هو معتمد، يعني يذكر أن صاحب "جمع الجوامع" وهو شافعي ذكر بعض المباحث التي هي وإن كانت أقوالاً في المذهب الشافعي لأنها هي ليست المعتمدة فغيَّرها المؤلف إلى ما هو معتمد عند الشافعية وما ليس بواضح غيَّره إلى ما هو أوضح منه كما ذكر هو ذلك في أثناء كلامه كما سيأتي إن شاء الله، وزاد زيادات حسنة هو ذكرها، إذاً هذا المختصر ليس مختصراً فقط بل وفيه أيضاً بعض الزوائد والفوائد، سماه مؤلفه "لُب الأصول" واللبّ: هو خالص كلِّ شيء، خالص الشيء وزبدته كما يقولون هو هذا اللبّ، إشارة إلى أن كتابه هذا هو خالص أصول الفقه.
وأما المؤلف فهو زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري المِصري الشافعي أبو يحيى الملقَّب بــ "زَيْن الدين" ولد سنة 824 وتوفي سنة 926 فهو من علماء القرن التاسع والعاشر، من شيوخه: الحافظ ابن حجر والبُلقيني ومن تلاميذه شهاب الدين الرَّملي الأنصاري وابن حجر الهيتمي، ابن حجر ليس ابن حجر العسقلاني، والهيتمي ليس الهيثمي، ابن حجر الهيتمي شخص ثالث.
قال فيه السخاوي: (على طريقةٍ جميلةٍ من التواضع وحُسن العشرة والأدب والعفة)، السخاوي معروف تلميذ الحافظ ابن حجر، ترجم لزكريا الأنصاري، قال في ترجمته: على طريقةٍ جميلة من التواضع وحسن العشرة والأدب والعفة، إلى أن قال: -هذه كلها تزكية في ماذا؟ في أخلاقه- إلى أن قال: (إلى أن أَذِن له غير واحدٍ من شيوخه بالإفتاء والاقراء) هذه تزكية في ماذا؟ في علمه، تزكية في علمه، إذا أَذِن له شيوخه بالإفتاء فهذا يكون على قدرٍ من العلم.
وقال: (وتصدَّر للتدريس في حياة غير واحدٍ من شيوخه)هذه منقبة له، تدل على أن الرجل صاحب علمٍ قويٍ، (وأخذ عنه الفضلاء طبقةً بعد طبقة) أخذ عنه الفضلاء من المشايخ يعني من أهل العلم،(مع إعلام متفنِّنيهم بحقيقة شأنه) هذا فيه شيء، أخذوا عنه مع علمهم بحقيقة شأنه، ما هي هذه الحقيقة التي مع علمهم أخذوا عنه؟ إذاً هي مَذَمَّة، فما هي هذه المذمة؟ قال: (ولكن الحظُّ أغلب)جعل الأمر مسألة حظ له طيب أن أخذوا عنه، هذه غمزة شديدة من السخاوي فيه، وقال فيه أيضاً:-هذا الذي يفسر لنا ما أراده السخاوي رحمه الله-: (كان أَحَدَ مَنْ كتب في كائنة ابن الفارض بل هو أحد مَن عظَّم ابن عربي)تعرفون ابن عربي، ليس ابن العربي، ابن العربي ذاك الفقيه المالكي معروف، هذا ابن عربي الصوفي المحترق صاحب وحدة الوجود ،كافر، كان هذا زكريا الأنصاري يُعظمه، (واعتقده وسمَّاه ولياً)إذاً هذا ما أُخذ على الرجل، الظاهر أنه كان صوفياً غالياً في تصوفه، ولا ندري هل كان يعتقد عقيدة ابن عربي أم لا؟ على كلٍ هذه هي حقيقة الرجل من الناحية العلمية مُثنى عليه، لكن من الناحية العقائدية والمنهجية الرجل سيء جداً.
قال المؤلف رحمه الله: "بسم الله الرحمن الرحيم".
الباء: حرف جر، والاسم: اسم مجرور حُذفت منه الألف، أصل الكلمة تُكتب باء ثم ألف، هذا أصلها، لكن هذه الألف حُذفت، لماذا حذفت؟ لكثرة الاستعمال، فتُحذف في مثل هذا الموضع، "بسم الله الرحمن الرحيم" فقط، في غير هذا الموضع تُكتب الألف "باسم الله"، و"اسم": مضاف ولفظ الجلالة: مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بفعلٍ تقديره أُؤلف أو أبدأ، أُؤَلِّف أنسب لأنها تكون مختصة بالمقام، ويقدَّر هذا الفعل على حسب المقام.
والباء قيل: للمصاحبة أي أؤلف مع ذكر البسملة، وقيل: للاستعانة أي أؤلف مستعيناً، "الباء": لها عدة معاني عند العرب منها المصاحبة ومنها الاستعانة ومنها الإلصاق وغير ذلك. و"الاسم": من السمو وهو العلو.
و"الله": لفظ الجلالة.
و"الرحمن": صفة أولى أوسع من الرحيم، فهو رحيم بالمؤمنين خاصة.
ثم قال المؤلف: "الحمد لله الذي وفقنا للوصول إلى معرفة الأصول".
الحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، إذا حمدت الله أي وصفت الله سبحانه وتعالى بصفات الكمال مع محبتك وتعظيمك له، والمؤلف يصفه بالكمال ويثني عليه بذلك لأنه الذي وفقه ووفق غيره من أهل الإسلام إلى معرفة علم أصول الفقه.
وبدأ المؤلف بالبسملة والحمدلة اقتداءً بكتاب الله وعملاً بالسنة، ولكن في شرحه استدل على ذلك بأحاديث ضعيفة، كما هي عادة كثير من الأصوليين والفقهاء والمفسرين، كثير منهم يكون بعيداً عن ممارسة علم الحديث، فتجده يستدل بأحاديث موضوعة أو ضعيفة أو واهية لعدم ممارستهم لهذا العلم، وأنت إذا قرأت في كتب المتأخرين من المفسرين والفقهاء والأصوليين تجدها كثيرة الأحاديث الواهية والضعيفة لضعف أهل تلك الأزمان في هذا العلم، لكن بدء الرسائل والكتب بالبسملة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، وضمَّن المؤلف رحمه الله الحمدلة ذِكْرَ أصول الفقه، إشارة إلى ماذا؟ إشارة إلى الفن الذي سيتحدث عنه.
وإذا بدأت الحمدلة والبسملة مثلاً بما يشير إلى مادة الكتاب الذي ستتحدث عنه أو مادة الخطبة التي ستتحدث عنها يسمى هذا العمل عند البلاغيين ببراعة الاستهلال، براعة الاستهلال أو حُسْن الابتداء، المعنى واحد، وهي: -براعة الاستهلال- أن يتضمن أول الكلام ما سيق الكلام لأجله من غير تصريح.
أول الكلام، الآن في الحمدلة والبسملة هذه أول الكلام، تضمَّن ما سيق الكلام لأجله، أصلاً الكتاب الآن والبسملة والحمدلة سيقت لماذا؟ لمباحث علم أصول الفقه، فتضمَّن أول الكتاب إشارة إلى هذا المبحث، هذا يسمى براعة الاستهلال.
قال المؤلف: "ويسَّر لنا سلوك مناهج بقوةٍ أودعها في العقول"، أي نحمده أيضاً على أن سهَّل لنا دخول طُرقٍ واضحة وكان هذا التيسير بخَلقِ قوة جعلها في عقول البشرية، ندرك بها الأشياء.
والسلوك هو الدخول.
والمناهج: جمع منهج وهو الطريق الواضح.
قال المؤلف: "والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الفائزين من الله بالقَبول".
الصلاة في اللغة: الدعاء، وهي من الله: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، كما صح عن أبي العالية الرياحي، والملأ الأعلى هم الملائكة المقربون، والصلاة من الملائكة: هي الاستغفار.
·من الله: الثناء.
·ومن الملائكة: الاستغفار.
·ومن الآدميين: الدعاء.
والسلام: السلامة من الآفات والنقائص، والجملة خبرية لفظاً، لفظها لفظ خبري، "والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الفائزين من الله بالقبول" ولكنها إنشائية معنىً، فالمراد منها إيجاد الصلاة والسلام لا الإعلام بذلك، لا الإعلام بذلك بل إيجاد ذلك، إيجاده يكون إنشاءً، وأما الإعلام به يكون إخباراً، خبر، نحن أخذنا الفرق بين الخبر والإنشاء، درسُنا هذا مبني على الدروس الماضية التي درَّسناها في الدورة، فكثير من الكلام الذي نذكره قد شُرح وبُيِّن في تلك الدروس، المفروض يعني أن يكون قد قُرِّرت هذه المسائل في الدروس الماضية، هذا الدرس هو الدرجة التي تلي الدرجة الأولى في أصول الفقه، بعدما انتهينا من "الورقات" الآن انتقلنا إلى "لب الأصول"، فالجملة الإخبارية والجملة الإنشائية هذا كله كنا قد شرحناه وبينّاه فلا داعي لزيادة أيضاً، أي كأنه قال: اللهم صلِّ وسلم على محمد.
"وآله": يريد المؤلف بالآل هنا مؤمني بني هاشم وبني المطلب، نص هو على ذلك، نص هو على هذا المعنى، وهذا الذي عليه الشافعية لأن الإمام الشافعي رحمه الله فسَّر الآل بهذا، يستدلون بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة: "لا تحل لمحمد ولا لآل محمد"، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قَسَم سهم ذوي القربة على بني هاشم وبني المطلب، فيقولون: إذاً الآل هم بنو هاشم وبنو المطلب، ولعل الأصح في هذا ما ذهب إليه سفيان الثوري وغيره: أنهم أهل دينه كلهم وأتباعه إلى يوم القيامة، لكن نحن الآن ليس في كلام المؤلف، كلام المؤلف خلاص فسَّر قال: نريد بالآل كذا وكذا خلاص انتهينا، لكن إذا ذُكرت في موطن آخر يُفهم منها هذا المعنى أن المراد بذلك أهل دينه كلهم وأتباعه إلى يوم القيامة، وهو قول أكثر أهل العلم.
الآل في اللغة: يطلق على الأقارب وعلى الأتباع، من هنا جاء الخلاف، فالإمام الشافعي أخذ المعنى الأول والجمهور أخذوا المعنى الثاني، ومن أين لنا أن الآل يطلق على الأتباع؟ من قول الله تبارك وتعالى: ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ [غافر/46]، وهم أهل ملَّته الذين تابعوه على دينه، وإلّا من آل فرعون من لا يدخل أشد العذاب لأنه آمن، فإذاً يصح معنى الآل بمعنى الأتباع.
"وصحبه": اسم جمع صاحب بمعنى الصحابي: وهو من لقي النبي مؤمناً به ومات على ذلك.
"الفائزين من الله بالقبول": هذا وصف للصحابة أي الذين ظفِروا بالقبول من الله أي حصلوا على رضا الله وفازوا به في قول الله تعالى: ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ [الفتح/18].
انتهى المؤلف من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخذ يبيِّن ما فعله في كتابه هذا، نؤجله إلى الدرس القادم بإذن الله تعالى، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-12-2012, 22:05   #2
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الثاني من مجالس شرح كتاب لُبِّ الأصول

المجلس الثاني من مجالس شرح كتاب لُبِّ الأصول
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، كنا في الدرس الماضي قد بدأنا بمادة لُب الأصول ونكمل في درسنا هذا ما كنا بدأنا به بتوفيق الله تبارك وتعالى.
قال المؤلف رحمه الله بعد أن حمد الله تبارك وتعالى وصلى على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
قال: "وبَعدُ".
أي وبعدما تقدم من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ومن حمد الله والبسملة أقول كذا وكذا ما سيأتي من كلام، يُؤتى بهذه الكلمة كلمة "وبعد" يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر في الكلام، وأصلها "أمّا بعد"، واستدلوا على أن أصلها أمّا بعد بإتيان الفاء في جملة الجواب التي ستأتي، جملة جواب الشرط، وأمّا بعد شرطية، تقديرها: مهما يكن من شيء بعد فكذا وكذا.
ثم قال رحمه الله: "وبَعدُ فهذا"، الإشارة للمؤلَّف الذي هو لب الأصول الحاضر في ذهن المؤلِّف.
"فهذا مختصَر"،من الاختصار، والاختصار: تقليل اللفظ وتكثير المعنى.
"في الأصلَيْن"، المقصود بالأصلين الأصولَيْن، تثنية أصول، أصول الفقه وأصول الدين، فهذا مختصر في أصول الفقه وأصول الدين، فإذاً هذا الكتاب لا يحتوي فقط على أصول الفقه بل وأيضاً فيه مباحث في أصول الدين ويعنون بأصول الدين العقيدة.
قال: "وما معهما"، فهذا مختصر في الأصلين وما معهما من المقدمات التي سيَفتتح بها الكتاب، سيذكر فيها تعريف أصول الفقه وبعض التعريفات الأخرى، وأيضاً مع الكتاب غير المقدمات مباحث في التصوف كذلك، فصار في كتابه هذا المقدمات، ثم أصول الفقه، ثم أصول الدين، ثم مباحث في التصوف، فعَنَى بقوله: "وما معهما":المقدمات ومباحث التصوف، والمؤلف كما مرّ معنا أشعري على عقيدة الأشاعرة وهو صوفي كذلك، ونحن لن ندرس من هذا الكتاب إلا ما يهمنا وهو أصول الفقه.
قال: "اختصرت فيه جمع الجوامع للعلّامة السُّبكي رحمه الله وأبدلت منه غير المعتمَد والواضح بهما مع زيادات حسنة"، يُبيِّن لنا الآن ما الذي فعله في كتابه هذا الذي هو لبّ الأصول، فقال: اختصرت فيه جمع الجوامع، عرفنا أن جمع الجوامع مختصر في أصول الفقه جمعه مؤلفه كما قال من زُهاء مائة مصنَّف في أصول الفقه فهو خلاصة هذه المصنفات المائة، مؤلِّفه ابن السُبكي وهو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السُبكي، بعض أهل العلم يُفرِّق بينهما بالسُبكي وابن السُبكي، فإذا أطلقوا السبكي فيعنون به الأب وهو علي بن الكافي لأن أباه أيضاً من العلماء وله مؤلفات في الأصول وفي غيرها، فإذا أطلقوا السُبكي فيريدون به الأب وإذا أطلقوا ابن السبكي فيريدون به الابن وأحياناً يطلقون السُبكي على هذا وهذا كما فعل الآن المصنف معنا قال: للعلامة السبكي رحمه الله ويعني به الابن الذي هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السُبكي تاج الدين، وُلد سنة 720، من شيوخه أئمة من أئمة السُّنة من أهل الحديث في وقته كالإمام الذهبي رحمه الله والإمام المزي، ومن شيوخه أيضاً والده علي بن عبد الكافي السُبكي الأب، يُقال له السُبكي، توفي سنة 771، هذا صاحب جمع الجوامع الذي هو ابن السُبكي مات صغيراً، لكنه كان صاحب علم متمكِّن في فنِّه.
وقال المؤلف: "وأبدلت منه غير المعتمَد"، أي أنه لم يَجمُد على الاختصار بل اجتهد وغيَّر بعض الأمور في الكتاب لأنه رآها غير معتمَدة، إما عنده أو عند الشافعية، فغيَّرها، وأيضاً ما فيه خفاء غيَّره بما هو واضح كي يُسهِّل المختصر، كان هدفه من هذا أن يُسهِّل هذا الكتاب على الدارسين، مع زيادات حسنة ولم يقتصر على مادة الكتاب بل زاد أيضاً بعض الزيادات من عنده التي رأى هو أنها مفيدة وأن المؤلَّف بحاجة إليها.
ثم قال رحمه الله: "ونبَّهت على خلاف المعتزلة بعندنا"، أي إذا قال: "عندنا" فيُنبه بذلك على أنهم قد خالفوا المعتزلة في هذه المسألة، الأشاعرة يخالفون المعتزلة في هذه المسألة فإذا كان عندهم خلاف للمعتزلة نبَّه على ذلك بقوله: عندنا، وأما غير المعتزلة فيقول:
"وغيرهم بالأصح غالباً"، أي إذا خالف الأشاعرة غير المعتزلة ينبه على خلافهم بقوله: الأصح كذا، أما خلاف المعتزلة فيقول: وعندنا كذا وكذا، يشير بذلك إلى أنهم يخالفون المعتزلة في هذه المسألة.
قال: "وسميته لبّ الأصول"،اللبّ خالص كل شيء، يشير إلى أنّ كتابه هذا خالص أصول الفقه.
"راجياً من الله القَبول وأسأله النفع به فإنه خير مأمول"، ألَّف هذا المؤلَّف وهو يرجو من الله تبارك وتعالى أن يتقبله منه ويسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع به العباد، يقول: فإنه خيرُ مأمولٍ، أي خير مرجوٍ يُرجى، أي الله سبحانه وتعالى خير مرجو فيأمل من الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منه ذلك وأن ينفع به العباد.
قال: "وينحصر مقصوده في مقدمات وسبعة كتب"، وينحصر مقصوده، مقصود ماذا؟ مقصود هذا الكتاب، الفائدة والزبدة التي يريدها من هذا الكتاب تنحصر وموجودة في مقدمات وسبعة كتب، وينحصر مقصوده أي لبّ الأصول، (في مقدِمات) جمع مقدِّمة بكسر الدال ويجوز فتحها، فتقول: مقدِّمة ومقدَّمة، مقدِّمة: اسم فاعل، تقدَّمت غيرها فهي تقدمت مادة الكتاب، ومقدَّمة اسم مفعول أي قدَّمها المؤلِّف على غيرها، والمقدِّمة من كل شيء أوله وهي في العلم ما يَتوقف الشروع فيه عليها، ما يتوقف البدء والشروع في العلم على هذه المقدِّمة، ما يتوقف عليه الشروع في الكتاب هذه تسمى مقدِّمة، يعني ما تقدمت الكتاب، الاستفتاحية للكتاب، وغالباً عند أهل العلم يقدمون الكتب بتعريف العلم الذي سيبدئون به وببيان موضوعه وثمرته وغير ذلك من الأبحاث التي يبدئون بها كتبهم، المؤلِّف سيأتي معنا إن شاء الله بأنه ذكر تعريف العلم وذكر الحكم وما يتبعه وذكر كذلك بعض التعريفات التي لها علاقة بغيرها من التعريفات، وعادة العلماء يقولون: المقدِّمات لبيان السوابق، والكتب لبيان المقاصد.
فقال هنا: "وينحصر مقصوده في مقدمات وسبعة كتب"، الكتاب الأول ذكر فيه القرآن وأبحاث القرآن، طبعاً الكتب هذه السبعة هي مباحث أصول الفقه، نبدأ بمادة أصول الفقه من الكتاب الأول، بعد أن ننتهي من المقدمات، ربما ستلاحظون أن الحكم وما يتعلق بالحُكم وتقسيم الحكم الشرعي وما شابه من هذه المسائل كلها ستجدونها في المقدمة وليس في الكتب، لأن الحكم حقيقة ليس من أصول الفقه، الحكم وأبحاثه ليست من أصول الفقه، الحكم هو الثمرة، الحكم الشرعي هو الثمرة، النتيجة من دراسة أصول الفقه، نحن ندرس أصول الفقه لماذا؟ لكي نتمكن من استنباط الحكم الشرعي، إذاً النتيجة والغاية هي الوقوف على الحكم الشرعي كي يؤدي ذلك إلى العمل، فالحكم هو ثمرة لذلك جعله المؤلف رحمه الله في المقدمة وليس في مادة أصول الفقه.
·الكتاب الأول ذكر فيه مباحث القرآن.
·والكتاب الثاني مباحث السنة.
·والكتاب الثالث مباحث الإجماع.
·والكتاب الرابع مباحث القياس.
في الأربع كتب الأولى وضع الأدلة المجمَع عليها بالجملة، وإن كان القياس قد خالف فيه أهل الظاهر، أربع أدلة من الأدلة الإجمالية المتفق عليها وضعها في الكتب هنا: القرآن، السُّنة، الإجماع، القياس،
·ثم في الكتاب الخامس وضع الاستدلال، وماذا نعني بالاستدلال؟ الأدلة المختلَف فيها، الأدلة الإجمالية المختلَف فيها، مثل ماذا؟ قول الصحابي، الاستحسان، المصلحة المرسَلة، الاستصحاب، وهكذا، هذه التي اختُلف فيها أهي أدلة شرعية أم لا، هذه كلها وضعها في الكتاب الخامس.
·أمّا الكتاب السادس فوضع فيه مبحث التعادل والترجيح، يعني معارضة الأدلة وترجيح بعضها على بعض، كيف يتم ذلك؟ من خلال دراسة هذا الكتاب وهو الكتاب السادس.
·والكتاب السابع والأخير وضع فيه مبحث الاجتهاد، وتحدث عن شروط المجتهد، فالمجتهد هو المستفيد من أصول الفقه، مَن الذي سيطبق أصول الفقه وسيستخرج الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية باستعمال مادة أصول الفقه والقواعد هذه؟ هو المجتهد، فالذي سيستفيد من أصول الفقه هو المجتهد لذلك بحثوا شروط المجتهد وإن كانت هي حقيقة ليست من أصول الفقه، لكن لمّا بحثوا الأمر في كتب أصول الفقه أدخلوه في التعريف كما سيأتي إن شاء الله.

قال رحمه الله: "المقدِّمات"، الآن انتهى المؤلف رحمه الله من ديباجة الكتاب وبدأ بمادة الكتاب.
المقدمات: جمع مقدِّمة وقد تقدم الكلام في ذلك، وقد بدأ بها المؤلف ليُعرِّف أصول الفقه قبل الدخول فيه، أراد أن يُعرِّف أصول الفقه قبل الدخول في أصول الفقه لماذا؟ ليتمكن الطالب من تصوُّر هذا العلم تصوراً مجمَلاً قبل الدخول فيه، إذا أردت أن تدرس علماً تريد أن تعرف ولو بالجملة ما هو هذا العلم الذي تريد أن تَدْرسه وتحتاج أيضاً أن تعرف فائدته، وتحتاج أيضاً أن تعرف مادته وهذا كله سنذكره بإذن الله تعالى.
قال: "أصول الفقه أدلة الفقه الإجمالية وطرق استفادة جزئياتها وحال المستفيد".
هذا تعريف المؤلِّف لأصول الفقه: أدلة الفقه الإجمالية وطرق استفادة جزئياتها وحال المستفيد، التعريف عند جمهور الأصوليين: "أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد"، المعنى واحد، أصول الفقه تُعَرَّف عند الأصوليين باعتبارين، الاعتبار الأول بالنظر إلى مُفْرَدَيْه، بالنظر إلى أنه مكوَّن ومركَّب من جزأين، من كلمتين: أصول وفقه، أي قبْل النظر إلى كَوْن هاتين الكلمتين اسماً وعَلَماً ولقباً على هذا الفن ننظر إلى معناهما، ثم النظر الثاني إلى كوْن هذه الكلمة كلمة أصول الفقه عَلَمٌ على هذا الفن الذي معنا.
عبد الله: اسم، إذا قلت ما معنى كلمة عبد الله؟ تحتاج أن تفهم كل كلمة على حدة أولاً، ثم بعد ذلك تفهم معنى التركيب الذي حصل، لكن إذا كانت كلمة عبد الله اسم لشخص وسألت عن عبد الله، قلت لك هو ذاك الرجل الطويل الذي يتصف بكذا وكذا وكذا، فانظر إلى الاعتبارين الآن، بنفس الطريقة معنا الآن معنا أصول الفقه نعرِّفه بالاعتبارين، بالنظر إلى تركيبته من كلمتين، وباعتبار أيضاً أنه عَلَمٌ على هذا الفن الذي بين أيدينا وهو أصول الفقه.
كلمة أصول: الجزء الأول من التركيبة: جمع أصل، وهو في اللغة: ما يبنى عليه غيره، كأساسات البيت، أساسات البيت أصله لماذا كانت أصل البيت؟ لأن البيت بُني عليها، وهذا عند جمهور أهل العلم التعريف اللغوي، وبعضهم قال: ما منه الشيء، مثل البذرة، حبة صغيرة تتكون منها الشجرة فتكون البذرة أصل للشجرة لأن الشجرة نشأت منها والوالد للولد، أصل الولد نشأ من الوالد.
وهناك تعريفات أخرى وخلافات في معنى الأصل لكن بالجملة فهمنا المعنى المراد من ذلك.
أما في الاصطلاح فيُطلق على أمور، أهل الاصطلاح يُطلقون الأصل ويريدون به الدليل، هذا المعنى الأول، يُطلق الأصل في الاصطلاح على معنى الدليل، كقولهم مثلاً: أصل تحريم الرّبا قول الله تبارك وتعالى ﭪ ﭫ[ البقرة/275] ما معنى كلمة أصل هنا؟ دليل، أي دليل تحريم الربا كذا وكذا، كلمة الأصل في الاصطلاح إذا جاءت، تارة تعني هذا المعنى وهو المراد عندنا هنا في كلمة أصول الفقه، لاحظنا المؤلف ماذا قال؟ أدلة الفقه الإجمالية، المراد عندنا هنا بالأصل الذي هو الدليل.
ويُطلق الأصل على الرُجحان، أي على الراجح من الأمرين كرجل شك في طهارته، ماذا نقول له؟ الأصل بقاء الطهارة، رجل كان متوضئاً ثم شك أهو متوضئ أو غير متوضئ؟ نقول له: الأصل بقاء الطهارة، ما معنى الأصل هنا؟ أي الراجح، الراجح بقاء الطهارة، الراجح من الاحتمالين: احتمال زوال الطهارة وبقاءها، فالراجح الأقوى الذي هو بقاء الطهارة لأن الحدث طارئ فالأصل عدمه.
وكذلك كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، مَن يُقَسِّمون الكلام إلى حقيقة ومجاز يقولون: الأصل في الكلام الحقيقة، أي الراجح في الكلام الحقيقة، هذا المعنى الثاني
والمعنى الثالث: القاعدة المستمرة، مثلاً إباحة الميتة على خلاف الأصل، إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، ما معنى على خلاف الأصل؟ أي على خلاف القاعدة المستمرة، القاعدة المستمرة عندنا ماهي؟ أن الميتة محرَّمة، القاعدة المستمرة عندنا أن الميتة محرَّمة، فنقول: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، لأن الأصل عندنا أن الميتة محرَّمة.
أو كما يقول النُّحاة مثلاً: الأصل في الفاعل أنه مرفوع، ما معنى هذا؟ يعني القاعدة المستمرة في الفاعل أنه مرفوع، ونقول: وجملة خرقَ الثوبُ المسمارَ على خلاف الأصل، هذه شذَّت عن الأصل الذي عندنا، الأصل في الفاعل ماذا؟ أنه مرفوع، هنا كيف جاء؟ منصوباً، من الذي خرق؟ الثوب أو المسمار؟ المسمار هو الذي يخرق الثوب، جاء هنا منصوباً على خلاف الأصل، ماذا تعني بخلاف الأصل؟ يعني على خلاف القاعدة المستمرة.
ويُطلق أيضاً على الصورة المَقيس عليها، هذا في باب القياس فقط، هذا الموضع الرابع، في باب القياس يُطلق على الصورة المَقيس عليها، نحن درسنا في السابق بأن القياس له كم ركن؟ أربع: الأصل والفرع والعلة والحكم، الأصل ماذا نعني به؟ هو الذي ثبت له حكم شرعي بأدلة الكتاب أو السنة، هذا الأصل، كالبُرّ في الربا ثبت له حكم شرعي أو لا؟ ثبت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "البر بالبر والشعير بالشعير ...إلخ" في مسألة الربا سواءً بسواء مِثلاً بمثل........ إلخالحديث، إذاً هذا له حكم شرعي أن القمح بالقمح أو البر بالبر من الربويات، ثبت بالدليل إذاً فهذا نسميه أصل في القياس.
الفرع: البر نريد أن نقيس عليه الأرز، فالصورة المقيس عليها عندنا هنا في المثال الذي هو ماذا؟ البُرّ، البرّ الذي ثبت له دليل شرعي وثبت حكمه بالدليل الشرعي، هذا يسمى الأصل وهي الصورة التي نريد أن نقيس عليها، نريد أن نقيس عليها الأرز وغيره، هذه الصورة المقيس عليها تسمى أصلاً في باب القياس، إذاً، إذا سمعت أحد علماء الاصطلاح يقول: الأصل فتعرف معنى كلامه من السياق.
·لربما يريد الدليل.
·وربما يريد الراجح.
·وربما يريد القاعدة المستمرة.
·وربما يريد المَقيس عليه.
والسياق هو الذي يُبين لك المراد.
عندنا هنا يريد بالأصل: الدليل، هذا تعريف أصول الفقه.
طبعاً هناك اصطلاحات أخرى حصل فيها خلاف استوعبها الزركشي في البحر المحيط، هذا "البحر المحيط": اسم على مسمى فهو بحر محيط، يعني تقريباً ما فيه مسألة من مسائل أصول الفقه طُرحت أو ذُكرت إلا وضعها صاحبها في هذا الكتاب.
وأما الفقه: (الجزئية الثانية من التعريف) انتهينا من أصول، الآن الفقه.
الفقه في اللغة: هو الفهم، ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ [ طه27/28]، "اللهم فقِّهه في الدين"، وهناك بعض الخلافات عند بعض العلماء في تعريف الفقه لكن جمهورهم على هذا، بعضهم قال: هو الإدراك الدقيق وبعضهم ... يعني خلافات كثيرة.
وفي الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسَب من أدلتها التفصيلية، هكذا عرَّفه أكثر الأصوليين، والمؤلف سيغيِّر فيه شيئاً يسيراً كما سيأتي وسننبِّه على سبب تغييره هناك.
فقولهم هنا: العلم بالأحكام الشرعية، استشكل بعضهم كلمة العلم، قالوا: لماذا تستعملون كلمة العلم مع أنّ العلم يُطلق على اليقين، هذا بناءً على اصطلاحهم، اصطلاح بعض الأصوليين يصطلحون على أن العلم لا يُطلق إلا على اليقين، قالوا: ومسائل الفقه مسائل ظنيّة، الفقه ظني وليس يقيني وأنتم في التعريف قلتم العلم بالأحكام الشرعية، إذاً يقين أصبح عندنا فكيف يجتمع الأمر؟ سبب قولهم بأن الفقه ظني، بعض أهل العلم أعاد ذلك إلى أنهم يعتقدون أنّ أحاديث الآحاد تفيد الظنّ، والفقه مبني على أحاديث الآحاد فهو ظني. إذا كان هذا بناؤهم فهو بناء باطل لأن الأصل الذي بني عليه باطل، أحاديث الآحاد منها ما هو ظني ومنها ما هو يقيني، لكن الذي يظهر لي أنهم يقولون أنّه ظنّي لأنهم يتحدثون عن الفقه المستنبط وليس الفقه المنصوص عليه، لأن لاحظ قولهم هنا: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسَب من أدلتها التفصيلية، اكتُسِب من الدليل، استُنبط من الدليل استنباطاً، الأحكام الفقهية المعلومة من الدين بالضرورة عند الأصوليين ليست فقهاً، الأحكام المنصوص عليها والتي جاءت بأدلة واضحة هذه ليست من الفقه عند الأصوليين أما عند الفقهاء فهي من الفقه، على كلٍّ الخروج من هذا الإشكال الذي أوردوه أن العلم عند البعض الآخر يُطلق على الظنّ وعلى اليقين ولا يُطلق على اليقين وحده فيصح إطلاقه إذاً هنا.
طيب، أذَّن الآن العشاء نكتفي بهذا القدر إن شاء الله ونكمل في الدرس القادم بإذن الله تعالى.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-12-2012, 22:08   #3
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الثالث من مجالس شرح كتاب لُبِّ الأصول

المجلس الثالث من مجالس شرح كتاب لُبِّ الأصول

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فكنا قد ذكرنا في درسنا الماضي تعريف أصول الفقه باعتبار المفردين، هذا الذي كنا بدأنا به وعرَّفنا الأصول لغة واصطلاحاً، وبدأنا بتعريف الفقه وذكرنا تعريف الفقه لغة ووقفنا عند تعريفه اصطلاحاً وذكرنا أنه عند جمهور أهل العلم هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، وذكرنا كلمة العلم وما أورد عليها العلماء من إيرادات.
وأما قولهم: بالأحكام الشرعية، فأخرجوا الأحكام غير الشرعية، كالأحكام العقلية مثلاً، كمعرفة أن الكلّ أكبر من الجزء، هذا حكم عقلي أُدرك بالعقل فهذا يُسمى حكماً عقلياً، فقوله في تعريف الفقه: العلم بالأحكام الشرعية، أخرج الأحكام العقلية فهذا ليس من الفقه، وكذلك أخرج الأحكام العادية، الأحكام العادية التي عُرفت بالتجربة، بالعادة، هذه أيضاً أخرجها لأنها ليست من الفقه.
هذا قوله العلم بالأحكام الشرعية، وأخرج أيضاً بالأحكام العِلم بالذوات كذات زيد، أو الصفات كسواد زيد مثلاً، أو العلم بالأفعال كقيام زيد، فهذا كله من العلم ولكنه ليس من الأحكام، فبالأحكام الشرعية أخرج الأحكام العقلية والعادية، وبقوله الأحكام أخرج الأفعال وأخرج الذوات وأخرج الصفات.
وبقولهم: العملية أخرجوا الأحكام الشرعية الاعتقادية، فالمسائل الاعتقادية ليست من الفقه عند الأصوليين، نحن الآن نفسر الفقه بالمعنى الأصولي، عند علماء أصول الفقه، فالتفريق ما بين العقائد والأحكام العملية هو تفريقٌ اصطلاحي لا ينبني عليه أحكام شرعية، لماذا؟ لأنه تفريق اصطلاحي، الآن نحن نعرِّف الفقه الاصطلاحي عند الأصوليين، الفقه يختلف المعنى اللغوي له عن المعنى الشرعي عن المعنى الاصطلاحي عند الأصوليين عن المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء، كلٌ عنده اصطلاح للفقه والمعنى اللغوي معنًى عام، الفهم كما تقدم معنا، والمعنى الاصطلاحي عند الأصوليين هو الذي نعرِّفه فيه نحن، وسيأتي في آخر الكلام إن شاء الله التفريق ما بين الفقه عند الأصوليين والفقه عند الفقهاء.
وبقولهم: "المكتسب" أخرجوا غير المكتسب، العلم المكتسب الذي حصل بعد أن لم يكن، لم يكن حاصلاً ثم اكتُسب، حصل بعد ذلك.
وبقولهم: "المكتسب" أخرجوا غير المكتسب كعلم الله تبارك وتعالى، علم الله تبارك وتعالى ليس مكتسباً لأن الله سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال عالماً.
وبقولهم: "الأدلة التفصيلية" نحن قلنا في التعريف: "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسَب"، الآن المكتسب هذه صفة لماذا؟ صفة للعلم، أي العلم المكتسب، فالمكتسب صفة للعلم، العلم بالأحكام الشرعية العملية، أي العلم المكتسب من أدلتها التفصيلية، العلم الذي اكتُسب وأُخذ من الأدلة التفصيلية، والدليل التفصيلي أخرجوا به الدليل الإجمالي، لأن الأدلة نوعان: أدلة تفصيلية وأدلة إجمالية، ذكرنا الأدلة التفصيلية هي التي تختص بمسألة معيَّنة كقول الله تبارك وتعالى: ﮛ ﮜ[البقرة/43]، هذا دليل شرعي يختص في مسألة الأمر بالصلاة أي بوجوب الصلاة.
أمّا الدليل الإجمالي كقولنا مثلاً: الأمر يقتضي الوجوب، هذا دليل إجمالي، ففرْق بين الدليل التفصيلي والدليل الإجمالي، الدليل التفصيلي يختص بمسألة معينة، أمّا الإجمالي فلا يختص بمسألة معينة، القاعدة الإجمالية أو الدليل الإجمالي تدخل تحته صور كثيرة وكثيرة جداً.
فبقولهم: "الأدلة التفصيلية" أخرجوا الأدلة الإجمالية، فأصول الفقه أخرجوه بقولهم: "الأدلة التفصيلية" خرج أصول الفقه، ليس هو من الفقه.
"من أدلتها التفصيلية"، وقولهم: "من أدلتها" أخرجوا علم الملائكة وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم الحاصل بالوحي، هذا علم مكتسب حصل بالوحي وليس بالاستخراج من الأدلة التفصيلية، هذا العلم حصل بالوحي، أوحى الله سبحانه وتعالى إلى جبريل وأوصل جبريل الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحصل العلم بذلك، فهذا لا يسمى فقهاً عند الأصوليين، ولكن الفقه عند الأصوليين هو العلم الذي استُخرج من أدلة الكتاب والسنة.
طيب العلم الحاصل عندنا ضرورة، عامة الناس يعرفون أن الصلاة واجبة، هذا علم حاصل ضرورة عندهم، عامة الناس يعرفون أن الصلاة واجبة، هل استخرج الناس وجوب الصلاة من الدليل التفصيلي؟ لا، هو معلوم عندهم بالضرورة لا يوجد مسلم إلاّ ويعلم أن الصلاة واجبة عليه فمثل هذا العلم الضروري الآن لا يُسمى فقهاً عند الأصوليين، وها هنا الفرق ما بين الفقه عند الأصوليين والفقه عند الفقهاء.
الفقه عند الفقهاء لا يقتصر فقط على ما استُنبط من الأدلة التفصيلية، الفقه عند الفقهاء يشمل العلم بالأحكام الشرعية العملية كلِّها سواءً كانت مستنبطة أو غير مستنبطة، بما أنه حكم شرعي وعملي عُلِمَ فهو فقه عند الفقهاء، فالفرق بين الأصوليين والفقهاء أن الأصوليين يعتبرون الفقه ما أُخذ بالاستنباط من الأحكام الشرعية، يعني الأحكام الشرعية التي أخذت بالاستنباط من الأدلة التفصيلية، أما الفقهاء لا، الفقهاء عندهم العلم بالأحكام الشرعية العملية هذا يعتبر فقهاً سواء استنبط أو لم يستنبط، بناءً على ذلك الأحكام المأخوذة من النصوص الواضحة التي لا تحتاج إلى استنباط والأحكام الضرورية هذه التي عُلمت بالضرورة كلها تسمى فقهاً عند الفقهاء، أما عند الأصوليين فلا، إنما يسمى حكماً ما أُخذ بالاستنباط من الدليل التفصيلي.
هذا الفرق بين الفقه عند الأصوليين والفقه عند الفقهاء.
وأما الفقه في الشرع فيشمل العقائد والأعمال، ولا يختص فقط بالعقائد، لا يختص فقط بالأعمال كما هو عند الأصوليين والفقهاء، في الشرع: الفقه يشمل العلم بالشريعة كلِّها سواء كان تفسيراً أو كان أحكاماً عملية أو أحكاماً عقائدية، كله يدخل في الفقه كما قال النبي صلى الله عليه وسلملابن عباس: "اللهم فقِّهه في الدين"، يشمل الدين كلّه.
وهكذا يكون قد تم عندنا تعريف أصول الفقه باعتبار مفرديه، وممكن أن نستخرج نحن الآن تعريفاً ونقول: أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية التي يُبنى عليها العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
هكذا نكون قد خرجنا بتعريف أصول الفقه باعتبار مفرديه.
نرجع الآن إلى تعريف أصول الفقه باعتباره لقباً على هذا الفن وهو الذي ذكره المؤلف رحمه الله فقال في تعريف أصول الفقه: "أصول الفقه أدلة الفقه الإجمالية وطرق استفادة جزئياتها وحال المستفيد"، هذا تعريف أصول الفقه باعتباره عَلماً على هذا العلم الذي بين أيدينا.
فقال: "أدلة الفقه الإجمالية"، ما المراد بالدليل هنا؟ الدليل في اللغة: هو المرشد إلى المطلوب، لكن عندنا هنا في الاصطلاح اختلف العلماء في المراد بالدليل في هذا الموضع، فبعضهم قال: الدليل المعني هنا هي الأدلة السمعية أو مصادر التشريع، وهذه تنقسم عندهم إلى قسمين: منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه، كالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، طبعاً القياس خالف فيه الظاهرية، والباقي قد اتفقوا عليه، الكتاب والسنة والإجماع بالاتفاق أنها حجة، والقياس خالف فيه الظاهرية، وبقية الأدلة أيضاً كقول الصحابي مثلاً، الاستصحاب، الاستحسان، المصالح المرسلة، وغيرها من الأدلة التي اختُلف فيها، هذه كلها تسمى عندهم أدلة ويُقسِّمون هذه الأدلة إلى قسمين كما ذكرنا منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه، فالبعض قال المقصود بأدلة الفقه الإجمالية هذه الأدلة، الكتاب والسنة والإجماع ... إلخ، فهنا البعض الآخر قالوا: هي القواعد العامة، المقصود بالأدلة الإجمالية هنا القواعد الأصولية العامة كالأمر يقتضي الوجوب، الإجماع حجة، القياس حجة، النهي يقتضي التحريم، قواعد أصولية، قالوا: هذه القواعد هي المقصودة بقولنا: أدلة الفقه الإجمالية، فحصل خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة.
نحن سنمشي على ما مشى عليه كثير من أهل العلم في كون المقصود بأدلة الفقه الإجمالية القواعد العامة، لما سيأتي من إشكال سَيرِد فيما هو آت إن شاء الله في قضية الحديث عن المعرفة.
قال: "وطرق استفادة جزئياتها"، الآن أصبح عندنا على كلام المؤلف رحمه الله أصول الفقه يتركب من ثلاثة أقسام: الأول أدلة الفقه الإجمالية التي هي إما القواعد العامة أو الأدلة السمعية.
ثانياً: طرق استفادة جزئياتها، المقصود هنا بطرق استفادة جزئياتها: المرجِّحات بين الأدلة عند تعارضها، هذا الذي يقصده ويعنيه في هذه الفقرة، أي المرجحات بين الأدلة عند تعارضها، فيريدون بالطرق المرجحات.
ومقصود المؤلف بــ "جزئياتها" أي جزئيات الأدلة الإجمالية، أدلة الفقه التفصيلية هي التي جعلها جزئيات للأدلة الإجمالية، فأدخل هنا المؤلف المرجحات بين الأدلة في أصول الفقه، قالوا: لماذا هنا الآن المرجحات بين الأدلة أُدخلت في أصول الفقه؟ قالوا: لأنك عندما تَعرِف الأدلة الإجمالية ويحصل تعارض بين هذه الأدلة لا يمكنك أن تستفيد منها إلا بمعرفة طريقة تقديم بعضها على بعض، فإذاً هذا لا بد منه كي تتم الفائدة المرجوة من أصول الفقه لذلك أدخلوا طرق الاستفادة في أصول الفقه، هذا الجزء الثاني وهو طرق الاستفادة.
الجزء الثالث: حال المستفيد، مَن المستفيد من أصول الفقه؟ هو المجتهد، حاله أي صفته، ما هي صفاته؟ ما هي شروطه التي تُشترط فيه حتى يكون مستفيداً ويكون مجتهداً قادراً على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية بالأدلة الإجمالية، من هو هذا المجتهد؟ ما هي صفاته؟ ما هي شروطه؟ هذه أيضاً من مباحث أصول الفقه، مع اختلاف العلماء في إدخال هذه المسألة في أصول الفقه، لماذا؟ قالوا: معرفة شروط المجتهد ليست من أصول الفقه فلا يتوقف عليها استنباط الأحكام الشرعية فاستشكلوا إدخاله هنا، فقال بعض العلماء: لمّا أخذوا بمناقشة شروط المجتهد في كتب أصول الفقه واعتادوا على ذلك وجرت عادتهم عليه، قال: أدخلوه في التعريف، أي أُدخل في التعريف مسامحة وإلاّ هو حقيقة ليس من أصول الفقه، لأن المجتهد ليس من أصول الفقه ولكن هو الذي يستعمل أصول الفقه ويفهم مباحث أصول الفقه.
وأخذوا أيضاً استطراداً يناقشون ويتحدثون عن المقلد من هو؟ ومتى يجوز له أن يُقلد؟ ومتى لا يجوز له أن يُقلد؟ هذا تعريف أصول الفقه باعتباره لقباً لهذا الفن.
قال المؤلف: "وقيل معرفتها"، الآن أنظروا ربْط الكلام مع بعضه، تعريف أصول الفقه قال: أدلة الفقه الإجمالية وطرق استفادة جزئياتها وحال المستفيد، قال: وقيل معرفتها.
أي وقيل: معرفة أدلة الفقه الإجمالية وطرق استفادة جزئياتها وحال المستفيد، فبعضهم قال: أصول الفقه هي أدلة الفقه الإجمالية نفسها، نفس الأدلة هي أصول الفقه، والبعض قال: لا، أصول الفقه ليست الأدلة، أصول الفقه معرفة هذه الأدلة، معرفة أدلة الفقه الإجمالية.
الخلاف حاصل واستدل كل واحد من الفريقين بأدلة، أدلة الذين قالوا بقول المصنف وهم الجمهور: اعتبار المعنى اللغوي، الآن المعنى اللغوي للأصول ما هو؟ ما يبنى عليه غيره، فيصلح أن يكون الدليل، فقالوا: إذاً أصول الفقه عندما ننظر إلى المعنى اللغوي في كلمة أصول، نعتبر المعنى اللغوي فنقول: هي الأدلة إذن، إذا نظرنا واعتبرنا المعنى اللغوي قلنا هي الأدلة، كما اعتبرنا المعنى اللغوي في الفقه، الفقه ما هو؟ الفهم، العلم، فاعتبرتم فيه المعنى اللغوي وقلتم الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية، فكما اعتبرتم المعنى اللغوي هناك وأخذتموه وبنيتم المعنى الاصطلاحي عليه كذلك اعتبروا المعنى اللغوي هنا واجعلوا الاصطلاح مبنياً عليه أيضاً، هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: قالوا: إذا قدَّرنا أنّ أحداً لم يَعْلم أصول الفقه، هل ينتفي اسم أصول الفقه عن هذا العلم؟ لاينتفي، فبتقدير عدم وجود مَن يعلم هذه القواعد العلمية وهذه الأدلة لا ينتفي أن يُسمى أصول فقه، إذن فلا يُتوقف على المعرفة، على العلم، فردّوا قولهم بهذين الدليلين.
الذين قالوا: هو العلم، ماذا استدلوا؟ قالوا: الآن أنتم قلتم: أصول الفقه هي أدلة الفقه الإجمالية، طيب موضوع أصول الفقه ما هو؟ ما المقصود بالموضوع؟ الآن دخل استطراداً وسنذكره مرة واحدة، لأن من مبادئ العلوم عندما يذكرونها يقولون: أن تذكر تعريف العلم وأن تذكر مَنْ أول من ألَّف في العلم؟ وأن تذكر العلم من أين استُمد؟ وأن تذكر غاية العلم وفائدته، وأن تذكر أيضاً موضوع العلم، هذه الأمور يتوقف عليها معرفة العلم وتصوره تصوراً كاملاً، نحن الآن في صدد تعريف العلم، غايته ذكرناها في المقدمة من البداية. طيب موضوع هذا العلم، ما المقصود بالموضوع، موضوع العلم؟ محل البحث، الطبيب مثلاً ما هو موضوع الطبّ؟ بدن الإنسان، هذا محل البحث، هنا يبحث الطبيب في بدن الإنسان، هذا يُسمى موضوعاً، موضوع أي محل بحث، محل البحث، من أي ناحية يبحث الطبيب في بدن الإنسان؟ من ناحية الصحة والمرض، هذه عند المَناطِقة، في اصطلاح أهل المنطق يسمونها أعراضاً، الآن الصحة والمرض أعراض، يسمونها أعراضاً ذاتية، تلحق ذات الجسد، تلحق الجسد بذاته لأنه جسد، لماذا سميت أعراضاً؟ لأنها تعرِض وتزول فسُميت أعراضاً، فهي صفات لكنها ليست صفات لازمة بل هي صفات تعرض وتزول، لذلك سميت عرض، أنا ذكرت هذا التعبير، الأعراض الذاتية عمداً لأنك تمر بك كثيراً في كتب أصول الفقه، وتُشكل على البعض فهمها، هي من العبارات المنطقية، هذا معنى الأعراض الذاتية، فموضوع علم الطب هو بدن الإنسان، من أي ناحية؟ من حيث الصحة والمرض.
نرجع لأصول الفقه، موضوع أصول الفقه، محل البحث في ماذا؟ في الأدلة السمعية، هذا محل البحث، من أي ناحية؟ من ناحية الصفات التي تعرض لها وتزول كالعموم، الخصوص، الإطلاق، التقييد، هذه تسمى عوارض ذاتية للأدلة، من هذه الناحية يبحث الأصولي، يبحث في الأدلة في صفات هذه الأدلة التي تعرض وتزول، فتجدها في بعض الأدلة ولا تجدها في أدلة أخرى.
واضح الموضوع؟ طيب.
الآن نرجع لاستشكال الذين قالوا بأنّ أصول الفقه هي معرفة أدلة الفقه الإجمالية، ولم يقولوا هي نفس أدلة الفقه، لماذا؟ قالوا: موضوع العلم هو غير العلم، موضوع الشيء هو غير الشيء نفسه، فعندما تقول لي الطب مثلاً هو غير بدن الإنسان، لا يصح أن يكون الطب هو بدن الإنسان، كذلك هنا في أصول الفقه كيف تقولون في تعريف أصول الفقه أدلة الفقه الإجمالية ثم تقولون لي موضوع أصول الفقه أدلة الفقه الإجمالية؟ ...
فخرج من الإشكال، الذين قالوا بالقول الأول وهي أدلة الفقه الإجمالية، قالوا: نحن نعني بأدلة الفقه الإجمالية القواعد العامة، بقي إشكال؟ ما بقي إشكال، واضح إلى هنا؟ واضح.
الآن حتى الذين ما فهموا الموضوع و(..) ما فيه إشكال، الأمر سهل إن شاء الله، هي خلافات في ضبط اصطلاحات، في النهاية عندما يقول لك: ما هو أصول الفقه؟ في صعوبة بالموضوع؟ لا، خلاص هذا المراد، بعد هذا الأمر سهل، ما فيه من ورائه كبير فائدة بما أننا متفقون على النتيجة، طريقة الوصول إلى النتيجة هذه الأمر فيها سهل، لذلك بعض أهل العلم يقولون: التعمق في الحدود بدعة، تجد نزاعات بين العلماء في هل يصح أن نذكر الألف واللام ها هنا أم لا يصح؟ هل يصح أن نستعمل كلمة "عِلم" أو نغيرها بكلمة "معرفة"؟ يعني نزاعات وردود وكذا، في النهاية نحن أنا وأنت فاهمين ما هو أصول الفقه أو لسنا فاهمين؟ فاهمين، متفقين على النتيجة أو لسنا متفقين؟ متفقين.
إذن انتهى الموضوع فما فيه داعي تعقِّد نفسك عندما تمر بمثل هذه النزاعات وتقول والله ما فهمت شيء خلاص أنا ما أنفع، لا لا الأمر أسهل من هذا بكثير، خلاص المهم تعرف ما هو أصول الفقه وانتهى الأمر، أصول الفقه هو ما تدرسه في كتاب أصول الفقه فقط هذا هو، ما هو الدليل الإجمالي؟ قرآن، سنة، إجماع، متى تكون السنة حجة؟ متى لا تكون حجة؟ القرآن ما هو الحجة فيه؟ وما ليس بحجة فيه؟ الاستصحاب ما وضْعه؟ قول الصحابي حجة؟ ليس بحجة؟ العموم، الخصوص، الإطلاق، التقييد، دلالات الألفاظ، هذا هو أصول الفقه فقط، كل ما تحتاج إلى معرفته أهو دليل شرعي أم ليس بدليل؟ وكل ما يوصلك إلى طريقة استنباط الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي فهو من أصول الفقه، صعبة؟ سهلة.
قال المؤلف: "والفقه علم بحكم شرعي عملي مكتسب من دليل تفصيلي"، الآن ابن السُّبكي في جمع الجوامع لما عرَّف الفقه عرفه على طريقة الجمهور، "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية"،المؤلف هنا غيَّر تغيير خفيف، لا بد أن يكون عنده إشكال في تغييره هذا، فقال: "والفقه علمٌ في حكمٍ شرعي عملي مكتسب من دليل تفصيلي"،الذي تقدم هو نفسه ما فيه إشكال، لكن فيه شيء واحد.
قال المؤلف في شرحه على لبّ الأصول في غاية الأصول قال: "ونكَّرت العلم والحُكم وأفردتهما" هذا الذي غيَّره، هناك في التعريف ماذا قلنا؟ العلم بالأحكام، حذَف الألف واللام من العلم فصارت علمٌ، وحذف الألف واللام من الأحكام وأفردها بدل ما كانت جمع، فكانت الأحكام جعلها حكم، وحذف منها الألف واللام، هذا معنى كلامه، قال: "ونكَّرت العلم والحكم وأفردتهما"، جعلهما نكرتين وجعلهما مفردين، تبعاً للعلّامة البَرماوي، يعني هو مسبوق بهذا الفعل، البرماوي سبقه ففعل هذا وهو استحسنه وهذه من المواضع التي غيَّر المؤلف رحمه الله فيها من حيث الاختصار لأنه قال في مقدمة الكتاب: وغيّرت ما ليس بمعتمد بالمعتمد، فهذا عنده ليس بمعتمد فغيَّره، لماذا فعل ذلك؟ قال: "لأن التحديد إنما هو للماهيَّة"، التحديد: التعريف الذي وضعناه وعَيّنّا فيه المعرَّف هو للماهية لبيان الحقيقة، حقيقة الفقه ما هو، هذا الذي نريده نحن، قال: لأن التحديد إنما هو للماهية، التعريف الذي عرَّفناه إنما هو فقط لبيان حقيقة الفقه، من غير اعتبار كمية أفرادهما، يعني لا نريد أن نضع في اعتبارنا مسألة قلة وكثرة أو مسألة عدد، الفقه ثلاث مسائل، عشرين مسألة، مائة مسألة، لا، ما نريد أن ننظر إلى هذا، نريد أن نبتعد عنه لذلك فعل ما فعل المؤلف، أراد من ذلك شيء، أراد من ذلك أن يفرّ من إشكال وهو اعتراضٌ على التعريف الذي قدَّمناه، العلم بالأحكام الشرعية، قال تعالوا ماذا تريدون بالألف واللام الداخلة على الأحكام هذه، ما هي؟
قالوا: لا يصح أن تكون عَهْدِية، نحن عرفنا في درس اللغة أن الألف واللام ثلاث أنواع: العهدية والجنسية والاستغراقية، قالوا العهدية لا يصح لماذا؟ لأن الأحكام لم تُذكر من قبل حتى نقول هي عهدية، ولا في الذهن شيء سابق .
الجنسية: قالوا: أقل ما تدل عليه من العدد الجنسية ثلاث، فيلزم من ذلك أن من علم ثلاثة أحكام أن يكون فقيهاً، إذا كانت هذه "العلم بالأحكام"، إذا كانت (ألـ) هذه جنسية، أقل ما تدل عليه من العدد ثلاثة، إذن من علم ثلاث مسائل فقهية يكون فقيهاً وهذا لا يلزم وهذا غير صحيح، وأنتم الذين عرَّفتم بهذا التعريف لا ترضون بمثل هذا.
أو أن تكون استغراقية ويرِدُ عليكم إشكال ما هو؟ قالوا: إذا كانت استغراقية فيلزم من ذلك أن لا يكون الفقيه فقيهاً حتى يعلم جميع الأحكام الشرعية، ولا يوجد على وجهها أحد من البشر غير الأنبياء، لا يعرفون الأحكام مثل هذه يعني أئمة الإسلام كمالك والشافعي وأحمد وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلهم وأئمة التابعين كانت تمر به المسائل ويقول: لا أدري، إذن هؤلاء ليسوا بفقهاء على ذلك، وليس بصحيح، فأراد المؤلف أن يفرّ من مثل هذا الإشكال فحذف الألف واللام، هذا هو سبب حذف الألف واللام.
والذين ردّوا وأثبتوا الألف واللام قالوا: العلم المقصود هو العلم ببعض الأحكام والقدرة على استخراجها واستنباطها متى شاء، فتكون عنده الملَكة في ذلك، قالوا: وإطلاق العلم على مثل هذا جائز في العرف، عرفاً معروف أنه يُطلق على من كانت عنده الملكة في العلم على أنه فقيه، كما يطلقون على النحوي أنه نحوي، فيُقال: فلان يعلم النحو، ولا يراد أن جميع مسائله حاضرة عنده مفصلة، لا، ربما ترِد عليه بعض المسائل لا يعرفها، ولكن إذا راجع ونظر استخرجها فعنده الملكة على ذلك، عنده القدرة على ذلك، فقالوا: مثل هذا يُسمى فقيهاً في العرف.
فهذا المقصود بالألف واللام هنا، فأدخلوا الألف واللام في التعريف، فتكون معناها الاستغراقية، لكن ليس المراد من ذلك استغراقها من حيث الوجود ولكن استغراقها من حيث القدرة على استنباطها.
في الضمن عرَّفنا موضوع هذا العلم، هكذا نكون قد انتهينا إن شاء الله من تعريف أصول الفقه وأخذنا الأهم في مباحث هذا التعريف، وأهم ما يُذكر في ذلك في كتب الأصوليين حتى إذا مرَّ أحدٌ منكم في كتب الأصوليين تكون هذه المسائل قد طرقت ذهنه وعرف الكثير منها، والذي لم يعرفه سيعرفه بعد ذلك بسهولة إن شاء الله.
أمّا موضوع هذا العلم فقد عرَفنا ما هو وما المقصود منه.
أمّا من أين يُستمد هذا العلم؟ وما هي ثمرته؟ فثمرته عرفناها وهي استنباط الأحكام الشرعية.
معرفة الأدلة الشرعية التي هي مصادر التشريع، والقدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها والعمل بتلك الأحكام للفوز بالدارين.
أمّا من أين يُستمد هذا العلم؟ فاستمداده أولاً من العقيدة، والمقصود هنا بالاستمداد المادة التي يَستند إليها، في هذه النقطة المقصود بالاستمداد المادة التي يستند إليها، مادة العقيدة التي أهم شيء، من أي ناحية؟ العقيدة: يعني عندما تريد أن تستدل أو أن تُثبت أنّ القرآن مثلاً دليل شرعي، كيف ستُثبت ذلك؟ لابدّ أن يكون عندك اعتقاد بصدق النبي e، ويُعلم ذلك بعلمك بنبوته، فإذا علمت أنّه نبي وصدَّقته، عندئذ تعلم أن القرآن هذا من عند الله، وأنه حجة وحق، ومعرفة النبي صلى الله عليه وسلمهذه المسألة تكون بمعرفة دلائل نبوته، ومعرفة النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة صدقه موقوفة على معرفة ربّ العالمين تبارك وتعالى، وهذا الأمر يرجع لمسائل الاعتقاد وإن كان هو معرفة الله سبحانه وتعالى المقررة في الفِطَر بحمد الله وأمرٌ لا يحتاج إلى عناء، لكن المقصود من ذلك أن مادة هذا العلم متوقفة على الأمر، فأنت إذا عرفت ربّ العالمين وعرفت أن هناك جنة ونار وحساب وعقاب، وعرفت أن محمداً صلى الله عليه وسلم مرسلٌ من عند الله وأنه صادق فيما يقول استطعت أن تبني حجية الكتاب واستطعت أيضاً أن تعرف أن هناك حساب وعقاب وعذاب وهناك تكليف إلى آخره.
الأمر الثاني الذي يُستمد منه هذا العلم: هي اللغة العربية، والمراد بالاستمداد هنا المادة التي يتكون منها هذا العلم، المادة التي يتكون منها هذا العلم هي اللغة العربية والقرآن والسنة أيضاً، أدلة الكتاب والسنة، يتكون هذا العلم من ذلك، فنستدل على كثير من القواعد والأساسات بأدلة الكتاب والسنة أو بأدلة اللغة العربية التي نزل القرآن بها، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بها، فأدلة الكتاب والسنة أيضاً اللغة العربية كذلك مما يُستمد منها هذا العلم.
وآخر شيء تصوُّر الأحكام الشرعية، وهذه الاستمداد منها من حيث أن الحكم الشرعي هو النتيجة، ولا يمكن أن تدرس أصول الفقه كي تصل إلى هذه النتيجة إلاّ بعد أن تتصور هذه الأحكام الشرعية، فلذلك جعلوا الأحكام الشرعية مما يُستمد منها هذا العلم، أي من حيث التصور فقط.
هذا ما يتعلق بمسألة الاستنباط.
بعد ذلك سنبدأ إن شاء الله بالحكم، لمّا ذكر المؤلف رحمه الله الحكم الشرعي في تعريف الفقه، ولمّا كان الحكم الشرعي هو النتيجة التي نريد أن نصل إليها إن شاء الله، بدأ المؤلف رحمه الله بتعريف الحكم الشرعي ومن هذا استطرد العلماء مباحث: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه، أبحاث كلها تتعلق بمسألة الحكم ستأتي إن شاء الله ونبدأ بها في الدرس القادم بإذن الله تعالى.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-12-2012, 22:14   #4
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الرابع من مجالس شرح كتاب لُبِّ الأصول

المجلس الرابع من مجالس شرح كتاب لُبِّ الأصول

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:
فقال المؤلف رحمه الله تعالى: "والحكم خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاءً أو تخييراً وبأعم وضعاً وهو الوارد سبباً وشرطاً ومانعاً وصحيحاً وفاسداً"، بدأ المؤلف رحمه الله بتعريف الحكم.
الحكم لغة: هو المنع، ومنه يُقال رجل حكيم أي يمنعه عقله من الخطأ.
واصطلاحاً:هو إثبات أمرٍ لأمرٍ أو نفيه عنه، إثبات أمرٍ لأمرٍ كقولك مثلاً زيدٌ قائمٌ، أثبتَ القيام لزيدٍ، أو نفيه عنه، تقول زيدٌ ليس بقائمٍ، نفيت عنه القيام، هذا يُسمى حكماً في الاصطلاح.
والحكم ثلاثة أنواعٍ:
حكم عقلي:وهو ما عرفت فيه النسبة إيجاباً أو سلباً بالعقل، ما عُرفت فيه النسبة بين الأشياء سواءً كان بالإثبات أو بالنفي، تُعرف بالعقل هذا يسمى حكماً عقلياً، كالكلّ أكبر من الجزء، كيف عرفنا النسبة بين الكلّ والجزء؟ بالعقل، عرفنا أن الكلّ أكبر من الجزء، فهذا الحكم يُسمى حكماً عقلياً.
وحكم عادي:يسميه البعض تجريبي، أي عُرف بالتجربة، عُرف بالعادة، عُرفت فيه النسبة بالعادة، مثلاً ارتفاع درجة حرارة الجسم تدل على المرض، عرفنا ذلك من العادة بالتجربة، هذا يُسمى حكماً عادياً لأن النسبة عُرفت فيه بالعادة، وتعاطي الدواء مُزيلاً للحرارة هذا عُرف أيضاً بالعادة، ففي حال الإيجاب أو في حال السلب بما أن النسبة عُرفت بالعادة فهو حكم عادي.
والنوع الثالث حكم شرعي:وهو الذي عَرّفه المؤلف، وهو الذي يعنينا هنا، والحكم الشرعي:
·له تعريف عند الفقهاء.
·وله تعريف عند الأصوليين.
الآن نبدأ بتعريف الأصوليين الذي ذكره المؤلف رحمه الله، فأول ما قال في التعريف: خطاب الله تعالى، هذا جنس، خطاب الله تعالى، ما هو الخطاب؟
الخطاب في اللغة: هو توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، هذا الخطاب في اللغة: توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، فإذا وجهت كلامك لشخص كي تُفهمه أمراً ما تكون قد خاطبته، وجهت إليه الحديث، هذا من حيث اللغة.
أمّا هنا ما المراد بخطاب الله تبارك وتعالى؟ المراد كلام الله الحقيقي ذو اللفظ والمعنى، هذا عند أهل السنة والجماعة، هذا المراد بخطاب الله تعالى، فليس هو المعنى النفسي المجرد عن اللفظ والصيغة كما تدعيه الأشاعرة بناءً على أصلهم، أصلهم أن الكلام الذي يثبتونه كلام نفسي، لا يثبتون لله كلاماً حقيقياً، فتجد في كتب الأصول هاهنا عندما يفسر لك الأصوليون الخطاب يقول لك: هو الكلام النفسي، عند الأشاعرة، أمّا عند أهل السنة هو كلام الله الحقيقي باللفظ والمعنى، بلفظه ومعناه هذا معنى خطاب الله تبارك وتعالى، أي كلامه الحقيقي، هنا لمّا كان تفسير الخطاب عند الأشاعرة كلاماً نفسيا أشكل عليهم إشكال أورده عليهم المعتزلة، هل يصح أن يُسمى الكلام خطاباً، لمّا كان الكلام كلاماً نفسياً هل يصح أن يُسمى خطاباً، والخطاب هو توجيه الكلام للغير، إذن لا بد أن يكون بحرف وصوت، لذلك نفى بعضهم هذا وقال لا يصح أن يُسمى الكلام خطاباً، استشكلوا هذا الأمر، استشكلوه بناءً على أصلهم أمّا عندنا نحن فلا إشكال، لا إشكال لأن عندنا مسمى يصح أن يسمى الكلام خطاباً لماذا؟ لأنّ الكلام عندنا قديم النوع حادث الآحاد، أي أنَّ الله سبحانه وتعالى وجّه كلامه لخلقه بالأوامر والنواهي، ما فيه إشكال في هذا، هم عندهم إشكال في هذا، من أين الإشكال يقولون الكلام قديم في الأزل وليس بحادث فإذا قلت هو توجيه الخطاب للغير لزم أن يكون معه غير في القدم، وهذا إشكال فلذلك استشكلوا هذه المسألة، لكن بناءً على أصولنا لا إشكال في هذا الأمر، نأتي الآن إلى الفرق بيت تعريف الأصوليين وتعريف الفقهاء:
·الأصوليون جعلوا الحكم عَلماً على نفس خطاب الشارع، جعلوا الحكم هو نفس خطاب الشارع، فنحو قول الله تبارك وتعالى: ﮛ ﮜ، ﮊ ﮋ ﮌ، ﯝ ﯞ ﯟ، كل هذه أحكام عند الأصوليين، نفس الآية حكماً تسمى حكماً شرعياً، ﮛ ﮜ: هذا حكم شرعي عند الأصوليين، ﮊ ﮋ ﮌ: هذا الحكم الشرعي، ﯝ ﯞ ﯟ: هذا الحكم الشرعي نفس الآية.
·أمّا الفقهاء فالحكم الشرعي عندهم أثر ذلك الخطاب، ليس نفس الخطاب، يعني الصفة، ليس نفس الخطاب بل أثر الخطاب، أثر الكلام وهو الوجوب والتحريم، الوجوب والحرمة والكراهة والإباحة ... الخ، هذه تسمى أحكاماً عند الفقهاء.
oفعند الفقيه الحكم: وجوب الصلاة.
oعند الأصولي الحكم: ﮛ ﮜ.
وضح الفرق، الأصولي الحكم عنده نفس الآية كلام الله يسميه حكماً شرعياً، أمّا الفقيه لا، ما نتج عن كلام الله، الأثر الذي نتج عن كلام الله وجوب الصلاة هذه يسميه حكماً، الفقيه، الأصولي يُسمي نفس الآية حكماً، هذا الخلاف خلافٌ ليس له أثر عملي، الخلاف ليس له أثر عملي، المسألة مسألة اصطلاحية فقط أمّا من الناحية العملية لا إشكال طيب، ماذا أخرج المؤلف رحمه الله عندما قال في تعريف الحكم الشرعي: هو خطاب الله تعالى، أخرج خطاب غيره فكلام الملائكة، كلام الإنس، كلام الجن، هذا ليس بحكم شرعي، الحكم الشرعي يكون لله سبحانه وتعالى فقط، ومن هنا ستأتينا إن شاء الله مسألة من كلام المؤلف بعد أن ننتهي من تعريف الحكم أنه لا حكم إلا لله، نحن عرّفنا الحكم أنه خطاب الله تعالى، إذن الحكم لا يكون إلا لله من هنا تأتي مسألة التحسين والتقبيح العقلي لأن المعتزلة أثبتوا أن العقل يُحسّن ويُقبّح فيترتب على ذلك ثواب وعقاب، العقل وحده يُدرك هذا ويترتب على تحسينه وتقبيحه الثواب والعقاب، أثبتوا حاكماً مع الله وإلا لا؟ نعم، لكن هم لا يقولون بأن العقل حاكم، ماذا يقولون؟ هو معرف لحكم الله، أظهر حكم الله وبين بمعرفته ما يحسن وما يقبح، فإذن يقولون الحكم أصلاً لله لكن العقل أدركه وعرفه من غير رجوع إلى الرسل والأنبياء، هذا كلام المعتزلة وسيأتي تفصيله إن شاء الله وترتب على هذه المسألة مسائل أخرى، ننهي أولاً تعريف الحكم.
فقال المؤلف: خطاب الله تعالى، أي كلامه الحقيقي باللفظ والمعنى، المتعلق بفعل المكلف، هذا القيد الآن، خطاب الله تعالى: جنس، المتعلق بفعل المكلف: قيد أي ليس كل خطابٍ لله حكماً شرعياً، إنما الحكم الشرعي المتعلق بفعل المكلف فقط، نحن عَرفنا ما هو الخطاب قلنا الخطاب هو كلام الله تبارك وتعالى، لكن ليس كل كلام عند الأصوليين يُعتبر حكماً إنما الذي يعتبر حكماً من ذلك المتعلق بفعل المكلف، ما الذي يعنيه المتعلق؟ يعني المرتبط به، المرتبط بفعل المكلف، كقول الله تبارك وتعالى: ﮛ ﮜ، ﮊ ﮋ ﮌ، هذا حكم شرعي وإلا لا؟ تعالوا نطبق أولاً بأول: خطاب لله تعالى وإلا لا؟ هو كلام الله تبارك وتعالى، متعلق بفعل المكلف وإلا لا؟ نعم مرتبط بفعل المكلف، فأقيموا الصلاة مطلوب من العبد أن يفعل شيئاً، ولا تقربوا الزنا، مطلوب من العبد أن يكف عن شيء، إذن هو متعلق بفعل المكلف وإلا ليس بمتعلق؟ متعلق، طيب أخرج ماذا إذن، أخرج أشياء:
·الأول خطاب الله المتعلق بذات الله تبارك وتعالى أخرجه هذا ليس حكماً شرعياً عند الأصوليين كقول الله تبارك وتعالى: ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ، فيه تعلق بفعل المكلف؟ ليس فيه، الله يخبر عن نفسه أنه شهد أنه لا إله إلا هو، فليس فيه تعلق بفعل المكلف، طيب.
·وأخرج أيضاً المتعلق بصفة الله، كقوله تبارك وتعالى: ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ، كذلك هذا ليس فيه تعلق بفعل المكلف ولكن فيه تعلق بصفة الله تعالى.
·طيب الخطاب المتعلق بفعل الله تبارك وتعالى كقوله: ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ، أيضاً هذا ليس حكماً شرعياً، قد خرج هذا لأنه ليس متعلقاً بفعل المكلف.
·وأخرج أيضاً ما تعلق بذات المكلف، أنه ليس بأفعالهم بذواتهم، كقوله تبارك وتعالى: ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ، خلق ماذا؟ خلق ذواتهم، الله سبحانه وتعالى خلق ذواتهم، وليس متعلقاً بأفعال المكلف.
·وأخرج أيضاً ما كان متعلقاً بالجماد، كقوله تبارك وتعالى: ﭠ ﭡ ﭢ ، هذا كلام لله وإلا لا؟ كلام لله لكنه لا يتعلق بفعل المكلف، ولكن يتعلق بالجماد.
هذه كلّها خرجت بقول المؤلف المتعلق بفعل المكلف، أخرج كل هذه الأشياء فهذه لا تسمى حكماً شرعياً عند الأصوليين، ومرادهم بالفعل عندما قال: المتعلق بفعل المكلف، المراد بالفعل ما يشبه القول والاعتقاد والعمل، أعمال الجوارح: الكفّ (الترك) يشمله وإلا ما يشمله؟ يشمله، الترك فعل، ما الدليل على أن الترك فعل؟ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ، طيب، فسمى ترك الإنكار فعلاً ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ، في الآخر ماذا قال؟ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ، فسمى ترك الإنكار فعلاً، إذن الترك فعل، فإذن بقوله المتعلق بفعل المكلف يشمل العقائد والأقوال وأعمال الجوارح وكذلك التروك.
المراد بالمكلف:البالغ العاقل الذاكر.
·البالغ أخرجنا غير البالغ هذا ليس مكلفاً.
·العاقل أخرجنا غير العاقل كالمجنون ليس مكلفاً.
·والذاكر أخرجنا الناسي فهو غير مكلف في حال نسيانه، غير الملجأ أي غير المكره هو الطائع المختار والمكره المحمول كالآلة هذا المقصود بالملجأ، المحمول كالآلة، هذا غير مكلف لأن هذا الشخص لا فعل له ولا يكون مكلفاً في تلك الحال.
المتعلق بفعل المكلف، لماذا قال المكلف ولم يقل المكلفين بالجمع كما قال بعض الأصوليين، أراد بذلك أن يُدخل الأفعال التي تختص بالواحد كخصائص النبي صلى الله عليه وسلم، أراد أن يدخلها في التعريف، وكالحكم بشهادة خزيمة بن ثابت، حالة خاصة لخزيمة أراد أن يُدخلها أيضاً وغير ذلك من الصور، من الخصائص التي وردت، فقوله: بفعل المكلف، أدخل هؤلاء المكلفين.
ثم قال في التعريف: اقتضاءً أو تخييراً، إذن الحكم الشرعي: خطاب الله تعالى، أي كلامه الحقيقي باللفظ والمعنى، خلافاً للأشاعرة والمعتزلة، كلام الله الحقيقي باللفظ والمعنى، هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف: أي المرتبط بأفعال المكلفين فقط، هذا هو الحكم الشرعي عند الأصوليين، أَيُّ كلامٍ آخر ليس له تعلق بفعل المكلف لا علاقة لنا به، طيب، فيه قيد آخر: اقتضاءً أو تخييراً، ما الاقتضاء؟ هو الطلب وهو ينقسم إلى طلب فعل وطلب ترك:
·طلب الفعل إن كان جازماً فهو الإيجاب، وإن لم يكن جازماً فهو الندب.
·وطلب الترك إن كان جازماً فهو التحريم، وإن لم يكن جازماً فهو الكراهة.
·وأما التخيير فهو الإباحة.
اقتضاءً: أي طلباً ويدخل في ذلك الأربعة: الايجاب والاستحباب والتحريم والكراهة، كلّها طلب لكن اثنين طلب فعل، واثنين طلب ترك، طلب فعل جازم وغير جازم، طلب ترك جازم وغير جازم، لكن كلّها شملها الطلب الذي هو الاقتضاء، والتخيير التي هي الاباحة، فدخلت الأحكام الخمسة في هاتين اللفظتين، وأخرج بهذا القيد الخبر، خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف لا اقتضاءً ولا تخييراً، ولا وضعاً مثل ماذا؟ كقول الله تبارك وتعالى: ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ، تعال نبدأ من الأول:
خطاب لله وإلا لا؟ خطاب، متعلق بفعل المكلف وإلا لا؟ نعم، ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ، إذن فيه تعلق بعمل العبد المكلف، طيب فيه اقتضاء، أي فيه طلب من الله تبارك وتعالى للمكلف أن يفعل أو أن يترك، ليس فيه، ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ، يخبر الله سبحانه وتعالى أنه هو الذي خلقكم وخلق أعمالكم إذن ليس فيه طلب، فيه تخيير؟ ليس فيه تخيير، إذن فهو خارج من التعريف، والبعض يترك اقتضاءً أو تخييراً ويُعبر بتعبير آخر فيقول: من حيث إنه مكلف به، أي من جهة أنه ملزم به فعلاً أو تركاً أو تخييراً، المعنى واحد لكن تغيير العبارة.
ثم قال: وبأعم وضعاً وهو الوارد سبباً وشرطاً ومانعاً وصحيحاً وفاسداً، أي الحكم الشرعي هو خطاب الله تبارك وتعالى المتعلق بأحد أمرين:
·إما بفعل المكلف.
·أو بما هو أعم من فعل المكلف.
وضعاً:أي وضعه الشارع، جعله الشارع أي ما وضعه الشارع أو جعله الشارع أو جعل شيئاً سبباً لشيء، إن جعل الشارع شيئاً سبباً لشيء أو مانعاً لشيء أو شرطاً فيه، فهذا يكون حكماً وضعياً، فجعل الشيء سبباً للشيء أو شرطاً له أو مانعاً يُسمى حكماً وضعياً وضعه الشارع لكي يكون هذا سبباً أو شرطاً أو مانعاً، فعلى كلام المؤلف يكون خطاب الوضع أعم من خطاب التكليف عموماً مطلقاً، فكل خطابِ تكليف، فيه خطاب وضع وليس العكس، كل خطابِ تكليف، لا بد أن تجد معه سبباً أو شرطاً أو مانعاً تجد له سبباً وشرطاً ومانعاً، لكن ليس كل سببٍ أو شرطٍ أو مانعٍ تجد معه حكماً تكليفياً، مثل ماذا؟ كتضمين الصبي قيم المتلفات، صبي صغير مسك حجراً وكسر زجاجاً، يضمن وإلا ما يضمن؟ يضمن ثمن الزجاج يدفع قيمة الزجاج، طيب صغير غير مكلف، نعم هو غير مكلف لكن كسر الزجاج سبب للضمان، حكم وضعي وضعه الشارع هكذا، ليس فيه تكليف، لكن حكم وضعي موضوع لهذا الأمر.



الخلاصة أنّ الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين:
·حكم شرعي تكليفي.
·وحكم شرعي وضعي.
üالحكم الشرعي التكليفي أقسامٌ (أنواع) وهو: الإيجاب والتحريم والكراهة والاستحباب والاباحة، خمسة.
üالحكم الشرعي الوضعي: السبب والشرط والمانع والصحة والفساد.
إذن إذا مرَّ بنا وجوب أو تحريم أو استحباب أو كراهة أو إباحة أو حكمٌ على شيء بأنه سببٌ أو شرطٌ أو مانعٌ أو أن هذا الشيء صحيح أو فاسد، هذا كلّه يُعتبر من الأحكام الشرعية، وبعض أهل العلم لم يدخل الحكم الوضعي في الحكم الشرعي، أخرجه من الأحكام الشرعية وجعل فقط الحكم الشرعي هي الأحكام الشرعية التكليفية الخمسة فقط، وأخرج الأحكام الوضعية لماذا؟ قال: لأنها ليس فيها إنشاء إنما هي أخبار ليس فيها طلب (خبر) فأخرجها، والذين أدخلوها قالوا ما عرفناها إلّا من طريق الشرع فهي أحكام شرعية، والخلاف في هذا لا طائل تحته، فالخلاف الأمر فيه سهل لأن الجميع في النهاية يعترفون بالحكم الشرعي التكليفي وبالحكم الوضعي ولكن بعضهم يُدخل الحكم الوضعي في الحكم الشرعي وبعضهم لا يدخله، لكنهم كلهم يقرون على أنّ الأسباب والشروط والموانع والصحة والفساد كلها أحكام مقررة، وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان للأحكام التكليفية والأحكام الوضعية، لكن أظن هكذا قد عُرِف الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي.
ثم قال المؤلف بعد أن انتهى من التعريف: "فلا يُدرك حكم إلّا من الله"، لمّا عرَّفنا أنّ الحكم الشرعي هو خطاب الله تبارك وتعالى إذن فلا يُدرك حكم إلا من الله تبارك وتعالى، لا يَحكم إلا ربّ العالمين، هذا أمر متفق عليه بين جميع المسلمين، الحكم لا يكون إلا لله، حصل النزاع أين؟ في طريقة إدراك حكم الله، في طريقة معرفة حكم الله، المسلمون على أنّ طريقة معرفة حكم الله تكون عن طريق الرسل، فالرسل هم الذين يعرفوننا بما يريده الله منا وما لا يريد، هذا أمر متفق عليه، خالفت المعتزلة وأثبتوا أن العقل يُمكنه أن يعرف حكم الله فقالوا بالتحسين والتقبيح العقلي، هنا تأتي هذه المسألة، هذه ستمر بكم كثيراً، التحسين والتقبيح العقلي، ما المقصود بالتحسين والتقبيح؟ من المهم جداً أن نعرف أنّ الألفاظ إذا حصل نزاع فيها ولم يكن لها معنىً معروف في الكتاب والسنة واضحاً لابد من معرفة مراد المتكلم بذلك الاصطلاح قبل أن يثبت الاصطلاح أو أن ينفى، عندما يأتيك شخص ويتحدث عن التحسين والتقبيح العقلي ويقول لك العقل يُحَسّن ويُقَبّح أو يقول العقل لا يُحَسّن ولا يُقَبّح، تحتاج أول الأمر أن تقول له ماذا تعني بالتحسين والتقبيح؟ هذا أول أمر تناقشه فيه، ماذا تعني بالتحسين والتقبيح؟ حتى تفهم مراده، ثم بعد ذلك يُنفى أو يُثبت أو يُفصّل في ذلك.

الحُسن والقُبح يطلق لثلاث اعتبارات:
الاعتبار الأول:بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته، فما لائم الطبع فهو حَسَن وما نافر الطبع فهو قبيح، ما لائم الطبع مثل انقاذ الغريق، الطباع السليمة عند البشر، هذا المقصود بملائمة الشرع، ملائمة الطباع السليمة عند البشر، انقاذ الغريق حسن أم قبيح؟ حسن، اتهام البريء هذا قبيح، لا إشكال في ذلك، فمعنى التحسين والتقبيح بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته، هذا يثبته العقل أو يعرفه العقل، يدركه العقل من غير حاجة إلى الرجوع إلى الشرع، هذا الحكم فيه حكم عقلي لا إشكال فيه.
الاعتبار الثاني: وهو بمعنى الكمال والنقص، فالحَسن ما أشعر بالكمال، والقَبيح ما أشعر بالنقص، كصفة العلم مثلاً هذا حسن، صفة الجهل هذا قبيح، وهذا أيضا يُدرك بالعقل.
الاعتبار الثالث:بمعنى الثواب والعقاب، الاعتبار الثالث بمعنى المدح والثواب والذم والعقاب، هذا محل نزاع بين الطوائف هذا الأخير.
·فالفرقة الأولى: أثبتوا الحُسن والقُبح العقليين، بمعنى أنَّ العقل يُدرك الحُسن والقُبح، فهو يُحَسّن ويُقَبّح من غير الرجوع إلى الشرع، وهذا مذهب المعتزلة.
·القول الثاني: نفي الحُسن والتقبيح العقليين، بمعنى أنَّ العقل لا يُدرك الحُسن والقُبح، فالعقل عندهم لا يُحَسّن ولا يُقَبّح، فالأفعال نفسها لا توصف بحُسن ولا بقُبح، مردّ ذلك إلى الشرع، فإذا الشرع نهى عن الفعل فهو قبيح، وإذا أمر بالفعل فهو حسن، أمّا العقل عندهم لا يُحَسّن ولا يُقَبّح، وهذا قول الأشاعرة.
·أما مذهب أهل السنة فهو وسط بين هذين المذهبين، العقل عند أهل السنة والجماعة يُحَسّن ويُقَبّح، يرى أنَّ الفعل هذا حسن، بمعنى أنّ العقل يستحسنه، ويرى أن هذا الفعل قبيح، بمعنى أن العقل يُقَبّحه ولا يراه حسناً، لكن لا يترتب الثواب والعقاب والمدح والذم شرعاً إلّا بعد ورود الشرع، فالعقل لا علاقة له بمسألة الثواب والعقاب، لا علاقة له بذلك وإن أدرك حُسن الشيء وقُبحه، لكن مسألة الثواب والعقاب متوقفة على الشرع، لقول الله تبارك وتعالى: ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ، هذا دليل من أدلة كثيرة تدل على أنَّ العقاب والثواب معلق بالرسل، ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ، والآيات في هذا المعنى كثيرة تدل على أنَّ الثواب والعقاب لا يكون إلّا بعد بلوغ الرسالة، إذن فالعقل وإن حَسَّن وقَبّح لكنّه لا يترتب على تحسينه وتقبيحه لا ثواب ولا عقاب، ثم حتى وإن حسن وقبح لا يعني ذلك أنَّ العقل يدرك كل شيء ويُحسّن كل شيء ويُقبّح كل شيء، لا، هناك أشياء كثيرة العقل لا يستطيع أن يدرك حُسنَها من قُبحِها وهل من ورائها مصالح أم مفاسد، أشياء كثيرة يتوقف العقل فيها، فمثل هذه يأتي الشرع بما يبين المصلحة والمفسدة فيه، لكن أن يأتي الشرع بما يناقض العقل هذا مستحيل، لا يوجد، العقول السليمة البشرية تدرك أن الشيء حسن ويأتي الشرع بما يناقضها، هذه ما فيه، لا يوجد شيء كهذا، العقل الصحيح الصريح لا يُنافي النقل الصحيح، العقل الصريح لا ينافي النقل الصحيح، أبداً، لكن ربما يأتي الشارع بأشياء العقل يقف فيها فلا يعرف، يحار فيها فمثل هذه يأتي الشارع ويبين المصلحة من المفسدة فيها.
هذا هو القول في مسألة التحسين والتقبيح، وبناء على هذه المسألة بُنيت المسألتان اللتان بعدها وهي مسألة شكر المنعم ومسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع، لذلك قال المؤلف رحمه الله: - وعندنا -تقدم معنا في المقدمة عندما يقول المؤلف: - وعندنا - يشير إلى مخالفة المعتزلة، "وعندنا(أي عند الأشاعرة) خلافاً للمعتزلة أنَّ الحُسن والقُبح بمعنى ترتب الذمّ حالاً والعقاب مآلاً شرعيانلا شك أن الحُسن والقُبح بمعنى الثواب والعقاب والذم والمدح شرعيان، لكن ليس معنى ذلك أنّ العقل لا يُحسّن ولا يُقبّح كما تقوله الأشاعرة، لا، كلام باطل غير صحيح بل العقل يُحسّن ويُقبّح، لكن الأحكام الشرعية: الثواب والعقاب والذم والمدح لا يَثبُت إلا بورود الشرع، ومن أراد مزيد بيان في هذه المسألة له أن يراجع شرح الكوكب المنير المجلد الأول صفحة ثلاثمائة، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام المجلد الثامن صفحة أربعمائة وواحد وثلاثين، وقد لخص الكلام فيها صاحب معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة صفحة ثلاثمائة واثنان وثلاثون.
والمسألة الثانية قال المؤلف: "وأنَّ شُكر المنعم واجب بالشرع"،ما المراد بشكر المنعم؟ صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من النعم من سمع وبصر وصحة وعافية ... إلى آخره، صرفه إلى ما خُلق له من عبادة الله وطاعته وصرف هذا كله في طاعة الله تبارك وتعالى، هذا معنى شكر المنعم، شكر الله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليك من نعم، هل هذا واجب بالشرع أم واجب بالعقل؟ المسألة متوقفة على ما قبلها، الوجوب الشرعي بمعنى الثواب والعقاب هذا واجب بالشرع لا بالعقل، لكن العقل يُدرك حُسن ذلك، العقل يُحسّن ذلك فهو من الناحية العقلية يُدرك بأنه حسن، حتى من الناحية الفطرية تستحسن هذا، ما من عاقل إلّا وهو يُدرك أنَّ شكر المنعم حق عليه فهي بمعنى ترتب الثواب والعقاب عليه لا شك بأنها شرعية كمسألة التحسين والتقبيح نفسها، هذه لا فرق، فرع عنها.
ثم قال: "وأنه لا حكم قبله، بل الأمر موقوف إلى وروده"،لا حكم قبله، أي لا حكم شرعي قبل البعثة، قبل بعثة الأنبياء والرسل، هنا لا يوجد حكم شرعي بناءً على قول المعتزلة أنَّ العقل يُحسّن ويُقبّح حتى وإن لم يكن هناك رسل يوجد تحريم وإباحة لماذا؟ لأنهم يُدركون ذلك بعقولهم في زعمهم، يدركون أحكام الله من غير إيجاد رسل، لذك أوجبوا وحرموا قبل البعثة، لكن عند أهل السنة لا حكم شرعي قبل البعثة، بمعنى الثواب والعقاب، لقول الله تبارك وتعالى: ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ، فمن لم تبلغه الدعوة لا عقاب عليه لماذا؟ لأنه لم تبلغه دعوة الرسل، فالثواب والعقاب والمدح والذم متوقف على دعوة الرسل.
نعم يُدرك العقل حُسن الأشياء وقبحها لكن لا يترتب على ذلك مدح ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب، هذا خلاصة القول في هذا الموضوع إذن حكم الأشياء قبل بعثة الرسل يكون ماذا؟ نقول لا حكم شرعي قبل بعثة الرسل، بمعنى أنَّ الشخص لا يُثاب ولا يُعاقب مالم يرد شرع في ذلك لقول الله تبارك وتعالى: ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-12-2012, 22:21   #5
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس الخامس من مجالس شرح كتاب لُبِّ الأصول

المجلس الخامس من مجالس شرح كتاب لُبِّ الأصول

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين:
كنا قد شرحنا الحكم في الدرس الماضي وقول المؤلف: "والحكم خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاءً أو تخييراً وبأعمَّ وضعاً-هذه بأعمَّ عند مراجعة الشريط كنت قرأتها بالكسر وهو خطأ فهي ممنوعة من الصرف- وهو الوارد سبباً وشرطاً ومانعاً وصحيحاً وفاسداً، فلا يُدرك حكم إلّا من الله، وعندنا أن الحُسن والقُبح بمعنى ترتب الذم حالاً والعقاب مآلاً شرعيان، وأن شُكر المنعم واجب بالشرع وأنه لا حكم قبله بل الأمر موقوف إلى وروده"،هذا كلّه كنا قد انتهينا منه، نبدأ الآن بقول المؤلف رحمه الله:
"والأصح امتناع تكليف الغافل".
التكليف لغة: إلزام ما فيه كلفة أي مشقة، هذا تعريف التكليف في اللغة.
وأما في الاصطلاح (عند الأصوليين): فهو طلب ما فيه مشقة، هذا معنى التكليف، التكليف: طلبٌ، وقولنا طلب ما فيه مشقة يدخل فيه: الواجب والحرام والمندوب والمكروه، فلو قلنا كما قال البعض: إلزام ما فيه مشقة، كما قال بعض الأصوليين: إلزام ما فيه مشقة لما دخل فيه إلّا الواجب والحرام، فالإلزام يكون في الواجب وفي الحرام فقط، فلذلك اخترنا هذا القول وهو: طلب ما فيه مشقة كي ندخل الأحكام الأربعة، وأمّا الخامس وهو الإباحة، فقالوا: ليس فيها طلب لذلك لا تدخل في التعريف ولكنها أُدخلت في التكليف تتميماً للقسمة (مسامحة وتتميماً للأحكام الشرعية).
وأمّا الغافل فهو الذي لا يدري كالنائم والساهي والمجنون، من شروط التكليف أن يكون المكلف عالماً بما كُلِّف به، فلا يصح تكليف من لا يعلم لماذا؟ لأن مقتضى التكليف الطاعة والامتثال، المطلوب بالتكليف هو الطاعة والامتثال، والطاعة والامتثال لا بد لها من قصد، لا بد للشخص أن يقصد الطاعة والامتثال، والقصد من غير علم لا يصح، لابد أن تعلم الشيء قبل أن تقصده، إذن الامتثال والطاعة لا يتم إلّا بالعلم بالآمر وبالمأمور به، لذلك اشترط العلماء العقل وفهم الخطاب في المكلف، لا بد أن يكون المكلف عاقلاً فاهماً للخطاب، وقلنا المقصود بذلك: النائم والساهي والمجنون والصبي كلّهم يدخلون في ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رُفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ -وفي رواية: عن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يبلغ" أخرجه أبو داود وغيره، فهنا يُشترط العقل وفهم الخطاب.
فعلى ذلك فتكليف المجنون غير واردٍ وعدم تكليفه لا خلاف فيه، لا خلاف بين أهل العلم في عدم تكليف المجنون لأنه لا عقل له، وكذلك الصبي الصغير غير المميز، عندنا الصبي نوعان: صبي مميز وصبي غير مميز، وكل من كان تحت سنّ البلوغ يُسمى صبياً على ما هاهنا، ولكن منهم من هو مميز (يميز بين الأشياء)، ومنهم من لا يميز، وهما قسمان: فالذي لا يُميز هذا لا عقل له، هذا حكمه حكم المجنون تماماً، أما المميز فعنده عقل وعنده فهم ولكن فهمه غير تام، فهمه غير تامٍ، لأن عقل الإنسان ينمو شيئاً فشيئاً، ونموه شيئاً فشيئاً له درجة لنستطيع أن نقول عندها هو فاهم للخطاب فهماً تاماً يُكلف به، هذه الدرجة لمّا كانت أمراً خفياً جعل الشارع لها علامة ظاهرة ماهي؟ هي البلوغ، فعندما يبلغ يكون عندنا علامة على أن هذا الشخص عنده عقل وعنده فهم تام يُكلف بناءً عليه، فلذلك كان البلوغ سناً (يعني علامة ظاهرة) على أنَّ هذا الشخص قد تحقق فيه العقل وتحقق فيه أيضاً فهم الخطاب، طيب، بالنسبة لتكليف الصبي الغير مميز والمجنون هذا أمرٌ متفقٌ عليه لا خلاف فيه، لكن الخلاف حصل في الصبي المميز، جمهور العلماء على أنه غير مكلف بشيء مطلقاً لأن القلم مرفوع عنه للدليل الذي ذكرنا: "رُفع القلم عن الصبي حتى يحتلم"،كما جاء في رواية، لكن خالف في ذلك بعض أهل العلم منهم الإمام أحمد، الإمام أحمد في قول له وافق الجمهور ورواية أخرى قال: هو مكلف، الصبي المميز مكلف عند الإمام أحمد في رواية لكنّها رواية مرجوحة، وأمّا الإمام مالك رحمه الله وأصحابه فيقولون بتكليف الصبي بالمكروه والمندوب فقط أمّا بالحرام والواجب فليس مكلفاً بذلك، ويستدلون على عدم تكليفه بالواجب والمحرم بالإجماع، العلماء أجمعوا على أنه غير مكلف بالواجب والمحرم ولكن بالنسبة للمندوب والمكروه عندهم دليل يستدلون به على ذلك وهو حديث المرأة التي مرَّ بها النبي صلى الله عليه وسلمفرفعت صبياً له فقالت له ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر"، فقالوا هاهنا جعل النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصبي أجراً على الحج، إذن فهو مكلف بالمستحبات وكذلك مكلف بالمكروهات، لكن هذا الحديث لا يتم لهم الاستدلال به، لأن نفس الحديث ليس فيه أنَّ الصبي كان مميزاً أو غير مميز فمن أين جاؤوا بهذا التفريق؟ ثم النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم"،فالقلم مرفوع عنه تماماً، لكن مسألة أجره على العمل هذا تفضل من الله سبحانه وتعالى تفضل به على الصبيان، والمراد من هذا كلّه أن الصبي إذا عمل الطاعة أُجر عليها لتشجيع الصبيان وكذلك تشجيع الأهالي على تدريب الصبيان وتعويدهم على الطاعة، فكلّ ما جاء من أحكام في الصبيان كتعليمهم للصلاة وتعويدهم على الصوم وغير ذلك هذا كلّه من أجل تعويد الصبي على الطاعة من صغره كي يبقى عليها بعد الكبر، هذا بالنسبة للصبي.
أمّا النائم والناسي فاختُلف في تكليفهما فقيل غير مكلفّين كما ذهب إليه المؤلف لما ذكرناه من أدلة، وقالوا أيضاً: لو كانا مكلفّين كانا آثمين لترك العبادة حتى فات وقتها لأجل النوم والنسيان، لو قلتم بأن النائم والناسي مكلفان، نقول لكم إذن النائم في حال نومه والناسي في حال النسيان يعتبران آثمان والأدلة دلّت على أنهما لا إثم عليهما، فكيف يكون مكلفاً ثم نقول لا يأثم، لا يصح هذا، إذن فلا تكليف على النائم والناسي، وقول آخر: هما مكلفان، قالوا بدليل الإجماع على وجوب القضاء عليهما، فلو لم تكن الصلاة واجبة عليهما في وقت النوم أو النسيان لما وجب قضاؤها عند اليقظة والذِكر، إذن بما أنّه وجب عليهما أن يقظوا هذه الصلاة إذن الصلاة واجبة عليهم، والصحيح ما ذهب إليه المؤلف ومن وافقه والرّد على ما ذكروه: أنه لا يوجد دليل صحيح يدلّ على أنّ النائم والناسي صلاتهما تكون قضاءً، لا يوجد دليل صحيح على ذلك، بل الدليل يدلّ على أنّها أداءٌ، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من نام عن صلاة او نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها"، أو: "فإنه وقتها"، إذن وقت الصلاة بالنسبة للنائم عندما يستيقظ، إذن يُكلف عندما يستيقظ، لا وهو نائم، هذا محل الاستدلال وكون الصلاة وبالنسبة للنائم والساهي يعتبر أداءً هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، هذا بالنسبة للنائم والناسي، الآن هذا الخلاف الذي سمعتموه في كونه مكلفاً أو غير مكلف بالنسبة للنائم والناسي، الخلاف لفظي حقيقة، الخلاف خلاف لفظي، لماذا؟ ما هي النتيجة من وراء هذا سواء قلتم مكلف أو قلتم غير مكلف، في حال النوم وفي حال النسيان كلّهم متفقون على أنّه لا يأثم في حال نومه أو في حال سهوه وعلى أنّه مطلوب منه بعد أن يستيقظ أو يزول السهو، إذن النتيجة متفق عليها وإلّا ليس متفق عليها؟ متفق عليها، فالنزاع لا فائدة منه نزاع لفظي، وهذا الذي ذكرناه في كثير من مباحث أصول الفقه هي من هذا القبيل، نزاعات لفظية ومباحث ضرورية لكن عندما نرجع للأدلة في مثل هذه المسألة نجدها واضحة أدلة الكتاب والسنة والحكم فيها ثابت لا إشكال فيه، بل أحيانا يكون الحكم متفق عليه.
أمّا السكران فإن كان لا يعقل وهو المعروف بالسكران الطافح، مُسَكَّر، فغير مكلفٍ كذلك، لأنه لا عقل له، حاله حال الدابّة، لا فرق بينهما، لا عقل له ومن لا عقل له لا يُكلف لما تقدم معنا، طيب ربما يقول لك قائل: لماذا إذن تلزمون الصبي والسكران وغيرهم بقيم المتلفات؟ ماذا تعني قيم المتلفات وعروش الجنايات؟ قيم المتلفات أي أنَّ الصبي أو السكران أو المجنون أو غيرهم من هؤلاء الذين قلنا بأنهم غير مكلفين إذا أتلفوا شيئاً، كسروا زجاجاً مثلاً أو ما شابه يُلزَمون إذا كانت عندهم أموال، يُلزم أولياؤهم ومن يقوم على شأنهم أن يدفع قيمة هذا الشيء المتلف من أموالهم، طيب، أنتم قلتم غير مكلفين فلماذا تلزمونهم بهذا؟ قال أهل العلم هذا ليس من باب التكليف، هذا إنّما هو من ربط الأحكام بأسبابها، سبب وُجد فوجب حكمه فقط، ماذا يعني ربط الأحكام بأسبابها؟ يعني مثلاً زوال الشمس، زالت الشمس وجب الظهر، رُبط وجوب الظهر بسبب وهو زوال الشمس، إذن هو حكم وضعي وليس حكماً تكليفياً، سمينا هذه أحكاماً وضعية وتلك سميناها أحكاماً تكليفية، إذن هذه لزوم قيم المتلفات وعروش الجنايات هي من الأحكام الوضعية وليست من الأحكام التكليفية، فنحن نلزمه بذلك لا لأنه مكلف ولكن لأن الشارع ربط هذا الحكم بهذا السبب فقط.
أمّا إذا لم يفقد السكران جميع عقله فقد اختلف العلماء فيه اختلافاً كثيراً:
·فمنهم من لم يُلزمه بشيء فقال: هو حاله حال الطافح.
·ومنهم من ألزمه وجعله مكلفاً بكل شيء.
·ومنهم من فصَّل: فألزمه ببعض الأحكام ولم يُلزمه بأحكام أخرى.
وفيما أذكر أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يُرجح عدم تكليفه.
خلاصة ما تقدم معنا: أن شروط التكليف: العقل وأن يفهم الخطاب، فمن لا عقل له ولا فهم له لا يمكن أن يُوجه له الخطاب، ولا يمكن أن يُكلف، فلا يُقال لمن لا يفهم افهم، ولا يُقال لمن لا يعقل افهم، إذن من شروط التكليف العقل وفهم الخطاب .

قال المؤلف رحمه الله: "والملجأ لا المكره"،هذا تكميل للجملة السابقة، قال: "والأصح امتناع تكليف الغافل والملجأ لا المكره"،المكره قسَّمه بعض العلماء إلى قسمين:
·فسموّا القسم الأول الملجأ.
·وسموّا القسم الثاني المكره.
وكلاهما ذاكر لكن ما وجه الفرق بينهما؟ الملجأ مسلوب الإرادة لا اختيار له، هذا هو الملجأ يكون كالأداة، كالسكين في يد القاطع، السكين لها حركة؟ أنت الذي تُحركها، كأخذ رجلاً مثلاً وتكتيفه وربطه وإلقائه في مكان ما، هل له اختيار الآن في وجوده في هذا المكان؟ لا اختيار له بتاتاً، هو محمول ومجبر، وأخذ رجل من فوق السطح مثلاً وإلقائه على رجل آخر لقتله، هل له اختيار وإرادة؟ ليس له اختيار ولا إرادة، هذا الذي يسمى بالملجأ، وهو قسم من أقسام المكره، هذا غير مكلف، لا إشكال في ذلك، لعدم قدرته على الاختيار، لا قدرة له لا على الاختيار ولا على الفعل، وهذا كونه غير مكلف فهو أمرٌ مجمعٌ عليه لا خلاف فيه، لأنه أصبح كالآلة، وأمّا المكره الذي هو القسم الثاني فهو الذي حُمل على أمرٍ يكرهه ولا يرضاه، ولكن يقدر عليه ويختاره، فهو قادر عليه ويختاره وقادر على فعله كمن قيل له اقتل ذاك المسلم وإلّا قتلناك، هل له إرادة واختيار في قتله أم ليس له؟ لا، ممكن أن يقتل وممكن لا يقتله، هل له فعل يفعل هو القتل أو يمتنع عنه؟ له فعل، هذا النوع الثاني وهذا اختلف في تكليفه والصحيح أن فيه تفصيلاً: فالإكراه يكون في الأقوال ويكون في الأفعال، أمّا في الأقوال فالاتفاق حاصل على أنّ المكره له أن يقول القول المحرم ولا إثم عليه، هذا محل اتفاق حتى ولو كان هذا القول كفر للآية: ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ، الآية أصلاً جاءت في قصة عمّار بن ياسر تعرفونها، إذن المكره على القول غير مكلف له أن يقول ما يشاء وهو غير مآخذ في ذلك، أمّا الإكراه في الأفعال: فإمّا أن يكون الفعل هذا فيه حق للغير أم لا يكون، إمّا أن يكون هذا الفعل فيه حق للغير من الخلق كقتل إنسان مثلاً أو إتلاف ماله فهذا مكلف به، فلا يجوز له أن يقتل مثلاً إذا قيل له إما أن تَقتل هذا الانسان أو أن تُقتل، لا يجوز له أن يقتله، لماذا؟ لأنه حفاظه على حياته ليس بأولى من الحفاظ على حياة المسلم الآخر، فليس له أن يَقتل المسلم، أمّا لو قيل له أتلف مال فلان وإلا قتلناك، يجوز له أن يُتلف ماله، لكن يجب عليه أن يُخلّص، وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، لكن هذا الحديث أعلّه الإمام أحمد رحمه الله والآية تغني عنه إن شاء الله في مسألة الإكراه، وأمّا إذا كان الإكراه في أمر هو حق لله تبارك وتعالى وليس فيه حق للعباد فهذا لا يُؤاخذ به الشخص إذا فعله، كالإكراه على الإفطار في رمضان مثلاً، إذا شخص أُكره على الإفطار في رمضان يجوز له ان يُفطر، ولبس المخيط في الحج والعمرة مثلاً أكره على ذلك يجوز له أن يلبسه ولا يأثم، ووجه التفريق بين الأقوال والأفعال ذكره لنا ابن القيم رحمه الله فقال: والفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه أن الأفعال إذا وقعت لم ترتفع مفسدتها، بل مفسدتها معها واقعه معها بخلاف الأقوال.
الأقوال قول إذا انتهى انتهت مفسدته، طيب.
ما هو الإكراه الذي يُعذر صاحبه، وضع ابن القيم رحمه الله له ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون من قادرٍ، هذا الإكراه أن يكون واقعاً عليك من شخص قادرٍ بسلطان، أو بتغلب كاللص.
الشرط الثاني: أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى طلبه، يغلب على ظنه أن سيطبق ما يهدد به ليس مجرد كلام، فإذا غلب على ظنّه أنّه لا يقدر على فعل ما يهدد به لا يعتبر مكرهاً.
الشرط الثالث: أن يكون ممن سيتضرر به ضرراً كثيراً، سينزل به ضرر كبير إذا لم يفعل ما أُكره عليه كالقتل والضرب الشديد.
والمؤلف رحمه الله يقول بامتناع تكليف الملجأ فقط، وأمّا المكره عنده (عند المؤلف) وعند الأشاعرة جائز وإن كان غير واقع، لأنّه قادر على امتثال الأمر أو النهي في حال الإكراه وهذا بخلاف قول صاحب جمع الجوامع الذي هو أصل الكتاب الذي هو ابن السبكي فهو يقول بأنه ممتنع، أي التكليف بالإكراه ممتنع، أمّا المؤلف والأشاعرة يقولون التكليف بالإكراه جائز وإن كان غير واقع، والصواب إن شاء الله ما ذكرناه من تفصيل.
قال المؤلف رحمه الله: "ويتعلق الخطاب عندنا بالمعدوم تعلقاً معنوياً"، إذا قال المؤلف "عندنا" فماذا يريد بذلك؟ يريد عند الأشاعرة خلافاً للمعتزلة كما نصَّ على ذلك في المقدمة، "ويتعلق الخطاب عندنا بالمعدوم تعلقاً معنوياً"، يعني أنَّ الخطاب الشرعي من أمرٍ ونهيٍ يتعلق عند الأشاعرة بالشخص المعدوم الذي لم يكن موجوداً عند الأمر والنهي تعلقاً معنوياً، يعني بذلك إذا وُجد هذا الشخص في حال وجوده مستكملاً شروط التكليف يكون الخطاب قد تعلق به، يكون مأموراً ومنهياً ولا يعني بذلك أنه مأمور ومنهي في حال العدم، لا، هذا المعنى الذي ذكره، هذه المسألة من المسائل التي لا فائدة فيها من الناحية العملية، والخلاف فيها لفظي، الكلام فيها عن تعلق الخطاب، يعني الأمر والنهي عندما تنزل آية من آيات الله تبارك وتعالى أو يذكر النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً فيه أمر أو نهي، الآن هذا الخطاب موجه لمن؟ موجه للصحابة الذين كانوا موجودين عند نزول الآية أو عند خروج الحديث، تمام، فهو موجه للموجودين طيب نحن؟ نحن كنا في ذاك الوقت معدومين، نحن كنا عدم غير موجودين أصلاً، طيب، هل يتعلق الخطاب بنا، في ذاك الوقت يقولون الخطاب متعلق بنا لا بمعنى أننا أُمرنا ونُهينا في ذاك الوقت، لكن بمعنى أننا متى وجدنا واستكملنا شروط التكليف تعلق الخطاب بنا، هذا الذي ذكره جمهور أهل العلم، ليس فقط الأشاعرة، وهذه المسألة لمّا تأتي من ناحية الكتاب والسنة لا تجد فيها نزاع وحتى نفس الأصوليين والمتكلمين لم يتنازعوا في نتيجتها، النزاع ما فيه نزاع؟ أننا جميعاً مُكلفون لكن الذين خالفوا قالوا التكليف هنا كتكليف المعدومين ما ثبت بنفس هذا الموضوع، ثبت بأدلة أخرى، طيب، إذا علمنا أنَّ العلماء اتفقوا على أن المعدوم لا يُطلب منه إتيان المأمور به حال عدمه، المعدوم وهو معدوم لا يُطلب منه لا أمر ولا نهي لأن هذا أمرٌ محال، مستحيل، شخص معدوم لا يفهم ولا شيء فلا يتعلق به الأمر، ما دام معدوماً لا يتعلق به الأمر تعلقاً تنجيزياً (ينجز الأمر)، بل يتعلق به تعلقاً معنوياً على المعنى الذي ذكرنا، هذا الأمر الأول اتفقوا عليه واتفقوا على أنَّ المعدوم إذا وُجد وهو مستكمل لشرائط التكليف فإنّه يُطلب منه إيقاع المأمور به وأنّه يتوجه إليه بالخطاب فيتعلق الأمر به، إذن متى وُجد فهو مكلف إذا كانت شروط التكليف قد استوفيت فيه، تمام، هذا ما يترتب عليه العمل، هذا الذي اتفقوا عليه هو الذي يترتب عليه الأمر، إذن لنخرج من ذلك: أنّ كل إنسان بالغ عاقل فهو مكلف من كان موجوداً في وقت الخطاب مكلف تكليفاً تنجيزياً ومن سيوجد من بعد ذلك وكان معدوماً فهو مكلف تكليفاً معنوياً، أي بحيث أنّه متى وُجد تعلق به الخطاب تعليقاً معنوياً، بمعنى أنه متى وُجد واستكملت شروط التكليف فيه أنه وجب عليه أن يفعل، طيب، إذن بقيت مسألة الخلاف أين هي؟ الخلاف حاصل في تعلق الأمر بالمعدوم الذي علم الله أنّه سيوجد مستكملاً لشرائط التكليف، تعلق الأمر بالمعدوم الذي علم الله سبحانه وتعالى أنّ هذا المعدوم سيوجد وسيكون مستكملاً لشرائط التكليف، هل يتعلق به الخطاب أم لا يتعلق به الخطاب؟ والراجح الذي ذكرناه هو دلّت عليه الأدلة هو أنه يتعلق به ولكن بشرطين: بالوجود وباستكمال شروط التكليف، والأدلة التي تدل على ذلك كثيرة، قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله في المذكرة صفحة مائتين: "قد دلت النصوص الصحيحة على خطاب المعدومين في هذه الأمة تبعاً للموجودين بها"، من هذه الأدلة قوله صلى الله عليه وسلم: "تقاتلون اليهود"، الحديث الذي فيه أنهم يختبؤون خلف الحجر وشجر والغرقد، ويقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي خلفي .. إلى آخره، هذا الحديث الخطاب لمن "تقاتلون اليهود"؟ الخطاب للموجودين ولكن المقصود به من؟ المعدومون الذين سيأتون، فهذا إذن خطاب للموجودين وللمعدومين، والحديث الثاني: "تقاتلون قوماً نعالهم الشعر"، الحديث في قتال الترك، وهذا أيضاً كان خطاباً موجهاً للموجودين لكنّ المعدومين كانوا تبعاً لهم في الخطاب، بل المقصود الأصلي في الخطاب هو المعدومون وليس الموجودين، لأن القتال سيحصل من المعدومين لا من الموجودين، وكذلك قوله في قصة عيسى "إمامكم منكم"، عندما ينزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان ويكون المهدي قد خرج فيكون هو الذي يؤم المسلمين، فيأتي المهدي فيقدم عيسى، فيقول له عيسى عليه السلام: "إمامكم منكم"، أي نعم هذه القصة أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم في فيما هو سيكون، وهذا مثل هذا كثير أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه أنّه سيكون وأمر بأوامر بناء على هذا الذي سيكون، فهو خطاب للمعدومين تبعاً للموجودين وهذه أدلة واضحة في المسألة، لكن كما ذكرنا الخلاف فيها خلاف لفظي، وحقيقة الأمر كلهم متفقون على أنَّ الجميع في النهاية كلّ من وجد مستكملاً شرائط التكليف إنّه مُكلف، فهذه الأدلة التي نريدها.
ثم قال رحمه الله: "فإن اقتضى فعلاً غير كفّ اقتضاءً جازماً فإيجاب، أو غير جازم فندب"، هنا المؤلف رحمه الله الآن بدأ في تقسيم الخطاب التي هي حقيقةً أقسام الحكم، لكن لمّا عرّف الحكم بالخطاب بدأ بتقسيمات الخطاب، فقال: "فإن اقتضى فعلاً غير كفٍّ": أي فإن طلب الخطاب الذي هو كلام الله الحقيقي، إن طلب فعلاً، أي طلب إيجاد فعل، "غير كفٍّ"، أي طلب إيجاد فعل، ما طلب ترك، لا، ما طلب منك أن تترك شيئاً، طلب منك أن تفعل فعلاً، "فإن اقتضى فعلاً غير كفٍّ"، فإن طلب إيجاد فعل وما طلب منك أن تترك شيئاً اقتضاءً جازماً، أي طلباً جازماً مُؤكداً لا يجوز فيه الترك، إن كان هذا الأمر قال: "فإيجاب"، هذا الطلب ماذا يكون؟ يكون إيجاب، وهذا هو تعريف الإيجاب، طيب.
ثم قال: "أو غير جازم فندب"، أي وإن طلب إيجاد فعلٍ طلباً غير جازم أي مع جواز الترك فندب، أي فهو الندب، طيب، ما الفرق أولاً بين: الإيجاب والوجوب والواجب؟
الإيجاب: هو نفس خطاب الله تعالى، الذي هو صفة لله تبارك وتعالى، فالإيجاب صفة لله تبارك وتعالى، خطاب الله سبحانه وتعالى.
والوجوب: صفة فعل المكلف، فهو أثر الإيجاب.
والواجب: هو نفس فعل المكلف يُسمى واجباً، فتقول أوجب الله الشيءَ فوَجَب الشيءُ، وحرَّم الله الشيءَ فحَرُم الشيءُ.
فبناء على تعريف الأصوليين الذي ذكرناه وذكرنا الخلاف بينهم وبين الفقهاء في تعريف الحكم، بناء على تعريف الأصوليين للحكم أنّه نفس الخطاب، يُقال: الإيجاب، وبناءً على تعريف الفقهاء لمّا عرفوا الحكم: بأنه أثر الخطاب، لم يُعرفوه هو نفس الخطاب، فيُقال: الوجوب، لكن التعبير بالإيجاب أو الوجوب أو الواجب عند الأصوليين فيه تساهل وتجوز، فالأمر عندهم سهل يستعملون هذا تارة وهذا تارة وهذا تارة، فالأمر فيه واسع إن شاء الله، فالمراد من ذلك واحد، وبناءً على ما ذكر المؤلف رحمه الله نستطيع أن نستخرج تعريف الإيجابفما هو؟ هو ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً، بناءً على ما ذكر المؤلف: هو ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً، وهذا القسم الأول من الأحكام التكليفية الخمسة، وبناءً على ما ذكر أيضاً نستطيع أن نستخرج تعريف المندوبوهو المستحب، وبناء على ما ذكر نقول: هو ما طلب الشارع فعله طلباً غير جازم، تمام، هذا بناءً على ما ذكر المؤلف رحمه الله بطريقة التقسيم.
ثم قال: "أو كفّاً جازماً فتحريم، أو غيرَ جازمٍ بنهي مقصود فكراهة، أو بغير مقصود فخلاف الأولى"، أو كفّاً جازماً فتحريم، أو اقتضى: أي طلب كفاً وليس فعلاً جازماً، بأن لم يجز فعله فتحريم، يعني إذا اقتضى كفّاً لا فعلاً، يعني إذا طُلب منا الكفّ لا الفعل كفاً جازماً، يعني الكف: الترك، يعني إذا طلب منا ترك شيء طلباً جازماً فتحريم، وعلى ذلك يكون تعريف التحريم: ما طلب الشارع تركه طلباً جازماً، فعندنا الخطاب: إمّا طلب فعل، أو طلب ترك، وطلب الفعل إمّا أن يكون جازماً أو غير جازمٍ، والترك إمّا أن يكون طلب الترك جازماً أو غيرَ جازمٍ.
·فطلب الفعل الجازم: الوجوب.
·طلب الفعل الغير جازم: الاستحباب.
·طلب الترك الجازم: المحرم.
·طلب الترك الغير جازم: المكروه.

والمكروه عند البعض قسمان، فالقسمة عند البعض: ستة، أو قل خمسة ولكن الخامس يتفرع إلى قسمين، هذا اضطرنا إلى ذكره المؤلف رحمه الله لأنه قال: "أو غير جازم بنهي مقصود فكراهة، أو بغير مقصود فخلاف الأولى"، إذن عندنا طلب ترك جازم انتهينا منه وهو ماذا؟ هو المحرم، فيه عندنا طلب ترك غير جازم هو قسمين، طلب ترك غير جازم فيه فرعين:
·الأول: بنهي مقصود.
·والثاني: بنهي غير مقصود.
ما كان بنهي مقصود فهو المكروه، وما كان بنهي غير مقصود فهو خلاف الأولى، ما معنى النهي المقصود أو غير القصود؟ معنى بنهي مقصود أي أن يكون مصرحاً به، مصرحاً بذلك، كقوله: لا تفعل كذا، أو نهيتكم عن كذا، هذا نهي مصرح به ما فيه إشكال، كقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين"، على القول بأن هذه مسألة المكروه، على القول بأن هذا مكروه، تمام، فإذاً هنا ماذا يُصبح عندنا؟ صار فيه طلب ترك وإلا ما فيه طلب ترك؟ فيه طلب ترك، طيب هذا طلب الترك الآن أو هذا النهي الوارد في هذا مقصود أو غير مقصود؟ مقصود، ما معنى مقصود؟ يعني أنّه جاء فيه نهي صريح، تمام طيب، غير مقصود قالوا: هو النهي عن ترك المندوبات المستفاد من أوامرها، النهي عن ترك المندوبات (المستحبات)، لكن من أين أخذ هذا النهي؟ اُستفيد من أوامره، فلنقل مثلاً هذه مبنية على قاعدة: الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، فلنقل بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصلاة الضحى، تمام طيب، أمره بصلاة الضحى يستلزم النهي عن تركها، طيب الآن هذا النهي الذي أخذناه أخذناه من شيء صريح، من نهي صريح وإلا أخذناه باللازم؟ أخذناه باللازم، بلازم الأمر، ورد أمر بصلاة الضحى، من لازم هذا الأمر أنه نهى عن تركها، إذن أخذنا هذا النهي من اللازم لا من الصريح، هذا النهي المأخوذ من اللازم قالوا يُسمى: خلاف الأولى، وهو القسم الثاني من المكروه، وهذا عند بعض أهل العلم، والبعض ولعل الأكثر لا يقولون بهذا التقسيم، الكل يسمونه مكروهاً، لكنّ المهم في الأمر فُهمت صورة خلاف الأولى، ما معنى خلاف الأولى عندهم؟ والفرق بينه وبين المكروه، هذا المسألة مهمة، كي تفهم اصطلاحات أهل العلم.
قال رحمه الله: "أو خَيَّر فإباحة"، أي خَيَّر الخطاب بين الفعل والترك، أو خَيَّر الخطاب بين الفعل والترك فهذا يسمى إباحة، فالمباح: ما خَيَّر الشارع فيه بين الفعل والترك، هذا بناء على ما ذكر المؤلف رحمه الله.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله وبهذا نكون قد انتهينا من الأحكام الخمسة، يبقى بعض التفريعات ننهيها في الدرس القادم بإذن الله تعالى.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-12-2012, 22:27   #6
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس السادس من مجالس شرح كتاب لُبِّ الأصول

المجلس السادس من مجالس شرح كتاب لُبِّ الأصول
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
انتهينا في الدرس الماضي من الأحكام التكليفية التي فيها طلب، يطلب الله سبحانه وتعالى بفعلٍ أو بتركٍ، يأمر الله تبارك وتعالى عباده فيها بفعلٍ أو بتركٍ، هذه الأحكام التكليفية، وما كان فيه تخيير كالإباحة أيضاً ألحقت بها، اليوم سنتمم موضوع الأحكام التكليفية، ثم سنبدأ إن شاء الله بالأحكام الوضعية.
قال المؤلف رحمه الله: "والأصح ترادف الفرض والواجب"، ذكر في المقدمة أنّه إذا قال "الأصح": فمعنى ذلك أنَّ المسألة فيها خلاف والأصح عندهم، عند المؤلف وعند الشافعية وعند أيضاً الحنابلة إلّا في قول لهم وعند المالكية كذلك أنّ الفرض والواجب مترادفان، ما معنى مترادفان؟ من الألفاظ المختلفة لكن المعنى واحد، الألفاظ مختلفة لكن المعنى واحد، بناءً على ما عرّفنا الواجب فيما تقدم فيكون الفرض بمعنى الواجب وهو ما أمر به الشارع أمراً جازماً، هذا يُعتبر واجباً، هذا عند جمهور العلماء أنّه لا فرق بين الفرض والواجب، وأمّا عند الأحناف، فالأحناف يُفرّقون بينهما، الأحناف يُفرّقون بين الفرض والواجب، فيقولون الفرض: ما ثبت بدليل مقطوع به، كالصلوات الخمس مثلاً ثبتت بأدلة القرآن وأدلة السنة المتواترة، إذن فدليلها مقطوع به، فهذا يُسمى عند الأحناف فرضاً لأنه ثبت بدليل مقطوع به، ويعنون بالدليل المقطوع به الآية القرآنية أو الحديث المتواتر، ونحن عندنا أيضاً أنّ حديث الآحاد إن احتف بالقرائن كذلك هو دليل مقطوع به، فإذا ثبت الحكم بدليل مقطوع به عندهم يسمونه فرضاً أمّا إذا ثبت بدليل ظنّي فهذا يُسمى عندهم واجباً، كحكم الوتر مثلاً، ثبت عندهم بدليل ظني فيسمونه واجباً، وعلى قول من يقول بأن سترة المصلي واجبة يكون هذا في اصطلاح الأحناف واجباً وليس فرضاً لأنه ثبت بدليل ظنّي وليس دليلاً يقينياً، هذا التفصيل ذهب إليه الأحناف واعتمدوا في ذلك على الفرق اللغوي بين الفرض والواجب، فقالوا الفرض في اللغة هو الحجز في الشيء والتأثير فيه، والواجب هو الساقط واللازم، فبينهما فرق، ففرقوا من الناحية الاصطلاحية والمسألة كلها مسألة اصطلاح، فلا مشاحة في الاصطلاح.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "كالمندوب والمستحب والتطوع والسنة، والخلف لفظي"،أيضاً يعني الفرض والواجب مترادفان، وهما مترادفان كترادف المندوب والمستحب والتطوع والسنة، فهذه أيضاً مترادفة، يعني أنّها ألفاظ مختلفة لكن المعنى في النهاية شيء واحد، المندوب، المستحب، التطوع، السنة، الحسن، النفل، المرغب فيه، كلّها ألفاظ تُستعمل لمعنى واحدٍ عند بعض أهل العلم ومنهم الشافعية، لكن خالف في ذلك أيضاً بعض الشافعية ففرّقوا، فقال الفعل إن واضب عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو السنة، وما فعله مرة أو مرتين فهو المستحب، وما لم يفعله وإنّما أنشأه الإنسان باختياره من الأوراد فهو تطوع، والباقي يعم الأقسام الثلاثة عندهم، وهذا كلّه أيضاً اصطلاحات لذلك قال المؤلف في النهاية والخلف لفظي، أي المسألة مسألة اصطلاحية، مسألة أسماء تسمية، سمّ أنت ما تشاء من اصطلاحات فالخلاف اصطلاحي لا تأثير فيه.
قال المؤلف رحمه الله: "وأنّه لا يجب إتمامه"، أي والأصح أنّه لا يجب إتمام المندوب الذي هو المستحب، لا يجب إتمام المندوب بعد الشروع فيه، الآن الشروع في المندوب واجب؟ لا، هو مندوب، فالشروع فيه يعني البدء فيه، هذا ليس واجب، هذا مستحب، كصيام عرفة مثلاً، هذا عمل مستحب، بدئك به، تنوي أن تصوم وتبدأ بالصيام، هذا مستحب لكن إذا نويت وصمت وبدأت بالصيام هل يجب أن تتمه أم يجوز لك قطعه؟ هنا المسألة، هذه هي المسألة المطروحة هنا، وقال: "وأنّه لا يجب إتمامه"، أي المندوب بعد الشروع فيه، هل يجب عليك أن تتمه أم يجوز لك أن تقطعه؟ في هذه المسألة نزاع، المؤلف قال: "وأنّه لا يجب إتمامه"، إذن المؤلف يختار أن المندوب لا يجب الشروع فيه ولا يجب كذلك إتمامه، فيجوز لك أن تتمه، وقلنا المسألة فيها نزاع، نازع فيها الأحناف والمالكية على تفصيل عندهم في الموضوع، والجمهور خالفوهم فيما ذهبوا إليه، فالآن المسألة عندنا منها ما هو ليس محلاً للنزاع وهو مسألة إتمام الحج والعمرة، هذه لا إشكال في أنّ إتمامها واجب، حتى وإن كانت نفلاً، إن كان حجك نافلة أو كانت العمرة نافلة، إتمامها واجب لماذا؟ لقول الله تبارك وتعالى: ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ، فهذا أمرٌ والأمر يفيد الوجوب، إذن يجب علينا أن نتم الحج والعمرة، هذا لا إشكال فيه، طيب، الإشكال أين أتى؟ في مسألة الصلاة والصيام وأيضاً فيه هناك أشياء الأئمة الأربعة على أنّه لا يجب إتمامها كالأذكار مثلاً والصدقة وغيرها، لكن النزاع حاصل في الصلاة والصوم مثلاً، الآن إذا بدأت بالصلاة النافلة هل يجب عليك إتمامها؟ وإذا بدأت بالصوم النافلة هل يجب عليك إتمامه؟ هنا محل الخلاف والنزاع، فهل الصلاة والصيام كالحجّ أم أن الصلاة والصيام كالأذكار؟ هنا محل الخلاف والذين قالوا بأنّه يجب إتمام المندوب بعد الشروع فيه استدلوا بأدلة منها:
قول الله تبارك وتعالى: ﮇ ﮈ ﮉ ، طيب.
والدليل الثاني: قول النبي eفي الحديث الذي سأل فيه الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلمعن الصلوات الخمس، قال: هل عليّ غيرها؟ قال له النبي e: "لا إلّا ان تطوع"، وسأله عن الصيام فقال له: "لا إلّا أن تطوع"، فقالوا هنا قد ألزمه بالتطوع.
الدليل الثالث لهم هو القياس، قاسوا الصلاة والصيام على الحجّ والعمرة، بجامع أنّها كلّها نفل، أي نعم، طيب.
الآن أدلة الذين قالوا بأنّه لا يجب إتمامه استدلوا بماذا؟ استدلوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلموبقوله في مسألة الصيام، فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلمفي الصحيحين أنّه كان صائماً ثم أفطر، وهذا واضح في دلالته، وكذلك جاء في حديث أم هانئ أنّها أفطرت وكانت صائمة وذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلمفقال لها: "أكنت تقضين شيئاً؟"، كان عليك قضاء؟، قالت: لا، قال: "فلا يضرك إن كان تطوعاً"، أخرجه أبو داود، هذا واضح أيضاً في أنّه يجوز قطع النفل في الصيام، تمام، هذا حديث فعلي وحديث قولي، وجاء من الآثار عن السلف في ذلك كثير أنّهم أجازوا قطع الصيام، ومن الآثار التي تبين لنا هذه القاعدة بشكل صحيح أثر جاء عن عطاء، أنّه قال: "إنّ ابن عباس كان لا يرى به بأساً، أن يفطر إنسان التطوع، ويضرب لذلك أمثالاً: رجل طاف سبعاً فقطع ولم يوّف فله ما احتسب، أو صلى ركعة ولم يصلّ أخرى قبلها فله ما احتسب، أو يذهب بمال يتصدق به ويتصدق ببعضه وأمسك بعضه"، أخرجه عبد الرزاق وهو ثابت، وهو واضح من كلام ابن عباس رضي الله عنه في تقرير هذه القاعدة، طيب.
إذا صحت هذه الأدلة، الآن كيف يُردُّ على أدلة تلك المخالفين:
أما الآية فقال ابن عبد البر رحمه الله رداً عليهم: "من احتج على المنع بقوله تعالى ﮇ ﮈ ﮉ ، فإنّه جاهل بأقوال العلماء، فإنّهم اختلفوا فيها على قولين"، السلف اختلفوا في تفسير هذه الآية على قولين لا ثالث لهما، "فأكثرهم قالوا لا تبطلوها بالرياء، وأخلصوها لله تبارك وتعالى وهم أهل السنة، وقيل: لا تبطلوها بالكبائر وهو قول المعتزلة"، المعتزلة يجعلون مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، وهو في الآخرة مُخلد في نار جهنم، فهذا القول بناء على مذهبهم، أمّا أهل السنة فقالوا لا تبطلوها بالرياء، طيب.
أمّا الحديث فالجواب عنه أنَّ الاستثناء فيه استثناء منقطع، أي: لكن لك أن تطّوع، طيب، إذا قيل: ما الدليل على أنّه استثناء منقطع وليس استثناءً متصلاً؟ قلنا لهم: الدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلموقوله يدل، بما أنّه قطع النفل إذن يدل على جواز قطع النفل، إذن فلابد من فهم الحديث على هذا المعنى، طيب.
الدليل الأخير وهو القياس فيجيب عنه المؤلف، قال: "ووجب في النسك"، يعني أنه لا يجوز، لا يجب إتمامه المندوب، لكنّ المندوب في النسك يجب إتمامه، ماذا يقصد بالنسك؟ الحجّ والعمرة ولفظه هنا أدق من لفظ البعض الذين قالوا بأنّه يجب في الحجّ، فكلامه أعم وموافق للآية، "ووجب في النسك لأنه كفرضه نية وغيرها"، هنا حصل الردّ على الذين يقيسون الصلاة والصيام على الحجّ، يجب إتمام تطوع النسك لأنّه مثل فرض الحجّ والعمرة، لماذا قلنا بوجوب إتمام النفل من الحجّ والعمرة؟ قالوا: لأنه مثل فرض الحج والعمرة، لا يختلف عنه، مثله في ماذا؟ قال: مثله في النية، هنا قال: "لأنه كفرض نية"، هذا محل الكلام، يعني لأنّ نفل الحجّ والعمرة كفرض الحجّ والعمرة في النية، فالنية في الفرض والنفل شيء واحد، وهي قصد الدخول في النسك، أي التلبس به، هنا النفل نفس الفرق لا يختلفان، وكذلك نفل الحجّ والعمرة كفرضهما في غير النية، عندما قال: "بأنه كفرضه نية وغيرها"، أيضاً ليس فقط هو مثله في النية، لا، أيضاً نفل الحجّ والعمرة كفرض الحجّ والعمرة في غير النية مثل ماذا؟ الكفارة مثلاً، فإنها تجب في الفرض والنفل بالوقت المفسد له، علمنا نحن أنّ الشخص إذا جامع في الحجّ أو في العمرة وهو مُحرِم هنا يكون قد أفسد حجّه أو أفسد عمرته، لكن تجب عليه أيضاً الكفارة؟ فالكفارة تجب في حجّ الفريضة وفي حجّ النافلة، تجب أيضاً في نافلة العمرة كما تجب أيضاً في العمرة الواجبة على من يقول بالوجوب، تمام، إذن هنا الكفارة في النفل كالكفارة في الفريضة إذن عندنا نفل الحجّ والعمرة تشابه تماماً مع فرض الحج والعمرة، ومن هاهنا حصل الافتراق والاختلاف بينه وبين الصلاة والصيام، فقالوا هناك نفل الصلاة والصيام لا يكون كفريضة الصلاة والصيام في الأشياء المذكورة كحال الحجّ، وكذلك الإمام الشافعي رحمه الله أضاف أمراً آخر وهو أنّه إذا وجب المضي في فاسد الحجّ والعمرة فالمضي في صحيحه أولى، يعني هذا أمر لا تجده في الصلاة وفي الصيام، الصلاة والصيام إذا فسدت فسدت انتهى لا تحتاج أن تمضي فيهما، لكن الحجّ والعمرة إذا فسدتا وجب عليك أن تمضي فيهما، قال: فإذا وجب عليك أن تمضي في فاسدهما ففي صحيحهما أولى، أي نعم، وهذا لا تجده في الصيام والصلاة إذن قياس الصلاة والصيام على الحجّ قياس مع الفارق، هذا ما يريدون أن يصلوا إليه، وهكذا يكون الردّ عليهم فيما استدلوا به، إذن الصحيح ما ذكره المؤلف في هذا أنّه، لا يجب إتمامه ووجبت في النسك لأنه كفرضه نية وغيرها.
ثم قال رحمه الله: "والسبب وصف ظاهر منضبط مُعرف للحكم"، بدأ الآن بالأحكام الوضعية، قال: "والسبب وصف ظاهر منضبط مُعرف للحكم".
السبب لغة: الطريق إلى الشيء، أو الموصل إلى الشيء، من هاهنا سمي الحبل سبباً، وسميت الطريق سبباً.
واصطلاحاً عرّفه المؤلف بقوله: "وصف ظاهر منضبط مُعرّف للحكم"، هذا أول الأحكام الوضعية، الحكم الوضعي سميّ خطاب الوضع لأنّ الشارع وضع الخطاب بالأسباب والشروط والموانع، فيقولون في الخطاب الوضعي هو علامات وأدلة وأمارات تدلك على الشيء بخلاف الحكم التكليفي، لاحظ الأمر الآن الحكم التكليفي ماذا قلنا؟ هو طلب، أمّا الحكم الوضعي ليس طلباً ولكنّه علامة على الشيء، فهو خطاب الله تبارك وتعالى المتعلق بجعل الشيء سبباً لشيء أو شرطاً أو مانعاً، الآن عند زوال الشمس مثلاً، إذا زالت الشمس وجبت صلاة الظهر، طيب، وجوب صلاة الظهر حكم تكليفي، هذا الحكم التكليفي لا بد من وجود سبب يحدد لنا متى يجب علينا، لا بد من علامة على ذلك، فلذلك جعل لنا الشارع سبباً يدل على الوجوب ما هو هذا السبب؟ ما هي هذه العلامة؟ زوال الشمس، هذا معنى الحكم الوضعي، وخطاب الوضع ذكرنا فروقاً بينه وبين خطاب التكليف، فكل تكليف معه خطاب وضع، وليس كل خطاب وضع معه تكليف، الآن كل تكليف معه خطاب وضع، وجوب الصلاة، الآن هذا حكم تكليفي له أسباب؟ نعم، له شروط؟ نعم، له موانع؟ نعم، إذن هذا حكم تكليفي معه أحكام وضعية، وجوب الزكاة كذلك لها سبب ولها شرط ولها مانع، إذن الأحكام التكليفية معها أحكام وضعية، تمام طيب، الحكم الوضعي ممكن أن يتخلف عن الحكم التكليفي؟ نعم، أي مثلاً كقيم المتلفات التي يتلفها المجنون أو الصبي، أتلف المجنون أو الصبي شيئاً، هل يلزمه بدل هذا الشيء قيمته؟ نعم، طيب، هل يجب عليه هذا الشيء كوجوب شرعي (حكم تكليفي)؟ ما فيه، لا يوجد حكم تكليفي، هذا حكم وضعي، من الممكن أن يوجد الحكم الوضعي ولا يوجد الحكم التكليفي، لكن العكس لا، تمام، فأول هذه الأحكام الوضعية التي ذكرها المؤلف: السبب، عرّفنا السبب لغة، الآن اصطلاحاً، قال المؤلف رحمه الله: "وصف ظاهر منضبط مُعرّف للحكم"، بقوله "وصف": أخرج الذوات لأن المقصود بالوصف معنى، أيّ أنّه معنى من المعاني، فالسبب لا يكون ذاتاً ولكنّه يكون معنى من المعاني، كزوال الشمس مثلاً، طيب، "وصف ظاهر": أخرج بذلك الوصف الخفيّ، الوصف الظاهر الذي يطلع عليه الجميع، الوصف الخفي الذي لا يطلع عليه إلّا فلان وفلان، طيب، وبقوله: "منضبط": أخرج الوصف الذي لا ينضبط، فإنّه لا يتحقق وجوده حتى يترتب عليه الحكم، فالمقصود بالوصف المنضبط الذي لا يختلف باختلاف الأفراد والأحوال، لا يختلف باختلاف الأفراد والأزمنة والأمكنة لا، هو مستقر لا يؤثر فيه اختلاف الأفراد ولا الأزمنة ولا الأمكنة، طيب، مثال الوصف الظاهر المنضبط: زوال الشمس، وصف ظاهر مكشوف واضح ومنضبط لا يتأثر بتغير الأفراد ولا الزمن ولا المكان، طيب، مثال الوصف الذي لا يكون ظاهراً، يكون خفياً ويكون غير منضبط، خروج الحدث حال النوم، هذا وصف؟ وصف، ظاهر؟ ليس بظاهر، خفي وغير منضبط أيضاً، وكذلك حقيقة المشقة في السفر، هذا الوصف خفي وأيضاً غير منضبط، فيختلف باختلاف الأشخاص وباختلاف الأزمان وباختلاف الأمكنة، فهو وصف غير منضبط، طيب، النوم سبب للوضوء، هل هو وصف ظاهر منضبط؟ نعم وصف ظاهر ومنضبط ما فيه مشكلة، إذن يصلح أن يكون سبباً للوضوء، السفر سبب للإفطار لأن السفر وصف ظاهر منضبط أيضاً، وقول المؤلف: "مُعرّف للحكم"، أي علامة على الحكم، فإذا وُجد السبب دلّ على وجود الحكم، هذا التعريف الذي اختاره المؤلف للسبب، وكثير من الأصوليين يعرّفه بقوله: "هو ما يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم"، التعريف عند المناطقة له ثلاثة طرق:
·تعريف بالحقيقة.
·وتعريف بالرسم.
·وتعريف بالمرادف.
التعريف بالحقيقة: هو أن تذكر جزئيات الشيء، تذكر أوصاف الشيء التي يتركب منها هذا الشيء، تذكر جزئيات الشيء التي لا يمكن للشخص أن يتصور حقيقة الشيء إلّا بها، كقولك مثلاً: الإنسان حيوان ناطق، الآن ذكرت ما يتكرب منه ولا يتجزأ منه الإنسان، حيوان ناطق: أوصاف لا يمكن أن تتصور حقيقة الشيء حتى تكون فاهماً لها ومدركها ومتصورها، جيد، هذا التعريف بالحقيقة.
أما التعريف بالرسم: المقصود بالرسم العلامة، تذكر علامات فتعريف بالخاصة يعنون به صفة ليست هي من الصفات الذاتية يعنون به صفة عارضة، تلك العارضة التي تعرض وتزول، صفة عارضة، فهذه الصفة العارضة لا تكون ذاتية ولكن الصفة هذه صفة عرَضية يختص بها المعرَّف، هذا قيد مهم كتعريفك للإنسان بالضاحك أو الكاتب، عندما أقول لك في تعريف الإنسان: هو الضاحك، هل يمكن أن يلتبس معك بشيء آخر؟ لا، أو أقول لك الإنسان هو الكاتب، هذا تعريف بالخاصة يسمى تعريف بالرسم، الآن أنت لو لم تتصور مسألة الكتابة ولم تفهمها ولا علاقة لك بها نهائي، هل يمكن لك أن تتصور حقيقة الإنسان؟ نعم يمكن، إذن ليست هي من الأوصاف الذاتية، الضابط في مسألة التفريق بين الوصف الذاتي وغير الذاتي هذا فقط نذكره من أجل أنكم إذا اطلعتم على كلام أهل العلم تفهمونه، فهنا هذه الطريقة الثانية من طريقة التعريف.
الطريقة الثالثة وهي المشهورة عند الناس اليوم التعريف بذكر المرادف، تسأل شخص تقول له ما البُرّ؟ بسهولة تقول له: القمح، صح، لكن تذكر له مرادفاً أشهر، لا أن تذكر له شيء يزيد الأمر غموضاً كما يُقال: فسر الماء بعد الجهد بالماء، تذكر له شيئاً مشهوراً معروفاً بحيث أنك إذا قلت له هو كذا، خلاص عرفه، انفك الإشكال لكن ليس دائماً تجد للشيء مرادفاً مشهوراً تستطيع أن تعرّفه به، مع أنهم يقولون التعريف بالمرادف من أضعف التعاريف (المناطقة)، لكن حقيقةً إذا كان المرادف هذا معلوماً هذا تعريف واضح وجلي، فهنا الآن هذا التعريف الذي معنا، التعريف الأول الذي عرّفه المؤلف تعريف لبيان المفهوم، مفهوم السبب، التعريف الثاني الذي بين أيدينا هو تعريف بالخاصة، تعريف بالرسم وليس بالحقيقة، لكنّه أدق من التعريف الأول فهو: ما يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم، هذا السبب: السبب مؤثر في حال الوجود وفي حال العدم، يلزم من وجوده الوجود: إذا وجد النصاب في الزكاة وجبت الزكاة، وإذا وُجد زوال الشمس وجبت الصلاة، فيلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم: إذا لم تزل الشمس فلا وجوب للظهر، إذا لم يوجد النصاب في الزكاة فلا زكاة، واضح، كنا شرحناه في الدروس الماضية.
قال: "والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم".
الشرط في اللغة: هو العلامة.
وهذا تعريفه في الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، إذا الشخص لم يتوضأ، هل توجد الصلاة الشرعية؟ لا توجد الصلاة الشرعية، فيلزم إذن من عدم الطهارة عدم الصلاة، فما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، هل يلزم الشخص إذا تطهر أن يُصلي؟ لا يلزم أن يُصلي، ولا يلزم أيضاً العدم إذا وُجد أيضاً الوضوء لا يلزم أن تُعدم الصلاة، بل توجد، فبقوله: "ما يلزم من عدمه العدم": أخرج المانع الذي سيأتي، فلا يلزم من عدمه شيء، المانع في حال العدم لا يؤثر، لكنّ الشرط في حال العدم يُؤثر، هل أخرج السبب بهذا؟ لا، لماذا؟ لأن السبب أيضاً يلزم من عدمه العدم، مضبوط، إذن ما أخرج السبب، أخرج المانع، لذلك احتاجوا قيداً آخر حتى يُخرجوا السبب، فقالوا: "ولا يلزم من وجوده وجود"، أخرجوا ماذا؟ السبب، السبب: يلزم من وجوده وجود، فبقوله: ولا يلزم من وجوده وجود أخرج السبب، إذ يلزم من وجوده وجود، طيب، وأخرج المانع أيضاً بقوله: "لا يلزم من وجوده العدم"، المانع: يلزم من وجوده العدم، وهذا لا يلزم من وجوده العدم، إذن أخرج المانع بقوله: "ولا يلزم من وجوده العدم"، أخرج المانع أيضاً، فالمانع يخرج بقيدين، طيب، ومثلوا لذلك بالطهارة بالنسبة للصلاة فإنّ وجود الطهارة لا يلزم منه وجود الصلاة ولا عدمها، والشرط ثلاثة أقسام:
·الأول: الشرط الشرعي، وهو الذي عرّفناه.
·الثاني: الشرط اللغوي، أي يستفاد من اللغة، إن جاء زيد فأكرمه، إن: شرطية، فإذن إكرام زيد معلق على مجيئه، فمجيئه شرطٌ لإكرامه، هذا الشرط شرط لغوي.
·الثالث: الشرط العقلي: وهو ما لا يمكن المشروط في العقل دونه، ومثلّوا له بالحياة للعلم، لأنّه إذا انتفت الحياة انتفى العلم، فلا يمكن العلم أن يكون موجوداً بلا حياة، فالحياة شرطٌ للعلم، دلّ على ذلك، أُدرك بماذا؟ بالعقل، هذا شرط عقلي.
وأضاف بعضهم شرط عادي، أي شرط وضع بالعادة وعُرف بالعادة، كنصب السُلّم لصعود السطح، فالسلّم هنا نصبه شرطٌ لصعود السطح، هذا من حيث العادة.

والشرط الشرعي قسمان:
·شرط وجوب.
·وشرط صحة.
شرط الوجوب: كالزوال لصلاة الظهر، أي أنّ الصلاة لا تجب إلّا بوجوده، شرط وجوب، لا تجب الصلاة إلّا بالزوال، هذا نفسه السبب.
وشرط الصحة: كالوضوء للصلاة أي أنّ الصلاة لا تصح إلّا بالوضوء، صلاة الظهر لا تجب إلا بعد زوال الشمس، فهذا شرط وجوب، والصلاة لا تصح إلّا بالطهارة فهذا شرط صحة.
وضابط التفريق بينهما كالتفريق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، فشرط الوجوب من خطاب الوضع وشرط الصحة من خطاب التكليف.
نقف إلى هنا والمانع نكمله في الدرس القادم إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-12-2012, 16:03   #7
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ الدرس السابع من دروس لب الأصول.

تفريغ الدرس السابع من دروس لب الأصول

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، لا زلنا في الأحكام الوضعية، انتهينا من السبب والشرط.
قال المؤلف: "والمانع وصف وجودي ظاهر منضبط معرفٌ نقيض الحكم كالقتل في الإرث".
المانع في اللغة: اسم فاعل من المنع، والمنع معروف.
واصطلاحاً قال المؤلف: "وصف وجودي": أخرج الوصف العدمي، الوصف العدمي هو المنفي كقولنا مثلاً: عدم صحة تصرف المجنون لعدم عقله، فقولنا لعدم عقله هذا يُسمى سبباً عدمياً لماذا؟ لأنه منفي عدم العقل، فلمّا نُفي سُمي شيئاً عدمياً، معدوم ليس موجوداً، والمانع لا يكون عدمياً بل وجودياً مثبتاً كالحيض مثلاً يُعتبر مانعاً من موانع الصلاة، والحيض شيء موجود وليس شيئاً معدوماً، عدم الحيض وصف عدمي، الحيض وصف وجودي لأنه موجود، هذا معنى الوجودي، "وصف وجودي ظاهر": أي واضح ليس به خفاء ليس خفياً، "منضبط": لا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، "معرف نقيض الحكم": أي دالٌ عليه وعلامة على نقيض الحكم، ووجوده علامة دالة على وجود نقيض الحكم، مثّل لذلك المؤلف نفسه فقال: "كالقتل في الإرث": فالقتل يمنع الإرث، يمنع أن يرث القاتل من المقتول، فالقتل مانع من موانع الإرث، فلزم من وجود القتل عدم الميراث، وكذلك يُمثل بالحيض: مانع يمنع الصلاة والصوم، فيلزم من الحيض عدم الصلاة، فقوله الآن في آخر التعريف: "معرفٌ نقيض الحكم"، أي ضد الحكم، فعندما تقول: غير الحائض يجب عليها أن تصلي، فالحيض مانع من وجوب الصلاة، فالحكم: وجوب الصلاة، نقيضه: عدم وجوب الصلاة.
ويُعرّف بتعريف آخر، فيقول العلماء في تعريفه: "ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم"، كالحيض للصلاة والقتل في الإرث، يلزم من وجوده العدم، الآن نأتي لوصف الحيض، هل يلزم من وجود الحيض منع الصلاة؟ عدم الصلاة؟ نعم، فيلزم من وجوده العدم، فالمانع إذا وُجد عُدم الحكم، تمام، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، فإذا انعدم الحيض الآن هل يلزم أن تجب الصلاة؟ لا، ولا يلزم أن تجب أيضاً، هذا هو المانع ويُمثلون له كما سمعتم بالقتل في الإرث، القاتل لا يرث، فالقتل مانع من موانع الإرث، كذلك الحيض في الصلاة، الحائض لا تُصلي، فالحيض مانع من موانع الصلاة، والمانع ثلاثة أقسام:
·مانع للدوام والابتداء معاً: كالرضاعة بالنسبة للنكاح، فإنّها تمنع من النكاح ابتداءً ودواماً، فلا يجوز عقد النكاح ابتداء إذا حصل رضاع، فإن أرضعت أمٌ ولداً حَرُم عليها أن تتزوج به، فعقد النكاح بين الأم والولد ممنوع ابتداء لأنّها أمّه من الرضاع، أو إذا كانت أخته في الرضاع كذلك يمنع النكاح، فالرضاع يمنع ابتداء النكاح، ابتداء العقد، وإذا تزوج رضيعة، بنت صغيرة، رجل تزوج بنت صغيرة، ترضع ليست مُحرّمة عليه ثم أرضعتها أمّه أو أخته، الآن في البداية جاز له نكاحها، لكن استمرار هذا النكاح بعد هذا الرضاع غير جائز، فمنع الرضاع هنا استمرار النكاح لأنها أرضعته، إن أرضعت الصغيرة أمّه أو أخته، فإنّ هذا الرضاع طارئ على العقد، يمنع من دوامه، ويجب فسخ النكاح، فإذن من الموانع ما هو مانع للدوام وللابتداء.
·والقسم الثاني، مانع للابتداء فقط دون الدوام: كالإحرام بالنسبة إلى النكاح، فإن الإحرام يمنع الابتداء، عقد النكاح في الإحرام مُحرّم على المُحرِم أن يعقد النكاح مادام مُحرِماً، لكن إذا كان متزوجاً وأحرم، هل يجب عليه ان يُطلّق؟ لا، إذن لا يمنع الدوام ولكنّه يمنع الابتداء.
·النوع الثالث، مانع للدوام دون الابتداء: كالطلاق، الطلاق لا يمنع الابتداء، ابتداء النكاح، لكن إذا حصل الطلاق بعد النكاح منع من دوامه، ولا يمنع ابتداء نكاح ثانٍ، هذا ما يتعلق بالمانع.
قال المؤلف رحمه الله: "والصّحة موافقة ذي الوجهين الشرع في الأصح"، إذا قال في الأصحّ ففي المسألة خلاف، ما هي الصّحة؟ الصّحة في اللغة: ضد السُقم، رجل صحيح: أي ليس بمريض، وهنا يقول المؤلف في الاصطلاح: موافقة ذي الوجهين الشرع، الفعل إمّا أن يكون له وجه واحد أو أن يكون له وجهان، الفعل الذي لا يكون له إلاّ وجه واحد كمعرفة الله، الآن معرفة الله، إذا عرف الشخص ربّه يُقال لها معرفة الله، طيب، إذا لم يعرف يُقال لها معرفة؟ لا يُقال لها معرفة، يُقال لها جهل، إذن ليس لها إلاّ وجه واحد، ومن الأفعال ماله وجهان وجه يوافق به الشرع ووجه مخالف للشرع كالصلاة مثلاً، إن صلى الشخص وحققّ في الصلاة شروطها وأركانها وانتفت موانعها فهذه صلاة موافقة للشرع، هذا وجه لها، فإن اختل ركنٌ أو شرطٌ أو وُجد مانع فهذه صلاة مخالفة للشرع، إذن الصلاة لها وجهان، إذا وافقت الشرع هذا وجه، وإذا خالفت الشرع هذا وجه آخر، فقالوا الصحة ماهي؟ قال: موافقة ذي الوجهين، يعني أن يوافق العمل الذي له وجهان الشرع، أن يوافق الشرع في تحقيق الشروط والأركان وانتفاء الموانع، فإذا حصل ذلك فهو صحيح، تمام إلى هنا، هذا التعريف في الأصح، أي عند المؤلف، وهذا التعريف المشهور عند المتكلمين، أمّا الفقهاء فلهم تعريف آخر، الفقهاء يقولون في تعريف الصحة: بأنها إسقاط القضاء، الصحة عندهم: إسقاط القضاء، ماذا يعنون بالقضاء هنا، سيأتي معنا إن شاء الله أنّ علماء الأصول يُقسّمون بعض الأحكام أو الأفعال يقسّمونها إلى أداء وقضاء وإعادة، ويعنون بالأداء أن يُفعل الفعل في وقته المحدد له شرعاً، ويعنون بالإعادة أن يُفعل الفعل مرة ثانية في الوقت المحدد له شرعاً، ويعنون بالقضاء أن يُفعل الفعل خارج الوقت المحدد له شرعاً، وهذا سيأتي كلّه إن شاء الله، ليس هذا موضوعنا، لكن المراد من هذا الذي ذكرته أن القضاء عندهم في الاصطلاح هو أن يُفعل الفعل خارج الوقت المحدد له شرعاً، لكنّ القضاء هنا ليس هو المراد، هنا ليس هذا المراد حتى لا يشكل عليكم الأمر، المراد في تعريف الصحة عند الفقهاء بإسقاط القضاء، يعنون بالقضاء هنا الإعادة، بمعنى أن لا يحتاج إلى فعل العبادة مرة ثانية، وهي نفس معنى الإعادة، وهذا يكون كيف إسقاط القضاء؟ يُقضى، يعني لا يطلب، لم يعد يُطلب من العبد أن يأتي بالعبادة، فلا يُطلب منه أن يعيدها، هذا معنى الصحيح عندهم في العبادات، وهذا متى يحصل؟ بتحقق الشروط والأركان وانتفاء الموانع؟ طيب، هذا في العبادات عند من؟ عند الفقهاء، أين تأتي صورة المفارقة بين كلام المتكلمين وكلام الفقهاء؟ تصوروا أنّ شخصاً صلى صلاة الظهر وظنّ أنه قد حقق أركانها وشروطها وأن موانعها قد انتفت عنها، تمام إلى هنا، هكذا في ظنّهم، وفي حقيقة الأمر هو على غير طهارة، غير متوضأ، لكن هو يظن في نفسه أنه متوضأ، هل صلاته هذه صحيحة أم فاسدة؟ على قول المتكلمين هي صحيحة، لأنها وافقت الشرع في ظنّ المصلي
طالب: إذا كان بعد انتهاء الوقت.
الشيخ: لا، نحن قبل انتهاء الوقت كلامنا، تمام، صلى صلاة الظهر قبل انتهاء الوقت وظنّ أنّه متطهر ثم بان بعد ذلك أنّه على غير طهارة، هل صلاته صحيحة أم غير صحيحة (فاسدة)؟ عند الفقهاء هي فاسدة لأنّ القضاء لم يسقط، الإعادة لم تسقط، هو ملزم بالإعادة، عند المتكلمين هي صحيحة لأنها وافقت الشرع في ظنّ المكلّف، طيب، هل الخلاف لفظي (الخلاف في التسمية) وإلّا خلاف حقيقي؟ في المسألة هذه خلاف وتحرير المقام في المسألة أن يُقال: إذا أراد المتكلمون من قولهم بأن الصلاة صحيحة لا يلزمه القضاء معها، لا يلزمه الإعادة هنا، الخلاف يكون حقيقياً يترتب عليه حكم شرعي، وإذا أرادوا أنّها مع تسميتها صحيحة إلّا أنّه يلزمه الإعادة، فالخلاف لفظي (في التسمية)، أنتم تسمونها صحيحة ونحن نسميها فاسدة وجميعاً متفقون على أنّه ملزم بإعادتها إن علم وإن لم يعلم فهو غير مآخذ وهو مأجور على صلاته، مضبوط، هذه هي النتيجة، وهل المتكلمون حقيقة يُسقطون عنه الإعادة أم لا يسقطون؟ في المسألة نزاع، البعض قال: هم لا يُسقطون عنه الإعادة، ويقولون يجب عليه أن يعيد، والظاهر أنّ هذا هو مذهب أكثر المتكلمين، فيكون الخلاف معهم خلاف لفظي، ويوجد بعض المتكلمين ونقلوه عن اثنين من المعتزلة أنّهم يقولون لا يلزمه الإعادة، وهنا يكون الخلاف معهم خلاف حقيقي، قال القرافي رحمه الله: "اتفق الفريقان على جميع الأحكام، وإنّما الخلاف في التسمية، فاتفقوا على أنّهم موافق لأمر الله وأنّه مثاب وأنّه لا يجب عليه القضاء إذا لم يطلع على الحدث، وأنّه يجب عليه القضاء إذا اطلع، وإنّما اختلفوا في وضع وصف الصحة هل يضعونه لما وافق الأمر سواءٌ وجب القضاء أم لم يجب، أو لما لا يمكن أنّ يتبعه قضاء، ومذهب الفقهاء أنسب"، كذا قال القرافي وغيره، أثبت خلاف المتكلمين في مسألة إسقاط القضاء، غيره أثبت هذا الشيء، فالمسألة محل خلاف في هذا الموضوع، وعلى كلٍ الجمهور من كلا الطرفين يقولون بإلزامه بالإعادة، وهذا هو الصحيح، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: "ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ".
خلاصة موضوع الصحيح: العبادة إذا كانت صحيحة أو كانت فاسدة، الصحيح إذا تحققت شروطه وأركانه وانتفت موانعه فهو صحيح، فالذي يجمع مسألة تعريف الصحيح سواء كان في العبادات أو في المعاملات أن يُقال الصحيح ما تترتب آثار فعله عليه، وهذا يجمع لنا تعريف الصحيح في العبادات وفي المعاملات لأنّ قضية إسقاط القضاء عندما تقول مثلاً هو إسقاط القضاء هذا لا ينطبق على تعريف الصحيح في المعاملات وإنّما ينطبق على تعريف الصحيح في العبادات فقط.
قال المؤلف رحمه الله: "وبصحة العبادة اجزاؤها، أي كفايتها في سقوط التعبد في الأصح"، يقول المؤلف: ينشأ الاجزاء عن صحة العبادة، فبصحة العبادة يحصل الاجزاء، بمعنى أنّه حيثما وُجد الاجزاء فهو ناشئ عن الصّحة، هذا معنى كلامه، "وبصحة العبادة اجزاؤها"، فالمؤلف يُفرّق بين الصّحة وبين الاجزاء، ويجعل الاجزاء ناتج وناشئ عن الصّحة، لكنّ الفقهاء لا يفعلون هذا، الفقهاء لا يفعلون ذلك ولا يفرقون بين الصّحة والاجزاء، فيقولون: الصحيح هو المجزئ، فإذا أجزئت العبادة عن الشخص فهي صحيحة، قال بعد ذلك في تعريف الاجزاء: "أي كفايتها في سقوط التعبد"، هذا معنى الاجزاء عنده، كفاية العبادة في سقوط التعبد، "في الأصح": أي في المسألة خلاف، فعلى قول المتكلمين الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله يُفرّق بين الصحة والاجزاء، وأمّا على قول الفقهاء فهما واحد لا فرق، قال: "وغيرهما ترتب أثره"، يعني بقوله: "وغيرهما"، أي وغير العبادة، أي وبصحة غير العبادة كالعقود مثلاً، "ترتب أثره"، أي يترتب أثر العقد وغيره عليه بعد حصول الصّحة، فالصّحة منشأ الترتب، أي: الترتب ينشأ عن الصّحة، ترتب الأثر ينشأ عن الصّحة، فإذا باع الشخص سيارة واقتضى هذا البيع تَملُك الآخر هذه السيارة فصارت ملكاً له وجاز له أن يتصرف فيها، يكون الملك الذي حصل وجواز التصرف ناشئاً عن صحة العقد، هذا معنى كلامه، هذا عند المؤلف، وعند غير المؤلف: الصّحة في المعاملات تترتب الأثر المقصود من العقد على العقد، فالصّحة نفس ترتب الأثر المقصود من العقد على العقد، فالصّحة نفس الترتب ولا يكون الترتب ناشئاً عن الصّحة، نفس مسألة العبادات، فكلّ نكاح أباح التلذذ بالمنكوحة فهو صحيح، لأنّ التلذذ بالمنكوحة هو الأثر الذي ترتب على صحة العقد، وكلّ بيع أباح التصرف في المبيع فهو الصحيح، فإذا قلت بأن الترتب، ترتب أثر المعاملة عليها هي نفس الصحة فتكون قد قلت بقول الفقهاء، وإذا قلت الترتب ناشئ عن الصّحة فتكون قد قلت بقول المتكلمين، طيب.
قال المؤلف: "ويختص الاجزاء بالمطلوب"، الاجزاء يختص بالمطلوب من واجب ومندوب، سواء كان هذا المطلوب واجباً أو مندوباً فيُقال فيه بأنّه مجزئ فلا يتجاوزهما إلى غيرهما من عقد وغيره، "في الأصح"، وقيل يختص بالواجب، الآن ذكر العلماء أن الاجزاء تختص به العبادات، فالعبادة هي التي توصف بأنها مجزئة أو غير مجزئة، أما المعاملات فلا، طيب، من العبادات هل يختص بذلك الواجب فقط أم الواجب والمستحب؟ محل خلاف، بعضهم قال: الواجب فقط الذي يُقال له مجزئ أو غير مجزئ، وأجزأ أو لم يُجزأ، والبعض قال: لا، الواجب والمندوب، سبب خلافهم في ذلك: حديث الأضاحي الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "أربع لا تجزأ في الأضاحي"، فاستعمل الاجزاء في الأضحية، واختلفوا في حكمها، نفس الأضحية اختلفوا في حكمها، فلو قلنا بأن الأضحية مستحبة دلَّ ذلك على استعمال الاجزاء في المندوب، وإذا قلنا بأنّها واجبة فيكون استعمال الاجزاء في الواجب، وأيضاً في الحديث الآخر في الأضحية أيضاً قال: "اذبحها ولا تجزأ عن أحد بعدك"، فاستعملها أيضاً في الأضحية، ولكنّ الصحيح أنّ الأضحية مستحبة، وبناءً عليه فإذن الاجزاء يُستعمل في الواجب والمستحب، الأضحية مستحبة لأنه لا يوجد دليل صحيح يدلّ على وجوبها، أعظم ما يستدلون به على الوجوب ما هو؟ حديث أبي هريرة: "من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا"، الاستدلال به على الوجوب موقوف على أمرين:
·الأول: صحة الحديث من ضعفه.
·والثاني دلالة الحديث على الوجوب.
الأولى منقوضة والثانية منقوضة، أمّا من حيث الصحة والضعف، فالصحيح أنّه موقوف وليس بمرفوع، وأمّا من ناحية الدلالة فلا يصح الاستدلال به إلّا إذا أثبتنا وجوب صلاة العيد، فإذا قلنا بوجوب صلاة العيد فلا يجوز لأحد أن يتخلف عن المصلى، وإذا لا يجوز له أن يتخلف عنها فيجب عليه أن يضحي كي يصل إلى المصلى، تمام، وإذا قلنا باستحباب صلاة العيد فنقول إذن: يجوز له أن يترك الصلاة في المصلى وأن يترك الأضحية، صح؟ والصحيح أنّ صلاة العيد مستحبة أيضاً، سنة مؤكدة على ما ذهب إليه الشافعي ومالك رحمهما الله، والدليل في ذلك حديث: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلّا أن تطوع"، طيب، فإذن خلاصة القول أنّ الاجزاء يُطلق على العبادات، وعلى العبادات الواجبة والمندوبة، قول المؤلف هنا: "ويختص الاجزاء بالمطلوب"، أدخل فيه الواجب والمستحب، "في الأصح"، أي في المسألة خلاف كما ذكرنا.
قال رحمه الله: "ويقابلها البطلان، وهو الفساد في الأصح"،يُقابل الصّحة ماذا؟ البطلان، أي ضدّها، فإذا قلت في تعريف الصّحة: موافقة ذي الوجهين الشرع، فقل في تعريف الباطل: مخالفة ذي الوجهين الشرع، وإذا قلت في تعريف الصّحة: إسقاط القضاء، فقل في تعريف الباطل: عدم إسقاط القضاء، ثم قال: "وهو الفساد في الأصح"، أي والبطلان والفساد شيء واحد، الباطل والفاسد شيء واحد في الأصح عند الجمهور، عند الجمهور: الفاسد والباطل مترادفان لا فرق بينهما من الناحية الاصطلاحية، المسألة اصطلاحية، لكنّ الأحناف يُفرقون، الجمهور وإن كانوا لا يُفرقون إلّا أنَّ لهم بعض المسائل يفرّقون فيها فيُفرّقون بين ما أجمعوا عليه، يقولون فيه باطل وما اختلفوا فيه يقولون فيه فاسد في بعض الأحيان، خصوصاً مسائل الحجّ والنكاح، لكنّ جملة المسائل هم متفقون على أنّ الفاسد والباطل بمعنى واحد، خالف في ذلك الأحناف فقالوا في التفريق بينهما: الفاسد ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه ويفيد المِلك عند اتصال القبض به، والباطل مالم يشرع بأصله ولا بوصفه، الفاسد عندهم: ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه، والباطل مالم يُشرع بأصله ولا بوصفه، مثال المشروع بأصله دون وصفه: بيع الدرهم بالدرهمين، الآن قالوا أصل البيع هذا جائز، أصله بيع الدرهم بالدرهم وهو جائز، قالوا: ولكنّ هذا الوصف الذي زيد عليه وهو الدرهم الثاني هو الذي أفسده فيكون هذا الوصف هو الفاسد، فالبيع هذا يُسمى بيعاً فاسداً لا باطلاً، لأنّ أصل المعاملة مشروعة عندهم ولكن حصلت المخالفة بالوصف، فهو في أصله مشروع ولكن في وصفه غير مشروع، فالرّبا من هذا القبيل عندهم، ومثال غير المشروع لا بأصله ولا بوصفه بيع الميتة، بيع الخنزير، بيع الدّم، هذا ليس مشروعاً لا بأصله ولا بوصفه، وفائدة هذا التفريق عند الأحناف أنّ الفاسد يُفيد المِلك الضعيف وليس المِلك القوي، إذا اتصل به القبض يعني إذا حصل التقابض في عقد كهذا يفيد الملك، وعند الجمهور لايفيده، فالباطل عندهم لا يفيد الملك مطلقاً، أمّا الفاسد فيفيد الملك بعد حصول التقابض، هذا عند الأحناف، أمّا الجمهور فعندهم لا يُفيد الملك بتاتاً، وهو مردود على صاحبه لأن النبي صلى الله عليه وسلمعندما جاءه أحد الصحابة بالتمر وقال له بأنه باع تمراً رديئاً بتمر جيد، باع صاعاً بصاعين، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اردده"، فأمره برده دلّ على أنّ العقد باطل وأنّه لا يفيد الملك أيضاً، وقال صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ"، أي مردود على صاحبه.
قال المؤلف: "والخُلف لفظي"، ها زاده المؤلف على جمع الجوامع، وله زيادات مرّت معنا، ولكن في الغالب زيادات المؤلف وشروحاته في الغالب هي مأخوذة من شرح المحلي على جمع الجوامع، وهو في الغالب تابع له، "والخلف لفظي"، أي الخلاف بين الجمهور وأبي حنيفة خلاف راجع إلى اللفظ والتسمية فقط، والمعنى واحد، فالمسألة عنده اصطلاحية، ولكنّ قول الحنفية إنّ الفاسد يُفيد الملك إذا اتصل به القبض قول ضعيف مخالف للأدلة التي ذكرنا.
قال المؤلف رحمه الله: "والأصح أن الأداء فعل العبادة أو ركعة في وقتها".
الأداء في اللغة: إعطاء الحق لصاحب الحق، ومنه قوله تعالى: ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ، وفي الاصطلاح قال المؤلف: فعل العبادة أو ركعة في وقتها، أي فعل العبادة في وقتها المحدد لها شرعاً، كصلاة الظهر مثلاً من زوال الشمس إلى أن يصير ظلّ الشيء مثله، هذا الوقت حدده الشارع، ففعل صلاة الظهر في هذا الوقت يُسمى أداءً، فعل العبادة كاملة في هذا الوقت أو ركعة في وقتها، أو ركعة من أين أتى بها المؤلف؟ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر"، إذن ولو فعل ركعة يُسمى أداءً، لكن هذه فيها خلاف، مسألة فعل الركعة هذه فيها نزاع، أي تسمى هذه الصلاة التي فعل ركعة منها في الوقت وبقيتها خارج الوقت أتسمى أداء أم تسمى قضاء، أم يسمى بعضها أداء وبعضها قضاء؟ نزاعات بين أهل العلم في ذلك من ناحية الاصطلاح، طيب، علماء الأصول يُعرّفون الأداء بقولهم: فعل العبادة في وقتها، والمؤلف رحمه الله اعتبر تعريفه أصح لأنّه أضاف ذكر الركعة، فأدخل فيه بعض العبادة فجعل ما فُعلت بعضه في الوقت وبعضه خارج الوقت أداء.
ثم قال: "وهو"،أي في وقت العبادة المأداة، قال: "زمن مقدر لها شرعاً"، تعريف الوقت، ما المقصود بالوقت؟ الآن لما ذكره في تعريفه قال: والأصح أن الأداء فعل العبادة أو ركعة في وقتها، ما المقصود بوقتها؟ قال: وهو زمن مقدر لها شرعاً، زمن مقدر لها كصلاة الظهر من الزوال إلى أن يصير ظل الشيء مثله، هذا التقدير من قدره؟ ربّنا سبحانه وتعالى، فالتقدير تقدير شرعي، فهذا زمن مقدر لها شرعاً هو المقصود بقوله وقتها.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وأنّ القضاء فعلها أو إلّا دون ركعة بعد وقتها"، أي والأصح أنّ القضاء إلى آخره، القضاء لغة: يعني لمعان كثيرة، ومنها: فعل العبادة كيفما كان في وقتها أم لا، لقوله تعالى: ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ، أي إذا فرغتم، وننتبه لهذه المسألة، مسألة القضاء في الاصطلاح وفي الشرع، عندما تمر بك كلمة القضاء عند الفقهاء والأصوليين فافهمها على اصطلاحهم، وعندما تمر معك في آيات أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلمفلا تفهمها على اصطلاح الفقهاء، بل ارجع إلى معناها عند علماء التفسير، هنا مثلاً: إذا قضيتم الصلاة، أي إذا فرغتم منها، وليس معناها المعنى الاصطلاحي الذي يذهبون إليه، في الاصطلاح قال المؤلف: فعل العبادة كلّها أو فعل بعضها (الذي هو أقل من ركعة) بعد وقتها، الآن انظروا إلى القضاء بعيداً عن التشويش، نقول فعل العبادة خارج وقتها هو القضاء، خارج وقتها المحدد لها شرعاً، الآن نأتي لمسألة التبعيض هذه، الآن المؤلف رحمه الله في الفقرة السابقة في الأداء أدخل الركعة فما هو أكثر من الركعة أدخله في الأداء، تمام، ركعة، ركعتين، إذا صليت ركعة أو ركعتين في وقت الظهر أو ركعتين في وقت العصر فتسمى أداءً، ثلاث ركعات في الظهر وركعة في العصر تسمى أداءً، طيب، ركعة، ركعتين، ثلاث، إذا صليت جزء من الركعة في وقت الظهر وبقية الركعة وبقية الركعات التي معها في وقت العصر، أي أنك لم تدرك ركعة كاملة في وقت الظهر ولكنّك أدركت بعض ركعة، ماذا يكون هنا؟ يكون قضاء عند المؤلف، لذلك نبّه بهذه وقال: وأن القضاء فعلها (فعل العبادة بالكامل) أو إلّا دون ركعة، فعلها أو فعل ما هو أقل من ركعة بعد وقتها، أي أن تَفعل أقل من الوقت والبقية بعد الوقت، أو أن تَفعل العبادة بالكامل بعد الوقت يُسمى قضاءً هذا الذي يريده المصنف، تمام، نحن ذكرنا الخلاف في مسألة التبعيض هذه، لكن مسألة الكلّ ما فيها إشكال عندهم في الاصطلاح في أنها تمسى قضاءً، أمّا غالب جمهور الأصوليون إذا كانت العبادة في الوقت يُسمونها أداءً، وإذا كانت كلّها خارج الوقت أو بعضها داخل الوقت وبعضها خارجه يسمونها قضاءً، وقالوا يُسمى قضاءً مجازاً بتبعية ما في الوقت أو ما هو خارج الوقت، يعني لك أن تسميها قضاءً بناءً على أنّ الذي هو خارج الوقت قضاء وما هو داخل الوقت يُلحق بما هو خارج الوقت، ولك أن تسميها أداءً بناءً على ما كان في داخل الوقت أداء وما هو خارج الوقت يكون ملحق بما هو داخل الوقت مجازاً، هكذا قال بعض الأصوليين.
قال المؤلف: "تداركاً لما سبق لفعله مقتض"، هذه تتمة للتعريف، قال: القضاء فعل العبادة جميعها بعد وقتها أو فعلها جميعها بعد وقتها إلّا قليلاً منها، وهو أقل من ركعة، ففعل أقل من ركعة في الوقت والباقي خارج الوقت قضاء، وفعلها استدراكاً لما سبق له مقتض للفعل، أي سبق له طالب للفعل، أي جاء له أمر بأن يُفعل سواء أمر إيجاب أم استحباب، وبعض أهل العلم يخصون القضاء بالواجب فقط، وأراد المؤلف بقوله: "تداركاً لما سبق لفعله مقتض"، أراد أن يُخرج إعادة الصلاة المأداة في الوقت بعد الوقت، كالصلاة إذا أداها في وقتها ثم أعادها بعد الوقت لإقامة جماعة، فإن فعله الثاني لا يكون قضاء بل يكون نافلة، أراد أن يخرج هذا، يقول: ما كان استدراكاً لأمر قد مضى (فات) يُسمى قضاءً، لكن إذا لم يكن استدراكاً وكان الفعل مُكرراً ولكن خارج الوقت لا داخل الوقت، إذا كان الفعل مُكرراً داخل الوقت ماذا يسمى؟ إعادة، طيب، إذا كرّر الفعل خارج الوقت لا داخل الوقت؟ قال هنا: الآن إذا كرر الفعل خارج الوقت لا داخل الوقت، قال: لا يُسمى قضاء هذا، هذا لا يسمى قضاء، فأراد أن يُخرجه فأتى بهذا القيد، قال: "تداركاً لما سبق لفعله مقتض"، أي لما سبق لفعله طالب له، يعني جاء أمر بفعل هذا الفعل ولم يُفعل، فأنت تريد أن تتدارك هذا الفعل وتفعله بعد الوقت هذا يُسمى قضاء وإلا فلا، لكن هذا كلّه لا فائدة منه، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلمنهى عن فعل الصلاة مرتين، الصلاة نفسها لا تُصلى مرتين لنهي النبي صلى الله عليه وسلمعن ذلك، فإذا كانت الصلاة لا تُصلى مرتين، إذن فلا تُسمى الثانية بالأولى، يعني إذا صلى الشخص الظهر مثلاً أربع ركعات في صلاة الظهر ثم بعد أن خرج الوقت وجد جماعة، صلاها في بيته ثم جاء إلى مسجد فوجد جماعة يصلون بعد خروج الوقت مثلاً وأراد أن يصلي من أجل فضل الجماعة، هل يُقال هنا بأنه صلى الظهر مرة ثانية؟ لا، هذه تكون نافلة، لا تكون ظهراً، إذن فلا داعي لهذا القيد أصلاً، إذن إذا فعلت العبادة خارج وقتها فهي قضاء، وإذا فعلت العبادة خارج وقتها وقد فعلت من قبل فهي لا تسمى هي بتلك العبارة أصلاً، فلا تكون ظهراً، تمام، واضح إلى هنا، فإذن هذا القيد الأخير الذي أتى به كي يُخرج الصورة التي ذكرناها، الصورة أصلاً غير داخلة حتى نحتاج إلى إخراجها.
قال المؤلف رحمه الله: "وأن الإعادة فعلها في وقتها ثانياً مطلقاً"، الإعادة في اللغة: تكرير الفعل مرة ثانية (مرة أخرى)، وفي الاصطلاح قال المؤلف: فعل العبادة في وقتها في وقتها الشرعي الذي حددها له الشارع، كالظهر مثلاً تُصلى من زوال الشمس إلى أن يصير ظلّ الشيء مثله، فإذا صلى في أول الوقت الظهر ثم أراد أن يُصلي في آخر وقت الظهر قبل أن يخرج الوقت، هذه تسمى إعادة، لأنّه صلى الصلاة مرة ثانية في الوقت المحدد لها شرعاً، قوله: "مطلقاً"، أي سواءٌ كان الفعل لعذر أو لغير عذر، فعل لعذر: يعني أن تكون الصلاة قد حصل فيها خلل فأراد أن يُعيدها للخلل الذي حصل، هذا يكون أعاد لعذر، أو لغير عذر: صلى الصلاة وأراد أن يصليها مرة ثانية، كذلك هذا عندهم يُسمى إعادة، لكن قلنا هذا غير صحيح، إذا كانت لغير عذر فلا تسمى الصلاة صلاة ظهر لأنّ صلاة الظهر قد تمت، انتهى، الإعادة هذه لا تسمى ظهراً، تسمى نافلة، تمام، وهذا القول الذي ذكرناه هو قول أكثر أهل العلم، أكثر أهل العلم على أنّ الإعادة مختصة بخلل في الأول، وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين"، أخرجه أبو داود.
ننتهي إلى هنا لأننا سندخل في مسألة ثانية وهي مسألة الرخصة والعزيمة نؤجلها إن شاء الله إلى الدرس القادم وبهذا ننتهي.

آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 14-12-2012 الساعة 16:11
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-12-2012, 16:06   #8
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ الدرس الثامن من دروس لب الأصول.

تفريغ الدرس الثامن من دروس لب الأصول

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، مازلنا في الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية، انتهينا من الأحكام التكليفية واليوم معنا آخر مبحث في الأحكام الوضعية وهو مبحث الرخصة والعزيمة.
قال المؤلف رحمه الله: "والحكم إن تغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصة"، هذا تقسيم الحكم الشرعي إلى رخصة وعزيمة، وما احتاج المؤلف إلى أن يقول الحكم الشرعي لأنّ كلامه في الحكم الشرعي، الحكم الشرعي ينقسم إلى رخصة وعزيمة، فبدأ المؤلف رحمه الله بالقسم الأول وهو الرخصة، فقال في تعريفها من الناحية الاصطلاحية: "إن تغير إلى سهولة(أي الحكم) لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصة"، هذا تعريف الاصطلاح، أمّا تعريف اللغوي: فالرخصة بمعنى السهولة، اليُسر والسهولة، أمّا الاصطلاحي فكما ذكره المؤلف، وهو أفضل تعريف للرخصة، "إن تغير إلى سهولة"، إن تغير الحكم الشرعي من صعوبة إلى سهولة، إذن فالأمر الأول عندنا لا بدّ من تغير، إذن لابد أن يكون عندنا حكم أصلي وحكم آخر (حكم ثانٍ)، حكمان، حكم أول وحكم ثانٍ، يتغير الحكم الأول إلى الحكم الثاني، هذا الأمر الأول، إن تغير الحكم الشرعي من صعوبة إلى سهولة، إذن لا بدّ يكون التغير من صعوبة إلى سهولة، إن كان العكس لا يُسمى رخصة، كأكل الميتة مثلاً، نمثل بالتمثيل حتى يتضح التعريف ونمشي على المثال واحد بداية، أكل الميتة الآن، الحكم الأصلي لها ما هو؟ التحريم، حرّمها الله تبارك وتعالى، هذا الحكم الأصلي (الحكم الأول)، الحكم الثاني: الاباحة، فهذا الحكم الشرعي الذي هو التحريم إن تغير إلى سهولة الآن، أيهما أسهل التحريم أم الاباحة؟ الإباحة أسهل، أي نعم، أو الجواز خلينا نقول، أدق عبارة وأحسن الجواز، إذن انتقل من التحريم إلى الجواز، فهو مُتغير من صعوبة إلى سهولة، مثلّنا بأكل الميتة، كانت محرمة ثم صارت جائزة لعذرٍ، إذن لابد التغير يكون لعذر حصل، لوجود عذر كالاضطرار في أكل الميتة، إذن العذر في أكل الميتة ما هو؟ عذر الجواز؟ هو الاضطرار، فوجود الاضطرار هو الذي جوزّ، "مع قيام السبب للحكم الأصلي"، يعني مع بقاء السبب الذي أتى بالحكم الأصلي، الحكم الأصلي عندنا في مثالنا ما هو؟ تحريم أكل الميتة، سبب تحريم أكل الميتة ما هو؟ خبثها، خبث الميتة، هذا السبب في التحريم، طيب، لمّا أحلت للمضطر، هل تغير السبب وإلّا مازال باقٍ؟ باقٍ، إذن السبب قائم، السبب الذي أتى بالحكم الأصلي لا يزال قائماً وبما أنّه لا يزال قائماً وتغير إلى سهولة لوجود عذر فهو رخصة، الآن التغير الذي حصل في أكل الميتة بعد أن كان محرماً صار جائزاً مع قيام السبب الأصلي وهو خبث الميتة، مازالت الميتة خبيثة لم يتغير شيء في خبثها، فإذن سبب التحريم لا يزال قائماً لكن ما الذي أباحها؟ العذر، وجود العذر وهو الاضطرار، بهذه الطريقة تكون رخصة، إن توفرت فيها هذه الضوابط المذكورة في التعريف، إن تغير إلى سهولة لعذرٍ، يعني إن تغير الحكم الشرعي إلى سهولة لعذرٍ مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصة، إذن الرخصة هي: الحكم الشرعي المتغير من صعوبة إلى سهولة لعذرٍ مع قيام السبب للحكم الأصلي، طيب الآن هذا من ناحية التعريف وشرح وبيان معنى التعريف، نأتي الآن لما أخرج المؤلف رحمه الله بهذا التعريف:
بقوله "إن تغير": أخرج الحكم الباقي على أصله ولم يتغير، كالأحكام، كالصلوات الخمس، الصلوات الخمس ما تغيرت هي حكمها الأصلي باقٍ على ما هي عليه، تمام، فهذه لا تسمى رخصة لأنّ الحكم لم يتغير أصلاً، إذن لا بد أن يكون عندنا تغير في الحكم، حكم أصلي وحكم ثانٍ.
وبقوله "إلى سهولة": أخرج الأحكام التي تغيرت إلى صعوبة، فهذه لا تُسمى رخصة كتحريم الاصطياد في الإحرام، عندما يُحرِم المُحرِم يكون الصيد جائزاً عليه قبل الإحرام، لكن بعد الإحرام يَحرُم عليه، تغير الحكم من سهولة إلى صعوبة وليس العكس، فإذا تغير الحكم من سهولة إلى صعوبة فلا يُسمى رخصة، فأخرج الأحكام التي تغيرت من سهولة إلى صعوبة، هذه لا تسمى رخصة، وكذلك الحدود والتعازير، تغير الحكم فيها من سهولة إلى صعوبة، السهولة: الحكم الأصلي الذي هو إكرام الآدمي تغير إلى صعوبة وهو قيام الحدّ والتعزير عليه، فهذا حكم تغير من سهولة إلى صعوبة، فهذا لا يسمى رخصة.
وبقوله "لعذرٍ": أخرج ما تغير من صعوبة إلى سهولة لا لعذرٍ، كترك تجديد الوضوء لكل صلاة، فإن التجديد لكل صلاة كان لازماً ثم غُيّر إلى سهولة وهي أن يُصلي بوضوء واحد أكثر من صلاة، حتى يصلي كل الصلوات بوضوء واحد مالم يُحدث، إلّا أنّ هذا التغيير لا يُسمى رخصة اصطلاحاً لأنّه لم يكن لعذر جديد، ما فيه عذر غَيّر الوضع، الوضع كما هو إلّا أنّ الشارع غَيّر الحكم من صعوبة إلى سهولة، فالحكم تغير؟ نعم تغير من صعوبة إلى سهولة؟ نعم من صعوبة إلى سهولة، لكن لا لعذر، إذن لا يسمى رخصة.
وبقوله "مع قيام السبب للحكم الأصلي": أخرج ما نُسخ من صعوبة إلى سهولة، أخرجه من الرخصة، لا يُسمى رخصة، فالنسخ شيء والرخصة شيء آخر، المنسوخ عندما يحدث النسخ السبب يكون قد زال، في النسخ السبب يكون قد زال، لكن في الرخصة السبب يبقى قائماً، هذا الفرق بينهما، مثال ذلك: كتغير حكم المصابرة، مصابرة المسلم الواحد لعشرة من الكفار، هذا الحكم الأول، كان المسلم الواحد يجب عليه أن يقف أمام عشرة من الكفار في الجهاد، تغير هذا الحكم إلى اثنين، إلى الضعف، صار واجباً على المسلم أن يقف أمام اثنين فقط، فتغير الحكم أو لم يتغير؟ نعم تغير، من صعوبة إلى سهولة؟ نعم من صعوبة إلى سهولة؟ لعذر ؟ نعم لعذر، طيب، إذن كلّ الشروط تحققت ما عدا الأخير وهو السبب، السبب تغير، ما هو السبب؟ كان في أول الإسلام قلّة في المسلمين وكثرة في الكافرين، وفي وقت النسخ زال هذا السبب وكثر عدد المسلمين فلمّا كثر عدد المسلمين تغيّر الحكم، إذن حصل تغير في السبب وإلّا ما حصل؟ حصل، فلما حصل التغير في السبب جاء النسخ، إذن هذا هو الفرق بين النسخ وما بين الرخصة، في هذا الوضع الذي هو تغير الحكم من صعوبة إلى سهولة لعذر، يبقى الفارق بين هذه الصورة من النسخ والرخصة هو تغير السبب، إن تغير السبب فنسخ وإذا لم يتغير السبب فرخصة، هذا ما يتعلق بتعريف الرخصة عند العلماء.
قال المؤلف رحمه الله بعد ذلك: "واجبةً ومندوبةً ومباحةً وخلاف الأولى كأكلِ الميتة وقصرٍ بشرطهِ وسلمٍ وفطرِ مسافرٍ لا يضره الصوم"،هذه التمثيلات متناسبة مع ما ذكره من التقسيمات الأولى، كلّ تقسيم له مثال، الأول بالأول، والثاني بالثاني، والثالث بالثالث، وهكذا، يعني بكلامه هذا أنّ الرخصة تكون واجبة مثل أكل الميتة عند مضنة الهلاك، عندما يغلب على ظنّك أنّك إذا لم تأكل الميتة هلكت (مت) فهنا صار أكل الميتة واجباً لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى حرّم على المسلم أن يُهلك نفسه وأن يقتل نفسه، ﭹ ﭺ ﭻﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ، إذن هنا صار واجباً عليه أن يأكل من الميتة، فصارت هنا الرخصة واجبة، والبعض استشكل الأمر كيف تكون واجبة وتكون رخصة، الرخصة فيها يسر وسهولة، والوجوب يناقض ذلك، فقال بعض أهل العلم: هي من وجه رخصة وسهلة، ومن وجه آخر هي عزيمة، من وجه رخصة ومن وجه عزيمة، من حيث الوجوب هي عزيمة، ومن حيث التسهيل والتخفيف من باب أنّه لم يلزمه بما فيه مشقة هي رخصة، القسم الثاني تكون الرخصة مندوبة: إذن عندنا أقسام تكون واجبة، هذا القسم الأول، القسم الثاني تكون الرخصة مندوبة، ومثلّ له المؤلف بماذا؟ أولّ مثال أتى به كأكل الميتة، وهذا المثال لقوله واجبة، المثال الثاني: وقصرٍ بشرطه، هذا المثال لقوله ومندوبة، إذن مثلّ بقصر الصلاة للمسافر بالشروط المعروفة، تحقق الشروط وانتفاء الموانع بالنسبة للسفر، فإذا تحققت شروط القصر للمسافر فعندئذ يكون قصر الصلاة رخصة مندوبة مستحبة، والقسم الثالث تكون الرخصة مباحة، ومثلّ لهذا القسم ببيع السلم، وقد تقدم معنا بيع السلم في شرح الفقه وهو بيع موصوف بالذّمة وذكرنا شرحه تاماً في الفقه، فبيع السلم هذا قالوا هو رخصة لأنّهم عدوه من بيع الغرر، عدوه مستثنى من بيع الغرر فلذلك قالوا فيه هو رخصة وحكمه الإباحة، فقالوا هذا مثال على الرخصة المباحة، والقسم الرابع خلاف الأولى، ومثلّ له بفطرِ المسافر الذي لا يضره الصوم في السفر، إذا تضرر المسافر من الصوم في السفر يَحرُم عليه أن يصوم، يَحرُم عليه أن يصوم إذا حصل ضرر عليه بالصوم في السفر، لكن إذا لم يتضرر يقول المؤلف: الفطر خلاف الأولى، والأولى عنده أن يصوم، ولعله ومن يقول بذلك دليلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر، وبعضهم مثلّ بالنطق بكلمة الكفر عند الإكراه، وقالوا هو خلاف الأولى، والأولى أن يصبر وأن يحتسب، ويظهر من كلام المؤلف رحمه الله أنّ الرخصة لا تكون مكروهة ولا تكون محرمة، وهو ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله يُحب أن تُأتى رخصه كما يُحب أن تُأتى عزائمه"، وهذا الحديث فيه خلاف رجحّ بعض أهل العلم وقفه على ابن مسعود.
قال المؤلف رحمه الله: "وإلّا فعزيمة"، أي الحكم إمّا أن يكون رخصة وهي ما عرّفناها، وإن لم يكن كذلك فهو عزيمة، فالحكم ينقسم من هذا الوجه إلى قسمين: رخصة وعزيمة، فإذا لم يكن رخصة ولم تتحقق فيه صفات الرخصة فهو عزيمة، وبهذا نكون قد انتهينا من الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية، والخلاف حاصل في عدّ الرخصة والعزيمة من الأحكام الوضعية، فبعضهم قال: هي من الأحكام الوضعية، والبعض قال: هي من الأحكام التكليفية، والبعض أخرجها من الحكم أصلاً وقال: هي من الأفعال، والخلاف ليس من وراءه كبير طائل.
قال المؤلف رحمه الله: "والدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري"، بدأ الآن المؤلف بذكر بعض الاصطلاحات المنطقية التي استعملها الأصوليون، فنحن نمر عليها مروراً سريعاً ولا نطيل بالتفصيلات فيها، فقط نريد من هذا أن نعرف معنى الاصطلاح المستعمل عندهم حتى عندما يمر بنا نكون على علم بذلك.
قال هنا: "والدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري"، يُعرّف الآن الدليل.
الدليل في اللغة: هو المرشد إلى المطلوب، ويُطلق أيضاً في اللغة على ما يحصل به الإرشاد، المرشد هو الناصب للعلامة، فالذي يضع مثلاً لوحةً على الطريق ليرشدك إلى الطريق هذا يسمى دليلاً في اللغة، الذي وضع اللوحة يسمى دليلاً، فالدليل على وزن فعيل، وهذا الوزن يأتي بمعنى الفاعل كأسماء الله تبارك وتعالى مثلاً السميع، العليم، على وزن فعيل، وهي بمعنى سامع، وبمعنى عالم، ويُطلق أيضاً على ما يحصل به الإرشاد، وهو العلامة نفسها، نفس اللوحة هذه في المثال الذي ذكرناه، نفس اللوحة التي تكون على الطريق أيضاً تسمى دليلاً، فالواضع لها يُسمى دليلاً، وهي أيضاً تُسمى دليلاً، هذا من الناحية اللغوية.
وأما في الاصطلاح فقال المؤلف: "ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري"، عندما تأتي إلى آية من كتاب الله وتدقق النظر فيها والتأمل والتفكر بوجه صحيح، بتفكر صحيح توصلك إلى حكم شرعي، كأن تتأمل مثلاً في قول الله تبارك وتعالى: ﮛ ﮜ، فتقول في ذهنك متفكراً في هذه الآية، أقيموا: أمر، والأمر للوجوب، فإقامة الصلاة واجبة، وصلتَ إلى حكمٍ وإلّا ما وصلت؟ وصلت، إذن هذه الآية تمكّنا عن طريقها وبعد النظر الصحيح فيها من الوصول إلى مطلوب خبري، أي إلى حكم، هذا معنى المطلوب الخبري، المطلوب: يعني أنت تطلبه وتبحث عنه، خبري: أي من الخبر، فهو حكم، فإذن الآية ماذا تسمى؟ دليلاً، لأنّك تمكنت بها من الوصول إلى حكم شرعي، هذا معنى الدليل، بوجود هذا الكون من سماوات وأراضٍ وجبالٍ وبحارٍ وإتقان هذا الكون وإحكامه بهذه الطريقة التي موجود عليها الآن، إذا تأملت وتفكرت فيه يوصلك إلى حكمٍ أم لا؟ يوصلك إلى حكم، بل إلى أحكام، يوصلك إلى وجود الله خالق هذا الكون صح؟ أي نعم، ويوصلك أيضاً إلى معرفة صفات الله، أيضاً تعرف بأن الله قادر وإلّا ليس بقادر؟ قادر، وتعرف بأنه حكيم وتعرف بأنه عالم، تعرف هذا وإلّا ما تعرفه؟ تعرفه، بالتفكر في هذا الكون، لأنه مستحيل أن يخلق هذا الكون بهذا الإتقان من لا يعلم، أو من لا حكمة عنده، أو لا قدرة له، مستحيل هذا فإذن هذا الكون يُسمى دليلاً وإلّا ما يُسمى؟ يُسمى، فهذا الكون يُعتبر دليلاً لماذا؟ لأنّك تمكنت من الوصول إلى الحكم بصحيح النظر فيه، أي بالنظر الصحيح فيه، بالتأمل الذي جاء في مكانه، في محله، وصلت إلى هذا الحكم، هذا هو الدليل.
قال المؤلف: "والعلم عندنا عقبه مُكتسب للناظر في الأصح"،أي العلم الحاصل بعد النظر والتفكر في الدليل، العلم يحصل عقب ذلك، العلم يحصل عقب النظر في الدليل، قال: "والعلم عندنا عقبه مُكتسب للناظر"، أي أنّ النّاظر المتأمل في الدليل يحصل عنده العلم بعد ماذا؟ بعد النّظر والتفكر، وهذا العلم مُكتسب، اكتسبه الشخص بنظره وتفكره، هذا معنى كلامه، قال: "والعلم عندنا عقبه مُكتسب للناظر في الأصح"، وهو قد بيّن لنا في المقدمة أنّه إذا قال: "عندنا" فماذا يعني؟ يعني عند الأشاعرة خلافاً للمعتزلة، و"في الأصح": أي أنّ في المسألة خلاف، والبعض قال: هذا العلم ليس مكتسباً بل هو ضروري، لماذا؟ قالوا: لأنّ الشخص لا يُمكن له أن يدفعه، يحصل له ضرورةً، لا يمكن أن يردّه بعد النّظر، والذين قالوا هو مكتسب قالوا: لا، هو قد فعل، نظر واستدل حتى حصل عنده هذا العلم، وقال المحلي في شرحه لجمع الجوامع: "لا خلاف إلّا في التسمية"، يعني يقول لك لا توجع رأسك في المسألة.
قال المؤلف: "والحدّ ما يُميّز الشيء عن غيره، ويقال الجامع المانع، والمضطرد المنعكس"، يُريد أن يُعرف التعريف الذي هو الحدّ، الحدّ: المقصود به التعريف.
الحدّ في اللغة: هو المنع، ومن ذلك جاءت اسم الحدود الشرعية، لأنها مانعة لأصحاب المخالفات من مخالفاتهم. اصطلاحاً: اختلف العلماء في تعريفه، ما هو الحد؟ فذكر المؤلف رحمه الله ثلاثة تعريفات:
·الأول:قال: "والحدّ ما يُميّز الشيء عن غيره".
·التعريف الثاني: "الجامع المانع".
·التعريف الثالث: "المضطرد المنعكس".
"ما يُميّز الشيء عن غيره": عندما تأتي تُعرّف الإنسان، فتقول: هو الحيوان الناطق، بهذا التعريف ميّزت ما بين الإنسان وغيره، فصلت الإنسان عن غيره، هذا يُسمى حدّاً.
التعريف الثاني: "الجامع المانع"، ماذا يعنون بالجامع؟ الجامع: يعنون به الذي يجمع أفراد المُعرَف، ولا يُدخل البعض، ويُخرج البعض الآخر، المانع يمنع من دخول غيره عليه، مثال ذلك: لو قال لك شخص ما تعريف الإنسان؟ تقول له: هو الحيوان الناطق، جامع مانع؟ نعم، هو جامع مانع، هل يمكن أن يخرج إنسان من هذا التعريف ولا ينطبق عليه؟ لا يمكن، فهو جامع لجميع أفراده، كل الناس يدخلون في هذا التعريف، فكلّ إنسان حيوان ناطق وإلّا لا؟ ممكن واحد يقول الأخرس، خلاص نحن نتحدث عن القدرة لا على الفعل، هو في أصل خلقه قادر على النطق، الخَرَس هذا أمر طارئ، فمن حيث القدرة موجودة، لكن من حيث الفعل غير موجود، هو غير ناطق بالفعل، ولكنه ناطق بالقدرة، فنحن نتحدث عن القدرة، عنده القدرة، أصل خلقه مخلوق ناطق أو غير ناطق؟ ناطق، فإذن يدخل في التعريف فلا يَرِد علينا ما ذكرت، طيب، لو قال لك شخص في تعريفه: الإنسان هو الحيوان الكاتب بالفعل، هل هنا هذا التعريف جامع؟ غير جامع، فيه ناس لا يكتبون وإلا ما فيه؟ فعلاً فيه، الأميون لا يُكتبون، فإذن هذا لا يجمع كل أفراد المعَرّف، طيب: لو قال لك شخص: الإنسان حيوان ماشٍ، طيب، هل هذا التعريف مانع؟ ليس بمانع، لماذا؟ لأنه يدخل مع الإنسان غيره، ألا يوجد شيء يمشي إلّا الإنسان؟ لا، أشياء كثيرة تمشي، الحيوانات تمشي، فإذن لا يصح هذا التعريف لأنّه ليس مانعاً، يدخل مع الإنسان الحيوان، فلم يفصِل، لم بحصل به التمييز، إذن لابد أن يكون جامعاً مانعاً، جامع لأفراد المُعَرّف، مانع من دخول غيره عليه، كما مرَّ معنا في تعريفات كثيرة، ومن هاهنا ينشأ نزاع العلماء في مسألة التعريفات، لو جاءنا شخص مثلاً في تعريف الرخصة التي أخذناها قبل قليل وعرّفها ولكن حذف: لعذرٍ، تعريفه يكون مانعاً وإلا غير مانع؟ لايكون مانعاً، لأن غير الرخصة يدخل في التعريف، من هنا يحصل نزاع العلماء في التعريفات والبعض يضيف كلمة يقول لأن هذا التعريف لا يُدخِل جميع الأفراد فيضيف كلمة أو يحذف كلمة من أجل أن يُدخل جميع الإفراد، أو يقول هذا التعريف ليس مانعاً فيدخل مع المُعَرّف كذا وكذا، ويورد عليه بعض الصور، من أجل أن يصلوا إلى تعريف جامع مانع، لكن بعض العلماء بالغوا في هذا الموضوع حتى صاروا يأخذون صفحات يسوّدونها في ضبط بعض التعاريف، فالمسألة لا تحتاج إلى إفراط ولا تفريط، حتى قال الشاطبي رحمه الله: "التعمق في الحدود بدعة"، ما ينبغي أن نتعمق في هذا بشكل كبير، يعني الأمر لا إفراط ولا تفريط.
التعريف الأخير: "المضطرد المنعكس"، يعني بالمضطرد: كلّما وُجد الحدّ وُجد المحدود (يعني المُعَرّف)، فيكون مانعاً، كلّما وُجد الحدّ وُجد المحدود، والعكس: كلّما وُجد المحدود وُجد الحدَ، كلما وُجد الحدّ وُجد المحدود: يعني إذا قلت في الإنسان: الحيوان الناطق، إذا وُجد هذا الحدّ وُجد المحدود الذي هو الإنسان، والعكس كذلك كلّما وُجد المحدود (الذي هو الإنسان) وُجد الحدّ (الذي هو الحيوان الناطق)، فيكون بذلك جامعاً مانعاً، وأنت تختار ما شئت من تعريف الحدّ كلّه يوصلك إلى المراد.
قال المؤلف: "والكلام في الأزل يُسمى خطاباً"، هذه مبنية على ما تقدم، أذكر أننا تحدثنا عن هذا الموضوع، عند الأشاعرة كلام الله: كلام نفسي، أي أنّه ليس بحرف ولا بصوت، كلام موجود في النفس، فلا هو بحرف ولا بصوت، وليس آحاده بحادث، هو كلام قديم في الأزل، فيجعلون صفة الكلام عند الله صفة قديمة يتصف بها وليست لها أفراد تحدث، لذلك قال: "والكلام في الأزل" يعني في القدم، كلام الله القديم "يسمى خطاباً"،وتقدم معنا تعريف الحكم الشرعي، ودخل الخطاب في تعريف الحكم الشرعي، فجاء خلاف بين الأشاعرة: هل كلام الله يُسمى خطاباً أم لا يُسمى خطاباً؟ الخطاب في اللغة: عندما ذكرناه هناك ما هو؟ توجيه الكلام إلى الغير للإفهام، تمام، عندما تقول: زيدٌ خاطب عمراً، إذن عندنا زيد وعندنا عمرو، ويوجه زيدٌ الكلام لمن؟ لعمرو، إذن هناك عمرو موجود يوجَه له الكلام، واضح، طيب، الآن أشكل الأمر عند الأشاعرة عندما قالوا الكلام قديم في الأزل، قبل أن يوجد مخلوق، وليست له آحاد لا يحدث منه شيء، هذا الكلام قديم في الأزل، طيب كيف يُسمى خطاباً ولا مخاطَب؟ ما فيه أحد يُخاطب، كيف يُسمى الكلام خطاباً؟ هنا أشكل عليهم الأمر: فبعضهم قال: الكلام لا يُسمى خطاباً، والبعض قال: لا، يُسمى خطاباً ولكن بتأويلات، ما هي هذه التأويلات التي أجازوا فيها أن يُسمى فيها الكلام خطاباً؟ قالوا على تقدير وجود المعدوم (يعني المخلوق المعدوم) وُجّه الكلام إليه على تقدير أنّه موجود، هذا تأويل حتى يُصححوا تسمية الكلام خطاباً، هذه مشكلتهم، نحن لا مشكلة عندنا، لماذا؟ لأن الكلام عندنا: كلام الله حقيقة بحرف وصوت قديم النوع حادث الآحاد، هذه عقيدتنا في الكلام التي دلّت عليها أدلة الكتاب والسنة، كلام الله: كلام حقيقي ليس كلاماً نفسياً كما يدعون، يتكلم الله تبارك وتعالى بحرف وصوت وذكر الأدلة في كتب الاعتقاد، ذكرناها هناك، وهو قديم النوع: أصل الكلام قديم، الله منذ القدم وهو متصف بصفة الكلام، ولكنّه حادث الآحاد: أي بعض الكلمات وبعض الجمل يحدث في فترة من الزمن دون فترة ثانية، كقول الله تبارك وتعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ، هذا الكلام حصل متى؟ بعد إتيان هذه المجادِلة ومجادلة النبي صلى الله عليه وسلم، إذن كلامٌ حدث وإلّا ما حدث؟ حدث بعد أن لم يكن، وليس عندنا أنّ كلّ حادث مخلوق، هذا عندهم هم على أصولهم، لذلك يستشكلون هذا الكلام، ليس كل حادثٍ مخلوق، هذا كلام حدث ولكنه ليس مخلوق، كلام الله سبحانه وتعالى، فإذن آحاد الكلام حادث عندنا، فعلى ذلك فيجوز أن يُسمى خطاباً لا إشكال لأنّه قد خاطب موجودين في ذهنه، فهذا يمشي على أصولهم لا على أصولنا وما عندنا إشكال في هذه المسألة.
قال المؤلف: "ويتنوع في الأصح"، أي الكلام النفسي، كلّه من كلام الأشاعرة، الكتاب مؤلفه أشعري وأصله أيضاً لأشعري، فقال: "ويتنوع في الأصح"، أي في المسألة خلاف بين الأشاعرة أنفسهم، هل كلام الله يتنوع أم لا يتنوع؟ ما قصدهم بالتنوع؟ هل يتنوع إلى أمر ونهي وخبر ونداء وما شابه أم لا يتنوع إلى ذلك؟ بناءً على أصلهم أنّ الكلام نفسي، وليس بحرف ولا صوت يأتي الإشكال هاهنا، وافترقوا فرقتين كما تقدم، وعلى نفس الطريق الذين قالوا لا يتنوع مشوا على أصلهم لأن الكلام نفسي، وإذا كان نفسياً لا يتنوع وهو شيء واحد، والذين قالوا يتنوع تأوّلوا، قالوا: أيضاً على تقدير وجود المعدوم يتنوع له الكلام.
قال رحمه الله: "والنظر فكرٌ يُؤدي إلى علم أو اعتقاد أو ظنّ"،عندما عرّف الدليل في السابق ماذا قال؟ ما يُمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، فجاء ذكر النظر، طيب، فما هو النظر؟ أراد أن يُعرّف لك النظر فقال: "فكر يؤدي إلى علم أو اعتقاد أو ظنّ"، فكر: يعني ترتيب الأمور في الذهن، تأمل ذهني فكري، تفكير: فكر يؤدي إلى علم، هذا الفكر وترتيب الأمور في الذهن يوصلك إلى علم، ويعني العلم هنا: اليقين، يوصلك إلى أمر يقيني، أو اعتقاد، ما الفرق بين العلم والاعتقاد؟ سيأتي في كلام المؤلف نفسه لكن بشكل سريع: الاعتقاد والعلم كلاهما يقيني لكنّ الاعتقاد يجوز عليه التغير في اعتقاد الشخص، لكن اليقيني لا يجوز فيه التغير، وسيأتي إن شاء الله تفصيله بشكل أكبر من هذا، يقبل التغير أو لا يقبل التغير؟ اليقيني لا يقبل التغير أمّا الاعتقاد يقبل التغير، وإن كان يقينياً في نفس المُعتقِد لكنّه يقَبل التغير لأنه لا أحياء، تارة يكون موافقاً مطابقاً للواقع وتارة لا يكون مطابقاً للواقع، كالاعتقادات الفاسدة الموجودة الآن، أصحابها يعتقدون وهم جازمون بها لكن تقبل التغير وإلا ما تقبل؟ تقبل، إمّا لأنّها مخالفة للواقع أصلاً، أو لحصول التشكيك، لو شكّكته في عقيدته يشك فيها، إذن فهو قابل للتغير، لكنّ العلم اليقيني الذي هو ليس الاعتقاد هذا لا يقبل التغير.
قال: "فالفكر يؤدي إلى علم (إلى يقين) أو اعتقاد أو ظن"، يعني غلبة ظن، يعني يقيم عندك علماً يوصلك إلى علم، يوصلك إلى معرفة، لكنّ هذا العلم إمّا أن يكون يقينياً أو اعتقادياً أو ظنياً، وسيأتي تفصيل الفرق بين العلم والظن وغيرها.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-12-2012, 16:08   #9
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ الدرس التاسع من دروس لبّ الأصول.

تفريغ الدرس التاسع من دروس لبّ الأصول

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أمّا بعد:
قال المؤلف رحمه الله: "والإدراك بلا حكم تصور، وبه تصور بتصديق وهو الحكم"، في هذا المقال أراد المؤلف رحمه الله أن يُعرّف التصور والتصديق والحكم، الآن هذه الاصطلاحات اصطلاحات منطقية أخذها الأصوليون من المنطق، يقولون إدراك العلوم، عندما تريد أن تدرك معلومة معينة، تكون إمّا إدراك الذوات المفردة إمّا تكون عبارة عن إدراك ذوات مفردة أو إدراك نسبة هذه المفردات بعضها إلى بعض نفياً أو إثباتاً، فأنت عندما تريد أن تتعلم معلومة إمّا أن تكون من هذا الضرب أو الضرب الثاني، تقول: زيدٌ قائم، الآن أول شيء تحتاج معرفته هو ماذا؟ هو معرفة زيد ومعرفة القيام، إدراك معنى زيد وإدراك معنى القيام، هذا من الضرب الأول الذي هي إدراك الذوات المفردة، هذا عندهم هو الذي يُسمى تصوراً، أي بناء صورة لمعنى الشيء في الذهن، تكوين صورة لمعنى الشيء المفرد في الذهن، فعَرَفتَ زيد كَوَّنتَ له معنى موجود في ذهنك، هنا تَصَوّرتَ معنى زيد، عَرَفتَ القيام، كَوَّنتَ له معناه، صورة في ذهنك، هنا تكون تصورت القيام، هذا هو التصور، وهذا كيف يُدرك وكيف يُوصل إليه؟ عن طريق الحدّ، الذي هو التعريف، فالتعريفات إذن وضعها العلماء كي يُصوّرا لك وكي تتصور أنت معنى الشيء، عندما يقول لك: عرّف لي الإنسان؟ تقول: هو حيوان ناطق، هنا بنيت للإنسان معنى في ذهنك وصارت له صورة، ممكن أن تتصور هذا المعنى، طيب، هذا الشطر الأول أو الضرب الأول.
الضرب الثاني: إدراك نسبة المفردات بعضها إلى بعض نفياً أو إثباتاً، الآن أدركنا معنى زيد وأدركنا معنى القيام، طيب، عندما تُثبت إثباتاً القيام لزيد فتقول: زيد قائم، هنا تكون قد أتيت بالتصديق، هذا يُسمى التصديق، سمي تصديقاً لأنّه يحتمل الصدق والكذب، لأنّه خبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، فيه نفي أو إثبات فإذا قلت زيدٌ قائم هذا تصديق، لماذا؟ لأنّ فيه إثبات، إذا قلت زيدٌ ليس بقائمٍ، هذا أيضاً تصديق لأنّ فيه نفي، فعرفت النسبة ما بين زيد وما بين القيام، إمّا تكون نسبة مثبتة أو نسبة منفية، هذا هو التصديق عنده، وذاك هو التصور، التصور قلنا يوصل إليه ماذا؟ الحدّ، التصديق يوصل إليه ماذا؟ البرهان، أي الدليل سواءٌ كان دليلاً عقلياً أو دليلاً شرعياً أو غيرها من الأدلة، المهم الذي يوصلك إلى الإدراك، إدراك النسب بين الأشياء هو التصديق الذي يوصلك إلى إدراك حقيقة الشيء وتصوره، الأشياء المفردة هو الحدّ الذي هو التعريف، هذا معنى ما أرادوا ذكره هنا، ماذا قال الآن المؤلف؟ قال: "والإدراك بلا حكم تصور"،الإدراك في اللغة هو الوصول، فوصول حقيقة الشيء إلى الذهن يُسمى تصوراً، وهذا يكون بالنسبة للأشياء المفردة، قال: "والإدراك بلا حكم تصور"، إذن التصور ليس فيه نفي ولا إثبات، مجرد أن تصل إلى حقيقة الشيء في ذهنك أو تصل حقيقة الشيء إلى ذهنك فهنا يكون قد تحقق التصور، قال: "والإدراك بالحكم تصور بتصديق وهو الحكم"، وهو الذي هو التصديق: الحكم، فالآن قال لنا الإدراك إذا كان معه حكم أدركت الشيء وحكمت بنفيه أو إثباته فهنا ماذا يصبح هذا؟ تصور مع تصديق، فهذا يسمى تصديقاً ويسمى حكماً عند البعض، بمعنى أسهل: الآن التصديق عرفنا ما هو، التصديق فيه إثبات أو نفي، معرفة النسبة بين المفردات هذا هو التصديق، طيب، الحكم بعضهم قال: التصديق هو الحكم لا فرق، ومنهم المؤلف، المؤلف قال: في آخر الكلام: "وهو الحكم"، أي التصديق هو الحكم فلا فرق بينهما، فإذا حكمت على شيء بنفي أو إثبات فهو التصديق وهو أيضاً الحكم في نفسه، والبعض فرّق فقال الحكم هو: تصور مع تصديق، وليس التصديق وحده، بعض أهل الأصول أو أهل المنطق قالوا بهذا، قالوا: إذا وُجد التصور مع التصديق يكون حكماً، والمؤلف ذهب إلى أن الحكم والتصديق لا فرق بينهما، وهو على كل حال لا حكم إلّا بتصور، ولا يُمكن أن تحكم على شيء، نسبة أمرين لبعضهما نفياً و إثباتاً إلا بعد أن تتصور الأول والثاني، فلا يمكن أن يحصل حكم إلّا بتصور، فالتصور لا بدّ أن يكون سابقاً للحكم، لذلك تجد الفقهاء كثيراً ما يقولون: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، يعني لا يمكن أن تُعطي حكماً لشيء إلّا بعد أن تتصوره وأن تدرك حقيقته في ذهنك، هذا معنى الاصطلاحات المذكورة.
ثم قال رحمه الله: "وجازمه إن لم يقبل تغيراً فعلم، وإلّا فاعتقاد صحيح إن طابق، وإلّا ففاسد، وغير جازم ظنّ ووهم وشك، لأنّه راجح أو مرجوح أو مساوٍ"، هنا بدأ المؤلف رحمه الله في تقسيم الحكم، فقال: "وجازمه": أي الحكم، إمّا أن يكون جازماً أو أن يكون غير جازمٍ، الحكم ينقسم إلى حكم جازم وحكم غير جازم، الحكم الجازم ينقسم أيضاً إلى قسمين، أنظر الآن إلى التقسيم، تعمل شجرة، الحكم نفسه ينقسم إلى جازم وإلى غير جازم، الآن نترك غير الجازم على جنب نأتي إلى الجازم، الجازم ينقسم أيضاً إلى قسمين إلى ما يقبل التغير و وما لا يقبل التغير، فإذا كان الحكم جازماً لا يقبل التغير فهذا الذي يسمى بالعلم، هذا هو العلم، فالعلم هو حكم جازم لا يقبل التغير، والمقصود بالعلم هنا: العلم اليقيني، يعني معلومة أدركتها وهي يقينية في ذهنك لا تقبل الشكّ أبداً، هذا الحكم الجازم الذي لا يقبل التغير، القسم الثاني من الحكم الجازم هو الذي يقبل التغير، إن قَبِل الحكم الجازم التغير فهو اعتقاد، حكم جازم، ماذا يعني جازم؟ يعني أنّه لا يتطرق إليه الشك، ما فيه احتمالية الشك أبداً، لكن من هذا الحكم الجازم ما يقبل التغير في حقيقة الأمر، يعني إذا جئت وقارنت بينه وبين حقيقة الأمر وجدته ممكن يخالف حقيقة الأمر، أو إذا شُكك صاحبه شكّ فيه، هنا يقبل التغير، فإذا قبل التغير فهو الذي يُسمى عندهم بالاعتقاد، وإذا لم يقبل التغير فهو الذي يُسمى عندهم بالعلم، لذلك لمّا قال هنا المؤلف: "وجازمه": أي الحكم الجازم إن لم يقبل تغيراً فعلم، إذن العلم هو الحكم الجازم الذي لا يقبل تغيراً، ليس ممكن أن يتغير أبداً، حكم يقيني، لا يتغير البتة، هو يكون موافقاً للواقع، صحيح، وإذا شُكك الشخص لا يشك فيه أبداً، قال: "وإلّا فاعتقاد"، يعني وإلّا ماذا؟ يعني وإلّا وإن قبل التغير: فاعتقاد، فالاعتقاد هو الحكم الجازم الذي يقبل التغير، وهذا الذي هو الحكم الجازم الذي يقبل التغير أيضاً قسمان: قسم صحيح، وقسم فاسد، فإن طابق الواقع فهو صحيح، وإن خالف الواقع فهو فاسد، انتهينا الآن من الحكم الجازم وأقسامه، نرجع إلى التقسيم الأول: قسّمنا الحكم إلى جازم وإلى غير جازم، انتهينا من تقسيمات الجازم، نرجع إلى الحكم غير الجازم، الحكم الغير الجازم قال المؤلف: "وغير جازم ظنّ ووهم وشك"، إذن الحكم غير الجازم ثلاثة أقسام: ظنّ ووهم وشك، قال المؤلف ينقسم إلى هذه الثلاثة: "لأنه راجحٌ أو مرجوحٌ أو مساوٍ"، الحكم على الشيء إذا كان له طرفان فإمّا أن يترجح أحد طرفيه أو لا، بل يتساويان، فإن ترجح أحدهما فالراجح ظنّ والمرجوح وهم، وإن تساويا فهو الشكّ، إذا تساوت المعلومات فهذا يكون شكّاً، شخص أدرك أن فاقد الماء وفاقد ما يتيمم به أنّه يجوز له أن يُصلي من غير أن يتوضأ ولا يتيمم، هذا الحكم الذي وصل إليه إن كان عنده احتمال آخر له وهو عدم جواز أن يصلي مثلاً في تلك الحال وترجح عنده أحد الاحتمالين، فالراجح ماذا يسمى؟ ظنّ، الثاني يسمى وهم، وإذا لم يترجح عنده شيء من الأمرين فصار عنده احتمال أنّه يجب عليه أن يصلي واحتمال أنّه لا يجوز له أن يصلي متساويان، هذا يسمى شكاً، تمام، طيب، وإذا جزم بالحكم فهذا اعتقاد، إذا جزم بالحكم ولم يكن عنده طرف آخر، ما فيه عنده احتمال ثانٍ، هو جازمٌ بأنّه يجب عليه أن يُصلي فهذا اعتقاد، طيب، نعطيك مثال آخر: جاءك رجل وقال لك خبراً، قال لك مثلاً: الكهرباء في بيتك مقطوعة، تمام، الآن هذا الحكم الذي انبنى عندك من خبر، هذا الشخص حكم جازم وإلّا فيه معه احتمال الخطأ؟ فيه احتمال، إذن فيه احتمال أنّ الكهرباء موجودة في البيت، صح؟ فصار عندنا طرفان، صح؟ أيهما أغلب عندك؟ غلب على الظنّ أنّها مقطوعة، هذا الحكم الذي هو أنّها مقطوعة يُسمى الراجح ويسمى الظنّ، تمام، هو هذا الراجح هو الذي يُسمى الظنّ، طيب، الثاني احتمال أنها ليست مقطوعة الكهرباء؟ مرجوح، ماذا يسمى هذا المرجوح؟ الوهم، إذا تساوا عندك الطرفان هذا هو الشك، أنت شككت الآن في المعلومة، تمام، هذا يُسمى شكاً، طيب، فإذا جزمت: اعتقاد، انتهينا من هذا، طيب، هذه تقسيمات الإدراك.
قال المؤلف: "فالعلم حكمٌ جازمٌ لا يقبل تغيراً"، هذا تعريف العلم، إذن خلصنا بهذه النتيجة، "فهو نظري يُحدّ في الأصح"، اختلف أهل العلم في العلم، هل يُحدّ أم لا يُحدّ؟ يعني هل يُعرّف أم لا يُعرّف؟ وقصدهم بالتعريف، التعريف الحقيقي المكون من الجنس والفصل، هنا نتطرق لهذه المسألة قليلاً لأنّها مهمة، يتحدث الأصوليون حول هذا الموضوع كثيراً في التعريفات، التعريف عند أهل الأصول له ثلاثة طرق:
·الطريقة الأول: تعريف بالحقيقة.
·الطريقة الثانية: تعريف بالرسم.
·الطريقة الثالثة: تعريف باللفظ.
هذه ثلاثة أقسام يستعملها المناطقة في طريقة تعريف الأشياء، التعريف الحقيقي يقولون في تعريفه: هو القول الدّال على ماهية الشيء، الحدّ الحقيقي: هو القول الدّال على ماهية الشيء، ما المقصود بالماهية؟ الحقيقة، وهي الذي يصلح أن يُجاب به عن سؤال ما هو، فيقول لك شخصٌ مثلاً: الإنسان ما هو؟ فهنا السؤال عن الحقيقة، فأنت تأتي بقول تدله عن حقيقة الشيء الذي هو يسأل عنه، فتقول: الإنسان حيوان ناطق، هذا الحدّ يُسمى حدّاً حقيقياً، متى يُسمى الحدّ حقيقياً، إذا ذكرت الذاتيات، الآن نأتي إلى مسألة ثانية، الصفات ثلاثة أقسام:
oصفة ذاتية.
oوصفة لازمة.
oوصفة عرضية.
هذا عند المناطقة، في اصطلاحاتهم، الماهية، الحقيقة تتركب من الصفات الذاتية، والذاتي كل وصف يدخل في حقيقة الشيء دخولاً لا يُتصور فهم معناه دون فهمه، ماذا يعني هذا الكلام؟ كلّ وصفٍ يدخل في حقيقة الشيء، الإنسان حيوان ناطق، هل يُمكن فهم معنى الإنسان دون فهم معنى الحياة؟ لايمكن، هل يمكن فهم معنى الإنسان دون فهم معنى النطق؟ لا يمكن، فإذا لم يمكن إذن فصفة الحياة وصفة النطق صفات ذاتية للإنسان، وضحت الصورة، هذا معنى الصفة الذاتية، صفة تتكون منها حقيقة الشيء بحيث أنّك لا يمكن أن تفهم الشيء إلّا أن تفهم معنى هذه الصفة، هكذا، هذه تسمى صفة ذاتية.
التعريف بالحقيقة تحتاج أن تأتي بصفات ذاتية للمُعرَّف، طيب.
الوصف اللازم الآن، الوصف اللازم هو ما لا يفارق الذات، لا يُفارق الذات أبداً، هو دائماً معها لاصق بها، لكن فهم الحقيقة غير موقوف عليه، هذا الفرق بينه وبين الذاتي، الذاتي أيضاً وصف ملازم، لا ينفك، لكن الذاتي لا يمكن فهم الحقيقة إلّا بفهمه، أمّا هذا الوصف اللازم يُمكن فهم الحقيقة من غير فهمه، فهو غير موقوف عليه، مثال ذلك: ظِلّ الإنسان في وقت مشمس، الآن ظِلّ الإنسان هذا شيء ملازم له وإلا ليس ملازم؟ ملازم، لا ينقطع عنه، تمام، لكن لو لم تتصور الظلّ أصلاً، هل يمكن أن تفهم حقيقة الإنسان وإلا غير ممكن؟ ممكن، فهذا الوصف يُسمى وصفاً لازماً، وصف لازم غير ذاتي.
وأمّا الوصف العارض فهذا الذي يَعرض ويزول، ليس لازماً، وصف يعرض ويزول، كحُمرة الخجل، عندما يخجل الإنسان ترى على وجهه حُمرة، هذه الحُمرة وصف له لكنّه ليس وصفاً لازماً ولا هو وصف ذاتي، فهذا يُسمى وصف عَرضي، الكهولة، الشيخوخة، الطفولة، كلّها صفات عرضية.
ثم الصفات الذاتية تنقسم إلى جنس وفصل:
الجنس: هو الذاتي المشترك بين شيئين فصاعدا مختلفين بالحقيقة، الآن لمّا قلنا الإنسان هو الحيوان الناطق، الحيوان هذا وصف ذاتي وإلّا غير ذاتي؟ وصف ذاتي، تمام، يشترك فيه عدة أفراد وإلّا ما يشترك؟ يشترك فيه عدة أفراد، كثر، كلمة الحيوان يشترك فيه الإنسان ويشترك فيه الطير ويشترك فيه الحيوان وغيره، طيب، فهو مشترك بين شيئين فصاعدا مختلفين بالحقيقة، هذا لا بدّ، يُشترط أن يكون الاختلاف حقيقتهما مختلفة، مثلاً: الحيوان ينقسم إلى آدمي وغير آدمي، فيُوجد اختلاف في الحقيقة بين الأشياء التي تشترك في الجنس، الجنس تحته أنواع، كلمة الحيوان الآن يشترك فيها عدة أنواع، فالطير حيوان، والآدمي حيوان، وذوات الأربع حيوان أيضاً، وكلّها يُطلق عليها حيوان، فكلمة حيوان جنس لهذه الأنواع، طيب، ممكن النوع هذا يكون هو نفسه جنس؟ نعم ممكن بالنسبة لما هو أدنى منه، الإنسان بالنسبة للحيوان ماذا؟ نوع من أنواع الحيوان، لكن بالنسبة لزيد وعمرو وبكر وخالد هو جنس لهم، زيد فرد من أفراد الإنسان، فالإنسان جنس لنوع الذكور من البشر، وأيضاً نوع للإناث من البشر، فالشيء الممكن أن يكون جنساً وممكن يكون في نفس الوقت أيضاً نوعاً، فإذا نظرت إلى ما هو أعمّ منه قلت هو نوع، وإذا نظرت إلى ما هو أخصّ منه قلت هو جنس، هذا معنى الجنس، الفصل: ما يفصل الشيء عن غيره ويُميّزه ككلمة الناطق في تعريف الإنسان، الإنسان حيوان: كلمة حيوان جنس، ناطق: كلمة ناطق هذه فصل، فصلت وميزت بين الإنسان وبين غيره، والتعريف بالحقيقة هذه صورته، أن تأتي بجنس وفصل، ذاتيات: صفات ذاتية، جنس وفصل تُعرِّف بهذه الطريقة تكون عرفت بالحقيقة، تمام.
أمّا التعريف بالرسم فهو أن تذكر خاصة، ماذا تعني خاصة؟ صفة يختص بها المُعرَّف، هذا معنى الخاصة، كأن تقول مثلاً: الإنسان حيوان ضاحك، فضاحك هذه صفة يختص بها الإنسان، فتُسمى خاصة، فإذا عَرّفت بذكر صفة يختص بها ولكنّها ليست ذاتية فهنا يكون التعريف رسمي، تعريف بالرسم، لا بالذات، لا بالحقيقة.
النوع الثالث من التعريفات، التعريف باللفظ، وهذا سهل، هذا أن تذكر لفظاً مرادفاً للمُعرَّف، كأن يقول لك شخص مثلاً: ما الغدنفر؟ فتقول له: الأسد، فقط خلاص، تذكر مرادف لما تريد تعريفه، هذا يُسمى تعريفاً باللفظ، شرطه أن تذكر مرادفاً أشهر منه ليس أخفى، التعريف لا بد أن يكون بمرادف أشهر، يكون معلوماً عند السائل حتى يكون تعريفاً، أي نعم.
هذه أنواع الحدود عند المناطقة، هنا قال: "فالعلم حكم جازم لا يقبل تغيراً فهو نظري يحدّ في الأصح"، بعضهم قال تعريف العلم أمرٌ ضروري أي لا يحتاج إلى نظر ولا استدلال، أمرٌ يعرفه كل أحد، وبناءً على ذلك فلا يحتاج إلى تعريف، المؤلف قال: لا، هو ليس ضرورياً بل هو نظري، يعني يحتاج إلى نظر وإلى استدلال حتى نصل إلى تعريف دقيق له، وبناءً على ذلك إذا كان نظرياً يحتاج إلى تعريف، إذا كان نظرياً يحتاج إلى تعريف، وإذا كان ضرورياً فلا يحتاج إلى تعريف، وبعضهم قال: يعسر (يصعب) أن نضع له حدّاً بالحقيقة، فنفوا أن يُحَدّ من هذا الباب (من باب العسر والصعوبة)، المؤلف وضع له حدّاً فقال: "حكم جازم لا يقبل تغيراً فهو نظري يحد في الأصح"، إشارة إلى الخلاف الذي ذكرناه.
قال رحمه الله: "قال المحققون ولا يتفاوت إلّا بكثرة المتعلقات"،هذه المسألة الآن، العلم اليقيني هل يتفاوت؟ يكون علماً أجلّ من علم، أو علم أقوى من علم، أم لا يتفاوت؟ بعض أهل العلم قال: يتفاوت، والبعض الآخر قالوا: لايتفاوت، والذين قالوا: إنّه يتفاوت وهم الأكثر، قالوا: إنا نجد بالضرورة الفرق بين كون الواحد نصف الاثنين وبين ما علمناه من جهة التواتر، قوة العلم في النفس بعضها أقوى عندهم من بعض، قالوا: إنا نجد في أنفسنا الفرق بن كون الواحد نصف الاثنين، هذه المعلومة قوتها في ذهنك وفي إدراكك أعظم من قوة ما عُلم من جهة التواتر، قالوا: مع أنّ هذا وهذا يقيني، كلّه يقيني، لكن أثبتوا التفاوت بذلك، وغير المؤلف وأيضاً المؤلف رحمه الله يقولون بأن العلم لا يتفاوت إلا بكثرة المتعلقات، أي بكثرة المعلومات، فكلّما كثر المعلوم كثر العلم فقط أمّا نفس العلم لا يتفاوت، هكذا يقول المؤلف رحمه الله، والأمر في هذا سهل، بنى بعضهم على هذه المسألة أنّه هل الإيمان يزيد وينقص؟، بناء على أنّ الإيمان من العلوم، عندهم (أي الأشاعرة) والأشاعرة من المرجئة طبعاً، معروفون، والمرجئة عندهم الأعمال ليست من الإيمان، فبناء على ذلك عندهم الإيمان من قبيل العلوم (المعلومات) لا من قبيل الأعمال، طيب، إذا كان من المعلومات يتعلق بالعلم وقلنا بأنّ العلم يتفاوت أو لا يتفاوت؟ فالمسألة هنا تتعلق بزيادة الإيمان ونقصانه عندهم من هذه الحيثية، فإذا قالوا العلم يتفاوت فيقولون بزيادة ونقصان الإيمان، وإذا قالوا العلم لا يتفاوت يقولون الإيمان لا يزيد ولا ينقص بناءً على تعريفهم، أمّا عند أهل السنة والجماعة هو على كل الحالات يزيد وينقص، لأن الإيمان عند أهل السنة والجماعة: اعتقاد وقول وعمل، إذن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان وتؤثر في الإيمان زيادة ونقصاناً، فالإيمان من هذه الحيثية عندهم يزيد وينقص، والصحيح أيضاً من أقوال أهل العلم أنّ العلم نفسه أيضاً يزيد وينقص كذلك يتفاوت، أي نعم، وهذا الذي أذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرجحه أن العلم يتفاوت.
قال المؤلف: "والجهل انتفاء العلم بالمقصود في الأصح"، لما انتهى المؤلف من تعريف العلم وما يتعلق به وكان الجهل ضداً له ناسب أن يُعرِّف الجهل ويتكلم عما يتعلق به.
فقال: "والجهل انتفاء العلم"، أي عدم وجود العلم، عدم العلم، "بالمقصود": أي بما من شأنه أن يُقصد للعلم، فانتفاء العلم أو عدم العلم هو الجهل، وهو كذلك في اللغة: عندما يُفسّرون الجهل يقولون: هو ضد العلم، والجهل قسمان: جهل بسيط وجهل مركب.
الجهل البسيط: هو الذي عرّفه المؤلف بقوله: "والجهل انتفاء العلم بالمقصود"، فعدم العلم جهل بسيط، طيب.
الجهل المركب: وهو إدراك الشيء على خلاف حقيقته في الواقع، أو كما يقول الأصوليون: إدراك الشيء على خلاف هيئته في الواقع، هذا الجهل المركب، البسيط يُسمى بسيطاً لأنّه يتركب من جزء واحد، عدم العلم فقط، أمّا المركب فسُمي مركباً لأنّه من جزئين، عدم العلم والاعتقاد الفاسد، اعتقاد غير مطابق وهو الفاسد، فهنا عدم العمل وعدم العلم بعدمه فهو جهل على جهل، لذلك سمي جهلاً مركباً، عدم العلم وعدم العلم بعدم العلم، هو جهل على جهل.
قال المؤلف: "والسهو الغفلة عن المعلوم"،بعض أهل العلم عدّ السهو والنسيان والغفلة من الجهل البسيط، لذلك يذكره بعض أهل العلم بعد الجهل مباشرة، السهو والنسيان والغفلة، والبعض نازع في هذا، فارق بين هذه، والبعض فارق بين هذه الأنواع الثلاثة التي هي النسيان والسهو والغفلة، والبعض جعل الثلاثة كلّها بمعنى واحد، والظاهر من صنيع المؤلف أنّه جعل السهو والغفلة بمعنى واحد، فقال: "والسهو: الغفلة عن المعلوم"، فالسهو والغفلة عنده بمعنى واحد، وفارق بينه وبين النسيان في الشرح، في شرحه لهذا المتن فارق بينهما، فارق بينهما تبعاً للبرماوي، قال البرماوي: "إن قصر زمن الزوال سُمي سهواً وإلّا فنسيان"، معروف أنّ السهو والنسيان والغفلة كلّها تحصل بعد وجود العلم، العلم يوجد ثم بعد ذلك يذهب، ذهابه بعد وجوده منه ما هو غفلة، ومنه ما هو نسيان ومنه ما هو سهو، البعض جعل كلّ هذا بمعنى النسيان، بمعنى واحد والبعض فرّق بين السهو والنسيان وجمع بين السهو والغفلة، وهكذا أقوال في هذا، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "وهذه الثلاثة من حيث الحكم يُحكم لها بحكم الجاهل جهلاً بسيطاً"، هذا الذي يهمنا في الموضوع، هذه الفقرة هي المهمة في القضية، من حيث الحكم يُحكم لها بحكم الجاهل جهلاً بسيطاً، فالنسيان والسهو والغفلة كلّها تأخذ حكم الجاهل، الناسي والساهي والغافل له حكم الجاهل، وقال: "السهو إن كان عن الشيء بعد علمه فهو نسيان"، إن كان عن الشيء بعد علمه فهو نسيان، وهذا الذي يريده العلماء عندما يذكرون السهو في هذا الموضع، يريدون الغفلة عن الشيء بعد العلم به، فهنا الشيخ جعل السهو والنسيان بمعنى واحد بينما، المؤلف فرّق بينهما، ما هو التفريق عند المؤلف؟ هو الزمن، الفترة التي تحصل فيها السهو والنسيان، إذا كان زمن عدم التذكر بعيد سُمي عنده نسيان، وإذا كان قريباً مباشرة هكذا قليل يُسمى عنده سهواً.
قال: "وإن كان عن الشيء بمعنى الترك فليس بمعنى النسيان"، إذا كان السّهو عن الشيء بمعنى تركه، هذا ليس بمعنى النسيان، هذا واضح، قال: "وأما الغفلة إن كانت إعراضاً وعدم مبالاة فليست من النسيان"، هذا تغافل، الإعراض وعدم المبالاة تغافل، "وإن كانت الغفلة عن الشيء بعدما علمه فقد تكون بمعنى النسيان"، "فقد": هكذا قال الشيخ رحمه الله، "فقد تكون بمعنى النسيان"، فهو غير جازم في هذا الأمر، قد تكون النسيان والسهو والغفلة بمعنى واحد، وقد لا تكون، هذا خلاصة قوله، قال: "وعلى كلٍّ النسيان ليس جهلاً بل هو تغطية بعد علم، ولهذا فرّق الله بينهما في القرآن وكذا في السّنة، فالجهل عدم العلم بالشيء، والنسيان الذهول عنه بعد علمه"، قاله رحمه الله في شرحه على مختصر التحرير وهذا صوتي.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-01-2013, 08:55   #10
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي تفريغ الدرس العاشر من دروس لبّ الأصول

تفريغ الدرس العاشر من دروس لبّ الأصول

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أمّا بعد:
فيقول المؤلف رحمه الله: "وأنّ الوجوب إذا نُسخ بقي الجواز وهو عدم الحرج في الأصح".
يقول المؤلف: "والأصح أنّ الوجوب إذا نُسخ بقي الجواز"، هذا بناءً على أنّ الوجوب جوازٌ وزيادة، بناء على ذلك يُقال: الوجوب عدم الحرج وزيادة لأنّ المؤلف فسّر الجواز بعدم الحرج فصار الوجوب عدم الحرج في الفعل وزيادة على ذلك الإلزام، فالوجوب هو عدم الحرج في الفعل وزيادة الإلزام، فإذا نُسخ الإلزام بقي عدم الحرج في الفعل، هذا معنى كلامه: أنّ الوجوب إذا نُسخ بقي الجواز، إذا رُفع الوجوب في مسألةٍ ما بقي حكم الجواز، بناءً على تفسير المؤلف: الجوازَ بعدم الحرج، هذا بناءً على تفسير: الجوازِ بعدم الحرج عن الفعل فقط، وأمّا إذا قلنا بأن المقصود بعدم الحرجِ: عدم الحرجِ عن الفعل والترك، وهو المباح، فليس هو في ضمن الوجوب، حتى يُقال: إذا نُسخ الوجوب بقي الجواز.
والخلاصة أنّ أهل العلم اختلفوا في نسخ الوجوب، إذا نُسخ الوجوب هل يرجع الأمر إلى ما كان عليه قبل الوجوب أم يبقى الاستحباب أم تبقى الإباحة، هذا محل الخلاف في المسألة عندهم والتفصيل على ما ذُكر.
قال المؤلف رحمه الله: "مسألة: الأمر بأحد الأشياء يوجبه مبهماً عندنا فإن فعلها، فالمختار: إن فعلها مرتبة فالواجب أولها أو معاً فأعلاها وإن تركها عوقب بأدناها".
هذه المسألة في الواجب المُخيَّر، الواجب ينقسم إلى قسمين: واجب معين، وواجب مُخيَّر.
·الواجب المعين: ما طلبه الشارع بعينه وليس فيه تخيير، كالصلوات المفروضة والصوم والزكاة، هذا ليس فيه تخيير، عين الصلاة مطلوبة، وعين الزكاة مطلوبة، وعين الصيام مطلوبة، وهكذا، فليس في هذه المسألة تخيير، هذه يسمى واجباً معيناً.
·وأما الواجب المُخيَّر: فهو ما طلبة الشارع مُخيِّراً بين أشياء محصورة، ككفارة اليمين مثلاً، الآن كفارة اليمين خيَّر فيها بين أشياء ثلاثة: الإطعام والكِسوة وعتق الرقبة، هذا الواجب هو الذي يسمى بالواجب المُخيَّر، أي أنّ الفعل المطلوب هاهنا ليس معيناً ولكن مُخيَّر بين أشياء محصورة، فأوجب الله كفارة اليمين ولكنّه لم يلزم المُكفِّر بأمر واحدٍ، بل خيَّره بين:
oإطعام عشرة مساكين.
oأو كسوتهم.
oأو تحرير رقبة.
وهذا الذي يُسمى بالواجب المُخيَّر أو الواجب المبهم، تسميتان لشيء واحد.
وهنا مسألة تتعلق بهذا الموضوع أثارها المعتزلة، وهذه المسألة لو لم يثرها المعتزلة لما كان فيها إشكال ولا ما كانت مسألة أصلاً توضع في هذا العلم، وهي الخطاب في الواجب المُخيَّر: متعلق بواحد مبهم أم أنّه متعلق بكل الأفراد المُخيَّر بينهم؟ الآن عندنا واجب مُخيَّر، مثّلنا له بكفارة اليمين، عندما أُمرتَ بكفارة اليمين أُمرتَ بالإتيان بواحد من ثلاث: الإطعام والكسوة وعتق الرقبة، هل هذا الأمر الآن متعلق بهذه الثلاثة أم أنّه متعلق بواحدٍ من هذه الثلاثة ولكنّه غير معين، هنا السلف قالوا: هو متعلق بواحد من هذه الثلاثة ولكنّه غير معين (مبهم)، وهذا الأمر واضحٌ لا إشكال فيه إلّا أنّ المعتزلة استشكلوا إشكالاً، وبناءً عليه قالوا هو متعلق بالثلاثة، متعلق بالخصال الثلاثة، الواجب عندهم متعلق بهذه الثلاثة، النتيجة في النهاية واحدة بين المعتزلة وغيرهم لأنّهم هم في النهاية يقولون: الواجب واحد، الذي يجب على الشخص أن يفعله هو واحد، لأنّهم يقولون بالإنابة، يقولون فعل الواحد ينوب عن البقية مع أنهم يقولون الثلاثة واجبة، أمّا السلف لا يقولون الثلاثة واجبة، يقولون الواجب واحد ولكنّه غير معين، تمام، فالواجب عند السلف هو التكفير عن اليمين بفعلٍ واحدٍ منها لا بعينه، ليس معيناً، فأي واحد فعله الحانث أجزئه، وأمّا المعتزلة فقالوا: الوجوب متعلق بالثلاثة، فتكون الثلاثة واجبة، لماذا؟ قالوا: لأنّه لو قلنا بأنّ اثنتين من خصال الكفارة مثلاً، الشخص مخيّر فيهما بين الفعل والترك نافى هذا الوجوب، إذا قلنا بالتخيير بين الفعل والترك نافى الوجوب، فقالوا: التخيير ينافي الوجوب، فبما أنّ التخيير يُنافي الوجوب فإذن لا بدّ أن يكون الجميع واجباً ولا يصحّ أن يُقال بأنّ الواجب واحدٌ من ثلاثة، فردّ عليهم أهل العلم فماذا قالوا؟ قالوا: محل الوجوب يختلف عن محل التخيير، لو كان التخيير بين الفعل والترك مطلقاً لقلنا يصح هنا أن نقول والله ينافي هذا الوجوب، لكن التخيير بين الفعل والترك هنا ليس مطلقاً بل مقيداً، هنا تخيير بشرط أن يُفعل واحدٌ من الثلاث، فهذا التخيير لا يُنافي الوجوب، الذي يُنافي الوجوب هو التخيير المطلق، وعندنا ههنا لا يوجد تخيير مطلق ويجب عليه أن يفعل واحد من الثلاثة، وهذا هو الذي يتعلق به الوجوب، انتهى الإشكال إذن وهذا من ناحية الوقوع واقع وموجود، مثاله خصال الكفارة وغيره، من الناحية اللغوية جائز ما فيه أي بأس، فلماذا إذن الإشكال؟ لا إشكال في الموضوع أصلاً، هذه المسألة التي طرحها المؤلف هنا فقال: "الأمر بأحد الأشياء يوجبه مبهماً عندنا"، خلافاً للمعتزلة، الأمر بأحد الأشياء كخصال الكفارة مثلاً، أُمرنا بواحدة من الثلاث يوجبه مبهما، يعني يصير هذا الواحد من هذه الثلاثة واجباً ولكن هذا الواحد ليس معيناً بل هو مبهم، "فإن فعلها فالمختار إن فعلها مرتبة فالواجب أوله أو معاً فأعلاه وإن تركها عوقب بترك أدناها"، فإن كفّر الشخص عن يمينه مثلاً بفعل الخصال الثلاثة، يقول المؤلف: إن فعلها مرتبة، يعني إذا فعل واحدة تلو الأخرى، كأن يُعتق رقبة ثم يُطعم مسكيناً ثم يكسو، فعلها الثلاث مرتبة، الأولى ثم الثانية ثم الثالثة، بغض النظر عن التقديم والتأخير.
قال: فيكون الواجب منها الذي يُثاب عليه ثوابَ الواجب هو الذي فعله أولاً، يعني يكون امتثاله للأمر حصل بماذا؟ بأول فعل فعله، يعني إذا أعتق رقبة أول شيء يكون الواجب قد سقط هنا ويثاب على الامتثال بالأمر بهذا الفعل، لماذا قال هذا؟ قال: الأول يُثاب عليه بامتثاله للأمر، ويسقط عنه الواجب بفعله، ثم بعد ذلك الثاني والثالث يُثاب عليه ثواب استحباب للفعل وليس امتثالاً للأمر، هذا إذا قلنا باستحباب هذا الفعل، لماذا قال المؤلف هذا؟ قاله لأنّه الذي أسقط الفرض، الذي أسقط الفرض ما هو؟ الفعل الأول لا الثاني ولا الثالث، والذي بعده لم يصادف وجوباً في الذمّة، خلاص الوجوب قد سقط، انتهى، فالثاني والثالث لا يُثاب عليه ثوابَ الأول الذي هو ثواب إسقاط الفريضة عنه.
ثم قال: "أو معاً فأعلاها"، أي إن فعلها مع بعضها في وقت واحد دفعةً واحدةً كأن يوّكل مثلاً ثلاثة أن يكفروا عنه، يوَّكل واحداً بعتق رقبة، ويوَّكل الثاني بالكسوة، ويوَّكل الثالث بالإطعام، والثلاثة يفعلون الفعل في نفس الوقت، قال: "فيثاب ثواب الواجب على أعلاها ثواباً"، يُثاب ثواب الواجب على أعلاها ثواباً، يعني في المثال الذي عندنا أعلاها ثواباً ما هو؟ عتق الرقبة، فيُثاب على عتق الرقبة أنّه هو الذي أسقط الواجب، لماذا قال هذا؟ لأنّه الذي يليق بكرم الله تبارك وتعالى، هذا ما ذكروه.
قال: "وإن تركها عوقب بأدناها"، أمّا إذا تركها، الثلاث، ولم يكفر عوقب بأدناها إن حصل عليه العقاب، لأنّ العقاب تحت المشيئة، معروف في مثل هذه الأمور إن حصل عليه العقاب فيُعاقب بأدناها، أي بأقلها إثماً، هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله، والذي تدل عليه الأدلة أنه يُثاب على امتثاله للأمر ويُعاقب إن عوقب على تركه الامتثال بالأمر ولا شك أنّه إن اختار من خصال الكفارة ما هو أعظم مشقة فالأجر على قدر المشقة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "ويجوز تحريم واحد مبهم عندنا كالمُخيَّر"، أي ما قيل في الواجب المُخيَّر يقال في المحرم المُخيَّر، فيجوز تحريم واحد من عدة أشياء محصور، كأن يقول لك شخص مثلاً: لا تأكل اللحم أو السمك، فهنا أنت مُخيّر في ماذا؟ فيما يَحرُم عليك فعله، إمّا اللحم أو السمك، فما قيل في الواجب يُقال هنا في التحريم، لكن قال بعض أهل العلم مسألة التحريم المُخيَّر لم يرد لا في الشرع ولا في اللغة.
قال المؤلف رحمه الله: "مسألة: فرض الكفاية مهم يقصد جزماً حصوله من غير نظر بالذات لفاعله"،هذا من المؤلف تعريف لفرض الكفاية، الواجب ينقسم إلى قسمين: ينقسم إلى فرض عين، وفرض كفاية.
·فرض العين: هو الذي يَلزم كلّ مكلف فعله، كالصوات الخمس والصيام وما شابه، كلّ مكلف من المكلفين يجب عليه أن يفعل هذا الفعل، هذا يسمى فرض عين.
·وفرض الكفاية: هو الذي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، مثل: صلاة الجنازة، صلاة الجنازة فرض كفاية إذا قام بها بعض الناس سقط عن البقية.
هنا الآن نرجع إلى كلام المؤلف قال في تعريفه: "مهم"، أي أمر مهم يُقصد شرعاً حصوله بشكل جازم، فالمقصود حصول الفعل بغض النظر عن الفاعل، المهم عندنا ماذا؟ أن يحصل الفعل، من يفعل الفعل ليس مهماً، هذا الفرض الكفائي، كصلاة الجِنازة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طلب العلم الشرعي للإفتاء والتعليم، وكذلك تصنيع الأسلحة وما شابه من أمور دنيوية لا يستغني المسلمون عنها.
قال المؤلف: "والأصح أنّه دون فرض العين"،يعني بهذا "الأصح" في المسألة خلاف أنّ فرض الكفاية أقل من فرض العين، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية، لماذا قال هذا؟ لشدة اعتناء الشارع به، بقصد حصوله من كلّ مكلف، من شدة اعتناء الشارع أنّه ألزم كلّ مكلف بفعله، فلشدة اعتناء الشارع به دلت على أنّه أفضل من فرض الكفاية، وبعض أهل العلم عكس فقال: فرض الكفاية أفضل من فرض العين، قالوا: لأنّ فاعله يُسقط الإثم عن الجميع.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وأنّه على الكلّ ويسقط بفعل البعض"، أي أنّ فرض الكفاية واجب على كلّ الأمة وإذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، لماذا قال هو واجب على جميع الأمة؟ لأنّ الخطاب الذي أوجب الشارع به الفرض الكفائي يأتي خطاباً عاماً، يكون موجهاً للجميع كما في قوله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله"، وقتال الكفار ليس واجباً عينياً على جميع المسلمين، إذا قامت به فئة وطائفة من المسلمين سقط الإثم عن الباقين، لكنّ الخطاب خطابٌ عامٌ للأمة، فلذلك قالوا بأنّ الكلّ مخاطبٌ بفرض الكفاية، فيكون واجباً على الجميع وإذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وكذلك يستدلون بأنّ الإثم يقع على الجميع إذا تُرك، بما أنّ الإثم يقع على الجميع إذا تُرك إذن فالجميع مخاطبون به، وقال بعض أهل العلم فرض الكفاية على البعض لا على الكلّ وهو قول ضعيف.
قال المؤلف: "وأنّه لا يتعين بالشروع إلّا جهاداً وصلاة جِنازة وحجّاً وعمرة"، هذه مسألة فقهية ليست من مسائل أصول الفقه، ومعنى الكلام فيها أنّ من بدأ بالقيام بفرض الكفاية هل يصير الفرض عليه عينياً، ويصير فرضاً عينياً عليه كونه هو الذي بدأ به أم يجوز له تركه بعد أن بدأ به، هذه هي مسألتنا، بعضهم قال: يتعين فرض الكفاية بالشروع به، مجرد أن تبدأ به يصير واجباً عينياً عليك، والبعض قال: لا يتعين ويجوز لمن بدأ به أن يتركه، والبعض قال بقول المؤلف: أنّه لا يتعين إلّا في أشياء معينة كالجهاد وصلاة الجنازة والحجّ والعمرة، والبعض قال: لا يتعين إلّا في صلاة الجِنازة خاصة، والنووي رحمه الله لم يُرجِّح في هذه القاعدة شيئاً مخصوصاً، وهي عنده من القواعد التي لا يُطلق فيها ترجيح، لاختلاف الترجيح في فروعها، أي أنّ الفروع ليست كلّها تنطبق عليها قاعدة واحدة، بعضها يتعين وبعضها لا يتعين، على حسب المسألة، فلمّا تكون الفروع بهذه الصفة لا يؤصلون لها قاعدة واحدة ويدخلون الجزئيات كلّها تحتها، لا، خلاص يسكتون عن القاعدة ويتكلمون عن الفروع ويعطون الأحكام للفروع مباشرة، يعني بعض المسائل عندما تريد أن تُقعّد لها قاعدة تجد بعض الجزئيات أو كثير من الجزئيات لا تنطبق عليها، ففي هذه الحالة يسكتون عن التقعيد ويرجعون إلى الكلام عن التفريعات، وأحيانا بعض القواعد عندما تريد أن ترجح فيها تجد الترجيح في القاعدة نفسها صعب، لكن إذا نظرت إلى الجزئيات وجدت الترجيح في الجزئيات سهل والأدلة عليه تكون أوضح من التقعيد.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وسنتها كفرضها بإبدال جزماً بضده"، أي سنة الكفاية كفرض الكفاية، الذي قلناه في فرض الكفاية نقوله في سنة الكفاية، فمن حيث التعريف قال: سنة الكفاية كفرض الكفاية، لكن أبدل كلمة جزماً، لا تصلح كلمة جزماً مع السنة، الجزم يكون في الفريضة لا في السنة، فنقول في تعريفها على حسب تعريف المؤلف: "مهمٌ يُقصد حصوله بلا جزم من غير نظر بالذات لفاعله"، هذا تعريف سنة الكفاية، كابتداء السلام من جهة جماعة، جماعة يمرون بشخص، ابتداء السلام سنة مستحبة إذا قام به البعض من هؤلاء الجماعة حصل الاستحباب وكفى البقية، ولمّا قال المؤلف في فرض الكفاية: والأصح أنه دون فرض العين، ماذا يكون عندنا في السنة؟ نقول: الأصح أنّ سنّة الكفاية دون سنّة العين، لأنّه قال: والأصح أنّه أي فرض الكفاية دون فرض العين، فيكون ههنا: والأصح أنّ سنة الكفاية دون سنة العين، وكذلك يُقال بأنّ سنة الكفاية مطلوبة من الكلّ كفرض الكفاية، لكنّ الطلب هنا كطلب جازم وهنا طلب غير جازم، وكذلك نقول في سنة الكفاية أنّها لا تتعين بالشروع فيها.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "مسألة: الأصح أنّ وقت المكتوبة جوازاً وقت لأدائها"، الآن ننتقل إلى موضوع آخر، قبل أن ندخل في كلام المؤلف يجب أن نعلم أنّ الواجب أيضاً ينقسم إلى قسمين من جهة الوقت: واجب موسع وواجب مضيق.
·الواجب المضيَّق: هو الذي لا يسع وقتُه المقدر له شرعاً أكثر من فعله، كصوم رمضان، هل عندك مجال في شهر رمضان أن تصوم رمضان ويبقى معك وقت؟ لو أنّك أردت أن تصومه مرة ثانية؟ أن تفعل ما فيه، هذا يسمى وقتاً مضيقاً، هذا الواجب وقته مضيق.
· والواجب الموسع: هو الذي يسع وقته المقدر له شرعاً أكثر من فعله، كأوقات الصلوات المفروضة، خمسة، الآن وقت صلاة الظهر تقريباً: من الظهر إلى العصر، كم ساعة؟ تقريباً ثلاث ساعات، كم صلاة ظهر بإمكانك أن تصلي في هذه الأوقات؟ كثير، فالوقت يسع لأداء صلاة الظهر وغيرها أيضاً معها، تمام، فهذا الوقت يسمى وقتاً موسعاً، وضحت الصورة، الفرق بين الوقت المضيق والوقت الموسع، طيب.
يُقسّم كثير من العلماء أوقات الصلوات المكتوبة إلى: وقت جواز، ووقت ضرورة، ووقت حُرمة.
فصلاة العصر مثلاً لها عندهم:
·وقت جواز: يجوز أن تصلي فيه العصر وهو أول الوقت.
·ووقت ضرورة: يصلي فيه المضطر لتأخيرها.
·ووقت حرمة: وهو آخر وقت العصر قبل المغيب بقليل.
هكذا يُقسّمون أوقات الصلوات، إذا علمنا المقدمة الأولى والثانية، نأتي الآن إلى تفسير كلام المؤلف، المؤلف يتحدث عن وقت الجواز فقط، قسّمنا وقت الصلاة إلى ثلاثة أقسام: وقت جواز وقت ضرورة ووقت حرمة، المؤلف يتحدث عن وقت الجواز فقط، تقديرياً وتمثيلياً مثلاً فلنقل أنّه في وقت العصر مثلاً: الساعة الأولى من العصر فقط، فيقول: الأصح أنّ وقت الصلاة المكتوبة الذي هو وقت الجواز هو وقت لأدائها، ففي أي جزء من هذا الوقت صلى الشخص فقد صلى الصلاة أداءً، فبإمكانك أن تصلي العصر مثلاً ثم تصلي غيرها في هذا الوقت فوقتها موسع، فواجبها واجب موسع لأنّ وقتها الجائز يسعها ويسع غيرها معها، قال: "الأصح أنّ وقت المكتوبة جوازاً"، وقت الفريضة المكتوبة، الوقت الجائز الذي يجوز فيه أن تصلي لا وقت الضرورة ولا وقت الحرمة، "وقت لأدائها"، كلّ الوقت هذا الذي هو الساعة الأولى من صلاة العصر مثلاً كلّه وقت لأداء صلاة العصر، فإذن وقتها موسع وإلّا مضيق؟ موسع، لماذا؟ لأنّه بإمكانك أن تصلي العصر وأن تصلي غيرها معها في وقت الجواز هذا، أي نعم، هذا معنى كلامه.
ثم قال: "وأنّه يجب على المؤخر العزم"، طبعاً يجوز للعبد أن يؤدي العبادة في أولها وفي وسطها وفي آخرها، يعني في أول وقتها وفي وسط وقتها وفي آخر وقتها، لكن إذا أراد أن يؤخر الصلاة مثلاً عن أول وقتها إلى وسطه أو آخره يقول المؤلف: لابد أن يعزم في قلبه على أدائها فيما بعد، لا يترك أداءها في أول الوقت ويترك العزم أيضاً، لا، يجب أن يأتي بواحد من الاثنين إمّا أن يصليها في أول الوقت أو أن يترك صلاتها في أول الوقت إلى وسطه أو آخره لكن بشرط أن يعزم في قلبه أن يصليها فيما هو آت من وقت لها، وهذا الشرط الذي أوجبه المؤلف رحمه الله اختلف فيه العلماء، فبعضهم قال بقول المؤلف، والبعض قال: لا يلزم هذا ولا يجب، قالوا: لأن الأمر دلّ على وجوب الفعل، والأصل عدم وجوب غيره، الأمر في الشرع جاء بالفعل فقط ولم يأت بقضية العزم هذه، ومن قال بقول المؤلف قال: من لم يفعل العبادة في أول وقتها أو لم يعزم على فعلها فهو معرض عن الأمر بالضرورة، أي معرض أمر الشارع بالضرورة، والمعرض عنه عاصٍ، والعاصي يستحق العقاب، بما أنّه ليس في باله أن يصلي ولا صلى، إذن فهو معرض عن أمر الله تبارك وتعالى، فلذلك قالوا بأنّه يُعتبر عاصياً يستحق العقاب إذا لم يعزم في نفسه على أداء الصلاة فيما هو آت من وقتها، وهذا القول وجيه وقوي ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "ومن أخر مع ظنّ فوته عصى"، من أخرّ الواجب الموسع، الآن الواجب الموسع يجوز لك أن تترك الفعل في أول وقته وأن تأخره إلى وقت آخر، بما أنّ الشارع قد أعطاك المجال في التأخير، لكن إذا غلب على ظنّك أنّ الوقت الموسع لن تدركه فهنا ماذا؟ إذا لم تدرك ذاك الوقت ولم تُصلِّ فأنت عاصٍ، سواء الصلاة أو غيرها، نحن نذكر الصلاة للتمثيل فقط، مثال ذلك: رجل حُكم عليه بالقتل وعُيِّن الوقت، وكان الوقت بعد دخول وقت صلاة الظهر بساعة أو نصف ساعة، هنا غلب على ظنّ هذا المحكوم عليه بالقتل أنّه لن يدرك الوقت الموسع في حقّه، فهنا صار واجباً عليه أن يصلي قبل أن يأتي موعد القتل، وإن لم يُصلِّ فهو عاصٍ، ولا يقول: أنا تركت الصلاة إلى آخر الوقت الجائز لي شرعاً، لا، نقول له هنا أنت يغلب على ظنّك أنّك لن تدرك ذلك الوقت، فتركك للفعل إلى ذاك الوقت تعمد منك إلى ترك هذا الفعل، هذا معنى قول المؤلف ومن أخر مع ظنّ فوته عصى، أي من أخر الفعل مع غلبة الظنّ عنده أنّه سيفوته إن أخر يكون عاصياً، فهذا الوقت في حقّه ليس موسعاً إلى أن يأتي موعد القتل، بل هو مضيق في هذه الحالة.
ثم قال المؤلف: "وأنّه إن بان خلافه وفعله فأداء"، يقول المؤلف والأصح أنّه إن بان خلاف ما كان يغلب على ظنّه من فوت الفعل في وقت ما، كان يغلب على ظنّه أنّه سيموت بعد نصف ساعة أو ساعة من دخول وقت الظهر فلم يمت ولم يُنفذ فيه مثلاً حكم القتل وبقي إلى ما بعد ذلك أدى الصلاة بعد ذلك، هل تعتبر صلاته هنا قضاءً أو تعتبر أداءً؟ المؤلف يقول: هي أداء، وهذا هو الصحيح لأنّه فعلها في وقتها المحدد لها شرعاً، فهي أداءٌ ولكنّه آثم على تأخيرها إلى هذا الوقت، لماذا هو آثم؟ آثم لأنّه كان يغلب على ظنّه أنّها ستفوته وتعمد تأخيرها.
قال المؤلف: "وأنّ من أخرّ مع ظنّ خلافه لم يعص"، يعني والأصح أنّ من أخرّ الفرض إلى آخر وقته الجائز مع غلبة ظنّه أنّه لن يفوته وفاته فهذا لا يعتبر عاصياً لأنّه فعل ما يجوز له فعله شرعاً، شخصٌ أخرَّ وقت الظهر ولم يصلها في أول وقتها وكان يغلب على ظنّه أنّه قادر على صلاتها في آخر وقتها أو في وسطه ثم حصل ومات، هل يعتبر عاصياً؟ لا، لأن تأخيره هذا كان جائز شرعاً، وأجاز له الشرع هذا التأخير وكان يغلب على ظنّه أنّه سيقدر على صلاته تلك، ولكن قدّر الله خلاف ما غلب على ظنّه، ففي هذه الحالة لا يكون عاصياً بل هو طائع في فعله. وقال المؤلف: "بخلاف ما وقته العمر كحجّ"، أي بخلاف الواجب الذي ليس له وقت محدد، هذا كلامنا الذي تقدم كلّه في الذي له وقت محدد وقسّمنا الوقت إلى مضيق وموسع بناء على تحديد الوقت، لكن إمّا أن يكون محدداً لقدر العبادة أو محدداً بما هو زائد عن العبادة فيكون واجباً مضيقاً وموسعاً والتفصيلات التي تقدمت في ذلك، الآن مسألة أخرى، إذا جاءنا واجب ليس له وقت معين، قال: "بخلاف ما وقته العمر كحجّ"، أي بخلاف الواجب الذي ليس له وقت محدد كالحج، فإنّ من أخره بعد أن أمكنه فعله مع ظنّ عدم فوته إلى وقتٍ معينٍ مثلاً ومات ولم يفعله، يقول المؤلف رحمه الله: يعصي على الأصح، شخص تمكن من أداء فريضة الحجّ وصارت عنده القدرة على ذلك وهو يغلب على ظنّه أنّه إذا جاءه السنة القادمة أو التي بعدها أنّه قادر على الحجّ أيضاً ومات ولم يفعله، لم يفعل هذه السنة الحجّ مع أنّه كان قادراً على ذلك وأخر إلى السنة التي بعدها ومات، يقول المؤلف: يموت عاصياً على الأصح، يعني في المسألة نزاع وخلاف، والصحيح أنّه يعصي لماذا؟ لأنّ الأمر يقتضي الفور، وهذا الشخص الحجّ قد علقه الشارع بماذا؟ بالاستطاعة، فإذا كان العبد مستطيعاً ووجد القدرة على الحجّ ولم يفعل ثم مات بعد ذلك يموت عاصياً، فالشخص لا يدري متى يموت، فإذا بقي يؤجل سيترك هذه الفريضة ولن يفعلها وهذا ليس من الواجب الموّسع كما ذكرنا لأنّ الواجب الموّسع له وقت معلوم وهذا ليس له وقت معلوم.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله، ويكون الدرس القادم إن شاء الله آخر دروس المقدمات ونبدأ بالأدلة العامة بإذن الله تعالى.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 08:47.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي