Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-05-2015, 09:12   #11
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي


تفريغ الدرس الحادي عشر : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد :

قبل أن نبدأ بشرح الباب الرابع عشر كنا قد نسينا في الدرس الماضي أن نتحدث عن حديث الطبراني في الباب الثالث عشر في آخره , قال المصنف رحمه الله تعالى : " وروى الطبراني بإسناده: أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:[ إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ] " ذكره المؤلف هنا بمناسبة الاستغاثة لأنه يتحدث عن أنه من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره تبارك وتعالى فلذلك ذكر المؤلف هذا الحديث , وهذا الحديث أخرجه الطبراني كما قال المؤلف وفي سنده ابن لهيعة , ابن لهيعة ضعيف , فالسند ضعيف وكذلك أخرجه أحمد بلفظٍ آخر وفي سنده ابن لهيعة وفي سنده أيضاً رجل مبهم فالحديث حصل فيه خلاف في إسناده , هل هذا الرجل المبهم في إسناده الصواب ذِكره أو عدم ذكره وأيضاً في سده ابن لهيعة , والظاهر أن الخلاف أصلاً نتج من سوء حفظ ابن لهيعة رحمه الله , على كلٍّ الحديث ضعيف لا يصحّ , لا ننشغل به , لكن هو يعني يريد المؤلف منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ إنه لا يستغاث بي ] مع أن ما ذُكر في الحديث يقدر عليه النبي صلى الله عليه وسلم , نحن قرّرنا في لدرس الماضي أن الاستغاثة بشخصٍ في أمر يقدر عليه هذا جائز , وهذا منها , يعني منها , ينبغي أن تكون من هذا الباب , فلذلك العلماء الذين رأوا صحة هذا الحديث تأوّلوه فقالوا : المراد من ذلك يعني أن النبي صلى الله وسلم قال : إنه لا يُستغاث بي في مثل هذا الموطن مع أنه مما يقدر عليه النبي صلى الله عليه وسلم , قالوا : أراد من ذلك حماية جناب التوحيد وسداً لذرائع الشرك , وفعل ذلك أيضاً أدباً وتواضعاً لربه تبارك وتعالى وتحذيراً للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال , هذا ذكره من يذهب إلى صحة الحديث , يعني تأوّلوه , وبما أن الحديث ضعيف عندنا فلا نحتاج إلى هذا , طيب .

نبدأ بالباب الرابع عشر : قال المؤلف رحمه الله :" باب: قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ}"
في هذا الباب : قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ( لمّا ذكر المؤلف رحمه الله الاستعاذة والاستغاثة بغير الله تبارك وتعالى ذكر البراهين - يعني الأدلة - الدالّة على بطلان عبادة ما سوى الله ) يعني ذكر الأدلة , ذكر المؤلف بعد ذلك الأدلة التي تدلّ على بطلان عبادة غير الله تبارك وتعالى , على بطلان عبادة الأصنام , بطلان عبادة الملائكة وما شابه , فلما كانت الاستغاثة والاستعانة من أنواع العبادات , وصرفها لغير الله شرك على التفصيل الذي تقدّم معنا , أراد أن يؤكد لنا في هذا الباب أن عبادة غير الله تبارك وتعالى باطلة وهي عبادة قد صُرفَت لغير الله بغير وجه حق , فذكر الآية مباشرة , وهي دليلٌ على ما ذَكَرَ , قال : " باب: قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} " هنا السؤال أو الاستفهام في هذه الآيات هو استفهامٌ للتوبيخ والتعنيف , يعني كيف يُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ , كيف يفعل ذلك أهل الشرك , يذهبون إلى مخلوقات كالأصنم والأوثان وغيرها فيعبدونها مع الله تبارك وتعالى , وهذه الأصنام هي لا تستطيع أن توجد شيئاً من العدم , وهذا معنى الخلق , غير قادرة على خلق شيء , وهي مخلوقة , فهي غير قادرة على خلق الشيء من العدم , وإيجاده من العدم , وهذا نقصٌ في قدرتها وفي نفس الوقت هي مخلوقة , يعني هي احتاجت إلى غيرها كي يوجدها , وهذا نقصُ آخر فيها , فكيف يكون الناقص على هذا النحو إلهاً يُعبَد مع الله تبارك وتعالى فهو لا يستطيع أن يَخلُق , وهو نفسه أصلاً مخلوق , إذاً هو ناقصٌ من الجهتين , عدم قدرته على الخلق , هذا نقصٌ في قدرته , وكونه هو مخلوق أصلاً كان معدوماً فهو بحاجة إلى من يخلقه هذا أيضاً نقصٌ في حقه فكيف يكون الناقص بهذا الوصف وهذه الصورة إلهاً يُعبَد مع الله تبارك وتعالى ؟ أفما لهم عقول ؟ , قال : { أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } يعني كيف يفعلون ذلك ؟ كيف يفعل المشركون أمراً كهذا ؟ { وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ } يعني انظر إلى أي مستوى هم ضعفاء !! - الذين يعبدونهم ويتضرّعون إليهم ويخضعون ويتذلّلون لهم - , الذي يُعبَد ينبغي أن يكون كاملاً قادراً على كل شيء , قادراً على نصرتك , قادراً على حمايتك عندما ترفع يديك إليه وتدعوه , قادر على أن يستجيب دعاءك , هذا هو الذي يستحق أن يُعبَد لا الذي لا يقدر على شيء من ذلك وعنده نقصٌ كبير وضعف , يُعبَد على ماذا هذا ؟! { وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً } يعني لو جاءهم عدو أو نزل بهم ما يحتاجون إلى نُصرة هذه الآلهة التي يعبدونها لا تستطيع الآلهة أن تنصرهم وأن تذبّ عنهم وأن تحميهم , لا تستطيع ذلك , إذاً لماذا تُعبَد ؟ لماذا تُدعى مع الله تبارك وتعالى ؟ بل ليس هذا فحسب , حتى إنهم غير قادرين على نصرة أنفسهم , لو جاء عدو يعتدي عليهم أنفسهم ما استطاعوا أن ينصروا أنفسهم , لذلك عندما جاء الأنبياء وحطّموا هذه الأصنام هل استطاعت هذه الأصنام أن تدافع عن نفسها من التحطيم ؟ وعندما جاء المؤمنون الموحّدون وحطّموا هذه الأصنام ما استطاعت الأصنام أن تدافع عن نفسها , ما استطاعت أن تنصر نفسها , يدعون الأصنام ليلَ نهار , يخضعون يتذلّلون لها , يعبدون القبور , يخضعون لأصحابها ويتذلّلون لهم , هل استطاع أحد من أصحاب القبور أن يلبّي دعاءهم ؟ أن يرزقهم ؟ أن يحفظهم ؟ أن يرفع عنهم البلاء ؟ ما يستطيع إلا بإذن الله تبارك وتعالى فقط , عندما يأذن الله سبحانه وتعالى يكون ذلك , إذاً مَن الذي يُدعى ؟ مَن الذي يُعبَد ؟ هو الله سبحانه وتعالى الذي بيده ملكوت كل شيء , ثم قال المصنّف رحمه الله تعالى :" وقوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ } , { وَمَا يَسْتَوِي} الآية الأخرى { وما يستوي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور } " آيات كلها مغزاها واحد تدل على أن هذه الآلهة التي تعبدونها مع الله وتشركون بها في عباداتكم لا تملك شيئاً غير قادرة على منفعتكم بشيء , لا تسمع , وإذا سمعَت لا تستطيع أن تستجيب لكم ولا أن تنفعكم , لأنها لا تملك شيئاً , {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } " يعني : الذين تعبدونهم من سوى الله سبحانه وتعالى , من غير الله تبارك وتعالى , { ما يملكون من قطمير } يعني : لا يملكون حتى القطمير , القطمير هي اللفافة التي تكون على نواة التمرة مثل النايلون , رقيقة جداً , بعد ما تشيل الذي على التمر , الذي يؤكَل من التمر تجد مثل النايلون , رقيق شفاف , شيء حقير تافه , لا يملكونه , فإذا ما استطاعوا أن يملكوا مثل هذا فما هو أعظم منه من باب أولى , إذاً فَهُم لا يملكون شيئاً , والذي لا يملك شيئاً لو دعوته ليل نهار ماذا سيعطيك ؟ فاقد الشيء لا يعطيه , هو لا يملك شيئاً فماذا سيعطيك ؟ لن يعطيك شيئاً , إذاً الذي يستحقّ أن يُدعى هو الله سبحانه وتعالى , تخضع , تتذلّل بين يديه بحاجتك فيلبّي الله سبحانه وتعالى طلبك , قال : { إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم } ,{ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم } لأنهم إما جمادات أصنام أو موتى أو غائبون , هذه المعبودات التي تُعبَد من غير الله تبارك وتعالى , فلا يسمعون , { ولو سمعوا } : لو قدّرنا أن منهم من يسمع وسمعوا { ما استجابوا لكم , لأنهم لا يقدرون على أن يستجيبوا , لا يستطيعون أن يُلبّوا شيئاً , الأمور ليست بأيديهم , إنما هي بيد الله تبارك وتعالى { ولو سمعوا ما استجابوا لكم , ويوم القيامة يكفرون بشرككم } يعني أنتم تعبدونهم , تتضرّعون إليهم , تخضعون , تتذلّلون , تتقربون إليهم بأنواع القُرب , تدعونهم , ومع ذلك : يوم القيامة يتبرَّؤون منكم ومما كنتم تفعلونه معهم مِن عبادة , لا يعترفون بكم أصلاً { ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبّئك مثل خبير } يعني : لا يُخبرك بالخبر ويُعلِمك بالحقائق مِثلُ خبيرٍ بها وهو الله سبحانه وتعالى , والخبير هو العالم ببواطن الأمور وحقائقها , نعم .
أما الآيات الأخرى : { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } كثير من نسخ كتاب التوحيد ليس فيها ذِكر لهذه الآيات , على كلٍّ : { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } الأحياء الذين هم المؤمنون , والأموات الذين هم الكفار , فالمؤمن حيٌّ , فهو سميع بصير يمشي بنور من الله سبحانه وتعالى على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة إلى أن يصل إلى جنّات الخُلد , والكافر أعمى أَصَمّ في ظلماتٍ يمشي , لا خروج له منها فهو في تِيه وفي ضياع وفي ضياع وفي ضلال إلى أن يأتي يوم القيامة فيكون في جهنم - نسأل الله السلامة - , فالمؤمن حيٌّ بإيمانه والكافر ميّتٌ بكفره , قال الله سبحانه وتعالى : { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } الفرق بينهم كبير , فالأحياء في فلاح وفي نجاح , والكفّار في خُسران - نسأل الله العافية والسلامة - , { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ } إن الله يُسمِع : أي يهدي اللهُ سبحانه وتعالى إلى سماع الحجّة وقَبولها والانقياد إليها من يشاء من خلقه { إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } أي : كما أن الذين في القبور لا ينتفعون ولا يسمعون , كذلك الكفار , الكفار مهما أعطيتهم من أدلّة وبراهين فلا ينفعهم ذلك , لأن الله سبحانه وتعالى لا يهديهم ولا يوفّقهم لطاعته تبارك وتعالى , هذا معنى الآيات المذكورة هنا , ونحن كما ذكرنا : هذه الآيات ليست موجودة في كثير من نسخ كتاب التوحيد , ولعلّ عدم وجودها هو الأنسب , فالشاهد والمراد في الآيات التي سبقت من سورة فاطر , ثم قال المؤلف رحمه الله : " وفي الصحيح عن أنس قال: "شجّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته. فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ "فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} " في الصحيحين : الحديث موجود في البخاري ومسلم , إلا أنه عند مسلم موصول وعند البخاري معلّق , عن أنس بن مالك قال :" شُجَّ النبي صلى الله عليه وسلم ", شُجَّ يعني : ضُرب على رأسه وشُقّ رأسه يوم غزوة أحد , " وكسرت رباعيته " سنٌّ من أسنانه كُسر , فقال : أي النبي صلى الله عليه وسلم : " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم " يعني : يستبعد هذا الأمر بعد أن ضربوا نبيهم كيف يكون لهم الفلاح لقومه , هم قريش , " فأنزل الله تبارك وتعالى :{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} " فكان هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم سبباً لنزول الآية , والشاهد هنا أن الله تبارك وتعالى قال لنبيّه - وهو صاحب المكانة المعروفة ونبيُّ الله تبارك وتعالى على جلالة قدره ومكانته - قال له ربنا تبارك وتعالى :{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} يعني يتوب الله سبحانه وتعالى عليهم أو يُضلّهم الله سبحانه وتعالى , هذا الأمر بيد مَن ؟ بيد الله سبحانه وتعالى , والأمر يرجع إلى الله تبارك وتعالى , وأنت امض في شأنك وفي دعوتك , هذا المقصود , فمعنى ذلك : إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو صاحب المكانة المعلومة , وهو نبيّ الله تبارك وتعالى وسيّد ولد آدم , ومع ذلك يقول له ربنا تبارك وتعالى : { ليس لك من الأمر شيء } , طيب إذاً , غيره ماذا لهم ؟ الأصنام , الأحجار , الأشجار , الملائكة , كل من يُعبَد مع الله تبارك وتعالى , ماذا لهم ؟ ليس لهم من الأمر شيء , الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى , إذاً فالذي يستحقّ أن يُعبَد هو من ؟ هو الله سبحانه وتعالى لأن الأمر كله بيده تبارك وتعالى , هذا المقصود وهو المراد من الحديث , ثم قال المصنف رحمه الله : " وفيه" يعني في الصحيح والحديث في صحيح البخاري قال "عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر" يعني في القنوت , قنوت الفجر , هذا عند النوازل , قنوت النوازل : كان يقنت في الخمس أوقات : "اللهم العن فلانا وفلانا".يسمي أشخاصاً بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد"،يعني يرفع من الركوع , من ركوع الركعة الثانية , في الركعة الثانية يرفع من الركوع , يقول سمع الله لمن حمده ثم يبدأ بالقنوت فيقول اللهم العن فلاناً وفلاناً " فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} " , " وفي رواية :" في رواية ثانية "يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام" ها قد صرًح بالأشخاص الذين كان صلى الله عليه وسلم يدعو عليهم " فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} " طيب : هذه الآية سبق أن نزلت بسببٍ ثاني , لا يمنع من نزول الآية أكثر من مرة بسببين أو أكثر , ما في مشكلة في هذا , فالآية نزلت بالسبب الأول وبالسبب الثاني أيضاً , والشاهد نفس الشاهد : إذا قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :{ ليس لك من الأمر شيء } الهداية والتوفيق والإضلال كله بيد الله سبحانه وتعالى فأنت ليس لك من الأمر شيء , تمضي فيما أمرك الله سبحانه وتعالى به , وهذه الأمور مرجعها إلى الله سبحانه وتعالى , فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ليس له من الأمر شيء فغيره من باب أولى أنه ليس له من الأمر شيء , إذاً فالذي يستحق أن يٌعبَد هو الذي بيده الأمر وهو الله سبحانه وتعالى , هذا المراد من الحديثين , وهو الشاهد . ثم قال المصنف رحمه الله تعالى : " وفيه أي في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} . فقال: "يا معشر قريش- أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، اشتروا أنفسكم بالطاعة , يعني أطيعوا الله سبحانه وتعالى والجؤوا إليه وارجعوا إليه واعبدوه ووحّدوه كي تشتروا أنفسكم من الله سبحانه وتعالى وتدخلوا الجنة وتُنجّوا أنفسكم من نار جهنم "اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً،لا أغني عنكم من الله شيئاً ,يعني أني لا أستطيع أن أنفعكم بشيء إذا متّم على الشرك , إذا لم تشتروا أنفسكم من الله بالتوحيد والطاعة فلن أغني عنكم من الله شيئاً أي لن أستطيع أن أنفعكم بشيء عند الله سبحانه وتعالى , سيكون مآلكم إلى جهنم , " لا أغني عنكم من الله شيئاً " يا عباس , يا عباس بن عبد المطلب:عباس هذا عم النبي صلى الله عليه وسلم , فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الأقربين الأبعد ثم صار يقرّب , العباس أقرب من عموم قريش , قال : " لا أغني عنك من الله شيئاً " يعني إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغني عن عمّه شيئاً ولا يغني عن قريش الذين هم أقرباؤه شيئاً إذا ماتوا على الشرك " يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم:" صفية عمّته قال " لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد: سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً" " أي بنته , بنت النبي صلى الله عليه وسلم لا يغني عنها من الله شيئاً , إذا مات أحدهم على الشرك فلن ينفعه النبي صلى الله عليه وسلم بشيء يوم القيامة , حتى الشفاعة لا تكون للمشركين , إنما تكون للمؤمين فقط , فلا ينفعهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يشتروا أنفسهم بأنفسهم بالتوحيد وطاعة الله سبحانه وتعالى ينجون , الشاهد أنه قال لهم : " لا أغني عنكم من الله شيئاً " وهو نبي الله , فالأمور كلها بيد الله تبارك وتعالى , فالذي يستحقّ أن يُدعى وأن يُعبد وأن تخلص العبادة له هو الذي بيده كل شيء وهو الله سبحانه وتعالى , وهذا هو الشاهد والله أعلم والحمد لله رب العالمين ثم قال المؤلف رحمه الله : " باب: قول الله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} " قال أهل العلم : هذا الباب يدل على أنه لا يستحق أحد أن يكون شريكاً مع الله , لماذا ؟ الآية التي ذكرها المؤلف في الملائكة , فإذا كان الملائكة - وهم الذين لهم القرب المعروف من الله تبارك وتعالى يحصل منهم الفزع عند سماع كلام الله تبارك وتعالى , وذلك لعلمهم بالله تبارك وتعالى وبعظمته , فهو سبحانه الذي يستحق أن يُعبَد وحده , لماذا ؟ لأنه المتّصف بالعظمة الكاملة , ومتّصفٌ بصفات الكمال وهو الذي يجب أن يُهاب وأن يُخاف كما خافته الملائكة , فهو سبحانه الذي يستحق أن يُعبَد لا غيره , فلا أحد يجب أن يُخاف منه أو أن يُهاب بالطريقة التي يُخاف من الله تبارك وتعالى بها , لأنه لا أحد له العظمة الكاملة والصفات الكاملة غير الله سبحانه وتعالى , قال :{ حتى إذا فُزّع عن قلوبهم } عندما تسمع الملائكة كلام الله تبارك وتعالى يصيبهم الخوف ويُغشى عليهم , فإذا زال عنهم الفزع { قالوا : ماذا قال ربكم قالوا } قال الحق { وهو العلي الكبير } وسيأتي تفسيرها من نفس الأحاديث , قال المؤلف رحمه الله : " في الصحيح " صحيح البخاري " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قضى الله الأمر في السماء " أي إذا تكلم الله بالأمر الذي يوحيه إلى جبريل بما أراده " ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً " يعني من الخضوع , تخضع لله تبارك وتعالى " لقوله " أي تخضع لقول الله تبارك وتعالى " كأنه سلسلة على صفوان " يعني كأن الصوت المسموع سلسلة على صخرة أو على حجر أملس , تجر السلسلة على الصخرة " يَنفذهم ذلك " أي يخلُص ذلك القول إلى الملائكة ويمضي فيهم حتى يفزعوا منه { حتى إذا فزع عن قلوبهم } يعني إذا زال الفزع عنهم { قالوا ماذا قال ربكم } يسأل بعضهم بعضاً { ماذا قال ربكم } يقولون : { قال الحق وهو العلي الكبير } " فيسمعها مسترق السمع " يعني يسمع الكلمة التي قضاها الله سبحانه وتعالى مسترقي السمع من الجن , من الشياطين , كما جاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الجن يصعد بعضهم على بعض , يرتقي بعضهم على بعض , يسترِقون السمع من السماء فيأتيهم شهاب , فإما يسبق الشهاب قبل أن يأخذ الجنّيّ الكلمة من السماء ويلقيها للذي بعده يأتيه الشهاب فيقتله ويحرقه قبل أن يُلقي الكلمة أو أنه يلقي الكلمة ثم يأتيه الشهاب فيأخذها الكاهن , طبعاً يأخذها هؤلاء الشياطين ويلقونها إلى الكهنة , يأخذها الكاهن ويكذب عليها مئة كذبة , هذا جاء في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال , في نفس الحديث هذا , في آخره سيذكر هذا الأمر , قال : " فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض , وصفه سفيان بكفّه فحرّفها وبدّد بين أصابعه " حرّفها يعني مال بكفّه , لم يجعل الكف قِبَل الأرض , لا , جعلها واقفة , الإبهام إلى السماء , وفرّج بين أصابعه , يصعد بعضهم على بعض يعني , " وصفه سفيان بكفّه فحرّفها وبدّد بين أصابعه , فيسمع الكلمة " يعني مسترق السمع , الشيطان , الجنّيّ , " فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته " يعني يتناقلونها فيما بينهم إلى أن تصل إلى من هو على الأرض " حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن " فيأخذها الشيطان الأخير فيوصلها إلى الساحر أو الكاهن " فربّما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها " هذا الأول الذي يسترق الكلمة ربما يصل إليه الشهاب فيحرقه قبل أن يلقي الكلمة إلى من بعده , وربما يلقي الكلمة قبل أن يصله الشهاب " فربّما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه " " فيكذب معها مئة كذبة " يعني الكاهن " فيقال " يعني الناس الذين يسمعون الكاهن يقولون " أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا " يعني يركّزون على الكلمة التي صدق فيها وينسون له المئة كذبة " فيصدّق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء " فيأتي بعد ذلك الحديث الآخر : [ من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد ] وسيأتي إن شاء الله موضوعه , الشاهد من الحديث أن الملائكة عندما تسمع الصوت يأخذها الفزع لعلمهم بعظمة الله تبارك وتعالى , فلا يستحق أحد أن يكون شريكاً مع الله في عبادته وطاعته لأنه ليس لأحدٍ العظمة التي لله تبارك وتعالى , ثم قال المصنف رحمه الله : " وعن النواس بن سمعان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو قال : رعدة شديدة خوفاً من الله عز وجلّ " تصوّر حتى السماوات , حتى السماوات تخاف من الله سبحانه وتعالى هذا الخوف المذكور أمامنا , لأنها كلها تعرف عظمة الله تبارك وتعالى " فإذا سمع ذلك أهل السماوات صُعقوا وخروا لله سجداً " أهل السماوات : الملائكة " فيكون أول من يرفع رأسه جبريل , فيكلمه الله من وحيه بما أراد ثم يمر " يعني يوحي الله سبحانه وتعالى ما أراد له من وحي " ثم يمر جبريل على الملائكة , كلما مر بسماءٍ سأله ملائكتها : ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول : قال الحق وهو العلي الكبير " هذا فيه إيضاح لما سبق , من الذي يسأل ؟ الملائكة , من الذي يجيب ؟ جبريل عليه السلام " فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل , فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عزّ وجلّ " يأخذ الوحي إلى أين ما أمره , ربما ينزل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم - محمد أو غيره - , الشاهد أن السماوات وأن الملائكة كلها تُصعق وتفزع من عظمة الله تبارك وتعالى , فلا يستحق أحد أن يكون شريكاً مع الله تبارك وتعالى , قال أهل العلم : ( والآيات المذكورة في هذا الباب والأحاديث تقرّر التوحيد الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله , يعني الذي دلت عليه هذه الشهادة , فإن المَلِك العظيم الذي تُصعق الأملاك من كلامه خوفاً منه ومهابة , وترجف منه المخلوقات , الكامل في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته وملكه وعزّه وغناه عن جميع خلقه وافتقارهم جميعهم إليوه , ونفوذ قدَره وتصرّفه فيهم لعلمه وحكمته , لا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن يُجعل له شريك من خلقه في العبادة التي هي حقه عليهم , فكيف يُجعل المربوب ربّاً , والعبد معبوداً , أين ذهبت عقول المشركين ؟ سبحان الله عما يشركون هذا توضيح لمراد المؤلف من عقد هذا الباب , وبهذا ننتهي من درس اليوم , والحمد لله رب العالمين وسبحانك اللهم وبحمدك , أشهد ألا إله إلا أنت , أستغفرك ونتوب إليك تفريغ إخوانكم في معهد أورفا العلمي ( البصيرة )
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-05-2015, 12:30   #12
أبو عبدالله
عضو
 
تاريخ التسجيل: 16 / 5 / 2015
المشاركات: 1
افتراضي

جزاكم الله خيراً
كيف أستطيع تحميل التفريغ
أبو عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-05-2015, 13:53   #13
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

وأنتم فجزاكم الله خيرا

تنسخه وتلصقه على الوورد
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-06-2015, 11:10   #14
عبد الحكيم الورفلي
عضو
 
تاريخ التسجيل: 13 / 5 / 2015
المشاركات: 2
افتراضي

بارك الله فيك .
لكن أين باقي التفريغ يرعاك الله هناك تفرغاتالدرس 12_13_14 لم تنزل بعد

و جزاك الله خيرا.
عبد الحكيم الورفلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-06-2015, 11:10   #15
عبد الحكيم الورفلي
عضو
 
تاريخ التسجيل: 13 / 5 / 2015
المشاركات: 2
افتراضي

بارك الله فيك .
لكن أين باقي التفريغ يرعاك الله هناك تفرغاتالدرس 12_13_14 لم تنزل بعد

و جزاك الله خيرا.
عبد الحكيم الورفلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-06-2015, 19:53   #16
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

وفيكم بارك الله
لما تفرغ بعد أخي الكريم
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-06-2015, 13:21   #17
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

تفريغ الدرس الثاني عشر :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , درسنا اليوم هو الدرس الثاني عشر من دروس شرح كتاب التوحيد :
وصلنا إلى الباب السادس عشر وهو باب الشفاعة , والدرس اليوم من الدروس المهمّة جدّاً في هذا الكتاب لأن الشفاعة هذه هي التي , أو هي السبب التي جعلت الكثير من المشركين يشرك بالله تبارك وتعالى ويعبد غيره فالمشركون يعبدون الأصنام , كانوا في الجاهلية يعبدون الأصنام يطلبون شفاعتها , والمشركون اليوم أيضاً عُبّاد القبور كذلك يعبدون الأولياء , يطلبون منهم الشفاعة فهي السبب التي لأجلها عُبد غير الله سبحانه وتعالى , وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم :{ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } { هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } قال الله سبحانه وتعالى : { قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }
الشاهد أنهم يعبدون ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ولكنهم يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، أي : هم الذين سيشفعون لنا عند ربنا تبارك وتعالى , وقالوا أيضاً : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } , إذاً هذه هي حجّتهم , المشركون في عبادة الأصنام كي تشفع لهم هذه الأصنام وتقرّبهم إلى الله سبحانه وتعالى.
ما المقصود بالشفاعة ؟
الشفاعة في اللغة : اسمٌ مِن شفع يشفع إذا جعل الشيء اثنين , ومنه الشفع.
واصطلاحاً : التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرّة ،
التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرّة ، نحن اليوم نسميها هذه الشفاعة ، نحن الآن عندنا فيما بيننا نسميها الواسطة باختصار ، يقولك : شوف لك - والله - واسطة من أجل أن تحصل على عمل، شوف لك واسطة من أجل أن تمشّي المعاملة الفلانية , هذه هي الشفاعة , هذا المقصود بالشفاعة , فالشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرّة , مثال الشفاعة التي تكون عند الله تبارك وتعالى : شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة ليدخلوا الجنة , فأهل الجنة عندما يصلون إليها لا يدخلونها إلا أن يستفتح لهم النبي صلى الله عليه وسلم , فهو يطرق باب الجنة ويستفتحها لهم , فيشفع لهم بدخول الجنة , هذه توسّط النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين من أجل أيش ؟ من أجل أن يجلب لهم منفعة , وكذلك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيمن استحقّ أن يدخل النار من الموحّدين , يشفع فيهم النبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن لا يدخلوا النار , وهذا توسّطٌ للغير لدفع مضرّة , هذه هي معنى الشفاعة , طيب.
الآن نأتي لردّ شبهة الكفار والمشركين الذين يعبدون من يعبدونه مع الله تبارك وتعالى من أجل أن يشفع لهم عند الله سبحانه وتعالى , هذه الذريعة التي أوصلتهم إلى الشرك ردّها الله سبحانه وتعالى وأبطل دعواهم , كيف ؟ الشفاعة قسمان : الله سبحانه وتعالى لما ردّ على الكفار والمشركين ما أبطل الشفاعة من أصلها , ما قال : لا يوجد شفاعة والشفاعة باطلة , لا , الله سبحانه وتعالى لما رد على الكفار والمشركين أبطل نوعاً من أنواع الشفاعة , وهو النوع الذي يتعلّق به المشركون , وأبقى نوعاً آخر , أبقى نوعاً آخر , الأدلة التي ستأتي وسيسوقها المؤلف كلها ستدل على التفصيل الذي سنذكره , نحن الآن سنذكر لكم الخلاصة في الموضوع.
خلاصة الموضوع في إبطال هذه الذريعة التي تعلّق بها المشركون , أن الشفاعة قسمان : شفاعةٌ منفيةٌ , وشفاعة مثبتة.
الشفاعة المنفية : هي الشفاعة التي كان يتعلّق بها المشركون , ما هو ضابطها ؟ سيأتي إن شاء الله.
الشفاعة المثبتة: هي الشفاعة التي تكون للأنبياء , تكون للملائكة وتكون للصالحين عند الله تبارك وتعالى , والتي ورد فيها أدلة كثيرة متواترة تبيّن وجود الشفاعة وأنها حق.
إذاً ما الفرق بين الشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة , الشفاعة المنفية : هي الشفاعة التي تكون بغير إذن الله ولا رضاه , بغير إذن الله ولا رضا، بمعنى : ألا يأذن الله سبحانه وتعالى لزيدٍ من الناس بالشفاعة ولا يرضى أن يشفع في عمرو من الناس , فيشفع زيد عند الله حتى وإن لم يأذن له , ويشفع في عمرو وإن لم يرض الله سبحانه وتعالى بالشفاعة في عمرو .
إذاً الشفاعة المنفية هي الشفاعة التي تكون بغير إذن الله ولا رضاه، بغير إذنه للشافع أن يشفع ولا رضاه عن المشفوع أن يُشفَع فيه، هذه الشفاعة هي الشفاعة المنفية , فعندما يأتي المشرك يريد أن يعبد الصنم من أجل أن يشفع له الصنم عند الله سبحانه وتعالى , نقول له : الصنم هذا لا ينفعك , لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن له بالشفاعة , لم يأذن له أن يشفع لك أنت عنده يوم القيامة , طيب بلاش , نحن نترك هذا , خلينا إذاً نأتي نعبد محمد صلى الله عليه وسلم , ألم تقولوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم له شفاعة يوم القيامة ؟ نعم , الأولياء - كما يعبدهم أصحاب القبور - يقول لك الأولياء الصالحون لهم شفاعة عند الله تبارك وتعالى , نعم لهم شفاعة وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشفاعة الصالحين , وفي كتاب الله سبحانه وتعالى الشفاعة مثبتة للأنبياء والصالحين وللملائكة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كل هذا مثبَت , طيب إذاً قلنا نحن نعبد الأصنام , الأولياء هذي أو نعبد القبور من أجل أن يشفع لنا أصحابها , نقول لهم الشرط الثاني أين أنتم عنه ؟ قلنا لكم : الشرط الأول : أن يأذن للشافع أن يشفع , قلتم لنا الأصنام , قلنا لكم لم يأذن الله سبحانه وتعالى لها أن تشفع , قلتم لنا الأنبياء , قلنا لكم نعم أذِنَ , لكن بقي عندنا الشرط الثاني : أن يرضى أن يشفعوا فيك , وأنت مشرك تعبدهم مع الله سبحانه وتعالى , هل رضي الله سبحانه وتعالى بذلك ؟ لا , لأن الشفاعة لا تكون إلا لمن ؟ إلا للموحّد , الشفاعة للموحّدين فقط , كما قال أبو هريرة :[ من أسعد اللناس بشفاعتك يا رسول الله ؟ ] ماذا قال النبي صلى الله عليه و سلم ؟ قال :[ من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ] فالشفاعة لا تكون إلا لأهل الإخلاص , إلا لأهل التوحيد , وأنت عندما عبَدْتَ الولي الفلاني أو الصنم الفلاني أخللت بكلمة التوحيد , نقضتها , أفسدتها , فأنت مشرك ولست موحّداً فليست لك شفاعة وإن طلبت الشفاعة من الأنبياء فلا قدرة لهم على أن يشفعوا فيك , لأنه أذن لهم أن يشفعوا في الموحدين لا في غيرهم , إلا في حالة خاصة واحدة فقط , وهي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أبي طالب لِما صنعه للنبي صلى الله عليه وسلم من نصرة , حالة خاصة هذه , منفردة , أما الباقي فقد ذكر الأدلة الشرعية على أن الشفاعة لا تكون إلا للموحّدين , إذاً الشفاعة المثبتة هي الشفاعة التي تكون بإذن الله وبرضاه , بأن يأذن للشافع أن يشفع ويرضى عن المشفوع أن يُشفَع فيه , والشفاعة المنفية هي الشفاعة التي تكون بغير إذن الله ولا رضاه , ما في شيء من هذا القبيل , ما في شفاعة هذه صورتها أبداً , هذه الشفاعة المنفية في شرع الله سبحانه وتعالى.
الآن نأتي إلى الأدلة التي ذكرها المؤلف التي تدلّنا على التفصيل الذي ذكرناه , نحن أتينا بتفصيل , لكن دائماً تقول : هات الدليل , أين الدليل ؟ لأن مجرّد القول بدون دليل يُحسنه كل أحد , لكن الأدلة هي الفاصلة في الموضوع .
هنا المؤلف يقول : " باب الشفاعة " , يعني ما الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية وذِكرُ أدلّتها.
قال المصنف رحمه الله تعالى : { وقول الله عز وجل :{وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} " , { وأنذر به } : أنذر يا محمد , الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم , أنذر يا محمد , أيش معنى الإنذار ؟ إعلامٌ مع تخويف , إعلامٌ مع تخويف , هذا معنى الإنذار , أنذرك بالشيء يعني : أُعلِمك بأنك إن فعلت كذا فأنت على خطر , { وأنذر به } : يعني أنذر بالقرآن , وأنذر يا محمد بالقرآن { الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ } من هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ؟ هم المؤمنون , المؤمنون هم الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم , أما الذين هم من الكفار , هؤلاء لا يبالون لأنهم غير مؤمنين بذلك , { ليس لهم من دونه وليّ ولا شفيع } , ليس لهم من غير الله تبارك وتعالى وليٌّ ينصرهم , ليس لهم وليٌّ ينصرهم , فالولي هنا هو الناصر , فليس لهم من دونه , يعني من دون الله تبارك وتعالى , وليٌّ : يعني ناصر ينصرهم , ولا شفيع يشفع لهم , { لعلهم يتقون } : لعلهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى , فذكّرهم بذلك وخوِّفهم وبيِّن لهم , بأنهم يوم المحشر ليس لهم نصير ولا لهم , أيش , شفيع , فهم يتخلون عمن ينصرهم ويتخلون عمن يشفع لهم , وهنا الشاهد نفي الشفاعة من دون الله , هنا أيش ؟ شفاعة منفية , شفاعة منفية , وذكرنا نحن ضابطها , الآن ستأتينا أدلة تدل على نفي الشفاعة وأدلة تدل على إثبات الشفاعة , وستأتي أدلة مفصِّلة , الآن هنا عندنا ماذا ؟ نفيٌ.
الآية التي بعدها , قال المصنف رحمه الله تعالى :" وقوله : { قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً } ,
هنا أثبت شفاعة ولا ما أثبت ؟ أثبت شفاعة , ولكنه أثبت شفاعة مملوكةً لله تبارك وتعالى , فأيُّ شفاعةٍ , جميع الشفاعات مملوكة لله سبحانه وتعالى ,
الشفاعة أنواع : تفصيلها في كتب الاعتقاد ، شفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم , شفاعة خاصة به وشفاعة عامة له وللمؤمنين.
وشفاعة خاصة به: كشفاعته في أهل الموقف.
شفاعة عامة للجميع: كإخراج العصاة من النار , وأنواع كثيرة , محل التفصيل فيها كتب الاعتقاد.
أما هنا في التوحيد : هذا الذي يهمنا : التفصيل بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية , هنا قال : { قل لله الشفاعة جميعاً } يعني الشفاعة كلها مملوكة لله تبارك وتعالى , فليس لمن تُطلَب منه شيء منها , هذا المراد من هذه الآية , أنتم تذهبون وتطلبونها ممن ؟ من الأصنام , تعبدونها كي تشفع لكم , ليس لها - الأصنام - شيء منها , إنما هي لله سبحانه وتعالى , إذا كانت مملوكة لله فتُطلب من الله تبارك وتعالى لا من غيره , فاعبدوه هو ووحدوه هو كي تنالوا الشفاعة إذا أردتم الشفاعة , إذاً هنا عندنا أيش ؟ إثبات للشفاعة , لكن إثبات لشفاعةٍ مملوكةٍ لله تبارك وتعالى وهي التي تكون بإذنه ورضاه كما ستأتي أدلة تدل على ذلك أيضاً.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى :" وقوله :{ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } الآن بدأ التفصيل , نكمل إن شاء الله .
قال المصنف رحمه الله تعالى :" وقوله :{ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } " : من ذا الذي يشفع عنده ؟ هذا سؤال , لكن ليس المراد منه الاستفهام , وإنما المراد منه النفي , كأن تكون مثلاً : أنت مميّزاً في جانب من الجوانب , كأن تكون مثلاً رجلاً مفتول العضلات , قوي , مصارع , وتعلم أنه لا أحد يستطيع أن يغلبك , ماذا تفعل ؟ تقول له ماذا ؟ تقول : من الذي يستطيع أن يصرعني ؟ من هذا الذي يستطيع أن يصرعني ؟ أيش تريد من هذا ؟ أنه لا يوجد أحد يقدر على ذلك، هذه طريقة في اللغة العربية تستعمَل , المخرج مخرج سؤال لكن المراد منه النفي , { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ؟ لا أحد , هذا جواب , لا أحد يستطيع أن يشفع عند الله سبحانه وتعالى إلا بإذنه , فهنا إثبات ونفي للشفاعة , شفاعة منفية وشفاعة مثبتة في هذه الآية , { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } , أي أنه لا أحد يستطيع أن يشفع عند الله سبحانه وتعالى إلا بعد إذنه , فنفيٌ للشفاعة التي تكون بغير إذن الله , وإثبات للشفاعة التي تكون بإذنه تبارك وتعالى , إذا أذن الله سبحانه وتعالى للشافع أن يشفع ورضي عن المشفوع أن يُشفَع فيه : عندئذٍ تكون الشفاعة ثابتة وإلا فلا , كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في الآية الثانية : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } يعني حتى من أذن له بالشفاعة لا يشفع إلا لمن ارتضى , { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } لا أحد يستطيع أن يشفع عنده إلا أن يأذن له بالشفاعة , ولا يمكنه أن يشفع لأحد إلا أن يرضى الله سبحانه وتعالى بذلك { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } كما قال تبارك وتعالى , وهذه الآية :{ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } كقوله تبارك وتعالى : { يومئذٍ لا تنفع الشفاعة } إلا أيش ؟ { لا تنفع الشفاعة } هذا نفيٌ للشفاعة { إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً } معنى واحد.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى :" وقوله :{ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } انظر الكلام في من ؟ :{ وكم من ملك في السماوات } تكثير , هذا الأسلوب أسلوب التكثير , وهذه " كم " التي تسمّى ب" كم " الخبرية للتكثير , يعني هناك ملائكة كُثُر في السماوات { وكم من ملك } الحديث عن من ؟ عن الملائكة الذين لهم قدرٌ عند الله تبارك وتعالى , ومع ذلك : لا تغني شفاعتهم شيئاً , إذا أرادوا أن يشفعوا فلا يمكنهم الشفاعة إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء أن يشفع ليشفع , ويرضى بالشفاعة , يرضى بأن يشفع الشافع ويرضى في المشفوع أن يشفع فيه , هؤلاء الملائكة الذين هم مقربون إلى الله تبارك وتعالى , فما بالك بالأصنام ؟ اللات والعزى والولي الفلاني والقبر الفلاني , كلها من باب أولى.
قال المصنف رحمه الله تعالى :" وقوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} " هذه الآية آية عظيمة , قطعت جميع أسباب الشرك , أغلقت أسباب الشرك كلها , هي أربع نفاها الله سبحانه وتعالى نفياً مرتّباً , بدأ من الأعلى وانتقل إلى الأدنى , قال : { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله } ادعوهم دعاء مسألة , { الذين زعمتم من دون الله }, الذين تزعمون فيهم الشفاعة , تزعمون لهم الأسباب التي تجعلكم تعبدونهم مع الله تبارك وتعالى : هل سيستجيبون لكم لو دعوتموهم , لن يحصل , فلا قدرة لهم على الاستجابة لما سيأتي إن شاء الله , { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله } ماذا سينفعكم لو دعوتموهم , وهم لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض , تدعو الولي الفلاني تأتي عند قبره وتتضرع إليه : ارزقني اهدني وفقني اشفني , هو لا يملك , هو لا يملك شيئاً , لا يملك نفعاً ولا ضراً , { لا يملكون مثقال ذرة } وزن ذرة , الذرة التي هي النملة الصغيرة , وهذا يُذكر لتقليل الشيء , لتقليل الوزن , أقل وزن ممكن { لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ } يعني : لا يملكون شيئاً البتّة , هذه واحدة , لأن الذي يُدعى ويُعبد ويُتضرّع إليه , لماذا يُفعل معه هذا ؟ من أجل أن يُعطي , طيب هو فاقد لهذا الشيء فكيف يعطيه , لا يملك شيئاً , طيب ممكن تقول هو ما يملك لكن ممكن لهم شراكة ولو ضئيلة في الموضوع , قال : { وما لهم فيهما من شرك } , ليسوا شركاء لا في قليل ولا كثير , لا يملكون وليست لهم شراكة , يقول : ممكن لا يكون لهم شراكة ولا ملك لكن لهم معونة , يعينون , يساعدون في شيء , جاءت التي بعدها , قال : { وما له منهم من ظهير } أي ليس لله من معبوداتكم التي تعبدونها - من أصنامٍ - وغيرها من مُعين , يعني لا يعينه لا صنم ولا ولي ولا غير ذلك , ما أحد أعانه على خلق السماوات والأرض وعلى كل ما يملك سبحانه وتعالى , وما لله مما تعبدون من ظهير , من معين , لأنك ربما تقول : والله إذا كان أعان ربما يكون له نصيب في الأمر و, يعني كونه أعان , الله سبحانه وتعالى يعطيه شيء من التصرّف , ما له إعانة أصلاً , { ولا تنفع الشفاعة عنده } تقول : ربما والله صح لا يملك وليست له شراكة ولا هو معين في شيء , بقيت الشفاعة , ربما يشفع لي , فقال الله سبحانه وتعالى : { وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } , وهل أذن للأصنام التي تعبدونها أيها المشركون ؟ لم يأذن .
فائدة الآية : تتبيّن بما نقله المؤلف عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله , قال المصنف رحمه الله تعالى : " قال أبو العباس - ابن تيمية رحمه الله - : نفى الله عما سواه " نفى الله عما سواه يعني عن غيره , " كل ما يتعلق به المشركون " الأسباب التي يتعلق بها المشركون من أجل أن يعبدوا غير الله معه كلها نفاها , ما أبقى لهم حجة ولا عذر أبداً " فنفى أن يكون لغيره ملكٌ " أي لا يوجد غير الله سبحانه وتعالى مالك شيء من هذا الكون , السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما , " أو قسطٌ منه " أي ولا جزء حتى من الملك بشراكة يعني ," أو يكون عوناً لله " نفى الله سبحانه وتعالى أن يكون أحد من الذين تعبدون عوناً لله تبارك وتعالى " ولم يبق إلا الشفاعة ، فبيّن أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب تبارك وتعالى كما قال : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } " حتى من أذن الله تبارك وتعالى له أن يشفع , فلا يمكنه أن يشفع إلا لمن رضي الله سبحانه وتعالى أن يشفع فيه , ولا يرضى الله إلا في أهل التوحيد " فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده " يعني النبي صلى الله عليه وسلم و هذا في أهل الموقف كما جاء في الصحيحين , عندما يُبعَث الناس من قبورهم يجتمعون في أرض المحشر , تقترب عليهم الشمس , وتبعد عنهم قدر ميل , فيغوصون في عرقهم , كلٌّ على حسب ذنوبهم , منهم من يبلغ به العرق إلى الكعبين , منهم إلى الركبتين , ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً , يعني : يغطّيه كاملاً , حتى بالأعمال , ولا ينجو من هذا إلا السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله , من حرارة الشمس هذه , فيطول بهم الوقوف فيأتون إلى الأنبياء يطلبون منهم الشفاعة , أن يشفعوا عند الله من أجل أن يبدأ بالحساب , يأتون لآدم فيذكر ذنباً ويقول : نفسي نفسي , ويأتون إلى نوح وإلى موسى وإلى عيسى , وكل واحد يذكر ذنباً ويقول : نفسي نفسي , حتى يرشدوهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم , ويقولون لهم : ذاك رجلٌ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فعليكم به , فيذهبون إليه , فيذهب النبي صلى الله عليه وسلم فيخرّ عند العرش , يسجد ويحمد الله سبحانه وتعالى ويثني عليه , لا يبدأ بالشفاعة أولاً , كما قال المؤلف , قال : إنه يأتي فيسجد لربه ويحمده , ما يبدأ مباشرة بالشفاعة , لا , يقدم ثناء عريضاً على الله سبحانه وتعالى , لا يبدأ بالشفاعة أولاً , ثم يُقال له : ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفّع , فما استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع حتى أُذن له بالشفاعة , هذا الذي يدل عليه الحديث , وقال له أبو هريرة - والكلام لابن تيمية رحمه الله - : من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال : من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه , إذاً تعرف عندئذٍ من الذي يرتضي الله سبحانه وتعالى أن يُشفَع فيه , وهو المخلص الموحد , لا إله إلا الله خالصاُ من قلبه : قالها وهو يعتقدها ويدين لله بها , هذا هو الذي تنفعه , لا مجرد أن يتلفّظ بها , قال ابن تيمية رحمه الله : " فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله ولا تكون لمن أشرك بالله , وحقيقتها : أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع" هي حقيقةً في النهاية : هي رحمة من الله تبارك وتعالى أن أذن للشافع أن يشفع , وأذن للمشفوع أن يُشفع فيه , ليكرمه , أي ليكرم من أذن له بالشفاعة كالنبي صلى الله عليه وسلم , وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع , وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص , انتهى كلام ابن تيمية , هل بقي عذر للمشركين أن يُشركوا , ما بقي لهم شيء , ما بقي لهم شيء , فأغلق الله تبارك وتعالى عليهم جميعاً الأسباب التي ممكن أن يتعلقوا بها فيعبدوا غير الله سبحانه وتعالى ويخضعون له , اليوم الذي نعيش فيه نحن تماماً كما كان المشركون يفعلون , المشركون كانوا مع أصنامهم , ومشركوا زماننا مع القبور , مع الأولياء , يعبدونهم , يخضعون لهم , الذبح الذي نذبحه لله هم يذبحونه للقبور , الدعاء الذي ندعوه نحن لله ونخلص فيه لله تبارك وتعالى هم يدعونه للقبور , النذر الذي ننذره لله تبارك وتعالى هم ينذرونه للقبور , وهكذا . أيّ عبادة أعظم من هذه ؟! , يتقربون بها إلى أوليائهم من أجل أيش ؟ من أجل أن يشفعوا لهم عند الله تبارك وتعالى , هذا الذي كان يفعله المشركون تماماً بنصوص هذه الآيات التي ذكرها المؤلف في هذا الباب .

قال المؤلف رحمه الله : " باب قول الله تعالى: {إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وهو أعلم بالمهتدين } "
هذا الباب يريد منه المؤلف أن يبيّن لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم مع حرصه على أن ينفع عمه بالهداية , بالاستغفار له , ومع ذلك لم يستطع , فغيره من باب أولى فإذا كان البشر والخلق جميعاً لا قدرة لهم على منفعة أحد ومضرته إلا بإذن الله تبارك وتعالى , إذاً فاللجوء يكون إلى الله تبارك وتعالى , والعبادة تكون لله تبارك وتعالى , هذا المراد من هذا الباب.
الآية قالوا : نزلت في قصة أبي طالب , وذكرها لنا المؤلف قال، قال المصنف رحمه الله تعالى : " في الصحيح عن ابن المسيّب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة , جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عبدالله بن أبي أمية وأبو جهل "
انظروا بارك الله فيكم , الآن , على فراش الموت جاءه النبي صلى الله عليه وسلم وكان عنده رفقته , أصحابه , وانظروا إلى رفقة السوء وما تفعل بالإنسان , أصحابه هؤلاء هم عبدالله بن أبي أمية وأبو جهل , رؤوس الكفر , "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم , قال لعمّه : يا عم , قل لا إله إلا الله , كلمة أحاجّ لك بها عند الله " قل لا إله إلا الله , كلمة أحاجّ لك بها عند الله , يحثه على ماذا ؟ يحثه على الإسلام , أن يسلم كي يموت موحداً , فيقول له : اذكر هذه الكلمة , كلمة لا إله إلا الله , كي تكون لك حجة عند الله تبارك وتعالى , كي تكون حجة لك عند الله تبارك وتعالى , فتتخلص من نار جهنم , من الخلود فيها , قال : قل لا إله إلا الله , كلمة أحاجّ لك بها عند الله , "فقالا له" : - الكلام الآن لمن ؟ لعبدالله بن أبي أمية ولأبي جهل - : أترغب عن ملة عبدالمطلب ؟ يعني يا أبا طالب , أتزهد في الدين الذي كان عليه عبد المطلب أبوك ؟ دين الآباء والأجداد , هذا الدين كان معظّماً عندهم , فذكّروه بهذا , فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حرصه على إسلامه , أعاد النبي صلى الله عليه وسلم وكرّر , وهم يعيدون ويكرّرون نفس الكلام , فكان آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب , إذاً مات علي أيش ؟ على الكفر , مات كافراً , هو على ملة عبد المطلب , وأبى أن يقول : لا إله إلا الله , هذا النوع من الكفر كفر الإباء والاستكبار , لأنه جاء في روايات : أنه أبى أن يقول ذلك كي لا تعيّره نساء قريش , وكي لا يقال بأن استه قد علت على رأسه , وأبى أن يقول لا إله إلا الله , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لأستغفرنّ لك مالم أُنه عنك , هذا الشاهد الآن , شوف النبي صلى الله عليه وسلم أيش ؟ يستغفر , يطلب له المغفرة من الله تبارك وتعالى , أراد أن يشفع فيه , بدعائه له , فأنزل الله عز وجل : {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } ما كان لهم هذا , ولا يجوز هذا الفعل أن يستغفروا للمشركين , انظروا إلى حال الضُّلّال من دعاة السوء اليوم عندما يموت بعض رؤوس وصناديد الكفر في هذا الزمن يترحّمون عليهم مخالفين لهذه الآية صراحة , { ولو كانوا أولي قربى } حتى ولو كان الكافر هذا قريباً لك { مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} خلاص بعد ما تبين لك أنه مات على الكفر فليس لك أن تستغفر له , وأنزل في أبي طالب : { إنك لا تهدي من أحببت } إنك يا محمد , لا تهدي من أحببت له الهداية , { ولكن الله يهدي من يشاء } طبعاً بعض أهل العلم قالوا : لا تهدي من أحببت له الهداية , وبعضهم قال : لا تهدي من أحببته , ليس موضوعنا الآن , قال : { ولكن الله يهدي من يشاء } إذاً الهداية منفية عن النبي صلى الله عليه وسلم ومثبتة لله تبارك وتعالى فهو الذي بيده الهداية , ما أذن الله تبارك وتعالى لنبيه أن يستغفر له بعد ذلك , فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم - وهو النبي صاحب المقام الرفيع عند ربنا تبارك وتعالى - يقول الله سبحانه وتعالى له : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } فغيره من باب أولى , هذا الشاهد من ذكر هذه القصة مع هذه الآية التي ذكرها المؤلف , فمعنى ذلك : المطلوب منك أن تكون عبادتك خالصة لله تبارك وتعالى الذي بيده كل شيء , أسأل الله أن يوفّقنا وإياكم إلى طاعته , نكتفي بهذا القدر , سبحانك اللهم وبحمدك , أشهد ألا إله إلا أنت , أستغفرك وأتوب إليك


حمل الدرس من المرفقات

الملفات المرفقة
نوع الملف: docx تفريغ الدرس الثاني عشر.docx‏ (25.4 كيلوبايت, المشاهدات 301)

آخر تعديل بواسطة أبو زيد رياض الجزائري ، 08-06-2015 الساعة 13:25
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-06-2015, 12:32   #18
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

تفريغ الدرس الثالث عشر :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد :
فهذا المجلس الثالث عشر من مجالس شرح كتاب التوحيد , وصلنا عند الباب الثامن عشر.
قال المؤلف رحمه الله :" باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين " , هذا الباب معقود للتحذير من السبب الرئيسي الذي جعل الناس يشركون بالله تبارك وتعالى وهو الغلو في الصالحين , إذاً : هذا الباب معقود للتحذير من الغلو في الصالحين لأنه يؤدي إلى ماذا ؟ يؤدي إلى الشرك بالله تبارك وتعالى.
ما المقصود بالغلو ؟ المقصود بالغلو هو الإفراط , مجاوزة الحد , المبالغة في الأمر , تعطي الشخص أكثر من حدّه , أكثر مما يستحق , تمدحه , تثني عليه , تعطيه مقاماً عالياً لا يستحقه , هذا معنى الغلو : الإفراط في التعظيم , في المدح , في الثناء , هذا معنى الغلو.
الغلو في الصالحين : مجاوزة الحد فيهم , الصالحون نحبهم , أهل الصلاح , أهل الطاعة , طاعة الله سبحانه وتعالى , هم الصالحون الذين يجتنبون المعاصي والذنوب ويُقبِلون على طاعة الله سبحانه وتعالى , هؤلاء هم الصالحون , هؤلاء واجبهم علينا : نحبّهم , ونتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى بحبّهم , لأنهم قريبون من الله سبحانه وتعالى , مطيعون له , فنحن نحبهم , ونتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بحبّهم , ونعلَم , ونعتقد فيهم أنهم لا ينفعون ولا يضرّون , وأنهم لا يستحقّون شيئاً من أنواع العبادة , فلا نتقرّب إليهم بشيءٍ من أنواع العبادة , لا يملكون نفعاً ولا ضراً , فنعطيهم ما جعل الله سبحانه وتعالى لهم من حقوق , ولا نتجاوز الحدّ فيهم , لأن مجاوزة الحدّ فيهم تؤدي إلى عبادتهم , إلى جعلهم آلهة مع الله سبحانه وتعالى , هذا الباب عُقِد لهذا الغرض.
قال : باب ما جاء من أدلة تبيّن أن سبب كفر بني آدم وسبب تركهم لدينهم هو مجاوزتهم الحدّ في الصالحين من عباد الله , هذا معنى الباب ,
قال المؤلف رحمه الله :" وقول الله عز وجل : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ } "
أهل الكتاب هم اليهود والنصارى , نهاهم الله تبارك وتعالى عن الغلو في الدين ( مجاوزة الحد ) في كل أمرِ شرعِ الله , ربنا سبحانه وتعالى ينهى عن الإفراط والتفريط , الإفراط يعني الغلو , التفريط يعني : التقصير.
الإفراط : تأتي بما أوجب الله عليك فيه وزيادة من عندك , تتجاوز الحد.
التفريط : التقصير ( لا تأتي بما أوجب الله عليك فيه ) في شرع الله.
ربنا سبحانه وتعالى ينهى عن الإفراط والتفريط , ويأمر بالاعتدال في الأمور كلها , وهذا موجود في كل باب من أبواب العلم , الإفراط والتفريط، قال موسى بن أبي عائشة - وهو أحد التابعين – :[ ما أمر الله عز وجل بأمر إلا وكان للشيطان فيه نزغتان ] إحداهما إلى إفراط , والثانية إلى تفريط , قال :[ ولا يبالي بأيتهما ظفر ] يعني : إبليس لا يهتمّ , أخذ منك الإفراط أو التفريط , كلاهما مَكسَبٌ له , هذا كلام السلف رضي الله عنهم , قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم محذّراً أهل الكتاب : { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } هذا نهي لهم عن الغلو في الدين ( مجاوزة الحد ) , { ولا تقولوا على الله إلا الحق } وهذا الحق الذي تعلمناه من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , هذا هو الحق , { إنما المسيح عيسى بن مريم } لاحظ هنا ينبههم على منزلة عيسى الذي غلوتم فيه , تجاوزتم الحد وجعلتموه ابناً لله , { إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله } أي ليس إلا رسولاً لله سبحانه وتعالى وليس ابناً لله ولا هو الله , { وكلمته ألقاها إلى مريم } كلمة : كن فكان , { ألقاها إلى مريم وروح منه } أي : روح من خلقه , من إيجاده , هو خلقها وأضافها إلى نفسه تشريفاً لها , فهذا نهي من الله تبارك وتعالى لأهل الكتاب عن الغلو في الدين لأن غلوّهم في عيسى عليه السلام هو الذي أدّى بهم إلى الشرك بالله تبارك وتعالى , هذا الشاهد الذي يريده المؤلف رحمه الله , ما الذي جعل النصارى يشركون ؟ يقولون في عيسى ما قالوا من أكاذيب ؟ غلوّهم فيه , والاعتدال أن تقول : هو عبدٌ ورسولٌ لله تبارك وتعالى , ليس هو ابن الله , ولا هو الله , ولا ابن زنا كما تقوله اليهود , هذا هو , هذا حال الناس بين إفراط وتفريط , شوفوا الآن قضية عيسى عليه السلام الناس فيه بين إفراط وتفريط ووسط ( اعتدال ) , الإفراط : الغلو , وقع فيه النصارى , فقالوا : ابن الله , وبعضهم يقول : هو الله , وثالث ثلاثة , التفريط : وقع فيه اليهود , قالوا هو ابن زنا - نعوذ بالله - وأهل الاعتدال هم أهل الإسلام , قالوا : هو عبدٌ لله ورسولٌ له , خلقه الله من غير أب كما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشاهد: أن سبب كفر النصارى هو غلوّهم في عيسى عليه السلام، فيجب الحذر من الغلو.
قال المصنف رحمه الله تعالى :" في الصحيح: "صحيح البخاري " عن ابن عباس في قول الله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } "
لا تتركوا آلهتكم , ما هي آلهتهم ؟ هذه هي : ود وسواع ويغوث ويعوق , هذه أسماء , ونسر , ابن عباس يقول :" هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم، عبدت "
قال المصنف رحمه الله تعالى :" وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم "
المعنى واحد , ابن عباس يقول : هذه الأسماء التي ذُكرَت في كتاب الله هي أسماء رجال , رجال صالحين , ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر , " من قوم نوح " يقول ابن عباس بأن الناس كانوا على التوحيد سابقاً , قديماً , من أيام آدم عليه السلام فما بعده , كان الناس على التوحيد , حتى زمن قوم نوح عليه السلام , ماذا حصل فيهم ؟ كان فيهم رجال صالحون هذه أسماؤهم , مات هؤلاء الرجال , فعظّموا هؤلاء الرجال وأوحى إليهم الشيطان , يعني وسوس لهم , اجعلوا لهم تماثيل , صور , أنصاباً .
أنصاب : جمع نُصب : والمراد به هنا الأصنام المصوَّرة على صور أولئك الصالحين، فجعلوا لهم هذه الأصنام ووضعوها في ناديهم يتذكرون الرجال الصالحين ويعبدون الله كما كانوا يعبدون هم , هكذا وسوس لهم الشيطان , ففعلوا وسمّوا هذه الأصنام بأسماء هؤلاء الرجال , ففعلوا ذلك ولم تُعبَد , ما زال فيهم أهل علم , لأن دين الله يُحفَظ بالعلماء , الجاهل ما أدراه الحق من الباطل من الشرك من التوحيد , أسباب الشرك , أسباب التوحيد , ما يدري عن هذا شيء , حتى ينبّه ويعلّم الناس , العالم هو الذي ينبّه , لذلك الإمام البخاري رحمه الله عندما جاء حديث : [ لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ] قال : هم العلماء , لا يعني بهم أي علماء , العلماء عند السلف وفي كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يأتي ذكرهم في مقام المدح , هم العلماء أهل السنة العاملين بعلمهم , هذا المقصود بهم , لذلك الإمام البخاري رحمه الله لما فسّر في موضع آخر في جزء من كتبه هؤلاء القوم ذَكَر أهل الحديث , أهل السنة , الشاهد أن العلماء هم الطائفة المنصورة لأنهم هم الذين يعرفون الحق من الباطل وهم الذين يعلّمون الناس أمر دينهم , هنا يقول ابن عباس :" ففعلوا ولم تُعبَد " جعلوا هذه الأصنام في نواديهم كي يتذكروا الرجال الصالحين , ويعبدوا الله كما كاوا يعبدونه , " حتى إذا هلك أولئك " : هلك الجيل الذي كان موجوداً عند صناعة تلك الأصنام , قال :" ونُسي العلم " لاحظ كيف ! حتى نعرف قيمة العلماء وقدرهم , ونحترمهم ونقدرهم ونعطيهم مقامهم الذي أعطاهم الله تبارك وتعالى , فالكلام في العلام والطعن فيه أمره خطير , ليس سهلاً , لذلك يُرجَع في هذه الأمور إلى العلماء أيضاً , الشاهد : قال : " ونسي العلم " دين الله يبقى عزيزاً , يبقى قوياً , يبقى ظاهراً بالعلماء , هذه سنة الله في خلقه , فالعلماء سبب لذلك , قال : " ونُسي العلم " فلما نسي العلم أيش حصل ؟ قال : " عُبِدَت " جاءهم الشيطان ووسوس لهم أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الأصنام فعبدوها.
وفيما نقله ابن القيم رحمه الله أنهم عكفوا على قبورهم , ما اكتفوا فقط بصنع الأصنام بل عكفوا على قبورهم أيضاً , فالعكوف هو المكث في ذاك المكان والاستمرار فيه عبادة وتعظيماً لهم , تعظيماً ومحبة لهم تؤدي بهم إلى عبادتهم , وهذا الذي حصل في قوم نوح هو الذي حصل في زمننا , في عبادة القبور , تأتي تحدّث عابد القبر يقول لك هذا رجل صالح , يعبده ويعظّمه ويسأله مسألة لا تُسأل إلا لله تبارك وتعالى , نفس ما حصل مع قوم نوح تماماً , وهذا الذي حصل في هذه الأمة , لما نسي العلم في أماكن كثيرة , وصار في الناس أشباه علماء وليسوا هم بعلماء حقيقةً , لأنهم لا علم لهم في مسائل التوحيد والشرك , هؤلاء ليسوا علماء وإن سُمُّوا كذلك , لما حصل ذلك عُبِدَت الأوثان , عبدت القبور , الشاهد الذي يريده المؤلف من هذا أن الغلو في الصالحين هو الذي أدى إلى الشرك بالله تبارك وتعالى , وهذا باقٍ إلى زمننا هذا , نعم
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى :" وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" أخرجاه "
يعني هو مخرّج في البخاري ومسلم , لكن الحديث موجود عند البخاري فقط .
" عن عمر ": هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه , صحابي مشهور غني عن التعريف، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تطروني " الإطراء : هو مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه , هكذا قالوا في تعريفه , قالوا : مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه هو الإطراء , نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم " لأن النصارى مدحوا عيسى عليه السلام وذكروه بما ليس فيه وليس هو أهل له فجعلوه إلهاً , فجعلوه إلهاً، وجعلوه ابن إلهٍ , هذا الإطراء هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم , وقال : لا تفعلوا بي كما فعلت النصارى بعيسى عليه السلام، أي لا تغلوا بي كما غلت النصارى بعيسى عليه السلام , هذا المقصود من هذا الحديث , لذلك قال : إنما أنا عبدٌ , يعني لست بإلهٍ ولا بابن إله , فقولوا ماذا ؟ فقولوا عبد الله ورسوله , هو عبدٌ كبقية العباد , لا هو إله ولا ابن إله ويَفضُل على العباد بأن الله اصطفاه بالرسالة , فهو عبد الله ورسوله كعيسى عليه السلام , عبد الله ورسوله.
الشاهد منه : التحذير من سبب الشرك وهو الغلو , لذلك نهى عن الإطراء الذي فعلته النصارى.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى :" قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" " إذاً هو داء مستفحل , داء خطير , لذلك حذرَناه النبي صلى الله عليه وسلم ,, " إياكم والغلو " يعني احذروا من الغلو , لماذا نحذر من الغلو ؟ قال " فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو " فتحذرون من الغلو لأنه سبب هلاك من قبلكم , اليهود والنصارى ومن شابههم , انظروا إلى خطورة الغلو , فهو كان السبب في شرك بني إسرائيل وفي شرك النصارى وغيرهم من الأمم ," إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو " وهذا نهي عامٌّ , تحذير عام من الغلو , ليس فقط الغلو في هذا الباب , بل هو تحذير من الغلو في جميع أبواب الدين والشريعة , لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : [ هذا عام في جميع أنواع الغلو , في الاعتقادات والأعمال ] قال : [ وسبب هذا اللفظ العام ] يعني لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الذي قاله [ رمي الجمار ] في الحج يعني [ وهو داخلٌ فيه ] لا شك داخل في هذا اللفظ , لكن اللفظ جاء عامّاً , والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب [ مثل الرمي بالحجارة الكبار ] السنة في الحجارة التي تُرمى بها الجمرات أن تكون مثل حبة الحمص الكبيرة شوي , فيأتي شخص مثلاً ويأخذ صخرة ويرمي بها , هذا من الغلو , ما يجوز مثل هذا لأن الشرع جاء بوصفٍ معيّن تقف عنده , مجاوزته إلى هذه الزيادة غلوّ قال : [ مثل الرمي بالحجارة الكبار بناءً على أنه أبلغ من الصغار ] يعني أفضل من الصغير في الإيلام , وهذا خطأ , هذا من الغلو , فكيف لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم الذي يُفعل اليوم : أحذية - أعزكم الله أحذية , حجارة , صخور , أنواع غريبة عجيبة أحياناً لا تخطر , بصاق يُبصق في الجمرات , أشياء تخطر على بالك وأشياء لا تخطر على بالك من شدة الجهل الذي عند الناس , الغلو هذا الذي حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم , والذي جاء هذا الحديث , والقصة التي كانت سبباً لهذا الحديث تقع بين الناس وبكثرة , هذا خطأ , هذي عبادة , رمي الجمرات عبادة , والواجب أن تقف مع العبادة على قدر ما ورد , لا تتجاوز الحد , قال شيخ الإسلام :[ مثل الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنه أبلغ من الصغار , ثم علله - يعني النبي صلى الله عليه وسلم بيّن العلة فقال - بما يقتضي مجانبة هدي من كان قبلنا ] مجانبة طريقة من كان قبلنا من الغلو [ إبعاداً عن الوقوع فيما هلكوا به ] هلكوا بماذا ؟ بالوقوع بالغلو [ وأن المشارك لهم في بعض هديهم يُخاف عليه من الهلاك ] كما هلكوا هم.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى :" ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ هلك المتنطعون ] قالها ثلاثاً "
المتنطع : هو المتعمّق في الشيء , المتعمق في الشيء , اليوم الناس تسميه أيش ؟ متشدّد , هذا هو المتنطّع , متعمق يتشدد في الأمور ويتعمق فيها ويبحث عن أشياء لا علاقة له بها ويدخل في أشياء لا ينبغي له أن يدخل فيها ويتكلم في أشياء لا ينبغي له أن يتكلم فيها تشدداً وتعمقاً وغلواً , كالذي يترك الزواج لأجل التفرّغ للعبادة وكالذي يترك أكل اللحم والخبز وما شابه , هذا كله تشدّد , تعمق , تنطع , هذا معنى التنطع , الناس اليوم يرمون أهل الحق به يقولون أنتم متشددون , قل له : وأنت مميّع , مفرّط في حقوق الله وواجباته عليك , مَن المنصف وصاحب العدل ؟ أنا أم أنت ؟ أنا أرميك بهذا وأنت ترميني بهذا , قل له إلى مَن نرجع ؟ نرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } تعال ونتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم , عندئذ نعرف المتشدد المتنطع مِن المفرّط المقصّر المميّع مِن المعتدل , وستجد نفسك أنت الضائع الذي لا يعرف دينه , ويظن ما لا يوافق هواه أو لا يركب على عقله أو لم يكن في البيئة التي هو فيها أنه ليس بشرع ولا بدين وهو تشدد , بجهله يحكم على أصحاب العلم لذلك دائماً ندندن ونقول : لا تحكم على أهل العلم بجهلك , تعلم قبل أن تتكلم , لا تبادر إلى الإنكار , تعلم قبل أن تتكلم , إذا رأيت شيئاً أو سمعت فتوى من أحد من يُثنى عليه بخير فلا تبادر إلى الإنكار , تعلم قبل أن تتكلم , اعرف المسألة : هل فيها قول واحد ؟ أم أقوال ؟ هل فيها نصوصٌ أم لا ؟ هل فيها إجماعٌ أم لا ؟ قبل أن تتكلم بكلمة , وربما تُنكر ما هو حق ودين وأنت لا تدري , فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم التقوى وأن يُجنّبنا الغلو وأن يُجنّبنا الشرك , ونكتفي بهذا لدرسنا اليوم , سبحانك الله وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك


الدرس بصيغة ورد في المرفقات
الملفات المرفقة
نوع الملف: docx تفريغ الدرس الثالث عشر.docx‏ (19.6 كيلوبايت, المشاهدات 370)
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-06-2015, 08:04   #19
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي تفريغ الدرس الرابع عشر

تفريغ الدرس الرابع عشر :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد :
فهذا المجلس الرابع عشر من مجالس شرح كتاب التوحيد , وصلنا عند الباب التاسع عشر , قال المؤلف رحمه الله تعالى : " باب: ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟ " " باب ما جاء في التغليظ " : يعني في التشديد في هذا الأمر وعدم التسهيل والتخفيف فيه , " باب ما جاء في التغليظ " يعني : من أدلة تدل على التشديد في هذا الأمر , " فيمن عبد الله " شوف : عبد من ؟ عَبَد الله سبحانه وتعالى , لم يعبد غيره , ما وقع في الشرك الآن " عبد الله عند قبر رجل صالح " لكن محل العبادة كان وين ؟ عند قبر الرجل الصالح , التغليظ في فعلٍ كهذا , هو يتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى لا يتقرّب إلى غيره , لكن لمّا كان المحلّ عند قبر رجل صالح يؤدي إلى عبادة الرجل الصالح غُلّظ في هذا الأمر وأُغلق الباب وسُدّ الطريق على الناس حتى لا يقعوا في الشرك الأكبر , فهذا طريقٌ , تحرّي الصلاة عند قبر الرجل الصالح يؤدي إلى الشرك الأكبر , إلى عبادة الرجل الصالح , لذلك جاء التشديد في هذا الأمر , وهذا الذي يسمى في الشرع بسدّ الذرائع , يعني إغلاق الطرق الموصلة إلى المحذور , هذا المراد , المؤلف ذكر في الباب الماضي الغلو في الصالحين وأنه سببٌ للوقوع في الشرك , في الكفر الأكبر , هنا هذا أيضاً مثله , هذا مثله , فيه تحذير من الغلو في قبور الصالحين , فهو نوع من أنواع الغلو أيضاً , , فجاء في الشرع ما يدل على تحريم الصلاة عند قبر رجل صالح , أما إذا عبد الرجل الصالح فهذا شرك أكبر , الكلام مش هنا فيمن عبده , الباب جاء في التغليظ أو التشديد في عبادة الله , لا عبادة غيره , عند قبر الرجل الصالح , طيب , إذا كان التشديد قد جاء في هذا فما بالك بشخص قد عبد الرجل الصالح أصلاً , هذا أعظم شراً لأن ذاك أصلاً , التغليظ في العبادة عند قبر الرجل الصالح هو أصلاً شُدّد فيه من أجل ألا يوقع في عبادة الرجل الصالح , فإذا عبد الرجل الصالح فقد وقع في المحذور الأعظم , الرجل الصالح عبادته شرك أكبر لأنك جعلته ندّاً لله , وعبادة الله عنده وسيلة إلى عبادته , يعني وسيلة توصلك إلى عبادة الرجل الصالح , وسائل الشرك محرّمة لأنها تؤدي إلى الشرك الأكبر , وهو أعظم الذنوب , هذا خلاصة موضوع بابنا , قال المؤلف رحمه الله :" في الصحيح " الآن سيذكر الأدلة التي دلّت على تغليظ عبادة الله عند قبر رجل صالح , الدليل الأول : قال " في الصحيح " الحديث في الصحيحين " عن عائشة "أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح- أو العبد الصالح - بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل " , " في الصحيح " يعني في الصحيحين , الحديث هذا موجود في الصحيحين " عن عائشة " أم المؤمنين , عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها , مات النبي صلى الله عليه وسلم وهي ما زالت صغيرة في السن , تقريباً في الثامنة عشر من عمرها رضي الله عنها وأرضاها , وهي زوجته في الدنيا وفي الآخرة , كما صحّ بذلك الحديث " أن أم سلمة " أم سلمة هذي هي هند بنت أبي أمية المخزومية القرشية , هي زوج أبي سلمة , هاجرت هي وزوجها الهجرة الأولى إلى الحبشة , والهجرة الثانية إلى المدينة , الهجرة الأولى إلى الحبشة , والهجرة الثانية إلى المدينة , في بداية الأمر كانت الهجرة الأولى , هاجر بعض المسلمين إلى الحبشة , هاجر بعض المسلمين إلى الحبشة , وكانت من ضمنهم أم سلمة هذه وزوجها أيضاً , الحبشة الآن : أثيوبيا وبعض الدول التي حولها , ثم بعد ذلك رجعوا وهاجروا إلى المدينة , ومات أبو سلمة وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم , فهي إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم , وذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة , الكنيسة للنصارى كالمسجد للمسلمين , محل العبادة , الكنيسة محل العبادة للنصارى , يجتمعون فيه يوم الأحد لعبادتهم , واليهود عندهم معابد , معبد , عند المسلمين مساجد , " فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة " لما هاجرت " وما فيها من الصور " وهي صور الصالحين , ذكرنا في السابق , هذا عمل أهل الشرك , اتخذوا هذه الأسباب التي أدت بهم إلى الشرك فكانت وسيلة , تصوير الصور هذه وصناعة التماثيل كانت وسيلة إلى عبادتها , تذكرون أنتم في الدرس الماضي , أول ما بدأ قوم نوح ما بدؤوا بعبادة الصالحين مباشرة , صنعوا لهم تماثيلاً , صنعوا لهم تماثيلاً ثم بعد ذلك أدى بهم إلى عبادة تلك التماثيل , ومن ها هنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحطيم التماثيل , وعدم إقرارها , عندما أرسل عليّاً رضي الله عنه قال له :[ لا تدعنَّ قبراً مشرفاً إلا سويته ولا تمثالاً إلا طمسته ] وفي رواية : [ ولا صورة إلا طمستها ] , لماذا ؟ لأن رفع القبور وتصوير الصور ذريعة إلى الشرك , وسيلة , كهذه الذريعة التي معنا , عبادة الله عند قبر رجل صالح , هذه الذرائع كلها قد أغلقها الشارع وحرّمها , لأنها توصل إلى المحذور الأكبر وهو الشرك الأكبر , قال " فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة , وما فيها من الصور فقال : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح " شك الراوي : أقال الرجل الصالح أو العبد الصالح ؟ ما في فرق " بنوا على قبره مسجداً " ماذا فعلوا ؟ " بنوا على قبره مسجداً " فصاروا يصلّون وين ؟ عند قبره , أو على قبره " بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصور " جمعوا بين شرّين ووسيلتين من وسائل الشرك العظيمة , الأولى : بناء المساجد على القبور والثانية : تصوير الصور , يعني صناعة التماثيل " أولئك شرار الخلق عند الله " هكذا وصفهم نبينا صلى الله عليه وسلم , " شرار الخلق " يعني أشر الخلق عند الله تبارك وتعالى , كان لهم دورٌ عظيم في الشرك بالله تبارك وتعالى ونشر الشرك بين الناس , ما أدري , بعض الناس يستحْلُون مخالفة شرع الله ويتلذّذون بالكفر وبوسائله , هذه أحاديث صريحة واضحة في تحريم البناء على القبور , بناء المساجد على القبور , وفي تحريم صناعة التماثيل , وتصوير الصور وتعظيمها , ومع ذلك تجدهم يصنعون ذلك ويعظّمونها ويعبدونها مع الله تبارك وتعالى , ويصلّون في تلك المساجد ويبرّرون لأنفسهم بأنواع من المبرّرات , قد تمكّن الشرك من قلوبهم - نعوذ بالله - وأُشربوا في قلوبهم العجل بأيش ؟ بكفرهم , الإنسان عندما يقع في الشرك ولا يبالي بشرع الله سبحانه وتعالى وبأحكامه تُقذَف محبة الشرك في قلبه - نعوذ بالله - , لا يستغني عنه ولا يتركه , وهؤلاء قد وجدوا وانتشروا بكثرة في مجتمعاتنا اليوم وفي السابق , منذ زمن , دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خرجت لمحاربة مثل هذه الأمور التي انتشرت بكثرة في زمنه , وأرسله الله سبحانه وتعالى مجدداً لهذا الدين , على رأس كل مئة سنة يرسل الله لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها , فتجد لهؤلاء المجددسين أثراً عظيماً في أمة محمد صلى الله عليه وسلم , انظر إلى الأئمة الأربعة في زمننا هذا , ابن باز والألباني والعثيمين والشيخ مقبل تجد لهم أثراً عظيماً , وكانوا على رأس المئة , رحمهم الله , انظر إلى الحال قبل مجيئهم وإليه بعد ظهورهم , ستجد الفرق واضحاً جداً , ستجد وتلتمس الخير الذي نشره الله سبحانه وتعالى على أيديهم , فنشروا التوحيد ونشروا السنة في هذا الزمن , جزاهم الله عنا وعن الإسلام خيراً , " بنوا على قبره مسجداً , وصوّروا فيه تلك الصور , أولئك شرار الخلق عند الله " هذا الشاهد , أن من يفعل ذلك هو من شرار الخلق عند الله تبارك وتعالى , البناء على القبور هو شاهدنا الذي بوّب المؤلف رحمه الله بابه لأجله , البناء على القبور : عبادة الله عندها , فجاء التشديد في ذلك , فما بالك لو أن الشخص عبَد صاحب القبر كما يحصل اليوم من عُبّاد القبور , يصلون لها , يركعون , يسجدون , يخضعون , يتذلّلون بين يدي صاحب القبر , يذبحون له , أنواع النذور تُصرَف له , يستغيثون به , يسألونه الولد , يسألونه الرزق , يسألونه رفع الضرّ وجلب النفع ويعتقدون فيه , هذا كلّه نحن نفعله لله , هم يفعلونه لأوليائهم , هذا معنى الشرك , قال :" فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين فتنة القبور وفتنة التماثيل " فتنة القبور وفتنة التماثيل , أعظم الفتن التي توصل إلى عبادة غير الله تبارك وتعالى , وهذا الكلام من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال : فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين فتنة القبور وفتنة التماثيل , من هم ؟ النصارى , قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ لتتبعن سَنن من كان قبلكم حذو القُذّة بالقُذّة , لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه ] وهذا ما حصل , هذا ما حصل , تجد اليوم بين المسلمين التماثيل والصور المُعظّمة , وتجد القبور في المساجد , والله المستعان .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : " ولهما عنها " أي عن عائشة رضي الله عنها , " لهما " أي للبخاري ومسلم " قالت: "لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال - وهو كذلك -: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً " أخرجاه " , ولهما : للبخاري ومسلم , عنها : أي عن عائشة رضي الله تعالى عنها " قالت : لما نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ": يعني لما نَزل به ملك الموت " طفق يطرح خميصةً له على وجهه " طفق : يعني جعل " جعل يضع خميصة " الخميصة : كساء له خطوط , جعل يضعه على وجهه " فإذا اغتم بها كشفها " يعني إذا اختنق بسبب وجودها على وجهه أزالها عن وجهه , فقال وهو على هذه الحال :" لعن الله اليهود والنصارى " اللعن : يعني الطرد من رحمة الله , طردهم الله سبحانه وتعالى من رحمته , لماذا ؟ " اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " فمن اتخذ القبور مساجد , هذا ما يدلّ عليه الحديث , لماذا ؟ لإغلاق وسيلة الشرك , لكي لا يُعظَّم أصحاب القبور حتى يُعبَدوا مع الله سبحانه وتعالى , وهذا الشاهد من الحديث , " اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " تقول عائشة رضي الله عنها : " يحذّر ما صنعوا " يعني ما قاله لنا هذا لكي يحكي لنا قصة أو يروي لنا رواية يسلينا بها , لا , إنما ذكر لنا ذلك كي نتّعظ ونعتبر , وهذا تتعظون وتعتبرون به حتى في القرآن , الله سبحانه وتعالى يذكر لنا القصص في القرآن واليهود فعلوا والنصارى فعلوا والأقوام الذين قبل فعلوا وفعل الله بهم كذا وكذا , هذا ليس للتسلية , هذا يقوله الله سبحانه وتعالى لنا كي نعتبر ونتعظ , لذلك في كثير من الآيات يذكر في آخرها : { لعلكم تتقون } ها , و{ في ذلك موعظة للمتقين } وهكذا , ليش ؟ يعني انتبهوا , هذه القصص ليست للتسلية , بل هي معوعظة وعبرة لكم , فاحذروا أن تفعلوا كفعلهم فتهلكوا كما هلكوا , والواجب عليكم أّن تطيعوا وأن تتقوا الله وأن تبتعدوا عما وقعوا فيه من ضلال , فعندما تُذكَر لنا أخبار الأوّلين نركّز على هذا , نركّز على هذا , لماذا يذكر الله لنا ذلك ؟ كي نحذر , ما وققعوا فيه من ضلال نجتنبه , وما فلوه من طاعة نفعله إذا لم يُخالف شرع الله سبحانه وتعالى , إذا لم يأتِ شرعنا بما ينسخه , قالت عائشة رضي الله عنها : " يحذّر ما صنعوا " لذلك ذكر لنا هذا , يعني إياكم من بناء المساجد على القبور , يعني كأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحذّر ولم يتكلم ولا فعل شيئاً , ذهبنا وبنينا المساجد على القبور وصلينا فيها وعبدنا القبور مع الله سبحانه وتعالى , قالت : " ولولا ذلك أُبرز قبره " يعني : لولا الخوف من أن يتخذ الناس قبره مسجداً لجعل قبره مع المسلمين في مقبرة البقيع ولكن جُعِل قبره في بيته لاجتناب الغلو فيه , " غير أنه خشي أن يُتّخذ مسجداً " خشي أن يتخذ مسجد : يعني أن يبنوا عليه مسجداً كما فعل اليهود والنصارى مع أنبيائهم , أخرجاه في الصحيحين .
ثم قال رحمه الله : " ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " " عن جندب بن عبد الله " هو البَجلي رضي الله تعالى عنه , أحد الصحابة الكرام , يقول : " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول " الظاهر أنها خمسة أيام , لأن تحذيره من البناء على القبور كان في آخر حياته كما جاء عن عائشة , فركّز على ذلك في تلك الفترة , " وهو يقول : إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل " البراءة : المقصود بها هنا نفي الشيء والابتعاد عنه , أي أبتعد عن ذلك وأجتنبه " أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل " الخُلّة : هي أعلى درجات المحبّة , المحبّة أنزل منها , الخُلّة : أعلى درجات المحبّة , فلا يصح أن يكون الله سبحانه وتعالى خليله وأن يكون أحدٌ من البشر كذلك , فتبرّأ النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك , " فإن الله قد اتخذني خليلاً " هنيئاً له عليه الصلاة والسلام , هذه نعمة وفضيلة عظيمة من الله سبحانه وتعالى امتنّ بها عليه وعلى إبراهيم , فالله سبحانه وتعالى ما اتخذ أحداً خليلاً إلا إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم , بقية الأنبياء يحبّهم , لكن إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم لهم مكانة خاصة , لهم الخُلّة , " كما اتخذ إبراهيم خليلاً , ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً " لو كان هذا يصلح , " لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً " هذه من أعظم مناقب أبي بكر الصديق رصي الله عنه , وليخسأ أعداؤه , هذه درجته , لو كان النبي صلى الله عليه وسلم متخذاً خليلاً لاتخذ أبا بكرٍ خليلاً , " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد " هذا هو الشاهد , ذكر المؤلف الحديث هنا لأجل هذا , ينبّه النبي صلى الله عليه وسلم , لا تفعلوا كفعلهم , " من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد , ألا فلا تتخذوا القبور مساجد " هذا كلام صريح , " فإني أنهاكم عن ذلك " إذاً لا يصحّ الصلاة في مقبرة , الصلاة في مقبرة لا تصحّ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عنها , لماذا ؟ كي لا توصل إلى عبادة صاحب القبر , هذا هو الصحيح في العلة , علة النهي عن الصلاة في القبور , قال : " فقد نهى عنه في آخر حياته " وقد نهى عنه في آخر حياته , كما جاء في حديث جندب أنه سمع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم قبل خمسٍ , وفي حديث عائشة : عندما نُزِل به , يعني نزل به ملك الموت , وهذا الكلام الآن الذي سيسوقه المؤلف كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله , قال :" ثم إنه لَعن وهو في السياق من فعله والصلاة عندها من ذلك وإن لم يُبْنَ مسجدٌ , وهو معنى قولها خَشي أن يُتّخذ مسجداً فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً ، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً ، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً ، كما قال صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" " , " ثم إنه لُعن وهو في السياق " في سياق الموت كما في حديث عائشة الذي سبق , فقال : [ لعنة الله على اليهود والنصارى , اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ] , قال :" فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً " لأنهم يعلمون نهي النبي صلى الله عليه وسلم وهم أشد الناس امتثالاً لأمره , اذاك بناء المساجد على القبور ما تجده في القرون الأولى أبداً التي كان فيها التوحيد قائماً والسنة قوية وأهل السنة قادرين على إنكار المنكر وعلى فعل ما يجوز والنهي عما لا يجوز , لا تجده في القرون الثلاثة الأولى , إنما تجده بعد ذلك , لما انتشرت البدع والضلالات وأهل الانحراف , قال :" ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله , والصلاة عندها من ذلك " الصلاة عند ماذا ؟ الصلاة عند القبور , " وإن لم يُبنَ مسجدٌ " يعني ليست القضية متوقفة على بناء المسجد فقط , لا , حتى لو ذهبت وصليت عند القبر وإن لم تَبنِ مسجداً فأنت داخل في النهي , " وهو معنى قولها خشي أن يُتّخذ مسجداً " يعني أن يُصلّى عندها , عند القبر ," فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً , وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً " يعني لا يذهب ذهنك فقط إلى بناء مسجد على القبر , لا , هذا داخل في النهي , لكن أيضاً حتى تعمُّد الصلاة في ذاك المكان هو اتخاذ لها مسجد , كيف ؟ قال :" بل كل موضع يُصلى فيه يسمى مسجداً " من هنا , وما الدليل ؟ قال :" كما قال صلى الله عليه وسلم [ جُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ] إذاً الأرض كلها مسجد , فأي مكان تصلي فيه فهو مسجد , إذاً لا يجوز لك أن تصلي عند القبر ولا إلى القبر ولا على القبر , هذا كله قد جاء فيه النهي لأنه يؤدي إلى المحذور .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : " ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود مرفوعا: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد"ورواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه " الشاهد منه قوله : " والذين يتخذون القبور مساجد " جعلَهم من شرار الناس وقد تقدّم معناه , قوله هنا :" إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء " جاء في الحديث أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق وذلك لأنه في آخر الزمان وبعد أن يظهر عيسى عليه السلام ويظهر المهدي ويظهر الدجال ويأجوج ومأجوج وكل هذه الأمور وعلامات الساعة تأتي ريح طيبة كما جاء في الحديث , تأتي ريح طيبة فتأخذ نفس كل مؤمن فلا يبقى على ظهرها إلا شرار الخلق كما جاء في الحديث , هؤلاء هم شرار الخلق , " الذين تدركهم الساعة وهم أحياء " يعني تقوم الساعة وهم موجودون , وأيضاً من شرار الخلق الذين يتخذون القبور مساجد , لماذا ؟ لأنهم قد فتحوا الباب للشرك الأكبر الأعظم , فتحوا الباب لعبادة غير الله تبارك وتعالى , هذا الأمر الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وحذّر منه في أحاديث كثيرة ومع ذلك تركوا أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ونواهيه وذهبوا وفعلوا ما يحلو لهم , نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته .
ثم قال المؤلف رحمه الله :" باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تُعبد من دون الله " يعني مجاوزة الحد في قبور الصالحين وتعظيمها , يؤدي ذلك إلى أن تصير هذه القبور أوثاناً تعبد من دون الله , الوثن : ما عُبد من دون الله فهو وثن , سواء كانت له صورة أو ليست له صورة , " يصيرها أوثاناً تُعبد من دون الله " تعظيم الشيء , مجاوزة الحد فيه يؤدي إلى ذلك , وهذا معنى الذي تقدّم معنا في الغلو , قال المصنف رحمه الله تعالى : " روى مالك في الموطأ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" " : مالك في الموطأ : مالك بن أنس , إمام دار الهجرة , الإمام المعروف صاحب المذهب المالكي ," في كتابه الموطأ " الموطأ يعني المسهَّل , وهو من الكتب النفيسة , قال في الحديث :" اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبَد " دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم دعا به ربه أن يحفظ قبره من الغلو به حتى لا يُعبد , والحمد لله قد استجاب الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم , قال :" اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " لما غلوا في قبور أنبيائهم , اتخذوا عليها المساجد وعبدوا أنبياءهم وعبدوا صالحيهم , فغلوا في الأنبياء والصالحين حتى عبدوهم مع الله تبارك وتعالى , هذا الشاهد الذي يريده المؤلف رحمه الله , قال المؤلف رحمه الله : " ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} قال: كان يلت لهم السويق، فمات فعكفوا على قبره." تقدمت الآية وتقدم شرحها لكن الشاهد هنا أن غلوّهم في هذا الرجل لأجل ما كان يفعله من خير أدى بهم إلى عبادة قبره , فصار قبره وثناً يُعبد لأجل الغلو فيه , هذا الشاهد الذي يريده , قال :" وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج " يعني هذا الرجل كان يلت السويق للحاجّ , يصنع لهم طعاماً , للحُجّاج , فعظُم في نفوس الناس فلما مات اتخَذوا قبره مسجداً وعكفوا عنده , قال المؤلف رحمه الله : " وعن ابن عباس قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج" " هذا من الغلو , من الغلو في القبور الذي أدّى إلى الشرك بها وعبادتها : البناء على المساجد , اتخاذ السرُج , تزيينها , زخرفتها , كل هذا نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا من الغلو فيها , الذي أدى بالناس إلى عبادتها , لذلك قال عليه الصلاة والسلام : [ لا تدعنّ قبراً مُشرفاً إلا سوّيته ] فمن الغلو فيها : البناء عليها وتزيينها وإضاءتها بالسُرُج , وهذا المقصود من قوله : [ المتخذين عليها المساجد والسرج ] السراج يعني النور , إضاءة , تُضاء , ومساجد , يصلون فيها أو عندها , هذا كله من الغلو فيها الذي أدى إلى عبادتها مع الله تبارك وتعالى , لكن هذا الحديث بهذا اللفظ ضعيف , والصحيح في زيارة القبور :[ زائرات القبور ] صوابه:[ زوّارات القبور ] هذا الذي صحّ باللفظ , ونهى , والنهي عن اتخاذها مساجد قد مرّ معنا في أحاديث كثيرة , وتنويرها قربةً لأصحابها شرك , نكتفي اليوم بهذا القدر والحمد لله رب العالمين .


التفريغ منسق على ملف ورد في المرفقات
الملفات المرفقة
نوع الملف: docx تفريغ الدرس الرابع عشر.docx‏ (20.0 كيلوبايت, المشاهدات 337)
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-06-2015, 08:07   #20
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي تفريغ الدرس الخامس عشر

تفريغ الدرس الخامس عشر :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد : فهذا هو المجلس الخامس عشر من مجالس شرح كتاب التوحيد , وصلنا عند الباب الحادي والعشرين , قال المؤلف رحمه الله : " باب: ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك " ما جاء من أدلة تدل على حماية المصطفى , المصطفى : هو النبي صلى الله عليه وسلم , ومعنى المصطفى يعني المُختار الذي اختاره الله سبحانه وتعالى لتبليغ رسالته ," صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد " يعني جانب التوحيد , يعني : عندما يغلق السبل التي توصل إلى الشرك يكون قد حفظ جوانب التوحيد حتى لا يحصل الخلل فيه ," وسدّه كل طريق يوصل إلى الشرك " يعني : تحريم الوسائل التي توصل إلى الشرك , كتحريم - مثلاً - الصلاة عند القبور , تحريم الذبح في مكان كان يُذبح فيه لغير الله وما شابه , وهذه الأمور قد تقدمت معنا , هنا المؤلف يزيدها بياناً وإيضاحاً , لأن هذا أمرٌ عظيم , التهاون في الوسائل التي توصل إلى الشرك يؤدي بالناس إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى , وهذا ما حصل , تهاوَنَ الناس في البناء على القبور , في , تهاون الناس في الذبح عند القبور , في الدعاء عند القبور , حتى أدى بهم الأمر إلى عبادة القبور , هذا الذي حصل , وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند القبور , عن الذبح عندها من أجل إغلاق هذه الوسائل , لكن الناس تركت هذه النواهي التي نُهينا عنها لذلك وقعوا في الشرك , فهذا الذي يريد أن يبيّنه الآن المؤلف , أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سد الوسائل التي توصل إلى الشرك خشيةً على الناس أن يقعوا في الشرك , وهذا - كما ذكرنا - الباب كالتوضيح للأبواب التي سبقت , والأدلة التي سبقت كثير منها يعني يدل على هذا الأمر , كتحريم البناء على القبور , وتحريم الصلاة عند القبر أو عليه , وكذلك تحريم الذبح في محلٍ يُذبح فيه لغير الله , هذه كلها من سد الذرائع التي توصل إلى الشرك , قال المؤلف رحمه الله تعالى : " وقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } " { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } الرسول كما تقدم معنا : هو من بعثه الله سبحانه وتعالى برسالة ليبلغها للناس , بُعث للناس بشريعة يبينها لهم , فهو من أوحي إليه بشرعٍ وأُمِر بتبليغه , هذا الرسول { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } يعني منكم , هو من العرب , أصله معروف , قبيلته معروفة , لسانه عربي , هو معروف بينهم بالصدق , معروف بالصفات الكريمة , { عزيز عليه ما عنتّم } , { ما عنتّم } يعني ما يشقّ عليكم , هو يشق عليه ويكون عزيز عليه : يعني شاق عليه , فلا يحب لكم المشقة , لا يحب أن تلحق بكم المشقة , وأي أمر فيه مشقة يحاول أن يدفعه عنكم كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :[ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ] وكما جاء أيضاً في فرض الصلاة عندما أُسريَ به إلى السماء , أول ما فرضت الصلاة : خمسين صلاة , وكان ينزل إلى موسى وموسى يقول له ويرجع إلى ربه ويطلب التخفيف حتى وصلت إلى خمس صلوات , هذا من شفقته على أمته صلى الله عليه وسلم وحرصه على هدايتهم , { حريص عليكم } يعني يحرص عليكم , يحرص على هدايتكم وعلى طاعتكم لربكم , ويخاف عليكم من الوقوع في الشرك والوقوع فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى , هذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله تبارك وتعالى إلينا , وهذا من نعمة الله علينا , هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى علينا تحتاج منّا إلى شكر , فلو أنه أرسل إلينا نبيّاً فظاً غليظاً لا يبالي بنا ولا يهتم بما يشق علينا لكان في ذلك علينا - يعني - تبعات عظيمة , لكن من رحمة الله تبارك وتعالى وفضله ومنّه علينا أن أرسل إلينا نبيّاً بهذه الأوصاف , وهذه الصفات تقتضي محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه التعظيم الذي يليق به , قال تبارك وتعالى { حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } : هذه صفته مع المؤمنين , { رؤوف رحيم } : وهذا خاص بالمؤمنين وليس بالكافرين , الرأفة هي شدة الشفقة , فهو يشفق عليهم جدّاً , { رحيم } : عظيم الرحمة , هذا مع المؤمنين , أما مع الكفار { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } هذا وصفهم , فمع المؤمنين شيء ومع الكفّار شيء آخر , مهم جداً أن نفهم ما يجب علينا ناحية الكفار , اليوم حاصل خلط شديد عند الناس , البعض يدعو إلى قتلهم بدون أي تفصيلات , والبعض الآخر يقابلهم يدعو إلى المحبة وإلى الإلف فيما بيننا وبينهم وإسقاط عقيدة الولاء والبراء , ويحارب الكراهية , هكذا يزعمون , الكراهية مِن ديننا ومن شرعنا , من أحب فليحبّ ومن كره فليكره , من أصول ديننا الكراهية , الولاء والبراء , الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان ,[ أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ] كما قال النبي صلى الله عليه وسلم , والكفار ليس لهم عندنا إلا البغض هؤلاء مجرمون مع الله سبحانه وتعالى , ظالمون لأنفسهم , يشتمون الله سبحانه وتعالى ليل ونهار , يحاربون ربنا تبارك وتعالى ليل نهار , بعد ذلك تريد منا أن نحبهم , كيف ؟ أنت عندما تحب إنساناً وتجد شخصاً يؤذيه تغار عليه وتنصره وتبغض من يعاديه , هذا في البشر , الأصل في المؤمن أن تكون محبته لله وبغضه لله , في الله , إذا كنت حقيقة تحب الله سبحانه وتعالى فأنت تحب من يحب الله وتبغض من يبغض الله سبحانه وتعالى , هؤلاء يشتمون الله سبحانه وتعالى , يسبّونه , يكفرون به ليل نهار , كيف تريد مني أن أحبهم ؟ عندما تموت منك عقيدة الإسلام في نفسك , عندئذٍ تحبهم ولا تبالي بهذه القضايا , أن يقول : الله ثالث ثلاثة , وأن يقول : عيسى ابن الله أو ما شابه , ما تهتم , وهذا تكذيب لله سبحانه وتعالى يقول ليس له ولد , هم يقولون له ولد , ويشتمونه كما قال هو تبارك وتعالى :[ يشتمني ابن آدم ] [ يكذّبني ابن آدم ] كيف ترضى بهذا ؟ عقيدتنا عقيدة الولاء والبراء , لكن بغضهم شيء ومعاملتهم شيء آخر , الكفار عندنا أصناف , وكل صنف له معاملة تخصّه , ومحلّه كتب الفقه , الشاهد من هذه الآية , لماذا ذكرها المؤلف ؟ إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم - كأنه يقول لنا - إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم متّصفاً بهذه الصفات التي هي أنه عربي , يتكلم بلساننا , ونفهم لغته , وأنه يشقّ عليه ما يشقّ علينا , وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم , يتصف بكل هذه الصفات , فهل يليق بمن هذه صفاته أن يترك الأمة تقع في الشرك الذي يبعدها عن الله ويسبب لها دخول النار ولا يبيّن لهم ولا يوضّح ولا يغلق السبل التي توصلهم إلى الشرك , لا يمكن ذلك , رسول موصوف بهذه الصفات يبين لهم الشرك ويحذّرهم منه , ويحذّرهم من الوسائل التي توصلهم إليه , هذا الذي يريده المؤلف من ذكر هذه الآية في هذا الموطن .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" رواه أبو داود بإسناد حسن رواته ثقات " , " لا تجعلوا بيوتكم قبوراً " : هذا نهيٌ عن ترك الصلاة والذكر وقراءة القرآن والدعاء في البيت , ينبغي على المسلم أن ينوّر بيته بفعل هذه الأمور فيها , عبادة الله سبحانه وتعالى وطاعته في بيتك , ولا تجعل بيتك كالقبر , لماذا شبّهه بالقبور ؟ لأن القبور لا يُصلّى فيها ولا يُقرأ القرآن فيها , ولا يُذكر الله سبحانه وتعالى فيها , ولا يذهب المرء إليها يدعو لنفسه فيها , القبور ليست محلاً لهذه العبادات والطاعات , محل الطاعات هذه : المسجد والبيت وفي أي مكان لم يَنهَ الله سبحانه وتعالى عن الصلاة فيه , " لا تجعلوا بيوتكم قبوراً " كالحاصل اليوم من كثير من الناس , كثير من الناس تدخل بعض البيوت عندهم : لا يصلون في بيوتهم , لا يقرؤون القرآن , لا يذكرون الله , لا يدعون الله في بيوتهم , هذه خرابة , هذا ما هو بيت , هذا خرابة , قبر , يصلح هذا البيت أن يُسمى مقبرة وليس بيتاً , يبارك الله سبحانه وتعالى في البيت ليكون فيه ذكر الله سبحانه وتعالى , لماذا تسلط الشياطين على كثير من الإنس في زمننا هذا بالذات ؟ لبعد الناس عن دينهم , الكثير من المسّ يحصل بين الناس اليوم , تسمع به بشكل ما كان يكون على عهد السلف رضي الله عنهم , وما كانوا يَشْكون من هذا الأمر بهذه الصورة الموجودة عليها , لماذا ؟ لأننا اتخذنا بيوتنا قبوراً , قال :" ولا تجعلوا قبري عيداً " , " ولا تجعلوا قبري عيداً " , وهذا الشاهد , هذا الشاهد , لذلك ذكره المؤلف هنا , ما معنى العيد ؟ قالوا : العيد هو اسمٌ لما يعود من الاجتماع العام على وجهٍ مُعتاد , مأخوذ من العَود , يعود , يجتمعون فيه في كل عام مرة أو في كل شهر مرة أو في كل أسبوعٍ مرة , الجمعة مثلاً عيدٌ لنا , يومٌ نجتمع فيه في كل أسبوع , عيد الفطر عيدٌ لنا , عيد الأضحى عيد لنا , نجتمع فيه في كل سنة , والأعياد قسمان : أعيادٌ زمانية , وأعياد مكانية , الأعياد الزمانية : التي تتعلق بالزمن , بالوقت , كعيد الفطر وعيد الأضحى والجمعة , هذه أعياد زمانية متعلقة بالوقت , أعيادٌ مكانية متعلقة بالمكان , كالمسجد : مكانٌ نجتمع فيه , فهذا يسمّى عيداً مكانياً , القبر الذي يُزار عيدٌ مكاني , لكن المسجد عيد مكاني مشروع , والقبر عيد مكاني ممنوع , محرم , عيد الفطر عيد زماني مشروع , عيد الوطن أو عيد الاستقلال عيد زماني لكنه ممنوع , لأنه الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : نحن أهل الإسلام قد أبدلنا الله بعيدين : عيد الفطر وعيد الأضحى , ومنع النبي صلى الله عليه وسلم من العيد الذي كان على عهد الجاهلية , فالأعياد تعبدية , ما ثبت في الشرع نثبته وما لم يثبت فلا يجوز , إذاً الأعياد قسمان : زمانية ومكانية , والأعياد الزمانية منها مشروع ومنها ممنوع , والأعياد المكانية منها مشروع ومنها ممنوع كما مثّلنا , هنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تجعلوا قبري عيداً " عيد أيش ؟ عيد مكاني تجتمعون في هذا المكان , عنده , لماذا ؟ لعبادته , لماذا تجتمعون عند القبر ؟ لعبادة صاحب القبر , وإن لم يُعبَد : مجرد أن تجعلوه عيداً هو وسيلة وذريعة توصل إلى عبادته , لذلك نهى عنه صلى الله عليه وسلم , وهذا المراد , لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يُجعل قبره عيداً ؟ حتى لا يؤدّي ذلك إلى عبادة النبي صلى الله عليه وسلم , هذا المراد , قال :" وصلوا علي " عليه وعلى آله الصلاة والسلام , " وصلوا علي " الأمر بالصلاة عليه جاء في كتاب الله , قال الله سبحانه وتعالى : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } عليه وعلى آله الصلاة والسلام , فنحن نصلي ونسلم عليه , " صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " يعني لا داعي لأن تتكلّفوا وتأتوا إلى قبري كي تصلوا علي , لا , لستم بحاجة إلى هذا , صلِّ أينما كنت فالملائكة تسمع وتنقل للنبي صلى الله عليه وسلم الصلاة , فقط الصلاة , هذا الذي ورد وهذه أمور غيبية , لا حكم فيها للعقل بالقياس وما شابه , لا , أمر غيبي , أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة هي التي توصله , توصل الملائكة الصلاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتبلغه , نصلي عليه وتبلغه هذه الصلاة عليه وعلى آله الصلاة والسلام ," حيثما كنتم " يعني ما في فرق , أن تكون عند القبر أو بعيد عن القبر , ما في فرق , فما في داعي أن تتكلف وتذهب إلى القبر , وتجتمعوا هناك من أجل أن تصلوا عليه , غايتك ماذا ؟ الأصل فيك أنها تكون غايتك هي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له , وهذا يحصل في مكانك الذي أنت فيه فلست بحاجة إلى أن تشد الرحال إليه , وشد الرحال منهيٌّ عنه إلا إلى ثلاثة مساجد للتعبد , [ لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ] فأنت تشد الرحال إلى المسجد النبوي فأنت تصلي فيه وتحصل على أجره : لا بأس , تكون نيتك هذا , ثم إذا ذهبت زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم , أما أن تكون نيتك هي شد الرحال إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم : لا , محرّم , وتشد الرحال إلى بيت الله الحرام , إلى مكة , وتشد الرحال إلى بيت المقدس , هذه الثلاث مساجد التي أُذن لنا شرعاً أن نشد الرحال إليها , فللتعبّد لا تشد الرحال إلا إلى هذه المساجد الثلاثة كي تصلي فيها " رواه أبو داوود بإسناد حسن ورواته ثقات " , قال المصنف رحمه الله تعالى :" وعن علي بن الحسين " وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه " أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة " فتحة صغيرة " كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم" رواه في المختارة " هو ضعيف وما قبله يغني عنه , نعم .
ثم قال المؤلف رحمه الله :" باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان " باب ما جاء من أدلة تدل على أن بعض هذه الأمة , لا كلّها , لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ لاتزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرّهم من خالفهم أو من خذلهم حتى يأتي أمر الله ] فالإسلام باقٍ إلى قرب قيام الساعة , إلى أن تأتي تلك الريح الطيبة فتأخذ نفس كل مؤمن , الإسلام باقٍ وباقية هذه الطائفة إلى آخر الزمان , لكن لا يعني ذلك أن الشرك لا يقع في بعض هذه الأمة بل يقع , والأدلة القادمة تدل على ذلك , " باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان " , " يعبد الأوثان " الوثن : كل ما عبد من دون الله فهو وثن , إذاً سيأتي أو سيحصل في هذه الأمة أن يكون منها من يرتد عن دينه ويقلب على عبادة الأوثان , الأدلة التي سيذكرها المؤلف كافية في ذلك , ولكن ما مراده من هذا التبويب ؟ مراده الرد على بعض أهل التصوّف الذين قاتلهم في وقته رحمه الله , حينما كان ينكر عليهم الشرك الذي كانوا فيه , عبادة القبور وأصحاب القبور , كانوا يقولون : لا يمكن أن نكون نحن مشركين , لماذا ؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن إبليس قد أيس أن يُعبَد في جزيرة العرب , إذاً لا يمكن للشرك أن يقع في هذه الجزيرة , وهذا استدلالٌ باطل , الأدلة التي ذكرها المؤلف هنا تدل على أن الشرك يقع , وجاء في حديثٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوسٍ عند ذي الخَلَصَة ] ذي الخَلَصَة هذا صنم كان يُعبد في الجاهلية , ولا تقوم الساعة حتى يُعبد من جديد , هذا نص صريح واضح في وقوع الشرك في هذه الأمة , وأما الحديث الذي ذكروه فيأس الشيطان لا يدل على عدم الوقوع , يأس الشيطان لا يدل على عدم الوقوع , يئس من كثرة ما رأى من الخير والتوحيد الذي دبّ في البلاد , يئس أن يُعبد في جزيرة العرب , ورضي بالتحريش بينهم , لكنه يقع , ومتى وجد فيهم فرصة سيعود , وعاد ووجد فيهم فرصة ودخل , الحديث الذي ذكرناه دليلٌ على وقوع الشرك في هذه الأمة , والذي سيذكره المؤلف هنا كذلك يدل على ذلك , استدلال المؤلف يتم بجميع الأدلة التي ذُكرت في الباب , سيذكر المؤلف أدلة تدل على وقوع أهل الكتاب في الشرك , ما مراده من هذا ؟ مراده أن يُثبت أن ما وقع فيه أهل الكتاب لابد أن نقع فيه نحن , لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ] فيذكر لنا أدلة تدل على وقوع أهل الكتاب في الشرك ثم يذكر لنا هذا الحديث , أي أنكم ستفعلون ما فعل اليهود والنصارى , لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه ] فمِن باب أولى أن يكون الشرك داخل في ذلك , فبما أنهم قد عبدوا الأوثان , فسيقع فينا عبادة الأوثان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا بد , وقد حصل , وقد حصل , بل وقع ما لا يختلفون هم معنا أيضاً في أنه شرك , في زمننا هذا : صار في هذه الأمة من يعبد الأوثان صراحة , وفي هذه الأمة من ألحد أصلاً , ومن هذه الأمة من وقع في أنواعٍ من الكفر , فكيف يزعمون ما يزعمونه ؟ زعمهم هذا من أبطل الباطل , بل قد ارتد بعض الناس في زمن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه ورجعوا إلى ما كانوا عليه , قال المصنف رحمه الله تعالى : " باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان , وقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} " ألم تر يا محمد , أي أنك قد رأيت , هذا يسمّى استفهام تقرير { إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ } أوتوا حظاً , النصيب : هو الحظ , { من الكتاب } وهو التوراة , والمقصود بهم هنا اليهود { يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} الجبت الذي هو السحر , والطاغوت من الطغيان : مجاوزة الحد , وكل ما عُبد من دون الله فهو طاغوت - وهو راضٍ - سيأتي تفصيل الطاغوت إن شاء الله وأقوال العلماء فيه { وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} هذه تتمة الآية , يقول اليهود للمشركين بأن طريقتكم التي أنتم عليها ومنهجكم أهدى من منهج محمد صلى الله عليه وسلم , وهم كَذَبة في ذلك , الشاهد : أنهم يؤمنون بالجبت وأيش ؟ والطاغوت , هم عبدوا الأوثان , وقع فيهم عبادة العجل وغيره , إذاً أثبتنا هنا بأن الشرك قد وقع في أهل الكتاب , هذا الذي نريده الآن , ثم قال المصنف رحمه الله تعالى : " وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} " هذه الآية في الرد على الذين يسخرون من المسلمين ومن دينهم , هؤلاء الذين يسخرون كانوا من اليهود والنصارى والوثنيين , يقول الله سبحانه وتعالى رداً عليهم : { هل أنبئكم } أخبركم { بشرٍّ من ذلك } الذي زعمتم فينا ,{ مثوبة } جزاء عند الله سبحانه وتعالى { من لعنه الله } ومَن هؤلاء الذين لعنهم الله , طردهم وأبعدهم من رحمته تبارك وتعالى بسبب كفره ؟ هم اليهود والنصارى { مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ } هم اليهود , مسخهم قردة وخنازير , { وعبد الطاغوت } يعني جُعل منهم من عبد الطاغوت , هذا الشاهد , أن من أهل الكتاب من عبد الطاغوت { أولئك شرٌّ مكاناً وأضل عن سواء السبيل } الشاهد : أنه قد أثبت وقوع عبادة الأوثان في أهل الكتاب , قال المصنف رحمه الله تعالى : " وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} " المراد أنهم فعلوا مع الفتية بعد موتهم ما يُذَمّ فاعله , هؤلاء الذين بنوا على الفتية الذين هم أصحاب الكهف , لما ماتوا بنوا على قبرهم مسجداً , مَن الذي بنى المسجد ؟ الذين غلبوا على أمرهم وليس أهل العلم فيهم , فلا يُستدلّ بذلك عل جواز البناء على القبور , نترك الأدلة المحكمة ونأتي لمثل هذه المتشابهات !! أو يقال بأن الله أقرّهم ولم ينكر عليهم باطل , كذب , ما بُيّن من أدلة في الكتاب والسنة فهي إنكارٌ لهذا الفعل , لا يلزم أن يكون الإنكار مرافقاً للقصة , فالموضوع ليس هذا , لكن وردت أدلة في الكتاب والسنة تنكر هذا الفعل , انتهى الأمر , فالإنكار حاصل بالأدلة الأخرى التي وردت , ودعوى عدم الإنكار باطلة , كذب , لكن هذا حال أهل الباطل , يتركون الأدلة المحكمة ويتعلقون بالمتشابهات , عندما تجد عندك أدلة محكمة في المسألة , كهذه , البناء على القبور , [ لعن الله اليهود والنصارى , اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد , يحذّر ما صنعوا ] أدلة واضحة وصريحة تصرخ صراخاً , عندما تجد شخصاً يترك مثل هذه الأدلة القوية في ثبوتها , القوية في دلالتها وصراحتها ويذهب إلى المتشابهات كهذه , اعلم أنه مريض القلب , من الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم :{ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } الشاهد من هذه الآية أنه قد وقع مثل هذا المحذور في الأمم الماضية , قال المصنف رحمه الله , الآن نجمع تلك الأدلة , ثبت عندنا بما تقدم أن اليهود والنصارى قد وقعوا في عبادة الأوثان , قال المصنف رحمه الله : " وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " أخرجاه " هذا الحديث دليلٌ من أدلة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم , أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أمرٍ واقعٍ بدقة متناهية , قال : " لتتبعن " أي أمرٌ هذا حاصل ولا بد , الاتباع , يضعون أقدامهم على خطوة نضع نحن أقدامنا على نفس الخطوة التي وضعوها , هكذا يكون الاتباع الدقيق , " لتتبعن سنن من كان قبلكم " السَّنَن : هي الطريق , والسُّنَن : هي الطُّرُق , والسَّنَن أصح هنا , هي طريقٌ واحد يسيرون عليه ونحن نسير خلفهم , وكلاهما صحيح , " حذو القذة بالقذة " القذة : ريش السهم , انظر دقة ريش السهم هذا فنحن سنتّبعهم في كل ما فعلوه , حتى انظر إلى ريش السهم , كم تكون متشابهة الريشة مع الريشة ؟ كذلك نحن , " حتى " يعني : لو وصل الأمر , " لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه " ضب : حيوان يحفر جحراً في الأرض , من أصعب الجحور , يعني حتى لو كان في فعلهم مشقة وصعوبة في الأمر ولا فائدة منه لحقناهم وتبعناهم على ذلك , هذا الواقع الحاصل تماماً ما نراه أمامنا , ومِن ذلك الشرك , فبما أن الشرك قد وقع بينهم وفيهم فالشرك واقع فينا ولا بدّ أيضاً , فمنّا من سيمضي على هذا الطريق وسيُشرك كما أشركوا , ومنا من لا يصل معه الأمر إلى الشرك لكن إذا قصّ قصّةً معوجّة قص مثله , إذا قصّوا قصّة معوجّة لشعرهم , لشعورهم , قص مثلهم , إذا حلقوا لحاهم حلق مثلهم , إذا أطلقوا لحاهم أطلق مثلهم , إذا خرجوا عراةً خرج عارياً , وهكذا , هذا الحاصل اليوم والذي نراه أمامنا , اليوم اللحية أصبحت موضة , بالأمس كان إطلاق اللحية معيباً عند الكثيرين , وإذا رأوا شخصاً بلحية يُصبح إرهابياً , اليوم صارت اللحية شيئاً مستحسناً , صارت اللحية شيئاً مستحسناً , يطلقون الشباب الرُّعل الذين في الطرقات لحاهم , لماذا ؟ لأن الغرب فعل ذلك , شوف كيف !! " حذو القذّة بالقذّة " صارت الموضة الآن بإعفاء اللحية صار أبناء الشوارع والطرقات الذين لا يعرفون من دين الله شيئاً يطلقون لحاهم , لماذا يفعلون ذلك ؟ لأن الغرب صار عندهم هذا من الموضة , " حذو القذة بالقذة " , ما نراه عند الغرب يحصل عند المسلمين ولا بد , تسمع به في الغرب ثم تراه أمامك بعد فترة وجيزة , هذا من أدلة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم , أخبر بذلك تماماً ووقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام , الشاهد أن الشرك وقع في اليهود والنصارى فهو واقع في هذه الأمة ولا بد , وقد وقع , وما زال يقع كل ما وقع فيهم , حتى لو وقع فيهم من أتى أمّه وقع في هذه الأمة من أتى أمّه , أسأل الله أن يسلمنا وإياكم ويرحمنا وإياكم برحمته .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : " ولمسلم عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليها عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً" ورواه البرقاني في صحيحه، وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى" هذا الحديث طويل وفيه فوائد كثيرة , الحديث أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ثوبان , ثوبان : مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم , والمقصود بالمولى هنا : العتيق , كان عبداً مملوكاً ثم أُعتِق , فيصير مولى , عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله زوى لي الأرض " يعني جمعها , جمعها وطواها حتى صار النبي صلى الله عليه وسلم يراها , والله على كل شيء قدير , قال " فرأيت مشارقها ومغاربها " رآها من المشرق ومن المغرب , " وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها " وقد بلغ , ملكه وصل إلى الناحية الغربية إلى المغرب والأندلس , ومن الناحية الشرقية وصل إلى الهند والسند , البلاد الشرقية من بعد إيران : الهند والباكستان وأفغانستان وما شابه من هذه الدول كلها وصل ملكه إلى هناك , " وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض " الأحمر : الذي هو الذهب , والأبيض : الفضة , وهذا عبارة عن أموال الفرس والروم , ففيه خبر من النبي صلى الله عليه وسلم أن الفرس ستُفتَح وأن بلاد الروم ستُفتَح وأن كنوزهما سترجع إلى المسلمين , وهذا ما حصل , وهذا دليل على صدق نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم , فما يُخبر به يأتي كما أخبر عليه الصلاة والسلام , لا ينخرم منه شيء أبداً , " وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامةٍ " سألت ربي يعني دعوته , وهذا من شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته , " ألا يهلكها بسنة بعامة " المراد بالسنة الجدب , قحط , يعني ألا يصيب الله سبحانه وتعالى بلاد المسلمين جميعاً بقحطٍ وجدبٍ فيهلك الناس , وقد أعطاه الله سبحانه وتعالى ذلك , لذلك من يوم أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ما حصل , " وأن لا يسلط عليها عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم " ألا يسلط الله عليهم عدوّهم من الكفّار , " فيستبيح بيضتهم " , البيضة التي هي حوزة المسلمين , يعني لا يستبيح بلادهم كلها وجماعتهم فيهلك المسلمون , وهذا من يوم بُعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم ما حصل ولن يحصل , ربّما تُحتلّ بعض بلاد الإسلام وترجع , يسيطر الكفرة على بعض بلاد الإسلام , لكن لن يكون لهم القدرة على السيطرة على جميع بلاد الإسلام والقضاء على المسلمين أبداً , ولو اجتمع مَن بأقطارها , ولو اجتمع جميع كفار الأرض عليهم لن يستطيعوا أن يصلوا إلى ذلك , " وإن ربي قال يا محمد إذا قضيت قضاءاً فإنه لا يُردّ " إذاً الأمر المكتوب عند الله سبحانه وتعالى إذا كتبه وقضاه أن يقع , خلاص , لا يرد , لا يتغير ," وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة " فأعطاه الله سبحانه وتعالى هذه والحمد لله " وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم " والحمد لله " ولو اجتمع عليهم من بأقطارها " يعني جميع الكفار لو اجتمعوا , الذين هم على وجه الأرض اليوم بكل ما عندهم من صواريخ ونووي ودبّابات وكل شيء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً , فليفعلوا , لن يستطيعوا , وهذا دليلٌ على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم , " حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا " إذاً هلاك هذه الأمة بماذا ؟ بأن يُسلَّطَ بعضهم على بعض , هلاكها بهذا , وأنتم ترون اليوم , هذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم واقع أمامكم , انظروا إلى الحال في ليبيا , انظروا إلى الحال في مصر , انظروا إلى الحال في سوريا , وإن كان يوجد قتال بين المسلمين والكفار لكن أيضاً هناك قتال بين المسلمين بعضهم في بعض , يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً , ابتلانا الله بجماعات التكفير , تكفّر المسلمين وتقتلهم وتسبيهم , هكذا يكون قتلُ بعضهم بعضاً , يستبيح بعضهم دماء بعض وأموال بعض وأعراض بعض , يؤدي إلى هذا , هذا الواقع , كما أخبر عليه الصلاة والسلام , " ورواه البَرقاني في صحيحه " يعني هذا الحديث , البرقاني عنده مستخرج على صحيح مسلم , روى هذا الحديث وزاد فيه " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين " مَن الذي يهلك الأمم ؟ مَن يأتيها يتكلم باسم الإسلام , من أتاها يتكلم باسم الدين , الأئمة المضلين الذين يُضلون عباد الله سبحانه وتعالى عن طريق الحق وعن الهداية , تجده إماماً لكنه إمامٌ في الضلال كالقرضاوي ومن شابه , هؤلاء ينحرفون بالناس عن جادّة الصواب , هؤلاء أشد خطراً من الكافر , الكافر عندما يأتي ويتكلم ما أحد يبالي به لأنه كافر , يأتيك يقول لك الإسلام ليس هكذا , الإسلام هكذا , نقول أنت كافر , ما أدراك بالإسلام ؟!! أمره سهل , لكن المصيبة عندما يأتيك من هو بثوب الإسلام بل ربما بثوب السنة أيضاً ويتكلم باسم السنة , هذا أشد خطراً من أولئك , لماذا ؟ لأن الاغترار بهم أعظم , فلذلك تجد بعض علماء السنة الذين عندهم حُرقة على الدين يشنّعون على هؤلاء ويحذّرون منهم أكثر من غيرهم , لأن الخطر مِن قِبَلهم أعظم على عقائد المسلمين وعلى دينهم , " وإذا وقع عليهم السيف لم يُرفع إلى يوم القيامة " كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم , في حديث حذيفة : لما سأل عمر حذيفة عن الفتنة الكبرى التي تموج كموج البحر , قال : [ مالك ولها , بينك وبينها باب ] قال : [ أيُفتَح أم يُكسَر ؟ ] قال : [ يُكسَر ] قال : [ إذاً لا يُغلَق أبداً ] لا يُغلق أبداً , وكان الباب عمر , فبعد أن قُتل عمر دبّ السيف في هذه الأمة ولن يرفع إلى قيام الساعة كما أخبر عليه الصلاة والسلام , كلها أدلة تدل على نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم , قال :" ولا تقوم الساعة " هذا الشاهد عندنا , نركّز عليه , قال :" ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام " يعني جماعات " من أمتي الأوثان " إذاً يقع الشرك في هذه الأمة ولا ما يقع ؟ أدلة واضحة وصريحة , " وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون " ثلاثين كذّاب يدعي أنه نبي من عند الله سبحانه وتعالى , وقد خرج منهم الكثير , من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وإلى بعد هذا اليوم , وما زال يخرج , قبل أيام خارج في مصر واحد جديد , " كلهم يزعم أنه نبي , وأنا خاتم النبيين " أنا آخرهم , خاتم النهاية يعني , انتهى , خاتم , " وأنا خاتم النبيين " يعني آخرهم , " لا نبي بعدي " تصريح واضح , " ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة " مع كل ما يحصل من ضلال ومن ضياع في هذه الأمة إلا أن هذه الطائفة تبقى موجودة في هذه الأمة , من هم هؤلاء ؟ هؤلاء أهل العلم من أهل السنة الذين يقدّمون كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهج السلف الصالح على كل شيء , ولا يبالون بأي شيء إلا نصرة هذا الدين ونصرة هذا المنهج بالاعتدال , ربما يكون بعض الناس عندهم إخلاص في هذا الأمر لكن عندهم غلو , إفراط أو تفريط , فيُفسدون , أهل الحق أهل اعتدال , تجدهم يدعون إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى منهج السلف الصالح باعتدال , كما كان عليه علماؤنا , الأكابر , هذه هي الطائفة المنصورة , العلماء هؤلاء ومن اتبعهم هم الطائفة المنصورة , ينصرهم الله , فهم يجاهدون بالكلمة وباللسان , وإذا دعت الحاجة بالسيف أيضاً , حتى ينصروا الحق , ويبينوا للناس الهدى من الضلال , هذا الذي عليهم , وهذا ما يفعلونه , وهو واجبهم , وتبقى كلمتهم لها قوتها في نفوس الناس , وهذا الواقع الذي نشاهده , " لا يضرهم من خذلهم " من ترك نصرتهم لا يضره , " مخذّل , يترك نصرة أهل الحق , وإذا وصل به الحال إلى معاداتهم ومناصرة أهل الباطل فهو من أهل الباطل , أما المخذّل الذي يترك نصرة أهل الحق وهو قادرٌ على ذلك , ولكنه لا يضرّهم شيئاً , " حتى يأتي أمر الله " وهي الريح الطيبة التي تكون في آخر الزمن بعد خروج الدجال وبعد خروج المهدي وبعد خروج عيسى عليه السلام تأتي ريحٌ طيبة فتأخذ نفس كل مسلم ولا يبقى على وجه الأرض إلا شرار أهلها وعليهم تقوم الساعة كما جاءت في الأخبار , الشاهد : قوله : " ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين " ويصبح مشركاً مثله , " وحتى تعبد فئامٌ من أمتي الأوثان " إذاً هذا نصٌّ صريح واضح في أن الشرك يقع في هذه الأمة , فخاب وخسر أولئك الدعاة الكَذَبة الذين يعبدون القبور ويقولون نحن لا نعبدهم , كما قال المشركون : { ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى } , هؤلاء يعبدونهم ويقولون نحن لا نعبدهم , كيف هذا ؟ ما فهموا حتى العبادة أيش هي , الله المستعان , أبو جهل أفقه منهم في هذه القضايا , والله أبو جهل أفهم منهم , يعرف أبو جهل معنى هذا الكلام , ونسأل الله العافية من أناسٍ أبو جهل أفهم منهم وأفقه منهم في هذه المسائل , نكتفي بهذا القدر وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك .⁠⁠



التفريغ منسق على ملف ورد في المرفقات
الملفات المرفقة
نوع الملف: docx تفريغ الدرس الخامس عشر.docx‏ (25.7 كيلوبايت, المشاهدات 332)
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 09:29.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي