Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 15-06-2015, 08:09   #21
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي تفريغ الدرس السادس عشر

تفريغ الدرس السادس عشر :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد : فهذا المجلس السادس عشر من مجالس شرح كتاب التوحيد , وصلنا عند الباب الثالث وعشرين , قال المؤلف رحمه الله :" باب ما جاء في السحر " , السحر , باب ما جاء : أي من أدلة تبيّن حكم السحر والساحر , قال المؤلف :" باب ما جاء في السحر " , السحر في اللغة : هو عبارة عما خفي ولطف سببه , سببه كان لطيفاً دقيقاً , ويخفى على الناس , لا يظهر , هذا من حيث اللغة , أما من الناحية الشرعية فالسحر هو عزائم ورقى كما عرّفه أبو محمد المقدسي , عزائمٌ ورقى وعُقد تؤثّر في القلوب والأبدان , فيُمرِض ويَقتل , ويفرّق بين المرء وزوجه , فله تأثير , له تأثير حقيقي على الإنسان , تتمة كلام أبي محمد : قال الله تعالى :{ فيتعلمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه } , الذي يتعلم السحر يتعلم هذا الأمر , التفريق بين المرء وزوجه , وقال سبحانه :{ ومن شر النفاثات في العقد } , تعقد العقدة , حبل , خيط , شعر , أشياء مثل هذي , يعقدون العقدة وينفثون عليها نفث ويتكلمون بكلمات يتكون منها السحر , قال : يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن , النفث الذي هو النفخ مع شيء من الريق , ولولا أن للسحر حقيقة لم يأمر بالاستعاذة منه , لا شك أن السحر حقيقة , وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحِر , وفُكّ عنه السحر , جاءت الملائكة وفكّت السحر عنه بالمعوّذات , السحر عرفنا ما هو , أما حكمه فالسحر كفر , السحر كفر , بدليل قول الله تبارك وتعالى :{ وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } فالسحر كفر , قال الله تبارك وتعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } , لذلك المؤلف قال رحمه الله : " وقول الله تعالى :{ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ } " يريد أن يبيّن بهذه الآية حكم السحر , علمَ أهل الكتاب أن من يأخذ بالسحر ويتعلّمه لا خلاق له في الآخرة , يعني لا نصيب له في الآخرة لأنه يكفر بذلك , قال القرطبي رحمه الله في تفسيره :[ قوله تعالى :{ وما كفر سليمان } تبرئة مِنَ اللَّهِ لِسُلَيْمَانَ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِي الْآيَةِ أَنَّ أَحَدًا نَسَبَهُ إِلَى الْكُفْرِ - ما في أحد قال والله سليمان كفر فلماذا إذاً جاءت هذه الآية وقال وما كفر سليمان , ما في أحد رماه بهذا , قال : - وَلَكِنَّ الْيَهُودَ نَسَبَتْهُ إِلَى السِّحْرِ - فكانت النسبة إلى ماذا ؟ إلى السحر لا إلى الكفر , مع ذلك ماذا قال ربنا تبارك وتعالى , قال : وما كفر سليمان , إذاً السحر ماذا ؟ السحر كفر , قال : - وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ السِّحْرُ كُفْرًا صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى الْكُفْرِ. ثُمَّ قَالَ - رحمه الله -:" وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا" فَأَثْبَتَ كُفْرَهُمْ بتعليم السحر ] هذا كلام القرطبي رحمه الله في تفسيره , وقال أيضاً :[ وقال بعض العلماء : إن قال أهل الصناعة إن السحر لا يتم إلا مع الكفر والاستكبار أو تعظيم الشيطان , فالسحر إذاً دالٌّ على الكفر على هذا التقدير , والله تعالى أعلم ] , وقال الجصاص في " أحكام القرآن " : [ وقولهما : { فلا تكفر } يدل على أن عمل السحر كفر ] , وقال أيضاً أبو بكر بن العربي في " أحكام القرآن " :[ وما كفر سليمان قطُّ ولا سَحَر ولكن الشياطين كفروا بسحرهم وأنهم يعلّمونه الناس , ومعتقِد الكفر كافرٌ وقائله كافرٌ ومعلّمه كافر ] , وقال أيضاً :[ وقد أوردْنا في كتاب المشكلَين القول في السحر وحقيقته ومنتهى العمل به على وجهٍ يشفي الغليل , وبيّنّا أن من أقسامه فعلُ ما يُفرَّق به بين المرء وزوجه ومنه ما يجمع بين المرء وزوجه ويسمى التِّوَلة وكلاهما كفر , والكلّ حرامٌ كفرٌ قاله مالك ] وهو مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة رحمهم الله جميعاً , أما الإمام الشافعي فعنده تفصيل , وقال أبو الحسن الأشعري في " مقالات الإسلاميّين " عند ذكره لما عليه أصحاب الحديث أهل السنة , قال : [ ويصدّقون بأن في الدنيا سحَرَة وأن الساحر كافر كما قال الله تعالى , وأن السحر كائنٌ موجودٌ في الدنيا ] ونقلَه عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله , هذا كله يدل على أن الآية تدل على كفر السحرة , والأمر واضح , نعم . أما الشافعي رحمه الله فتفصيله يقول : إذا تَعَلَّم السحر قلنا له صِف لنا سحرك , فإن وصف ما يوجب الكفر , مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرّب إلى الكواكب السبعة وأنها تفعل ما يُلتمَس منها فهو كافر , وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته كفر , انتهى , من اعتقد إباحة السحر يعني , كفر , لكن السحر بالمعنى الذي ذكره ابن قدامة رحمه الله هذا لا يكون إلا كفراً , أما بالمعنى الذي ذكره الشافعي رحمه الله , المعنى الثاني الذي لا يكفر فيه فهذا ليس بسحر , فالسحر حقيقةً لا يمكن للساحر أن يسحر أو أن يتعلم السحر إلا بالكفر , والله أعلم , على كلٍّ , الآية واضحة { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } , فالساحر كافرٌ , والسحر كفرٌ , هذا هو الصحيح وهو الذي عليه المحقّقون من أهل العلم , قال المصنف رحمه الله تعالى :" وقوله :{ يؤمنون بالجبت والطاغوت } " هذه الآية تقدّمت وذكرنا أن السحر من الجبت , قد ذكره المصنف رحمه الله , قال المصنف رحمه الله :" قال عمر : الجبت السحر والطاغوت الشيطان " الشيطان هو سبب الطغيان , لذلك قال عمر : الطاغوت الشيطان , يوسوس للعبد ويغره بنفسه حتى يطغى , قال المصنف رحمه الله تعالى :" وقال جابر : الطواغيت كُهّان " يعني أن الكهان من الطواغيت , " كان ينزل عليهم الشيطان في كل حيٍّ واحد " يعني تنزل عليهم الشياطين وتوسوس لهم , في كل حي من أحياء العرب , في قبائلها , يأتي لشخصٍ منهم من كهّانهم الذين يدّعون معرفة الغيب , يأتيه الشيطان ويوسوس لهم ويتحاكم الناس إليه في الجاهلية , هذا كان حالهم , نعم .
قال المؤلف رحمه الله تعالى :" وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" " , الموبقات يعني المهلكات , سبع أشياء مُهلكة من وقع فيها هلك إلا أن يرحمه الله برحمته , يستغفر ويتوب ويرجع إلى الله , " قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله " هذا هلاكه إذا لقي الله بذلك , هلاكه هلاك تام , الشرك أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك وقد تقدّم ، " والسحر " وهذا الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل السحر من الموبقات , من المهلكات , وقد تقدّم تفسيره، " وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق " سفك الدم سواء كانت دم المسلم , إن كان المقصود دم المسلم أو دم الذمي أو المعاهَد أو المستأمَن , كل هؤلاء يدخلون , بما أن قتله ليس بحق , وما يفعله الخوارج من قتل المسلمين والمعاهدين والذمّيّين , كل هذا بغير حق , وإن تأوّلوا , تأويلاتهم هذه لا تنفعهم , لأنهم يتّبعون أهواءهم , أعرضوا عن كلام العلماء وكلام السلف واتّبعوا أهواءهم ، " وأكل الربا " ، الربا أبوابه كثيرة , منه ربا القروض وربا البيوع , ومحلّه كتب الفقه , آكل الربا محارب لله سبحانه وتعالى ولرسوله { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } فأكل الربا من الذنوب العظيمة , نسأل الله السلامة والعافية , " وأكل مال اليتيم " ، اليتيم الذي لم يبلغ من الذكر والأنثى ومات أبوه , مات أبوه ولم يبلغ , أما إذا ماتت أمه , هذا لا يسمّى يتيماً , وإذا مات أبوه وهو بالغ , أو بلغ بعد موت أبيه , هذا لا يسمى يتيماً , اليتيم الذي لم يبلغ ومات أبوه , بهذين القيدين , هذا يسمى يتيماً أما غيره فليس بيتيم , وأكل مال اليتيم , أكل ماله , هذا ضعيف , يحتاج إلى من يقوم على ماله , ولمّا كان أكله سهلاً , ومن يقوم على ماله ربّما يأكله من غير خوف الله سبحانه وتعالى , هدّد الله سبحانه وتعالى فاعل ذلك وجعل ذنبه من أعظم الذنوب ليحفظ مال اليتيم , " والتولي يوم الزحف " ، الفرار في المعارك , أن تهرب , الهروب هنا لا يجوز في المعركة , هذا من الموبقات , من المهلكات , إلا متحيّزاً إلى فئة , عندك - يعني - تريد أن تذهب إلى جماعة يعينونك , عندك خطة تريد أن تفعلها , ما في بأس , وأيضاً إذا كان العدو أكثر من الضِّعف , " وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" , رمي المؤمنات العفيفات بالزنا , هذا أيضاً من كبائر الذنوب , المهم , الشاهد في الموضوع هو قوله :" والسحر " , اجتنبوا السبع الموبقات , ومنها السحر , فهذا يبين خطورة السحر وأنه - يعني - من المهلكات , بل هو من الكفر كما تقدّم معنا , الآن عرَفنا السحر , وعرفنا حكم السحر وحكم الساحر في الآخرة , وفي الدنيا ما هو حكمه أو حدّه الذي يقيمه عليه ولي الأمر , قال المصنف رحمه الله تعالى :" وعن جندب مرفوعاً " وعن جندب مرفوعاً يعني يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم , جندب بن عبد الله البَجلي صحابي , قال :" حد الساحر ضربه بالسيف " , " حد الساحر ضربه بالسيف " فالساحر كافر يُقتل ردّة , " رواه الترمذي وقال الصحيح أنه موقوف , يعني الصحيح أنه من قول جندب لا من قول النبي صلى الله عليه وسلم , وجندب صحابي , قال المصنّف رحمه الله تعالى :" وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبْدة قال: "كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر " وهذا عن عمر بن الخطاب , وهو أحد الخلفاء الراشدين , يأمر بقتل السحرة , والأمر بقتل السحرة لعِظَم شرّهم وفسادهم في المجتمعات , لهم فسادٌ عظيمٌ وعريضٌ , ولا يمكن القضاء على فسادهم إلا بقتلهم , لذلك كان الحد الشرعي فيهم القتل , وهذا كما سيأتي ثابت عن مجموعة من الصحابة ولا يُعرف لهم مخالف منهم , من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , قال المصنف رحمه الله :" وصح عن حفصة " , حفصة بنت عمر بن الخطاب , " أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقُتلت , وكذا صحّ عن جندب " , قال المصنف رحمه الله تعالى :" قال أحمد : عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " , يعني هذا ثابت , صحّ قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , عن عمر وعن حفصة وعن جندب , إذاً حد الساحر ضربةٌ بالسيف , إذاً حده أن يُقتَل , لكن من يفعل ذلك ؟ يفعله ولاة الأمر , لأن الحدود إذا أقامها غير ولاة الأمور أدّت إلى فوضى , يأتي الشخص ويقتل الآخر ثم يقول : والله كان ساحراً أو سبّ الرب أو سبّ الدين , يفتري عليه , يقتله كي يتخلص منه , صارت الأمور فوضى , يقطع يده ويقول : رأيته يسرق , لا يصلح , تصبح الأمور فوضى , أو ربّما يقتل فعلاً ويذهب شخص آخر يقتله ويقول قتلت القاتل , فتقوم عشيرة هذا لتطالب بدمه وتقوم عشيرة هذا لتدافع عنه , فتدبّ الفوضى بين المسلمين , لذلك جُعِلت الحدود لولاة الأمور فقط , الذين عندهم المُكنة والقدرة على ضبط الناس وعلى تأديبهم .
قال المؤلف – رحمه الله - : باب بيان شيء من أنواع السحر , السحر له أنواع مختلفة , وسيذكر لنا المؤلف أنواع هذي ... أنواع السحر , حتى نحذرها .. قال - رحمه الله - :" قال أحمد : حدثنا محمد بن جعفر , حدثنا عوف , حدثنا حيان بن العلاء , حدثنا قطنُ بن قبيصة , عن أبيه , أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن العيافة , والطَّرْقَ , والطِّيرة , من الجبت ))
يعني : من السحر , ثلاث أشياء ذكره وذكر أنها من السحر : العيافة , والطرق , والطيرة ... فسَّرها أحد رواة الحديث , فقال : قال عوف : (( العيافة : زجر الطير ))
يعني : تأخذ الطير وتطيِّره .. وكانوا يتفاءلون بها ويتشاءمون بها , فجُعِلَت من السحر , (( والطرق : الخطُّ يُخطُّ في الأرض ))
يعني : يريدون من وراء ذلك : التَّكهُّن , و(( الجبت )) : قال الحسن : (( رنة الشيطان )) إسناده جيد ... ولأبي داود والنسائي , وابن حبان في صحيحه المسند منه ,
يعني: المرفوع فقط ... من الجبت , يعني : من السحر ... هذا الحديث ضعيف لا يصح .. قال المصنف – رحمه الله - : وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من اقتبس شعبةً من النجوم , فقد اقتبس شعبة من السحر , زاد ما زاد )) رواه أبو داود وإسناده صحيح ... من اقتبس , يعني : من أخذ , شيئا من ... شعبة : طائفة
(جزء يعني ) (( من اقتبس شعبة من النجوم )) يعني : تعلم شيئا من علم النجوم ... فقد اقتبس شعبة من السحر ,يعني : قد أخذ شيئاً من علم السحر ((زاد ما زاد )) يعني : كلّما زاد في تعلُّم علم النجوم زاد في تعلُّم علم السحر , وزاد في الإثم ..وهذه ,المقصود به : علم النجوم الذي كان في الجاهلية , يستدلون بحركة النجوم , على أشياء تحدثُ في الأرض (نوع من أنواع الكهانة , والـتأثير و التعلٌّق بالشياطين )أمّا علم النجوم الأخر وهو علم التسيير , وسيأتي – إن شاء الله – الكلام فيه , كأن تستدل بالنجوم على القبلة – مثلا - , أو على الطريق فهذا جائز , سيأتي – إن شاء الله – التفصيل في ذلك ... الحديث هذا كلَّه ضعيف الذي ذكره هنا [[تنبيه غير موجود في الصوتية: ما عدا حديث ابن عباس: من اقتبس شعبة من النجوم..فهو صحيح. كتبه علي الرملي]] قال المصنف – رحمه الله - : وللنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : (( من عقد عقدة , ثم نفث فيها , فقد سحر , ومن سحر , فقد أشرك , ومن تعلق شيئا وكِل إليه )) وهذا الحديث – أيضا – ضعيف ... والمقصود بذلك : انك إذا عقدت عقدة , ونفثت ( نفخت نفخ , مع شيء من الريق ) فقد سحرت ,والسحر شركٌ (( ومن تعلَّق شيئا وكِل إليه )) وهذا قد تقدم شرحه فيما مضى , وكما ذكرنا هذا الحديث ضعيف واكن هذا العقد والنفث والتمتمة ببعض أنواع الكلام , هو نوع من أنواع السحر (( من شرِّ النَّفَّاثات في العقد )) – كما جاء في الآية – قال المصنف – رحمه الله - : وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ألا أنبئكم ما العضْه ؟ هي : النميمة ؛ القالة بين الناس )) رواه مسلم
ألا أنبئكم : أي ألا أخبركم ؟ ما العضْهُ ؟ فسّرها نفسها ( الكلمة ) قال : هي النميمة ... والنميمة : هي المشي بين الناس بنقل الكلام للإفساد .. تنقل الكلام بين الناس للإفساد , تذهب إلى زيد تقول له : عمرو يقول فيك كذا وكذا .. ( من أنواع المَذَامِّ ) كي توقع بينهم , هذا ذنب عظيم وهو من الكبائر , لإن له إفساد عظيم (( القالة بين الناس )) هذه هي النميمة : القالة بين الناس , تنقل الأقوال ما بين الناس , وهذه في الغالب لا تنفك عن الكذب , وعن البهتان , ولشدِّة إفساد النمَّام , عُدَّ فعله مثل فعل السحر لإنه يفسد كما يفسد السحر , بل ربما يكون إفساده أعظم , وأنتم تعرفون ما يحدث إذا مشى شخص بالنميمة بين الناس , يفسد إفسادا عظيما .. والنميمة – كما ذكرنا – كبيرة من كبائر الذنوب , ويدل على ذلك حديث الذي في الصحيح : عندما مرَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلم بقبرين قال : (( إنهما يُعذبان وما يعذبان في كبيرة , أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة , وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول )) إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير , يعني : الأمر الذي يعذبان عليه كان من السهل البعد عنه والتخلص منه فمهما يعذبان عليه ... قال المصنف – رحمه الله - : ولهما عن ابن عمر ( الظاهر أنه يعني ب ( لهما ) للبخاري ومسلم , الحديث عند البخاري ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إن من البيان لسحرا )) يريد المؤلف - من ذلك – أن يدخل البيان في نوع من أنواع السحر , لذلك ذكره هنا , والمقصود بالبيان : البلاغة والفصاحة في الكلام , وقد اختلف العلماء في هذا الحديث أهو ذمٌ للبيان ؟ أم مدحٌ له ؟ يعني : كأن تأتي تقول : والله فلان يتكلم بكلام مثل السحر ؛ يسحرك من جماله , ورونقه ( هذا من حمله على المدح ) , ومن حمله على الذم ...قال : شبّه بالسحر ((إن من البيان لسحرا )) وذلك بأنّ الشخص يكون الحق عليه , ولبلاغته وفصاحته يقلب الأمر إلى صاحبه – كما قال أحد المبتدعة , قال : والله إني قادر أن أقلب الحق باطلا , والباطل حقا ( عنده لسان ) فتحذر من أمثال هؤلاء ... وللأسف ؛ كثير من الجهال يغتر بأمثال هؤلاء ( الذين أوتوا بيانا ) فيسمع كلامه المنمّق والمزوّق , فيغتر به , ويظن أن الرجل على حق , ولا يدري أنه يضع السُّم في العسل ... الشاهد بعض العلماء قال : أن هذا الحديث (( إن من البيان لسحرا )) مذمّة للبيان , الذي يستغله صاحبه في الباطل فلأن السحر مذموم صار البيان مذموما ... والبعض قال : لا .. قال لا .. هو المقصود به المدح للبيان .. لكن ؛ لا شكّ أنه إذا حُمل على المدح فالمقصود بالبيان : الذي يستعمل في طاعة الله , وفي الخير .. لا في الشرّ وقلب الحق باطلا ... لكن سوقُ المؤلف له يدل على أنه حمله على الذم , فالمقصود أن البيان هذا , يعمل عمل السحر , فيجعل الحق في قالب الباطل , هذا ما أراده هنا , والله أعلم .. لكن – لا شك – هنا , لا يكفر صاحب البيان كما يكفر الساحر ... لا , المقصود من ذلك كله بيان خطر هذه الأشاء ( خطر النميمة , خطر البيان الذي يحصل فيع قلب الحقائق ) هذا المقصود لذلك شبهه بالسحر ( لما له من مفاسد وإفساد , شبهه بالسحر ) أما أن يقال : يأخذ نفس حكم الساحر ؟ لا طبعا , ليس هذا المقصود ... والله أعلم .. نكتفي بهذا القدر اليوم ... وفقنا الله وإياكم لطاعته⁠⁠

التفريغ منسق على ملف ورد في المرفقات
الملفات المرفقة
نوع الملف: docx تفريغ الدرس السادس عشر.docx‏ (19.6 كيلوبايت, المشاهدات 366)

آخر تعديل بواسطة أبو الحسن علي الرملي ، 07-03-2020 الساعة 05:50
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-06-2015, 08:10   #22
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي تفريغ الدرس السابع عشر

تفريغ الدرس السابع عشر :
الحمد الله ,والصلاة والسلام على رسول الله ... أما بعد :
هذا المجلس السابع عشر من مجالس شرح كتاب التوحيد, وصلنا عند الباب الخامس والعشرين : باب ما جاء في الكهان ونحوهم
باب ما جاء : من أدلة في الكهان ونحوهم – ممن يدعي معرفة الأمور الغيبية – الكاهن , و المنجم , و الرّمّال , و غيرهم ... كما سيأتي – إن شاء الله – كل هؤلاء يجتمعون في أدعاء معرفة الأمور الغيبية , و سيأتي تعريف الكاهن والعرّاف وغيرهم من كلام المؤلف – رحمة الله تعالى – المهم في – الآية – أن نعرف أنَّ الكاهن هو من يدعي معرفة الأمور الغيبية , أمور الغيب لا يعلُمها إلا الله – سبحانه و تعالى – كما قال الله – سبحانه و تعالى – في كتابه الكريم : (( وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو )) وقال – تبارك وتعالى - : (( عالم الغيب فلا يظهر على غيبيه أحدا إلا من ارتض من رسول ...)) وقال الله – سبحانه و تعالى – أيضا : ((قل لا يعلم من في السماوات و الأرض الغيب إلا الله )) الأمور الغيبية لا يعلمها إلا رب العالمين – تبارك وتعالى – , وقد نصت هذه الآيات بدلالة واضحة لا خفاء فيها على ذلك فمن ادّعى معرفة الأمور الغيبية , فقد كذب بهذه الآيات , ومن صدّقه كذلك كذّب بهذه الآيات , ومن ادعى معرفة الأمور الغيبية فقد جعل نفسه نداً لله – تبارك وتعالى – في ذلك , فلذلك ؛ الكاهن و العّراف و المنجم هؤلاء كفرة ... أي نعم ... وكما ذكرنا بأن معرفة الأمور الغيبية خاصٌ بالله – سبحانه وتعالى – فمن نازعه شيء من ذلك , وادّعى معرفة الأمور الغيبية فقد جعل نفسه نداً لله – تبارك وتعالى - , قال المصنف – رحمه الله وتعالى – روى مسلم في صحيحه , عن بعض النبي صلى الله عليه وسلم , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول , لم تقبل له صلاةٌ أربعين يوماً )) من أتى عرَاف : بحث عن عرَافٍ وذهب إليه .. ذهبت له ناقة , أو سُرقت منه سيارة , أو ضاع له ولد ... يذهب إلى أين ؟ إلى العرَاف ( الذي يدعي معرفة الأمور الغيبية , كي يرشده إلى محلها ) هؤلاء العرَافون والكُهَان يتعاملون مع الجنِّ , إذا كان أ مراً مفقوداً , ربَّما الجنّ يعرف مكانه , فيذكره للكاهن أو للعرَّاف , فالكاهن والعراف يخبر مطيعه بذلك , فيذهب ... وقبل ذلك _ طبعاً _ يقرِّب قرباناً ( إما يذبح شاةًّ , يقول له : اذهب واذبح شاة , أو اذبح ديكاً , أو ادفع مالاً قدرِ كذا ) .. يقرِّب قرباناً للجنّ , فيقع الشرك بأنواعه , نسأل الله السلامة والعافية ... وهذا واقع من الناس كثيراً , رأيناه و سمعناه من الناس , يفعلون ذلك , وهذا من الشرك بالله _ سبحانه وتعالى _ نسأل الله العافية والسلامة ... يقول _ هنا _ المؤلف , ذكر في صحيح مسلم : من أتى عرافاً , من جاءه فسأله عن شيء منفي هذا الحديث الأمور التي يريد أن يعرفها , من الأمور الغيبية ... قال : (( فصَّدقه بما يقول )) هذه الزيادة في هذا الحديث , زيادة مقحمة , ليست منه هذه , هذه الزيادة (فصَّدقه بما يقول ) ليست في صحيح مسلم .. المؤلف يذكر الحديث في صحيح مسلم وخذه الزيادة ليست موجودة في صحيح مسلم ... في صحيح مسلم : (( من أتى عرافاً , فسأله عن شيء , لم تقبل له صلاة أربعين يوماً )) وهكذا تستقيم الأحاديث _على ما سيأتي إن شاء الله _ فمن أتى العرَّاف وسأله مجرد سؤال _ حتى و إن لم يصّدقه _ لم تقبل له صلاة أربعين يوماً , ومعنى لا تقبل له صلاة أربعين يوماً : أنه لا يؤجر عليها , ويأثم على فعله ذلك , لكنه لا بدَّ أن يصلَّي , وإذا صلَّى سقط عنه الطلب , هذا لا بدَّ منه بإجماع العلماء _ كما نقل النووي رحمه الله _ قال : (( العلماء متَّفقون على أنه لا يلزم من أتى العرَّاف إعادة الصلاة أربعين ليلة , لكنه لا يؤجر على ذلك , ويأثم على فعله )) فهذه مصيبة ؛ أنْ لا يُقبل له صلاة أربعين يوماً .. مشكلة , فهذا يدلُّ _ بارك الله فيكم _ على عدم جواز إتيان العرَّاف , حتَّى لمجرد السؤال المحض , الذي ليس معه تصديق , أما إذا أتى العرّاف فصَّدقه , فالمصيبةُ أعظم , لذلك قال المصنف _ رحمه الله تعالى _ : وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أتى كاهناً فصَّدقه بما يقول ؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم )) رواه أبو داوود .
من أتى كاهناً يدَّعي معرفة الأمور الغيبية ( من جاءه لذلك ) فصدّقه بما يقول ( - هنا – هذه الزيادة تأتي في هذا الحديث ) لأنَّ –هنا – ما ترتب على ذلك يختلف عمّا ترتّب عليه في الحديث السابق , فهناك قال : "من أتى ..." و هنا قال : ( ... فصدقه ) هناك كانت العقوبة أنه لا تقبل له صلاة أربعين يوماً , هنا : كفر بما أُنزل على محمد ... فمن ذلك نستنتج : أن مجرد السؤال مع غير التصديق ... لا تقبل له صلاة أربعين يوماً ... لكن إذا حصل التصديق , قد كفر بما أُنزل على محمد , يعني : مكذب بكتاب الله _ تبارك وتعالى _ الذي فيه النصوص التي ذكرنا : أن الأمور الغيبية لا يعلمها إلا الله _ سبحانه وتعالى _ ... فالآيات واضحات ... فمن أتى الكاهن و صدَّقه فقد كفر ... فقد كذب بهذه الآيات , و لم يصَّدق بها ... والصحيح من أقوال اهل العلم : أنَّ منْ صدَّق الكاهن كفر , ( إذا كان يعلم هذه الآيات ويعلم الحكم الشرعي ) فهذا يكفر , يخرج من ملِّة الإسلام , لأنه مكذِّب لكتاب ربه _ تبارك وتعالى _ , عداك عن أنه إذا قرب قرباناً مع الكاهن , هذا يُشرك شركاً آخر في شرك في عبادة الله _ سبحانه وتعالى _ وتكذيبٌّ بكتاب الله _ تبارك وتعالى _ فيكون قد جمع بين طامَّتين .
قال المصنف – رحمه الله - : وللأربعة ( المقصود بالأربعة : سنن أبي داود , وسنن الترمذيّ , وسنن النسائي , وسنن ابن ماجة و هذه الستة , فالستة : البخاري , ومسلم ’ و أبو داود , والترمذي , والنسائي , وابن ماجة ... هذه تسمى الكتب الستة , و الأربعة منها : أبو داود , و الترمذي , والنسائي , ابن ماجة , و ترتيبها –من حيث الأصّحّية - : النسائي , و أبو داود , والترمذي , و ابن ماجه ... النسائي أصح هذه الكتب الأربعة ,وليس كلُّ ما فيها صحيح , فلم يشترط واحد من الأربعة الصحة في كتابة , لكن النسائي كان أشد انتقاء من غيره , وأما البخاري ومسلم , فقد اشترطوا الصحة , فما في كتابيهما صحيح على خلاف يسير في بعض الأحاديث القليلة ... أي نعم ... فالمقصود بالأربعة –هنا - : ما ذكرناه " والحاكم " ( في المستدرك ) , الحاكم له كتاب اسمه : كتاب المستدرك , وسمي مستدركاً لأنه استدرك على البخاري ومسلم أحاديث لم يخرّج لها في صحيحهما , ويدعي الحاكم أنها على شرطهما , ويخرجها في كتابه هذا , يقول : هي على نفس شرط البخاري و مسلم , كان ينبغي عليهما أن يخرجاها , بناء على مذهبه من أن البخاري و مسلم اشترطا أن يُخرجا جميع الأحاديث الصحيحة التي على شرطهما , و كلامة غير صحيح ... لا في ... من حيث شرط البخاري ومسلم ( لأنه لم يشترط هذا الشرط ) و لا ما يضعه في كتابه – أصلاً – هو يكون على شرطهما غالباً " على شرطهما " هذا هو ... هذا قوله ودندنته , دائماً بهذه الطريقه ... لكنْ , هذا لا يسلّم للحاكم فأوهامه كثيرة في كتابه ... على كل حال , هذا موضوع حديثي ... عن " عن أبي هريرة " لكنْ , ليست موجودة عندي في المتن ... " من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه , بما يقول ؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى لله عليه وسلم " يعني هنا , قد رويت بالشدة " من أتى كاهناً أو عرفاً ... " وكلاهما ينطبق عليهما ادعاء معرفة الأمور الغيبية , و سيأتي تعريفهم , ويأتي – أيضاً – الفصل بين الكاهن والعرف – بإذن الله تعالى – الشاهد من هذا كلّه أنَّ إتيان الكُهان أمره عظيم , مخالف لشرع الله , إما أن يكون ناقصاً لأصل التوحيد , أو لكماله , على التفصيل الذي ذكرنا ... قال المصنف – رحمه الله تعالى - : " و لأبي يعلى بسند جيد " (لأبي يعلى , يعني : صاحب المسند , له مسند ( مسند أبي يعلى ) وله مسندان هو : كبير و وصغير , مطبوع بين أيدينا أحدهما ) " بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً " ( يعني : من كلام ابن مسعود , وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسام ) ... نعم
قال المصنف – رحمه الله- : وعن عمران بن حصين مرفوعا : " ليس منا : من تطَّير أو تُطير له , أو تكهن أو تُكهن له , أو سَحر أو سُحر له , ومن أتى كاهناً فصدقة بما يقول فقد كفر بما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم " رواه البزار بإسناد جيد ... وراه الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله : " ومن أتى كاهناً ..." إلى آخره ... " من أتى كاهناً فصدقه بما يقول ..." إلى آخره , قد تقدم شرحه .. أما قوله : " ليس منا " فهذه تدل على الوعيد الشديد ويدل على أن هذا العمل من الأمور العظيمة , وكان السلف لا يحبون تفسيرها , ويتركونها كما هي , كي يبقى لها وقع في النفوس , لأنها إذا فسرت ربما تفسر بأمر يهون وقعها في نفوس الناس , فلذلك ما كان السلف يحبون تفسيرها , فيتركونها كما هي ... " ليس منا من تطير " من تطير , يعني : تشاءم , و ذلك بفعلِ... كانوا في القديم يأخذون الطير فيطيرونه , فإذا طار يميناً تفاءلوا خيراً , و إذا طار شمالاً تشاءموا شراً , فالذي يُمسكَ الطيرَ _ هذا _ ويطيره , هذا يتطيرُ للناس , وينظرُ لهم فألهم : هذا ليس منا ( من تطير) : (( أو تطيرَ له )) أي : من فُعل له ذلك , يأتي الشخص إلى آخر , ويقول له : افعل لي هذا , فيفعله له , فليس منا لا هذا : لا الفاعل , ولا المفعول له... (( أو تَكَهَّنَّ أو تُكِهِّنَّ له )) كذلك نفس الشيء , تَكَهَّنَّ , يعني : الكاهن , الذي يعمل الكهانة , (( وتُكُهِّنَّ له )) : الذي يسأل الكاهن , (( أو سَحَرَ أو سُحر له )) السَّحرة الذي يسحر الذي هو الساحر , و (( سُحِرَ له )) الذي طلب من الساحر السحر ... طل هؤلاء داخلون في قوله (( ليس منَّا )) , و (( من أتى كاهناً ... )) إلى آخره .. فيه زجر شديد عن هذه الأفعال ( التطير , والكهانة _ وسيأتي موضوع التطير موضوعاً خاصاً إن شاء الله _ , والكهانة , والسحر _ السحر تقدم _ , والكهانة : الذي نحن فيه الآن ) ... قال المؤلف _ رحمه الله تعالى _ : قال البغويّ ( الآن نأتي على تعريف العرَّاف , والكاهن , والرَّمال ) قال البغوي : (( العراف : الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضَّالة ونحو ذلك ... يعني : يدعي الأمور الغيبية , بالنسبة له , وبالنسبة للسائل .. أمور غيبية لا يدري عنها , مكان المسروق , هو لا يدري عنه , وكذلك الذي جاء سأله , لا يدري عنه , فعنده مقدمات وأشياء يفعلها , يستدل بها على معرفة هذه الأمور , فيُفَرَّقُ بينه وبين الكاهن في أن العرَّاف يدعي معرفة أمور قد وقعت في السابق , أما الكاهن يدعي أمور مستقبلية , هكذا فَرق بينهما أهل العلم , وقيل : هو الكاهن , يعني : قول من أقوال العلماء أنه لا فرق بين العرَّاف والكاهن , وهما واحد , والكاهن : هو الذي يُخبرُ عن المغيبات في المستقبل : يُخبر عن الأمور الغيبية في المستقبل , ستحصل لم تحصل بعد , وقيل : الذي يُخبر عمَّا في الضمير )) ( عمَّا في النفس يعني ) كلها أمور غيبية وقال أبو العباس ابن تيمية _ رحمه الله _ : (( العرَّاف : اسم للكاهن والمنجِّم والرَّمال ونحوهم ( يعني العراف اسم عامٌّ , يجمع الجميع , فإذا قلت : العراف , شما كل من يدعي معرفة الأمور الغيبية , مِنْ كاهن , أو منجِّم , منجم : الذي ينظر في النجوم , ويستدل بالأحوال الفلكِّية على الحوادث الأرضية , وقد تقدم الحديث عنه , والرَّمال : الذي يخطُّ على الرَّمل , ويدعي بذلك معرفة أشياء غيبية , _ أيضاً _ , ونحوهم : أمثال هؤلاء , كلهم يُطلق عليهم اسم العرَّاف عند شيخ الإسلام ابن تيمية , فكلمة العرَّاف كلمة عامة , تشمل الجميع , وكلمة الجميع , وكلمة الكاهن كلمة أخصَّ منها , فهي تختصُّ بمعرفة الأمور المستقبلية , هذا المعنى الذي يريده المؤلف _ رحمه الله
_ أو الذي يريده شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _ ) قال : ونحوه ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق )) معرفة الأمور بهذه الطرق : معرفة الأمور الغيبية – يعني – بهذه الطرق : طرق الرمل , وطرق النظر في النجوم وما شابهه .. هذه خلاصة ما جاء في تعريفه ( تعرف الكاهن والعراف ) .. قال المصنف – رحمه الله تعالى - : وقال ابن عباس ( هو الصحابي المعروف , ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ) – في قوم يكتبون (( أبا جاد )) وينظرون في النجوم - : (( ما أَرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق )) هذا موقوف على ابن عباس , وهو صحيح عنه , وهذه الفتوى لابن عباس رضي الله عنه .. يقول : في قوم يكتبون (( أبا جاد )) أبا جاد : حروف الجمل , التي هي : أبجد , هوز , حَطِّي , كَلَمَن ... لكن هذا ترتيب , وذاك ترتيب آخر , هذا الترتيب : أ , ب , ت , ث : يسمونه ترتيب هجائي , أما ذاك الترتيب ؛ فيسمونه : ترتيب أبجدي ( أبجد , هوز , حطي , كلمن .. إلى آخره ) فأنت لما تفكفكها ( أبجد , هوز ... ) .. أ , ب, ج , د , ه , و , ز , إلى آخره , هذي نفس الحروف العربية , ولكن لها ترتيب آخر .. الترتيب الأبجدي ؛ هذه الحروف يرتبونها على ترتيب الجمل , يفرقون بها بين الجمل لتميز , ويتنبؤون بها – بعض الكهنة – يستعملون ذلك في الكهانة , وهذا المراد هنا " يكتبون أبا جاد " يكتبون بهذه الطريقة ليدعوا معرفة الأمور الغيبية بها .. " وينظرون في النجوم " ينظرون في النجوم ليس النظر الجائر ( كي يستدلوا به على الطريق , ومعرفة القبلة , ومعرفة الاتجاهات هذا جائز ) لكن هم ينظرون إلى النجوم للاستدلال بها على الحوادث الأرضية , ودعوى معرفتها بالنظر إلى النجوم , وأنها تؤثر فيما يقع على الأرض , هذا الذي يدعونه , وهو صنف من أنواع الكهنة ( التكهن ) قال : " ما أورى من فعل ذلك له عند الله من خلاق " يعني : ماله عند الله من نصيب , ليس له نصيب , يدعي معرفة الأمور الغيبية , هذا يؤكد ما ذكرناه في السابق : بأن الكاهن – حقيقة – خارج ملة الإسلام مكذب لكتاب الله , و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم , وكذلك من صدَّقه , فالراجح من كلام العلماء أن من صدَّق الكاهن كفر , مكذب بكتاب الله – سبحانه وتعالى – لما ذُكر من الآيات السابقة , إن كان بعض العلماء قال : هو كفر دون كفر , لكن ليس صحيح , لأنه تكذيبٌ لكتاب الله – تبارك وتعالى – إذا كان معه قربة للجن أو الكاهن فهذا يكون – أيضا – كفر أخر , وهو شرك بالله – سبحانه وتعالى –إضافة إلى جعلهِ , جعل الكاهن نداً لله –تبارك وتعالى – في معرفة الأمور الغيبية , أيضا يجعله نداً لله – تبارك وتعالى –في عبادته , نعم
قال المؤلف – رحمة الله
باب ما جاء في النشرة
ذكر المؤلف في السابق : السحر , و الكهانة , و ما يتعلق بذلك من الأمور , وخصوصاً السحر , و هو أمر واقع , بينَّ المؤلف حكمه , وحكم من يفعله , لكن هناك أُناس لا يبالون , ومن الكفرة من يمارسه – أيضاً - , وخصوصاً اليهود , معروف عنهم هذا ( يهود السّامرى ) هؤلاء خصيصاً - يعني – معروف عنهم , معروف – أيضاً - , في بلاد المغرب العربي ( خصيصاً المغرب ) وغيرها ... وهو موجود في أي بلاد تذهب إليها موجود السحر بكثرة – للأسف – خصوصاً في زمننا هذا الذي نعيش فيه , فالناس يحتاجون إلى علاج لهذا الأمر , لذلك المؤلف ذكر النشرة , و النشرة هي : حل السحر عن المسحور , هذا معنى النشرة , حلُّ السحر عن المسحور , وسميت نُشرة : مأخوذة من النشر ( و هو : التفريق ) هذا الأصل اللغوي , فيفرق بين المريض و صاحبه , فلذلك سميت نُشرة ... قال المؤلف :" باب ما جاء في النشرة " ( يعني : ما جاء من أدلة شرعية في حل السحر عن المسحور , وسُمِّيت نُشرة : مأخوذة من النشرة ( وهو : التفريق ) هذا الأصل اللغوي , فيفرق بين المريض وصاحبه , فذلك سُمِّيت نُشرة ... قال المؤلف :باب ما جاء في النُّشرة ( يعني : ما جاء مِنْ أدلة شرعية في حل السحر عن الساحر , وخلاصة هذا الباب : أن النُّشرة تنقسم إلى قسمين : نُشرةٌ شركية كفرية ,ونُشرةٌ شرعية ... النشرة الشرعية : هي التي تكون بالرقية الشرعية ( بالقرآن والسنة ) النبي صلى الله عليه وسلم سُحِرَ , وفكَّ عنه السحر : الملائكة , بالمعوذات ( هذه نُشرة شرعية ) ... ونُشرة شركية : فك السحر بالسحر , حلُّ السحر , وهذا لا يفعله إلا الساحر , هو الذي يستطيع أن يفُكَ السحر بالسحر ( فهذه نُشرة شركية كفرية ) ... ننظر _الآن _ ماذا جاء من أدلة في هذا ؟ قال المؤلف _ رحمه الله تعالى _ : عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن النُشرة , فقال : (( هي من عمل الشيطان )) ( يعني : النُشرة بالسحر )رواه أحمد بسند جيد وأبو داود ... وقال : (( سُئِلَ أحمد عنها , فقال : (( ابن مسعود يكره هذا كله )) )) يعني : ابن مسعود يكره النُشرة التي هي من عمل الشيطان .. قال المصنِّف _ رحمه الله تعالى _ : وللبخاري عن قتادة ( وهو : أحد أئمة التابعين , قتادة بن دِعامة ) : قلت لابن المسيِّب ( سعيد بن المسيِّب : تابعي جليل ) : رجلٌ به طِبٌ ( سحر يعني , كانوا يسمُّنوه : طِبّ , قال : طِبَّ الرجُل , إذا سُحِرَ ... هذي عادة العرب : يسمُّون بعض الأشياء بأسماء طيبة , _ من باب التفاؤل _ , كما يفعل إخواننا في المغرب العربي اليوم , ماذا يسمون النار ؟ العافية هذا من باب التفاؤل , يغضبون لمَّا تقول له : يعطيك العافية ... عندنا ؛ يعطيك العافية يعني : يعطيك الصَّحة يعطيك القوَّة , فيغضب لأن يعطيك العافية : يعطيك النار عندهم , فلمَّا تكلَّم مع أخ من المغرب انتبه للألفاظ هذي مثل ... هذي فقط استطراديَّة _ يعني _ ... قال : رجل ٌ به طِبٌ ( يعني سِحر ) سُمِّيَّ طِبَّاً للتفاؤل ... أو يُؤَخَّذُ عن امرته ( يعني : يمتنع عنها , لا يستطيع أنْ زوجته ,لا يستطع أن يجامعها ) هذا نوع من أنواع السِّحر , يُحبسُ الرجل عن امراته , والحبسُ هذا يريدون منه التفريق ( التفريق بين الرجل وامراته (( يفرِّقون به بين المرء وزوجه )) كيف ؟ إذا حبسوا الرجل عن امرته , ما استطاع أن يجامعها , يكون هذا من أسباب الفُرقة والنزاع والخصام بين الزوجين ... أيحلُّ عنه أو يُنشَّر ؟ ( يعني : يجوز أن نفكّ عنه السحر هذا ؟ قال : (( لا بأس به ( هذا سعيد بن المسيِّب ) قتادة يسأله وسعيد يُجيب قال : (( لا بأس به , إنما يريدون به الإصلاح , فأما ما ينفعُ , فَلَم ينهَ عنه ))مقصودُهُ _ هنا _ : النُّشرة الشرعية , لا بأس به أن يكون بالنشرة الشرعية , لا النشرة المحرَّمة , لا يُفهمُ هذا عن سعيد بن المسيِّب _ رحمه الله _ يريدون به الإصلاح ( يريدون به إزالة السحر ) ... قال المصنِّف _ رحمه الله _ : ويُروى عن الحسن أنه قال : (( لايحلُّ السحر إلا ساحر )) ( يعني : بالسحر ) , لا يحلُّ السحر بالسحر إلا ساحر , أما بالرقية الشرعية فقد حلَّها الملائكة رضي الله عنهم .. قال المصنِّف _ رحمه الله تعالى _ : قال ابن القيم : (( النُّشرة : حَلُّ السحر عن المسحور , وهي نوعان : ( يعطيك الخلاصة الآن ) هؤلاء المحقِّقون : كابن القيِّم , وابن تيمية رحمه الله يعطونك خلاصة المسائل . وهي نوعان : أحدهما : حَلُّ بسِحرٍ مثله , ( يعني : حلُّ السحر بسحر مثله ) وهو الذي من عمل الشيطان ( الآن جمع بين الأدلة المذكورة ) الأدلة التي ذكرها المؤلف منها ما يحرَّم , ومنها ما يُجيز , وإن كانت من كلام النبي صلى الله عليه وسلم , أو من كلام السلف رضي الله عنهم ... الجمع بين الأمور , أعطاك الخلاصة من كلام ابن القيِّم _ رحمه الله _ ... قال : وهي نوعان : أحدهما : حُّلٌّ بسحرٍ مثله , وهو الذي من عمل الشيطان , وعليه يُحملُ قولُ الحسن , رأيت ؟ لمَّا قال الحسن : (( لا يحلُّ السحر إلا ساحر )) فيتقرب الناشِرُ والمنتشر إلى الشيطان ( يتقرَّب الناشر , يعني : الساحر الذي يحلُّ السحر , المنتشر : المسحور .. إلى الشيطان بما يُحب ( من أنواع القُرب ... وهذا كثير , يأتي إلى الساحر , ويقول له : عندي سحر , يقول : اذهب اذبح ديك , اذهب اذبح ماعز , اذهب اذبح دجاجة ... هكذا , نسمع هذا كثيراً يحصل , وهو قربةٌ للجن كي يفكُّ عنه السحر ) فيبطلُ عمله عن المسحور . والثاني ( النوع الثاني ) : النَّشرةُ بالرقية , و التعوذات , والأدوية , والدعوات المباحة , فهذا جائز )) هذا خلاصة الموضوع , هذا خلاصة هذا البحث ... والله أعلم
قال المؤلف رحمه الله :" باب ما جاء في التطيّر " , ما جاء في التطيّر من أدلة شرعية تدلّ على النهي عنه والوعيد الشديد فيه وأنه من الشرك , والتطيّر مأخوذ من الطير , كانوا يطيّرون الطير فإذا طارت يميناً تفاءلوا بها خيراً وإذا طارت شمالاً تشاءموا بها شراً ثم توسّعوا في ذلك , فصاروا يتشاءمون من الأشخاص ويتشاءمون من الدُّور ويتشاءمون من الأماكن ويتشاءمون من الأيام , وهكذا , هذا أمرٌ كان موجوداً في الجاهليّة وعند المشركين في السابق كما سيأتي من كلام المؤلف رحمه الله ما يدل عليه , التطيّر مُنافٍ لكمال التوحيد الواجب , فهو مُخِلٌّ بالتوكل على الله سبحانه وتعالى وادّعاء المنفعة والمضرّة فيه , هو لا ينفع ولا يضر , واعتماد القلب يجب أن يكون على الله سبحانه وتعالى تامّاً , وهذا الأمر ينافي كمال التوحيد الواجب كما ذكرنا , فيجب أن يكون توكلك تامّاً على الله سبحانه وتعالى فلا يضرّك هذا الشيء ولا تنظر إليه أبداً , لذلك ساق المؤلف التطير في هذا الموطن لأنه يخلّ بالتوحيد , وهذا منتشر اليوم بين الناس كثيراً , وهو التشاؤم نفسه , التطير هو التشاؤم , التشاؤم بأي شيء يدخل في ضمن هذه الأدلة التي سيذكرها المؤلف رحمه الله , فالتطيّر شرك كما قال صلى الله عليه وسلم وكما سيأتي من كلامه , قال المصنف رحمه الله تعالى " وقول الله تعالى: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} " وقال :" وقوله: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} " هذه الآيات في الأنبياء والرسل السابقين الذين أُرسلوا إلى أقوامهم , موسى عليه السلام وغيره من الأنبياء والرسل , أُرسلوا إلى أقوامهم , فأقوامهم كانوا إذا نزلت بهم قحط , جدب , لم تأتِ الأمطار , لم تُخرج الأرض خيراتها , تشاءموا بأنبيائهم ورسلهم , قالوا : هذا منكم , ألا إنما , قالوا هذا منكم يعني , إنا تطيّرنا بكم وتشاءمنا بكم , أنتم شؤم , أتيتم لنا بالسوء , هذا ما يقوله لأنبيائهم ورسلهم , فردّ عليهم الأنبياء في الآية الأولى , قال : { أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } , يعني بذلك أن ما قدّره الله لهم وما كتبه عليهم عنده تبارك وتعالى , { أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ } نصيبهم وقدرهم عند رب العالمين { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } والمراد من ذلك أن ما يصيبهم من مصائب فهو بأعمالهم , الله سبحانه وتعالى يقدّر عليهم ذلك ويبليهم بالمصائب من وراء أعمالهم { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } فحقيقةً هذه المصائب التي تنزل بكم بسبب معتقداتكم وشرككم وبسبب أفعالكم الفاسدة , هذا معنى { ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون } , جُهّال لا يعلمون حقائق الأمور , ينسبون الشؤم إلى الأنبياء الذين جاؤوهم بالخير , جاؤوهم بالتوحيد , جاؤوهم بالصلاح , والتوحيد والخير , طاعة الله سبحانه وتعالى إذا انتشرت في الأرض انتشر الخير , وأنزل الله سبحانه وتعالى نعيمه وفضله على الناس { اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا , يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا , وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا } فطاعة الله سبحانه وتعالى تجلب الخير لا تجلب الشر , لكن هؤلاء القوم جهال لا يفهمون لا يعقلون , فمن أراد الخير وأراد الخصب في هذه الحياة وأراد النعيم يطيع الله سبحانه وتعالى , يوحد , انظروا إلى حال العرب قبل أن يأتيهم النبي صلى الله عليه وسلم وبعد أن أتاهم , رحم الله المغيرة بن شعبة عندما ذهب إلى كسرى يناقشه ويقيم عليه الحجّة , بدأ كسرى معه قال : ما منعني أن أقتلكم أنتم العرب إلا خشية نتن جيفكم , وكنتم قوم متفرّقين مشتتين جوعى فقراء حالتكم يُرثى لها , المغيرة ما أنكر هذا , كان رده عليه : نعم , لقد كنا كما ذكرت , لكن عندما جاءنا الله سبحانه وتعالى بهذا النبي أخرجَنا مما نحن فيه , أذكر بالمعنى اختصاراً , وذكر له الخير والنعيم الذي أصابهم بعد مجيء النبي صلى الله عليه وسلم , هكذا يكون الأمر , هكذا يكون الحال , فمن أراد النعيم وأراد الفلاح فليطع الله , فليوحد الله سبحانه وتعالى , حتى الفرد , لا ينظر إلى مجتمعه الفاسد , ينظر إلى نفسه , أصلح نفسك , استغفر الله سبحانه وتعالى , تب إليه , أصلح حالك , يرزقك الله سبحانه وتعالى وينصرك ويعزّك , في الآية الثانية { قالوا طائركم معكم } الأنبياء يردّون عليهم , { طائركم معكم } , أنتم كَذَبَة , شؤمكم الذي نزل عليكم بسببكم , بسبب أعمالكم , بسبب شرككم , بسبب فسقكم وفجوركم , لذلك طائركم ملازمٌ لكم بأعمالكم وفجوركم واعتقاداتكم , يأتيكم شؤمكم , { أإن ذكرتم } أي : لأننا ذكرناكم بالله سبحانه وتعالى وبتوحيده ترموننا بهذا وتتشاءمون بنا , { بل أنتم قوم مسرفون } أنتم قوم تتجاوزون الحد في شرككم وفي كفركم وفي خروجكم عن طاعة ربكم تبارك وتعالى , الشاهد من الآيتين : أن التطيّر موجودٌ عند أهل الجاهلية وعند المشركين من قديم إلى يومنا هذا مازال موجوداً بين الناس , أذكر الكثير من عامة الناس إذا وقفت بومة على رأس البيت يطير وينزل خوفاً مما سيحدث من وقوف البومة على رأس البيت , هذا موجود بين عامة الناس , سبحان الله , تشاؤم , يتشاءم من البومة , وأشياء كثيرة يتشاءم الناس منها , ألفاظ الأطفال , أحياناً طفل يتكلم بكلمة , مسكين , طفل بريء ما يدري أيش يقول , يتكلم بكلمة تقوم الدنيا في البيت بين الناس , ليش ؟ يتشاءمون من هذه الكلمة , الله المستعان , الطيرة شرك , هذا كله يدخل في هذا الباب الذي نحن فيه , الشاهد أن التطير من عمل أهل الجاهلية , من عمل المشركين , وقد ذمّهم الله تبارك وتعالى به ومقتهم عليه , ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التطير كما سيأتي إن شاء الله .
قال المؤلف رحمه الله تعالى :" عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر" أخرجاه " يعني البخاري ومسلم , " زاد مسلمٌ :" ولا نوء ولا غول " " , هذا نفيٌ , نفى الله سبحانه وتعالى هذه الأشياء ," لا عدوى " جاء في حديثٍ صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ وفر من المجذوم كما تفر من الأسد ] , وكذلك صح عنه أنه قال :[ من سمع بالطاعون في أرضٍ فلا يَقدُم عليه ] لأن الطاعون مرض مُعدي ينتقل بين الناس , فاختلف العلماء في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث , وأصح ما قيل بأن قوله " لا عدوى " أي لا عدوى مؤثرة بنفسها , لا عدوى مؤثرة بنفسها , خلافاً لما كان يعتقده أهل الجاهلية , لكن العدوى هي في نفسها موجودة , الله سبحانه وتعالى هو الذي يقدّر أثرها , لكن هي في نفسها لا تؤثّر , لكن بتقدير الله سبحانه وتعالى , قال :" ولا طيرة " ولا طيرة , المقصود من ذلك : لا طيرة , أنها , النفي للتطير , فحقيقةً التطير لا ينفع ولا يضرّ ولا يدفع شيئاً , " ولا هامة ": الطيرة قد تقدّم شرحها , وهو الشاهد من سوق المؤلف للحديث هنا , نفي التطيّر , فلا يجوز فعله , " ولا صفَر " أيضاً كانوا يتشاءمون قديماً بشهر صفر , فنفى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم , فلا يجوز التشاؤم بشهر صفر , أو أي شهر أو أي يوم , " زاد مسلم :[ ولا نوء ] " النوء واحد من الأنواء , طلوع النجم وغروب آخَر , أحدهما يطلع في المشرق والآخر في المغرب وكانوا يعتقدون أنه لا بد عنده من مطر أو ريح ينسبونه إلى الطالع والغارب , فنفى النبي صلى الله عليه وسلم صحة ذلك ," ولا غول ": الغول الذي يعتقده الناس اليوم ما زال إلى اليوم , عندنا إذا أرادوا أن يخوفوا صغيراً يقول أجاك الغول وهذا الغول كانت العرب تزعم أن الغول يكون في الصحاري تراه الناس هكذا بشيء ترى شيئاً كالظل مثلاً وتتلون بصور شتّى وتضلهم عن الطريق وتهلكهم فنفاه النبي صلى الله عليه وسلم وأبطله , وأما حديث :[ إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان ] ضعيف لا يصح هذا الحديث , الشاهد قوله ولا طيرة فالطيرة محرمة لا تنفع ولا تضر ويجب التوكل على الله سبحانه وتعالى وقد أبدلنا الله سبحانه وتعالى خيراً منها , نستخير الله سبحانه وتعالى في الأمر , نستخير الله سبحانه وتعالى نصلي ركعتين من غير الفريضة ثم ندعو الله ونتوكل على الله , في الدعاء هذا نفي للحول والقوة والعلم وفيه توكل واعتماد على الله سبحانه وتعالى في دعاء الاستخارة بخلاف ما كانت تفعله أهل الجاهلية في التطير , , قال المصنف رحمه الله :" ولهما " أي للبخاري ومسلم , " عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة" " نفس المعنى :" لا عدوى ولا طيرة " نفس المعنى الذي تقدّم , قال :" ويعجبني الفأل " قالوا الفأل فيما يسرّ وفيما يسوء , وأما الطيرة فلا تكون إلا فيما يسوء , والفأل فيما يسوء منهيٌّ عنه أيضاً , لكن التفاؤل فيما يسرّ كالكلمة الطيّبة , هذا لا بأس به , قال بعض أهل العلم : الفرق بين التشاؤم والتفاؤل : أن التشاؤم سوء ظنٍّ بالله تعالى بغير سببٍ محقّق , والتفاؤل حسنُ ظنٍّ به , والمؤمن مأمورٌ بحسن الظن بالله على كل حال , فالتفاؤل جائز لا بأس به , كأن يكون الرجل مريضاً مثلاً فيسمع آخَر يقول : يا سالم , فيقع في ظنّه أنه يبرأ من مرضه فهذا لا بأس به , هذا من التفاؤل , لا بأس به , يعني التفاؤل بالخير لا بأس به , أما التشاؤم بالسوء فلا , ما يجوز , هذا الفرق بين الأمرين , قال المصنّف رحمه الله تعالى :" ولأبي داوود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال : ذُكِرَت الطِّيَرَة ُعند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحسنها الفأل " على المعنى المتقدم أن الفأل لا بأس به , " ولا ترد مسلما ً" يعني المسلم لا يبالي بها, إن طارت إلى الشمال أو رأى شيئاً تشاءم به ما ترك طريقه الذي يسلكه من أجل هذا الأمر , لأنه يتوكل على الله سبحانه وتعالى حق توكله , فلا يترك طريقه ومسيره إلى الخير من أجل أنه تشاءم بشيءٍ , " فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك" الحديث ضعيف , لا يصحّ , فهذا الدعاء لا يصحّ , قال المصنف :" وعن ابن مسعود مرفوعا: "الطيرة شرك، الطيرة شرك " الطيرة شركٌ , هذا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم , مرفوع , فهي شركٌ بالله تبارك وتعالى , تخلّ بتوكل العبد على ربه تبارك وتعالى , وهذا فيه تحريم الطيرة لأن فيها تعلق القلب على غير الله تبارك وتعالى , هذا فيه شرك , نوع شرك , " وما منا إلا ... " , هذا الكلام ليس للنبي صلى الله عليه وسلم , هذا الكلام لابن مسعود , يعني : ما منا إلا ويحصل في قلبه شيء من ذلك , " ولكن الله يذهبه بالتوكل" هكذا يكون المؤمن , أي إذا كان معتمداً على الله بحق ومحقّقاً للتوكّل , ما يقع في قلبه لا يبالي به , يطرده ," رواه أبو داود والترمذي وصححه وجعل آخره من قول ابن مسعود " وهذا الصحيح , آخره من عند قوله :" وما منا إلا ... " إلى آخره , هذا من كلام ابن مسعود وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم , قال المؤلف رحمه الله تعالى : " ولأحمد من حديث ابن عمرو: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك. " من ردّته الطيرة عن حاجته , كان يمضي في طريق فرأى شيئاً أو سمع شيئاً تشاءم به فرجع , هذا وقع في الشرك , وقع في الشرك , لأنه أخلَّ بالاعتماد على الله تبارك وتعالى وتعلَّقَ قلبه بغيره , " قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك" " , هذا كفارته , وهذا الحديث في إسناده ابن لهيعة , وابن لهيعة لا يُعتمَد عليه , قال المؤلف رحمه الله :" وله " أي لأحمد , " من حديث الفضل بن عباس: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك" " يعني ما كان له أثرٌ في قلبك واستقرّ ومضيت بناءاً عليه , إما مضيت في شأنك وإما رجعت عنه بسبب ما حصل في قلبك من التشاؤم , هذه حقيقة التشاؤم الضارّة التي لها مؤاخذة عند الله , وهي الشرك , أما إذا وقع في قلبك شيء وطردته واعتمدت على ربك فهذه لا تضرك , هذا المعنى المقصود من كلام الفضل بن عباس , خلاصة الكلام أن الطيرة شرك يعني التشاؤم محرّم وهو من الشرك بالله تبارك وتعالى , أسأل الله أن يوفّقنا وإياكم لطاعته , والله أعلم .
في حديت مسلم تنبيه أخير في حديث مسلم قلنا لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر أظن أني ما شرحت الهامة الهامة , هي طائر من طيور الليل وهو البومة معروف عند كثير من الناس بالبومة وهذه كانوا يتشاءمون بها وما زالوا إلى اليوم يتشاءمون بها وهذا أيضاً قد نفاه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز التشاؤم بها والأمر الأخير الذي أريد أن أنبه عليه أن التشاؤم هذا من الشرك وهو تارة يكون من الشرك الأكبر وتارة يكون من الشرك الأصغر فإذا كان الشخص اعتقد في الشيء الذي تشاءم به أنه هو ينفع ويضر فهذا شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام أما إذا اعتقد أنه سبب فقط للنفع أو للضر فمثل هذا يعتبر من الشرك الأصغر لا من الشرك الأكبر هذا تفصيل التطير وهل هو من الشرك الأكبر أم من الشرك الأصغر يعني إن اعتقده سبباً فهذا من الشرك الأصغر وإن اعتقد أنه هو يؤثر بنفسه فهذا يعتبر من الشرك الأكبر والله أعلم والحمد لله رب العالمين⁠⁠.


التفريغ منسق على ملف ورد في المرفقات
الملفات المرفقة
نوع الملف: docx تفريغ الدرس السابع عشر.docx‏ (25.9 كيلوبايت, المشاهدات 409)
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-06-2015, 08:12   #23
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

جزى الله خيرا شيخنا عليا على ما أسدى وقدم وأسأل الله أن يبارك في إخواننا طلبة معهد البصيرة على جهودهم في تفريغ هذه الأشرطة وتسهيل الانتفاع بها مسموعة ومقروءة.
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-10-2015, 10:12   #24
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

المجلس الثامن عشر من شرح كتاب التوحيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, أمّا بعد:
فهذا المجلس الثامن عشر والباب الذي وصلنا إليه هو الباب الثامن والعشرين: "باب ما جاء في التنجيم".
أي: ما جاء من أدلة شرعية تدلّ على النهي عن التنجيم, والتنجيم: الاستدلال بالنجوم على الحوادث الأرضية, ودعوى أنّ حركة النجوم في السماء تدلّ على أشياء تقع في الأرض, أشياء غيبية, فالمُنجّم يدّعي معرفة أمور غيبية بالنظر في النجوم وحركة الأفلاك, هذا معنى التنجيم المراد هنا.
وعلم النجوم علمان:
· علم تأثير.
· وعلم تسيير.
الذي نتحدّث عنه -الذي حرّمه الشارع- هو علم التأثير الذي يدّعي أصحابُه أنّ النجوم تؤثّر بحركة الأشياء على الأرض, فيدّعون معرفة الأمور الغيبية بالنجوم, هذا الاعتقاد (اعتقاد أنّ النجوم لها تأثير على الأرض) اعتقاد كفري, وادّعاء معرفة الغيب أيضاً بالنجوم كذلك اعتقاد كفري وادّعاء كفري, قد تقدّم معنا موضوع الكهانة وادّعاء معرفة الأمور الغيبية, كذلك يُقال ما قلناه سابقاً في هذا الباب, فعلم النجوم المنهي عنه ما يدّعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان, هكذا قال أهل العلم, كأوقات مثلاً هبوب الريح، وقت تغير الأسعار, كيف يتغير السعر من غلاء إلى رخص وما شابه من أشياء, يعني المنجّم يدّعي أنّه يعرف أموراً غيبية ستقع على الأرض من خلال النجوم, هذا العلم هو المنهي عنه, وهو شركي كفري.
أمّا العلم الآخر وهو علم التسيير: وهو الاستدلال بالنجوم على الطُّرُق, تعرف الشمال من الجنوب من الشرق من الغرب, وتسير في الأرض أو تكون في البحر فتعرف الطرقات من خلال النجوم, هذا لا بأس به ومن الجائز شرعاً كما سيأتي في الأدلة.
لكن خلاصة الموضوع هو ما ذكرْنا, أنّ علم التنجيم -علم التأثير- هذا كفر بالله وكفرٌ مخرج من ملّة الإسلام, أمّا علم التسيير فهذا جائز.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "قال البخاري في صحيحه: قال قتادة" قتادة بن دِعامة أحد علماء التابعين رضي الله عنهم, والبخاري في صحيحه ذكره معلّقاً, قال: "خلق الله هذه النجوم لثلاث"إذاً النجوم ماذا نستفيد منها؟ نستفيد منها ثلاثة أمور, "زينةً للسماء" هذا الأمر الأول, زينةً للسماء, لقول الله تبارك وتعالى: "وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ" هذه الآية فيها أمران: الأول: زينة للسماء "وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ" هي مثل السُّرُج, مثل الأضواء التي في بيوتنا, لها نور, تتلألأ, سُرُج, فهي زينة لهذه السماء, تنظر إليها منظر جميل "وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ" هذا الأمر الأول, قال: "زينة للسماء ورجوماً للشياطين" تقدّم معنا أنّ الشياطين يحاولون استراق السمع فيرقى بعضهم على بعض إلى أن يصلوا إلى السماء فيحاولون سماع ما يدور بين الملائكة في السماء ويسترقون السمع, فيرسل الله سبحانه وتعالى عليهم هذه المصابيح, الرجوم, التي هي الشُّهُب, فتقضي عليهم على التفصيل الذي تقدّم معنا في الماضي, ودليله قول الله تبارك وتعالى: "وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ" يعني: يُرجَم بها الشياطين فيُضربون بها ويُحرَقون بها, هذا الأمر الثاني, الأمر الثالث: قال: "وعلاماتٍ يُهتدى بها", "وعلامات" كما قال الله سبحانه وتعالى: "وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ", علامات: دلالات على الجهات, يُهتدى بها: يعني يَهتدي بها الناس فيعرفون الطريق, يعرفون الشرق من الغرب من الشمال من الجنوب, من خلال هذه النجوم, فيهتدون إلى الطرق التي يريدونها, هذه الأمور الثلاثة هي التي نستفيدها من النجوم, وهي التي ذُكِرَت أدلّتها في الكتاب, قال قتادة: "فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ", فمن تأوّل فيها: يعني من اعتقد فيها غير ذلك من هذه الأمور الثلاثة التي دلّ عليها كتاب الله تبارك وتعالى, "فقد أخطأ وأضاع نصيبه" مِن الدِّين , وهذا يقتضي أنّه يَكفُر, "وتَكلَّفَ ما لا علم له به"، يعني: تكلّمَ في أشياء لا علم له بها, تكلّمَ عن جهلٍ, مجرّد ظنون لا أدلة عليها, هذا المعنى عندما يتكلم في النجوم بأكثر مما ذُكِر من الأشياء الثلاثة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وكَرِه قتادةُ تعلُّمَ منازلِ القمر", منازل القمر: مَداراته التي يدور فيها حول الأرض, يدور كل ليلة في أحدها, وهي ثمانية وعشرون, لكلٍّ منها اسمٌ معيَّنٌ, ولكلّ فصلٍ من فصول السنة سبعة منازل, هذه المقصود بمنازل القمر, وقد كَرِهَ قتادة تعلّمَ ذلك, الظاهر كراهيته لذلك لأنّه وسيلة لأن يُعتقَد فيها ما لا يجوز, فكره ذلك سدّاً للذريعة, "ولم يرخّص ابن عُيَيْنةَ فيه"،كذلك منعه, هذا مما كان السلف رضي الله عنهم يمنعونه سدّاً للذريعة لأنّه يوصل إلى المحذور, وربّما مَن تعلَّمَ منازل القمر أن يؤدي به الأمر إلى أن يعتقد أنّها تؤثّر في الكون, وهذا كفرٌ -نعوذ بالله-, "ذكره حربٌ عنهما" : أي نقله عنهما حربُ بنُ إسماعيل أبو محمد من أصحاب الإمام أحمد, "ورخّص في تعلُّمِ المنازل أحمد وإسحاق": أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه صاحبه, إمامان, رخّصوا في تعلّم المنازل إذا لم يؤدِّ بصاحبه إلى الاعتقاد الفاسد فلابأس بتعلُّمِه, فمَن عرف خطورة الاعتقاد هذا وأنّه محرّم واجتنبه فلا بأس أن يتعلّم المنازل وغيره لا, والأفضل سدّ الذريعة.
خلاصة البحث, خلاصة الموضوع: تعلُّمُ علم التسيير جائز وتعلم علم التأثير محرّم, فالمأذون في تعلمه علمُ التسيير والمحرّم علمُ التأثير, هذا خلاصة الموضوع, على ما تقدّمَ من التفصيل والتفريق بين العِلمين.
قال المصنّف رحمه الله تعالى: "وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر" رواه أحمد وابن حبان في صحيحه".
هذا الحديث ضعيفٌ لا يصحّ, محل الشاهد منه, المؤلف رحمه الله ذكره لقوله في آخره: "ومصدّقٌ بالسحر" والربط بين السحر والتنجيم أنّ التنجيم نوعٌ من السحر لأنّه جاء في الحديث: "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد"، فالتنجيم نوعٌ من السحر بناءً على هذين الحديثين, والحديث هذا كما ذكرنا لا يصحّ , هذا ما يتعلق بمبحث التنجيم .
قال المؤلف رحمه الله: "باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء", ما جاء من أدلة شرعية في الكتاب والسنة تدلّ على تحريم ذلك وأنّه كفر, الاستسقاء: طلب السقيا, بالأنواء: يعني بالنجوم, كانوا في الجاهلية يعتقدون أنّ حركة القمر والنجوم لها تأثير في نزول المطر وفيما يحدث على هذا الكوكب, فالآن الباب الذي سبق في مسألة التنجيم عموماً, هذا خاصٌّ بمسألة الاستسقاء, طلب السقيا, طلب المطر من النجوم لأنّها هي التي تؤثّر فيما يزعمون, هذا هو الكفر لأنّه فيه ادّعاء خالق مع الله سبحانه وتعالى, رازق, مدبر مع الله سبحانه وتعالى, وهذا كفرٌ بالله تبارك وتعالى.
قال المؤلف رحمه الله: "وقول الله تعالى: "وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ"".
الآية التي جاءت هذه الآية في سياقها قوله تعالى: "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ", "أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ": يعني بهذا القرآن أنتم تكذّبون وتزعمون أنّه من قول محمد أو من قول فلان, "وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ", رزقكم: يعني المطر, تجعلون ما يرزقكم الله سبحانه وتعالى من المطر كذباً من عندكم بأنّ هذا المطر مُطرتموه بالأنواء, "بنوء كذا وكذا" فتنسبون المطر إلى الأنواء فلا تشكرون الله سبحانه وتعالى على نعمة المطر الذي هو أنعم عليكم بهذه النعمة ولكن تنسبون المطر إلى الأنواء, والأنواء جمع نوء, من: ناء ينوء إذا نهض, والنوء عبارة عن أحد منازل القمر الثمانية والعشرين, فكانت العرب في الجاهلية تزعم أنّ المطر إنّما ينزل بسبب طلوع النجم, وبعضهم يقول: المطر يحصل بسبب غروب النجم الذي يغرب في الفجر, المهم أنّهم يضيفون نزول المطر إلى طلوع النجم أو غروبه ويظنون أنّ طلوع النجم أو غروبه هو الذي يسبب نزول المطر, "مطرنا بنوء كذا وكذا", وكذّبهم الله في ذلك بقوله: " وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ"، يعني المطر " أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ"، فتنسبونه إلى الطالع والغارب وهي من النجوم, نجمٌ طالع ونجمٌ غارب, فيكذبون على الله سبحانه وتعالى ويُنكرون نعمة الله ويجحدونها, والواجب إضافة النعمة لله تبارك وتعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وعن أبي مالك الأشعري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب" رواه مسلم".
هذه الأربع من أمور الجاهلية باقية في هذه الأمّة، وهي باقية إلى يومنا هذا ومع علمهم بتحريمها إلّا أنّها باقية فيهم, كانت موجودة في أهل الجاهلية وستبقى موجودة, وهي باقية حتى في يومنا هذا, وهذا من دلائل نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم, أخبرَ أنّها ستبقى وقد بقيَت, "الفخر بالأحساب" هذا الأمر الأول, يعني التعاظم على الناس بالآباء ومناقبهم ومآثرهم, وهذا جهلٌ من فاعله, لأنّ كرم الإنسان ومنزلته ومكانته ليست بآبائه ونسبه إنّما بتقواه "إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم"، فالافتخار بحق يكون بتقواك لله سبحانه وتعالى, "والطعن في الأنساب"، يعني الوقوع فيها بالعيب والتنقّص, تقول للشخص: نسبك وضيع, حقير, ونسبي رفيع, تطعن في نسبه, تقلل من شأنه, هذا معنى الطعن في أنساب الناس, أو الطعن في ثبوت نسب شخصٍ من غير بيّنة ولا دليل صحيح, "والاستسقاء بالنجوم" هذا الشاهد, المؤلف ساق الحديث لأجل هذا, الاستسقاء: يعني طلب السقيا بالنجوم, نسبة المطر إلى النوء, وهو سقوط النجم, وهذا محرّم, فمن اعتقد أنّه سبب فهذا شركٌ أصغر, ومن اعتقد أنّ له تأثيراً هو الذي ينزل المطر فهذا كفرٌ مخرج من ملّة الإسلام, "والنياحة"، النياحة: رفع الصوت بالندب على الميّت, من باب الجزع والتسخّط, (ياويلاه على فلان, كان ناصري, كان يفعل وكان يفعل) كما تفعل كثير من الجاهلات من النساء, وفي النياحة تسخّطٌ على قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره وذلك ينافي الصبر الواجب, وهذا من كبائر الذنوب, قال: "النائحة" التي تنوح على الميت, "إذا لم تتب قبل موتها" عقابها شديد, "تُقام يوم القيامة وعليها سربالٌ من قطِران ودرع من جرب", السربال: ثياب يلطّخن بالقطران، فكأن الواحدة قد لبسته لباساً, والقطران الذي هو النحاس المُذاب, "ودرعٌ من جرب", الدرع كالثوب أيضاً, والجرب مرض جلدي, فتصوّر أنت هذا الشكل, تصوّر شدة الألم, نحاس مذاب يغلي وجَرَب, نسأل الله أن يعافينا وإياكم, أنواع العذاب يوم القيامة شديدة, مَن تأمَّلَها لو اجتمع عليه عذاب الدنيا كلِّه لهان أمام عذاب واحد من عذاب يوم القيامة, فعلاً كثيرٌ من الناس ما أعطَوا القيامة قدْرها ولا فهموا حقيقة ما سيحصل فيها ولا عرفوا جهنم معرفةً يقينيّة وإلّا لَما غرّتهم الدنيا على الصورة التي نراهم عليها اليوم, فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا جميعاً برحمته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: "ولهما" يعني للبخاري ومسلم, "عن زيد بن خالد قال:" هو أحد الصحابة, "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية" اسم مكان على حدود الحرم من جهة الغرب, "على إثر سماء كانت من الليل" يعني بعد نزول مطر كان قد نزل في الليل, إثر سماء يعني مطر, "فلمّا انصرف أقبل على الناس" لمّا انتهى من صلاته أدار وجهه إلى الناس, "فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" لاحِظْ, قسّم العباد إلى قسمين: مؤمن به وكافر, مَن المؤمن؟ قال: "فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب" أعاد الفضل لصاحبه, صاحب الفضل وهو الله سبحانه وتعالى, فنَسَبَ المطر لله سبحانه وتعالى وقال مُطِرنا بفضل الله ورحمته, "فذلك مؤمنٌ بي كافر بالكوكب" يجحد أن يكون الكوكب له أثرٌ في نزول المطر, يُكذّب بذلك، "وأمّا من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا"يعني مطرنا بنجم كذا وكذا، "فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب"، من اعتقد أنّ الكوكب هو الذي يُمطِر فقد جعل خالقاً مع الله: كفر بذلك, ومن اعتقد أنّه سبب, قد جعل شيئاً سبباً نفاه ربنا تبارك وتعالى, وهذا إلى الشرك الأصغر, هذا هو تفصيل هذه المسألة وما يدلّ عليه الحديث.
قال المصنف رحمه الله: "ولهما من حديث ابن عباس معناه وفيه: قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا"، ألفاظ يعبّرون عنها, "لقد صدق نوء كذا وكذا" فصدّقوه, نسبوا نزول المطر إلى النوء فصدّقوه فيما نسبوه إليه، "فأنزل الله هذه الآيات: "فلا أقسم بمواقع النجوم"", قال أهل العلم: هذا قسم، والله يقسم بما يشاء من خلقه, "فلا أقسم بمواقع النجوم وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم", هذا القسم قسم عظيم, يقسم على ماذا؟ قال: "إنّه لقرآن كريم"على أنّ هذا القرآن قرآن كريم, فكأنّه يقول: ليس الأمر كما تزعمون أنّ القرآن هو سحر أو كهانة أو ما شابه بل هو قرآن كريم, "في كتاب مكنون" يعني: في كتاب محفوظ, وهو اللوح المحفوظ, "لا يمسّه إلّا المطهرون"، يعني الملائكة, هم الذين يمسّونه فقط, اللوح المحفوظ لا يمسّه إلّا الملائكة, "تنزيل من ربّ العالمين"،يعني نزل من عند الله تبارك وتعالى هذا القرآن، نزل به جبريل إلى نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم وبلّغه محمد صلى الله عليه وسلم لأمته , "أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذّبون"تقدّمَ شرحها.

الملفات المرفقة
نوع الملف: docx 18.docx‏ (41.9 كيلوبايت, المشاهدات 344)

آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 18-10-2015 الساعة 09:16
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-10-2015, 09:12   #25
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

المجلس التاسع عشر من شرح كتاب التوحيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فقال المؤلف رحمه الله: "باب قول الله تعالى: "ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله"".
هذا الباب علاقته بالتوحيد أنّ المحبّة التعبّدية يجب أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى, وإذا صُرف شيءٌ منها لغيره يكون الصارف قد وقع في الشرك, أشرك مع الله غيره في أمرٍ هو من خصائص الله سبحانه وتعالى, المحبّة التعبدية, محبّة العبادة: وهي التي توجب التذليل والتعظيم, هذه محبّة العبادة: ما يوجب التذليل والتعظيم, يعني معها خضوع وتذلل بطاعة الأمر واجتناب النهي, بهذا تكون محبّةً تعبّدية، أي كما نُحبّ الله سبحانه وتعالى, نحبّ الله محبةً معها كمال الخضوع والتذلّل له والتسليم والطاعة لأمره واجتناب نهيه, هذه محبّة تعبّدية, صرْفُها لغير الله شرك, وأنت تلاحظ في عُبّاد القبور عندهم هذه المحبّة, يُشركون في محبّة الله تبارك وتعالى ويحبّون أولياءهم إمّا مثل محبتهم لله أو أعظم, فتجده يخشع ويتذلّل عند صاحب القبر ويَذِلّ له وينذر له, يدعوه, يستغيث به, يسجد له, لماذا؟ لأنّه قد أحبّه محبةً عظيمة معها كمال الخضوع والتذلّل, هذه هي محبّة العبادة, من المحبّة ما ليست عبادة, محبّة طبيعية جعلها الله سبحانه وتعالى في قلوب العباد كمحبّة الأب لابنه, محبّة الزوج لزوجته, وما شابه، هذه محبة طبيعية وليست تعبدية, المحبّة التي نتحدث عنها هي المحبّة التعبدية التي يكون معها كمال الخضوع والتذلّل, هي توجبه, توجب كمال الخضوع والتذلل للمحبوب, هذه المحبّة هي التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: "ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً"، يعني من الناس من يتّخذ من غير الله أنداداً يعني: من يجعلونه نِدّاً لله, مثيلاً له, في ماذا؟ في المحبّة, ولذلك قال: "يحبونهم كحبّ الله", يحبونهم: يحبون الأنداد الذين اتخذوهم مع الله وجعلوهم نداً لله, يحبونهم كما يحبون الله, يحبونهم كحبّ الله, وهذا الشرك, هذا معنى الشرك, أن تحبّ مخلوقاً مع الله تبارك وتعالى, أن تحب شيئاً مع الله تبارك وتعالى كحبِّك لله أو أعظم حبّاً, هذا الشرك بالله تبارك وتعالى في محبّة الله تبارك وتعالى, "ومن الناس من يتخذ من دون الله" يعني من غير الله "أنداداً" يعني: أُناس أو مخلوقات يجعلونها نداً مماثلة ومشابهة لله في محبتهم لهم، فيحبونهم كحبّ الله أو أشدّ حبّاً, هذا معنى الآية, والباب معقود لهذا, أنّ هذه المحبّة التعبدية يجب أن تكون لله خالصة ولا يجوز صرفها لغير الله وصرفها لغير الله شركٌ, ما هو ضابطها؟ قلنا: المحبّة التي معها كمال الخضوع والتذلل, فأنت تطيع المحبوب وتجتنب ما نهى عنه من أجل خضوعك وتذللك له ومحبته وتعظيمه في قلبك, هذا معنى المحبّة التعبدية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وقوله: "قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ"".
"قل": يا محمد, "إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ"، يعني قبائلكم، "وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا"، يعني اكتسبتموها، "وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا"، أي: تخشون عدم نفادها، "وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ"، بحيث إنكم تقدّمون الاستمتاع بهذه الأشياء وتقدمون طاعة الوالدين وتقدمون طاعة القبيلة والعشيرة على أمر الله تبارك وتعالى, هذا يدلّ على أنّ محبتكم لهذه الأمور أعظم من محبتكم لله تبارك وتعالى حيث إنّكم قدمتم أوامر الوالدين وأوامر القبيلة وأطعتم الأزواج في معصية الله سبحانه وتعالى, هنا تكونون في هذه الحالة قد قدمتم هذه الأمور على أمر الله تبارك وتعالى، "وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ"، يعني إن كانت هذه الأمور أحبّ إليكم من الله "وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا"، يعني إذا كانت هذه الأشياء المذكورات هي أحبّ إليكم من الله ورسوله فلا تطيعون الله سبحانه وتعالى وتطيعون الوالدين أو تطيعون العشائر أو الأزواج أو تركنون إلى الدنيا وتتركون أوامر الله سبحانه وتعالى وطاعته, قال: "فتربصوا" إذا كانت هذه الحال, يعني انتظروا عقاب الله سبحانه وتعالى "حتى يأتي الله بأمره" أي: بعقابه, قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "فدلّت الآية على أنّ محبّة هؤلاء، وإن كانت من غير محبّة العبادة .." هذه محبّة طبيعية تكون, محبّة الأب, محبّة الابن, محبّة الزوجة, محبّة القبيلة , محبّات طبيعية, قال: "وإن كانت من غير محبة العبادة؛ إذا فضّلت على محبّة الله صارت سببا للعقوبة، ومن هنا نعرف أنّ الإنسان إذا كان يهمل أوامر الله لأوامر والده; فهو يحبّ أباه أكثر من ربّه, وما في القلوب وإن كان لا يعلمه إلّا الله، لكن له شاهد في الجوارح" ا.ه، يعني إذا كان ما في القلب مخفي, نحن لا نراه, لكن ما تفعله بجوارحك يدلّ عليه لأنّ الظاهر والباطن متلازمان فما استقر في قلبك نتجت عنه أعمالك الظاهرة في الخارج سواء كان خيراً أو كان شرّاً, نعم, فهذا المقصود من الآية, قالوا: فلا بدّ من إيثار ما أحبّه الله من عبده وأراده على ما يحبّه العبد ويريده, فيحبّ ما يحبّه الله ويبغض ما يبغضه الله ويوالي فيه ويعادي فيه, هذا كلّه من لوازم محبّة الله تبارك وتعالى, ويتابع رسولَه صلى الله عليه وسلم كما قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ"، إن كنتم صادقين في محبتكم لله إذاً فاتبعوا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم واتبعوا سنته، "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ"، والنتيجة: أنكم تصلون إلى أن يحبّكم الله تبارك وتعالى, إذاً من لوازم محبّتك لله أن تتّبع رسوله صلى الله عليه وسلم, وأن تقدّم أمره ونهيه على هواك, هذا المعنى الذي تدلّ عليه الآية.
ثم قال: "عن أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
هنا قاعدة يجب أن تعرفها, وهي أنّه إذا جاءك في حديثٍ قول: "لا يؤمن" أو في آية: "لا يؤمن" فاعلم أنّ المنفي إمّا واجبٌ أو شرطٌ أو ركنٌ في الإسلام, يعني لا يصحّ الإسلام إلّا به أو أنّه واجب لا يتم الإيمان تماماً واجباً تاماً إلّا به, لا يتم الإيمان الواجب إلّا به كما في هذا الحديث, قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"، هنا الآن: إمّا أن يُقال: بأنّ تقديم محبّة الرسول صلى الله عليه وسلم على محبّة كلّ شيء, إمّا أن يُقال بأنّ الإيمان لا يصحّ إلّا بها: لأنّ هذا ما يقتضيه النفي: "لا يؤمن"، أو أن يُقال بأنّ نفي الإيمان المراد به نفي الإيمان الواجب, يعني أنّه إذا لم يفعله يكون آثماً لا يكون كافراً بخلاف نفي أصل الإيمان, إذا قلنا هنا بأنّ النفي نفي لأصل الإيمان يكون كافراً إذا لم يأت به, فهنا الآن: عدم تقديم محبّة النبي صلى الله عليه وسلم على كلّ شيء إمّا أن يكون كفراً أو أن يكون فِسقاً, إذا قلنا النفي هنا نفي لأصل الإيمان: "لا يؤمن أحدكم", نفي لأصل الإيمان, يكون من لم يأت به فهو كافر, أو أن نقول بأنّ نفي الإيمان هنا نفي للإيمان الواجب, تمام الإيمان الواجب, الإيمان الواجب عنده ناقص فيكون فاسقاً, هذا اللفظ: "لا يؤمن" لا يأتي إلّا لأحد هذين الأمرين: إمّا لنفي أصل الإيمان أو لنفي التمام الواجب للإيمان, هذا يجب أن يُفهَم جيّداً, هذه قاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولعلّها مذكورة عندكم في الشرح الذي شرحه الشارح في فتح المجيد, هنا في هذا الموطن المراد بالنفي نفي كمال الإيمان الواجب وليس نفياً لأصل الإيمان, نفي كمال الإيمان الواجب, يعني أنّ من لم يُقدّم محبّة الرسول صلى الله عليه وسلم على محبّة كلّ شيءٍ يكون فاسقاً لم يأتِ بما أوجب الله عليه, أو بكلّ ما أوجب الله عليه, لماذا قلنا هذا ولم نقل بأنّه نفيٌ لأصل الإيمان فيكون كافراً إذا لم يفعل ذلك؟ قلنا هذا لحديث عمر أنّه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "إنّك لأحبّ إليّ من كلّ شيء إلّا من نفسي" لاحظ هنا, قال عمر: "إلّا من نفسي"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا، والذي نفسي بيده, حتى أكون أحبّ إليك من نفسك"، قال: "الآن والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر"، أي: الآن حتى أتممت الواجب, لذلك قلنا بأنّ الإيمان المنفي هنا هو كمال الإيمان الواجب إلّا إذا خلا القلب من محبّة الرسول صلى الله عليه وسلم إطلاقاً فهنا يكون النفي لأصل الإيمان وليست مسألة تقديم, ما خلا من محبّة النبي صلى الله عليه وسلم, فلا يحبّ النبي صلى الله عليه وسلم هذا لا يكون مؤمناً, "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" أخرجاه"، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في نفس المؤمن بهذه الدرجة سيقدّم اتّباعه على كلّ ما تهوى نفسه ولا بدّ, هذا من لوازمها, والمسألة تزيد وتنقص على حسب المحبّة, محبّة النبي صلى الله عليه وسلم في القلب يزيد وينقص الاتباع.
الشاهد من الحديث المتقدّم أنّه إذا كانت محبّة الرسول صلى الله عليه وسلم بها يتحقق كمال الإيمان فلا يتحقق كمال الإيمان إلّا بأن يكون الرسول أحبّ إلى الإنسان من نفسه ومن الناس جميعاً, فمحبّة الله أولى وأعظم.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: "ولهما عنه" للبخاري ومسلم, "عنه" يعني: عن أنس, "قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبّه إلّا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النّار" وفي رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى ....." إلى آخره".
ثلاث خصال, ثلاثٌ من كنّ فيه, ثلاث خصال إذا تحقّق وجودهن كاملات في نفسك وجدت حلاوة الإيمان, أي: وجدت لذّته, للإيمان لذة عظيمة مَن وجدها في قلبه عرفها, ولا يعرف تلك اللذة إلّا من وجدها, وهذه الخصال الثلاث إذا حققها العبد تحقيقاً تامّاً وجد هذه الحلاوة في قلبه ولا بدً, "أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما"، تُقدِّم محبّة الله على كلّ شيء, فلا يُشرِك في محبّة الله أحداً, حتى الرسول صلى الله عليه وسلم, لا تكون محبّته كمحبّة الله تبارك وتعالى, ولكننا نحبّه لأنّ الله تبارك وتعالى اصطفاه ولأنّ الله تبارك وتعالى يحبّه, فمحبّته من محبّة الله تبارك وتعالى, ولا نساوي محبّته بمحبّة أحدٍ إلّا أنّ محبّته تابعة لمحبّة الله تبارك وتعالى, "أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما" فهذا يشمل كلّ شيء, وهذه المحبّة لها لوازم, إذا أحببت الله تبارك وتعالى محبّة حقيقية تامة وأحببت الرسول صلى الله عليه وسلم محبّة حقيقية تامة, عندئذٍ يستلزم أن تحب طاعته تبارك وتعالى, وأن تحبّ طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم, وأن تحبّ التأسي به واتباعه, هذه لوازم المحبّة, محبّة ليست لها هذه اللوازم ليست محبّة حقيقية, أعد نظراً فيها, "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"، إذا كانت محبّتك حقيقية تامة ستولّد هذا الأمر وهو طاعة الله تبارك وتعالى وطاعة رسوله والتأسي بنبيّه صلى الله عليه وسلم, وعلى قدر المحبّة تكون هذه الطاعة, أمرٌ ملازم, هذه هي المحبّة الحقيقية التي تُوجد حلاوة الإيمان في القلب, "وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله"، هذه أيضاً من لوازم محبّة الله, إذا أحببت الله سبحانه وتعالى أحببت أهل طاعته, أحببت أولياءه, أحببت الأنبياء والصالحين لأنّهم مطيعون لله تبارك وتعالى, محبوبون له, فأنت تحبّ من يحبّ حبيبك, فأنت تحبّه لله, وتحبّه مرضاة لله تبارك وتعالى, فأنت تتقرب إلى الله بحبّه, تحبّه لأنّ الله يحبّه, وتحبّه قربةً لله تبارك وتعالى, "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه" لأنّ الله لا يحبّ الكفر, هو لا يحبّه, فأنت لا تحبّ الكفر لأنّ الله لا يحبّه وتكره أن تعود فيه لأنّه لا يُرضي محبوبك, وفيه استنقاصٌ لِحقّه فلا ترضاه, "كما يكره أن يُقذَف في النار" كراهيته للكفر ككراهيته لعذاب جهنّم, من شدة محبّته لله فهو يحبّ ما يحبّ ويبغض ما يبغض, بهذا ينال العبد حلاوة الإيمان, في رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان .." يعني أنّ حلاوة الإيمان لا تتحقق إلّا بهذه الخصال الثلاث.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وعن ابن عباس قال: "من أحبّ في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنّما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان- وإن كثرت صلاته وصومه- حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا" رواه ابن جرير".
هذا موقوف عن ابن عباس, قال: "من أحبّ في الله وأبغض في الله" الحبّ في الله والبغض في الله, أَحبّ أهل الإيمان, أهل الطاعة, من أجل الله سبحانه وتعالى, وأَبغض أهل الكفر, أهل المعصية والشرك, أَبغضهم لله لأنّ الله يبغضهم, "لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ" فمن أَحبّ ربّه تبارك وتعالى أحبّ من يحبّ وأَبغض من يبغض, فأنت لا تحبّ أعداء الله لأنّ الله لا يحبّهم, فلا يمكن لعبدٍ أَحبّ الله سبحانه وتعالى وأَحبّ طاعته وأَحبّ توحيده أن يحبّ من يكفر بالله سبحانه وتعالى ومن يسب الله ومن يدّعي على الله ما لا يجوز في حقّه, لا يمكن أن يحصل هذا, محبّتك لله تبارك وتعالى تمنعك من هذا, أن تحبّ من يبغض الله تبارك وتعالى, "ووالى في الله" الولاء: المحبة والنصرة, يحبّ الشخص لأنّه قريب من الله, وينصره لذلك, فيقدم محبّة الله تبارك وتعالى والمحبّة فيه على كلّ شيء, فتصبح إرادتك تابعة لإرادة الله تبارك وتعالى فتريد ما يريده وتحبّ ما يحبّه, هكذا تكون المحبّة الحقيقية لله تبارك وتعالى, "ووالى في الله" أحبّ ونصر في الله, فإذا كان العبد مطيعاً لله أحبّه ونصره, إذا كان كافراً فاجراً ابتعد عنه, أبغضه, وعاداه, "ووالى في الله وعادى في الله، فإنّما تُنال وَلاية الله بذلك" يعني: تولّيه لعبده, كيف تريد من الله سبحانه وتعالى أن يتولّاك, أن يتكفّل بأمرك, أن يحفظك, أن ينصرك, أن يحبّك, كيف؟ بفعل هذا الأمر: أن تحبّ فيه وأن تبغض فيه وأن توالي فيه وأن تعادي فيه, "ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك" يعني يحبّ في الله ويبغض في الله ويوالي في الله ويعادي في الله, "وقد صارت عامّة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا" يذكر حال الناس في ذاك الزمن, فلو جاء ونظر في زمننا ماذا كان سيقول؟ "مؤاخاة الناس" محبتهم, نصرتهم للشخص, موالاتهم له على أمر الدنيا, إن وجدوا منه منفعة دنيوية والوه, وإن لم يجدوا منه منفعة دنيوية عادوه, قال: "وذلك لا يجدي على أهله شيئاً" لا ينفعهم عند الله تبارك وتعالى شيئاً هذا الأمر, "رواه ابن جرير" الطبري.
قال المصنف رحمه الله: "وقال ابن عباس في قوله تعالى: "وتقطّعت بهم الأسباب" قال: المودة".
المودة يعني المحبة والأخُوّة التي تكون بينهم في الدنيا, خانتهم أحوج ما كانوا إليها وتبرّأَ بعضهم من بعض, "الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوٌ إلّا المتقين", "إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب"، هذا يكون في نهاية الأمر عند الله سبحانه وتعالى, فالذي ينفع هي صحبة الإيمان, أخوّة الدين, الولاء في الله والبراء فيه, والمحبّة والنصرة فيه, فقط, هذا هو الذي ينفع عند الله تبارك وتعالى, أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يوالي فيه ويعادي فيه, وفقنا الله وإياكم لطاعته, ونكتفي بهذا القدر.
الملفات المرفقة
نوع الملف: docx 19.docx‏ (47.8 كيلوبايت, المشاهدات 295)

آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 18-10-2015 الساعة 09:17
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2015, 09:04   #26
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

الدرس العشرون من شرح كتاب التوحيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أمّا بعد:
فقال المؤلف رحمه الله عند الباب الحادي والثلاثين: "باب قول الله تعالى: "إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ".
أهل السنة والجماعة يعبدون الله تبارك وتعالى ويتقربون إليه محبّةً له وخوفاً منه ورجاءً له, هذا منهجهم, المحبّة تقدم الحديث عنها, والخوف والرجاء: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: "وادعوه خوفاً وطمعاً", وقال: "تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا"، وقال: "إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا", هذه الأدلة تدلّ على أنّ العبد يجب أن يعبد الله محبةً له وخوفاً منه ورجاءً, يخافه, يخاف عذابه في الدنيا وفي الآخرة, ويرجوه, يرجو رحمته في الدنيا وفي الآخرة, يرجو رحمته في الدنيا بأن يُنعم عليه بأنواع النعم من صحةٍ وعافيةٍ ومأكلٍ ومشرَبٍ وغير ذلك, ويرجو رحمته في الآخرة بأن يُنعم عليه بالجنّة وأن يعيذه من النّار, ويخافه, يخاف عذابه في الدنيا بأنواع البلايا, ويخاف عذابه في الآخرة, عذاب نار جهنم, ذكر المؤلف رحمه الله سابقاً المحبّة, ويذكر هنا الخوف, ويبيّن لنا بالآيات التي سيسوقها أنّ الخوف عبادة, وإذا كان الخوف عبادة وقربة لله تبارك وتعالى, فلا يجوز صرفه لغير الله, لكنّ العلماء يقسمون الخوف إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: خوف العبادة: وهو الذي يكون معه كمال الخضوع والتذلل, كالخوف الذي يحصل من الصوفية عند عبادتهم لأوليائهم, لأصحاب القبور, تجد الواحد منهم يخاف الولي كخوفه من الله تبارك وتعالى ويرجوه كما يرجو الله تبارك وتعالى ويحبّه كذلك, هذا الخوف هو خوف العبادة, معه كمال الخضوع والتذلل, ولذلك تجدهم يعبدون القبور ويتقرّبون إلى أصحابها لأنّهم قد خضعوا لهم وتذللوا وخافوهم وأحبوهم ورجَوهم, هذا الخوف هو الذي كان يحصل من كفّار قريش لأصنامهم, وهو الذي يحصل من الموحّدين لربهم تبارك وتعالى, هذا هو خوف العبادة, تخاف الصنم كخوفك من الله, تخاف الولي كخوفك من الله, هذا خوف عبادة معه كمال الخضوع والتذلل, فأنت تخاف الله, تعبده, تخضع وتتذلل له لأنّك تخافه ولأنّك تحبّه ولأنّك ترجوه, هكذا يكون التوحيد, أن تصرف هذا الخوف لله تبارك وتعالى خاصة ولا تشرك معه فيه غيره, وقد ذكرناه وقلنا بأنّه الخوف الذي معه كمال الخضوع والتذلل, هذا يكون خوف عبادة.
ضابطه: أن يخاف مخلوقاً ليس معه سببٌ ظاهرٌ للخوف منه, فالولي في قبره: هل معه سبب ظاهر من الممكن أن يؤثّر في العبد؟ ليس معه شيء, ونحن جميعاً نعلم أنّه لا يقدر على أن ينفع نفسه أو أن يضرّها, فليس معه سببٌ ظاهر, لا معه سلاح يستطيع أن يضربك به, ولا معه خبز, ولا معه ماء حتى يطعمك, فليس معه سبب ظاهر, فلماذا تخافه؟ تخافه كخوفك من الله سبحانه وتعالى؟ لأنّك تعتقد أن بيده شيئاً من تصرف بالكون أو أن بيده ما ينفعك به كما ينفعك الله سبحانه وتعالى, فلذلك تخافه, أو يضرك به كما يصلك الضرر من الله سبحانه وتعالى, فأنت تخافه لذلك, هذا هو الضابط: أن يخاف مخلوقاً ليس معه سبب ظاهر للخوف منه, فإذا حصل منه ذلك فيكون قد حصل منه خوف العبادة.
وهذا القسم الأول يسميه العلماء بخوف السّر.
القسم الثاني من الخوف: الخوف الطبيعي: أن تخاف من عدوٍ, تخاف من سبع, تخاف من إنسان معه سلاح يريد أن يقتلك, هذا ما فيه بأس, هذا جائز, لأنّه أمر قد جعله الله سبحانه وتعالى في خلقه, وقد حصل من بعض أنبياء الله تبارك وتعالى, كما حصل لموسى عليه السلام وغيره.
القسم الثالث: خوفك من الناس الخوف الذي يدفعك إلى ترك واجب أو فعل محرّم, أن تخاف من الناس بحيث يدفعك هذا الخوف إلى ترك واجب أو فعل محرّم, لا نتحدث عن الإكراه، الإكراه شيءٌ آخر, نحن نتحدث الآن عن الخوف, وهذا النوع من الخوف هو خوف شركي أيضاً, لكنّه من الشرك الأصغر كما نصّ العلماء على ذلك, فهو منافٍ لكمال التوحيد الواجب وليس منافياً لأصل التوحيد.
نرجع إلى الآية التي ذكرها المؤلف: "إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"، يثبت المؤلف بهذه الآية أنّ الخوف عبادةٌ قد أمر الله تبارك وتعالى بها عباده أن يعبدوه بها, وذلك بقوله: "فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ", إذاً: هو أمرهم بالخوف منه, فالخوف منه عبادة وقربة, فصرفها لغير الله شرك, "إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ"، أي التخويف من المشركين حاصلٌ من الشيطان، "يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ"، أي يخوفكم من أوليائه, وأولياؤه هم أنصاره وأتباعه, يخوفكم منهم, قال: "فَلا تَخَافُوهُمْ"، فلا تخافوا أنصار الشيطان, لا تخافوا الكفرة, وجاهدوا في سبيل الله، "وَخَافُونِ"، خافوا الله سبحانه وتعالى فاعملوا بأمره الذي أمركم به واجتنبوا ما نهاكم عنه ولا تخافوا الناس، "إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"، حقاً, فمن حصل منه الخوف من الناس وترك واجباً أو فعل محرّماً هذا وقع في الشرك الأصغر, قدّمَ خوف الناس على خوفه من الله سبحانه وتعالى, نعم.
قال المؤلف رحمه الله: "وقوله: "إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر وأقام الصلاة و أتى الزكاة ولم يخش إلّا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين".
الذين يعمرون مساجد الله هم أهل الإيمان، كيف يكون تعميرها؟ يكون تعميرها بالصلاة فيها والذكر والطاعة، "إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر"أهل الإيمان يُصدّقون بالله تبارك وتعالى، بوجوده, يؤمنون بألوهيته، بربوبيته, بأسمائه وصفاته, ويؤمنون باليوم الأخر وأنّه حقّ وسيكون.
"وأقام الصلاة و أتى الزكاة ولم يخش إلّا الله" هذا الشاهد, المؤمن إيماناً تماماً هذا لا يخشى إلّا الله سبحانه وتعالى، لا يخشى البشر ولا يخشى أحداً من الخلق، خشيته تكون من الله فقط، و الخشية نوع من الخوف، لذلك ذكر المؤلف الآية هنا كي يبين أنّ الخوف عبادة لا يجوز صرفه لغير الله, خوف الخضوع والتذلل, خوف الطاعة, هذا عبادة لله لا يجوز صرفه لغيره لذلك قال هنا: "ولم يخش إلّا الله"، "فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين" أي أنّ أولئك هم الذين يكونون من المهتدين، لأنّ (عسى) في القرآن واجبة – أي الأمر واقع ولا محالة–، عسى أن يكونوا من المهتدين، هداية توفيق, وهداية بيان, قد تبين لهم الحق ووفقهم الله سبحانه وتعالى إليه.
الشاهد قوله: "ولم يخش إلّا الله"، هذه خشية التعظيم، خشية العبادة، خشية الطاعة يجب أن تكون لله وحده وصرفها لغير الله شركٌ.
قال المؤلف رحمه الله: "وقوله: "ومن النَّاس من يقول آمنّا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة النَّاس كعذاب الله"".
الواحد منّا إذا آمن واستقام لا يريد أن يُؤذى، يريد أن يبقى في سلام وفي اطمئنان وفي أمن ويريد أن يكون بعيد عن الاختبار والامتحان والابتلاء وهذا مستحيل.
قد وعد الله تبارك وتعالى باختبار وابتلاء كلّ من أَمِنَ فقال: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون" الآية، و كذلك قال الله سبحانه وتعالى: "أحسب النَّاس أن يتكروا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون"، هذا مستحيل لابدّ من الفتنة والاختبار، لابدّ من الامتحان، فإذا أصابتك أذية فاصبر، أنت مأمور بهذا, مأمور بالصبر على هذا الإيذاء الذي يقع عليك، خصوصاً الذي يقع عليك بسبب الدين, لابدّ منه ولابدّ لك من الصبر ولا تجعل فتنة الناس كعذاب الله, تخاف من الناس أن يؤذوك فتترك الاستقامة أو تترك الدين لأجل أن لا تُؤذى فتجعل فتنة الناس كعذاب الله، "ومن الناس من يقول آمنّا بالله فإذا أوذي في الله" اختُبر وامتُحن ونزل به البلاء، "جعل فتنة الناس كعذاب الله"، جعل أذيتهم له كعذاب الله فيفرّ من أذيتهم، هو محتاج لهذا الآن, يفرّ من أذيتهم بموافقة أهوائهم، فيترك أمر الله تبارك وتعالى أو يقع فيما نهى الله تبارك وتعالى عنه فيكون قد جعل خوفه من الناس كخوفه من الله تبارك وتعالى وهذا المحذور الذي أراد المؤلف رحمه الله أن يشير إليه عند ذكره لهذه الآية, هذا غير جائز أن يخاف من الناس كخوفه من الله تبارك وتعالى أو أشد فيقع في الشرك.
قال المؤلف رحمه الله: "عن أبي سعيد مرفوعا" يعني يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ من ضعف اليقين أن ترُضي النَّاس بسخط الله وأن تحمدهم على رزق الله وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إنّ رزق الله لا يــجرّه حرص حريص ولا يردّه كراهية كارهٍ".
هذا الحديث حديث ضعيف والشاهد منه قوله: "أن ترُضي النَّاس بسخط الله".
قال المؤلف رحمه الله: "وعن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من التمس رضى الله بسخط النَّاس رضي الله عنه و أرضى عنه الناس" الحديث".
والله هذا أمرٌ مُجرّب يا إخوة، هذا أمرٌ مُجرّب, في بداية الاستقامة تعرضنا لأنواع من الضغوطات, بسبب اللحية, وبسبب الثوب القصير وغير ذلك من أحكام شرع الله تبارك وتعالى خصوصاً أنّها كانت في فترةٍ ما زالت السنة فيها غير معروفة عند الناس, وكنا بين أمرين إمّا أن نطيعهم و أن نترك ما أمر الله تبارك وتعالى به أو أن نصبر على أذيتهم وعلى سخطهم وسينالنا من وراء ذلك ما سينالنا من الأذى, فصبرنا وطلبنا العلم, ووفقنا الله تبارك وتعالى إليه, وصار الناس الذين يحاربوننا بالأمس يرجعون اليوم إلينا في أمور دينهم, أنا أذكر لكم ذلك بارك الله فيكم كي تصبروا وتعلموا أن العاقبة خيرٌ لكم إذا صبرتم على أذيّة من حولكم خصوصاً الأهل و الأقارب، نحن نعيش في بيئة متشابهة, وما وقع لي وقع لزيد و وقع لعمر ويقع لكم أيضاً، فاصبروا بارك الله فيكم واثبتوا وتعلموا وستجدون إن شاء الله عاقبةً طيبة.
"من التمس رضى الله بسخط النَّاس" هذا هو الذي نتحدث عنه أن تثبت على ما أمرك الله به وما نهاك عنه ولا تبالي بعداء من يعاديك من أهلك أو أقربائك أو غيرهم, وستنظر عواقب الأمور بعد ذلك، "من التمس رضى الله بسخط النَّاس رضي الله عنه و أرضى عنه الناس"، والله ستتفاجأ عندما ينقلب سخط الناس عليك إلى رضى إذا صبرت وثبت، "ومن التمس رضى النَّاس بسخط الله"وهذا قد رأيناه من بعض الإخوة هداهم الله وأصلح حالهم وردهم إلى دينه رداً جميلاً، كان الشاب يستقيم معنا فترةً فيتعرض لمضايقات من أهله و أقاربه فلا يصبر ويذهب معهم على ما يريدون, ولا والله ما يحصل على رضاهم, يبقون ساخطين عليه.
"ومن التمس رضى النَّاس بسخط الله سخط الله عليه و أسخط عليه النَّاس" رواه ابن حبان في صحيحه".
وهذا حقّ والله، ولعلّ الكثير منّا مرّ بهذا وما زال, والشاهد بارك الله فيكم من هذا أنّ العبد يجب أن يخاف الله سبحانه وتعالى و أن لا يخاف الخلق معه, وخوف العبادة يجب أن يكون خاصاً بالله تبارك وتعالى, ولا يخاف من الناس كخوفهم من الله تبارك وتعالى أو أشد خوفاً، ولا يقدم رضى الناس على رضى الله سبحانه وتعالى.
الشاهد من الباب: هو أنّ الخوف منه عبادة, وخوف العبادة هذا عمل قلبي يجب أن يكون خالصاً لله تبارك وتعالى و أن لا يُشرَك به مع الله تبارك وتعالى أحداً.
قال المؤلف رحمه الله: "باب قول الله تعالى: "وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين"".
التوكل: هو اعتماد القلب على الله تبارك وتعالى, ما معنى تتوكل على الله؟ يعني: تعتمد بقلبك على الله سبحانه وتعالى, يكون يقينك في قلبك في الداخل بأنّ الله تبارك وتعالى هو الذي سيقضي لك غرضك, فاعتمادك عليه لا على غيره, وغيره أسباب في قضاء الحوائج, "وعلى الله فتوكلوا" هنا في تقديم, ما قال: توكلوا على الله, قال: "وعلى الله فتوكلوا" وهذا يفيد الحصر, يعني: توكلوا على الله ولا توكّلوا على غيره, "إن كنتم مؤمنين" إن كنتم صادقين في إيمانكم، فاعتمادكم يجب أن يكون على الله تبارك وتعالى لا على غيره, هذا معنى هذه الآية: "وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين"، فالتوكل هو اعتماد القلب, اعتماد القلب يجب أن يكون على الله تبارك وتعالى لا على غيره, إذاً التوكل من أعمال القلوب, وهو قربة لله تبارك وتعالى, يجب عليك أن تعتمد على الله لا أن تعتمد على غيره, وإذا صرفت هذا التوكل إلى غير الله تكون قد أشركت, يقول شارح كتاب التوحيد: "لكنّ التوكل على غير الله قسمان:
أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلاّ الله، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من نصر أو حفظ أو رزق أو شفاعة فهذا شرك أكبر"، الاعتماد على الأولياء أو على الإنس والجنّ فيما لا يقدر عليه إلّا الله هذا شركٌ أكبر.
"الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة، كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله تعالى عليه"، وهذا واقع فيه كثير من الناس اليوم, خصوصاً في قضية الرزق, لو تركّزون على الناس وتعلّقهم بالأشخاص الذين يأخذون منهم رواتبهم ستجدون هذا النوع في قلوبهم, يعتمدون عليهم في رزقهم, "الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة، كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله تعالى عليه من رزق، أو دفع أذى ونحو ذلك، فهو نوع شرك أصغر"، هو ما اعتمد عليه اعتماداً تامّاً ولا اعتقد أنّه هو الذي يرزقه لكن في قلبه تعلّقٌ بهذا الشخص الذي بيده رزقه, فيه نوع اعتماد, فهذا شركٌ أصغر.
قال: "والوكالة الجائزة هي توكيل الإنسانِ في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه"، أي: إنّه أفعال في الظاهر, أفعال في الجوارح, أمّا الاعتماد القلبي: يعتمد على الله, أمّا إعانة في جوارحه فهذه ما فيها بأس, تُوكِّل شخص أن يشتري لك غرضاً, أن يذبح لك شاةً مثلاً, أن يفعل لك أمراً, ما فيه بأس, هذه الوكالة وكالة جائزة, لأنّ اعتمادك القلبي على الله في قضائها لا على هذا الشخص, لكن هو سبب، فأنت تتخذه سبباً, هذه وكالة جائزة, قال: "والوكالة الجائزة هي توكيل الإنسانِ في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه، لكن ليس له أن يعتمد عليه في حصول ما وكّله عليّه"، الاعتماد القلبي يكون على الله وليس على الإنسان, هذا سبب, فقط يريد أن يأخذ بالأسباب, فهو عنده شغل, غير قادر, هذا الشخص يقدر, فارغ, يعطيه كي يفعل له هذا الشيء, كما وكّل النبي صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة أن يذهب ويشتري له شاة, قال: "بل يتوكل على الله في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه"، يعني يطلبه بنفسه أو يطلبه عن طريق نائبه هذا الذي وكّله، "وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها، ولا يعتمد عليها بل يعتمد على المسبِّب"، الذي هو الله "الذي أوجد السبب والمسبَّب".
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وقوله: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ"" يعني: خافت، "وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً" يركزون على الآيات التي تتلى عليهم, يفهمون معانيها فتزيدهم إيماناً وقربة لله سبحانه وتعالى، "وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" هذا الشاهد, المؤمن حقّاً هو الذي يعتمد على الله تبارك وتعالى لا يعتمد على غيره, وكيف يكون ذلك؟ إذا تأملتَ قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "واعلم أنّ الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلّا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلّا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف"، من آمن بهذا الحديث حقّ الإيمان كان اعتماده كلُّه على الله تبارك وتعالى لا على غيره, الشاهد من الآية قوله: "وعلى ربهم يتوكّلون"، يعني يعتمدون على ربّهم بقلوبهم ولا يعتمدون على غيره.
قال المؤلف: "وقوله: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"".
يعني: الله كافيك وكافي من اتّبعك من المؤمنين, فإذا كان الله هو الكافي, إذاً الاعتماد يكون على من؟ على الله سبحانه وتعالى, هذا الشاهد من الآية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وقوله: "ومن يتوكّل على الله فهو حسبه"".
من يتوكل على الله فهو كافيه, إذاً الاعتماد يكون على الله تبارك وتعالى لا على غيره, والشاهد هنا قوله "ومن يتوكّل على الله فهو حسبه"، والذي لا يعتمد على الله فلا يكفيه الله سبحانه وتعالى فيضل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وعن ابن عباس قال: ""حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ""، حسبنا الله أي: الله كافينا, ونعم من نعتمد عليه في كفاية أمرنا كلّه, "قالها إبراهيم -عليه السلام- حين أُلقي في النّار"، إبراهيم عليه السلام النبي قالها حين ألقي في النّار فكفاه الله سبحانه وتعالى وجعلها باردة عليه، "وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ""، أي: الله سبحانه وتعالى كافينا وهو نِعم من نتوكل عليه, قالها النبي صلى الله عليه وسلم بعد مُنصرَف قريش والأحزاب من أُحُد فكفاه الله سبحانه وتعالى شرّهم.
إذاً المقصود من هذا الباب هو اعتماد القلب على الله تبارك وتعالى في كلّ أمرك, وهذا أمر خاص بالله, لا يجوز صرف هذا الاعتماد على غيره, فهذه من أعمال القلوب: المحبّة والخوف والتوكّل, كلّها من أعمال القلوب, هي عبادات لكنّها من أعمال القلوب لا من أعمال الجوارح, مثلاً الصلاة, الصيام, الزكاة, هذه من أعمال الجوارح, هي عبادات, لكنّها من أعمال الجوارح, وهذه الأخرى: المحبّة والخوف والرجاء والتوكل والإنابة ..إلى آخره, هذه أيضاً عبادات ولكنّها من أعمال القلوب, وكلّها ثبتت بأنّها عبادات بالآيات التي ذكرها المؤلف, وصرْفها لغير الله شرك بالله تبارك وتعالى لأنّك تكون قد صَرفت عبادة من العبادات لغيره تبارك وتعالى, أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته ونكتفي بهذا القدر.
الملفات المرفقة
نوع الملف: docx 20.docx‏ (50.7 كيلوبايت, المشاهدات 338)

آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 18-10-2015 الساعة 09:20
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2015, 09:29   #27
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

الدرس الحادي والعشرون من شرح كتاب التوحيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أمّا بعد: فنحن الآن في الباب الثالث والثلاثين.
قال المؤلف رحمه الله: "باب قول الله تعالى: "أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ"".
هذا الباب معقود كي يبيّن المؤلف عِظَم هذا الذنب وهو الأمن من مكر الله, وهذا الأمن من مكر الله هو سببٌ لارتكاب المعاصي والذنوب والاستمرار عليها, فمعنى الأمن من مكر الله أن يعطيك الله سبحانه وتعالى من الخيرات وأن يُنعم عليك وأن يمنّ عليك بأنواع الفضل وأنت مستمر في معصيته ومستمر على الذنب ومستمر على الشرك ولا تبالي, وأنت قد أمنت من أن ينزل الله عليك عذاباً أو أن يقطع عنك النعمة التي أنعم بها عليك, هذا معنى الأمن من مكر الله, تبقى على الذنب ويعطيك الله وينعم عليك بأنواع النعم وأنت باقٍ على الذنب, مستمرٌّ عليه, آمنٌ من أن يعذّبك الله سبحانه وتعالى, هذا معنى الأمن من مكر الله, وهو سبب في ارتكاب الذنوب, سبب في الاستمرار عليها, سبب في الوقوع في الشرك, سبب في الاستمرار على ذلك, كلّ هذا لأنّك أمنت من مكر الله, فمتى أمنت من مكر الله وقعت في كلّ هذا, هذا معنى الأمن من مكر الله, وكما ذكرنا هو ذنب عظيم منافٍ لكمال التوحيد, التوحيد الواجب لا يتم إلّا بعدم الأمن من مكر الله, أمّا إذا أمن الشخص من مكر الله فهذا ما أتمّ التوحيد الواجب, فالأمن من مكر الله مخلٌّ بالتوحيد, لذلك المؤلف رحمه الله ذكره هنا, إذاً ينبغي على العبد أن يكون خائفاً من الله دائماً, إن أعطاك وأنعم عليك تبقى خائفاً من الله سبحانه وتعالى, حتى وإن لم يعطك ولم ينعم عليك في بعض الجوانب, نِعم الله دائماً موجودة على العباد, لكن في بعض الجوانب, أيضاً دائماً تبقى في حال خوف من الله سبحانه وتعالى أن ينزل عليك العذاب أو أن يقطع عنك النعمة أو أن لا يوفقك للهداية, يبقى دائماً خوفك من الله موجود, فالمؤمن يجب أن يكون سائراً إلى الله تبارك وتعالى بالخوف والرجاء, فتخاف من الله ولا تأمن من مكره, وترجو خير ما عنده, وترجو نعمته, ولا تقنط من رحمة الله, فالأمن من مكر الله يخالف الخوف من الله, الخوف من الله واجب, والأمن من مكر الله محرم, وهما ضدّان, وكذلك القنوط من رحمة الله, هذا محرم كذلك, والواجب هو الرجاء: أن ترجو رحمة الله تبارك وتعالى كما سيأتي في الباب الذي بعده, وهذه الآية فيها أنّ الله تبارك وتعالى ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل ثم بيّن أنّ الذي حملهم على التكذيب وعلى الشرك هو الأمن من مكر الله وعدم الخوف منه, فقال: "أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ" يعني أمنوا من أن يُنزل الله تبارك وتعالى عليهم العذاب وهم نائمون في الليل, "أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ" يعني الهالكون, هذا معنى الآية, إذاً: الأمن من مكر الله ذنب عظيم يؤدي إلى الشرك, ويؤدي إلى أنواع المعاصي والذنوب, لذلك هو مخلّ بكمال التوحيد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وقوله: "قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ"".
هنا الآن القسم الثاني الذي يقابله, القسم الأول: الأمن من مكر الله, والذي يقابله: هو الناس الذين هم بالضّدّ, بالعكس, الذين يقنطون من رحمة الله, ييأسون من رحمة الله, خلاص يعتبر أنّ رحمة الله بعيدة عنه تماماً, لن تصل إليه, وهذا أيضاً يؤدي به إلى ماذا؟ إلى ترك العمل, ترك الطاعة, لأنّه خلاص يقنط من رحمة الله, يقول: رحمة الله لن تصلني على جميع الأحوال, فيدفعه ذلك إلى ماذا؟ إلى أيضاً المعاصي والذنوب والشرك, الاستمرار عليها, هذا القنوط من رحمة الله, هما ذنبان عظيمان, الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله, الأمن من مكر الله ينقض الخوف, يعني إذا لم تخف من الله تبارك وتعالى كنت من الذين يأمنون من مكر الله سبحانه وتعالى, وإذا قنطت من رحمة الله كنت من الذين لا يرجون رحمة الله تبارك وتعالى, فالخوف والرجاء واجبان, ينقضهما: الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله, الواجب على العبد أن يعيش بينهما, بين الخوف والرجاء, ويقول أهل العلم: ينبغي أن يكونا من المرء بمنزلة جناحي طائر, أنظر كيف جناحي الطائر يكونان متساويين, كذلك الخوف والرجاء, لا يغلب هذا ولا يغلب هذا, حتى تبقى دائماً مع الله تبارك وتعالى, إذا رأيت نفسك في حالٍ من الخوف شديدة تكاد توصلك إلى القنوط من رحمة الله تبارك وتعالى عندئذٍ تغلّب جانب الرجاء وتستذكر آيات الرحمة وصفات الرحمة, وإذا رأيت من نفسك أنّ جانب الرجاء قد علا وارتفع وغلب جانب الخوف حتى كدت أن تقع في الأمن من مكر الله عندئذٍ تغلّب جانب الخوف من الله تبارك وتعالى وتستحضر آيات العذاب وصفات القوة والشدة, عندئذ تصل إلى إحداث التوازن في نفسك بين الخوف والرجاء, حتى تسلَمَ من الأمن من مكر الله ومن القنوط من رحمة الله, هذا هو الواجب على العبد, والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله كلاهما ينافيان كمال التوحيد, وربما يؤديان إلى انتفاء أصل التوحيد, فالقنوط من رحمة الله هو استبعاد الفَرَجَ, اليأس من رحمة الله, تستبعد أن تصل إليك رحمة الله تبارك وتعالى, "ومن يقنط من رحمة ربّه" يعني: ييأس "إلّا الضالون" الضال فقط هو الذي يصل إلى هذه المرحلة, أمّا أهل طاعة الله تبارك وتعالى, فهؤلاء لا يصلون إلى هذه الدرجة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وعن ابن عباس: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله"".
اليأس من روح الله: يعني القنوط من رحمة الله تبارك وتعالى, والأمن من مكر الله, والشاهد فيه قوله: "اليأس من روح الله والأمن من مكر الله" , وهذا الحديث جمعَ بين الأمرين, لكنّه حديثٌ رجّح ابن كثير رحمه الله الوقف فيه, فقال: "في إسناده نظر والأشبه أن يكون موقوفاً".
قال المصنف رحمه الله: "وعن ابن مسعود قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله" رواه عبد الرزاق".
أي من كلام ابن مسعود موقوفاً عليه, الأمن من مكر الله عرفناه, والقنوط من رحمة الله أيضاً عرفناه, واليأس من روح الله بنفس معنى القنوط من رحمة الله إلّا أنّ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فرّق بينهما بأنّ القنوط يستبعد حصول المطلوب في المستقبل, قال: واليأس يستبعد زوال المكروه، يعني شيء قد حصل ووقع يستبعد زواله, أمّا الأول يستبعد حصوله أي أنّه ما وقع بعد, أي نعم, هكذا فرّق بينهما الشيخ رحمه الله.
قال رحمه الله تعالى: "باب من الإيمان بالله: الصبر على أقدار الله".
الصبر في اللغة بمعنى : الحبس, والصبر في الشرع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
· الصبر على طاعة الله: يعني حبس النفس على طاعة الله تبارك وتعالى, ترويضها على ذلك, ما يسميه البعض بالرياضة, أن تروّض نفسك على طاعة الله تبارك وتعالى وتصبر عليها.
· والصبر عن معصية الله: أي: حبس النفس عن معصية الله, يعني منع النفس من المعصية.
· والصبر على أقدار الله: وهذا الذي ذكره المؤلف.
الصبر على أقدار الله: يعني حبس النفس عن الجزع والتسخّط وحبس اللسان عن التشكّي وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوها, هذا ما ذكره ابن القيم رحمه الله, هذا معنى الصبر على أقدار الله, حبس النفس عن الجزع, لا يحصل في قلبك تسخط على ما حصل, تصبر, تحمد الله وتصبر, وتعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك وأنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك, تعلم أنّ كلّ مصيبة تنزل عليك وتصبر عليها فلك بها أجر عند الله سبحانه وتعالى, حتى الشوكة يشاكها العبد المؤمن له بذلك أجر عند الله سبحانه وتعالى, فإذا علم ذلك واحتسب, يكون من الصابرين, ويعلم أنّ البلاء لا بدّ حاصل على كلّ مؤمن, "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ", "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" فهنا بارك الله فيكم إذا علم الشخص أنّه لا بدّ له من الابتلاء في هذه الدنيا, وأنّ المسألة ليست مسألة دعوى, تدعي أنّك من أهل الإيمان وأنّك من أهل الطاعة ومن أهل الاستقامة وتُترَك على ذلك, إذا علم أنّه لا بدّ مبتلى, فإذا أصابه بلاء صبر, عندئذ يكون من الصابرين على أقدار الله تبارك وتعالى, فالصبر على أقدار الله هو: الصبر: الحبس, حبس النفس عن الجزع, وحبس اللسان عن التشكّي والتسخّط, وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما من الأعمال المحرّمة التي تدلّ على التسخّط, هذا معنى الصبر على أقدار الله تبارك وتعالى, وهذا واجب, أمر الله تبارك وتعالى به كما سيأتي في الأدلة التي يذكرها لنا المؤلف رحمه الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وقول الله تعالى: "وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"، قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنّها من عند الله فيرضى ويسلم".
من أصابته مصيبة فعلم أنّها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب جازاه الله بهداية قلبِه التي هي أصل كلّ سعادة وخير في الدنيا والآخرة, وقد يخلف الله عليه في الدنيا ما كان أخذه أو خيراً منه, هكذا قالوا في شرح هذه الآية, المعنى الذي يذكره علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنّها من عند الله فيرضى ويسلم" فيجازيه الله تبارك وتعالى بهداية قلبه.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: "وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت"".
هاتان الخصلتان من أعمال كفّار الجاهلية, "هما بهم كفر": يعني ليس كفراً مخرجاً من الملّة ولكنّها خصلة من خصال الكفار تكون فيهم, فهو كفرٌ أصغر, "الطعن في النسب": يعني عيبه والغمز فيه والطعن, كأن يقال: فلان ليس ابن فلان أو ليس من العشيرة الفلانية, "والنياحة على الميت": وهذا الشاهد, النياحة على الميت وصفها بأنّها من الكفر, "اثنتان في الناس هما بهم كفر", النياحة على الميت: وهذا الذنب ذنب عظيم وهو ناتج عن ماذا؟ ناتج عن عدم الصبر على أقدار الله تبارك وتعالى, فهو تسخط عملي ناتج عن تسخط قلبي سابق له, النياحة على الميت: رفع الصوت بالندب (يا ويلاه على فلان, يا ويلتي مات فلان, يا ساند ظهري, يا فاعل يا فاعل ....) هكذا تكون النياحة, وتبدأ تعدّ فضائله وماذا كان يفعل وما المصائب التي جنتها من وراء موته, إلى آخره, وترفع صوتها بذلك النائحة, فهذا محرّم لأنّ فيه تسخطاً على أقدار الله وعدم الصبر, وهو الشاهد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ولهما" يعني للبخاري ومسلم "عن ابن مسعود مرفوعا: "ليس منّا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية".
هذه كلّها أعمال تدلّ على التسخّط على قضاء الله وقدره, أعمال جوارح, تسخط في الجوارح سبقه تسخط بالقلب, "ليس منا" نتركها كما هي أفضل ما قال أهل العلم لا تفسَّر, حتى تبقى هيبتها موجودة في النفوس, إذا فُسِّرَت ضعُفت هيبتها من النفوس, "من ضرب الخدود" حسرةً وندامةً على ما وقع, "وشق الجيوب": أي مزّق ثيابه, الجيب: الموضع الذي تُدخِل رأسك فيه من الثياب, هذا يسمى جيباً, وعند المصيبة أول ما يبدأ الشخص يمسك بهذا وينزعه, هذا الذي يحصل عند كثير من الناس, يمزّقه, ويحدث عند المصيبة, "ودعا بدعوى الجاهلية" دعا على نفسه دعاءً بالويل والثبور, (يا ويلاه, يا مصيبتاه, ..) مثل هذا الكلام, "ودعا بدعوى الجاهلية", هذه كلّها أعمال تسخّط بالجوارح تدلّ على تسخط القلب, وفي بعض البلاد في هذا الوقت, في بعض البلاد الإسلامية إذا حصلت مصيبة بدأ أهل البيت من النساء بالولولة ورفع الصوت بالبكاء ويأتين بشيء كالطاولة أو الطبل ويضربن عليه, ويكون لهن أظافر يمزّعن خدودهن, ويمزّقن ثيابهن, هذا حاصل, اليوم موجود, هذا كلّه من هذا القبيل, وهو من الذنوب العظيمة, تسخّطٌ على أقدار الله تبارك وتعالى, مخلٌّ بكمال التوحيد, لذلك ذكره المؤلف رحمه الله في كتاب التوحيد.
قال المؤلف رحمه الله: "وعن أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشرّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة"".
يعني من نعمة الله تبارك وتعالى أن يبتليك, وهذا يحفّزك على الصبر, يدفعك إلى الصبر على أقدار الله, بل ربما تفرح لو عَظُمَ إيمانك بالمصاب, لماذا؟ لأنّ الله ابتلاك كي يصفّيك من ذنوبك ويخلّصك منها, "إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا"، طبعاً من رحمة الله على العبد ذلك, ولو عفا الله سبحانه وتعالى عنه فلم يعاقبه لا في الدنيا ولا في الآخرة فهو الأفضل والذي نرجوه من الله تبارك وتعالى, لكن ربما يفعل ذلك وربما يعاقب بالذنب في الدنيا, وهذا أيضاً أفضل من الحالة الثالثة, "وإذا أراد بعبده الشرّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة"، يأتي بذنبه يوم القيامة على ظهره ويُعذَّب به, نسأل الله العافية والسلامة, إذاً هذا يدفعك إلى الصبر على أقدار الله تبارك وتعالى وتحمد الله على أن اصطفاك بأنّ يعذّبك في الدنيا وألّا يأتيك بذنبك يوم القيامة فيحاسبك عليه ويعذبك عليه, فيدفعك ذلك إلى الصبر ويُثاب على ذلك العبد.
قال المؤلف رحمه الله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء"، كلّما عظم البلاء عظم الجزاء، "وإنّ الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم"، إذاً لا بدّ من الابتلاء, وعظم البلاء يكون على قدر الإيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل"، الأمثل: الأقرب إلى الأنبياء, الصديقون مثلاً أعظم بلاءً من الصالحين الذين لم يصلوا إلى درجة الصديقين لأنّهم أعظم إيماناً وهكذا, "وإنّ الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرّضا"، الرضا هذه مرتبة هي أعظم من مرتبة الصبر وهي مستحبة, الصبر واجب على أقدار الله, والرضا مستحب ولكن هنا الظاهر أنّه يريد من ذلك ألّا تتسخّط فتصبر, لأنّه قرنها بالتسخّط فقال: ""ومن سخط فله السخط" حسنه الترمذي", الشاهد: أنّ الصبر واجب على أقدار الله تبارك وتعالى, وإذا استحضر العبد أنّ البلاء نعمة عليه وفضل حَمِدَ الله وصبر على ذلك فكان له الرضا, وإذا تسخط واعترض على حكم الله فله السخط من الله تبارك وتعالى, نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الصبر والثبات إلى أن نلقاه, وفّقنا الله وإياكم لطاعته, ونكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
الملفات المرفقة
نوع الملف: docx 21.docx‏ (43.9 كيلوبايت, المشاهدات 328)

آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 18-10-2015 الساعة 09:19
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2015, 09:36   #28
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

شرح كتاب التوحيد لفضيلة الشيخ علي الرملي حفظه الله :
الدرس الثاني والعشرون :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وصلنا عند الباب الخامس والثلاثين :
قال المؤلف رحمه الله " باب ما جاء في الرياء "
الرياء : مأخوذ من الرؤية , والمقصود به : أن تعمل العمل ليراك الناس , تعمل العمل الذي هو العبادة , قربة إلى الله سبحانه وتعالى , تعمله كي يراك الناس , هذا معنى الرياء , معنى الرياء أن تعمل العبادة كي يراك الناس , تصلي كي يراك الناس ويثنوا عليك ويمدحوك , تصوم كي يثنوا عليك بالصيام , عبادات , لا نتكلم عن الأمور الدنيوية , نتكلم عن العبادات , القُرَب التي تتقرب بها إلى الله تبارك وتعالى , تفعلها لا لكي يرضى الله سبحانه وتعالى عنك فقط بل أيضاً كي يمدحوك الناس ويثنوا عليك , هذا معنى الرياء , هذا المقصود بالرياء.
الفرق بين الرياء والسمعة : أن الرياء من الرؤية , يصح إطلاقه على الأعمال التي تُرى , أما السمعة فيصح إطلاقه على الأعمال التي تُسمَع كقراءة القرآن مثلاً والذكر وما شابه.
الرياء والسمعة حكمهما واحد , إذا تحدثنا عن الرياء فالسمعة داخلة في ضمن الأمر .
" باب ما جاء في الرياء " : ما جاء من أدلة تدل على تحريمه , تدل على النهي عنه وعلى التحذير منه وعلى قدر خطره على عبادة العبد وعلى قربه من ربه تبارك وتعالى , مهمٌّ جداً هنا أن نستحضر الحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : [ قال الله سبحانه وتعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك , من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركتُه وشركَه ] ، لا يقبل الله سبحانه وتعالى عملاً مشتركاً , فيه نية , فيه نية قربى لله سبحانه وتعالى وفيه نية أيضاً بأن تنال ثناء الناس ومدحهم , هذا من الرياء , فهنا الآن أنت جعلت الناس شركاء مع الله في عملك , هذا عملك مردود , لذلك - بارك الله فيكم - الرياء خطير على العمل إذ إنه يبطله .
1. إذا بدأت عملك بالرياء فالعمل من أصله باطل ، إذا ذهبت تصلي ركعتين فقط بدايةً من أجل أن يراك الناس , هذه كانت نيّتك : تصلي ركعتين من أجل أن يراك الناس , هذا عملك من أصله باطل , طيب .
2. إذا بدأتَ ركعتين خالصاً لله سبحانه وتعالى ثم دخل عليك الرياء بعد ذلك : لكَ في هذه الحالة صورتان :
الأولى : أن تستمر مع هذا الرياء الذي دخل على قلبك , تستمر معه وتحسّن عملك من أجل أن يثني الناس عليك , يبطل عملك إذا كان العمل متّصلاً مع بعضه كركعتين مثلاً , صلاة ، أما إذا كان العمل منفصلاً كصوم اليوم الأول من رمضان وصوم اليوم الثاني من رمضان : فيبطل اليوم الذي دخل عليه الرياء ، أما اليوم الثاني كونه منفصلاً عن اليوم الأول فلا يبطل إذا لم يدخله رياء الآخر . إذاً العمل إذا كان متّصلاً بحيث إذا أبطلنا جزأه أبطلناه كله : هذا إذا دخل عليه الرياء واستمر معه يبطل ، العمل إذا كان منفصلاً يبطل الجزء الذي دخل عليه الرياء , ومثَّلْنا بالصلاة والصيام , طيب.
الثانية: إذا كان المرء دخل عليهالرياء لكنه لم يسترسل معه , قطعه , هذا يحصل مع الجميع , يدخل عليك الرياء من حيث تشعر أو لا تشعر , ثم تنتبه لنفسك , إذا جاهدت نفسك وانصرفت عنه وطردته : هنا عملك صحيح , لا يؤثر عليك , عملك صحيح ولا يؤثّر هذا الرياء الذي دخل عليك شيئاً لأنك لم تسترسل معه .
وهذا حكم العمل الذي يدخل عليه الرياء , المهم أن نعرف الآن أن الرياء محرّم , مفسد للعمل إذا استمر الإنسان معه أو إذا بدأ العمل أصلاً بالرياء , وهو نوعٌ من الشرك , وهو نوع من الشرك الأصغر , وهو الشرك الخفي كما ستأتي الأدلة , وتقدم معنا الكثير منها , وينبغي الحذر من الرياء , نعم .
قال المؤلف رحمه الله :" وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} "
{ قل } : يا محمد لهؤلاء المشركين إنما أنا بشر , فليس بإله ولا ابن إله ولا شيئاً من هذا القبيل , { مثلكم } لا أختلف عنكم , ولست ملَكاً ولا شيء من هذه الأمور , { إنما أنا بشر مثلكم } لا أختلف عنكم إلا بماذا ؟ قال : { يوحى إلي } إذاً يختلف عنا بماذا ؟ بالرسالة , لأن الله اصطفاه للنبوة , للرسالة , فأوحى إليه , بماذا ؟ قال :{ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } هذه هي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم , وبهذا أوحى الله له , معبودكم الذي يجب أن تعبدوه هو معبودٌ واحدٌ , فاعبدوه وحده ولا تعبدوا معه غيره , هذه هيدعوة الأنبياء , هذا الذي أريده منكم , أن تتركوا عبادة الأصنام , تتركوا عبادة الأشجار , الأحجار , الأوثان , وتتجهوا إلى عبادة واحدٍ وهو الله سبحانه وتعالى , { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ } من كان يخاف من ربه يوم لقائه ويراقبه على معاصيه ويرجو ثوابه على طاعته { فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً } أيش العمل الصالح ؟ أن يكون خالصاً لله تبارك وتعالى وأن يكون على سنة النبي صلى الله عليه وسلم , هذا العمل الخالص , دلت على ذلك الأدلة الشرعية , فليعمل عملاً خالصاً لله تبارك وتعالى , عملاً صالحاً : يعني خالصاً لله تبارك وتعال على هدي النبي صلى الله عليه وسلم , { فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً } العمل لا يكون صالحاً إذا كان فيه شرك , فإذا عملت عملاً رياءً وسمعة هذا يكون فيه شرك لا يكون عملاً صالحاً , لا يكون مقبولاً عند الله سبحانه وتعالى , { وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} إذاً الشرك محرّم سواءً كان شركاً صغيراً , شركاً كبيراً , كله محرّم , ممنوع , مفسدٌ للعمل , { وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} , إذاً أيّ أحدٍ يكون مقصوداً بهذا , فلا تشرك بعبادة ربك أحداً من الخلق , إنما العبادة تكون لله وحده , الشاهد من ذلك أن العمل كي يكون مقبولاً عند الله يجب أن يكون خالصاً لله , ليس فيه شيء من الرياء والسمعة , ويجب أن يكون لله وحده وليس فيه شيء من الشرك , والرياء شرك , ولا يكون العمل خالصاً إذا كان فيه رياء .
قال المصنف رحمه الله تعالى :" وعن أبي هريرة مرفوعا: قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك " يعني أنا لا أقبل الشرك , أنا غنيّ عن الشرك , الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى أحد , وكل شيء ملكه , فغنيٌّ عن كل شيء , فهو غني عن الشرك , لا يريد منك عمل تشرك معه فيه غيره , " أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري " عمل عملاً يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى وتقرَّبَ به إلى غير الله تبارك وتعالى , هذا العمل يكون مردوداً عند الله , " من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" فلا يقبله الله منك , تركك الله وترك شركك إذا عملت عملاً أردت به وجهه وأردت به غيره أيضاً , ومن ذلك الرياء , عندما تصلي لله وتصلي من أجل أن يراك الناس وأن يثنوا عليك ويمدحوك , عندئذٍ يكون عملك دخله الشرك , والله غنيٌّ عن عملك هذا , لا يريده .
قال المؤلف رحمه الله :" وعن أبي سعيد مرفوعا " عن أبي سعيد يعني أبي سعيد الخدري , مرفوعاً ": يعني مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم , يعني من قول النبي صلى الله عليه وسلم , "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " يعني أخبركم بشيء أنا أخافه عليكم أكثر من خوفي من المسيح الدجال عليكم , انظروا خطورته إلى أين هذا !! , المسيح الدجال الذي فتنته عظيمة ومن عِظَمِها ما جاء نبي إلا وحذّر أمته منه , ومع ذلك هذه الفتنة أعظم من فتنة الدجال , " قالوا: بلى. قال: الشرك الخفي " الشرك الخفي : يخفى على الناس , يسري إلى القلب وأنت لا تشعر أحياناً , وصاحبه يُظهِر أن عمله لله , ويكون في قلبه شيءٌ آخر , فالشرك يكون خفيّاً , غير ظاهر ," يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته، لما يرى من نظر رجل" عرفت أيش معنى الرياء ؟ هذا هو , هذا تفسيره , يقوم الرجل يصلي ثم يحسّن صلاته , يزيّنها , يحسّنها , يطيل ركوعها , يطيل سجودها , يطيل قيامها , يتخشّع فيها , يزيّنها , هذا معنى التزيين , " لما يرى من نظر الرجل " أي : لماذا زيّنها ؟ لأنه يرى أن رجلاً ينظر إليه , هذا معنى تزيينها , هذا معنى الرياء , عَمِل العمل ليراه الرجل ويثني عليه , أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص وأن يجنبنا الرياء والسمعة وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه .
قال المؤلف - رحمه الله - : "باب من الشرك إرادة الأنسان بعمله الدنيا" : هو نوع من أنواع الشرك : أن تعمل العبادة لأجل الدنيا .. تريد نصيبا من الدنيا ، لا تفكر بالآخرة ولا بأجرها ، ولاهم لك في ذلك ، المهم عندك : الدنيا، أن تأخذ نصيبا منها ، هذا المقصود في هذا الباب … تعمل عملا" أخرويا" ، تعبديا" ، تتقرب به إلى الله - تبارك وتعالى – لكنك لا تريد الأجر والمثوبة من الله- تبارك وتعالى- في الآخرة ، إنما تريد من ذلك الدنيا … هذا المقصود من هذا الباب وهذا من الشرك أيضا ، وعدَه بعض العلماء من الشرك الأصغر ، فأنت حقيقة تعبد الله - سبحانه وتعالى- لكن الأجر الذي تنتظره هو الأجر من الدنيا ، من أمور الدنيا ... مثاله : شخص يستلم إمامة المسجد من أجل الراتب ، وأنا ضربت مثالا منتشرا بين الناس ،يوجد أئمة مساجد لولا المال ما وقفوا للإمامة ويوجد مؤذنون ، لولا المال ما أذنوا ، هذا هو الضابط : أن يعمل العمل ، إذا قطع عنه نصيبه من الدنيا تركه ، هذا يعمل لأجل الدنيا … لكن لو وقف الأمام إماما وصلى بالناس ، ولم يعط راتبا مقابل هذا ، ولكن أعطي مالا مقابل تفرغه ، تشجيعا له ، ولا يبالي إن انقطع المال أو استمر ، فهو يؤدي عبادة وقربة لله – تبارك وتعالى – فلا بأس بذلك ، وكذلك في الأذان ، إذا أذن لله ، ويريد الأجر والمثوبة من الله ، ولا ينتظر أجرا من ذلك دنيويا، وجاءه أحدهم وأعطاه شيئا من المال ، كي يستعين به على قضاء حوائجه ،لا أُجرة على ذلك الأذان ، فلا بأس بذلك - أيضا"-… لكن، إذا صلى إماما، أو أذن مقابل أن يأخذ المال، وإذا انقطع المال انقطع عنه ، هذا هو الذي يعمل لأجل الدنيا ، وكذلك عدَ بعض العلماء من ذلك : أن يعمل العمل يريد بذلك أن يدفع الله عنه الأذى ،والأمراض ، والآفات ، ولاهم له بالآخرة ، إنما يريد ذلك …. مثل هذه الأشياء هي المقصودة هنا …
وذكر المؤلف-رحمه الله – الآية، لكي يستدل على ما ذكر: قال الله -تبارك وتعالى -:( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) …. " من كان يريد الحياة الدنيا " : يعني : ثوابها ، " وزينتها " : من مال وبنين ، " نوف إليهم أعمالهم فيها " : يعني : نعطيهم ما أرادو من أموال وبنين وخيرات …. " وهم فيها لا يبخسون " يعني : لا ينقصون لكن قال أهل العلم هذه مخصوصة ، يعني ظاهر الآية أن الله – سبحانه وتعالى – يعطي أهل الدنيا ما يشاؤون ، نحن نرى أن من أهل الدنيا من الكفرة ، وغير ذلك … من المتكالبين على الدنيا من لا يأخذ منها ما يأخذه بعض أهل الصلاح ، قالوا: هي مخصوصة بقول الله – تبارك وتعالى - : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمننريد ) فلا يعطيهم كل شيء … على حسب حكمته – تبارك وتعالى – قال : ( أولئك ليس لهم في الآخرة إلا النار ) إذا : في الآخرة خسروا كل شيء ، لأنه ليست همهم ، ( وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) أبطل الله – سبحانه وتعالى – أعمالهم ، الحبوط يعني : الزوال فزالت أعمالهم ، وبطلت … ذهبت … وجاء في الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بشر أمتي بالسناء والرفعة والتمكين في البلاد ، مالم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن طلب الدنيا بعمل الآخرة لم يكن له في الآخرة من نصيب" أخرجه الحاكم وأحمد وهو مناسب جدا" لهذا الباب …
قال المؤلف – رحمه الله - : وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعس عبد الدينار " الدينار ، والدرهم : أموال المسلمين في السابق .. الدينار : قطعة من الذهب ، والدرهم : قطعة من الفضة … "تعس" : دعاء بالتعاسة ، يعني خابوهلك ، لماذا ؟ : لأنه تعلق به تعلق العبد بالرب ، فكان أكبر همه ، وقدمه على طاعة ربه ، وهذا يحصل من كثير من الناس اليوم – يكون همه المال أن يحصل عليه بأي طريقة ، حتى لو كانت فيها معصية لله ، حتى لو كان فيها شرك بالله – تبارك وتعالى – وكفر به … فيأتيه أناس كالرافضة يدفعون له مقابل أن يقول ، وأن يعتقد ما هم عليه ، فإذا أخذ المال قال واعتقد … وهذا اليوم كثير ، من حب الدنيا تمكن قلبه ، وأشربه قلبه حتى صار هذا حاله ، عبد الدرهم والدينار ، عبد خاضع له يمشي خلفه أينما ذهب ، وأينما ساقه ينساق ، هذا حاله ، وهؤلاء كثر اليوم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الفتن ستأتي في آخر الزمان حتى " يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع دينه بعرض من الدنيا " هذا الخطير جدا على الناس ، وواقع فيه الكثير … " تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم " ، ( هو عبدالمال يعني ) ، " تعس عبد الخميصة " الخميصة : هذي ثوب من صوف …" تعس عبد الخميلة " أيضا نوع آخر من أنواع الثياب … ثياب لها خمل … وكلها هذي من أمور الدنيا : درهم ، دينار ، طعام ، ثياب شراب … " تعس وانتكس " دعاء عليه بالخيبة ، والانتكاس : يعني : الرجوع ، ينقلب رأسا على عقب " وإذا شيك " : إذا أصابته شوكة ، " فلا انتقش" يعني : فلا يقدر على إخراجها بالمنقاش .
قالوا : أن من كانت هذه حاله ، فإنه يستحق أن يدعى عليه بما يسوؤه في العواقب ، ومن كانت هذه حاله فلابد أن يجد أثر هذه الدعوات بالخيبة ، والسوء ، ومن إذا أصابه شر ، لم يخرج منه ، ولم يفلح … لكونه تعس وانتكس … فلا نال المطلوب ، ولا خلص من المكروه ، فهذه خيبة من يلهث خلف الدنيا …
" تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ، طوبى لعبد " ( قالوا : طوبى هي شجرة في الجنة ) " طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله " يعني : آخذ بالحبل الذي يقود فرسه به … انظر المقارنة – الآن بين الأول والثاني ، الأول مشغول بالدنيا … الثاني – هذا – مشغول بطاعة ربه ، " طوبى لعبد " ، شجرة في الجنة ، " آخذ بعنان فرسه في سبيل الله " ( أي : في جهاد المشركين ) ، " أشعث رأسه " يعني : مش مشط بالمشط ، منفول، شعرة عن يمين ، والأخرى شمال ،وهكذا … " مغبرة قدماه" يجري على الحصان ، ويجري على قدميه … يصول ويجول في المعارك " إن كان في الحراسة ، كان في الحراسة " يعني : إذا وضع في موضع كان أهلا لذاك الموضع ، الحراسة : أن يحرس الجيش " إن كان في الحراسة كان في الحراسة " ، فلا يقصر ولا يغفل ويقوم بواجبه ، " وإن كان في الساقة كان في الساقة " يعني : في مؤخر الجيش ، أينما وضعوه قام بواجبه الذي أسند إليه ، فيكون في مصلحة الجيش ، وفي الجهاد في سبيل الله ، " إن استأذن لم يؤذن له " لا يبالي الناس به … انظر إلى منظره ، أشعث أغبر ما أحد يبالي به … جندي من الجنود ، بخلاف إنسان يكون عليه هيئة الترف ، وهيئة المال ، والحسن وكذا ،… هذا …الناس ينظرون إليه ويعطونه ما يريد ويلبون له رغباته ، بخلاف هذا " إن استأذن لم يؤذن له " يعني : إذا استأذن على الأمراء … لأجل حاجة ما أحد ينظر إليه ، " وإن شفع ، لم يشفع " ، إذا توسط لعمل مصلحة أو لدفع مفسدة ما أحد ينظر أو يبالي بوساطته … الشاهد : أنه رجل صالح قائم بطاعة الله – تبارك وتعالى – وشاغل نفسه بمرضاته ، بخلاف الأول ، عبد الدرهم والدينار ، انظر إلى المقارنة !!! وسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبدا للدرهم والدينار … وهذا الشاهد من الحديث … نكتفي بهذا القدر إن شاء الله ، وفقنا الله وإياكم لطاعته .

الملفات المرفقة
نوع الملف: docx 22.docx‏ (39.4 كيلوبايت, المشاهدات 297)

آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 14-10-2015 الساعة 10:13
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2015, 09:37   #29
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

الدرس الثالث والعشرون من شرح كتاب التوحيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ....
وصلنا عند الباب السابع والثلاثين من أبواب كتاب التوحيد ...
قال المؤلف _رحمه الله تعالى _ : باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا" من دون الله .
هذا الباب معقود لبيان نوع من أنواع الشرك , لأن فيه صرفا لأمر خاص بالله _ تبارك وتعالى_ لغيره, وهو التشريع.
التشريع : التحليل والتحريم ، حق خالص لله _ تبارك وتعالى _ فلا يجوز لأحد أن يحرم أو أن يحلل ، فإذا جعلت شخصا" مخلوقا مشرعا مع الله يحلل ويحرم فقد اتخذت شريكا مع الله _سبحانه وتعالى _ في هذه الخاصية لله تبارك وتعالى , هذه خصوصية له _تبارك وتعالى _ ليست لأحد معه فإذا اتخذت غيره مشرعا معه فقد اتخذته شريكا وجعلته شريكا لله _ سبحانه وتعالى _في حق خالص لله , هذا حق من حقوق الربوبية , هذا من ربوبية الله – سبحانه وتعالى _ , فأنت إذا جعلت مشرعا مع الله _ سبحانه وتعالى _ فقد اتخذت ربا مع الله _ تبارك وتعالى _لأن التشريع من أفعال الله _تبارك وتعالى _ الخاصة به , فأنت إذا اتخذت مشرعا مع الله , فقد اتخذت شريكا مع الله _ تبارك وتعالى _
هذا ما يريد أن يذكره المؤلف في هذا الباب ...
"من أطاع العلماء والأمراء" الذين يأمرون الناس هم العلماء والأمراء ... ويجب على الناس أن يطيعوهم , ولكن في طاعة الله _تبارك وتعالى _.
العالم : هو الذي يقول لهم : هذا حلال وهذا حرام ، بمعنى : أن هذا أحله الله , وهذا حرمه الله _ تبارك وتعالى_
والأمير : هو الذي يأمر وينهى، يأمرك أن تفعل وينهاك عن أن تفعل.
هؤلاء إذا أحلوا لك ما حرم الله , أو حرموا عليك ما أحل الله , وأنت اعتقدت حل ذلك أو حرمته , مع معرفتك بتغييرهم لشريعة الله _ تبارك وتعالى _ فقد اتخذتهم أربابا مع الله _تبارك وتعالى _ مشرعين , كما حصل مع بني إسرائيل.
بنو إسرائيل كان علمائهم يحللون لهم ما حرم الله , ويحرمون عليهم أشياء أحلها الله _ سبحانه وتعالى _ لهم , والناس كانوا تبعا لهم ، يمضون على هذا مع علمهم أنهم يغيرون في شريعة الله _سبحانه وتعالى _ ولكن كانوا يمضون معهم , هذا التغيير هو الذي يعنيه ربنا _ تبارك وتعالى_ في كتابه الكريم في الآيات التي ستأتي إن شاء الله وسيأتي تفسيرها من حديث عدي بن حاتم ... فالمقصود من التحليل والتحريم هنا : اعتقاد الحل لما حرم الله واعتقاد التحريم لما أحل _ سبحانه وتعالى _ , وليس مجرد الفعل , انتبهوا !_ ويعني_ ركزوا على هذه المسألة خشية أن تقعوا فيما وقع فيه الخوارج الذين كفروا المسلمين بمجرد طاعة علمائهم وأمرائهم فيما أمروهم به ( وإن لم يقولوا هذا من شرع الله _سبحانه وتعالى_ أو هو تغيير لشرع الله _ سبحانه وتعالى_ ولم يعلموا منهم ذلك ) .
مجرد الفعل إذا أمرك الأمير وقال لك: اشرب الخمر , لم يقل لك : الخمر حلال , ولم يقل لك : الله _سبحانه وتعالى _ شرع حله , ولكن قال لك : اشرب الخمر, وأنت ذهبت وشربت , هذا ليس من الباب الذي نحن فيه , هذه معصية , وذنب، لكن إذا قال لك : الخمر حلال اشربه , قلت : نعم حلال وشربته، هنا تكون قد اتخذت هذا الأمير _ أو العالم _ ربا مع الله _ تبارك وتعالى _ هذا المقصود هنا.
ونقرأ لكم _ بارك الله فيكم _ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _ ما يوضح لكم المراد من هذا الباب، قال رحمه الله _ في المجلد السابع صفحة سبعين من مجموع الفتاوى، قال: ( وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ) الأحبار : هم العلماء , والرهبان : هم العباد ، قال: ( وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث ) كيف اتخذوهم أربابا ؟ قال: ( حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله ) ركز هنا (في تحليل ما حرم الله ) فصاروا يطيعونهم في ذلك ويعتقدون أن هذا حلال , هذا معنى التحليل والتحريم :أن تعتقد أنه حلال وأن تعتقد أنه حرام ( في تحليل ما حرم الله , وتحريم ما أحل الله ) قال : ( يكونون على وجهين : ) ركز الآن هنا ، قال: ( هؤلاء اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله , وتحريم ما أحل الله , يكونون على وجهين : أحدهما : أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله ) أنهم أيش ؟ ( بدلوا دين الله ) يعني : دين الله : تحريم الخمر ... هم أحلوه ... هكذا صار تبديلا لشريعة الله _ تبارك وتعالى _ , دين الله : تحريم الربا ... هم أحلوه , فيعتقد أنه حلال ويمضي معهم , خلفهم في هذا ... أي نعم ... دين الله : تحليل لحم الإبل ... هم يعتقدون حرمته ... دين الله : تحليل لبن الإبل ... هم يعتقدون حرمته ... هكذا يكون تبديل شرع الله _ سبحانه وتعالى _ قال : ( أحدهما : أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله , فيتبعونهم على التبديل ) شفت كيف ؟ هم علموا أنهم قد غيروا شريعة الله _ سبحانه وتعالى _ وأحلوا ما حرم الله , وحرموا ما أحل الله , علموا ذلك منهم ... قال : ( فيعتقدون تحليل ما حرم الله ) يعتقدون أيش ؟ ( تحليل ما حرم الله ) لاحظ كيف ركز على مسألة الاعتقاد هنا ... قال: ( فيعتقدون تحليل ما حرم الله , وتحريم ما أحل الله ) يعتقدون ذلك ( اتباعا لرؤسائهم ) قال: ( مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل , فهذا كفر ) كفر واضح , بواح ...قال : ( وقد جعله الله ورسوله شركا , وإن لم يكونوا يصلّون لهم , ويسجدون لهم ) يعني : وإن كان ما في صلاة لهم ولا سجود لهم , لكن مجرد أنهم أحلوا لهم ما حرم الله واتبعوهم عليه _ مع علمهم أنهم بدلوا شريعة الله _ هؤلاء قد وقعوا في الشرك , قال : ( فكان من اتبع غيره في خلاف الدين _ مع علمه أنه خلاف الدين _ واعتقد ما قاله ذلك _ دون ما قاله الله ورسوله _) هو أيش فعل ؟ قال : ( واعتقد ما قاله ذلك , دون ما قاله الله ورسوله _) قال : ( مشركا مثل هؤلاء ) فيعني هؤلاء ... هذا يكون مشركا ( من كان هذا حاله) .
يعني خلاصة الموضوع : هنا المسألة ترجع إلى الاعتقاد , يعني : اعتقد تحريم ما أحل الله ,وتحليل ما حرم الله , اتباعا لرؤسائه _ وهو يعلم أنهم قد بدلوا دين الله وشرعه _ فهذا كافر كفرا مخرجا" من الملة .
ننظر إلى القسم الثاني الآن , قال : ( والثاني : أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتا ) لكن من حيث الاعتقاد ... شفت الآن هذا القسم الثاني ؟ ( أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتا ) يعني : يعتقدون أن الذي أحله الله هو حلال , والذي حرمه رؤساؤهم هو حلال , لأن الله أحله ، ويعتقدون أن ما حرمه الله هو حرام , وما أحله رؤساؤهم هو حرام لأن سبحانه وتعالى حرمه .
قال : ( لكنهم أطاعوهم في معصية الله _ كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص _ ) يعني : يشرب الخمر وهو يعتقد أنه حرام وإن أمره الأمير يشرب الخمر, وأطاعه في ذلك , مع اعتقاده وباقي اعتقاده سليم , فهذا لا يشرك . قال : ( فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب , كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنما الطاعة في المعروف ) وقال : ( على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره _ مالم يؤمر بمعصية _ ) وقال : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) وقال : ( من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه ) إلى آخر ما تكلم شيخ الإسلام رحمه الله , وفي هذا المرجع كلام نفيس له رحمه الله _ وأجزل له المثوبة _ وبذلك يكون قد اتضح عندنا هذا الباب , وما المراد منه , ومتى يكون الشخص قد اتخذ العالم أو الأمير ربا مع الله _ تبارك وتعالى_ والله أعلم .. نعم ...
نكمل الآن إن شاء الله , قال المؤلف _رحمه الله تعالى _ : وقال ابن عباس : ( يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم , وتقولون : قال أبو بكر وعمر ) ؟! هنا المؤلف ذكر هذا الأثر كي يبين لنا أن قول الله وقول رسوله لا يقدم عليه قول أحد من البشر , أيا كان . بما أنها قد استبانت لك السنة , فلا يجوز لك أن تعدل عنها لقول أحد من البشر , خشية أن تقع فيما ذكر ها هنا في هذا الباب من تحليل ما حرم الله , أو تحريم ما أحل الله _ سبحانه وتعالى_ , لكن هذا متى يكون منك ؟ إذا علمت أن قول العالم مخالف للدليل وللشرع واتبعته عليه فيخشى عليك من ذلك , لذلك ذكر لنا المؤلف_ رحمه الله _ هذا الأثر في هذا الموطن , لكن لابد من تقييد ذلك بأمر سنذكره عند شرح الأثر .. ابن عباس رضي الله عنه كان يقول بمسألة فقهية , أنا لا أريد أن أتطرق إليها الآن لأن كثيرا منكم لا يعرفها , فلا أريد أن أدخله في متاهات ... كان يقول بمسألة فقهية وعارضه البعض بأن أبا بكر وعمر كانا يخالفانه , فقال لهم : (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ) عذاب , يعني يعذبكم الله _سبحانه وتعالى _ بها ، لماذا ؟ لأنكم تردون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم , لأنه كان يرى أن معه سنة النبي صلى الله عليه وسلم ( أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر ) الكلام الذي ذكره ابن عباس حق ، لكن الكثير من الناس يريدون به الباطل _ عندما يذكرون هذا الكلام _ , إما بقصد أو بغير قصد , كيف ذلك ؟
يأتي الشخص إلى نص في الكتاب , أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويفهمه بناء على مراده أو على عقله هو , ثم يلزمك بفهمه ! ويقول لك : أقول لك قال الله , قال رسول الله , وتقول لي : قال فلان , وقال فلان ؟ ! أنا لا أقول لك : قال فلان وقال فلان من عندهم , أنا ألزمك بفهمهم ( فهم السلف , فهم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما للنص ) أنت عندك نص , نعم ... لكن كيف فهمه أبوبكر وعمر ؟ هذا مرادي فلا تلتبس عليكم الأمور ... هناك فرق بين أن تأتيني بنص صحيح من كتاب الله , أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأعارضه لك بقول بشر ( أيا كان ) , وما بين أن أقول لك : فهم الصحابة على خلاف فهمك ... واضح ؟
مراد المؤلف _ هنا _حق وصحيح , وما أراد ابن عباس أن يوصله إلينا أيضا حق وحق... وهو ألا يقدم قول بشر على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ... لكن لابد من الرجوع إلى فهم السلف _ رضي الله عنهم _ لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , ولا تكون الأمور فوضى ( كل شخص يفهم على مراده ) ... فهذا هو الباب العريض الذي يدخل منه المبتدعة , لذلك كان السلف – رضي الله عنهم _ يقولون ( بمعنى كلامهم ) : أنها إذا جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متعارضة يعني .. فانظروا ما كان يفعل أبو بكر وعمر ... هم المرجع في فهم كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ... أبو بكر , عمر , عثمان , علي , هم أولى بالصواب منا , لأمور فضلهم الله _ تبارك وتعالى _ بهم علينا .. خلاصة القول , والمراد من هذا الأثر أنك لا تقدم قول بشر على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ترجع في فهم الكتاب والسنة إلى فهم السلف الصالح _ رضي الله عنهم _ هذا المراد ... وعلى ذلك تفهم أقوال العلماء جميعا , لأنهم هم هؤلاء الذين ذكروا أقوالا مشابهة لما قاله ابن عباس هم أنفسهم الذين يعلقوننا بفهم السلف , ويعلموننا ألا نتفرد بفهم من عندنا , لقول الشافعي _ رحمه الله _ : ( أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له لأن يدعها لقول أحد ) من استبانت له سنة الرسول صلى الله عليه وسلم .. اتضحت , ولا تتضح إلا بعد أن يرجع إلى فهم السلف الصالح _ رضي الله عنهم _ ... قال المصنف _ رحمه الله تعالى _ : وقال الأمام أحمد : ( عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان ) سفيان _هذا _ هو الثوري , وكان فقيها , وله مذهب سائد في الكوفة _ رحمه الله_ , وأصحاب المذاهب المشهورة في ذلك الوقت : سفيان الثوري في الكوفة , والأوزاعي كان في بلاد الشام , والليث بن سعد كان في بلاد مصر , وعبد الله بن المبارك كان في خراسان , ومالك بن أنس كان في المدينة , وسفيان بن عيينة كان في مكة ... هؤلاء أصحاب مذاهب متبعة , كمذهب الشافعي وأحمد ومالك , قبل أن تعرف مذاهب مالك .... عفوا ... الشافعي وأحمد , كانت هذه المذاهب هي المنتشرة ... سفيان الثوري كان له مذهب منتشر .. فيقول الإمام أحمد _هنا _ : ( عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ) يعني : استطاعوا أن يميزوا السنة الصحيحة من الضعيفة , وأن يعرفوا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يثبت ( يذهبون إلى رأي سفيان ) يعني : ويتركون سنة النبي صلى الله عليه وسلم , إذا استبان لهم أن رأي سفيان مخالف للسنة ... يتعجب منهم الإمام أحمد ! كيف يكون هذا , وهذا حال كثير من الناس , عندما يكون مذهب أحد العلماء سائداً في البلاد , إذا خالفه أحد بالسنة تعجبوا , واستغربوا وقاموا عليه ... يعني ليس الأمر فقط أنهم يتركون السنة ويتبعون رأي فلان , بل ويقومون على من خالفهم أيضا ، هذا موجود في كل زمان ( والله _تعالى _يقول_: ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) ) عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ( أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) قال الإمام أحمد: ( أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة : الشرك ) يعني _نسأل الله العافية _ ربما يكون ذلك سبباً في ردته ( لعله إذا رد بعض قوله ) يعني إذا رد بعض قول النبي صلى الله عليه وسلم ( أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ) يكون ذلك سببا في هلاكه ، أن ترد شيئا مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أبو بكر الصديق _ رضي الله عنه _ : ( إني أخشى إن تركت شيئا من أمره صلى الله عليه وسلم أن أزيغ ) أو بهذا المعنى , وهو في صحيح البخاري .
الشاهد : أن تعظم أمر الله وأمر رسوله , وأن تقدم أمر الله وأمر رسوله على قول كل أحد , وأن لا تحلل ما حرم الله لقول رئيسك أو عالمك تعصبا له وتحذر من ذلك أشد الحذر ، فربما يكون سببا لهلاكك _ كما نحن نشاهد اليوم _ هذا الأمر سبب لهلاك كثير من الناس .. نعم .
قال المؤلف _ رحمه الله _ : ( عن عدي بن حاتم : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهذه الآية : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) هذه الآية تدل على أن النصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ... الأحبار قلنا هم : العلماء , والرهبان : هم العباد ... أربابا من دون الله كما سيأتي تفسيرها : كيف انهم اتخذوهم أربابا من دون الله ... وكذلك اتخذوا المسيح عيسى ابن مريم ربا , عليه الصلاة والسلام . قال : (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ) هم مأمورون بعبادة الله وحده , لا عبادة هذه الأرباب ( لا إله إلا هو ) أي : لا معبود بحق إلا هو ( سبحانه عما يشركون ) ينزه نفسه _ تبارك وتعالى _ عن شرك المشركين .. قال عدي بن حاتم : (فقلت : إنا لسنا نعبدهم ) استغرب ! يعني العبادة : صلاة لهم ونذر لهم , تقرب إليهم بأنواع القرب ... هذا أمر معلوم لكن هذا لا يقع منا , قال : ( إنا لسنا نعبدهم , قال : أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه ,فقلت : بلى , قال : فتلك عبادتهم ) إذا , هذا أيضا نوع من أنواع العبادة ... هذا نوع من أنواع العبادة , بذلك اتخذتموهم أربابا من دون الله _ تبارك وتعالى - , وهذا الحديث يفسر لنا الآية , ويفسر لنا المعنى المراد منها , كيف أنهم اتخذوهم أربابا من دون الله , أحلوا الحرام فأحلوه, وحرموا الحلال فحرموه, اعتقاد ذلك على التفصيل الذي مر معنا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يبينه ويوضحه بشكل جلي جدا , نعم ...
قال المؤلف _رحمه الله _ : باب قول الله تعالى : (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت )
هذا الباب معقود لبيان حكم التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ... في أي شيء , في أي مخاصمة , أي منازعة , في مسائل عقدية , مسائل فقهية , المخاصمة بين الناس في الأموال , في الأنفس , في الدماء .. في كل شيء ... التحاكم يجب أن يكون لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا يجوز التحاكم للأعراف , ولا يجوز التحاكم للعادات والتقاليد , كما يفعل كثير من مشايخ القبائل _ مثلا_ وغيرهم .. هذا كله محرم غير جائز .. الواجب التحاكم إلى شرع الله _ سبحانه وتعالى _ فقط .. للأدلة التي سيذكرها المؤلف_ رحمه الله _ .
ومن تحاكم لغير شريعة الله _ تبارك وتعالى _ , فقد وقع في الكفر , وهل هو كفر أكبر أو كفر أصغر ؟
التفصيل فيه كالتفصيل في الحكم بغير ما أنزل الله ، وقد جاء في فتوى للجنة الدائمة , عندما سئلت : فما حكم من يتحاكم إلى القوانين الوضعية _ وهو يعلم بطلانها فلا يحاربها ولا يعمل على إزالتها _؟
قالت : الواجب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عند الاختلاف ... قال تعالى : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" ) وقال تعالى : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) قالوا : والتحاكم يكون إلى كتاب الله تعالى وإلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن لم يتحاكم إليهما مستحلا التحاكم إلى غيرهما فهو كافر. وإن كان لم يستحل التحاكم إلى غيرهما، ولكنه يتحاكم إلى غيرهما من القوانين الوضعية فبدافع طمع في مال أو جاه أو منصب , فهو مرتكب معصية وفاسق فسقا دون فسق , ولا يخرج من دائرة الإيمان .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ : عبد العزيز ابن باز _ رحمه الله _ , والشيخ عبد الله الغديان عضو ... والشيخ عبد الله القعود عضو
فيبين لنا ذلك أن التحاكم إلى غير شريعة الله _ سبحانه وتعالى فيه تفصيل , هل يكفر كفرا مخرجا من الملة أو أن يكون كفرا غير مخرج من الملة على التفصيل : إن استحل ذلك , ورآه جائزا إلى آخر التفصيل الذي ذكرناه في الحكم بغير ما أنزل الله. وما سنذكره في الحكم بغير ما أنزل الله _ إن شاء الله _ فهذا يكون كفرا مخرجا من ملة الإسلام , أما إذا فعل ذلك وهو يعلم أنه حرام , ولا يجوز , ولكن اتبع هواه في أمر ما , فهذا لا يكون مخرجا من ملة الإسلام، التحاكم إلى ذلك. اليوم عندنا محاكم كثيرة تحكم بغير شريعة الله _ سبحانه وتعالى _ يضطر الإنسان أن يلجأ إليها كي يأخذ حقه .. نقول لك: اعرف حقك من الناحية الشرعية أولا، سل العلماء ( علماء الإسلام الموثوق بهم ) الذين يفتون بكتاب الله وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم , فإذا بينوا لك حقا ما عند أحد ولم تستطع أن تأخذه إلا عن طريق المحكمة , فخذه عن طريق المحكمة. المحكمة _هنا _ تكون مجرد رجل شرطي يأتيك بحقك بالقوة فقط , فإذا أعطوك أكثر من حقك فلا تأخذ إلا حقك , لأن حقك هو الذي أعطاك إياه الشرع , بعد أن ترجع إلى العالم ويفتيك بأن حقك هو كذا وكذا فعندئذ لا يجوز لك أن تأخذ إلا ما قال لك هذا العالم الشرعي , و أنت تستعمل المحكمة كقوة فقط من أجل أن تأتيك بحقك فقط , وهذه الفتوى التي ذكرها الشيخ ابن باز _ رحمه الله_ والتي ذكرها أيضا الشيخ ابن عثيمين _ رحم الله الجميع _ .
قال _هنا _ : ( ألم تر إلى الذين يزعمون ) يعني هذا أمر تعجبي ,يعني : انظر ! تعجب من هذا الشخص الذي هو يزعم ... يدعي بأنه مؤمن ( يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) كيف تؤمن بما أنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم , وفيه شريعة كاملة وفيه إعطاء الناس حقوقهم ثم تذهب وتتحاكم إلى غيره ؟
(وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) يعني : يدعي أنه آمن بكتاب الله وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم , وآمن بالشرائع التي قبل ذلك , ثم يتركها ويذهب يتحاكم إلى أيش ؟ إلى الطاغوت .
وكما ذكرنا : الطاغوت مأخوذ من الطغيان ، يعني : كل من حكم بغير شريعة الله _ سبحانه وتعالى _ وأردت أن تذهب تتحاكم عنده , فهو طاغوت بشرط.
نعم فهو طاغوت هنا في مثل هذا الموطن فمن حكم بغير شريعة الله _ سبحانه وتعالى _ وأردت أن تتحاكم إليه فهذا طاغوت فأنت تترك حكم كتاب الله , وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم , وتذهب إلى شخص كهذا , هذا يسمى طاغوتاً ، وهذا من الأمر الذي يتعجب منه , أن يزعم المرء أنه من أهل الإيمان أنه يؤمن بكتاب الله ويؤمن بشرع الله _ سبحانه وتعالى _ ثم يتركه ويذهب يتحاكم إلى غيره ، وهذا يدل طبعاً، هذه الآية تدل على عظم هذا الذنب وكبره , وأن الإنسان المؤمن إيماناً حقيقياً , لا يقع هذا منه أبداً.
قال المؤلف _ رحمه الله _ : وقوله :( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون )
من الإفساد في الأرض : التحاكم إلى غير شريعة الله ، عدم إقامة شرع الله _ سبحانه وتعالى _ في الأرض , من الفساد في الأرض : الفسق والفجور فيها , هذا من الفساد في الأرض ,وهذا الذي يقصد في مثل هذا الأمر ... لا تعصوا الله _ سبحانه و تعالى _ في أرضه, فهذا من الفساد في الأرض
(وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) يعني: أطيعوا الله _سبحانه وتعالى_ , لا تعصوه , لا تشركوا به , لا تعملوا بالمعاصي والذنوب , لا تتحاكموا إلى غير شريعته .
(قالوا إنما نحن مصلحون) فيما يفعلونه من فساد وهم يزعمون أنهم مصلحون.
وهذه من أعظم المصائب : أن تظن نفسك أنك على خير , وأنت على ضلال ، نسأل الله العافية والسلامة , لذلك أكثروا من دعاء الله _سبحانه وتعالى_ أن يوفقكم إلى الحق الذي يحبه و يرضاه _تبارك وتعالى_ ...
قال المؤلف _رحمه الله تعالى_ : وقوله : (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) نفس المعنى الذي تقدم .
(لا تفسدوا في الأرض) أي: بالتحاكم إلى غير شريعة الله _سبحانه وتعالى_ , وبإقامة المعاصي والذنوب والشرك وغير ذلك .
قال المصنف _ رحمه الله تعالى _ : عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )
قال النووي : ( حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح ) الحديث ضعيف , لا يصح هذا ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) يعني : يكون كل ما يحبه وما يريده هو تبع لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم , فيكون متبعاً لكتاب الله ولسنة الرسول صلى الله عليه وسلم , ومحكماً لكتاب الله ولسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يحكم غير شرع الله _ تبارك وتعالى _ والله _ سبحانه وتعالى _
يقول : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) فالواجب علينا أن نحكم شرع الله , وأن نتحاكم إلى شرع الله _ تبارك وتعالى_...
قال المؤلف _ رحمه الله _ : وقال الشعبي (الشعبي _هذا_ عامر الشعبي , أحد علماء التابعين , ومن المحدثين الكبار) : (كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة) كان بينهما منازعة: منافق , ويهودي.
المنافق: الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر , وهؤلاء كانوا من أهل المدينة لأن أهل المدينة _يعني_ عندما دخل الإسلام فيها أسلم أكثر أهلها وصار الكفار مستضعفين , فأرادوا أن يحموا أنفسهم فنافقوا ... أظهروا الإيمان , وهم في الحقيقة كفار , بينما المهاجرين لا تجد منهم منافقا , لأنهم ما كانوا مضطرين أن يخرجوا من مكة إلى المدينة ويزعموا الإسلام , ما فيهم أحد على هذه الصورة , لذلك ما تجد فيهم النفاق , تجد النفاق موجود في أهل المدينة الأصليين , الذين آمن منهم من آمن , وهم الأنصار , والذين لم يؤمنوا هم المنافقون , أظهروا الإيمان في الظاهر , لكن في باطن الأمور كانوا من المنافقين , ورأسهم عبدالله بن أبي بن سلول .
( كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة ) : منازعة
( فقال اليهودي : نتحاكم إلى محمد _ عرف أنه لا يأخذ الرشوة _ ) يعني : كان الظاهر أن الحق له , فعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة , فيقضي له بالحق , ( وقال المنافق : نتحاكم إلى اليهود ) عرف أن اليهود يأخذون الرشوة وممكن أن يعطيهم ويقلبوا الحق له ( _ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة _ فاتفقا أن يأتيا كاهناً في جهينة فيتحاكمان إليه ) يعني : لا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا إلى اليهود ... أخذوا أمراً لا يوافق هذا ولا هذا , وهو الكاهن , وكانوا قديماً في الجاهلية يتحاكمون إلى الكهان ، وهذا المنافق يزعم أنه مؤمن في ظاهر الحال .
قال : لذلك نزلت، قال : ( فاتفقا أن يأتيا كاهناً في جهينة ) قبيلة من قبائل العرب ( فيتحاكمان إليه , فنزلت :( ألم ترَ إلى الذين يزعمون ... ) الآية التي ذكرها المؤلف . وهذا , وإن كان ضعيفاً ولكن المراد ما ذُكر .
( وقيل نزلت في رجلين اختصما , فقال أحدهما : نترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم , وقال الآخر : إلى كعب بن الأشرف , ثم ترافعا إلى عمر بن الخطاب , فذكر له أحدهما القصة , فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلم : أكذلك ؟ قال : نعم , فضربه بالسيف فقتله ) وهذه _ أيضاً _ قصة ضعيفة ويستدل بها الخوارج على كفر كل من لم يقبل ، يرضى إلى شريعة الله _ سبحانه وتعالى _ مطلقاً من غير تفصيل ...وكما ذكرنا لكم هذه القصة لا تصح أصلاً وهذه حال أهل البدع , وأهل الضلال يتعلقون ولو بالمتشابهات أو بالأحاديث الضعيفة المهم عندهم ان يقيموا ما يريدون , وأن يقرروا عقائدهم الباطلة الفاسدة , والمسألة عند أهل السنة بحمد الله , على التفصيل الذي ذكرنا لكم , ولا فرق بين الحكم بغير ما أنزل الله , و التحاكم إلى غير شريعة الله _ تبارك وتعالى _ وكله محرم ، التحاكم إلى غير شريعة الله , والحكم بغير ما أنزل الله كله محرم , لكن ماحكم الفاعل ؟ هل يكفر كفراً مخرجاً من الملة ؟ أم يكفر كفراً غير مخرج عن الملة ؟ على التفصيل الذي سنذكره _ إن شاء الله _ في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله , والله أعلم , ونكتفي اليوم بهذا القدر .
الملفات المرفقة
نوع الملف: docx 23.docx‏ (53.5 كيلوبايت, المشاهدات 395)

آخر تعديل بواسطة أبو زيد رياض الجزائري ، 14-10-2015 الساعة 12:04
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2015, 09:37   #30
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي


الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد :
نحن الآن في الباب التاسع والثلاثين، قال المؤلف_ رحمة الله_: "باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات":
أولا: نفرق بين الاسم والصفة،الآن عندما تسمي شخصا _ أو يسميه أهله_ كريم هذا اسم يدل على شخص مسمى بهذا الاسم , تسمي شخص آخر زيد ,محمد ,عمر ... إلخ هذا اسم يدل على ذات تسمى بهذا الاسم فقط. أخوك اسمه محمد يدل على أن لك أخا اسمه محمد فقط ، هذا هو الاسم: ما دل على مسمى.
أما الصفة فتدل على معنى، عندما تصف محمدا بالكرم فتقول: محمد كريم، هذا معنى موجود في محمد , هذا معنى الصفة , وهذا الفرق بين الاسم والصفة , البشر يسمون بالأسماء وربما تكون الأسماء تدل على صفات , لكن لا علاقة لصاحبها بالصفة التي تدل عليها , كأن تسمي شخصا كريم، بهذا الاسم , الآن هذا الاسم يدل على ذات تسمى بها هذا الاسم , لكن هل يلزم أن يكون هو كريم ؟
لأن هذا الاسم يتضمن معنى , لكن ربما المعنى _ هذا _ يكون متحققا في المسمى وربما لا يكون (في البشر)، فعندما نسميه نحن لا نلحظ هذا المعنى , نسمي فلان كريم ، خلاص انتهى الأمر , يطلع كريم , يطلع بخيل مش موضوعنا .
أما في حق الله_ تبارك وتعالى _ فكل اسم له سمى به نفسه في الكتاب أو في السنة , فهو متضمن للصفة , فيه صفة , فيه معنى موجود ومتحقق في الله _ تبارك وتعالى _ كاسمه الرحمن هو اسم سمى به نفسه "الرحمن على العرش استوى"، "بسم الله الرحمن الرحيم " ويدل أيضا على صفة , صفة الرحمة.
في حق الله : الاسم ثابت , والصفة التي تضمنها أيضا ثابتة له،فلا يوجد عنده اسم من غير صفة : لا ، هذا في حق البشر ممكن يمشي , أما عند الله _ سبحانه وتعالى _ فلا , لأن الله _ سبحانه وتعالى _ له الكمال , هذا معنى الاسم ومعنى الصفة.
كيف نثبت الأسماء والصفات ؟
بالأدلة الشرعية ، الأمور التي تتعلق بالله _تبارك وتعالى _ كلها أمور غيبية (من الأسماء والصفات ) لا علم لنا بها , العقل يدرك بالجملة أن الله سبحانه وتعالى يستحق صفات الكمال , ولا يستحق صفات النقص , هكذا بهذه الطريقة يدرك العقل هذا الأمر , أما على وجه التفصيل فهناك صفات لا يدري العقل فيها أيصح أن يوصف الله بها أم لا ؟ يتوقف حائرا , فمرجعها إلى الشرع . مرجع الأسماء والصفات إلى الشرع , إلى قال الله , قال رسول الله ، ما الذي يسمي الله _ سبحانه وتعالى_ به نفسه ؟ وما الذي لا يسمي به نفسه ؟ هذا يرجع إليه , من أين نعرف ؟ بالوحي سمى نفسه كذا بالقرآن سميناه , سمى نفسه كذا بالسنة سميناه , لم يسم: لا نسم , لا نتجاوز ، عندنا حدود , كذلك الصفات وصف نفسه كذا بالقرآن وصفناه , وصف نفسه كذا بالسنة وصفناه , لم يصف سكتنا , مع اعتقادنا أنه يستحق كل كمال وأن كل نقص منفي عنه بس ، وينتهي الأمر , هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات , وهكذا نعتقد فيها , لا نحرف ولا نؤول ولا نلف وندور على شرع الله لا لا ولا نحكم عقولنا على الله تبارك وتعالى أبدا، الحاكم عندنا الكتاب والسنة بس .
الآن نرجع إلى ما بوب المؤلف _رحمه الله_ قال: باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات
التي ثبتت لله في الكتاب والسنة كاسم الرحمن , ثبت لله _تبارك وتعالى_ في الكتاب والسنة .. الرحيم, العزيز, الغفور .. إلى آخره .. ثبتت في الكتاب والسنة ,انتهى الأمر ... نثبتها لله _سبحانه وتعالى_ كـأسماء , وكذلك الصفات .. كصفة الرحمة , صفة الغضب , صفة الحب , صفة اليدين , صفة العلو .. كلها ثبتت بالكتاب والسنة , نثبتها لله _تبارك وتعالى_ ولا نعمل عقولنا الصغيرة القاصرة على الله _ تبارك وتعالى _ ونجعلها حاكما عليه ... أبدا
" من جحد شيئا " ، الجحود : هو الإنكار و التكذيب ، وهذا يكون على صورتين :
الصورة الأولى : أن يجحد ويكذب صراحة، نقول له : الله _ سبحانه وتعالى_ اسمه الرحمن , متصف بصفة الرحمة ، يقول لك : لا، لا اسمه الرحمن و لا يتصف بصفة الرحمة ، هذا كفر مخرج عن ملة الإسلام , لأنه مكذب بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
الصورة الثانية : لا يكذب به صراحة هكذا , لكن يلف ويدور , يحرف , كالذين يحرفون صفة الاستواء بالاستيلاء هؤلاء كذبوا بالصفة ( صفة العلو) , حرفوا معناها , جحدوها حقيقة ، لكن باللف والدوران , عندهم شبهات قامت جعلتهم ينحرفون , هذه الشبهات منعت من تكفيرهم , ولكنها لا تمنع من تبديعهم , لأنهم خالفوا أدلة واضحة وصريحة في دلالتها .. في ثبوتها قوية .. وفي دلالتها صريحة .. وفي إجماع السلف عليها حجة عليهم.. فهمنا ؟ أما من تأول بطريقة هي بعيدة جدا , ولا تقبل عند العرب أصلا_ كمن يتأول البقرة في سورة البقرة بعائشة_ , هذا التأويل لا يقبل منه ولا يكون مانعا من تكفيره , لأنه هو في الحقيقة لا يوجد شبهة حقيقية , ولا يوجد له مسوغ في اللغة يجعله يفسر هذا التفسير .. هذا لعب اسمه , وليس تأويلا , غير معتبر نهائيا عند العلماء .
هذه الأقسام الثلاثة احفظوها جيدا، مهمة .. لكي تفرق وتعرف متى يكفر الشخص ؟ ومتى يبدع بمثل هذه الأفعال ؟
قال : (باب من جحد شيئا_ أي شيء _ من الأسماء والصفات ) أنكرها , كذب بها ..
ما حكمه ؟ قال : وقول الله تعالى : ((وهم يكفرون بالرحمن )) عندما أنكر المشركون اسم الله _سبحانه وتعالى _ الرحمن , أنكروه .. قالوا : وما الرحمن ؟ ما نعرف هذا الاسم لله _سبحانه وتعالى_ , أنكروا ذلك وكذبوا , فأنزل الله_ سبحانه وتعالى_ هذه الآية : ((وهم يكفرون بالرحمن )) ، قال _ تبارك وتعالى _ : (( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعو فله السماء الحسنى )) الرحمن اسم له وصفته الرحمة , وهذا من صفات كماله _تبارك وتعالى _ , فجحود الأسماء كفر . قال : " وهم يكفرون بالرحمن "لما جحدوا الاسم وأنكروه , وصفهم الله _سبحانه وتعالى_ بالكفر به , "وهم يكفرون بالرحمن" هذا حكم من جحد الاسم أو الصفة , على التفصيل الذي تقدم .
وموضوع الأسماء والصفات موضوع طويل , وقد أفرده العلماء بكتب خاصة لعظم الفتنة فيه وكثرة المخالفين , كثرة أهل البدع , وكثرة شبهاتهم ، أفرد العلماء هذا القسم بمصنفات , مؤلفات خاصة , تؤصل عقيدة أهل السنة والجماعة وتدحر شبهات أهل البدع , وكتأصيل لمن أراد أن يتقن هذا الباب أنصحه بـ (القواعد المثلى ) لأحد أئمة هذا العصر بحق , وإن وصف بابن تيمية الصغير .. فحقه ذلك، حقيقة ، وهو الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ , ففي كتبه تأصيل وتفصيل لعقيدة أهل السنة والجماعة , ورد على أهل البدع بأسلوب سهل وميسر لا تجده عند الكثيرين , وقراءة كتبه وإتقانها ييسر لك جدا فهم كتب ابن تيمية _ رحمه الله _ وابن القيم رحمه الله وغفر له على ما قدم للإسلام والمسلمين حقيقة , وقد استفدنا منه فوائد جمة عظيمة , بل أقول بحق : هذا العلم (علم الأسماء والصفات ) كان هذا الإمام له الفضل الأكبر من البشر عليَ في فهمه وإتقانه , فجزاه الله عنا خيرا ورحمه وغفر له , فأنصحكم بهذا الكتاب (القواعد المثلى ) كتاب ماتع ، من أراد أن يتقن هذا الفن , وهذا الجانب من جوانب الاعتقاد , فليقرأ هذا الكتاب وليتقنه ...
قال المؤلف_ رحمه الله _ : وفي صحيح البخاري قال علي :(حدثوا الناس بما يعرفون , أتريدون أن يكذب الله ورسوله ) ؟ في صحيح البخاري قال علي _ رضي الله عنه_ (علي بن أبي طالب ) فقيه ,عالم , جليل , من أعظم مناقبه : قول النبي صلى الله عليه وسلم , أن الله ورسوله يحبونه (يحبه الله ورسوله) وهو أحد الخلفاء الأربعة , وإمامته معلومة مشهورة ... قال لنا قاعدة : ( حدثوا الناس بما يعرفون)من أمور شرع الله ولا يستنكرونه , بحيث يكون فتنة عليهم ( أتريدون أن يكذب الله ورسوله ) ؟ يعني : يكذبون الله ورسوله فيقعون في الفتنة بسبب حديثكم، تذكرون لهم أخبارا لا تبلغها عقولهم , فيؤدي ذلك إلى تكذيبهم بخبر الله أو خبر رسوله فيقعون في المحذور.العلم الذي يجب عليك أن توصله للناس يجب أن تكون عندك حكمة في إيصاله للناس , ولاتكن فتنة عليهم بأسلوبك وطريقتك المنفرة ، وقع من بعض الشباب في بعض المجالس مع العامة عند عقد القران ،العامة هنا _ عندنا اعتادوا على قراءة الفاتحة , يقوم بعض الشباب صارخا : قراءة الفاتحة بدعة, والناس تعلم أن البدعة مذمومة , فتأخذهم الحمية على كتاب الله , كيف يقول في الفاتحة التي هي من كتاب الله بدعة ؟ ويبدأ العراك .. ما السبب ؟ أن هذا الشخص أساء في طريقته إيصال المعلومة ففهموا عليه فهما خاطئا, وهم معذورون في فهمهم , هم لا يعلمون ماذا يعني بأن قراءة الفاتحة بدعة , وكيف تكون بدعة ؟ اشرح , فصل , فهم الناس ماهي البدعة , وكيف تكون العبادة بدعة ؟ وكيف تكون العبادة ممدوحة؟ وكيف تكون مذمومة؟ يحتاج إلى أن تفصل وتشرح وتمثل بأمثلة بعيدة عن مثل هذا المثال أولا, ثم بعد أن يستوعب الناس ويفهموا , لو قلت لهم قراءة الفاتحة عند عقد القرآن بدعة لقبلوا منك بكل أريحية , الناس ما عندهم عداءة مع كتاب الله وسنة رسول الله وشرع الله , دعنا من بعض مرضى القلوب , لكن نتحدث عن العامة بصفة عامة بشكل مجمل و ما عندهم عداء , أحسن إفهامهم وستجد من الكثير منهم قبولا لك ولكلامك , حدث الناس بما يعرفون (بما تدركه عقولهم ) وإذا وجدت عندك معلومة من دين الله تحتاج _ولابد _ أن يفهموها , فأحسن الأسلوب في طريقة إيصالها وكن حكيما , كي لا توقع الناس في فتنة في دينهم , ربما رجع ذلك إلى تكذيبهم آيات في الكتاب أو في السنة بسبب أسلوبك فتكون فتنة عليهم .
لماذا ذكر المؤلف هذا ها هنا ؟ لأن بعض الصفات لا تحتملها أفهام الناس , ويفهمونها بشكل خاطئ , فعندئذ , قبل أن تسردها عليهم , وتذكرها لهم , لابد من أسلوب صحيح حكيم في طريقة إيصال المعلومة , هذا مراده رحمه الله .
قال المصنف رحمه الله : وروى عبد الرزاق (الصنعاني) في مصنفه ( له المصنف ,كتاب كبير في أحد عشر مجلد من غير الفهارس في طبعة المكتب الإسلامي ... كتاب نفيس , فيه آثار كثيرة عن السلف _رضي الله عنهم _من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين , يبين لك فقه السلف , الفقه القديم الذي لم يشب بالأفكار الدخيلة )
قال : عن معمر ( معمر بن راشد , كان محدثا فقيها_ رحمه الله_ ) عن ابن طاووس ( هو عبدالله بن طاووس ) عن أبيه ( طاووس من كيسان , تلميذ ابن عباس ) عن ابن عباس ( عبدالله بن عباس ) أنه رأى رجلاانتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الصفات _ استنكارا لذلك _ فقال : ما فرق هؤلاء ؟ يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه .. انتهى . نعم ,
طيب , هذا الحديث الآن يذكر طاووس أن ابن عباس رأى رجلا انتفض (أي : اهتز )_ استنكارا لما سمع _ لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات , وهذا الذي تحدثنا عنه سابقا , تذكر بعض الصفات أمام العامة فلا تدركها عقولهم , يؤدي إلى هذا ، انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم _ استنكارا لذلك _ فقال ابن عباس رضي الله عنه : ما فرق هؤلاء , يعني ما الذي يخوفهم هؤلاء؟ ما الذي يجعله ينتفض _ مستنكرا"_ ؟
يجدون رقة عند محكمه , ويهلكون عند متشابهه ... انتهى , عندما تمر بهم الآيات والأحاديث التي هي محكمة بمعنى واضحة الدلالة , واضحة المعنى , لا تعطي أكثر من معنى , معناها واضح , هذا معنى المحكم , عندما تمر بهم هذه الآيات وهذه الأحاديث المحكمة يجدون رقة , يجدون خشوعا , زيادة في إيمانهم، ويهلكون عند متشابهه , لكن إذا مرت عليهم الآيات و الأحاديث التي فيها متشابه يهلكون ... لماذا ؟
لأنهم لم يفعلوا كما فعل العلماء الراسخون في العلم ... العلماء الراسخون في العلم ماذا يفعلون ؟ إذا مرت بهم آيات أو أحاديث من المتشابه , ونعني بالمتشابه التي تعطيك أكثر من معنى , ولا تكون واضحة الدلالة فماذا يفعلون ؟ يردون المتشابه إلى المحكم , عندئذ يتضح معنى المتشابه , ولا يكون فتنة عليهم , أما غيرهم _من كثير من العامة , وغيرهم من أهل البدع _ فيقعون في الفتنة , فيهلكون عند المتشابه , يتخبطون في فهمه , ويتأرجحون ويضيعون , فإذا مر بك ما يخالف الأصول الصحيحة والأدلة المحكمة عندك , عندئذ مباشرة تؤمن به كما جاء وترد معناه إلى المحكم .
مثال ذلك : عندك أدلة محكمة في عيسى عليه السلام , قال الله _ تبارك وتعالى _ : (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)فعيسى عندك مخلوق من تراب خلقه الله_ تبارك وتعالى _ بعد أن لم يكن مخلوقا , وخلقه من تراب كما خلق آدم من تراب , وليس هو ابن الله ,ولا بعضا من الله _تبارك وتعالى _تعالى الله عما يقول الظالمون .... هذا دليل محكم واضح الدلالة لا خفاء فيه ولا اشتباه البتة ... جاءك دليل آخر , اشتبه عليك , تقرأ في القرآن فمررت بآية : (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ) كيف تفهم ( وروح منه ) ؟ هل هي بعض من الله وجزء منه ؟ ها ؟ ! هكذا يلبس النصارى على المسلمين بهذه الآية ... أم أنه روح منه أي مخلوق منه ؟ هو الذي خلقه وليس غيره , من خلقه وايجاده , كما تقول : هذا الدينار مني لك ... هل هو جزء وبعض منك ؟؟ لا .. لكنه كان منك عطاءا وإخراجا , فابتداء خروجه منك ... روح منه أي : من خلقه وايجاده _ تبارك وتعالى _ , انظر لماذا قلنا هذا ؟ لأننا رددنا هذه الآية إلى الآية المحكمة في هذا الموضوع ... هكذا _ بارك الله فيكم _ يتعامل العالم الراسخ مع الأدلة الشرعية , أما أهل البدع فيجعلون المتشابه هو أصل عندهم , ثم يأخذون في تحريف المحكم تحريفات سمجة ضعيفة ركيكة .. لأن المحكمات أصلا لا تحتمل تلك التفسيرات .
قال المصنف _رحمه الله تعالى _ : ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكرو ذلك , فأنزل الله فيهم : ( وهم يكفرون بالرحمن )
هذا نوع من أنواع جحود الأسماء والصفات , وهو انكارها , وهذه سنة أهل الجاهلية وطريقتهم ... نعم
الملفات المرفقة
نوع الملف: docx 24.docx‏ (36.2 كيلوبايت, المشاهدات 326)

آخر تعديل بواسطة أبو زيد رياض الجزائري ، 14-10-2015 الساعة 14:51
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 09:19.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي