Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
العودة   منتديات شبكة الدين القيم > :: منـبـر الـمـشـرف العــام أبي الحسـن عـلـي الـرمــلي - حفظه الله - :: > منبر الدروس المفرغة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 21-10-2013, 09:41   #1
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي * مكتمل * تفريغات شرح متن العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

تفريغ الدرس الأول من شرح العقيدة الواسطية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فتعلمون بارك الله فيكم قدر العقيدة ومكانتها، فدين الله تبارك وتعالى هو اعتقاد وقول وعمل، وأساس القول والعمل هو الاعتقاد، ودعوة الأنبياء كانت أساسها للاعتقاد: ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ، ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ، وقال الله سبحانه وتعالى أيضاً: ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ، قال ابن عباس رضي الله عنه: "إلّا ليوحدون"، والتوحيد عقيدة، إذن فحكمة الله تبارك وتعالى والسبب في خلقه للعباد هو أن يعبدوه وأن يوحدوه، وبداية ذلك بالاعتقاد، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له: "إنك تأتي أقواماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله"، إذن العقيدة هي أول دعوة الأنبياء وهي أساسها، والعقيدة ترتكز عليها سعادة العبد وتعاسته في الدنيا وفي الآخرة، وكلّ إنسان لا بدّ له من اعتقاد، إمّا أن يكون صالحاً أو أن يكون فاسداً، والأنبياء جاؤوا بتصحيح العقائد وإصلاحها بما يرضي الله تبارك وتعالى، وخالف في الاعتقاد أناسٌ فكفروا، وخالف آخرون فضلّوا، وعقيدة أهل السنة والجماعة مبنية على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفهم السلف الصالح رضي الله عنهم، فأنت إذا نظرت في هذه العقيدة وجدت أنّ أهل السنة جميعاً متفقون عليها، ووجدت أنّ هذه العقيدة مبنية بالكامل على أدلة الكتاب والسنة وعلى فهم السلف الصالح رضي الله عنهم، وخالف هذه العقيدة أناسٌ وكفروا بذلك، وخالف أناسٌ وضلّوا، وأُلفت كتبٌ كثيرة في اعتقاد أهل السنة والجماعة، ومما أُلف في ذلك هذه الواسطية التي سنبدأ بإذن الله تعالى بتدريسها.
العقيدة الواسطية هي من تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو وإن كان كما قال فيه الحافظ ابن رجب رحمه الله: "وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره والاسهاب في أمره"، هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، إلّا أنّه لابد من ذكر بعض الأمور المهمة عنه رحمه الله ورضي الله عنه، كي يكون الطالب على بينه ومعرفة بمن يقرأ له، فالشخص إذا كان معروفاً بالعلم وغزارته ومعروفاً بالصلاح والخير ومعروفاً بصحة المنهج وصحة الاعتقاد تطمئن النفس إلى أقواله وترتاح، فلذلك ينبغي أن يكون الطالب عارفاً عمن يأخذ العلم، وما هي صفاته.

ابن تيميه رحمه الله هو: أحمد تقي الدين أبو العباس بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرّاني، ذكر المترجمون أقوالا في نسبته إلى آل تيمية منها ما نقله ابن عبد الهادي رحمه الله أنّ جدّه محمداً كانت أمّه تُسمى تيمية وكانت واعظة فنُسب إليها وعُرف بها، وقيل إنّ جدّه محمد بن الخضر حجّ على درب تيماء فرأى هناك طفلة فلمّا رجع وجد امرأته قد ولدت بنتاً له فقال يا تيمية يا تيمية، فلُقب بذلك، وأمّا نسبته الحرّاني فهي نسبة إلى حرّان وهي مدينة معروفة اليوم في سوريا.
ولد رحمه الله يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة (661) من الهجرة في مدينة حرّان.
وفي سنة سبع وستين وستمائة (667) هجري أغار التتار على بلده فاضطرت عائلته إلى ترك حرّان متوجهين إلى دمشق وبها كان مستقر العائلة حيث طلب العلم على أيدي علمائها منذ صغره فنبغ ووصل إلى مصاف العلماء حيث تأهل هناك للتدريس والفتوى قبل أن يتم العشرين من عمره.
أشهر المؤلفات التي ألّفها، قال الحافظ البزار وهو غير صاحب المسند رحمه الله: "وأمّا مؤلفاته ومصنفاته فإنّها أكثر من أن أقدر على إحصائها أو يحضرني جملة أسمائها، بل هذا لا يقدر عليه غالباً أحد، لأنّها كثيرة جداً، كباراً وصغاراً، أو هي منشورة في البلدان فقلَّ بلدٌ نزلته إلّا ورأيت فيه من تصانيفه رحمه الله"، كانت له مؤلفات كثيرة.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "وأمّا تصانيفه رحمه الله فهي أشهر من أن تذكر وأعرف من أن تنكر، سارت سير الشمس في الأقطار وامتلأت بها الجبال والأمصار، قد جاوزت حدّ الكثرة فلا يُمكن أحدٌ حصرها ولا يتسع هذا المكان لعدّ المعروف منها ولا ذكرها".
من أبرز هذه المؤلفات: كتاب الاستقامة، وكتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، وكتاب درء تعارض العقل والنقل، والجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح، وبيان تلبيس الجهمية، والصَفَدية، ومنهاج السنة النبوية في نقد كلام الشيعة القدرية، كتاب النبوات، وكتاب الحمويّة، وأيضاً التدمريّة، والواسطيّة، هذه التي سندرسها مع بعضنا إن شاء الله، وكتبه كثيرة كما ذكروا، لا يمكن حصرها، لكننا ذكرنا جملة منها للفائدة.
وأمّا ثناء العلماء عليه فكثيرٌ أيضاً، أذكر بعضاً منه، قال كمال الدين بن الزَمْلَكاني: "كان إذا سُئل عن فنٍّ من العلم ظنَّ الرائي والسامع أنَّه لا يعرف غير ذلك الفن"، لأنّ الشخص إذا تخصص في فنٍّ وبذل جهده ووسعه فيه صار متمكناً ومتوسعاً فيه، فكان إذا تكلم في فنٍّ ظنّوا أنّه لا يعرف إلّا هذا الفن، لتوسعه وتمكنه في هذا الفن، "وحكم على أنّ أحداً لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا يعرفوه قبل ذلك"، الفقيه يكون شافعياً مثلاً يجلس مع ابن تيمية ويستفيد منه من المذهب الشافعي، فيعلمُه أشياء من المذهب الشافعي، وهذا ذكره هو نفسه -ابن تيمية- في أثناء مجادلاته مع أهل البدع، قال: "ما منكم أحدٌ يذهب إلى مذهب إلّا وأنا أعلم منه بمذهبه ومتى قيل وكيف قيل وفي أي زمن قيل"، رحمه الله، كان موسوعة، "ولا يُعرف أنّه ناظر أحداً فانقطع معه"، من الذي سينقطع معه؟، "ولا تكلَم في علم من العلوم سواء كان من علوم الشرع أم غيرها إلّا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حُسن التصنيف وجَودَة العبارة والترتيب والتقسيم والتأليف"، هذا كلّه كلام فيه ثناء عطر وتزكية رفيعة في مجال العلم، وقال عنه أيضاً: "اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها".
وقال ابن دقيق العيد: "لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلّها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد ويدع ما يريد".
وقال أبو البقاء السبكي: "والله يا فلان ما يُبغض ابن تيمية إلّا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصدّه هواه عن الحقّ بعد معرفته به"، وحين عاتب الإمام الذهبي رحمه الله السُّبكي وكان من أعدى أعداء ابن تيمية رحمه الله، كتب السبكي معتذراً مبيناً رأيه في شيخ الإسلام بقوله: -وهذه شهادة عدو وليس صديقاً-: "أمّا قول سيدي في الشيخ فالمملوك يتحقق كبرى قدره وزخارة بحره وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية وفرط ذكائه واجتهاده وبلوغه في كلّ من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائماً، وقدره في نفسي أعظم من ذلك وأجلّ مع ما جمع الله له من الزهادة والورع والديانة ونصرة الحقّ والقيام فيه لا لغرض سواه وجَرْيه على سنن السلف وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان".
وقال الذهبي رحمه الله: "ابن تيمية، الشيخ الإمام العالم المفسّر الفقيه المجتهد الحافظ المحدّث، شيخ الإسلام نادرة العصر ذو التصانيف الباهرة والذكاء المفرط".
وقال فيه أيضا: "ونظر في الرّجال والعلل وصار من أئمة النقد ومن علماء الأثر مع التدين والنبالة والذّكر والصيانة ثم أقبل على الفقه ودقائقه وقواعده وحججه والاجماع والاختلاف حتى كان يُقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف ثم يستدل ويُرجّح ويجتهد وحقّ له ذلك فإنّ شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أحداً أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يريدها منه، ولا أشدّ استحضاراً لمتون الأحاديث وعزوّها إلى الصحيح أو المسند أو إلى السنن منه، كأنّ الكتاب والسنن نصب عينيه وعلى طرف لسانه بالعبارة الرشيقة وعين مفتوحة وإفحام للمخالف".

وقال الشوكاني رحمه الله: "إمام الأئمة المجتهد المطلق".
وثناءات العلماء عليه كثيرة يطول ذكرها، نكتفي بهذا القدر منها الذي فيه تزكية في علمه وفي دينه وأيضاً في عقيدته ومنهجه.
أمّا وفاته: فتوفي في ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة من سنة ثمانية وعشرين وسبعمائة (728)، توفي شيخ الإسلام بقلعة دمشق التي كان محبوساً فيها، وأُذن للناس بالدخول فيها، ثم غُسِّل فيها وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق وصُلّي عليه بالقلعة، ثم وضعت جنازته في الجامع والجند يحفظونها من الناس من شدّة الزحام ثم صُلّي عليه بعد صلاة الظهر، ثم حملت الجنازة واشتد الزحام، فقد أغلق الناس حوانيتهم ولم يتخلف عن الحضور إلّا القليل من النّاس أو من أعجزه الزحام وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم وتارة يتأخر وتارة يقف حتى يمرّ الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلّها وهي شديدة الزّحام، رحمه الله رحمة واسعة.
هذا هو مؤلف العقيدة الواسطية.
والعقيدة مأخوذة من العقد والربط، هذا أصلها اللغوي وهي حُكم الذهن الجازم، يعني الحكم الذي يعقد المرء عليه قلبه بطريقة جازمة لا شكّ فيها، هذه هي العقيدة.
وأمّا الواسطية فسُميّت بذلك نسبة إلى واسط، وواسط مدينة في العراق كان لها قاضي، هذا القاضي جاء إلى ابن تيمية رحمه الله وذكر له كثرة الانحراف في الاعتقاد وكثرة انتشار البدع والأهواء وما يُقال في ذلك، فطلب منه أن يضع له عقيدة يعتقدها هو وأهل بيته، فقال له شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأنّ العقائد التي كتبها أهل السنة كثيرة، قال: فألحّ عليه أن يكتب له عقيدة منه هو بالذات، فكتب له هذه الواسطية، فسُميت بالعقيدة الواسطية لذلك.
وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا الكتاب زبدة عقيدة أهل السنة والجماعة، وما وضعه في هذا الكتاب من عقيدةٍ من خالفها فقد خرج من دائرة السنة إلى دائرة البدعة، كما يأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما يشير إلى ذلك إن شاء الله.



قال المؤلف رحمه الله: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
بدأ بالبسملة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يبدأ بها في رسائله، ومعنى بسم الله: أي أؤلف أو أكتب حال كوني متبركاً بذكر الله تبارك وتعالى، الرحمن: اسم لله تبارك وتعالى يتضمن صفة وهي صفة الرحمة، والرحمن بمعنى صاحب الرحمة الواسعة، والرحيم: اسم آخر لله تبارك وتعالى يتضمن أيضاً صفة الرحمة ولكنّها رحمة خاصة بالمؤمنين، فهو رحمن اسم أوسع من الرحيم، فالرحيم صفة خاصة بالمؤمنين.
"الحمد لله الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ".
الحمد ضد الذّنب، وهو قريب من معنى الشكر إلّا أن بينه وبين الشكر فرق، فالحمد أعمّ متعلقاً أخصّ آلة، والشكر أعمّ آلة أخصّ متعلقاً، معنى هذا الكلام أنّ الحمد يكون على أمرين والشكر يكون على أمر واحد، والحمد آلته التي نستعملها في إخراجه واحدة والشكر آلته أكثر من واحدة، الحمد يكون على النعمة وعلى صفات الكمال، فنحمد الله على صفاته الكاملة ونحمده أيضاً على ما أنعم علينا من نعم، وأمّا الشكر فيكون على النعم خاصة، وأمّا آلة الحمد فهي اللسان فقط، تحمد الله بلسانك، وأمّا آلة الشكر فاللسان والعمل بالجوارح، ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ، فالشكر يكون أيضاً بالعمل وليس فقط باللسان، يكون أيضاً بالجوارح، إذن فمن هذا الباب الشكر يكون أعمّ، الشكر يكون بالجوارح ويكون باللسان، أمّا الحمد فلا يكون إلّا باللسان، أمّا من ناحية المتعلق فالحمد يكون على النّعمة وعلى صفات الكمال، وأمّا الشكر فيكون على النعمة فقطـ، هذا الفرق بين الحمد والشكر.
"الحمد لله الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ": أي الله سبحانه وتعالى المحمود هو الذي أرسل رسوله، رسوله: هو النبي صلى الله عليه وسلم هو المقصود هنا لما سيأتي، وإلّا الرسل كثر، لكنّ المقصود هنا هو: النبي صلى الله عليه وسلم.
"بِالْهُدَى":أرسل رسوله بالهدى، قال ابن تيمية رحمه الله: فالهدى كمال العلم.
"وَدِينِ الْحَقِّ": أرسله بالهدى ودين الحقّ، قال: ودين الحقّ كمال العمل، هذا معنى بالهدى ودين الحقّ.
"لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ":أرسل الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالعلم النافع والعمل الصالح، وهو كلّ ما جاء في شريعة الله من الكتاب والسنة ليُظهره على الدين كلّه، اللام هنا لام التعليل، أي لماذا أرسل؟ ما العلّة؟ ما السبب؟ ليُظهره على الدين كلّه، فدين الإسلام سيكون ظاهراً على جميع الديانات، يُظهره بالبيان والحجة والبرهان، هذا حال النبي بمكة، ويظهره أيضاً باليد والعزّ والسنان في المدينة، قاله: شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله نفسه.
"وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا"‏: يعني شهادة الله على صدق محمد صلى الله عليه وسلم كافية لا تحتاج إلى شهادة أخرى، هذا معنى: وكفى بالله شهيداً، يعني: كفت شهادة الله، فليست بحاجة إلى شهادة أخرى، كيف تكون شهادته؟ شهادة الله على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم كيف تكون؟ تكون بطريقتين:
الطريقة الأولى: بأقواله التي أنزلها قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم على أنبيائه وبشّر به في التوراة وفي الإنجيل، فهذه طريقة التصديق الأولى.
الطريقة الثانية: تكون بأفعاله، وهو ما يُحدّثه من الآيات والبراهين الدالة على صدق رسله، فإنّه صدَّقهم بها فيما أخبروا به عنه، يأتي الرسول والنبي يخبر بشيء عن الله فيأتي كما أخبر تماماً، هذا تصديق من الله تبارك وتعالى لذلك، انظروا مثلاً من علامات النبوة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم: من علامات القيامة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، منها التطاول في البنيان وهو الآن يقع بين أعيننا أمامنا، الآن وقوعها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، يوقعها الله كما أخبر نبيه تماماً، هذا تصديق من الله لنبيه صلى الله عليه و سلم وإلّا انظروا في الذين كذبوا على الله وادعوا النبوة كالأسود العنسي ومسيلمة الكذاب وسجاح وغيرهم، كانوا يقولون القول فينزل الله تكذيبه، ويبين تكذيبه في الواقع، وسائر على هذا الحال إلى زمننا هذا، ما أحد يكذب كذبة على الله تبارك وتعالى إلّا ويُبين الله سبحانه وتعالى أنّه كذّاب ويفضحه على رؤوس الأشهاد، فإيقاع ذلك كما أخبروا دليل على تصديق الله تبارك وتعالى لهم، وشهادة منه لهم بالصدق، وكذلك القرآن فيه شهادة الله لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وإنزاله على محمد وإتيان محمد به هو آية وبرهان، وذلك من فعل الله، إذ كان البشر لا يقدرون على مثله، لا يقدر عليه أحد من الأنبياء ولا الأولياء ولا السحرة ولا غير ذلك، قال تعالى: ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ، هذا كلّه فصّله وبينه شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح.
وأَشْهَدُ أَن لاَّ إلَهَ إِلاَّ اللهُ:
ما معنى الشهادة؟ أقرّ بقلبي ناطقاً بلساني مبيناً أن لا إله إلّا الله، الشهادة نطق وإخبار عمّا يكنّه القلب، فأنت تشهد أن لا إله إلّا الله، يعني: تقرّ وتعترف بأنّك تعتقد بأنّه: لا معبود بحقّ إلّا الله وتخرج ذلك بنطقك به، فتشهد به، كشهادة الشهود أمام القاضي، وأشهد أن لا إله إلّا الله، أي: أقرّ وأعترف وأعتقد بأنّه لا معبود بحقّ إلّا الله، فمعنى لا إله إلّا الله: لا معبود بحقّ إلّا الله، ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ، وكتاب التوحيد فيه تفسير كثير لمعنى هذه الآية، وذكر آيات وأحاديث تدلّ على أنّ هذا هو المقصود من لا إله إلّا الله.
"وَحْدَهُ":فهي توكيد للإثبات، وحده الله سبحانه وتعالى فقط.
"لا شَرِيكَ لَهُ": تأكيد ثاني أيضاً، لا يشاركه أحد في العبادة.
"إِقْرَارًا بِهِ": الإقرار هو التكلم بالحقّ اللازم على النفس مع توطين النفس على الانقياد والاذعان، هذا معنى الاقرار، هذا ما ذكره أبو هلال العسكري في الفروق اللغوية.
"وَتَوْحِيدًا"‏: أي: تأكيداً لـ: لا إله إلّا الله.
"وَأَشْهَدُ": أي: أقرّ بقلبي ناطقاً بلساني مبينا.
"أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"، محمد: أصله اسم مفعول: حَمَّدّ -بفتحات مشدد الميم-، يأتي للتكثير، أي: المحمود كثيراً، فهو علم منقول من الوصفية إلى العلمية.
عَبْدُهُ: أي: الخاضع المتذلل لله، هذه أصل العبودية، الخضوع والتذلل لله تبارك وتعالى، وَصَفه بذلك لأنّه حقق كمال العبودية لله، والإضافة هنا إضافة تشريف، عبد لله تبارك وتعالى.
وَرَسُولُهُ: الفرق بين الرسول والنبي أنّ الرسول بُعث بشرع جديد، وأمّا النبي فيبعث لتقرير شرع من قبله، وهنا ذكر المؤلف وصفين: وصف العبودية ووصف الرسالة، وذلك لنفي أمرين، لرفع الإفراط والتفريط، الغلو والتقصير، فقوله: "عبده" فيه رفع للغلو، الإفراط، فهو عبد من عباد الله كبقية العباد، ليس إلها ولا ابن إله ولا شيء من ذلك، وليس له حقّ في العبادة فهو عابد وليس معبود، هذا بالنسبة لوصف العبودية، أمّا وصف الرسالة فهو تكريم له وإنزاله مكانه الذي يستحقه، فلا إفراط ولا تفريط في حقّه.
"صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تسليمًا مَزِيدًا": صلى الله، الصلاة في الأصل الدعاء، وهي من الملائكة كذلك دعاء، جاء في الحديث: "الملائكة تصلي على أحدكم مادام في مصلاه"، إذن فهي تدعو له، وجاء في تتمة الحديث قال: "اللهم اغفر له اللهم ارحمه"، ففسّر صلاة الملائكة بالدعاء، اللهم اغفر له اللهم ارحمه، وأمّا من الله فكما رُوي عن أبي العالية رضي الله عنه قال: "صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى"، أي: عند الملائكة المقربين.
وَسَلَّمَ: السلامة من الآفات والنقائص.
تسليمًا مَزِيدًا: أي تسليماً زائداً على الصلاة.
"أَمَّا بَعْدُ":هذه الكلمة يُؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر في الكلام، وتقديرها مهما يكن من شيء بعد فكذا وكذا، أمّا بعد: هذه كان يستعملها النبي صلى الله عليه وسلم وصحّت في أحاديث كثيرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم استعملها.
"فَهَذَا اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الْمَنْصُورَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ": اعتقاد الفرقة التي هي الجماعة، الناجية، لماذا سُميت الفرقة الناجية؟ لأنّهم هم النّاجون من عذاب الله تبارك وتعالى وهم الداخلون في قوله صلى الله عليه وسلم: "ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النّار إلّا واحدة"، فالتي نجت هي واحدة، لذلك سميت الفرقة الناجية.
الْمَنْصُورَة: سُميت المنصورة لقوله صلى الله عليه وسلم: "لاتزال طائفة من أمتي على الحقّ ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ومن خذلهم حتى يأتي أمر الله" وفي رواية: "منصورين"، فسُميّت منصورة لذلك، فالمؤلف يشير إلى أنّها واحدة، الفرقة الناجية والطائفة المنصورة واحدة وليست متعددة، فالقول بتعددها خطأ لا يصحّ، هم أهل السنة والجماعة، الفرقة الناجية، الطائفة المنصورة، أهل الحديث، السلف، كلّها أسماء لمعنى واحد.
إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أي: إلى يوم القيامة، فهي منصورة إلى قيام الساعة، وتبقى هذه عقيدتها إلى قيام الساعة، ما تخالف، إلى قيام الساعة، المقصود إلى قرب قيام الساعة، حتى يأتي أمر الله: ما هو أمر الله؟ الريح الطيبة التي تأتي وتأخذ كلّ نفس طيبة، ويبقى رعاع الناس فعليهم تقوم الساعة، إذن المقصود حتى يأتي أمر الله: إلى قرب قيام الساعة.
"أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ": أهل السنة والجماعة، لماذا سمّوا بأهل السنة؟ لأنّهم يتمسكون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدون بهديه، والجماعة لأنّهم يجتمعون عليها، يجتمعون على الحقّ ولا يتفرقون، ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ، فتُسمى أهل السنة والجماعة، لذلك فهم يُعظّمون كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أعظم من كل شيء، أمّا من عَظَّم العقل على السنة لا يُقال له من أهل السنة والجماعة، ولا يقول ذلك إلّا جاهل، أو صاحب هوى، أمّا أن يُقال بأنّ الأشاعرة أو المعتزلة أو الجهمية من أهل السنة والجماعة فهذا كلام باطل، لا يطلقونه أهل العلم إلّا في مقابلة الرافضة، يقولون: هؤلاء أهل سنة وهؤلاء رافضة شيعة فقط، أمّا عند التفصيل فأهل السنة هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة التي تحمل هذه العقيدة التي ستُذكر.
وهذه العقيدة اكتسبت مكاناً رفيعاً لسبب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "قد أمهلت كلّ من خالفني في شيء منها -أي هذه العقيدة التي كتبها- ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم يُخالف ما ذكرته فأنا راجع عن ذلك"، ثلاث سنين، وأعداؤه كُثُر، والمحاربون له كُثُر، والذين يُحاولون أن يُخرجوا له خطأ كُثُر، ومع ذلك ما استطاع ذلك أحد.
قال ابن رجب في العقيدة الواسطية: "وقع الاتفاق على أنّ هذه عقيدة سنية سلفية"، ذكره في ذيل طبقات الحنابلة.
وقال الذهبي: "وقع الاتفاق على أنّ هذا معتقد سلفي جيد"، نقل الاتفاق على هذه العقيدة.
من هنا أَخذت هذه العقيدة مكانتها.
ثم بدأ يذكر عقيدة أهل السنة والجماعة، نؤجل الكلام فيها إلى الدرس القادم إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-10-2013, 08:05   #2
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الثاني من شرح كتاب الواسطية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فكنا وصلنا في الدرس الماضي عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: "أَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الْمَنْصُورَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ‏:‏ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ‏:‏".
ثم قال : "وَهُوَ"، أي: اعتقاد أهل السنة والجماعة، "الإِيمانُ بِاللهِ".
الإيمان في اللغة عند أكثر أهلها التصديق، وأمّا في الشرع فهو تصديق القلب واعتقاد القلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح والأركان، هذا هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله: "لا يجزئ أحدها عن الآخر"، فلا بدّ من الثلاثة حتى يكون العبد مؤمناً، والمقصود بقول المؤلف "الإِيمانُ بِاللهِ": التصديق بوجود الله تبارك وتعالى، وبألوهيته وبربوبيته وبأسمائه وصفاته، هي أربعة:
· الإيمان بوجود الله.
· والإيمان بربوبيته.
· والإيمان بألوهيته.
· والإيمان بأسمائه وصفاته.
الإيمان بوجود الله تبارك وتعالى: كيف نستدل عليه؟ نستدل عليه بآيات الله الكونية والآيات الشرعية، وبالحسّ وبالفطرة، أربعة أدلة على وجود الله تبارك وتعالى.
الأول: العقل، وذلك بالتأمل في آيات الله الكونية، تتأمل في خلق الله، هذا الخلق العظيم المتقن المحكم، تتأمل في الشمس، في القمر، في السماوات، في الأرض، تتأمل في الإبل وتتأمل في نفسك أيضاً، وتنظر إلى عجيب صنع الله تبارك وتعالى وعظم خلقه، هذا الخلق يدلّ على خالق عليم حكيم خبير قدير، أشار إلى هذا المعنى الأعرابي عندما سُئل: بما عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير، وجود الأثر على الأرض، عندما يمشي شخص ويترك أثر قدميه على الأرض، عندما ترى هذا الأثر تعرف أنّ شخصاً قد مرَّ، فالأثر يدلّ على المسير، والبعرة تدلّ على البعير، البعرة: يعني البراز الذي يُخرجه البعير في أثناء مسيره وطريقه، وجودها علامة على مرور بعير من هذا الطريق، والبعرة تدلّ على البعير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، يعني: طرق، وبحار ذات أمواج ألّا تدلّ على السميع البصير، أنظر إلى هذا الأعرابي بفطرته السليمة كيف استدل على وجود الله تبارك وتعالى، هذه الطريقة العقلية السليمة في الوصول إلى إثبات وجود الله تبارك وتعالى، قد أشار الله تبارك وتعالى إليها بقوله: ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ، الآن هذه المخلوقات لا يخلو حالها من ثلاثة أمور:
· إمّا أن تكون هي التي خلقت نفسها.
· أو أن تكون وُجدت صدفة.
· أو أن يكون خلقها خالق.
وجودها صدفة مستحيل، لأننا ندرك بعقولنا أنّ كلَّ مخلوق لابدّ له من خالق، فانظروا مثلاً إلى هذه المصنوعات الموجودة اليوم عندنا، السفن والطائرات والسيارات والكمبيوترات وغيرها، هل وُجدت صدفة هكذا؟ لابدّ لها من صانع صنعها، وأوجدها، فكذلك المخلوقات بالكامل، لابدّ لكلّ مخلوق من خالق، إذن لا بدّ من خالق يخلق هذه المخلوقات، أمّا أن توجد وحدها هكذا صدفة ما فيه شيء يوجد صدفة، ويوجد صدفة بهذا الإحكام؟ والاتقان الموجود في هذا الكون؟ هذا مستحيل.
وكذلك أن يُوجد نفسه، أن يخلق نفسه هذا أمر مستحيل، فالمعدوم لا يمكن له أن يفعل وأن يُوجد شيء.
فما بقي إلّا أن يكون لها خالق خلقها يتصف بصفات الكمال التي دلّت عليها هذه المخلوقات الكونية، هذا الدليل العقلي بالنظر إلى الآيات الكونية.
وأمّا الدليل الحسي فهذا نجده في الدعاء، ما من إنسان إلّا وتمرّ به لحظة ويكون مضطراً يلجأ في تلك اللحظة إلى الله تبارك وتعالى ويتضرع له بالدعاء فيجد الإجابة ويلتمس ذلك ويحسّه فهذا يدلّ على ماذا؟ على وجود الله الذي لمّا دعاه استجاب له، ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯣ ﯤ ﯥ ﯧ ﯨ ﯩ ، والرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر وشكى إليه قلّة الماء، رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ودعى الله فاستجاب الله دعاءه ونزل الماء مباشرة، ألّا يدل ذلك على وجود الله؟ هذا دليل حسي، ملموس.
وأمّا الدليل الآخر وهو الدليل الفِطري، الخَلق جميعاً مفطورون على الإيمان بوجود الله تبارك وتعالى، قد لا تكاد تجد شخصاً لم يتلاعب به الشيطان إلّا ويؤمن بوجود الله تبارك وتعالى، هذا حال أكثر الناس إلّا ما ندر كفرعون الذي أنكره في الظاهر، أمّا في حقيقة نفسه كان مؤمناً به، وماذا قال الله سبحانه وتعالى في حقّه: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ، وفي حقيقة قرارة نفسه يؤمن بوجود الله، ولكن الكبر الذي كان عليه هو الذي منعه من الإقرار بذلك.
والدليل الأخير وهو الشرعي النظر والتأمل في آيات الله الشرعية لا الكونية، أنظر إلى إحكام هذا الشرع وإتقانه، انظر إلى أوامر الله ونواهيه، أنظر إلى صلاحه وإصلاحه لكلّ زمان ومكان يدلك ذلك على أنّ هذا الشرع ليس من عمل البشر.
هذه الأمور كلّها تدلّنا على وجود الله تبارك وتعالى ولا يُنكرها إلّا مكابر.
هذا النوع الأول من الإيمان وهو الإيمان بوجود الله.
النوع الثاني:الإيمان بربوبيته: لا يكون العبد مؤمنا يرفعه إيمانه إلّا أن يكون مؤمناً بوجود الله ومؤمناً بربوبية الله، ما معنى الربوبية هنا؟ أن يؤمن بأنّ الله هو الخالق الرازق المدبر، يأمن بجميع أفعال الله المختصة به، وهذا الإيمان كان كفّار قريش مؤمنين به، مقرين به، ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ، كذلك في السماوات وفي الأرض والجبال وغيرها، فمن أنزل الماء؟ كلّهم مقرّون بأنّ الله سبحانه وتعالى الذي يفعل ذلك، ولكن شركهم كان في:
النوع الثالث: وهو الإيمان بألوهية الله، أي أنّه معبود بحقّ وأنّه الذي يستحق العبادة وحده، ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ، ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ، ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ، وهذا النوع من الإيمان هو الذي كان كفّار قريش قد أشركوا فيه، وأفسدوه وقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فكانوا مقرين بالإيمان بوجود الله، مقرين بالثاني: وهو بربوبية الله، لكنّهم كانوا مشركين مع الله غيرَه في العبادة، فيعبدون الله ويعبدون غيرَه معه، يعبدون الأصنام، فالعبد لا يكون مؤمناً بالله حتى يؤمن بوجود الله ويؤمن بربوبية الله ويؤمن بألوهية الله ويؤمن أيضاً بـ:
النوع الرابع: بأسماء الله وصفاته، وهذا ما سيأتي تفصيله إن شاء الله -النوع الأخير- من كلام المؤلف نفسه.
وهذه العقيدة التي بدأها المؤلف رحمه الله بالإيمان بالله ثم ثنّى بالإيمان بالملائكة هي التي جاء بها جبريل وسأل النبيَ صلى الله عليه وسلم عنها كي يعلمها لنا، قال له: ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ وما الإحسان؟ وقال له النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث وتؤمن بالقدر خيره وشره"، هذا الذي جاء في قصة جبريل في حديث عمر وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين.
قال: "وَهُوَ الإِيمانُ بِاللهِ"، أي الاعتقاد الذي يعتقده أهل السنة والجماعة "الإِيمانُ بِاللهِوَمَلاَئِكَتِهِ"، ما معنى الإيمان بالملائكة؟ أن تُصدِّق بوجودهم وأن تقرّ بوجودهم، فيجب الإيمان بوجود هؤلاء الملائكة الذين هم عالم غيبي، نحن لا نراهم، خلقهم الله عز وجل من نور، كما جاء في صحيح مسلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خُلقت الملائكة من نور"، وجعلهم الله تبارك وتعالى طائعين متذللين له، قال سبحانه وتعالى: ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ، وقال: ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ، وقال: ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ، ولهم وظائف مع عبادتهم وخضوعهم وتذللهم لله، لهم وظائف يقومون بها، فنؤمن بهم ونؤمن بأسماء من ذُكر لنا أسماؤه، ونؤمن أيضاً بوظائفهم التي ذُكرت لنا، فجبريل موَّكل بالوحي، وإسرافيل موَّكل بالنفخ في الصور، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، ومنهم الموَّكل بقبض الأرواح وهو ملك الموت ومن معه، ومنهم الموَّكل بأعمال العباد الكرام الكاتبين، ومنهم الموَّكل بحفظ العبد، ومنهم الموَّكل بالنَّار وعذابها وهو مالك ومن معه، ومنهم الموَّكل بفتنة القبر وهو منكر ونكير، وهكذا، كلّ ما ورد في الكتاب والسنة من أعمالهم ووظائفهم نؤمن بها ونصدق.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وَكُتُبِهِ ".
أي: الكتب التي أنزلها الله على رسله، ولكلّ رسول كتاب، فالرسول هو الذي يُرسله الله تبارك وتعالى إلى قومه ليدعوهم إلى توحيد الله تبارك وتعالى ويكون معه كتاب، ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ، من الكتب التي علمناها: صحف إبراهيم وموسى، والتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، فنؤمن بها هذه بالتفصيل، والبقية نؤمن بها على وجه الإجمال من غير أن نعلم أسماءها لأنّها لم تُذكر لنا، كلّ هذا داخل الذي نذكره في هذه العقيدة كلّه ثبتت به الأدلة من الكتاب والسنة، لأنّ هذه المسائل العقائدية كلّها غيبية لا تُدرك إلّا بالنصوص الشرعية التي تأتي من عند الله تبارك وتعالى، فما ثبت منها في الكتاب والسنة أثبتناه وما نُفي نفيناه وما سُكت عنه سكتنا.
"وَرُسُلِهِ": الكتب والرسل، أي رُسل الله، وهم الذين أوحى الله تبارك وتعالى إليهم بالشرائع، وأمرهم بتبليغها وكانت معهم كتب، وأولهم نوح عليه السلام: ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ، فإذن كان النبيون من بعد نوح وليسوا قبله، والرسل كُثر من ذكر لنا منهم باسمه آمنا به باسمه: كموسى وعيسى وإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم وغيرهم، ومن لم يذكر لنا باسمه آمنا به مجملاً.
"وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ": المقصود بالبعث هنا الإخراج، أي إخراج الناس بعد موتهم للحساب، ثم بعد ذلك إلى جنّة أو نار، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين لا خلاف فيه بأنّ الناس يُبعثون يوم القيامة، بل حتى اليهود والنصارى يؤمنون بذلك، ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ، والآيات في ذلك كثيرة والأحاديث كثيرة وإجماع الأمة منعقد على هذه العقيدة.
"والإِيمَانِ بِالْقَدَرِ": القدر هو تقدير الله للأشياء كما سبق به علمه، واقتضت حكمته، ثم إيجادها بعد ذلك على حسب ما جرى به القلم، قال تعالى: ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ، وقال: ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ، هذه الآيات تدلّ على القدر، وعلى وجوب الإيمان بالقدر، حديث جبريل يشملها ككل، ولا يتم إيمان عبدٍ بالقدر حتى يؤمن بأربعة مراتب:
· الأولى: العلم.
· الثانية: الكتابة.
· الثالثة: المشيئة.
· الرابعة: الخلق.
هذه مراتب القدر الأربعة.
العلم: تؤمن بأنّ الله عالِمٌ بكلّ شيء، ودليله قوله تبارك وتعالى: ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ.
والكتابة: تؤمن بأنّ الله كتب مقادير كلّ شيء، كما قال سبحانه: ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ، .وجاء في الحديث بأنّ الله تبارك وتعالى كتب مقادير كلّ شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فإذن الله سبحانه وتعالى علِم وكتَب وشاء.
المشيئة: فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ، فكلّ شيء تحت مشيئة الله تبارك وتعالى.
والخلق:ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ.


وهذا القدر قد ضلَّت فيه طائفتان:
o طائفة القدرية.
o وطائفة الجبرية.
والقدرية هؤلاء قسمان:
· قدرية ينفون العلم، علم الله تبارك وتعالى ولا يؤمنون به، وهؤلاء كفار بالاتفاق، حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله: "ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروه وجحدوه كفروا"، وهؤلاء قد انقرضوا.
· والقسم الثاني هم الذين ينفون أفعال العباد ويقولون بأنّ العباد يخلقون أفعالهم بأنفسهم، لا يخلقها الله تبارك وتعالى وليست داخلة تحت مشيئة الله تبارك وتعالى، هذه الطائفة الثانية.
وأمّا الجبرية فهم الذين يقولون بأنّ الله تبارك وتعالى قد جبر العباد على أفعالهم والعباد لا اختيار لهم لأفعالهم وفعل العبد كورقة الشجر في مهبّ الريح، هذه الطائفة الأخرى التي ضلَّت في هذا الباب، وسيأتي إن شاء الله تفصيل القول في ذلك.
قال: "والإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خِيْرِهِ وَشَرِّهِ"، أي أنّ ما قدَّره الله تبارك وتعالى يُوصف بأنّه خير وأفعال الله تبارك وتعالى كلّها خير، فلا توصف أفعال الله بالشر، ولكن الشر هنا بالنسبة للمقدور، المخلوق، فالله سبحانه وتعالى خلْقُه كلّه خير وتقديره كلّه خير لكن في المخلوق والمقدور ما هو شرّ، وهذا الشر يكون شراً نسبياً، فالله سبحانه وتعالى لم يخلق شراً محضاً، كلّ شيء تراه فيه شر هو فيه شر من وجه وفيه خير من وجه آخر، الدواء اليوم عندما تشرب، هذا يكون مقذوراً، لكنّك تشربه، لماذا؟ لأنّ من ورائه منفعة، فإذن هو من وجه مخلوق لكنّه من وجه آخر محبوب، وهذا خلق الله تبارك وتعالى، وأمّا الشر فلا يُنسب إلى الله تبارك وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والشر ليس إليك"، فإذن لا يُنسب الشر إلى الله تبارك وتعالى.
"وَمِنَ الإيمَانِ بِاللهِ‏:‏ الإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتِابِهِ الْعَزِيزِ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ـ صلى الله عليه وسلم".
طيب هنا الآن دخل في مسألة الصفات، الإيمان بما وصف به الله تبارك وتعالى به نفسه.
نؤجله إن شاء الله إلى الدرس القادم كي يكون الكلام فيه متناسقاً ولا نكثر عليكم.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-10-2013, 18:30   #3
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الثالث من شرح كتاب العقيدة الواسطية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
كنا قد ذكرنا في الدرس الماضي أركان الإيمان الستة التي يؤمن بها أهل السنة والجماعة، ومن هذه الأركان الإيمان بالله، الإيمان بأسمائه وصفاته، ومن أجل كثرة الانحراف في هذا الباب في زمن المؤلف وغيره أفرد له المؤلف ذكراً، فقال:
"وَمِنَ الإيمَانِ بِاللهِ": من الإيمان بالله الذي تقدم، يجب الإيمان بالله، وذكرنا الإيمان بالله: الإيمان بوجوده والإيمان بألوهيته والإيمان بربوبيته والإيمان بأسمائه وصفاته، لذلك قال المؤلف هنا:
"وَمِنَ الإيمَانِ بِاللهِ: الإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتِابِهِ الْعَزِيزِ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ـ صلى الله عليه وسلم"، فالإيمان بالصفات من الإيمان بالله تبارك وتعالى، والمقصود بالصفات هنا صفات الله التي أثبتها لنفسه في الكتاب أو في السنة، ولم يذكر المؤلف رحمه الله الأسماء هنا، الظاهر لقلّة الخلاف فيها، وقد وقع خلاف فيها، خالفت الجهمية فنفتها، ولكنّ أكثر الخلاف كان في باب الصفات بالذات، لذلك ركّز المؤلف رحمه الله على هذا الجانب من جوانب الإيمان، فقال: "وَمِنَ الإيمَانِ بِاللهِ: الإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ"، إذن يجب علينا أن نؤمن بكلّ ما وصف به الله تبارك وتعالى به نفسه، أو بما وصفه به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هنا الصفات من عقيدة أهل السنة والجماعة فيها أننا نصف الله تبارك وتعالى بما وصف به نفسه في الكتاب أو في السنة، فأمر الصفات أمرٌ غيبي لا يُدرك إلّا بالنّص من الكتاب أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الوصف في الكتاب أو في السنة آمنا به كما ذكر المؤلف: "وَمِنَ الإيمَانِ بِاللهِ:الإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتِابِهِ الْعَزِيزِ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ـ صلى الله عليه وسلم"، وهنا لا مدخل للعقل في باب صفات الله تبارك وتعالى، لأننا ذكرنا بأنّ الصّفات من الأمور الغيبية، والأمور الغيبية لا تُدرك إلّا بالنّص من الكتاب أو من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أمّا العقل فلا يُمكنه إدراك كلّ ما يجب لله تبارك وتعالى من صفات، نعم بشكل عام هكذا بدون تفصيل يُدرك العقل أنّ الله سبحانه وتعالى يستحق صفات الكمال ولا تليق به صفات النقص، لكن على وجه التفصيل لا يُمكن للعقل أن يُدرك جميع الصفات التي تليق بالله تبارك وتعالى أو التي لا تليق به، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة وسيأتي مزيد تفصيل فيها من كلام المؤلف رحمه الله، أمّا نحن فلا نتجاوز ما جاء في الكتاب والسنة خلافاً للمبتدعة الذين يصفون الله تبارك وتعالى بعقولهم ويجعلونها حاكمة على صفات الله تبارك وتعالى، فما وافق عقولهم أخذوا به وما خالف عقولهم تركوه ونفوه، حتى لو كان هذا المخالف لعقولهم موجوداً في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم من قاعدتهم أو من قواعدهم أو قاعدتهم الأساسية التي من خلالها نفَوا الكثير من صفات الله تبارك وتعالى أنّ العقل يُدرك ما يليق بالله ومالا يليق به بالإجمال وبالتفصيل، وأيضاً أنّ العقل مقدم على النقل في إثبات صفات الله تبارك وتعالى، عندهم العقل مقدم على النقل -على الكتاب والسنة-، فإذا حصل اختلاف في نظرهم بين العقل وبين النقل فالمقدم عندهم العقل، لأنّ عندهم العقل دلالته دلالة يقينية والنقل دلالته دلالة ظنية، وبهذه القاعدة التي قعّدوها هدموا أركان الشريعة، هدموا أركان الدين، فالقرآن والسنة صار عندهم مذبذب وليس قوي في الدلالة كقوة العقل، لذلك عندما يُخالف القرآن والسنة العقل يُقدم العقل، هذا في ظنّهم، مع أنّه عند أهل السنة والجماعة أنّ العقل الصريح لا يمكن أبداً أن يُخالف النقل الصحيح، لا يمكن أن يتخالفا، ولكن عقول الكثير منهم لمّا كانت عقول معكوسة منكوسة وخالفت كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإلّا لو كانت عقولهم صافية وصحيحة لتوافقت مع أدلة الكتاب والسنة، ولو سلّمنا بأنّ العقل يُخالف النقل فكان يجب الرجوع إلى النقل، من الذي يدري ما يليق بالله وما لا يليق به؟ وما هو متصف به وما ليس بمتصف به؟ أهو أدرى بنفسه أم نحن وعقولنا الغبية؟ هو أدرى بنفسه سبحانه وتعالى، وأدلة الكتاب والسنة كثير منها يقيني، قطعي لا شك فيه ولا يُخالف العقل الصريح كما ذكرنا، فهذه القاعدة الأساسية هي سبب كلّ الفساد والدّمار الذي ألحقه المتكلمون بشريعة الله تبارك وتعالى، القاعدة الأساسية عندهم أنّ العقل مقدم على النقل.
ثم قال المؤلف رحمه الله:"مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ".
نحن نؤمن بما وصف الله تبارك وتعالى به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف، التحريف هو التغيير، وهو إمالة الشيء عن وجهه، يُقال انحرف عن كذا إذا مال عنه، والتحريف نوعان تحريف لفظي وتحريف معنوي.
التحريف اللفظي: هو أن تُحرّف نفس اللفظ، فمثلاً كقول أحد الضلّال عندما أراد أن ينفي دلالة آية من الآيات على ما يُخالف اعتقادَه ماذا فعل؟ حرّف الآية في قول الله تبارك وتعالى: ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ، هو ينفي أنّ الله سبحانه وتعالى يتكلم، ولا يؤمن بهذا، فصفة الكلام عنده منفية، لا يثبتها، وهذه الآية دلالتها صريحة في إثبات صفة الكلام لله تبارك وتعالى، فأراد أن يتخلص منها، فماذا فعل؟ قرأ الآية: وكلَّم اللهَ موسى تكليماً، ماذا فعل؟ غيّر الضمة إلى فتحة، فكان الفاعل والمتكلم هو الله وصار المتكلم موسى، وحرّف الآية تحريفاً لفظياً فغيّر اللفظ، هذا التحريف، فمال بالآية عن حقيقتها في اللفظ.
وأمّا التحريف المعنوي: فهو تغيير المعنى المراد من الكلمة إلى معنى آخر، كقول الله تبارك وتعالى: ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ، تأتي وتقول معنى استوى هنا استولى، هذا تحريف في المعنى، والمعنى الحقيقي لاستوى: علا وارتفع، كما قال أبو العالية الرياحي، أبو العالية الرياحي أخذ العلم عن سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إمام في العلم، من أئمة التابعين، لمّا فسر الاستواء فسّره بماذا؟ بالعلّو، فسرّه بالارتفاع، وهذا المعنى الحقيقي لكلمة استوى، ولا تأتي أصلاً استوى بمعنى استولى في مثل هذا السياق، وإلّا فكيف يكون استوى بمعنى استولى ويكون استولى على العرش ولم يستولي على غيره، إذا كان معناها استولى، فلماذا خُصّ العرش بالذكر، والله سبحانه وتعالى ملك كلّ شيء، وليس فقط العرش، هذا لو سلّمنا أنّها بهذا المعنى، مع أنّ معنى كلمة استولى أي أنّه كان في ملك الغير ثم هو استولى عليه منه، فنفس الكلمة أصلاً في معناها باطل، لكن هم ليست هذه قضيتهم، هذه كانت عندهم مشكلة أصلاً، الآيات هذه عندهم لا يُؤخذ منها اعتقاد، لذلك عندما تأتي تُخالف عقيدتهم يحاولون الخلاص منها بأي طريقة، فطريقتهم هذه ليست تفسير حقيقي للآية وليس همهم إخراج معنى حقيقي، همّهم أن يتخلصوا من دلالة هذه الآيات، طريقة المحرفين لدين الله تبارك وتعالى والمبتدعة الذين يريدون أن يتخلصوا من دلالة الأدلة المحكمة كيف يفعلون؟ عندهم أحد الطريقين.
· إمّا التضعيف.
· أو التحريف.
القرآن ليس فيه مجال للتضعيف، فما يبقى لهم إلّا التحريف المعنوي هذا، التحريف اللفظي ما يتجرأ عليه إلّا من قد عمّى الله بصره وبصيرته، أمّا في التحريف في الغالب يكون واقع في التحريف المعنوي، فهم الآن بالنسبة للآيات القرآنية ما فيه مجال لتضعيفها، فماذا يفعلون؟ فما يبقى إلّا تسليط سيف التحريف عليها، أمّا الأحاديث فالمجال عندهم للخلاص منها أوسع وهو التضعيف، ثم عندهم بعد ذلك القاعدة التي ذكرناها وهي أنّ دلالة الكتاب والسنة ظنّية، فإذا عَرض عندهم العقل مع النقل فماذا يفعلون؟ يُسلّطون التحريف على السنة أيضاً، إذا ما استطاعوا تضعيفها يُحرّفونها كما يُحرّفون القرآن، لماذا؟ يقول لك: العقل يقيني فإذا قرر العقل شيئاً إذن يجب أن نوّجه الآيات والأحاديث كي تتناسق وتتناسب مع العقل، هذا هو دينهم، طيب، لو قلنا لهم سلّمنا لكم بهذا، عقل من الذي نريد أن نرجع إليه؟ عقل الجهمي؟ أم عقل المعتزلي؟ أم عقل الماتريدي؟ أم عقل الأشعري؟ أم غيرهم من أصحاب العقول المنحرفة، أنتم كلكم تدّعون بأنّ العقل هو الذي يقرر الأسماء والصفات جميعاً، وتقولون في نفس الوقت بأنّ العقل دلالته يقينية على مثل هذا ثم تختلفون، هذا يُثبت شيئاً والآخر ينفيه، فإذن كيف صار العقل يقينيا وأنتم في أنفسكم تختلفون فيه، فهذا كلّه من الباطل الذي يتبين من فعلهم، طيب.
"مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ"، إذن أهل السنة والجماعة يُثبتون الصفات التي ثبتت لله في الكتاب والسنة من غير تحريف، لا تحريف لفظي ولا تحريف معنوي، هذا التحريف المعنوي ماذا يسمونه هم؟ يسمونه تأويلاً، والصحيح هو تحريف، اسم التحريف أنسب من اسم التأويل، لأنّ التأويل يُطلق على ثلاثة معان:
· المعنى الأول : التفسير.
· المعنى الثاني: ما يؤول إليه الأمر.
وهذان معنيان شرعيان، ورد ذكر التأويل بهذين المعنيين في الشرع.
· أمّا الثالث: فهو صرف اللفظ عن ظاهره لدليل شرعي أو لقرينة.
فإذن اللفظ يكون له ظاهر لكن لا يجوز صرفه عن ظاهره إلّا أن يوجد دليل، فعندما يأتي الواحد منهم ويقول لك: معنى قول الله تبارك وتعالى: ﯯ ﯰ ﯱ، معناها: النعمة أو القدرة، ماذا نقول له؟ نقول له هذا خلاف الظاهر، الظاهر عندنا في اليد بأنّها اليد الحقيقية، صفة لله تبارك وتعالى، إذا أردت أن تصرف هذا الظاهر عن حقيقته وجب عليك أن تأتي بدليل، هم الدليل عندهم العقل، نحن لا نقبل بالعقل، نقبل بدليل شرعي، عندك دليل من الكتاب أو من السنة أخذنا به وإلّا فلا، الآن عندما جاءنا قول الله تبارك وتعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ، ظاهر هذه الآية أنّ الظلم المقصود به الظلم العام، ظُلم الإنسان لنفسه، ظلم الإنسان للآخر، لكن لمّا جاء أحد المفسرين وقال: المقصود بالظلم هنا الشرك، صَرَف اللفظ عن ظاهره وإلّا لا؟ أي نعم، فماذا نقول له؟ هات الدليل؟ يقول الدليل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء في الصحيح أنّ الصحابة لمّا ذُكرت هذه الآية قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: "وأينا لم يظلم نفسه"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس ذاك وإنّما الظلم بمعنى الشرك، ألم تسمعوا إلى لقمان إذ قال : ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ"، إذن جاءنا بدليل شرعي قبلنا منه ذلك، صَرَف اللفظ عن ظاهره، طيب، إذا لم يأت بدليل شرعي لا نقبل منه، يدعي العقل، نقول له عقلك يُخالف عقولنا، يُخالف عقل الجهمي، يخالف عقل المعتزلي، فلا يصحّ أن نقبل مثله في مثل هذا الموضوع، فلا يُسمى مثل هذا تأويلاً وإنّما يُسمى تحريفاً، لماذا؟ لأنّه لا يوجد عليه دليل لا من الكتاب ولا من السنة.


ثم قال: "وَلاَ تَعْطِيلٍ".
نُثبت لله تبارك وتعالى ما أثبت لنفسه من أسماء ومن صفات من غير تحريف ولا تعطيل، ما معنى التعطيل؟ التعطيل معناه إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات، يقول الله سبحانه وتعالى: ﯯ ﯰ ﯱ، فيقول القائل: الله سبحانه وتعالى ليست له يد، هنا نقول قد عطّل النّص الشرعي، عطّل صفة الله تبارك وتعالى، ولم يُثبتها، أصل التعطيل بمعنى التخلية والترك، ترك الصّفة ولم يثبتها، طيب، هل هناك فرق بين التعطيل والتحريف؟ يقول أهل العلم: التحريف في الدليل والتعطيل في المدلول، كيف التحريف يكون في الدليل؟ قال الله تبارك وتعالى: ﯯ ﯰ ﯱ، فيقول المُعطّل المحرّف: بل قوتاه، فيُفسّر اليد بمعنى القوة، هذا مُحرّف للدليل الشرعي، ومُعطّل للمراد الصحيح، وإذا قال: أنا لا أثبت اليد الحقيقية فقال: أُفوّض هذا اللفظ الذي معي، أُفوّضه إلى الله، أي لا أدري معنى اليدين، معنى اليدين في الآية لا أدري معناهما، وأفوّض معناهما إلى الله، هذا حرّف؟ لم يُحرّف، أثبت؟ لم يُثبت، فهو معطّل، أمّا الأول فقد جمع بين التحريف والتعطيل، لماذا؟ لأنّه فسر اليدين بالقوة، فحرّف المعنى، غيّره، وفي نفس الوقت لم يُثبت اليدين لله تبارك وتعالى فهو مُعطّل، فإذن هناك فرق بين التحريف والتعطيل، وأهل السنة لا يُحرّفون ولا يُعطلون، هذه الصور التي ذكرناها في التحريف والتعطيل هما طائفتان من الأشاعرة:
· طائفة ماذا تفعل؟ تُحرّف وتُعطّل.
· وطائفة أخرى تُعطّل ولا تُحرّف.
الأولى يُسمّون أنفسهم المؤولة وهم المُحرّفة، والثانية يُسمّون أنفسهم المُفوّضة، لماذا سُمّوا مفوّضة؟ لأنّهم يُفوّضون المعنى إلى الله، لا يُثبتون معنى للصفات، ﯯ ﯰ ﯱ، يقول لك: أنا أؤمن بهذا ﯯ ﯰ ﯱ، لكن ما معنى اليد؟ يقول لك: لا، أنا ما أعرف معنى اليد، أُفوّض أمرها إلى الله سبحانه وتعالى، طيب، كذلك صفة العينين يقول: نحن نؤمن بالآية بلفظها لكن المعنى نُفوّضه إلى الله سبحانه وتعالى، أهل السنة يقولون بل نُثبت المعنى، هما عينان حقيقيتان نثبتهما لله تبارك وتعالى، المُحرّفة يُحرّفون الصفة ولا يُثبتونها ويعطونها معنى آخر، يقولون: نحن نفهم المعنى ونعرفه، الاستواء معناه الاستيلاء فلا يُفوّضون المعنى، يقولون لك المعنى مفهوم واضح، معناه الاستيلاء، ولكنّهم لا يثبتون المعنى الحقيقي الذي أراده الله تبارك وتعالى، يُثبت معنى مُحرّفاً، هؤلاء يُسمّون أنفسهم المؤولة، وأولئك يُسمّون أنفسهم المُفوّضة، ويَنسب الأشاعرة مذهب التفويض للسلف، لذلك عندك أشاعرة مُتبعون للسلف وهم المُفوّضة وأشاعرة مُتبعون للخلف وهم المُحرّفة، هكذا يَدّعون، لكن حقيقةً التفويض ليس مذهباً للسلف، مذهب السلف هو الإثبات، هو الذي نقرأه وندرسه الآن، إثبات الأسماء والصفات التي أثبت الله لنفسه في الكتاب وفي السنة من غير تحريف ولا تعطيل، نثبت المعنى، أهل السنة يُفوّضون ماذا؟ يُفوّضون الكيف، لا يُفوّضون المعنى، المُفوّضة يُفوّضون الكيف والمعنى، هذا فرق بين المفوضة والسلف، هم يدّعون بأنّ التفويض مذهب السلف، نقول: باطل، تفويض الكيفية مذهب السلف، أمّا المعنى فلا، كما قال الإمام مالك رحمه الله عندما جاءه الرجل وسأله عن الاستواء: كيف استوى؟ قال: "الاستواء معلوم"، فكيف تنسبون التفويض إلى مذهب السلف وهذه لفظة واضحة وصريحة من الإمام مالك، يقول لكم الاستواء معلوم، ليس مجهولاً كمّا تدّعون أنّه مذهب السلف، "والكيف مجهول": هذا الذي فوّضه السلف، "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة": السؤال عن الكيف، وسيأتي الحديث عن الكيف، فأهل السنة يُثبتون الأسماء والصفات التي أثبتها الله لنفسه في الكتاب وفي السنة من غير تحريف ولا تعطيل كما يفعل المتكلمون من أشاعرة ومعتزلة وجهمية وغيرهم، كلّهم هؤلاء أسماء لكن في النهاية هم يتفقون على قاعدة واحدة وعلى أساس واحد وهو إثبات ونفي الأسماء والصفات بناء على العقل، هذا أساسهم وهذا أصلهم، ثم يأتيك رجل مريض عقلياً ويقول لك الأشاعرة من أهل السنة والجماعة، أنت تعقل وإلّا ما تعقل، أصولهم وأصول أهل السنة تختلف، كيف يجتمعون؟ هم عندهم أصل في ذلك يوافق أصل الجهمية والمعتزلة ما يوافق أهل السنة، أنظر إلى الأصل الذي نبعوا منه: هو أصل أهل السنة أو أصل الجهمية؟ لذلك السلف كانوا يقولون عنهم جهمية، ما كانوا يقولون عنهم أهل سنة وجماعة، لمّا ظهرت الأمراض المتفشية في كثير من أصحاب هذا الزمن بدأوا يقولون الأشاعرة من أهل السنة، لكن قديماً ما كان هذا الشيء، كان عندهم الأشاعرة يُسمّونهم جميعاً جهمية، لماذا؟ لأنّهم يشتركون في أصل واحد، أصلهم ليس هو أصل أهل السنة والجماعة.
ثم قال رحمه الله:"وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ".
أي لا يُكيّفون الصّفة إذا أثبتوها، يُثبتون لله يَديّن ويُثبتون له استواءً، لكن تقول للواحد منهم كيف هو؟ يقول لك: الكيف مجهول والسؤال عنه بدعة، هذا أصل سلفي، أصل على مبدأ السنة، أمور غيبية، هذه الأمور التي تسأل عنها أنت أمور غيبية، والأمر الغيبي كيف يُدرك؟ يُدرك بالأدلة، أخبرنا الله عن الصّفة ولم يخبرنا عن كيفيتها، عندما يُخبرنا الله سبحانه وتعالى نخبرك، أو عندما نراه سبحانه وتعالى نخبرك، هل للصّفة كيفية؟ نعم للصّفة كيفية ولكننا نجهلها، هذا معنى من غير تكييف، لا يُكيّفون، ما معنى التكييف؟ أن يسألك الشخص عن الصّفة كيف هي؟ تقول كيفيتها كذا وكذا وكذا، هذا معنى التكييف، هذا نحن لا نُكيّف الصّفات، فنُثبت الصّفة من غير تكييف، تقول لي: كيف؟ أقول لك: والله الذي أخبرنا عن الصّفة ما أخبرنا عن كيفيتها، فنقف عند النّص، هذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهذه القواعد التي نصص عليها السلف من القديم، تجد أنت في القرآن والسنة الكثير من الأسماء والصفات وتجد الصحابة يسألونك عن كذا يسألونك عن كذا، لكن ما تجد يسألونك عن صفة الرحمة ما معناها؟ لماذا؟ عندهم الرحمة واضحة لا تحتاج إلى تفسير، هؤلاء عرب أقحاح عندما تنزل الآية يفهمونها مباشرة وما يُشكل عليهم يعرضونه على النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كانت هذه مشكلاً لعرضوها على النبي صلى الله عليه وسلم، لو كانت ظواهر معانيها ليست مرادة لذكرها لنا النبي صلى الله عليه وسلم، أيَعقل الواحد منهم أنّ نصوص الكتاب والسنة مليئة بمثل هذه الصفات وظواهرها غير مرادة ويسكت عنها النبي صلى الله عليه وسلم، أو يسكت عنها ربنا ولا يُبيّنها لنا ولو في آية واحدة، هذا مستحيل، كيف الله سبحانه وتعالى يصف القرآن الكريم بأنّه بين وبأنّه واضح وبأنّه مُبيّن وأنّه مُظهرٌ للحقّ وبأنّه يُقيم به الحجّة على العباد، وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن ما ترك شيئاً، حتى سلمان الفارسي يقول: "بيّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى الخراءه"، كيفية قضاء الحاجة، ويقول أبو ذر: "ما مات النبي صلى الله عليه وسلم وما من طائر يطير في السماء يقلب جناحية في السماء إلّا وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم وذكر لنا منه ذكراً"، وذكر غيره أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم يوماً من الصباح إلى المساء ينزل يصلي ويخطب ويتكلم، قال: "وذكر لنا في ذلك اليوم كلّ شيء ذكره من ذكره ونسيه من نسيه"، الشاهد أنّ كلّ الأمور بتفريعاتها الدقيقة، أمور الشريعة التي نحتاج إليه قد ذُكرت وبُيّنت ولا يذكر لنا هذا الأمر العظيم، آية الاستواء ذُكرت في القرآن الكريم في عدّة مواضع، لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لنا أنّ ظاهرها ليس مراد ولو في موطن واحد، هذه من المستحيلات التي يتحدثون عنها، لكنّ البدعة وما تفعل بأصحابها.
"وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلاَ تَمْثِيلٍ".
هي أربعة أشياء: نُثبت الصّفة مع أربعة لاءات: لا للتحريف، ولا للتعطيل، ولا للتكييف ولا التمثيل، هذه الأربعة منفية عند أهل السنة، يُثبتون الصّفة مع نفي هذه الأربعة.
"وَلاَ تَمْثِيلٍما معنى التمثيل؟ أن تذكر للصّفة مِثلاً، تُماثلها، تقول لله يدين مِثل يدي فلان، هذا هو التمثيل، وهذا أيضاً منفي، لأنّ الله سبحانه وتعالى قال: ﭡ ﭢ ﭣ ﭥ ﭦ ﭧ، هذه الآية قاعدة عند أهل السنة والجماعة، إثباتٌ من غير تمثيل، قال: ﭡ ﭢ ﭣ، ثم بعد ذلك ماذا قال: ﭥ ﭦ ﭧ، إذن نُثبت له الصّفات ونُثبت له الأسماء ونقول هي لا تُماثل شيئاً من مخلوقاته، نحن لنا سمع؟ نعم لنا سمع، لنا بصر؟ نعم لنا بصر، لكن ليس السمع كالسمع، ولا البصر كالبصر، لله سمع يليق بجلاله وعظمته وله بصر يليق بجلاله وعظمته، وما تقول في الذّات فقل في الصّفات، هذه قاعدة، وهذه القاعدة من أعظم القواعد التي وقف أمامها المتكلمون حائرون، يأتيك يتكلم معك في الصّفات قل له مباشرة: تُثبت ذاتاً لله أم لا تثبت؟ إذا نفى كفر، وإذا أثبت خُصم، لأنّه إذا أثبت ذاتاً لله ونحن ماذا لنا؟ لنا ذوات، تمام، طيب، نقول له هل الذّات كالذات؟ يقول: لا، ذات الله تليق بجلاله وعظمته ونحن ذاتنا تناسبنا، تمام، نقول له: فقل في الصفات ما قلت في الذّات، وينتهي الأمر، لماذا تنفِ الصفات وتقول يلزم منها التشبيه؟ ومع ذلك تثبت الذات ولا يلزم منها التشبيه، ما يلزم هنا يلزم هناك، عندما تقول له يدان فإذا أثبت لله اليدين فيلزم منها التشبيه، نقول له قل في الصّفات كما تقول في الذّات، معنى ذلك إذا أثبت لله ذاتاً يلزم منها التشبيه لأنّه أيضاً للمخلوقين ذوات، وإذا قلت أنّه لا يلزم هنا فنقول لك قل لا يلزم هنا وانتهى الأمر، هذه الحجّة العقلية عليهم، ونحن الحجج الشرعية كافية لنا، فالله سبحانه وتعالى أثبت هذه الأشياء كلّها في الصّفات في كتابه وفي سنة نبيه، ما جاءت ولا آية واحدة تقول لنا أنّ هذه الظواهر ليست مرادة، وهذه أصلاً الصفات بالجملة هي متواترة وما فيه ولا خبر يدلنا على أنّ ظواهرها غير مرادة، إذن صرفها عن ظاهرها يُعتبر تحريفاً لكتاب الله تبارك وتعالى.
قال:بَلْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ سُبحَانَه ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ.
يؤمنون بأنّ الله: ﭡ ﭢ ﭣ فيه نفي للتمثيل، ﭥ ﭦ ﭧ فيه إثبات للأسماء والصفات التي أثبتها الله تبارك وتعالى لنفسه من سمع وبصر وغير ذلك.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-11-2013, 08:11   #4
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الرابع من شرح العقيدة الواسطية

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله: "فَلاَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ".
هذا الحديث عن أهل السنة والجماعة، لا ينفون عن الله تبارك وتعالى ما وصف به نفسه، فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنّهم يُثبتون لله تبارك وتعالى ما أثبت لنفسه من الصفات وينفون عنه ما نفى عن نفسه من الصفات، وما سكت عنه سكتوا عنه، هذه عقيدتهم، قال: "فَلاَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ"، بل يثبتونه له، لأنّه ثبت به الدليل من الكتاب والسنة، وصفات الله قسمان:
· صفات ثبوتية.
· وصفات سلبية، ويُقال لها أيضاً منفية.
الصفات الثبوتية: هي التي أثبتها الله تبارك وتعالى لنفسه، كصفة الحياء والعلم والرضا والغضب والمجيء والاستواء، كلّ هذه الصفات أثبتها لنفسه فنحن نثبتها له.
والصفات السلبية: هي الصفات المنفية التي نفاها الله تبارك وتعالى عن نفسه، كصفة الظلم وصفة النّوم والنسيان والسّنة، هذه نفاها عن نفسه فننفيها عنه، هذه الصفات اسمها صفات سلبية، أي مسلوبة عن الله، أي: منفية عنه.
وهذه عُرفت بالأدلة الشرعية، ورد الدليل الشرعي بنفيها فنفيناها، والثبوتية ورد الدليل الشرعي بإثباتها فأثبتناها، وماسكت عنه الشارع سكتنا عنه، وما نفاه الله عن نفسه فهي من صفات النقص التي لا كمال فيها، وما أثبته لنفسه فهي صفات كمال لا نقص فيها.
قال: "وَلاَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ".
أي: عن مدلولاته، فالكلام إذا جاء من الشارع -كلام الله وكلام رسوله- أثبتوه على مراد الله وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يميلون به عن ما أراد الله تبارك وتعالى، فلا يُحرفون الكلام عن مراد الله تبارك وتعالى، "وَلاَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ"، يعني: عن مدلولاته، فإذا قال الله تبارك وتعالى: ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ، قالوا: استوى، أثبتوا صفة الاستواء لله تبارك وتعالى وأثبتوها بمعنى العلو والارتفاع على مراد الله وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال: "وَلاَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللهِ وآيَاتِهِ".
أي: أهل السنة والجماعة لا يميلون عن الحقّ وعن مراد الله في أسماء الله وآياته، ما هو الإلحاد؟ ألحد أي مال، فأصل الإلحاد هو الميل، لذلك الآن القبر منه شقٌّ ومنه لحدٌ، الشق يأتي مستقيم لا ميلان فيه، القبر الملحود لحداً يبدأ من الأعلى مستقيماً ثم في آخره من الأسفل يميلون به ناحية القبلة، فلأجل هذا الميلان سُمي لحداً، فقوله هنا: "وَلاَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللهِ"، كيف يكون الإلحاد في أسماء الله؟ بعدم الإيمان بها، بعدم إثباتها، بنفيّها كما فعلت الجهمية، أو بنفي ما دلّت عليه من صفة كما فعلت المعتزلة والأشاعرة أيضاً في بعض الصفات، هذا أيضاً من الإلحاد فيها، وأيضاً من الإلحاد فيها أن تُسمي بأسماء الله تبارك وتعالى المعبودات التي تعبد مع الله تبارك وتعالى، كما فعل المشركون، سمّوا آلهتهم باللات والعزى، اللات من الإله، والعزى من العزيز، وهذا أيضاً من الإلحاد فيها، فلا يُلحدون في أسماء الله ولا في آياته، الألحاد في آيات الله تبارك وتعالى هو الميل بها عن مراد الله تبارك وتعالى، فهذا يكون إلحاداً، أو بتكذيبها، فهذا يكون إلحاداً في آيات الله تبارك وتعالى، فهذا لا يفعله أهل السنة إنّما يفعله أهل البدع، أهل الكلام.
"وَلاَ يُكَيِّفُونَ"، أي لا يقولون الصفة الفلانية كيفيتها كيت وكيت، فالكيف يُفوّضونه إلى الله تبارك وتعالى، على ما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة"، لا يعني ذلك أنّ الصفة ليست لها كيفية، لا، الصفة لها كيفية ولكننا نجهلها، نحن لا نعلمها، لذلك لا نكيّفها،
"وَلاَ يُكَيِّفُونَ وَلاَ يُمَثِّلُونَ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ"‏.
لا يقولون عندما يثبتون الصفة: له يد مثل أيدينا، ولا يقولون: له عين مثل أعيننا، فلا يُمثلون، لقوله تبارك وتعالى: ﭡ ﭢ ﭣ ﭥ ﭦ ﭧ، هذه قاعدتنا أهل السنة، ﭡ ﭢ ﭣ: نفي للتمثيل، ﭥ ﭦ ﭧ: إثبات للصفات التي وصف نفسه بها، فنحن نثبت ما أثبت الله لنفسه ولكننا لا نمثلها بصفات المخلوقين، لماذا لا يُمثّلون صفاته بصفات خلقه؟


"لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ‏:‏ لاَ سَمِيَّ لَهُ، وَلاَ كُفْءَ لَهُ، وَلاَ نِدَّ لهُ‏".‏
هذه الثلاثة متقاربة في المعنى، بمعنى أنّه لا مساوي له، لا ندّ له، لا كفؤ له، لا يوجد أحد يكون كفؤاً له أو يكون نداً له، ولا سميّ له، أي: لا مماثل له، فكلّها متقاربة في المعنى، فلعدم وجود الندّ أو المساوي لا يمكن أن تكون صفاته مماثلة لصفات خلقة الذين هم ليسوا ندّا له، وبما أنّه لا يوجد له ندّ ومساوٍ إذن صفاته لا تُماثل صفات غيره.
"ولاَ يُقَاسُ بِخَلْقِهِ سُبْحَانَهَ وَتَعَالَى‏".
القياس، ذكر أهل العلم أنّه ثلاثة أقسام، قياس شمول وقياس تمثيل وقياس أولوية.
قياس الشمول: اشتراك جميع الأفراد في أصل كلّي شامل لها جميعاً، فقياس الشمول نلحق الشيء بما هو مثله تماماً، والجامع هو اسم مشترك أو كلّي يشمل هذا وهذا، فمثلاً: نقول: زيد مثل علي، يشتركان في الإنسانية، زيدٌ إنسان وعليٌ إنسان وخالدٌ إنسان، هؤلاء ثلاثة يشتركون في معنى كلّي الذي هو الإنسانية، إذن فيُقاس عليٌ على خالدٍ مثلاً أو على زيدٍ، لماذا يُقاس عليه؟ لأنّه يشترك معه في أمر كلّي، هذا قياس الشمول.
الشيء الكلي الذي تشترك فيه الأفراد هو ما كان له أفراد متساوون في الحقيقة، كالإنسان، هذه الكلمة كلمة إنسان، لها أفراد: زيدٌ إنسان، خالدٌ إنسان، عليٌ إنسان، بكرٌ إنسان، هؤلاء أفراد لكلمة إنسان، مشتركون كلّهم في حقيقة واحدة وهي حقيقة الإنسانية، فمثل هذا تقيس زيداً على خالدٍ لأنّه يشترك معه في الإنسانية، وهذا القياس لا يمكن أن يُقاس الله سبحانه وتعالى به، لماذا؟ لأنّ الله سبحانه وتعالى لا مثل له، فلا يصحّ أن يُقاس هذا القياس، المناطقة -فلاسفة اليونان- يعتمدون على هذا القياس لإثبات ونفي الصفات، فيقولون: إذا قلنا: إنّ له يداً فمعنى ذلك أنّ له جسماً، وإذا قلنا إنّه مستوٍ على العرش أو يُسأل عنه بـ: أين، فمعنى هذا أنّه جسم، وكلّ جسم جوهر أو عرض، إذن فله جوهر وعرض، فجعلوا حقيقة الله سبحانه وتعالى فرداً من كلّي متعين يتخيلونه هم في أذهانهم، جعلوا عندهم كلّي في ذهنهم وجعلوا الله سبحانه وتعالى فرداً من هذا الكلّي، هذا قياس الشمول الذي أدخلهم في المتاهات، وهذا لا يجوز أن نقيس صفات الله سبحانه وتعالى أو ذات الله تبارك وتعالى بشيء من خلقه فإذا قلنا مثلاً: الحياة، لا نقيس حياة الله سبحانه وتعالى بحياة الخلق، من أجل ماذا؟ من أجل أنّ الكلّ يشمله اسم حيّ، هذا هو الأصل الذي دفع المتكلمين إلى نفي الصفات، فقالوا إذا قلنا بأنّه مثلاً: حيّ، والعبد المخلوق حيّ، والحياة كلّي تشترك فيها حياة الله وحياة خلقه، فتكون هذه الحياة كهذه الحياة، فنفّوا الصفة عن الله تبارك وتعالى وهذا باطل ليست الحياة كالحياة.
والقياس الثاني قياس التمثيل: وهذا القياس هو القياس الفقهي، حمل فرع على أصل في حكم لعلّة جامعة، وهذا أيضاً لا يجوز في حقّ الله تبارك وتعالى.
والقياس الثالث: هو قياس الأولوية، وهو أن يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول هو مستعمل في حقّ الله تبارك وتعالى، فعلى ذلك: فكلّ صفة كمال ثبتت للمخلوق فالله سبحانه وتعالى أولى بها، كصفة السمع والعلم والقدرة وما شابه.
هذه أنواع القياس الثلاثة، فقوله هنا: "ولاَ يُقَاسُ بِخَلْقِهِ"، المراد قياس الشمول وقياس التمثيل.
"فَإنَّهُ سبحانه أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَأَصْدَقُ قِيلاً، وَأَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِهِ"، هذا الكلام: "فَإنَّهُ سبحانه أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ" يريد من ذلك أنّ الله تبارك وتعالى إذا وصف نفسه بشيء فيجب الخضوع والانقياد والتصديق، لماذا؟ لأنّه هو أعلم بنفسه من غيره، فإذا وصف نفسه بشيء فهو أدرى بنفسه بأنّه يوصف به أو لا يوصف منك أنت، وأعلم بغيره أيضاً من خلقه، "وَأَصْدَقُ قِيلاً، وَأَحْسَنُ حَدِيثًا"، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ، أي: لا أحد أصدق من الله، ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ، فحديثه حسن لفظاً ومعنى، فالله سبحانه وتعالى من حيث القول قوله أصدق القول وأحسن القول، ومن حيث العلم علمه بنفسه أكثر من علم غيره به، بل هو الذي يعلم نفسه وغيره لا يعلم إلّا ما علّمه هو.
قال: "ثُمَّ رُسُلُه صَادِقُونَ مُصَدَّقُون"، الآن عندما نريد أن نعرف الصّفة كيف نعرفها؟ بكتاب الله، لذلك قدّم المقدمة الأولى، فذكر أنّه هو أعلم بنفسه وذكر أنّه أصدق قيلاً وأحسن حديثاً، أو عن طريق الرسل، فنعرف الصفات عن طريق الرسل، لذلك قال هنا: "ثُمَّ رُسُلُه صَادِقُونَ مُصَدَّقُون"، فإذا أخذنا عنهم الصفات نكون أخذنا عن صادقين في إخبارنا ما أخبرهم الله تبارك وتعالى به، الرسل هم الذين أوحى الله تبارك وتعالى لهم بوحي من عنده، ففي هذا الوحي يُخبرهم الله تبارك وتعالى عن صفاته، وهم يخبرون العباد، صادقون فيما يُخبرون به، لا يكذبون على الله تبارك وتعالى، فقد ائتمنهم الله تبارك وتعالى على دينه وشرعه، "مُصَدَّقُون": هنا نسختان يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله هما نسختان، نسخة "مصدوقون"، ونسخة: "مصدّقون"، المصدوق الذي أخبر بالصدّق، فهم يخبرون بالصدّق، ومصدّقون: وكأن هذه النسخة أجود كي تُخالف ما تقدم من قوله صادقون، فهم صادقون مصدّقون، مُصدّقون: أي أنّ الله سبحانه وتعالى يصدقهم بما يُنزل في آياته من تصديقهم وأيضاً يصدقهم كوناً بحيث يحصل ما يُخبرون به كما أخبروا، أنت تلاحظ الآن من يَدّعي النبوة يُخبر عن أشياء ستحدث فتأتي على خلاف ما أخبر، فيُكذّبه الله سبحانه وتعالى في خبره، لا يُصدّقه، أمّا الأنبياء والرسل فيخبرون بالشيء فيقع كما أخبروا تماماً، يُصدّقهم الله تبارك وتعالى.
"بِخِلاَفِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لاَ يَعْلَمُونَ‏"،إذن حال الرسل يختلف عن حال هؤلاء، أولئك تكلموا بوحي، الرسل تكلموا بوحي من الله سبحانه وتعالى، ووصفوا الله بما وصف به نفسه وبما أوحى إليهم به، وأمّا هؤلاء الذين هم المتكلمون الذين أخذوا يحكمون على الله بعقولهم فهؤلاء لا يعلمون حقيقة الأمور ويكذبون على الله تبارك وتعالى بعقولهم، فهم كاذبون أو ضالون فيما يقولونه.
"ولهذا"، أي: لأنّ الرسل صادقون مصدّقون قال سبحانه وتعالى: ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ، سبحان ربك: التسبيح بمعنى التنزيه، الله سبحانه وتعالى يُنزّه نفسه عن النقائص، سبحان ربك ربّ العزة: أي صاحب العزّة، فهو موصوف بالعزّة تبارك وتعالى، عمّا يصفون: يعني عما يصفه المشركون به، فالله سبحانه وتعالى يُنزّه نفسه عن النقائص التي يصفه بها المشركون، وسلام على المرسلين: لماذا سلّم على المرسلين بعد أن ذكر ذاك؟ لأنّهم هم الذين يصفونه بماذا؟ بالحقّ وبالكمال، قال: وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، حمد الله تبارك وتعالى بعد أن نزّه نفسه، لأنّ الحمد فيه كمال الصفات، لأنّ الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، فنزّه نفسه عن العيوب ووصف نفسه بالكمال.
"فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْمُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَسَلَّمَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ؛ لِسَلاَمَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ"، لأنّهم لا يقولون على الله إلّا ما أوحى الله تبارك وتعالى إليهم.
"وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيما وَصَفَ وَسَمَّى بِهِ نَفْسَهُ بينَ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ‏"،يعني عندما تتأمل كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتقف عند صفات الله تبارك وتعالى تجد في ذلك نفياً وتجد فيه إثباتاً، لذلك قسّم العلماء الصفات إلى صفات ثبوتية وصفات سلبية، وفي الغالب تجد الإثبات، تجد السلب أحياناً ولكن لوجود سبب، لمّا ادعى مثلاً الكفرة له الولد والزوجة، نفى عن نفسه الولد ونفى عن نفسه الزوجة، فلمّا يوجد السبب يأتي النفي، بخلاف الإثبات، الإثبات في الغالب الكتاب والسنة مليء بالصفات الثبوتية، أهل الكلام بالعكس، أهل الكلام –المتكلمون- يتوسعون في ماذا؟ في النفي، ويضيّقون في الإثبات، عكس الكتاب والسنة، سبحان الله، والله من نَوّر الله بصيرته علم ما عليه القوم من ضلال بشكل واضح جداً، لكن الموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى.


ثم قال رحمه الله: "فَلاَ عُدُولَ لأَهْلِ السُّنَّةٌ وَالْجَمَاعَةِ عَمَّا جَاءَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ".
أي: لا ينحرف أهل السنة ولا يترك أهل السنة ما جاء به المرسلون لأنّه وحي من الله تبارك وتعالى، والله أعلم بنفسه ما يكون كمالاً له وما لا يكون كمالاً، وما يستحق ومالا يستحق من الصفات.
"فَإِنَّهُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ فإنّه ماذا؟ الذي جاء به المرسلون، الصراط المستقيم، أي: الطريق الذي لا اعوجاج فيه.
"صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم"،طريق الذين أنعم الله تبارك وتعالى عليهم بأنواع النعم، نعمة الهداية، نعمة التوفيق، النعم المختلفة.
"مِّنَ النَّبِيِّينَ"،هؤلاء الذين أنعم الله عليهم، من هم؟ من النبيين، هؤلاء بيّنهم الله تبارك وتعالى في كتابه فقال: ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮉ ﮊ ﮋ، هؤلاء الذين أنعم الله عليهم، لمّا نقرأ في سورة الفاتحة: ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ، هؤلاء هم الذين أنعم الله تبارك وتعالى عليهم:
"مِّنَ النَّبِيِّينَ"،والأنبياء هم الذين أوحى الله تبارك وتعالى لهم بشرع وأمرهم بتبليغه.
"وَالصِّدِّيقِينَ"،الصديق: هو المبالغ في الصدق والتصديق، فيُصدّق الرسل ويَصدق في إيمانه وإخلاصه ويُكمّل ذلك، ومن كبار الصديقين أبو بكر الصدّيق، بل هو أفضلهم ، أفضل الصديقين أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومن الصديقين مريم وأمّه صديقة.
"وَالشُّهَدَاءِالمقصود بالشهداء هم الذين قُتلوا في سبيل الله.
"والصَالِحِينَ"‏، الذين يعملون بأوامر الله تبارك وتعالى ويطيعون الله تبارك وتعالى ويجتنبون ما نهى الله تبارك وتعالى عنه، هؤلاء هم الصالحون، والذي يظهر أنّ الصالحين هنا غير الأنبياء والصديقين والشهداء. "وَقَدْ دَخَلَ فِي هِذِهِ الْجُمْلَةِ"،أي ما سبق من أنّ أهل السنة والجماعة يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول: هذه الجملة دخل فيها:
"مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الإِخْلاَصِ"،لأننا قلنا بأنّنا نصف الله بما وصف به نفسه في كتابه، ومن كتابه سورة الإخلاص.
"الَّتِي تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة"، فشقّ ذلك عليهم وقالوا: أيّنا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقرأ: الله الواحد الصمد ثلث القرآن، سورة الإخلاص.
"حيث يقول:ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ: الله تبارك وتعالى أحدٌ، فهو واحد لا ثاني له في صفاته وفي ذاته وفي أسمائه وفي أفعاله.
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ: الصمد: في تفسيرها أقوال لأهل العلم، بعضهم قال الذي تصمد له الخلائق، أي: تميل إليه وترفع إليه حوائجها، فالخلائق كلّها بحاجة إليه، وبعضهم قال: الصمد الكامل في علمه وفي قدرته وفي حكمته وفي كلّ شيء.
ﭙ ﭚ: وهذا من كماله سبحانه وتعالى، فالوالد يحتاج إلى الولد، في خدمته وفي نفقته وفي غير ذلك، والله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى أحد.
ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ: وما ولده أحد سبحانه وتعالى.
ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ: لم يكن له مثلاً أحد.
"وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتِابِ الله"، أي وقد دخل في هذه الجملة أيضاً ما وصف به نفسه في أعظم آية في كتاب الله وهي آية الكرسي، لما جاء في الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سأل أُبي بن كعب قال: "أي آية في كتاب الله أعظم؟"، فقال له: ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ، فضرب على صدره وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر"، يعني دعاء له بالهناء والتمتع بالعلم، هذا الحديث يدلّ على أنّ آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله لما احتوت عليه من صفات فيها تعظيم لله تبارك وتعالى وتنزيهه عما لا يليق به وفيها صفات ثبوتية وصفات سلبية، فأثبت لنفسه صفات ونفى عن نفسه صفات في هذه الآية.
حيث يقول: ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ، الله أي المألوه المعبود، من أله إلهة، أي: عُبد، يُعبد، عبادة.
ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ: أي لا معبود بحق إلّا هو، وأخذنا لا معبود بحقّ، أي: أخذناها من قول الله تبارك وتعالى: ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ، فلا يُقال: لا خالق، ولا يُقال: لا معبود، كما قال بعضهم: لا خالق إلّا الله، هذا خطأ، المشركون كانوا يعلمون أنّه لا خالق إلّا الله ومع ذلك لمّا جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة ردّوها وما قبلوها وكفروا بها، ولا معبود إلّا الله: أيضاً خطأ لأنّ المعبودات من غير الله كثيرة، فالصحيح أن نقول: لا معبود بحقّ إلّا الله.
ﮨ ﮩ: أي ذو الحياة الكاملة، التي لم تُسبق بعدم ولا يلحقها فناء، قال الطبري رحمه الله: "فإنّه يعني الذي له الحياة الدائمة والبقاء الذي لا أول له بحدٍّ، ولا آخر له بأمدٍ"، القيوم: القائم بنفسه فلا يحتاج لغيره، والقائم على غيره الذي يحتاج إليه جميع المخلوقين، قال مجاهد: "القائم على كلّ شيء".
ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ: في الأول صفات ثبوتية والآن صفات سلبية، لا تأخذه سنة، قال قتادة والحسن البصري: "نعسة"، لا تأخذه سنة، أي: لا تأخذه نعسة، وهو النعاس، مقدمة النّوم، قال الطبري رحمه الله: "لا تحلّه الآفات ولا تناله العاهات"، وذلك أنّ السنة والنوم معنيان يغمران فهم ذي الفهم ويزيلان من أصاباه على الحال التي كان عليها قبل أن يصيباه، يعني حال من ماذا؟ من ضياع العقل في تلك اللحظة، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام".
قال: ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ: قال الطبري رحمه الله: "يعني جلَّ ثناؤه بقوله: ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ أنّه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد وخالق جميعه دون كلّ آلهة ومعبود، وإنّما يعني بذلك أنّه لا تنبغي العبادة لشيء سواه لأنّ المملوك إنّما هو طوع يد مالكه وليس له خدمة غيره إلّا بأمره"، يقول: "فجميع ما في السموات والأرض ملكي وخلقي فلا ينغي أن يُعبد أحدٌ من خلقي غيري وأنا مالكه لأنّه لا ينبغي للعبد أن يخدم غير مالكه ولا يطيع سوى مولاه"، هذا كلام جميل، انظروا كيف استدل الإمام الطبري رحمه الله باللازم الذي كنا ندندن به دائماً، يذكر الله سبحانه وتعالى ربوبيته كي يُلزم بألوهيته كما ذكر الطبري هنا، قال كأن الله سبحانه وتعالى يقول: "فجميع ما في السماوات والأرض ملكي وخلقي فإذا كان كلّه ملكي وخلقي فلا ينبغي أن يَعبد أحدٌ من خلقي غيري وأنا مالكه"، أنا مالك هذا الذي يُعبد فكيف يُعبد معي، "لأنّه لا ينبغي للعبد أن يخدم غير مالكه ولا يُطيع سوى مولاه"، أنظر كيف الناس الذين فهموا كتاب الله بحقّ.
ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ: اسم استفهام، من ذا الذي؟ أين هو هذا الذي يستطيع أن يشفع عند الله من غير إذن الله؟ لا يوجد، من ذا الذي يشفع: ما هي الشفاعة؟ الشفاعة جعل الوتر شفعاً، هذا في اللغة، في الاصطلاح: هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه هي الشفاعة، هذه الشفاعة في الدنيا تكون بإذن المشفوع له وبغير إذنه، وتكون برضاه وبغير رضاه، أنت ربما تكون مقرباً من ملك أو من رئيس والملك هذا له حاجة عندك، فإذا جاءك شخص يريدك منه شيئاً وسطّك في الأمر، دخلت وتوسطت عند الملك فما استطاع أن يردّ شفاعتك، لماذا؟ لأنّه يحتاجك، فأنت تشفع عنده من غير أن يأذن لك بالشفاعة ومن غير أن يرضى عن ذاك أصلاً أن تشفع فيه، لكنّه يحتاجك، لا يستطيع أن يردّك، هذه الشفاعة عند المخلوق، أمّا عند الخالق فلا، الله ليس بحاجة إلى أحد فلذلك لا يشفع عنده أحد إلّا بإذنه، بعد أن يأذن للشافع أن يشفع، إذا أذن لك أن تشفع تأتي تشفع فإذا ما أذن ما تأتي، لذلك لاحظوا النبي صلى الله عليه وسلم عندما يأذن الله تبارك وتعالى له بالشفاعة ماذا يفعل؟ قبل أن يأذن له بالشفاعة يذهب ويخرّ عند العرش ويسجد بين يدي الله ويدعو بدعوات حتى يقول الله تبارك وتعالى له: "قم فاشفع تشفع"، يأذن له الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك لا يشفع إلّا فيمن رضي الله تبارك وتعالى أن يشفع فيه، هما شرطان، ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ، ما فيه أحد يشفع إلّا بعد أن يأذن بذلك، إذن فدعوى الكفار أنّهم يعبدون الأصنام كي تقربهم إلى الله زلفى دعوى باطلة لا تنفعهم، لأنّ الله سبحانه وتعالى ما أذن لأصنامهم هذه أن تشفع، ولا رضي أن تشفع فيهم، فالشفاعة لا تكون إلّا لموحد، كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشفاعة وهي حقّ لمن؟ فقرر أنها تكون للموّحد لا لغيره، ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ، أنظروا ماذا قال الطبري رحمه الله: من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم إلّا أن يخليه ويأذن بالشفاعة لهم، عبيده يريد أن يعاقبهم، من يستطيع أن يأتي ويشفع فيهم؟ إلّا أن يأذن له بذلك، وإنّما قال ذلك جلّ ثناؤه لأنّ المشركين قالوا ما نعبد أوثاننا هذه إلّا ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله لهم: "لي ما في السماوات وما في الأرض مع السماوات والأرض ملكاً فلا تنبغي العبادة لغيري فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنّها تقربكم مني زلفى، فإنّها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئاً، ولا يشفع عندي أحدٌ لأحدٍ إلّا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له رسلي وأوليائي وأهل طاعتي" ا.هـ رحمه الله.
ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ: أي الذي أمامهم، وقال بعض السلف يعلم أمور دنياهم.
ﯦ ﯧ: الذي ورائهم، وقال بعض السلف: الآخرة.
ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ: قال ابن كثير رحمه الله: "لا يطّلع أحدٌ من علم الله على شيء إلّا بما أعلمه الله عز وجل"، لا يمكنك أن تعرف شيئا من علم الله إلّا ما علّمك الله تبارك وتعالى، قال: "ويُحتمل أن يكون المراد لا يطّلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلّا بما أطلعهم الله عليه كقوله: ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ"، هذا المعنى الثاني أيضاً جيد في باباتنا هذه، يحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلّا بما أطلعهم الله عليه، فبناء على ذلك فلا يجوز أن يُقال فيه إلّا بما قال عن نفسه ووصف نفسه في الكتاب والسنة.
ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ: وسع: يعني شمل، كرسيه: الذي هو موضع القدمين كما قال ابن عباس، السماوات والأرض: فانظر إلى كبر وعظم الكرسي الذي هو لا شيء أمام العرش.
ﯷ ﯸ ﯹ: قال قتادة: "لا يثقل عليه ولا يجهده حفظهما"، يعني حفظ السماوات والأرض، وقال الحسن: "لا يَثقل عليه شيء".
ﯻ ﯼ : علوّ ذات وعلوّ صفات، لا كما تدعيه المبتدعة، يثبتون علوّ الصفات ولا يثبتون علوّ الذات، نحن نقول: علوّ ذات وعلوّ صفات، بمعنى: الكمال، أي: علوّ المنزلة وعلوّ الذات.
: يعني: ذو العظمة، ﯻ ﯼ ﯽ.
"ولهذا": أي لما احتوت عليه هذه الآية من صفات النفي والإثبات التي تدلّ على تنزيهه سبحانه وتعالى وتعظيمه.
"كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح".
حديث الشيطان الذي جاء لأبي هريرة لأخذ مال من مال الصدقة، فقال لأبي هريرة: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي حتى تختم الآية فإنك لم يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال صلى الله عليه وسلم: "صدقك وهو كذوب"، هذا ما أشار إليه المؤلف رحمه الله لعظم هذه الآية وما فيها من آيات تدلّ على تنزيه الله تبارك وتعالى.
ونكتفي بهذا القدر إن شاء الله .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-11-2013, 15:35   #5
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الخامس من شرح متن العقيدة الواسطية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أمّا بعد:
فبعد أن أصّل المؤلف رحمه الله أصل أهل السنة والجماعة في مسألة صفات الله تبارك وتعالى بدأ بذكر الآيات التي تتضمن صفات الله تبارك وتعالى ووقفنا عند قوله:
"وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ‏:‏ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ".
هذه أسماء لله تبارك وتعالى تتضمن صفات، وهذه الأسماء الأربعة فسّرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا إذا أخذنا مضاجعنا أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: "اللهم ربّ السماوات وربّ الأرض وربّ العرش العظيم ربنا وربّ كلّ شيء فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شرّ كلّ شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنّا الدين وأغننا من الفقر".
أمّا الأول: فقال الذي ليس قبله شيء، وهذا واضح.
وكذلك الآخر فسّره النبي صلى الله عليه وسلم الذي ليس بعده شيء، وقالوا: معنى الآخر أنّه محيط بكلّ شيء فلانهاية لآخريته.
والظاهر: من الظهور وهو العلوّ، والعلوّ -علوّ الله-: علوّ وصف وعلوّ ذات، فهو عليٌّ في وصفه، عليٌّ في ذاته تبارك وتعالى.
وأمّا الباطن: فقال مقاتل بن سليمان: "أي القريب من كلّ شيء، وإنما نعني بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه سبحانه"، وقال الطبري: "((والباطن)) يقول: وهو الباطن جميع الأشياء فلا شيء أقرب إلى شيء منه"، ففسره بالقرب، كما قال: ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ"، ففسر الباطن بالقرب، فالله سبحانه وتعالى قريب من كلّ شيء، قريب منهم بعلمه وسمعه وقدرته.
قال المؤلف رحمه الله: " ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ".
فيه إثبات صفة العلم فهو عليم تبارك وتعالى بكلّ شيء، ولا يُستثنى من ذلك شيء.
"وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ‏:‏ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ".
وتوكّل: أي فوّض أمرك إلى الله، وكيف يكون تفويض الأمر إلى الله؟ يكون ذلك بصدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب الصحيحة، هكذا يكون التوكل الصحيح، ﭦ ﭧ ﭨ، الحيّ: هو الذي يستطيع أن يجلب المنافع ويدفع المضار، لذلك قال في هذه الآية ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ، فخيره دائماً واصل وهو دائماً قادر على دفع المضار لأنّه حيّ لا يموت، وأمّا الميت سواء كان من أصحاب القبور أو الأصنام التي لا حياة فيها أصلاً فهذه لا تنفع ولا تضرّ، وكذلك الحيّ الذي مآله إلى الموت وإن كان في بعض الأمور يضرّ وينفع في بعض الأشياء وفي بعض الأحيان، ولكنّه سيأتي وقت لن يستطيع أن يفعل شيئاً مع أنّ نفع وضرّ غير الله تبارك وتعالى متعلق بمشيئة الله، فالأمر من قبل ومن بعد عائد إلى الله تبارك وتعالى، وأمّا الله سبحانه وتعالى فنفعه وضره مطلق لا يتعلق بمشيئة أحدٍ غيرِه، لهذا كلّه قال: ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ، فنفعه دائم سواء كان بجلب المنفعة أو بدفع المضرة.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ ﭬ ﭭ ﭮ ".
العليم: تقدم أنّها صيغة مبالغة في العلم، إثبات صفة العلم، هو اسم: العليم يتضمن صفة، والقاعدة عندنا أنّ كلّ اسم يتضمن صفة كمال، فهذه أسماء:
الحيّ: اسم تضمن صفة الحياة، أي: الحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء.
العليم: اسم يتضمن صفة العلم والمبالغة في العلم، العلم الكامل الذي لم يُسبق بجهل ولا يلحقه سهو ولا نسيان، هذا علم الله سبحانه وتعالى، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، لا تخفى عليه أفعال العباد ولا غيرها.
الحكيم:مادة حكم في لغة العرب يتصرف منها معنيان:
· الأول: الحكم.
· والثاني: الإحكام.
فاسم الله الحكيم يتضمن صفة وهو على وزن فعيل متصرفة من مادة حكم، والمعنيان يتصرفان من هذه المادة، فيكون معنى الحكيم الحاكم وذو الحكمة، وما هي الحكمة؟ هي وضع الشيء في موضعه، وبما أنّ الاسم قد تضمن صفة تحتمل المعنيين فيُفهم الاسم هذا على المعنيين، ولا مانع من ذلك، بما أنّ الصفتين صفتا كمال فلا مانع من حمل الاسم على كلا الصفتين، وهذه القاعدة مالم يأتي دليل يدلّ على أنّ المراد واحد من المعنيين دون الآخر، وما عندنا الآن دليل فلذلك نحمل الاسم على هذين المعنيين، أي أنّه الحاكم وذو الحكمة، فنُثبت لله تبارك وتعالى الحكم ونثبت له الحكمة.
"وهو: ﮍ ﮎ".
العليم:تقدم بمعنى العلم، ولكنّها صيغة مبالغة لأنّه على وزن فعيل، وهذا الوزن في الكلام يدلّ على الكثرة والمبالغة كالسميع، وصيغ المبالغة صيغ محصورة في اللغة وهي أحد عشرة وزناً: مثل: فعّال ومفعال وفعّالة، فعّال كقتال، ومفعال كمفضال، وفعّالة كعلّامة، هذه صيغ تُسمى صيغ مبالغة.
والخبير:هو العليم ببواطن الأمور، فأيّهما أعمّ الآن؟ العليم أم الخبير؟ العليم أعمّ، فالعليم يشمل العلم بظواهر الأمور وببواطنها، أمّا الخبير فهو الذي يعلم بواطن الأمور فقط، فالعليم يكون أعمّ من الخبير، فهذه كلّها أسماء تتضمن صفات ثابتة لله تبارك وتعالى كما جاء في كتابه.
ثم قال: "ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ".
هذا إثبات لصفة العلم، ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ، يعني: ما يدخل فيها من دود وحشرات وغير ذلك، الولوج: بمعنى الدخول، ﭩ ﭪ ﭫ من زروع وغيرها، ﭬ ﭭ ﭮ ﭯمن ملائكة وماء، ﭬ ﭭ ﭮ ﭯكلّ شيء ينزل من السماء سواء كان من الملائكة أو من الماء، ﭰ ﭱ ﭲأصل كلمة يعرج: يصعد، ومعنى يعرج فيها، أي: يعرج إليها، أي: يصعد إليها -إلى السماء-.
ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ.
إذن فهو يعلم كلّ شيء، ﯬ ﯭ ﯮ: يعني مفاتيح الغيب عنده هو الذي يعلمها، ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ، هذا مما يختص بعلمه تبارك وتعالى، ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ، تصور ورقة إذا سقطت يعلمها الله تبارك وتعالى، ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ: هذا عام، ما من شيء على وجهها إلّا وهو رطب أو يابس، ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ : مكتوب، مُظْهر للأشياء وبَيِّن وهو اللوح المحفوظ، وكلمة مُبِين للفائدة تأتي بمعنى بَيِّن، يعني: ظاهر واضح، وبمعنى مُبَيِّن، يعني: موضح ومظهر.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ".
هذا كلّه إثبات لصفة العلم العامة الشاملة كلّ شيء، لا يخفى عليه شيء.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ".
إذن فعلمه أحاط بكلّ شيء، فهو يعلم كلّ شيء، وهذا كلّه فيه إثبات صفة العلم.
ثم قال:"وَقَوْلُهُ‏:‏ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ".
الرزاق: على وزن فعّال، وقد ذكرنا أنّها من صيغ المبالغة فهو كثير الرزق، الرزق هو العطاء، فهو يعطي ويرزق من غير حساب، والرزق لا يقتصر على الأكل والشرب بل هو عام يرزق كلّ شيء.
"ﮈ ﮉ ﮊ ".
القوّة صفة معروفة، أي: القوي، المتين: قال ابن عباس: "الشديد"، وهو توكيد للقوي، إثبات صفة القوّة لله تبارك وتعالى.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ".
ﭡ ﭢ ﭣ: قد تقدم تفسيرها، ﭥ ﭦ ﭧ: ذَكَر هذه الآية لهذا، لكي يثبت اسم السميع والبصير وما تتضمنه من صفات، صفة السمع وصفة البصر، قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: "السين والميم والعين أصل واحد وهو إيناس الشيء بالإذن من الناس وكلّ ذي أذن، تقول سمعت الشيء سمعاً، والسمع الذكر الجميل، يُقال قد ذهب سمعه في الناس أي صيته" ... الخ كلامه، وهو هنا يأتي لمعنيين:
· المعنى الأول: معنى المجيب، أي الذي يُجيب دعاء من دعاه.
· والمعنى الثاني: السامع للصوت.
بمعنى المجيب: قال تبارك وتعالى على لسان إبراهيم: ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ، أي: لمجيب الدعاء، والبصير: قال الطبري رحمه الله في قوله تعالى: ﮆ ﮇ ﮈ: والله ذو إبصار بما يعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، بل هو بجميعها محيط ولها حافظ ذاكر حتى يذيقهم بها العقاب جزاءها وأصل بصير مبصر من قول القائل أبصرت فأنا مبصر، هذا الشاهد، وقال عند تفسير قوله تعالى: ﯴ ﯵ ﯶ: يعني بذلك والله ذو بصر بالذي يتقيه من عباده فيخافه، وقال في موضع آخر: يعني بذلك والله ذو علم بمن يُقبِل من عباده، وفي موضع آخر: إن الله يرى ما تعملون، هذا كلّه من تفسير الطبري رحمه الله، وذلك لأنّ البصير تأتي على معنيين في اللغة:
· معنى الإبصار، أي: الرؤية.
· ومعنى العالم.
قال علقمة بن عبدة: فإن تسألوني بالنساء فإنني *** بصير بأدواء النساء طبيب
وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: "الباء والصاد والراء أصلان، أحدهما: العلم بالشيء، يُقال هو بصير به، ويقال رأيته لمحاً باصراً، أي: ناظراً بتحديق شديد، ويُقال: بصرت بالشيء إذا صرت به بصيراً عالماً، وأبصرته إذا رأيته، وأمّا الأصل الآخر فبَصُر الشيء غِلْظُه، ومن هذه البصيرة، والبصيرة التُرُس، والبصيرة البرهان، وأصل ذلك كلّه وضوح الشيء"، الخلاصة: أنّ البصير بمعنى العلم وبمعنى الرؤية.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ".
أي: إن الله نعم ما يعظكم به، ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ففيه إثبات صفة السمع وصفة البصر لله تبارك وتعالى.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ".
: يعني: وهلّا، ﮆ ﮇ ﮈ: يعني: بستانك، ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ: إثبات صفة المشيئة لله تبارك وتعالى، ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ: أي: لا أقدر على حفظ مالي أو أدفع شيئاً عنه إلّا بإذن الله، ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ: المشيئة هي الإرادة الكونية فهي نافذة فيما يحبّه الله وفيما لا يحبّه الله، الإرادة إرادتان:
· إرادة كونية.
· وإرادة شرعية.
كلّ ما أمر الله تبارك وتعالى في كتابه أو في سنة نبيه فهو الذي أراده شرعاً، وكلّ ما نهى عنه فهو الذي لم يرده شرعاً، فهذه أحكام شرعية، إرادة الله الشرعية، فهذه ربما توجد وربما لا توجد، أراد الله إيمان العباد جميعاً؟ صح، شرعاً، أمرهم بالإيمان وأراده منهم، هل آمنوا جميعاً؟ لا، إذن فالإرادة الشرعية ربما تقع وربما لا تقع، أمّا الإرادة الكونية فكلّها واقعة ولابدّ، هذا الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، هما فرقان:
الفرق الأول: أنّ الإرادة الشرعية ربما تقع وربما لا تقع، وأمّا الإرادة الكونية فهي واقعة ولابد، إذا أراد الله شيئاً إنّما يقول له كن فيكون، هذه الإرادة الكونية، الإرادة الشرعية ربما تقع وربما لا تقع، هذا الفرق الأول.
الفرق الثاني: الإرادة الشرعية يحبها الله ويرضاها، كلّ ما أراده الله شرعاً فهو يحبّه ويرضاه، أمّا الإرادة الكونية فمنها ما يحبّه الله ومنها ما لا يحبّه، فكفر الكافر لا يحبّه الله ولا يرضاه، ولكنّه إذا أراده الله كوناً وقع، إيمان المؤمن يحبّه الله ويرضاه وإذا أراده الله وقع، وإذا لم يرده لم يقع، فمسألة الإرادة الكونية واقعة ولابد، وتكون فيما يحبّه الله وفيما لا يحبّه، أمّا الإرادة الشرعية فربما تقع وربما لا تقع ولا تكون إلّا فيما يحبّه الله ويرضاه، ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ، هل هذه الإرادة إرادة كونية أم إرادة شرعية؟ إرادة كونية، طيب.
ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ: إرادة شرعية، طيب: قال هنا: ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ، أي مشيئة الله هي الإرادة الكونية، ما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن، ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ، الشاهد من هذه الآية إثبات مشيئة الله تبارك وتعالى، ومشيئته عامة لكلّ شيء، تشمل أفعال العباد، والعباد لهم مشيئة ولكن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله، ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ، هنا فائدة جانبية عند قوله: ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ، هل هذه الكلمة تُقال لدفع العين؟ هذا من الخطأ الذي انتشر عند كثير من الناس، هذا الرجل قيل له هذه الكلمة الذي فعل هذا الفعل لماذا؟ لأنّه عندما أعجبته جنته أعاد الفضل لنفسه ولم يعده لله تبارك وتعالى صاحب الفضل، فقيل له: ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ، هذا كلّه الذي حصل حصل بمشيئة الله وإرادته، ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ، أي: لا يمكنك أن تفعل هذا وأن تحفظ هذا إلّا بالله تبارك وتعالى، فإذا أعجبك شيء من مالك فردَّ الفضل إلى صاحب الفضل فقل: ما شاء الله لا قوة إلّا بالله، أمّا ردّ العين فهذا يكون بالتبريك كما علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم، من الذي يخشى من نفسه أن يصيب الآخرين بالعين يبرك، أمّا صاحب المال الذي يخشى على ماله من العين فيرقي، هذا ما علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم، فما فيه لا ذبح شياه ولا يُقال: ما شاء الله لا قوة إلّا بالله من أجل دفع العين.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ".
ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ: هنا إثبات المشيئة لله في قوله ﮁ ﮂ ﮃ، إذن فيه إثبات صفة المشيئة، ﮄ ﮅ : يعني المؤمنين والكافرين، في هذا ردٌّ قوي على القدرية الذين ينفون تعلق فعل العبد بمشيئة الله، القدرية يقولون: العبد أفعاله لا تتعلق بمشيئة الله، والله سبحانه وتعالى لا يشاءها ولا تعلق لها بمشيئة الله أبداً، فالعبد يفعل بمشيئته الخالصة المنفصلة عن مشيئة الله تماما، هكذا يقولون تعالى الله عن قولهم، هذه الآية توضح لنا أنّ مشيئة العباد راجعة إلى مشيئة الله، قال: ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ، وهذا يتحدث عن ماذا؟ عن أفعال العباد، إذن أفعال العباد تحت مشيئة الله تبارك وتعالى أيضاً، هذه آية واضحة في ذلك، ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ: إذن ما حصل من اقتتالهم هو من فعل الله تبارك وتعالى ومن إرادته الكونية، لأنّه وقع وحصل هذا الشيء، ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ، يفعل ما يريد إرادة كونية، فكلّ ما يريده الله تبارك وتعالى يقع إرادة كونية ولابد، ففيه إثبات صفة الإرادة أيضاً.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ".
ﮐ ﮑ، أي: أَحلّ الله لكم، ﮒ ﮓ: بهيمية الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم، ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ: أي: ما يذكر لكم هنا مستثنى من الحلّ، فلا يحلّ لكم الصيد وأنتم حرم، ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ: الشاهد قوله: ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ، إرادة شرعية، يحكم حكماً شرعياً ويريده شرعاً، هذه الأحكام التي بينها لنا، أحلّ لنا بهيمة الأنعام وحرّم علينا الصيد ونحن حرم، هذه أحكام شرعية يريدها الله إرادة شرعية لكن ربما يأتي أحدنا ويصيد وهو محرم وإلّا لا يمكن؟ يمكن، إذن فإرادة الله الشرعية ربما تقع وربما لا تقع، يأتي شخص ويُحرّم على نفسه بهيمة الأنعام، ممكن وإلّا لا يمكن؟ ممكن، فإذن إرادة الله الشرعية ربما تقع وربما لا تقع، لكنّها لا تكون إلّا فيما يحبه الله، فالله يحب أن يحلّ لنا بهيمة الأنعام ويرضى لنا ذلك، ويحب أن لا نصطاد ونحن حرم ويرضى لنا ذلك، إذن نثبت لله إرادتين:
· إرادة كونية.
· وإرادة شرعية.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ".
هذه إرادة كونية، لأنّه أمر سيقع، ثم كان فيما يحبه الله وفيما لا يحبّه، شرح صدر العبد للإسلام يحبّه الله وهو بيد الله، ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ، وإضلال العبد أمر لا يحبه الله ولا يرضاه، ولكنّه يريده كوناً، الهداية المقصودة في قوله: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ: هذه هداية توفيق، والهداية عندنا نوعان:
· هداية توفيق.
· وهداية بيان.
هداية التوفيق: أن يُوفِق الله تبارك وتعالى العبد لطاعته.
هداية البيان: أن يبين له الطريق ويُوضِح.
وهداية التوفيق خاصة بالله تبارك وتعالى، أمّا هداية البيان فتكون من العبد، لذلك نفى الله تبارك وتعالى الهداية الأولى عن نبيه وأثبت له الهداية الثانية فقال جلَّ في علاه: ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ، هذا الكلام في النبي صلى الله عليه وسلم، نفى عنه هداية التوفيق، لا تستطيع أن توفق أحداً للإيمان لا يريد الله تبارك وتعالى أن يوفقه، وقال في نبيه أيضاً: ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ، أثبت له الهداية، فالهداية المثبتة غير الهداية المنفية ولابد، الهداية المثبتة هداية البيان لذلك تلاحظ في الآية: ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ، يعني تبين للناس الطريق المستقيم وتوضحه لهم، هذا الفرق بين الهدايتين، فالهداية المقصودة هنا هداية التوفيق الخاصة بالله تبارك وتعالى.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ".
هذا فيه إثبات صفة المحبّة لله، فالله يحبّ محبّة حقيقية تليق بجلاله وعظمته لا كمحبّة المخلوقين، نثبت صفة المحبّة للعبد ونثبت صفة المحبّة لله تبارك وتعالى، ومحبّة الله محبّة تليق بعظمته وجلاله ليست كمحبّة المخلوقين، كما أننا نُثبت لله ذاتاً ونُثبت للعباد ذواتاً، ونقول بأنّ لله ذاتاَ تليق بجلاله وعظمته وللعبد المخلوق ذاتاً تليق به، كذلك نقول في جميع الصفات، الشاهد عندنا هنا: ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ، صفة المحبّة، قال مجاهد في تفسير قول الله تعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ، قال: "يحبّهم ويحببهم إلى خلقه"، أنظر السلف كيف يفسرون الصفات، يفسرونها على حقيقتها، يحبهم ويحببهم إلى خلقه، ما حرّف ما عطل ولا غيّر، نحن لماذا نأتي بكلام السلف؟ حتى نبيّن أنّ العقيدة التي بين أيدينا ليست عقيدة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وحده، بل هي عقيدة السلف لأنّ أهل الباطل من المتكلمين يحاولون أن ينشروا بين الناس أنّ العقيدة هذه -عقيدة إثبات الصفات- هي عقيدة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لذلك عندما يريدون أن يصفوا أهل السنة يقولون التيميون، أو يقولون الحنابلة، ويدّعون أنّها عقيدة الحنابلة وهذا الكلام باطل، هي عقيدة أهل السنة قاطبة، فلذلك نحن نأتي بكلام السلف في مثل هذا، وأنت إذا لاحظت عند تفسير مثل هذه الصفات تجد السلف يمرون عليها كما هي، لأنّ أمرها واضح لا تحتاج إلى تفسير على مقتضاها اللغوي كما قال الإمام مالك رحمه الله: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة"، أي: السؤال عن الكيف بدعة، الاستواء معلوم: معلوم ومقتضى اللغة العربية، معلوم عند كلّ من يتكلم اللغة العربية المعروفة عند أهلها لا تحتاج إلى تفسير، الاستواء بمعنى: العلو والارتفاع، وبهذا فسّره أبو العالية الريّاحي وهو من أئمة التابعين، طيب إذن تفسيرهم هذا يبين أنّها عقيدتهم وكلامهم هذا يبين أنّها عقيدتهم وليست عقيدة شيخ الإسلام ولا عقيدة الحنابلة، فهل الإمام مالك حنبلي؟ هذا يقول لك: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة، يثبت لك الاستواء بشكل واضح، نُقل عن الإمام الشافعي في أكثر من موضع إثبات صفة العلوّ لله تبارك وتعالى، فلماذا كانت خاصة بالحنابلة أو بابن تيمية، ما كان للحنابلة إلّا الجهاد في هذه العقيدة لإثباتها وللرد على أهل البدع، لمّا كان الإمام أحمد رحمه الله من أئمة أهل السنة في زمنه وكثرت البدع والضلالات في زمنه أكثر من غيره من الأزمان التي سبقته كان للإمام أحمد دور في إظهار السنة وإظهار عقيدة أهل السنة وكان لأصحابه من بعده دور في الدفاع عن السنة وإظهار هذه العقيدة والتمسك بها، هذا كلّ ما في الأمر، وكذلك فعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، هل ننسب العقيدة الأشعرية إلى الرازي، الرازي أكبر منظر كان للأشاعرة في وقته لكنّه لم يبتكر العقيدة الأشعرية، هو أخذها ممن قبله، أول من وضعها أبو الحسن الأشعري رحمه الله وتاب عنها في آخر عمره، وقرر ما يخالفها في مقالات الإسلاميين وفي كتابه الإبانة وفي رسالته إلى أهل الثغر، فالرازي ناظر وجادل وحقق في هذه العقيدة، هذا كلّ ماله، كذلك فعل شيخ الإسلام في عقيدة أهل السنة والجماعة، فلا تُنسب العقيدة الأشعرية للرازي كما لا تُنسب عقيدة أهل السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، عقيدة أهل السنة لو كانت من عمل شيخ الإسلام لكنّا أول من يردّها فنحن لا نقبل عقيدة مبتكرة، العقيدة التي نحملها ونريدها ونحبّها ونرضاها وندين الله بها هي عقيدة السلف، فلو أثبت عندنا أحد أن عقيدة ليست من عقيدة السلف لتركناها، أي من كان الذي يعتقدها، لأنّ عندنا الحقّ هو اتباع كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم على منهج السلف الصالح رضي الله عنهم، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما قرر هذه العقيدة ذكرها وذكر أقوال السلف قاطبة الذين يعتقدونها ويدينون الله بها، ذكر مقالات عن السلف فيها إثبات الصفات لله تبارك وتعالى، عن أكثر من واحد، وممن نقل عنه ذلك أبو الحسن الأشعري نفسه مؤسس العقيدة الأشعرية، فهنا عندنا مجاهد في تفسير هذه الآية قال: "يحبهم ويحببهم إلى خلقه"، فأثبت صفة المحبة لله تبارك وتعالى.
ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ.
وفي هذه الآية أيضاً إثبات صفة المحبّة لله، لقوله: ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ، والصفة تؤخذ من الفعل، هل الاسم يؤخذ من الفعل؟ لا، الاسم لا يؤخذ من الفعل، الصفة هي التي تؤخذ من الفعل، ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ، يعني: واعدلوا إنّ الله يحب العادلين.
ثم قال: "ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ".
كلّها آيات في إثبات صفة المحبّة له، المؤلف رحمه الله يأتي بعدة آيات لإثبات صفة واحدة، ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ، الشاهد هنا: ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ، ففيه إثبات صفة المحبة، أي: مهما استقام لكم المعاهدون الذين عاهدتم عند المسجد الحرام للوفاء بالعهد فاستقيموا لهم في ذلك، ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ، أي الذين يتقونه ويخافونه، المتقي هو الذي يتقي عذاب الله تبارك وتعالى، كيف يكون ذلك؟ يكون بطاعة الأمر واجتناب النهي، طيب.
ثم قال: " ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ".
أيضاً الشاهد فيه إثبات صفة المحبّة لله تبارك وتعالى، والتوّاب: فعّال، صيغة مبالغة، أي: كثير التوبة، والتوبة: هي الرجوع إلى الله تبارك وتعالى، ﯞ ﯟ: الذين يتطهرون من الأحداث ومن النجاسات.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ".
ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ، هذه الآية يسميها العلماء آية المحنة، يعني الامتحان، يُختبر العبد في صدق محبته لله، إن كنت صادقاً في محبتك لله فاتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قدر اتباعك للنبي صلى الله عليه وسلم يكون صدقك في محبة الله تبارك وتعالى، وإذا اتبعتم النبي صلى الله عليه وسلم وصدقتم في ذلك ﭴ ﭵ هذه نتيجة الاتباع، وكما قال أحد السلف: "ليس الشأن أن تُحِبَّ ولكنّ الشأن أن تُحَبَّ"، يعني المقام والرفعة والمنزلة أن يُحبّك الله لا أن تدعي أنت محبّة الله تبارك وتعالى، وإن كنت صادقاً في محبتك لله تبارك وتعالى فاتبع نبيه صلى الله عليه وسلم واصدق في ذلك، قال ابن كثير رحمه الله: "أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم"، هذا ابن كثير رحمه الله يثبت صفة المحبّة لله تبارك وتعالى.
"وَقَوْلُهُ‏: ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ".
كذلك هذه فيها إثبات صفة المحبّة لله.
"وَقَوْلُهُ‏:ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ".
كذلك فيها إثبات صفة المحبّة لله تبارك وتعالى.
"وَقَوْلُهُ‏:ﮮ ﮯ ﮰ ".
الغفور:على وزن فعول وهو وزن يدلّ على الكثرة، أي: كثير المغفرة.
الودود:مأخوذ من الود، وهو: خالص المحبة، قال ابن الأنباري رحمه الله: "الودود معناه المحبّ لعباده"، فهذا ابن الأنباري يُثبت صفة المحبّة لله تبارك وتعالى، وقال الطبري: "وهو ذو المغفرة لمن تاب إليه من ذنوبه وذو المحبّة له"، وقال ابن فارس: "الواو والدال كلمة تدلّ على المحبّة"، فإذن هي أيضاً تدلّ على صفة المحبّة لله تبارك وتعالى.
نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم إن شاء الله ونكمل في الدرس القادم بإذن الله تبارك وتعالى.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 31-12-2013, 07:58   #6
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس السادس من شرح العقيدة الواسطية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فوقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: "وقوله: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ".
أراد المؤلف رحمه الله من سوق هذه الآية في هذا الموطن إثبات صفة الرحمة لله تبارك وتعالى، وفي هذه الآية ثلاثة أسماء لله تبارك وتعالى تتضمن صفات.
· الاسم الأول: الله.
· والثاني: الرحمن.
· والثالث: الرحيم.
هذه ثلاثة صفات تضمنتها هذه الأسماء الثلاثة:
· فالله اسم يتضمن صفة الألوهية، وهي العبادة، فهو بمعنى المعبود.
· والرحمن اسم يتضمن صفة الرحمة.
· كذلك الرحيم اسم يتضمن صفة الرحمة.
ولكن الرحمة التي في الأولى ليست هي الرحمة التي في الثانية، الرحمة في الاسم الأول رحمة واسعة، رحمة للمؤمنين وللكافرين وللإنسان وللحيوان ولكلّ شيء، أمّا الرحمة الثانية التي في الرحيم فهي رحمة خاصة بالمؤمنين، ﰑ ﰒ ﰓ ، هذا الفرق بين اسم الرحمن والرحيم.
فهذه الأسماء كلّها تدلّ على ذات الله تبارك وتعالى وعلى صفاته، هذه الصفات المذكورة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ".
الشاهد: ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ، تدلّ على أنّ كلّ شيء وصلته رحمة الله تبارك وتعالى ووصله أيضاً علم الله تبارك وتعالى.
"ﰑ ﰒ ﰓ،ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ، ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ، ﭩ ﭪ ﭫ، ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ".
كلّها آيات تدلّ على إثبات صفة الرحمة لله تبارك وتعالى، وأهل السنة متفقون على أنّ الله تبارك وتعالى يوصف بالرحمة، فهو رحمن وهو رحيم تبارك وتعالى، والمتكلمون ينفون عنه هذه الصفة، ويحرفون هذه الآيات التي وردت ويفسرونها باللوازم والنتائج، الرحمة عندهم يقول لك: إرادة الإحسان، أو نفس الإحسان، الأشاعرة يقولون إرادة الإحسان، لأنّهم يثبتون صفة الإرادة، وغيرهم يقول: الإحسان، لأنّه لا يثبت صفة الإرادة، وحجتهم في ذلك مع أنّهم يقرون أنّ الرحمة في اللغة ليست بمعنى الإحسان، فالإحسان شيء والإنعام شيء، إرادة الإحسان شيء والرحمة شيء آخر، هم يقرون هذا في دلالة اللغة، لكن يقولون لابد أن نصرف هذه الآية عن ظاهرها، لماذا؟ لأنّ العقل دلّ على أنّ هذه الصفة إن أثبتناها لله فقد مثلناه بخلقه، وتشبيهه بخلقه غير جائز، فلذلك يُحرّفون الآيات عن مراد الله تبارك وتعالى، هذه حجتهم في الموضوع، نحن نقول لهم هذا اللازم الذي جعلتموه لازم ليس بلازم، فكما تقولون بأنّ لله ذاتاً لا تُماثل ذوات المخلوقين ولا تُشابه ذوات المخلوقين، وتثبتون له ذاتاً وتثبتون للمخلوقين ذاتاً، قولوا كذلك في بقية الصفات كاملة، أيضاً أنّ له رحمة تليق بجلاله وعظمته تخالف رحمة المخلوقين وتخلص من هذا اللازم الذي تدعيه، إذن فاللازم هذا ليس بلازم.
قال المؤلف رحمه الله: "وقوله: ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒﰓ ".
نحن ذكرنا التفريق بين الصفات الخبرية والصفات الفعلية، هذه من الصفات الفعلية، فيفعلها الله تبارك وتعالى، صفة الرضى من الصفات الفعلية كما أنّ المحبة من الصفات الفعلية، وصفة الرحمة كذلك من الصفات الفعلية، هذه كلّها من الصفات الفعلية، التي قلنا ضابطها أنّها تتعلق بمشيئة الله، يفعلها الله تبارك وتعالى متى شاء، هذه الصفات الفعلية، يفعلها الله تبارك وتعالى متى يشاء، فهي متعلقة بمشيئته، وذكرنا الصفات الذاتية أيضاً، وذكرنا أن الصفات تنقسم إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، وذكرنا أنّ الصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئة الله تبارك وتعالى والصفات الذاتية قلنا هي التي لم يزل ولا يزال متصفاً بها، هذه الصفات الذاتية.
· الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته يفعلها متى شاء.
· الصفات الذاتية التي لم يزل ولا يزال متصفاً بها، وتنقسم إلى قسمين :
o صفات ذاتية معنوية.
o صفات ذاتية خبرية.
المعنوية: مثل الحياة والعلم والقدرة.
الخبرية: مثل اليدين والوجه والعينين وما شابه.
فهذه الآن الصفة التي بين أيدينا وهي صفة الرضى ثابتة لله تبارك وتعالى، من عقيدة أهل السنة أنّ يصفوا الله تبارك وتعالى بالرضى وأنّه يرضى، هذه من عقيدة أهل السنة والجماعة، لماذا؟ لأنّها قد ثبتت بالكتاب والسنة، فذكر المؤلف رحمه الله لنا آيات تدلّ على ذلك، وسيأتي ما يدلّ على ذلك من السنة، سيذكر لنا من السنن ما يثبت مجموعة من الصفات.
"وقوله: ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒﰓ ".
هذا إثبات لصفة الرضى لله تبارك وتعالى، فالله يرضى رضىً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته لا يشبه رضى المخلوقين، لا يُماثل رضى المخلوقين، هذه الصفة الفعلية يفعلها الله تبارك وتعالى متى شاء، وأهل الباطل يحرفونها كما يُحرفون بقية الصفات، فيقولون في الرضى: إرادة الثواب أو الثواب نفسه، وكما تقدم أيضاً في الصفة التي قبلها هم يقرون بأنّ الرضى في لغة العرب ليست بمعنى الثواب، فما الذي دفعكم إلى تفسيره بأنّه الثواب أو إرادة الثواب؟ قالوا: أنّ العقل يمنع أن نصف الله تبارك وتعالى بهذه الصفة لأنّه يلزم منها التشبيه، لكن هذا اللازم ليس بلازم، كما قدما القول في ذلك.
"وقوله: ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ".
هذا إثبات لصفة الغضب، قال: ﮛ ﮜ ﮝ، إذن: الله سبحانه وتعالى يغضب غضباً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته، وأيضاً نقول في هذه الصفة كبقية الصفات تماماً، لا يلزم من ذلك التشبيه ولا يلزم من ذلك التمثيل، والغضب هذا يليق بجلال الله وعظمته تبارك وتعالى على ظاهر كتاب الله، ولو لم تكن هذه الصفات مرادة لله تبارك وتعالى لما سكت عنها هكذا، لما ذكرها وسكت عنها ولبين لنا أنّ ظاهرها غير مراد، ولمّا لم يُبين لنا ووصف كتابه بأنّه كتاب عربي مبين فما بقي لهم حجة في صرف هذه النصوص عن ظاهرها، هذه الآية: ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ، أنظر أنواع العذاب والعقاب الذي سينزل على الإنسان إذا قتل أخاه المؤمن، فهذا يدلّ على خطورة سفك دمّ المؤمن، وهذه الآية من الآيات التي أشكلت عند بعض أهل العلم لأنّ قاتل النفس المؤمنة ليس كافراً، ولا يُخلّد في نار جهنم إلّا الكافر، فكيف تُفسَر هذه الآية، أصحّ ما قيل في تفسيرها أن الخلود في كلام العرب بمعنى المكث الطويل، فما قال: خالداً فيها أبداً، لو أبد لقلنا بأنّه لا يخرج، لكن لمّا قال: ﮙ ﮚ، ومن غير تأبيد يدلّ على أنّه يمكث في نار جهنم زمناً طويلاً، هذا أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية، والشاهد عندنا منها: إثبات صفة الغضب لله تبارك وتعالى.
"وقوله: ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ".
الشاهد قوله: ﯨ ﯩ ﯪ، يعني: الذي أسخط الله تبارك وتعالى، وهذا فيه إثبات السَّخط لله تبارك وتعالى، والسَّخط قريبُ المعنى من الغضب، يُقال: السَّخط ويُقال السُّخط، كلاهما لغة عريبة صحيحة.
"وقوله: ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ".
فلمّا أغضبونا انتقمنا منهم، فآسفونا في لغة العرب بمعنى: أغضبونا، ففيه إثبات صفة الغضب أيضاً لله تبارك وتعالى، والمتكلمون يُحرّفون هذه الصفة ويقولون: معناها الانتقام أو إرادة الانتقام، وردّ عليهم أهل السنة إضافة إلى الردود المتقدمة أنّ هذا لا يصح في مثل هذا الموطن، لأنّه قال: ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ، ففرّق ما بين الغضب والانتقام، فلا يصح أن تقول: فلما انتقمنا منهم انتقمنا منهم، هذا غير مستقيم الكلام، ولا يخرج من عربي فصيح، فما بالك بالله تبارك وتعالى.
"وقوله: ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ".
الشاهد: إثبات صفة الكراهية لله تبارك وتعالى، وأنّ الله تبارك وتعالى يكره، فلمّا كره الله تبارك وتعالى انبعاثهم، أي: خروجهم للقتال، ثبطهم عنه وأرخى هممهم فلم يخرجوا، كما جاء في الحديث: "إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال"، فالكراهة ثابتة بالكتاب والسنة، فالله سبحانه وتعالى يكره كراهة حقيقية تليق بجلاله وعظمته.
"وقوله: ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ".
المقت: أشدّ البغض، أي: يبغضه الله سبحانه وتعالى بغضاً شديداً، ففيه إثبات صفة المقت لله تبارك وتعالى.
"وقوله: ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ".
هذه كلّها صفات فعلية، وهذا فيه إثبات صفة الإتيان لله تبارك وتعالى، فالله يأتي حقيقة، إتياناً يليق بجلاله وعظمته، أهل التحريف قالوا: هذا إن أثبتناه لزم من ذلك أيضاً التشبيه، ونقول: لا يلزم من ذلك التشبيه، وقولوا في هذا كما تقولون في غيره، الذين يثبتون بعض الصفات كالأشاعرة مثلاً، يُثبتون سبع صفات منها: السمع والبصر والكلام والإرادة والقدرة، هؤلاء نقول لهم: لماذا أثبتم البعض ونفيتم البعض الآخر؟ ما قلتموه في السبع هذه قولوه في الباقي، فلمّا أثبتم له سمعاً وبصراً يليق بجلاله وعظمته وأثبتم للمخلوق سمعاً وبصراً يليق به، كذلك افعلوا في بقية الصفات من الحبّ والبغض والرّضى والكراهية وأيضاً الاتيان، افعلوا في هذا كما فعلتم في ذاك، لذلك قال أهل العلم أشدّ الناس تناقضاً من النُّفاة هم الأشاعرة، مع أنّهم أقرب الناس إلى السنة من هذه الناحية، كونهم يثبتون بعض الصفات، لكن هم أشدّ الناس تناقضاً لماذا؟ لأنّهم أصّلوا أصول المتكلمين ولم يَبقوا عليها، خالفوها بإثبات بعض الصفات.
ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ، الأن المحرفة ماذا قالوا؟ هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله، ولكن أمر الله تبارك وتعالى ينزل ويأتي في أوقات كثيرة وليس في هذا دون غيره، ثم إذا جاز لكم هذا هنا ففي موطن التفصيل والتقسيم لا يجوز كما في الآية التي بعدها.
قال: "وقوله : ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ".
ماذا تفعلون في هذه؟ فالآية إتيان شيء، وإتيان الملائكة شيء، وإتيان الله تبارك وتعالى شيء آخر، فقسّم الله تبارك وتعالى وفصّل في هذا، وفارق بين تأتي آياته أو أن يأتي هو، فلا يصحّ إذاً التفسير الذي ذهبوا إليه، لكن أنت تعرف قاعدة عامة، هم يعرفون ضعف تفسيراتهم، هم يعرفون هذا ويوقنون به، لكن يقول لك هذا الضعف لا بدّ منه، هذا التحريف لا بدّ منه، لماذا؟ كي ينسجم مع أدلتهم العقلية، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من أجل أن يُرضوا عقولهم، مع أنّهم لو تجردوا حقيقة عن شبهات الفلاسفة التي دفعتهم إلى مثل هذا لوجدوا أنّ عقولهم هذه إنّما دخلها ما دخلها بسبب تلك الفلسفة فقط.
ثم قال: "ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ".
وهذا فيه إثبات صفة المجيء لله تبارك وتعالى.
قال: "ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ".
هذه الآية ظاهرها ليس فيه ذكر صفة لله تبارك وتعالى، ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ، طيب لماذا ذكرها المؤلف رحمه الله هنا وهو في سياق سرد آيات الصفات؟ لأنّ فيها إشارة إلى مجيء الله تبارك وتعالى، لأنّ تشقق السماء بالغمام يكون لماذا؟ ما هو سببه؟ سببه هو مجيء الله تبارك وتعالى، بدليل الآيات السابقة التي تقدمت معنا، فلمّا وُجد ذكر تشقق السماء بالغمام أتى بالآية ها هنا لأنّ هذا التشقق يحصل بمجيء الله تبارك وتعالى، ففيه إشارة لإثبات صفة المجيء لله تبارك وتعالى.
قال المؤلف رحمه الله: "وقوله: ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ".
هذا إثبات صفة الوجه لله تبارك وتعالى، ﮄ ﮅ ﮆ، صفة الوجه ثابتة بهذه الآية، فنثبت لله وجهاً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته تبارك وتعالى، ولا شك أنّ الباقي هي الذات وأنّ المراد بقاء الذات، لكن أيضاً الوجه ثابت، فوصف الوجه بالجلال والإكرام يدلّ على ثبوت صفة الوجه لله تبارك وتعالى، ﮇ ﮈعائدة إلى وجه الله سبحانه وتعالى، والجلال: بمعنى العظمة والسلطان، والإكرام: تصح على معنيين: على معنى مُكرِم ومُكرَم:
· فالمُكرَم: إكرام الله تبارك وتعالى يكون بالقيام بعبادته وطاعته.
· ومُكرِم: لمن يستحق الإكرام من خلقه.
ثم قال: " ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ".
أول الآية ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ، ﮖ ﮗ ﮘ: أي: مما كتب عليه الفناء، يُستثنى من ذلك الجنّة والنّار -هذه لا تفنى-، ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ: اختلف السلف في المراد من وجهه هنا، وهل هي من آيات الصفات أم لا،
· فبعضهم قال: كلّ شيء هالك إلّا هو، أي: إلّا الله سبحانه وتعالى.
· وقال بعضهم: إلّا ما أُريد به وجهه.
· وقال بعضهم: إلّا ملكه.
o من الذين قالوا: إلّا ما أُريد به وجهه، أبو العالية ومجاهد والثوري.
o وقوله: إلّا هو: قاله أبو عبيدة مَعْمر بن مثنى.
o وإلّا ملكه : لم تُذكر عن شخص معين، هي مذكورة أنّ بعضهم قال هذا وأخرجها هنا من آيات الصفات، لكن هذا التفسير لا يُذكر عن شخص معين.
فتفسير السلف دائر على إثبات صفة الوجه في هذه الآية، سواء قلت معناها: إلّا هو أو إلّا ما أُريد به وجهه، ففيها إثبات صفة الوجه لله تبارك وتعالى، لكن لمّا تقول إلّا مُلكه هنا تكون قد نفيت أن يكون إثبات صفة الوجه بهذه الآية، لكن كما ذكرنا هذا التفسير لا يُذكر عن شخص معين، هذا أولاً، ثانياً: هو تفسير خطأ لا يصح، لماذا؟ ذلك لأنّ الأشياء كلّها ملك لله تبارك وتعالى، فلا يصحّ أن يُقال: كلّ شيء هالك إلّا كلّ شيء، لأن الأشياء كلّها هي ملك لله سبحانه وتعالى، فإذا قُلت: كلّ شيء هالك إلّا ملكه، معنى ذلك أنّ كلّ ما هو مالكه هالك إلّا ما هو مالكه، فما استفدنا شيء من هذا الاستثناء، فهذا التفسير يُعتبر تفسيراً خاطئاً، على كلٍ الآية التي قبلها صريحة في إثبات صفة الوجه لله تبارك وتعالى، وقد وردت أحاديث أكثر صراحة في إثبات صفة وجه الله تبارك وتعالى منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
قال المؤلف رحمه الله: "وقوله: ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ، ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵ ".
هاتان الآياتان فيهما إثبات صفة اليدين لله تبارك وتعالى، قوله: ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ، مثنى، وقال: ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵ ، أيضاً مثنى، فأثبت الله تبارك وتعالى لنفسه يدين اثنتين، فنحن نثبت ما أثبت الله لنفسه، جاء في بعض الآيات ذكر اليد الواحدة، وفي بعضها ذكر الأيدي بصيغة الجمع، والجمع بين هذه الآيات أن يُقال: بأنّ الجمع لا ينافي التثنية، لماذا؟ لأن الجمع بعضهم قال أقل الجمع اثنين، فيكون داخل في ذلك، وإذا قلنا أقل الجمع ثلاثة فيكون عندئذ الجمع للتعظيم لا التكثير، وليس للعدد، والاثنان هو العمدة، وأمّا ذكر اليد الواحدة فلا ينفي وجود يد أخرى، فبهذا يتم الجمع بين الأدلة التي وردت بصيغة الجمع ووردت بصيغة التثنية ووردت بصيغة الإفراد، فيكون الجمع المراد به التعظيم لا التكثير، فإنّ التكثير معناه أكثر من يدين وهذا خطأ، فإن المراد التعظيم لأنّ الثابت عندنا اليدان فقط، أهل التعطيل عندما جاءت آية: ﯯ ﯰ ﯱ، يفسرون ذلك بالإنعام، أي: أنّه يُنعم على خلقه، فاليد يفسرونها إمّا بالنعمة أو بالقدرة كي يصرفوها عن حقيقتها ولا يثبتوا لله تبارك وتعالى يداً حقيقية، والكلام فيها كالكلام في بقية الصفات، لكن هذه من الصفات الذاتية الخبرية، اليد والوجه من الصفات الذاتية الخبرية، وكذلك القول فيها كالقول في غيرها، وأنّ إثبات مثل هذه الصفات لا يلزم منه التمثيل، فصفات الله تبارك وتعالى تليق بجلاله وعظمته وصفات المخلوق تليق به.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-01-2014, 14:34   #7
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس السابع من شرح متن العقيدة الواسطية

الحمد لله والصلاة والسلام على سول الله، أمّا بعد:
فهذا المجلس الأخير من مجالس شرح الواسطية قبل شهر رمضان، سنتوقف إن شاء الله في شهر رمضان ثم نتابع بعده بإذن الله تعالى:
قال المؤلف رحمه الله: "وقوله: ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ، ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ، ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ".
لا يزال المؤلف رحمه الله يذكر صفات الله تبارك وتعالى التي ثبتت في كتاب الله تبارك وتعالى، وذكر هنا صفة العينين وهي مجمع عليها عند السلف، إثبات هذه الصفة لله تبارك وتعالى أمرٌ مجمعٌ عليه، وإثباته بالعدد وهما عينان، أمرٌ متفقٌ عليه بين أهل السنة والجماعة لا خلاف بينهم في ذلك، والأدلة من الكتاب التي تدلّ على ثبوت هذه الصفة لله تبارك وتعالى كبقية أخواتها من الصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ما ذكره المؤلف رحمه الله بقوله: "وقوله: ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ، ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ، ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮفهنا هذه كلّها تُثبت صفة العين لله تبارك وتعالى، وليس فيها ذكر العدد بالتثنية،
· الأولى قال: ﰃﰄ -هذا جمع-.
· والثانية قال أيضاً: ﰃﰄ -وهذا أيضاً جمع.
· وقال: ﭬ ﭭ ﭮ وهذه مفرد.
والذي دلّ على العدد هو الحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم في الدّجال: "إنّه أعور وإنّ ربكم ليس بأعور"، وفي لفظ: "أعور العين اليمنى"، بعضهم فسر العور بالمعيب، وليس من عور العين، وقد انطلى هذا على بعض من لا معرفة له بهذا الفن ويدعي التحقيق فقال بقول هؤلاء، مع أنّه لو تنازل قليلاً وقرأ شرح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله على الواسطية لكفاه، لا نريد أن نقول يبتعد أكثر من هذا، فقال الشيخ رحمه الله: "ولا شك أنّه تحريف وتجاهل للفظ الصحيح الذي في البخاري وغيره، "أعور العين اليمنى كأنّ عينه عنبة طاحنة""، قال: "وهذا واضح ولا يُقال أيضاً: أعور باللغة العربية إلّا لعور العين، أمّا إذا قيل عَور أو عَوار فربما يُراد به مطلق العين"، هذا كلام عالم كبير في معرفة اللغة العربية، فبهذا الحديث وبالإجماع أثبت أهل السنة العينين لله تبارك وتعالى.
· وأمّا الجمع فهو على التعظيم.
· وأمّا العين المفردة فهذه جاءت مضافة والمفرد المضاف يعمّ فيشمل كلّ عين لله تبارك وتعالى.
فهذا اللفظ لا يُنافي التثنية وكذلك الجمع، ولكن التثنية نصٌّ فبذلك أخذ أهل العلم بالتثنية وفسروا البقية بما يتناسب معها.
وإثبات صفة العين بهذه الأدلة هو ظاهر النصوص، فأسلوب العرب وطريقتهم في التحدث تقتضي ذلك وتجعل هذا ظاهراً، فلمّا قال الله سبحانه وتعالى: ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ، الباء هنا في الآية باء المصاحبة، وليست الباء التي تدلّ على الظرف والمكان، ففهمها على هذا المعنى بمعنى المصاحبة موافق لسياق الأدلة التي وردت فيها، فعندما يقول الأب لابنه الذي يأتيه شاكياً من جماعة يترصدون له يقول له: اذهب فإنّك بعيني، لا يَفهم أحدٌ من هذا الكلام أنّ الابن في داخل عيني أبيه، ولكن يَفهم من هذا أنّي أنظر إليك وأحفظك وأدفع عنك، هذا هو المقصود من كلامهم في مثل هذا، فهذا الذي يُفهم من مثل هذا السياق ولله المثل الأعلى، وكذلك في قوله: ﮋ ﮌ ليس معنى ذلك أنّ السفينة التي صنعها نوح عليه السلام ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ يعني سفينة مُصنّعة من ألواح ومن مسامير، حمل الله تبارك وتعالى نوحاً ومن معه عليها، قال: ﮋ ﮌ ، أي: مصاحبة لنظرنا، مصاحبة لأعيننا، فننظر إليها ونحفظها.
وقوله أيضاً: ﭬ ﭭ ﭮ، صنع الإنسان هي تربيته التربية البدنية والتربية الفعلية، فأنا أنظر إليك وأربيك وأحفظك، فظاهر هذه النقول كلّها يدلّ على إثبات صفة العينين لله تبارك وتعالى وهذه من الصفات الذاتية الخبرية، هي صفات ذاتية والصفات الذاتية هي التي لم يزل ولا يزال متصفاً بها والخبرية هي التي بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء.
فمن السلف من أثبت هذه الصفة لله تبارك وتعالى.
قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد بعد أن ذكر هذه الأدلة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال: "فواجب على كلّ مؤمن أن يُثبت لخالقه وبارئه ما ثبت الخالق البارئ لنفسه من العين، وغير مؤمن من ينفي عن الله تبارك وتعالى ما قد ثبته الله في محكم تنزيله لبيان النبي صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله مبيناً عنه عز وجل في قوله: ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ لله عينين فكان بيانه موافقاً لبيان محكم التنزيل الذي هو مسطور بين الدفتين مقروء في المحاريب والكتاتيب"، هذا كلام ابن خزيمة وهو صريح في إثبات صفة العينين لله تبارك وتعالى.
وقال الدارمي في ردّه على المريسي بعد أن ذكر بعض هذه الأدلة: "فكما نحن لا نُكيّف هذه الصفات لا نُكذّب بها كتكذيبكم ولا نفسرها كباطل تفسيركم"، في هذا شرح وبيان لمعنى كلام السلف عندما يقولون ومن غير تفسير، فلمّا يُذكر هذا في كلام السلف في صفات الله تبارك وتعالى لا يعنون أنّهم يُفوّضون المعنى كما ذهبت إليه المفوّضة، لمّا وجدوا في بعض كلام السلف أنّهم يقولون من غير تفسير، أو من غير معنى، بمعنى هذه الألفاظ ظنّوا أنّ السلف يُفوّضون المعنى، وهذا كلام باطل، هنا هذا من كلام السلف أيضاً يُفسر لنا المعنى الذي يريدونه، فقال: "ولا نفسرها كباطل تفسيركم"، هذا المعنى الذي ينفيه السلف من التفسير عندما يقولون من غير معنى، من غير المعنى الذي فسره عيله الجهمية ومن غير تفسير كتفسير الجهمية، ولكننا نفسرها تفسيراً حقيقياً موافقاً للغة التي نزل بها القرآن.
وقال يحيى بن سلّام في تفسيره: " ﰂ ﰃﰄ أي: نرى ما تصنع وما يصنع بك فسنجزيك ونجزيهم".
هذا كلام أئمة السلف، كانوا يُقرون بهذه الصفات ويثبتونها، فالعقيدة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ليست من عنده ولا هو الذي اخترعها ولا تُنسب إليه بل هو ما عليه إلّا أن قرأ كتب السلف وأخذ علمهم وناظر عليه وجادل أهل البدع وأظهره وبينه هذا ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولم يأت بدين جديد ولو جاء بدين جديد لرددناه عليه كائناً من كان، ما عندنا أحد معظم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ومعصوم عن الخطأ إلّا إجماع الأمة فقط، هذا معصوم عن الخطأ بقي ذلك الكلّ يخطأ ويصيب والكلّ يُردّ عليه ويُؤخذ منه ما وافق الحقّ، هذا هو ديننا الذي ندين به وليس عندنا أحد معصوم بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا من كلام السلف موافق لما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
ثم قال: "وقوله : ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ".
هذه الآية فيها إثبات صفة السمع والبصر لله تبارك وتعالى، والمقصود بالسمع هو إدراك المسموعات وكذلك البصر رؤية المبصرات -المرئيات-، إدراكها بالبصر، هذا معنى السمع والبصر، وهو مثبت لله تبارك وتعالى كما أثبته لنفسه هنا وفي مواطن كثيرة في الكتاب والسنة، ومن كلام السلف في إثبات صفة السمع قول عائشة رضي الله عنها وهي صحابية تبين لنا بوضوح إثبات الصفات كما أثبتها الله تبارك وتعالى لنفسه، جاء عنها رضي الله عنها أنّها قالت: "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات"، قالت: كان بيني وبين هذه المجادلة التي كانت تجادل النبي صلى الله عليه وسلم، "كان بيني وبينها جدار وأسمع بعض الكلام والبعض لا أسمع وسمعها الله تبارك وتعالى من فوق سبع سماوات"، إثبات صفة السمع الحقيقية وإلّا لا؟ مثل هذا الكلام كلام واضح وصريح ما فيه خفاء، هذا مذهب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال المؤلف: "وقوله: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ".
وهذه أيضاً واضحة في سماع الله تبارك وتعالى لما قاله هؤلاء القوم.

ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ.
هذا كلّه واضح وصريح في المراد.
"وقوله: ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ".
الأولى: فيها إثبات صفة السمع والرؤية أيضاً لله تبارك وتعالى، فالله يرى كما قال في كتابه، وهي إثبات صفة البصر.
"وقوله: ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ،ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ، ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ".
كلّه إثبات لصفة الرؤية لله تبارك وتعالى، فنحن نُثبت لله تبارك وتعالى ما أثبت لنفسه.
"وقوله: ﰂ ﰃ ﰄ ، وقوله: ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ، وقوله: ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ، وقوله: ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ".
هذه صفة المكر والكيد والمِحَال، هذه الصفات التي يُسميها العلماء بصفات المقابلة، هذه صفات المقابلة التي تكون تارة صفة نقص وتارة صفة كمال، فإذا أُطلقت من غير مقابلة تكون صفة نقص، إذا قلت مثلاً في زيد من الناس إنّه ماكر، فلانٌ رجلٌ ماكرٌ، هذا مدح له وإلّا ذم؟ ذم، فلانٌ كيده عظيمٌ، هذا ذم له، فلان شديد المِحَال، فلانٌ شديد المِحَال، هذا أيضاً يعتبر ذماً لصاحبه، لكن إذا جعلت هذا الوصف مقابلاً لمن فعله معك، فقلت مثلاً: زيد يمكر بمن يمكر به، هذا يدلّ على ماذا؟ يدلّ على قدرة زيد على الرّد بنفس الأسلوب، ويدلّ على عدم عجزه عن مثل هذا، فتصبح صفة كمال، ولله المثلى الأعظم، فهذه الصفات ما تجدها في الكتاب والسنة هكذا وحدها من غير مقابلة، تجدها جاءت مقابلة: ﭛ ﭜ ﭝ، ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ، بالمقابل، عندما يفعلون يقابلهم الله تبارك وتعالى بنفس فعلهم، هذا يدلّ على ماذا؟ يدلّ على عِظَم قدرة الله تبارك وتعالى على كلّ شيء، المِحَال: بمعنى المكر والكيد، وكلّها تقريباً متقاربة في المعنى، ومعناها التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم، هكذا عرّفها العلماء، يعني أن توقع بخصمك بأسباب هو لا ينتبه لها، فيها خفاء، هذه كلّها تقريباً بمعنى واحد، الآية الأولى قال الله تبارك وتعالى فيها: ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ، قال الطبري رحمه الله: "والله شديدة ممحالته في عقوبة من طغى عليه وعتى وتمادى في كفره"، والمِحَال مصدر من قول القائل: ماحلت فلاناً فأنا أماحله مماحلة ومحالاً، منه محلت أمحل إذا عرَّض رجل رجلاً لما يهلكه، أي بمعنى المكر الشديد، المكر والكيد، وقيل بمعنى شديد الأخذ، وقيل شديد القوّة، كلّها تفاسير ذكرت، لكن هي قريبة من معنى المكر والكيد، هذه الصفات تسمى بالصفات المقابلة كما ذكرنا وتكون صفة كمال عندما تكون مقابلة لمن فعل هذا الفعل، وكذلك الاستهزاء أيضاً من هذا الباب، صفة مقابلة فهذه الصفات لا يصحّ أن نطلق القول فيها مطلقاً وتقول الله ماكر أو الله كيده عظيم، لا، أو: الله مستهزئ، لا، ولكن نُقيّدها كما قيدها الله تبارك وتعالى.
ثم قال المؤلف: "وقوله: ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ".
هنا بدأ بذكر صفة العفو والمغفرة والرحمة والعزّة، وكلّها ثابتة في كتاب الله كما سيذكر المؤلف رحمه الله، هذه الآية التي بين أيدينا فيها إثبات صفة العفو لله تبارك وتعالى، كما في قوله تعالى: ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ.
قال: " ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ".
هذه صفة المغفرة لله تبارك وتعالى، وغفور هنا جاءت على وزن فعول، وهو يكون بمعنى كثير المغفرة.
"وقوله: ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ".
هذه إثبات صفة العزّة لله تبارك وتعالى، قال ابن فارس: "عزّ: العين والزاي أصلٌ صحيح واحد يدلّ على شدّة وقوة وما ظاهاهما من مغالبة وقهر"، وقال الخليل: "العزة لله جلَّ ثناؤه وهو من العزيز ويُقال عزّ الشيء حتى يكاد لا يُوجد"، فهي بالمعنى الذي ذكره ابن فارس رحمه الله بمعنى الشدّة والقوة.
"وقوله عن إبليس: ﰗ ﰘ ﰙ".
هذا كقول إبليس لله تبارك وتعالى وقد أقرّه الله تبارك وتعالى على القسم بعزة الله تبارك وتعالى.
"وقوله: ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ".
هذا إثبات الاسم لله تبارك وتعالى، ﮆ ﮇ ﮈ وهنا أثبت أنّ لله تبارك وتعالى اسم تبارك بمعنى: تعالى وتعاظم اسم ربك ذي الجلال والإكرام.
ثم يبدأ المؤلف بعد ذلك بالصفات السلبية، صفات النفي، انتهى من ذكر الصفات المثبتة في القرآن وسيبدأ بذكر الصفات المنفية نؤجلها إن شاء الله إلى الدرس القادم.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-01-2014, 10:38   #8
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الثامن من شرح العقيدة الواسطية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فسيبدأ معنا المؤلف رحمه الله بالصفات السلبية بعد أن انتهى من الصفات الثبوتية، وذلك لأنّ صفات الله تبارك وتعالى تنقسم إلى قسمين ثبوتية وسلبية، ونعني بالثبوتية التي أثبتها لنفسه كصفة العلوّ وصفة السمع وصفة البصر والعلم والقدرة .. إلى آخره، وقد تقدم الكثير منها التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وذكرناها في الدروس الماضية، وقسّمنا هذه الصفات الثبوتية إلى قسمين:
· صفات ذاتية.
· وصفات فعلية.
القسم الثاني وهي الصفات السلبية، ويعني العلماء بالسلبية أي: المنفية، يعني التي نفاها الله تبارك وتعالى عن نفسه، الصفات الثبوتية التي أثبتها الله لنفسه، أثبتها لنفسه لأنّها صفات كمال مطلق، صفات كمال لله سبحانه وتعالى لذلك أثبتها لنفسه، والصفات السلبية صفات نقص لذلك نفاها الله تبارك وتعالى عن نفسه، كصفة الموت وصفة الجهل وصفة النسيان وصفة السهو وما شابه من هذه الصفات التي سيأتي معنا ذكر بعضها، قبل أن نبدأ بما ذكره المؤلف رحمه الله نذكر قاعدتين في ذلك كتأصيل للمسألة ثم بعد ذلك نذكر الأمثلة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
يعجبني بحقّ كتاب القواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين رحمه الله وذلك لأنّه عبارة عن تقعيد وتأصيل لعلم الأسماء والصفات، فإذا أُصّل الشخص وتقعّد تقعيداً جيداً وتعلم هذا الكتاب بشكل متقن انتهى عنده هذا العلم وأتقنه، ما بقي عليه إلّا الإكثار من الاطلاع على نصوص الكتاب والسنة التي فيها إثبات الأسماء والصفات فقط، فمن القواعد التي تُذكر في مسألة الإثبات والنفي للصفات:
القاعدة التي يذكرها أهل العلم في مسألة الأغلبية، في الغالب في الكتاب والسنة يأتي ذكر الصفات بالإثبات المفصل والنفي المجمل، هذا في الغالب في القرآن والسنة، طريقة أهل البدع تخالف ذلك، أهل البدع في الغالب يأتون بإثبات مجمل ونفي مفصل، هذه طريقة أهل البدع في تعاملهم، لأنّهم بعيدون جداً عن كتاب الله وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمّا في الكتاب والسنة من تأمل القرآن والسنة وجد أن الغالب من الآيات والأحاديث التي تأتي في ذلك هي في حال الإثبات مفصلة وفي حال النفي مجملة، وأحياناً يخرج هذا عن الغالب لحكمة أرادها الله تبارك وتعالى كردّ شبهة مثلاً من شبهات أهل البدع وقولٍ من أقوالهم الباطلة يأتي التنصيص والتفصيل في مسألة النفي كما في قول الله تبارك وتعالى: ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ، هنا جاء نفي مفصل في نفي الولد، لماذا؟ لأنّ الكفرة ادعوا بأنّ الله سبحانه وتعالى له ولد، فنفى الله سبحانه وتعالى هذا الشيء، فيأتي النفي مفصلاً أحياناً ولكن ليس هو الغالب، هذه القاعدة التي أردنا أن ننبه عليها وهي القاعدة الأولى، ونمثل على ما ذكرنا بشكل سريع، الإثبات المجمل كقول الله تبارك وتعالى: ﮘ ﮙ ﮚ، أي: لله الصفات الكاملة، صفات الكمال لله تبارك وتعالى، وهنا ما تحدث عن صفة معينة، ذكر بالإجمال أنّ الصفات التي هي ثابتة لله تبارك وتعالى هي صفات كمال له، كذلك الأسماء قال: ﭳ ﭴ ﭵ، إثبات مجمل في هذا، لكن في الغالب: هذا القليل، أمّا الكثير والغالب في حال الإثبات هو التفصيل، مثل: ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ أثبت اسم الرحمن واسم الرحيم وصفة الرحمة لله تبارك وتعالى، صفة العلم صفة القدرة صفة السمع صفة البصر .. الخ، من صفات وأسماء مثبتة لله تبارك وتعالى طافحة بها أدلة الكتاب والسنة، فهذا تفصيل يتحدث عن اسم معين وعن صفة معينة هذا تفصيلي، إذا تحدث عن الأسماء وعن الصفات بشكل عام هكذا هذا يكون إجمالياً، هذا بالنسبة للإثبات وأمّا بالنسبة للنفي المجمل ففي قول الله تبارك وتعالى: ﭡ ﭢ ﭣ، هنا ما يتحدث عن شيء معين، تحدث بشكل عام، فهذا نفي مجمل، أمّا النفي المفصل كما مثلنا: ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ، هذا نفي مفصل، نفي صفة النسيان، صفة السهو، نفي صفة الموت، مثل هذه كلّها يعتبر نفياً مفصلاً، هذا تمثيل على ما ذكرنا.
بقيت القاعدة الثانية التي نريد أن ننبه عليها قبل أن نبدأ بمادة الكتاب وهي:
أنّ ما نفاه الله تبارك وتعالى عن نفسه في الكتاب أو نفاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربنا تبارك وتعالى في سنته كلّها صفات نقص في حقّ الله تبارك وتعالى كالموت والنوم والجهل وغيرها، وهذه عندنا فيها يجب إثبات ضدها وإلّا لما كان في ذلك تنزيها لله تبارك وتعالى ووصفاً له بالكمال حتى لا بدّ حتى يُثبت الضد، لماذا؟ لأنّ النفي لا يكون فيه كمالاً دائماً، أحياناً النفي يكون فيه نقص وعيب كما قال الشاعر في قبيلته:
قُبَيِّلَةٌ لا يَغدُرُونَ بِذِمَّةٍ *** وَلا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلٍّ
الآن أنت عندما تقرأ هذا الكلام تتوهم أنّه يمدح في قبيلته فقد نفى عنها الظلم، والله سبحانه وتعالى قد نفى عن نفسه الظلم، لكنّ النفي هنا غير النفي هناك، فهذا قد نفى عنها الظلم لا لأنّها لا تظلم، لا لكمال عدلها، ولا لعدلها أصلاً، ولكن لماذا؟ لضعفها، وعدم قدرتها على ذلك، فإذاً هنا كان فيه نفي وهناك فيه نفي لكن هذا النفي ليس كذاك النفي، فلذلك عندما تريد أن تنفي تريد أن تثبت الضد المخالف وهو الكمال فلمّا تنفي الظلم عن الله تبارك وتعالى، لماذا تنفيه؟ تنفيه لإثبات كمال عدل الله تبارك وتعالى، لأنّ ضد الظلم العدل، فتثبت بذلك كمال عدل الله تبارك وتعالى، إذن الصفات السلبية لا تُنفى إلّا مع إثبات الضد حتى تكون مُنزِهاً لله تبارك وتعالى وواصفاً له بصفات الكمال، هذه هي القاعدة الثانية التي أردنا أن نذكرها في هذا الباب، وبذلك نكون قد أصلنا مسألة الصفات السلبية، نأتي الآن عند تفصيل المؤلف رحمه الله.
قال: "وقوله: ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ".
تفصيل القول في تفسير الآيات قد تكلم فيه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عندكم في الشرح بما لم يجعل معه مجالاً لقول قائل، فأنهى الأمر وقد فسّرها بطريقة سهلة ميسرة وتامة فيما نحسب والله أعلم، فلذلك نحن نذكر من الآية شاهدها، لماذا ساقها المؤلف، قال: ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ، هذا استفهام، لكن ما المراد منه؟ استفهام، هل يراد منه العلم، الله سبحانه وتعالى عالم بكلّ شيء فلا يحتاج أن يستفهم من أحد شيئاً، فهذا الاستفهام المراد منه النفي، ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ أي: لا يوجد له سميٌّ، هذا معنى الكلام، والسميُّ هو: الشبيه والنظير، فنفى عن نفسه الشبيه لكماله المطلق تبارك وتعالى.
"وقوله: ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ".
أي: ليس لله تبارك وتعالى من يكافئه فليس له مساوياً لكماله تبارك وتعالى.
قال: " ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ".
النّد: هو المشابه والمكافئ، فليس له ند تبارك وتعالى، ليس له نظير، ليس له مثل، لذلك نهى عن جعل أحدٍ نداً له، لماذا؟ لكمال الله تبارك وتعالى.
قال: "ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ".
يتخذون أشباهاً ونظراء لله تبارك وتعالى، وهذه كالتي قبلها فيها نفي النّد، لأنّ الله سبحانه وتعالى يُنكر على الذين اتخذوا من دونه أنداداً، إذن فلا يوجد لله سبحانه وتعالى أنداداً.
ثم قال: "ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ".
نفى الله تبارك وتعالى عن نفسه في هذه الآية ثلاثة أشياء.
· الأول: الولد، ﮧ ﮨ ﮩ.
· الثاني: الشريك.
· الثالث: الوليّ من الذلّ.
نفى هذه الأشياء الثلاثة لماذا؟ لكمال ملكه وكمال غناه وكمال قدرته، فهو غني عن الولد، فهو يملك كلّ شيء، وهو قادر على كلّ شيء، الذي يأتيه الولد هو بحاجة إلى هذا الولد كي يعينه ويساعده، والله سبحانه وتعالى غني عن ذلك، فهو لا ولد له ولا شريك له ولا له ولي من الذل كي يعزّه، لله العزة الكاملة، فليس بحاجة إلى من يأتيه بالعزّة، فنفى الولي من الذلّ لكنّه لم ينفي الولي مطلقاً، الله سبحانه وتعالى أثبت الولاية: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ، "من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب"، إذن قد أثبت الله تبارك وتعالى الولاية ولم ينفها هناك، لكن نفى هنا الوليّ من الذّل، فإذن الولاية الخاصة المنفية وهي أن يوجد ولي له معين ونصير يرفعه إلى العزّ من الذّل، هذا الله تبارك وتعالى تنزه عنه، فالله سبحانه وتعالى عزيز موصوف بكمال العزّة، ﯢ ﯣ ﯤ.
ثم قال: "ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ".
يسبح: أي ينزه الله عن جميع النقائص، ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ هذا يشمل الجميع، إمّا تنزيهٌ بلسان الحال أو بلسان المقال كلّهم ينزهون الله تبارك وتعالى عن النقائص، لماذا؟ لأنّه صاحب الكمال، صاحب صفات الكمال، لا نقص عنده تبارك وتعالى، فيُنزَه الله سبحانه وتعالى عن جميع النقائص، فهذه فيها صفة سليبة لأنّ فيها نفي النقائص عن الله تبارك وتعالى، هذا معنى التسبيح، التنزيه عن النقائص، يعني: نفي النقائص عنه تبارك وتعالى، فهي تتضمن إثبات الكمال لله تبارك وتعالى.
ثم قال: "ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ".
ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ، الله سبحانه وتعالى، الحديث هنا عن الله تبارك وتعالى، : بمعنى تعالى وتعاظم، ﯕ ﯖ ﯗ: الذي هو القرآن، ﯘ ﯙ: على محمد صلى الله عليه وسلم، : محمد صلى الله عليه وسلم، ﯛ ﯜ: يعني ينذر الإنس والجنّ ويبلغهم رسالة الله تبارك وتعالى، ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ: وهو الله سبحانه وتعالى، ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ : الشاهد في هذه الآية قوله: ﯣ ﯤ ﯥ، هذه صفة سلبية، نفى عن نفسه الولد لكمال غناه وكمال قدرته تبارك وتعالى، ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ: أيضاً لكمال ملكه تبارك وتعالى وكمال صفاته ليس له شريك في الملك.
ثم قال: "ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ".
ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ : هذه فيها نفي الولد، فهي صفة سلبية، ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ: هذا أيضاً نفي للآلهة مع الله سبحانه وتعالى، يعني: المعبودات، والمعبودات ومن له الملك، فليس معه من يشاركه في الملك ولا من يشاركه في العبادة، ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ: يعني لو وجد معه إله وخالق يخلق لكلّ واحد أخذ ماله من خلقه، ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ: لكلّ واحد أراد أن يسيطر على ما عند الآخر، ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ: ينزه الله تبارك وتعالى نفسه عما يصفه به المشركون، فإذن عندنا صفات سلبية وهي نفي الولد، نفي الإله، وتنزيه لله تبارك وتعالى عن كلِّ ما يصفه به المشركون من الباطل، فنزّه الله سبحانه وتعالى ونفى عن نفسه تلك النقائص.
ثم قال: "ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ".
يعني: لا تجعلوا لله مثلاً، فتقولون مثل الله كمثل كذا وكذا، أو تجعلوا له شريكاً في العبادة، فهذه أيضاً صفة سلبية.
"ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ".
الصفة السلبية هنا قوله تبارك وتعالى: ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ، هذا مما حرمه تبارك وتعالى علينا: أن نشرك مع الله غيره، هذا محرم، فهذا منفي، وجود الشريك مع الله سبحانه وتعالى أمرٌ منفيٌ، فهي صفة سلبية، وأيضا قوله: ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ، يقول الشيخ ابن عثيمين هنا: لكمال الله تبارك وتعالى، فمن تمام سلطانه أن لا يقول عليه أحدٌ مالا يعلم، هذه أيضاً جعلها من الصفات السلبية.
هذه الصفات السلبية التي ذكرها المؤلف رحمه الله من القرآن، هذا ما يتعلق بمسألة الصفات السلبية، يرجع بنا المؤلف الآن إلى الصفات الثبوتية، إلى صفة هي من أعظم الصفات التي خالف فيها أهل البدع أهل السنة والجماعة، أعظم ثلاث صفات اشتهرت بمخالفة أهل البدع أهل السنة والجماعة هي:
· صفة العلو.
· وصفة الكلام.
· ورؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة.
وكلّها صفات أدلتها متواترة من الكتاب والسنة، متواترة وأدلة محكمة وواضحة لا خفاء فيها البتة، أدلة محكمة وأدلة كثيرة وأدلة واضحة وصريحة يتركها أهل البدع ويذهبون إلى المتشابهات، لما تقرر عندهم في عقولهم من باطل، من تقرير أنّ العقل مقدم على النقل، ثم قرروا أنّ هذه الصفات كلّها يلزم منها تشبيه الله سبحانه وتعالى بخلقه، وكلّه باطل مجرد كلام لا صحة له، ولا أدلة عليه لا من كتاب ولا من سنة، هذه صفة العلو قال فيها المؤلف رحمه الله :
" وَقَوْلُهُ‏:‏ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ،‏ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ، فِي سَبْعَةِ مواضعَ‏‏ ‏فِي سُورَةِ الأَعْرَافِ؛ قَوْلُهُ‏:‏‏ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ".
أدلة علوّ الله تبارك وتعالى على عرشه كثيرة، والعرش فوق السماوات السبع بالاتفاق، بإجماع أهل العلم، والله سبحانه وتعالى علا وارتفع على عرشه، هذا مذهب السلف وأمر متفق عليه بينهم لا خلاف فيه، وجاء مصرحاً به من كلام أبي العالية رحمه الله وهو من تلاميذ الصحابة ومولى أم سلمة رضي الله عنها، وفيما أذكر الآن أنّه أخذ من سبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلمّا فسر هذه الآية، قال: "علا وارتفع"، هذا كلام واضح وصريح بأنّهم يثبتون صفة العلوّ لله تبارك وتعالى وهذه الآيات تثبت ذلك.
: الذي هو الله سبحانه وتعالى.
ﮊ ﮋ ﮌ: قال أبو العالية: "علا وارتفع"، ونحن نقول كما قال سلفنا رضي الله عنهم ولا نحيد عن ذلك كما حاد أهل الضلال.
ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ: أيضاً هذه الآية بنفس معنى الآية الأولى.
قال: "فِي سَبْعَةِ مواضعَ‏‏ ‏فِي سُورَةِ الأَعْرَافِ".
كلّها فيها إثبات استواء الله سبحانه وتعالى على عرشه، وهذا يدلنا على أنّ الله سبحانه وتعالى عالٍ على خلقه وهو في العلوّ.
ثم ذكر الآيات الأخر التي بعدها فقال:
"وَقَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ
وَقَالَ فَي سُورَةِ الرَّعْدِ‏: ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ
وَقَالَ فِي سُورَةِ طَهَ: ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ
وَقَالَ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ
وَقَالَ فِي سُـورَةِ آلم السَّجْـدَةِ: ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ
وَقَالَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ".
هذه كلّها تدل على علوّ الله تبارك وتعالى على خلقه، وكما رأيتم آيات كثيرة في كتاب الله بنفس المعنى.
والاستواء كما ذكرنا تعريفه عن أبي العالية رضي الله عنه بأنّه بمعنى: العلوّ والارتفاع، هذا إذا كان قد تعدى بعلى يكون معناه العلوّ، وأمّا إذا تعدى بإلى يكون المعنى القصد، على قول بعض أهل العلم، بعضهم قال إذا تعدى بإلى، ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ، قالوا: قصدها لأنّه عُدي بحرف إلى، والبعض أيضاً قال هو بمعنى العلوّ والارتفاع على الحالتين.
"وقوله: ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ".
هذه أيضاً تدلّ على علوّ الله على خلقه لأنّ الله ماذا قال لعيسى؟ ﭩ ﭪ، إذن سيكون رفعاً إلى الأعلى، إليّ: يعني إلى العلوّ، عند الله سبحانه وتعالى.
قال: "ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ".
كذلك هذه فيها تصريح بأنّ الله سبحانه وتعالى عالٍ بذاته، فرفع الشيء إلى أعلى، ﭩ ﭪ، يعني: في العلوّ.
قال: "ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ".
الشاهد من ناحيتين:
ﯦ ﯧ: الصعود إلى الأعلى، إليه: إلى الله سبحانه وتعالى.
وكذلك قوله: ﯪ ﯫ ﯬ.
" ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ".
من أساليب تلبيس أهل البدع على العباد أنّ أحد طلبة العلم كان جالساً في مجلس رجل أشعري فكان من قوله أن قال المُجسمة -وهم يعنون أهل السنة- والحشوية -يسمونهم أيضاً- قال: المجسمة يقولون في هذه المسألة بقول فرعون، فعقيدتهم عقيدة فرعون، ما دليلك؟ قال: أنظروا إلى فرعون ماذا قال: قال: ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ، وتوقف إلى هنا، فرعون في أصله لا يعترف بوجود الله، وقد أنكر على السحرة عندما عبدوا الله سبحانه وتعالى فقال لهم ماذا؟ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ، هو الإله فقط، ما فيه أله أصلاً، ما يعترف بوجود الله سبحانه وتعالى، فكيف يعترف بوجود إله موسى، هذا الكلام أخذه فرعون من موسى ويستهزئ بكلام موسى فيقول لهامان: ابن لي صرحاً لعلي أطلع إلى السماء وأرى إله موسى الذي يدعي أنّ له إله في السماء، لذلك قال في آخر الآية: ﮜ ﮝ ﮞ، فقام له طالب العلم هذا فقال له يا شيخ أكمل الآية: ﮜ ﮝ ﮞ، يعني الكلام كلام موسى ما هو كلام فرعون، هذا دليل قوي جداً على علوّ الله تبارك وتعالى على خلقه وأنّ هذه العقيدة هي التي كان يدعو موسى فرعون إليها.
ثم قال: "ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ".
من في السماء؟ من الذي يخسف الأرض بالناس؟ أو يرسل الحاصب؟ هو الله سبحانه وتعالى، ﭵ ﭶ ﭷ يعني: من في العلوّ، فالسماء تُطلق على معنى العلوّ وتطلق أيضاً على معنى السماء المخلوقة، والمقصود هنا بالسماء، أي: في العلوّ، وليس معنى ذلك أنّ السماء تحيط بالله تبارك وتعالى، هذا ما يقال، فالله سبحانه وتعالى استوى على عرشه كما جاء في الآيات المتقدمة، والعرش فوق السماوات السبع كما صحّ بذلك الأحاديث وكما أجمع عليه علماء الإسلام.
هذه الآيات كلّها التي تقدمت معنا والأحاديث كثيرة جداً، كسؤال النبي صلى الله عليه وسلم الجارية: "أين الله؟" فقالت: في السماء، قال: "اعتقها فإنّها مؤمنة"، كلّها تدلّ على علوّ الله على خلقه وأنّه في السماء تبارك وتعالى مستوٍ على عرشه، هذه الأحاديث والآيات واضحة وصريحة في دلالاتها، أعرض عنها أهل البدع والضلال وتمسكوا ببعض الآيات والأحاديث المتشابهة، فردّوا المحكم إلى المتشابه لأنّه يوافق أهوائهم وهذه طريقة أهل البدع على طول، إمّا أن يعودوا على الدليل الشرعي بالتضعيف أو بالتحريف حتى يتخلصوا منه، إمّا بالتضعيف إذا استطاعوا أن يُضعفوا، إذا كان حديثاً نبوياً ضعفوه وعندهم التضعيف أمره سهل حتى بدون وجود حجّة صحيحة حديثية، مجرد أنّ عقولهم لا تقبل يرفضونه، أمّا إذا ما استطاعوا تضعيفه حرّفوه وغيّروه عن معناه المراد واستدلوا ببعض ما هو متشابه، وكما قال بعض أهل العلم: ما من صاحب ضلالة إلّا وله دليله، لكن هل هذا الدليل صحيح أم دليل باطل، هذه العبرة فلمّا نظرنا إلى الأدلة المحكمة الواضحة الصريحة، انتهى عندنا، قررنا العقيدة بناءً عليه، ثم بعد ذلك ما يأتي من أدلة متشابهة يجب أن تردّ إلى المحكم، هكذا أمرنا الله تبارك وتعالى.
لمّا انتهى المؤلف رحمه الله من مسألة العلوّ ذكر بعدها أدلة المعية، معية الله تبارك وتعالى لخلقه وهذه الأدلة هي التي يستدل بها أهل الباطل على أنّ الله سبحانه وتعالى في كل مكان كما يقوله بعض الجهمية.
قال: "ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ".
بدأ الآية بقوله: ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ، ثم ذكر في آخر الآية قال: ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ، فتمسكوا بقوله: ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ، وتركوا أنّه استوى على العرش، وهكذا طريقة أهل البدع، أهل السنة يقولون لا تناقض بين الأمرين هو مستو على عرشه تبارك وتعالى وهو معهم أينما كانوا، ومعية الله تبارك وتعالى قسمان:
· معية عامة.
· ومعية خاصة.
المعية العامة: تشمل كل أحدٍ -من مؤمن وكافر وبرٍّ وفاجر، كما في قوله هنا: ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ، أنظر الآية: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ، ثم ماذا قال؟ قال: ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ، يعني يعلم ما يدخل في الأرض، ﭣ ﭤ ﭥمن زروع وثمار وغيرها، ﭦ ﭧ ﭨ ﭩمن ماء، ﭪ ﭫ ﭬ في السماء، ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ، فبدأ الآية بالعلم فأنت عندما تريد أن تفهم الآية لا تغفل عمّا قبلها وعمّا بعدها وعن سياقها وعن سببها، وهذه الأشياء كلّها التي تدلّك على المعنى المراد منها، كلّ هذا تستحضره عند فهم الآية، فالآية في أولها يتحدث عن العلم، عن علمه بكلّ هذه الأمور فهو معكم أينما كنتم بعلمه فيعلم ما تفعلون، هذه المعية العامة.
أمّا المعية الخاصة: فهي المقيدة بشخص معين كقوله تبارك وتعالى عن نبيّه: ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ، هذه معية نصرة وتأييد من الله تبارك وتعالى لنبيّه، وكذلك قال لموسى وهارون: ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ، وضّح معنى المعية هنا، أنّه يسمع ما يدور بينهم وبين فرعون من حديث، ويرى ماذا يحصل، لمّا خاف هارون وموسى من فرعون أن يتجبر عليهم وأن يطغى قال الله تبارك وتعالى لهما: ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ، ما الذي ينتج عن السمع والرؤية هنا؟ النصرة والتأييد والحفظ من فرعون ومن شرّه، هذا معنى المعية هنا.
قال: "ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ".
لاحظ الآية الآن، انظر الآية عمّا تتحدث، ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ، المقصود من النجوى: الحديث الذي يكون بصوت خافت، يتحدث به اثنان مع بعضهما يكاد يسمع الطرف الثاني صاحبه، فهنا يقول الله سبحانه وتعالى: ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ أي: هو أيضاً يسمع ما يدور بينهم ويعلم الذي يحصل بينهم، ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ أي: لا يخفى عنه شيء ولا يذهب عنه علم شيء، ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ، مهما كان العدد، فالله سبحانه وتعالى معهم بعلمه، فيعلم كلّ شيء، ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ، أنظر كيف؟ أي أنّه يعلم ما عملوا ويسمع ما قالوا ثم ينبئهم به يوم القيامة، ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ، الكلام واضح ما فيه خفاء كلّه يتحدث عن العلم، لذلك عبارات السلف كثيرة في أنّ هذه كلّها المعية معية علم.
"وقوله: ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ".
هذه المعية الخاصة، معية النصرة والتأييد، والله سبحانه وتعالى معهم، يسمع ويرى ويعلم ما الذي يحدث وينتج عن ذلك نصرته ومعونته.
"ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ، ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ".
معية خاصة ليست معية عامة، ما المقصود بالمعية هنا؟ أي أنّ الله سبحانه وتعالى ينصرهم ويؤيدهم ويعينهم.
"وقوله: ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ".
إنّ الله مع الصابرين بتأييده لهم ونصرتهم لهم وحفظه لهم.
" ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ".
كلّها بنفس المعنى.
"قوله: ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ، ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ".
هنا الآن انتقل إلى صفة أخرى وهي إثبات الكلام لله تبارك وتعالى وأنّ القرآن من كلامه تعالى.
الآن الصفة الثانية التي حصل فيها النزاع الشديد بين أهل السنة وأهل البدع.
نتوقف إلى هنا إن شاء الله ونكتفي بهذا القدر.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-01-2014, 07:50   #9
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس التاسع من شرح العقيدة الواسطية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فتوقفنا في الدرس الماضي عند صفة الكلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وقوله: ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ، ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ".
هذا استفهام المراد منه النفي، أي: أنّه لا أحد أصدق من الله سبحانه وتعالى حديثاً وقولاً، والشاهد من هاتين الآيتين قوله: ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ، فأثبت أنّ الله سبحانه وتعالى يتحدث، والحديث هو الكلام، فيثبت بذلك صفة الكلام لله تبارك وتعالى، والحديث هو الكلام، وكذلك: قيلاً، يعني: قولاً، والقول أيضاً كلام، فلا يكون إلّا باللفظ.
قال: "ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ".
الشاهد قوله: ﭽ ﭾ، فأضاف القول إلى الله تبارك وتعالى، والقول لفظ مسموع يكون بصوت وكلام، فهو كلام.
"ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ".
الشاهد قوله: ﮫ ﮬ، أي: كلمات ربك كما جاء في قراءة أخرى، وتمت كلمات ربك، والمعنى واحد، فكلمة هي من المفرد المضاف الذي يعمّ، يشمل جميع الكلمات، ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ، فأثبت لنفسه الكلام بهذه الآية: ﮭ ﮮﮯ، كلام الله تبارك وتعالى دائر بين الصدق والعدل، فالأخبار كلّها صدق والأحكام كلّها عدل، فالعدل في الأحكام والصدق في الأخبار.
"وقوله: ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ".
هذا فيه إثبات أنّ الله تبارك وتعالى كلّم موسى، ففيه إثبات صفة الكلام لله تبارك وتعالى، وموسى سمع كلام الله تبارك وتعالى، ثم أكدّ ذلك بقوله ، فهو مصدر مؤكِد للكلام، وإذا أُكدّ الكلام بمصدر فهنا يكون نافياً للمجاز، احتمال المجاز منفي غير وارد، لماذا؟ لأنّه مؤكد، ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ، فإذن الكلام تكليم حقيقي وليس مجازاً، فلمّا أشكلت هذه الآية على بعض الجهمية حرّفها، فغير الضّمة في لفظ الجلالة وجعلها فتحة حتى يصير موسى هو المتكلِم وليس الله سبحانه وتعالى، لأنّها آية صريحة ما استطاع أن يفعل إلّا هذا.
"ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ".
الله سبحانه وتعالى هو المتكلِم، فأثبت لنفسه كلاماً حقيقياً.
"وقوله : ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ".
كلام صريح ما يحتاج، الله سبحانه وتعالى كلَّم موسى كلاماً حقيقياً وسمعه موسى.
"ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ".
، المناداة كلام، فالمناداة تكون بصوت، فهي كلام.
ﭖ ﭗ: المناجاة تكون للقريب، والمناداة تكون للبعيد، هذا يثبت ما يقوله أهل السنة في صفة كلام الله تبارك وتعالى أنّه يتكلم كيف يشاء ومتى شاء كلاماً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته، وليس ككلام المخلوقين، تعالى الله تبارك وتعالى عن ذلك، لكنّه يتكلم كلاماً حقيقياً كما أثبت لنفسه في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بآيات وأحاديث صريحة لا إشكال فيها.
"ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ".
ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ، والنداء يكون كلاماً بصوت، ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ، ناداه، ماذا قال له: ﮠ ﮡ
هذا أن تفسيرية، تفسر لنا مناداة الله تبارك وتعالى ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ، أي: هذه مناداة الله تبارك وتعالى له فقال له قولاً بصوت هذا مضمونه.
قال: " ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ".
أيضا نفس التي قبلها، ، أي: نادى الله سبحانه وتعالى آدم وحواء، النداء يكون بصوت، فهو كلام
"ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ".
هذه كذلك فيها مناداة، والمنادي هو الله سبحانه وتعالى.
فهذه كلّها الآيات تدلّ على أنّ الله تبارك وتعالى يتكلم بكلام حقيقي متى شاء وبما شاء وكيف شاء، متى أراد أن يتكلم تكلم، وبما شاء أن يتكلم تكلم، شاء أن يتكلم بالقرآن تكلم، شاء أن يُكلّم موسى فكلّمه، وهكذا كيف شاء، كيفية كلام الله تبارك وتعالى نحن لا نعرفها فنفوضها إلى الله سبحانه وتعالى، يتكلم، كيف يتكلم؟ الله أعلم، لأنّ الله سبحانه وتعالى لم يخبرنا كيف يتكلم، أخبرنا أنّه يتكلم ولكنّه لم يخبرنا بالكيفية، فنثبت له الكلام الذي أخبرنا به ونُفوّض الكيفية إليه ونقول الله أعلم بها، كما قال الإمام مالك عندما سُئل عن استواء الله، قال: "الاستواء معلوم"، على مقتضى اللغة العربية فهو العلو والارتفاع، "والكيف مجهول" كيفية الاستواء هذه نجهلها لا نعرفها، "والسؤال عنه بدعة"، أي: السؤال عن الكيفية بدعة محدثة، بحرف وصوت مسموع، هكذا نعتقد أنّ الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام حقيقي يليق بجلاله وعظمته ويتكلم بصوت وحرف كما جاء في الحديث: "أنّ الله سبحانه وتعالى يُنادي بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ"، وكما جاء في الحديث الآخر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف"، وجاء عن غير واحد من الصحابة والتابعين أنّهم قالوا: من أنكر حرفاً من كتاب الله فقد كفر، هم يُقرون أنّ كلام الله بحرف وصوت، لا يُماثل أصوات المخلوقين، ننفي أنّه مماثل لأصوات المخلوقين لأنّ الله تبارك وتعالى ماذا قال؟ قال: ﭡ ﭢ ﭣ ﭥ ﭦ ﭧ، أثبت لنفسه سمعاً وبصراً ونفى أن يكون هذا السمع والبصر مماثلاً لسمع وبصر المخلوقين، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في كلام الله تبارك وتعالى أنّه يتكلم حقيقة بحرف وصوت، وهذا أمرٌ متفق عليه بين أهل السنة بل كان متفقاً عليه في بداية الإسلام إلى أن ظهرت الجهمية وبدأت تخوض بباطلها وفسادها وانتشرت فتنتهم والله المستعان.
ثم بعد أن ذكر المؤلف رحمه الله صفة الكلام وهي من الصفات العظيمة التي تنازع فيها أهل السنة مع الجهمية وأهل الباطل الذين ينفون عن الله تبارك وتعالى ما أثبت لنفسه من أسماء ومن صفات، فصفة الكلام من الصفات العظيمة التي حصل فيها الاختلاف وحصلت بسببها الفتن بين الناس في زمن المأمون وما بعده، ومسألة القرآن وهل هو كلام الله تبارك وتعالى أم أنّه مخلوق هذه مسألة تابعة للمسألة التي سبقتها، فمن قال بأنّ الله تبارك وتعالى يتكلم بكلام حقيقي يليق بجلاله وعظمته ما عاد عنده إشكال في أنّ القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، ومن قال بأنّه لا يتكلم حقيقة كما قالته الجهمية بجميع طوائفها من جهمية ومعتزلة وأشاعرة وماتريدية وغيرهم، يقولون القرآن مخلوق، سواء صرحوا بذلك أو لم يصرحوا، جميعاً في النهاية عندهم القرآن مخلوق، بعضهم ينفي أنّ الله سبحانه وتعالى يتكلم نهائياً، لا كلام نفسي ولا غيره، الأشاعرة يقولون يتكلم لأنّه قد واجهتهم آيات وأحاديث كثيرة وما استطاعوا أن يردوها كما تجرأ على ذلك المعتزلة والجهمية ولكنّهم حرّفوها، كيف حرّفوها؟ قالوا: يتكلم كلاماً نفسياً ليس بحرف ولا صوت، كلام موجود في النفس لكنّه ليس حرف ولا صوت، يعني أنّه لا يتكلم، ولكن بطريقة ملتوية، أولئك الجهمية والمعتزلة قالوا: لا يتكلم وانتهى الأمر، هؤلاء قالوا: لا، لا نريد أن نخالف القرآن والسنة هكذا صراحة مع كثرة الأدلة الواردة في ذلك نقول يتكلم لكنّه كلام نفسي، يعني أيضاً أنّه لا يتكلم، وبناء على ذلك قالوا القرآن الذي بين أيدينا هذا ليس كلام الله، ماذا يصبح؟ يصبح مخلوق، يعني قريب من قول الذين قالوا: ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ، أولئك قالوا بأنّه مخلوق وهم قالوا بأنّه مخلوق، هذه المسألة مسألة القرآن وأنّه مخلوق، أول ما بدأت بدأت في عهد الإمام أحمد عندما لبّس بعض أهل الباطل من الجهمية عل المأمون وكان أحد الخلفاء العباسيين فتبنى قولهم في ذلك، وأنّ القرآن مخلوق وبدأ يمتحن علماء المسلمين بهذا القول وهو قول محدث باطل، فعلماء المسلمين جميعاً كانوا على ضدّه وكانوا يحاربونه لكن أخذهم بالسيف فمن أقرَّ تركه ومن لم يقر هدده بالقتل والجلد حتى يقر وإلّا فكثير منهم أجاب من أجل أن يتخلص من السيف وتحت الإكراه وتأول لنفسه بأنّه مكره، وأمّا الإمام أحمد ومحمد بن نوح فثبتا ولم يقرّا بما أراد المأمون وذلك لأنّ الإمام أحمد ومحمد بن نوح رأيا أنّ الكلام في مثل هذا الموطن باطل ولا يجوز وليست لهم رخصة حتى تحت تهديد السيف، لماذا؟ لأنّه سيؤثر على دين الله سلباً، والناس ستضل بعد ذلك، ولا يستطيع كثير من الناس أن يفرق بين الإكراه وغير الإكراه، فلذلك ثبت الإمام أحمد وثبت محمد بن نوح حتى قُتل محمد بن نوح ولكن الإمام أحمد رضي الله عنه ورحمه ثبت إلى أن خلّصه الله سبحانه وتعالى من شرّ هذه الطائفة ونجّاه ورفع الله سبحانه وتعالى ذِكره إلى يومنا هذا وإلى غد وإلى بعد غد للموقف الذي اتخذه من الثبات على الحقّ حتى جعل الله سبحانه وتعالى نصرة الحقّ على يديه، حتى قال بعض السلف بأنّ الله سبحانه وتعالى نصر دينه بأبي بكر يوم الردّة وبأحمد بن حنبل يوم الفتنة، فصبر وثبت ونصر اللهُ الحقّ على يديه حتى قيل في بعض الأخبار بأنّ الكثير من الناس كانوا ينتظرون ما يقوله أحمد حتى يكتبوا القرآن مخلوق أم ليس بمخلوق، وثبت وناظرهم وجادلهم وأقام الحجة عليهم بأنّ القرآن كلام الله غير مخلوق وبقي على ذلك ونصر الله سبحانه وتعالى به الدّين وعقيدة المسلمين.
قال المؤلف رحمه الله: "قال الله تبارك وتعالى: ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ".
هذه الآية دليلٌ واضح على أنّ القرآن الذي بين أيدينا هو كلام الله تكلم به حقيقة كيف يشاء سبحانه، فعقيدة أهل السنة والجماعة أنّ القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، أنّ القرآن كلام الله، هذه الآية والآيات التي ستأتي دليلٌ على ذلك ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ، منزل: سيأتي أيضا الأدلة على تنزيله منها قوله تبارك وتعالى: ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ، ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ، فهو منزل من عند الله تبارك وتعالى، غير مخلوق: لقول الله تبارك وتعالى: ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ، ففرّق الله تبارك وتعالى بين الخلق وبين الأمر، والأمر القرآن، وكلّ ما جاء فيه فهو من أمر الله تبارك وتعالى والخلق هي المخلوقات، ففرّق بين الخلق والأمر، وأمّا قوله: منه بدأ، أي: كلاماً له، أي: أنّ الله سبحانه وتعالى تكلم به، فبدأ من عنده، وإليه يعود، أي: أنّه في آخر الزمان يرفعه الله تبارك وتعالى كما جاء في الحديث الصحيح حتى لا يبقى منه شيء لا في الأوراق ولا في الصدور ولا في غيرها، فيرفعه الله سبحانه وتعالى إليه وهذا جاء في أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الذي يعتقده أهل السنة والجماعة في القرآن الذي هو كلام الله تبارك وتعالى.
ثم قال: "ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ".
ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ: هنا المؤلف ذهب إلى أن كلام الله هو القرآن وجعله الله سبحانه وتعالى كلاماً له، فهو صفة من صفاته تبارك وتعالى.
قال: "ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ".
وهذا أيضاً فيه إضافة الكلام إلى الله تبارك وتعالى.
قال: "ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀﰁ ﰂ ﰃ ﰄ".
أي: أضافه إليه تبارك وتعالى وقال: ﯾ ﯿ ﰀﰁ، فأضافه إلى نفسه لأنّه هو الذي تكلم به.
"ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ".
الشاهد قوله: ، فالقصص لا يكون إلّا قولاً، فهو كلام الله تبارك وتعالى.
"ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ".
الآن انتهى من الاستدلال على أنّ القرآن كلام الله تبارك وتعالى يبدأ بالشطر الثاني وهو يثبت أنّه منزل من عند الله، قال: ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ، إذن فهو منزل من عند الله تبارك وتعالى.
"ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ".
الشاهد فيه قوله: ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ، فهو منزل ولكن على نبي الله تبارك وتعالى وللأمة أجمع.
قال: "ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ".
الشاهد فيه قوله: ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ، فالله سبحانه وتعالى نزّل هذا القرآن من عنده، وقوله: ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ، أيضاً دليل على أنّ هذا القرآن منزّل تنزيلاً.
هذا ما يتعلق بالنسبة للقرآن وصفة الكلام، وكما ذكرنا أنّ القرآن هل هو مخلوق أم أنّه كلام الله؟ هو راجع إلى إثبات صفة الكلام لله تبارك وتعالى، وهذه الصفة من الصفات العظيمة التي خالف فيها أهل الضلال، حتى قال بعض العلماء إنّما سُمي أهل الكلام أهلَ كلام لأنّ أعظم ما خالفوا فيه مسألة كلام الله تبارك وتعالى، والبعض قال لكثرة تقريرهم مسائل الاعتقاد بالكلام وبالعقل، والشبهة واحدة، شبهتهم في القضية هذه وغيرها من الصفات واحدة، وهي أنّ الحوادث لا تحلّ إلّا في الأجسام والأجسام مخلوقة وإذا أثبتنا هذه الحوادث التي هي كلام الله سبحانه وتعالى وأفعاله، إذا أثبتناها لله فنكون قد أثبتنا أنّ الله جسم والجسم مخلوق فيكون الله مخلوقاً، هكذا لوازم كلّها مع أنّ هذه اللوازم لا أصل لها إلّا أنّهم التزموها وبنوا عليها مذهبهم الفاسد، وهذا كلّه باطل طبعاً، ولا نُسلم أصلاً أنّ الكلام لا يكون إلّا في الأجسام والأجسام مخلوقة، هذا كلّه لا يسلم به، فكلام الله سبحانه وتعالى وكونه حادث أو يسمونه حادث أو لا يسمونه حادث، ليس بمخلوق ولا يعني كونه صفة لله أنّ الله تبارك وتعالى مخلوق، لا يلزم هذا البتة، لكن هم اضطرهم إلى هذا اللازم مقدمات ثانية طويلة الحديث.
قال المؤلف: "ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ".
الآن انتقل إلى مسألة أخرى وهي إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهذه من الصفات العظيمة التي أيضاً خالف فيها أهل الباطل أهلَ الحقّ مع أنّ أدلتها واضحة وصريحة وهي رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة، من عقيدة أهل السنة والجماعة أنّ المؤمنين يرَون ربهم يوم القيامة وأنّه لا يَرَى أحدٌ ربَّه في الدنيا، ولكن يوم القيامة المؤمنون يرون ربّهم، ويستدلون على ذلك بأدلة منها ما ذكره المؤلف: ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ، ﭙ ﭚ ﭛ: أي: حسنة فيها نضرة، ﭝ ﭞ ﭟ : أي: تنظر إلى الله تبارك وتعالى، وهذا الشاهد من الآية أنّها إلى ربها ناظرة، أي: تنظر إلى الله تبارك وتعالى، ففيها إثبات رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة.
وقال: "ﭑ ﭒ ﭓ ".
الأرائك: يعني السرائر والوسائد التي يتكؤون عليها، متكئين على سرائرهم ينظرون إلى ربهم تبارك وتعالى.
قال: " ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ".
هذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله، من أين فسّرنا هذا التفسير ، من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "أنّه ذكر الزيادة فقال هي النظر إلى وجه الله"، فتفسير هذه الآية أُخذ من النبي صلى الله عليه وسلم، فبذلك نثبت بهذه الآية مع الحديث أنّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة.
قال: "ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ".
ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ: أي في الجنّة، كلّ ما تشتهي أنفسهم يأخذونه وينالونه، ﰡ ﰢ: أي: مزيد على ما يشاءونه وهو النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى، هو المزيد الذي سينالونه.
هذا بالنسبة للآيات التي تُثبت رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة والأحاديث كثيرة وستأتي إن شاء الله، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "إنّكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته"، إنّكم سترون ربكم تبارك وتعالى كما ترون القمر، أنظر القمر الآن الذي في المشرق والذي في المغرب كلّهم يرون القمر، أنتم سترون الله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة، ولا تضامون في رؤيته، لا يحتاج أن ينضم بعضكم إلى بعض أو أن تتزاحموا لرؤيته، لا، كلّ واحد من مكانه سيرى الله سبحانه وتعالى، وهذا الحديث واضح وصريح وهو متواتر ولا إشكال فيه، فكلّ هذه الأدلة تدلّ على رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة، وقد نفاها أهل الباطل وتعلقوا بشبهات هي أوهى من خيوط العنكبوت، منها: قول الله تبارك وتعالى لمّا طلب موسى أن يرى ربه: ﯜ ﯝ ﯞ، فتعلقوا بهذا، وقالوا: هنا قد نفى الله سبحانه وتعالى الرؤية عن نفسه وهذا من باطلهم، وكي يؤكد الزمخشري الباطل الذي هو عليه والاعتقاد الذي اعتقده قال: لن في لغة العرب تفيد التأبيد، ماذا يعني التأبيد؟ يعني إذا قال له: ﯝ ﯞ ، فلن تكون هناك رؤية لا في الدنيا ولا في الآخرة، كي يُثبت عقيدته وردّ عليه ابن مالك وغيره من علماء اللغة وقالوا هذا الكلام باطل غير صحيح، لن تفيد نفي الشيء في وقته، ولا تفيد نفيه فيما بعد ذلك كما هاهنا، ﯜ ﯝ ﯞ، لمّا موسى طلب من الله الرؤية في الدنيا قال له إنك لن تراني، أي: في الدنيا أمّا في الآخرة فلم يتكلم معه في هذا الأمر، فتفسير الآية على أنّه لن يراه أبداً لا في الدنيا ولا في الآخرة هذا تحكم وباطل، فموسى طلب الرؤية في لحظتها فقال له لن تراني في تلك اللحظة، وطبعاً هم أنفسهم يعلمون أنّ مثل هذه الأدلة التي يذكرونها هي شبهات فقط وليست أدلة، هم مقرون بهذا ويعرفونه لكن الذي اضطرهم إليه هي الشبهات الأساسية التي طرأت على عقولهم، لمّا شغلوا عقولهم ونفوا عن الله تبارك وتعالى الصفات وقالوا يلزم كذا ويلزم كذا ويلزم كذا وهي لوازم ما أنزل الله بها من سلطان، عندئذ لمّا التزموا هذه اللوازم ووجدوا أنّ أدلة الكتاب والسنة تخالف هذه اللوازم صاروا يريدون أن يتخلصوا من أدلة الكتاب والسنة لأنّ القاعدة الأساسية عندهم ماذا؟ أنّ العقل مقدم على النقل، فإذا العقل عندي أثبت أو نفى خلاص النقل نحطّه على جنب، لازم إمّا أن يُضعف ما جاء مخالفاً للعقل من الأدلة الشرعية، إمّا أن يُضعف أو أن يُحرف وهم يسمونه تأويلاً، أي: يُأول هذه قاعدتهم، يقولون: إمّا أن يُضعف أو يُأول، هذا الذي يفعلونه بأدلة الشريعة، لأنّ لمّا ضعفت مكانة القرآن والسنة في نفوسهم وما بقي لها ذاك الوزن وصار عندهم العقل هو الضابط الأساسي في القضية، صار كلمّا جاءهم دليل من القرآن والسنة رموا به خلف ظهورهم ومشوا بناء على باطلهم وعقولهم الفاسدة، فمهما أتيت لهم من دليل من الكتاب والسنة يتلاعبون به وليس ذاك الكوثري عنا ببعيد عندما جاء عند حديث الجارية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أين الله؟"، قالت: في السماء، قال: "اعتقها فإنّها مؤمنة"، ما جرأ على تضعيفه من هم مثله من القدامى، لكنّه هو لجرأته وقلة دينه تجرأ عل ذلك وضعّف الحديث، مع أنّ الحديث متفق على صحته، ما يُخالف أحدٌ في تصحيح هذا الحديث حتى الذين يُحرّفون الصفات ولا يُثبتون علوّ الله على خلقه لا يُضعفونه لكنّهم يحرفونه، يأولونه، هو تجرأ وتطاول أكثر وضعّف الحديث نسأل الله السلامة والعافية، والهوى ماذا يفعل بأصحابه وإلى أين يجر العباد، الشاهد من الموضوع أن شبهتهم الأساسية أنّها هذه القضية أنّ عقلهم هو الذي يحكم على الله ما الذي يجوز في حقّ الله وما الذي لا يجوز في حقّ الله، عقولهم هي الضابط وليس الشرع، الله سبحانه وتعالى الذي يتحدث عن نفسه أعلم بحاله وأعلم بنفسه، وإلّا أنتم الذين لم ترونه أعلم به، سبحان الله عجيب التجرؤ هذا، هذا ما يتعلق بصفة إثبات أنّ القرآن كلام الله حقيقة.
قال المؤلف: " وَهَذَا الْبَابُ فِي كِتَابِ اللهِ كَثِيرٌ ".
يعني هذا الباب: إشارة إلى الأسماء والصفات، الأدلة التي تدلّ على إثبات صفات الله وأسمائه كثيرة جداً في القرآن وفي السنة متواترة تواتراً شديداً، فلا ينكرها إنسان عاقل، ثم يدّعون أنّهم أصحاب العقل وأصحاب الذكاء.
"ومَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ؛ تَبَيَّنَ لَهُ طَرُيقُ الْحَقِّ ".
لا شكّ في ذلك، من تجرد عن هواه وتخلى عن كلّ ما ركّبه فيه غيره من قواعد وضوابط لا أصل لها في الشرع ونظر في القرآن بعين الإنصاف ونظر في القرآن بتدبر وتأمل وتفكر مع إخلاص لله تبارك وتعالى لا بدّ أن يعرف الحقّ وأن يُهتدى إليه.
قال: "ومَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَىكان هذا قصده، ليس قصده أن يتلاعب في القرآن وكلمّا جاءت آية تُخالف ما عنده حرّفها وكلمّا جاءه حديث يُخالف ما عنده ضعفه لا ما يصلح هذا تريد أن تنظر في القرآن بعدل وبطلب للهدى وتكون خالصاً في نيتك، "تَبَيَّنَ لَهُ طَرُيقُ الْحَقِّ"، أمّا من نظر في القرآن وقد مُلأ عقله وذهنه بتخاريف المتكلمين فهذا لن يهديه السبيل إلّا أن يشاء الله تبارك وتعالى أمراً.
هذا ما جاء في القرآن من مسائل الأسماء والصفات التي ذكرها المؤلف رحمه الله في كتابه ثم سيذكر أحاديث النبي صلى الله عيله وسلم التي تدلّ على صفات الله تبارك وتعالى.
نكتفي نحن بهذا القدر ونكمل في الدرس القادم بإذن الله تعالى.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-01-2014, 13:52   #10
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس العاشر من شرح العقيدة الواسطية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فكنّا وقفنا في الدرس الماضي عند انتهاء المؤلف رحمه الله من ذكر الآيات التي حوت على أسماء وصفات الله تبارك وتعالى.
قال المؤلف رحمه الله: "فَصْلٌ‏:‏ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم".
تقدم أنّ أهل السنة يصفون الله بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، فبعدما ذكر المؤلف رحمه الله ما وصف الله به نفسه في كتابه بدأ بذكر السنة وما وصف به نفسه في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال المؤلف رحمه الله: "فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم".
السنّة لغة: هي الطريقة، وفي الاصطلاح: تطلق على عدة معانٍ، منها:
ما يقابل البدعة، وهذا تجدونه في كتب الاعتقاد، كتاب السنة للخلال، شرح السنة للبربهاري، شرح السنة لللاكائي، وهكذا، فهذه الكتب وُضعت تقرر مسائل الاعتقاد التي خالف فيها أهل البدع.
ومنها: الشريعة، تطلق السنة ويُراد بها الشريعة بالكامل، كما قال صلى الله عيله وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ"، "عليكم بسنتي" أي: بشريعتي.
وتُطلق بمعنى: المستحب، وهذا عند الفقهاء، يُطلقون السنة بمعنى المستحب، يقول لك هذا الفعل واجب وهذا سنة، أي: مستحب.
ومنها: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، فما أُضيف للنبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير يُقال فيه سنة، وهذا المعنى الأخير هو المراد معنا هاهنا، أي ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول له أو فعل من أفعاله أو أقرَّ أحد أصحابه على فعل من الأفعال.
قال المؤلف: "فَالسُّنَّةُ بِهَذَا المَعْنَى الذِي ذَكَرْنَاه تُفَسِّر القُرْآنَ".
التفسير: هو التوضيح، وتُوضّح معنى الآيات القرآنية كما في قوله تعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الظلم هاهنا الشرك، ففسرت السُّنّة القرآن، وكذلك قوله تعالى: ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ، فسّرَ النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة هنا بالنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى، والأمثلة كثيرة، فالسّنّة تُفسِّر القرآن وتُبيّنه، أي: تبين مجمله، كبيان كيفية الصلاة وكيفية الحجّ، جاء في كتاب الله أنّ الله تبارك وتعالى قال: ﮛ ﮜ، فهذا أمرٌ بإقامة الصلاة، كيف نصلي؟ علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نُصلي، فكان في فعل النبي صلى الله عليه وسلم بياناً لمجمل الكتاب، وكذلك الحجّ، أمر الله تبارك وتعالى بالحجّ، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وبيّن لنا كيفية الحجّ، فهذا بيان لأمرٍ مجملٍ.
"وتَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعَبِّرُ عَنْهُ".
السّنّة تدلّ على ما في القرآن من معنى، فهي تُفسر وتبين وتوضح كتاب الله تبارك وتعالى وتعبر عنه، أي: تدلّ على المعنى الذي يدلّ عليه وتبين المراد منه، هذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهذه مكانتها.
قال: "وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ؛ وَجَبَ الإيمَانُ بِهَا كَذَلِك‏".
السّنّة: هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، فالله عز وجل قال: ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ، وطاعة الرسول تكون باتباع سنته صلى الله عليه وسلم، وطاعة الله تكون باتباع كتابه، وقال: ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ، ومما جاءنا به النبي صلى الله عليه وسلم سنته، وقال: ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ، فكلام النبي صلى الله عليه وسلم وحيٌّ من الله.
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا أُلفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به ونهيت عنه فيقول بيني وبينكم كتاب الله، ألّا إني أوتيت الكتاب ومثلَه معه"، يعني يحذر النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: لا أجدن من بعدي أقواماً يأتون ويجلس الواحد منهم على كَنَبِه وعلى سريره ويتكأ على وسادته ويقول: بيني وبينكم كتاب الله، يعني أني لا آخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من مثل هذه، قال: "ألّا إني أوتيت الكتاب ومثلَه معه"، يعني: أوتيت القرآن وأوتيت السنة التي هي مثل القرآن، القرآن وحده لا يكفي، لابدّ من السنة معه، لذلك عندما تكفل الله تبارك وتعالى بحفظ كتابه حفظ معه سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فكان الدين تاماً محفوظاً.
قال المؤلف هنا بناء على ما قدمنا: "ما وصف الرسول به ربّه عز وجل من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول"، يعني كلّ ما وصف النبيُ صلى الله عليه وسلم به ربّه تبارك وتعالى في حديثٍ ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث قد تلقاه أهل المعرفة الذين هم أهل الحديث، أخذوا هذا الحديث بالقبول، قبلوه ولم يردّوه ولم يطعنوا فيه وجب الإيمان به كذلك، وجب الإيمان بذاك الوصف الذي وصف الرسول صلى الله عليه وسلم ربّه به، لماذا؟ لأنّه ثبت بحديث صحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد وصف اللهَ تبارك وتعالى به، واللهُ تبارك وتعالى أوصافه لا تُعرف إلّا بوحي منه، وبما أنّ سنة النبي صلى الله عليه وسلم وحيٌّ من الله، إذن فوجب الأخذ بما جاء به صلى الله عليه وسلم، هذا منهج السلف من غير تفريق في ذلك بين متواتر وآحاد، ما عندهم هذه الفلسفة، هذه الفلسفة جاءت من قبل أهل البدع، أهل الباطل، أنظروا إمام من أئمة السلف: إسحاق بن راهوية كثير منكم يعرفه هو صاحب الإمام أحمد، هذا الإمام دخل على أمير من الأمراء يُقال له: ابن طاهر، فقال ابن طاهر لإسحاق بن راهوية مستنكراً: ما هذه الأحاديث؟ يروون أنّ الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ يستهجن هذا الأمر بعدما سمع من ضلالات أهل البدع، فقال إسحاق بن راهوية له: نعم رواها الثقات، أنظر إلى هذه الكلمة رواها الثقات، ما قال له متواترة ولا غيرها، فقط رواها الثقات، يكفي، قال: نعم رواها الثقات الذين يروون أحاديث الأحكام، أنظر كيف ردّ، ماذا يعني؟ يعني بما أنّك قبلت منهم دينك الذي تتعبد به ربّك تبارك وتعالى كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها فلما لا تقبل منهم هذا، قال: نعم رواها الثقات الذين يروون احاديث الأحكام، فقال ابن طاهر مسترسلاً ومستنكراً ومتعجباً: ينزل ويدع عرشه، أنظر الآن تشغيل العقل في الموضوع، من أين جاء بكلمة: ينزل ويدع عرشه، من القياس، قاس الله على عبده، فمثَّل وأراد أن يفرَّ من التمثيل فاستهجن هذه الصورة، وهذا أصل كلّ معطل، كلّ معطل في أصله ممثل، فأراد أن يفرَّ من التمثيل فوقع في التعطيل، كلّ واحدٍ منهم عندما فكر في: آية إثبات صفة اليد، آية إثبات صفة الوجه، إثبات صفة الرجل، مباشرة خطر في باله رباً يُماثل المخلوقين، فاستهجن هذا واستعظمه في نفسه فأراد أن يفرّ منه ففرَّ إلى التعطيل، وهذا كثيرٌ وصوره كثيره، من أحوال الناس عندما يريدون أن يفروا من شيء خطأ يفرون إلى ضده، أنظروا إلى أحوال الناس اليوم، أنظروا إلى الغرب عندما أرادوا أن يفروا من ظلم النساء فروا إلى تحريرهن من كلّ القيود، وكذلك عندما أرادوا أن يفروا من ظلم الحيوانات فروا إلى الطرف الآخر وهكذا، هكذا هم البشر إلّا من رحم ربي، فالأمر المعتدل يأتيك من ربّ العالمين تبارك وتعالى، هنا أهل السنة نظروا إلى كتاب الله تبارك وتعالى بعين الاعتدال والإنصاف فأخذوا بآية: ﭡ ﭢ ﭣ ﭥ ﭦ ﭧ، بكلا طرفيها، فما أخذوا بطرفٍ وتركوا الآخر، المعطلة أخذوا بقوله تبارك وتعالى: ﭡﭢ ﭣ، وتركوا: ﭥ ﭦ ﭧ، والمشبهة أخذوا بـ: ﭥ ﭦ ﭧ وتركوا: ﭡ ﭢ ﭣ، وأهل السنة وسطٌ بين الطريفين، أخذوا بقوله: ﭡ ﭢ ﭣ ﭥ ﭦ ﭧ، الآية واضحة، نزّه الله عن التمثيل وأثبت له ما أثبت لنفسه، انتهى الأمر، فقال الآن ابن طاهر: ينزل ويدع عرشه؟ فقال إسحاق بن راهويه: انظر إلى الرّد؟ الأصل السلفي، الأصل الذي تعلموه من أئمتهم وعلمائهم، إسحاق بن راهويه يُعدُّ من أتباع التابعين أو من بعدهم، قال له: يقدر أن ينزل من غير أن يخلوَّ منه العرش؟ أسألك؟ سؤال؟ هل الله سبحانه وتعالى قادر على النزول إلى السماء الدنيا من غير أن يخلو منه العرش وإلّا لا؟ قال: نعم، يقدر على ذلك، لأنّه قد استقر في نفسه أنّ الله على كل شيء قدير، قال: قلت فلم تتكلم في هذا؟ مالك ومال الفلسفة هذه الزائدة، أمرٌ ما جاء في كتاب الله ذكره ولا جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا تكلم فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بعدهم، لماذا تذكره وتحشر أنفك فيه؟ خلاص، قف حيث وقف القوم، ولا تزد، ينزل ينزل، وجاء في رواية أيضاً أنّه سأل إسحاق بن راهويه عن كيفية النزول، فقال له إسحاق: أعزّ الله الأمير، لا يُقال كيف إنّما ينزل بلا كيف، هذه الأصول السلفية، من أراد العقيدة بحقّ فليقرأ مثل هذه الآثار، يعرف منهج السلف، الكيف ما أُخبرنا به، أخبرنا الله أنّه ينزل وما أخبرنا كيف ينزل، إذن نسكت عن الكيف ونُثبت النزول.
قال المؤلف رحمه الله: "مِثْلُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:".
أي ما هي هذه الصفات التي أَخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها في أحاديث صحيحة وجب علينا قبولها.
قال: "مِثْلُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ‏:‏ مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ"‏ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ".
هذا واضح، نُثبت بذلك أنّ الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا كما يشاء وكيف يشاء ولا نزيد، خلاص نقف إلى هنا.
قال المؤلف: "وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم‏: "‏لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهُ الْمُؤْمِنِ التَّائِبِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ" ‏مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ‏".
فيه إثبات صفة الفرح لله تبارك وتعالى، وهو فرح حقيقي يليق بجلاله وعظمته، ليس كفرحنا، نحن نفرح والله يفرح ولكن فرح الله ليس كفرحنا، فرح يليق بعظمته وجلاله تبارك وتعالى، ليس كفرح المخلوقين.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ صلى الله عليه وسلم‏: "‏يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ؛ كِلاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ"‏ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ"‏.‏
يضحك الله، فيه إثبات صفة الضحك لله تبارك وتعالى والقول فيها كالقول في صفة الفرح، ضحك يليق بجلال الله وعظمة الله لا كضحكنا، وهذا من الصفات الفعليه، يفعلها الله سبحانه وتعالى كيف يشاء ومتى شاء.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ "‏عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزَلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ‏" حَدِيثٌ حَسَنٌ‏".
هذا الحديث فيه صفتان:
الأولى: صفة العجب، وهو استغراب الشيء، وهذا الاستغراب يحصل لأمرين:
· الأول: خفاء الأسباب عن الشخص، فعندما يحصل الشيء يستغربه لجهله بأسباب حصول هذا الشيء، وهذا منزّه الله تبارك وتعالى عنه لأنّه ناتج عن جهل.
· والنوع الثاني: أن يكون السبب غير خفي، ولكنّه يخرج الشيء عن نظائره، أي عن أمثاله، كأن ترى طفلاً صغيراً يتكلم بكلام أكبر من حجمه، أكبر من سنّه، تستغرب وتضحك، أنت تعلم أنّه قادر على مثل هذا الكلام، ولكن الأطفال الذين من سنّه لا يتكلمون بهذا الكلام، فعندما يخرج منه هذا الكلام تستغربه، لا لعدم علمك أنّه قادر عليه ولكن لأنّ نظراءه -يعني الأطفال الذين في سنّه- لا يتكلمون بمثل هذا الكلام، فتستغربه، فهذا الاستغراب ليس ناتجاً عن جهل، هو ناتج عن علم معروف هذا الشيء وهذا هو الذي نثبته لله تبارك وتعالى.
"عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ"، القنوط: اليأس الشديد، "وَقُرْبِ غِيَرِهِ"، مع قرب تغييره للحال، "يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزَلينَ"، أي: واقعين في الشدّة، "قَنِطِينَ"، من القنوط وهو اليأس، فيظلّ يضحك، هذا فيه إثبات صفة الضحك لله كما تقدم، يعلم أنّ فرجكم قريب.
ثم قال رحمه الله:"وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "لا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا النّاس والحجارة".
لا تزال: ما زال الملائكة يأخذون البشر ويرمونهم في جهنّم ويرمون فيها الحجارة كي تزداد اشتعالاً نسأل الله أن يجنبنا وإياكم شرّها، "وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟"، لا يملأها البشر ولا الحجارة، كلمّا ألقي فيها فوج قالت: هل من مزيد؟ حتى: يعني تطلب الزيادة "حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا رِجْلَهُ ‏[‏وَفِي رِوَايَةٍ‏:‏ عَلَيْهَا قَدَمَهُ‏]‏ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، فَتَقُولُ‏:‏ قَط قَط‏" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ‏.‏
يبقى يُرمى فيها البشر وتُرمى فيها الحجارة وهي تطلب المزيد والزيادة، حتى ربّنا تبارك وتعالى يضع رجله عليها عندئذ تقول: قط قط، أي: حسبي وكافيني، خلاص انتهى الأمر، وهذا فيه إثبات الرّجل والقدم لله تبارك وتعالى، الرّجل بمعنى: القدم، جاء ذكر الرّجل في حديث أبي هريرة وهو متفق عليه، وفي رواية عنه: قدمه عند البخاري، وجاء ذكر القدم في حديث أنس المتفق عليه.
قال المؤلف رحمه الله:"وَقَوْلُهُ‏ صلى الله عليه وسلم: يَقُولُ الله تَعَالَى‏:‏ يَا آدَمُ؟ فَيَقُولُ‏:‏ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ".
أي: إجابة مع إجابة وإسعادً بعد إسعاد،
"فَيُنَادِي بِصَوتٍ"، فيه إثبات صفة الكلام لله تبارك وتعالى، لأنّ النداء كلام، وبصوت: والنداء أصلاً لا يكون إلّا بصوت ولكنّه أكّده، زيادة تأكيد، ففيه إثبات الكلام الحقيقي لله تبارك وتعالى الذي يكون بحرف وصوت، لا الكلام النفسي الذي تثبته الأشاعرة، ذاك الكلام ليس كلاماً حقيقياً، الكلام الحقيقي الذي يكون بحرف وصوت.
"إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إلَى النَّارِ.‏ مُتَّفقٌ عَلَيْهِ‏".
""وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ".‏ متفق عليه".
هذا فيه إثبات الكلام، أنّ الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام حقيقي يسمعه المُكلَّم الذي كُلِّم، فسيُكلِّم اللهُ تبارك وتعالى كلَّ واحدٍ منا فيسمعُ كلامَ اللهِ تبارك وتعالى ليس بينه وبين الله من يترجم الكلام.
"وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي رُقْيَةِ الْمَرِيضِ‏:‏ ‏(‏رَبَّنَا اللهَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ اجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجِعِ؛ فَيَبْرَأَ‏)‏‏.‏ حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُ".
حوبنا: يعني كبائر الذنوب، قوله حديث حسن ليس بحسن، بل هو حديث ضعيف أعلّه الذهبي في كتابه العلوّ براوٍ اسمه: زيادة بن محمد وهو منكر الحديث، قاله فيه البخاري رحمه الله والنسائي وأبو حاتم ولم يُوّثقه معتبر، ولكنّ الله في السماء ثابت بأدلة كثيرة تقدمت وستأتي إن شاء الله، وهو الشاهد الذي ذكره المؤلف هنا لأجله هو إثبات أنّ الله في السماء، وقد تقدمت معنا آيات في ذلك وستأتي أحاديث بهذا المعنى إن شاء الله.
"وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم‏: "‏أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ" حَدِيثٌ صَحِيحٌ".
هذا الحديث في الصحيحين: "‏أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ" متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري، الشاهد فيه قوله: "وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ"، أي: أمين الله سبحانه وتعالى، فالله في السماء، أي: على السماء، أو في السماء بمعنى: في العلوّ.
"وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم‏: "‏وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ" حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ".
الشاهد فيه: الله فوق العرش والعرش فوق جميع المخلوقات، كما هو معلوم، ولكنّ هذا الحديث حديث ضعيف ضعّفه الذهبي في كتاب العلوّ بـ: عبد الله بن عُميرة، وهو حديث الأوعال.
"وَقَوْلُهُ لُلْجَارِيَةِ‏:‏ "‏أَيْنَ اللهُ‏؟‏‏" قَالَتْ‏:‏ فِي السَّمَاءِ‏. قَالَ‏:‏ "‏مَنْ أَنَا‏؟".‏ قَالَتْ‏:‏ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ‏.‏ قَالَ‏:‏ "‏أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ‏".
لمّا كان المشركون يعبدون أوثاناً كثيرة على الأرض ويعبدون الله أيضاً أراد أن يَعلَم النبيُ صلى الله عليه وسلم إيمان هذه المرأة ويختبرها، تعبد من؟ الذي في السماء أم الذي في الأرض؟ فقال لها: "أين الله؟"، الذي تعبدينه؟ وتتقربين إليه؟ قالت: في السماء، ففرّقت ما بين من هو في الأرض ومن هو في السماء، فأثبتت علوّ الله تبارك وتعالى بذلك، وهذا من السنن التقريرية، هذا معنى التقرير، أن يقول الصحابي شيئاً في حضرته ويسكت النبيُ صلى الله عليه وسلم عنه، هذا سنة ثابتة وحجّة شرعية، وهنا أقرّها النبي صلى الله عليه وسلم وأثبت لها الإيمان بذلك، إذن: فالله في السماء وهو حديث صريح لا إشكال فيه، لذلك كان شوكة في حلوق أهل البدع، فتطاول عليه بعض من لا يتق الله سبحانه وتعالى ولا يخافه بالتضعيف، وكثير منهم تطاولوا عليه بالتحريف والله المستعان.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ "‏أَفْضَلُ الإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ"".
انتهى من علوّ الله تبارك وتعالى على خلقه وبدأ يذكر المعيّة، معيّة الله تبارك وتعالى، لا تعارض بين الأمرين، الله عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه وهو معنا بعلمه، بحفظه، بسمعه، ببصره، هو معنا بذلك، أمّا هو بذاته فهو عالٍ على خلقه.
قال: "‏أَفْضَلُ الإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ".
أي: أينما كنت اللهُ سبحانه وتعالى معك، معك بحفظه، معك بعلمه، يسمع ويرى، ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ، هذا الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط وهو ضعيف في سنده محمد بن مهاجر، قال المُنَاوي: فإن كان القرشي فقال البخاري لا يُتابع على حديثه، أو الراوي عن وكيع فكذّبه جزرة، كما في الضعفاء للذهبي، يعني هو أحد رجلين، إمّا أن يكون القرشي فهذا قال فيه البخاري: لا يُتابع على حديثه، أو أن يكون الذي يروي عن وكيع وهذا قد كذبه صالح جزرة، كما في الضعفاء للذهبي، فالحديث لا يثبت.
"وَقَوْلُهُ‏:‏ "‏إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاةِ؛ فَلاَ يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ‏". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ".
الشاهد قوله: "فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ"، ولا يلزم من ذلك أن يكون على الأرض، فأنت عندما تكون متجهاً إلى القمر وتصلي فهذا القمر في العلوّ وهو يكون قبل وجهك.
"وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏اللهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍأَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ؛ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْر"".
الشاهد: في ذلك: قوله: أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ، وقد تقدم تفسير ذلك كلّه عند تفسير الآية التي وردت فيها ذكر هذه الأسماء.
قال: "وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَفَعَ الصَّحَابَةُ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ‏: "‏أَيُّهَا النَّاسُ‏!‏ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا، إِنَّ الَّذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ‏".
‏"أَيُّهَا النَّاسُ‏!‏ أرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ":يعني أرفقوا بأنفسكم وهوّنوا عليكم وخففوا من رفع أصواتكم، "فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا": الذي تدعونه وتذكرونه، عندما كانوا يرفعون أصواتهم بالذكر، الذي تدعونه وتذكرونه قريب منكم لا يحتاج منكم إلى رفع الصوت بالشكل الذي أنتم عليه، فهو ليس بأصمّ ولا غائباً، فهذه فيه صفات سلبية قد نفاها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربّنا تبارك وتعالى، نفى عنه الصمم ونفى عنه الغياب، فهو ليس بأصمّ لكمال سمعه وليس بغائب لكمال علمه وقربه، "إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا":فهو معكم بسمعه وبصره، "إِنَّ الَّذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ": فهو قريب جداً بسمعه وبصره، فيسمعكم ويبصركم ويعلم ماذا تفعلون.
"وقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن لاَّ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا؛ فَافْعَلُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ‏".
هذا تأكيد من النبي صلى الله عليه وسلم أنّكم أيّها المؤمنون سترون ربّكم يوم القيامة، ومثَّل هذه الرؤية برؤية القمر ليلة البدر، فالتمثيل للرؤية بالرؤية وليست للمرئي بالمرئي، ليست تمثيل القمر بالله سبحانه وتعالى أو تمثيل الله بالقمر، لا، وإنّما كيفية الرؤية، كيف سنرى الله سبحانه وتعالى ونحن بهذا الجمع الكبير وجميعاً نرى الله سبحانه وتعالى، قال: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ"، أنظروا القمر ليلة البدر من هو في المشرق يراه ومن هو في المغرب يراه من غير أن تحتاجوا إلى مزاحمة، لا ينضم بعضكم إلى بعض وتتزاحموا لرؤيته، ""فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن لاَّ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا؛ فَافْعَلُوا"، متفق عليه"، ففيه إثبات رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة، والحديث في ذلك متواتر، وخالف فيها أهل البدع والضلال فحرفوها.
"إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا رِسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَن رَّبِهِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ؛ فَإِنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ".
قلنا هذه التسمية مأخوذة من أين؟ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ستفترق هذه الأمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النَّار إلّا واحدة"، فهذه الفرقة هي الناجية، هي التي نجت، من هي هذه الفرقة؟ ما كانت على مثل ما عليه النبي صلى الله عيله وسلم وأصحابه.
"أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ".
هي واحدة، تسمية واحدة، الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة هم الطائفة المنصورة، كلّها تسميات لشيء واحد، أهل السنة أي: الذين اتبعوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأهل الجماعة الذين اجتمعوا على الحقّ، اجتمعوا على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس لهذا الاسم نصيب لمن خالف السنة وخرج عن الجماعة، وإنّما النصيب لمن تمسك بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي مع جماعة المسلمين الذين هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى ذلك لا يُقال بأنّ الأشاعرة من أهل السنة لأنّهم يُقدمون العقل على السنة، لا يُقدمون السنّة على العقل، ولا يُقال بأنّ الإخوان المسلمين من أهل السنة، لماذا؟ لأنّ الإخوان يُقدمون الهوى مع العقل على الكتاب والسنة، أنظروا إلى دينهم وانظروا إلى أحوالهم، لا يرفعون رأساً لا بكتاب ولا بسنة، عندما تأتيهم حتى الأوامر من قبل الله تبارك وتعالى ومن قبل رسوله صلى الله عليه وسلم يحاولون أن يأخذوا بأسهل الأقوال من أقوال الفقهاء حتى وإن خالفت الأدلة الشرعية من أجل أن يتخلصوا من الحكم الشرعي ولكن باسم الدين، هذا هو دينهم، غايتهم من وراء لبس ثوب الدين هو الوصول إلى الحكم والكرسي، تعال انظر إليهم في نشر السنة، في نشر التوحيد، في محاربة الشرك، في محاربة البدعة، لا تجد لهم نشاطاً في هذا، ما هو دين الله، دين الله توحيد وسنة وطاعة وضده شرك وبدعة ومعصية، فإذا لم يشتغلوا بالتوحيد ولا بالسنة ولا بتعليم الناس الطاعات ولا اشتغلوا بتحذير الناس مما يضادها من الباطل فأيّ دين هذا، إشغال الناس بقال الزعيم الفلاني وقال القائد الفلاني وجمع الشباب حولهم والتدريبات وما شابه، هذا دين؟ هذه سياسة، وحرص على الكراسي، ثم يأتي مخذول جاهل ويقول لك: الإخوان من أهل السنة والجماعة، من الذين عرفهم.
"يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ ".
الطائفة المنصورة والفرقة الناجية وأهل السنة وهؤلاء واحد، يؤمنون بذلك، يؤمنون بكلّ الأحاديث التي تقدمت معنا كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز لا يُفرقون بين هذا وهذا، فكلّه يؤمنون به، لا يضعون سنة النبي صلى الله عليه وسلم على ميزان عقولهم الخربة كما يفعل العقلانيون من الإخوان وغيرهم، الكثير من العقلانيين في صفوف الإخوان، كما قال أحد الدكاترة من الإخوان عندنا هاهنا عندما ذكر له حديث الذبابة قال: ألق به من النافذة وكان في السيارة، قالوا له: إنّ الغرب أثبت ما قيل في الحديث، قال: الآن نقبله، هذا دين؟ هؤلاء أهل سنة؟ نعوذ بالله منهم ومما يقولون.
قال:"كَمَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ؛ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلاَ تَمْثِيلٍ".
وقد تقدم شرح ذلك كلّه.
نكتفي بهذا القدر اليوم ثم نبدأ إن شاء الله بذكر الفرق والطوائف التي ذكرها المؤلف رحمه الله بإذن الله تعالى في الدرس القادم.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 09:05.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي