Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25-12-2012, 14:24   #21
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الواحد والعشرون]

[الدرس الواحد والعشرون]



الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله أما بعد:
هذا آخر مجلس من كتاب الصلاة، ولم يبق الشيء الكثير من كتاب الصلاة لكننا سنتوقف عنده كي تعدون أنفسكم لإجراء الاختبار.

قال المؤلف رحمه الله:

باب صلاة الكسوفين

يعني بصلاة الكسوفين صلاة الخسوف وصلاة الكسوف، خسوف القمر وكسوف الشمس ويقال أيضاً خسوف الشمس وكسوف القمر فلا فرق بينهما، يقال كسوف الشمس والقمر ويقال خسوف الشمس والقمر، والكسوف هو انحجاب ضوء الشمس أو القمر بسبب غير معتاد، وهما تخويف من الله لعباده، يحدثان تخويفاً من الله لعباده كما سيأتي، ودليل مشروعية صلاة الكسوف حديث الصحيحين أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم"، وثبت عنه –صلى الله عليه وسلم- أنه صلى عندما خسفت الشمس في عهده –صلى الله عليه وسلم-، وقال ابن قدامة صلاة الكسوف ثابتة بسنة رسول –صلى الله عليه وسلم- على ما سنذكره ولا نعلم بين أهل العلم في مشروعيتها (كسوف الشمس) خلافاً، وأكثر أهل العلم على أنها مشروعة لخسوف القمر. انتهى كلامه.

قلت: والسنة ثبتت أيضاً في كسوف الشمس والقمر فلا عبرة بمخالفة من خالف في خسوف القمر.

قال المؤلف رحمه الله: "هي سنة".

قال النووي رحمه الله: صلاة خسوف الشمس والقمر سنة مؤكدة بالإجماع، والأوامر الواردة فيها مصروفة بحديث الأعرابي وبالإجماع أيضاً.

قال المؤلف رحمه الله: "وأصح ما ورد في صحتها ركعتان في كل ركعة ركوعان وورد ثلاثة وأربعة وخمسة".

أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: "خسفت الشمس في عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فصلى وقام الناس وراءه فقام قياماً طويلاً ثم ركع ركوعاً طويلاً ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم سجد فأطال السجود ثم فعل في الركعة الثانية مثلما فعل في الأولى ثم انصرف" واضحة الصورة وإلا أوضحها لكم، تكبر بشكل عادي تصلي وتقرأ قراءة طويلة ثم تكبر الله أكبر وتركع ركوعاً طويلاً ثم تقول سمع الله لمن حمده وتقرأ قراءة طويلة ثم تركع ركوعاً طويلاً ثم ترفع سمع الله لمن حمده ثم تسجد والركعة الثانية بنفس الصورة هذه بالنسبة للاثنين أما الثلاث فنفس الصورة ولكن تزيد ركوعاً ثالثاً والأربع كذلك أربع ركوعات في الركعة الواحدة، هذه الصور التي ذكرها المؤلف، لكن الوارد عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه صلى صلاة الكسوف مرة واحدة بعدما مات ابنه إبراهيم فهنا حصل إشكال في الروايات التي وردت بأكثر من صورة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- صلاها على صور مختلفة واختلفت وجهات نظر العلماء في ذلك وأصح الروايات وهي التي في الصحيحين أنه –صلى الله عليه وسلم- صلاها بركوعين في كل ركعة، هذه أصح الروايات والباقي بما أنه ثبت أنه –صلى الله عليه وسلم- صلاها مرة واحدة لا أكثر إذاً فالبقية تكون شاذة أو منكرة على حسب إسنادها، إذن فالصحيح أن هذه ليست من سنن التنوع ولكنها من الروايات الصحيحة والروايات الشاذة، فالرواية الصحيحة هي التي ذكرناها لكم والبقية لا يعول عليها وإن كان بعضها في صحيح مسلم.

قال المصنف رحمه الله: "يقرأ بين كل ركوعين، وورد في كل ركعة ركوع".

يقرأ بين كل ركوعين كما وصفنا لكم، وورد في كل ركعة ركوع واحد أي كصلاة الفجر، لكن القراءة ثابتة في أحاديث الصحيحين ويجهر بها وينادي قبل ذلك الصلاة جامعة هذا كله ثابت، جاءت قراءة في الصحيحين من حديث عائشة قالت: "فصفَّ الناس وراءه وكبر فاقترأ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قراءة طويلة ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً ثم قال سمع الله لمن حمده فقام ولم يسجد وقرأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى" إلى آخر الحديث، فهذا يدل على القراءة في الركوعين، وأما الجهر بها فجاء في حديث عائشة في الصحيح أيضاً أنها قالت: "جهر النبي –صلى الله عليه وسلم- في صلاة الخسوف بقراءته" وقول المؤلف: "ورد في كل ركعة ركوع" ورد في صحيح مسلم من حديث سمرة وأنكر عروة على أخيه ذلك (عروة بن الزبير راوي حديث عائشة) قالوا لعروة (وهذا في صحيح البخاري): إن أخاك يوم خسفت الشمس بالمدينة لم يزد على ركعتين مثل الصبح، قال: أجل لأنه أخطأ السنة، فجعل هذا الفعل خطأً وأن السنة خلاف ذلك، إذن الصواب أن تصلى بالصورة التي ذكرناها والتي ثبتت فيها الأحاديث في الصحيحين، والأحاديث الثابتة فيها من حديث عائشة ومن حديث ابن عمر ومن حديث ابن عباس ثبتت في الصحيحين وفي غيرهما وبعد أن يقرأ ويصلي يخطب لأن النبي –صلى الله عليه وسلم- خطب بهم بعد الصلاة وذكّرهم وحثهم على الدعاء والصدقة والاستغفار والصلاة كما في الصحيحين وقد بوّب على الخطبة الإمام البخاري في صحيح باباً مستقلاً.

قال المؤلف رحمه الله: "وندب الدعاء والتكبير والصلاة والتصدق والاستغفار".

أي يستحب ذلك كله، لقوله –صلى الله عليه وسلم-: "هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت احد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره" وهذا الحديث في الصحيح، وفي رواية: "فافزعوا إلى الصلاة" وهو في الصحيحين، وفي رواية: "فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا" وهو في الصحيحين، وهذا يشمل كل ما ذكره المصنف رحمه الله.

قال المؤلف رحمه الله:

باب صلاة الاستسقاء.

معنى الاستسقاء طلب السقيا من الله تبارك وتعالى عند قحط المطر ودليل مشروعيتها فعل النبي –صلى الله عليه وسلم- كما سيأتي إن شاء الله.

قال المؤلف رحمه الله: "يسن عند الجدب ركعتان بعدهما خطبة تتضمن الذكر والترغيب في الطاعة والزجر عن المعصية ويستكثر الإمام ومن معه من الاستغفار والدعاء برفع الجدب"، صلاة الاستسقاء سنة لأن النبي –صلى الله عليه وسلم- فعلها ولا يوجد ما يدل على وجوبها، "تسن عند الجدب" أي عند انقطاع المطر ويُبس الأرض، هذا معنى الجدب أن تنقطع المطر وتيبس الأرض، ونهي ركعتان لأن النبي –صلى الله عليه وسلم- صلاها كذلك وخطب بعد الركعتين خطبة، جاء ذلك في حديث أبي هريرة قال: "خرج النبي –صلى الله عليه وسلم- يوماً يستسقي بنا فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله عز وجل وحوّل وجهه نحو القبلة رافعاً يديه ثم قلب ردائه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن" أخرجه أبو داود وغيره، هذا يدل على أن الصلاة أولاً والخطبة ثانياً، لكن جاءت أيضاً أحاديث تدل على أنه دعا وخطب ثم بعد ذلك صلى والأمر في هذا واسع إن شاء الله.

وكان –صلى الله عليه وسلم- يرفع يديه في دعاء الاستسقاء وكذلك يفعل الناس خلفه (يرفعون أيديهم ويدعون)، وأما الترغيب في الطاعة والزجر عن المعصية، لأن ترك الطاعة وكثرة المعاصي هي سبب الجدب، لذلك يرغب الإمام في الطاعة وينفر الناس عن معصية الله قال الله تبارك وتعالى: "ولو أن أهل القرى لآمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون".

قال المؤلف رحمه الله: "ويحولون جميعاً أرديتهم".

تحويل الرداء يكون بهذه الصورة يرتدي الرداء بهذا الشكل ثم يحوله بهذا الشكل (هكذا يكون تحويل الرداء)، وهذا قال أهل العلم يُفعل تفاؤلاً بتغيير الحال (من حال إلى حال أحسن)، وأما قوله "ويحولون جميعاً" فعمم الحكم وجعل التحويل ليس خاصاً بالإمام بل يفعله الإمام والمأمومون، لكن هذا الكلام مبني على رواية عند الإمام أحمد رواية شاذة غير صحيحة جميع الأحاديث التي وردت في الصحيحين وخارج الصحيحين فيها أن الإمام هو الذي حول رداءه وهو النبي –صلى الله عليه وسلم- وليس فيها أن المأمومين هم الذين حولوا، ما عدا رواية واحدة عند الإمام أحمد في حديث عبد الله بن زيد قال: "ويحول الناس معه" لكن هذه الزيادة زيادة شاذة لا تصح، والصحيح أن التحويل خاص بالإمام فقط، وأما وقتها ففي أي وقت تصلى ما عدا أوقات النهي فقط لأنه لم يرد عن النبي –صلى الله عليه وسلم- تخصيصها بوقت معين، ويجوز الاستسقاء أيضاً من غير صلاة، إذا كان بعد صلاة مثلاً أو لم يكن بعد صلاة كما فعل النبي –صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة، فالنبي –صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة دخل عليه أعرابي وقال له بأنه قد هلكت المواشي وما شابه من قلة المطر، فرفع النبي –صلى الله عليه وسلم- يديه ودعا بدعاء واستسقى فنزل المطر (حصل الاستسقاء من غير صلاة) إذاً يكون الاستسقاء بصلاة خاصة ويكون أيضاً بدعاء فقط من غير صلاة.

هذا ما يتعلق بصلاة الاستسقاء

تنبيه أخير أنه لم يرد في الشرع ما يدل على استحباب الصيام لصلاة الاستسقاء إنما هو مذهب ذهب إليه بعض أهل العلم استحساناً بناءً على أن الدعاء يستجاب للصائم لكن هذا الاستدلال غير صحيح لأنه لو كان يُستحب الصيام لأمر به النبي –صلى الله عليه وسلم- وكذلك إخراج الدواب وما شابه هذا لا يعرف له أصل في السنة صحيح، والله أعلم.

نكتفي بهذا، وبهذا نكون قد انتهينا من كتاب الصلاة من الدرر البهية.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 14:27   #22
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الثاني والعشرون]

[الدرس الثاني والعشرون]

الحمد لله رب العالمين والصلاة واالسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، نبدأ اليوم بإذن الله تبارك وتعالى بكتاب الجنائز.
الجنائز جمع جِنازة ويقال أيضاً جَنازة، تنطق بكسر الجيم وبفتحها فيقال جَنازة ويقال جِنازة والكسر أفصح ومعناها النعش أو الميت، وتطلق على كليهما عندما يكون الميت في النعش، هذا معنى الجنائز.
قال المؤلف رحمه الله:من السنة عيادة المريض.
من السنة: أي من طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن هديه عيادة المريض ومعنى عيادة المريض زيارته، ودليل سنية عيادة المريض قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" متفق عليه، ذكرنا معنى متفق عليه أي أن هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه وأخرجه مسلم في صحيحه، والشاهد منه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- وعيادة المريض فحق المسلم على المسلم عيادة المريض أي زيارته، وفي رواية عند مسلم زاد النصيحة ورواية أخرى عند البخاري نصر المظلوم وإبرار القسم، وعيادة المريض مشروعة بالاتفاق بإجماع علماء الإسلامأن عيادة المريض مشروعة أي أنها صحيحة ثابتة عبادة يتقرب بها إلى الله تبارك وتعالى وثبتت في شرعه، ولكن اختلف أهل العلم في حكمها، نقل النووي رحمه الله الإجماع على أنها ليست بواجبة وجوباً عينياً، الواجب في شرع الله هو ما أمر به الشارع أمراً إلزامياً أمراً جازماً هذا الواجب، فيعني أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالفعل وألزمنا بفعله فمن لم يفعله فهو مُعِّرض نفسه للعقاب، معرض نفسه للعقاب هذا هو الواجب، والواجب ينقسم إلى قسمين واجب عيني وواجب كفائي، ونعني بالواجب العيني أن كل مسلم مكلف مطلوب منه أن يعمل هذا العمل مثل الصلاة والصيام وغيرها، كل مسلم مكلف مطلوب منه أن يصلي وكل مسلم مكلف مطلوب منه أن يصوم وهكذا فهذا يسمى واجباً عينياً، أما الواجب الكفائي فنعني به أنه الذي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، الواجب الكفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، يعني ذلك ماذا؟ يهني: أن يطلب الله سبحانه وتعالى منا أو يأمرنا بفعل ليس المقصود أن يفعله زيد أو بكر لكن المقصود أن يُفعل هذا الفعل مثل ماذا؟ مثل دفن الميت.
دفن الميت واجب كفائي، واجب على جميع الأمة أن تدفن هذا الميت إذا ما دفنه أحد يأثم كل من علم به ولم يفعله، لكن إذا دفنه واحد سقط هذا الوجوب عن جميع الأمة، فالمطلوب الأساسي من الأمر هو الفعل، أن يُفعل بغض النظر عن فاعله، هذا معنى الواجب الكفائي، طلب العلم الشرعي ووجود علماء في الأمة واجب كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإذا لم يقم به احد أو قام به بعض لا يكفون يبقى هذا الحكم معلقاً في رقاب الأمة حتى يقوموا به وإلا يأثموا عند الله تبارك وتعالى وهكذا، هذا معنى الواجب الكفائي أنه إذا قام به بعض الأمة سقط عن جميع الأمة، هنا نقل النووي رحمه الله الاتفاق على أن عيادة المريض ليست واجباً عينياً، يعني أنه إذا سمعنا بأن فلاناً مريض لا يجب على كل واحد منا أن يذهب ليزوره، لا، لكن لو ذهبت جماعة وزارته سقط هذا الواجب لأن الصحيح أنه واجب كفائي يعني يجب جماعة من الأمة أن يذهبوا ويزوروا هذا الشخص، هذا من حيث الوجوب، لكن إذا ذهب جمع كبير هو مستحب ما في بأس، فهو من حيث الوجوب العيني الاتفاق منقول على أنه ليس واجباً عينياً ولكنه واجب كفائي لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعله من حقوق المسلم على المسلم من حق المسلم على المسلم، إذاً لابد أن يزوره بعض المسلمين.
والمراد بالمريض هنا الذي مرض مرضاً يحبسه عن الخروج إلى الناس (ليس الذي جرحته مثلاً زجاجة أو شفرة هذا مريض ينبغي زيارته لا) المقصود بالمرض هنا المرض الذي يحبس الشخص عن الخروج إلى الناس خلاص هو نائم في الفراش، ما يستطيع أن يخرج إلى الناس، مثل هذا المرض المقصود سنة عيادة صاحبه، فمرض مثلاً الزكام والشيء الخفيف هذا، هذا بإمكان أن يخرج صاحبه إلى الناس ويشاهدهم ويمشي معهم فليس محتاجاً إلى العيادة، لأن العيادة المراد منها هو مواساة المريض مواساته وتذكيره بالصبر إلى أن يرفع الله عنك هذا البلاء إذاً فالمقصود بالمرض هنا هو المرض الذي يحبس صاحبه عن الخروج إلى الناس.
قال المؤلف رحمه الله:وتلقين المحتضَر الشهادتين.
التلقين: تقول لقنته الشيء فتلقنه أي أخذه من فيك مباشرة، قل كذا وكذا فيقول هذا معنى التلقين، فهو إعطاؤه الشهادتين مشافهة تقول له يا فلان: قل لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذا معنى التلقين.
والمحتَضَر هو هكذا بفتح الضاد الذي حضره الموت فهو في النزع، فتلقين المحتضر من السنة على ما ذكر المؤلف، الشهادتين أي تقول له قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله بعض الناس لك: لا، لا تقل له: "قل"، لا، قل له: "قل"، هكذا علمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- وهكذا فعل، فقال لأحد من كان على وشك الموت قال له: "قل لا إله إلا الله" إذا هكذا تقول له، لكن تبقى تردد عليه خلاص إذا قالها أسكت، لكن إذا عاد وتكلم أعدها عليه لماذا؟ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"، فنحن عندما نلقن هذا المحتضَر نلقنه الشهادتين نريد أن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله كي يكون من أهل الجنة فإذا قالها تسكت، وإذا بقي عليها فلا تعيدها عليه، لكن إن عاد وتكلم بكلام آخر تعيدها عليه كي تكون آخر ما يقول.

قال المؤلف رحمه الله:وتوجيهه.
أي ومن السنة توجيه المحتضر إلى القبلة ولكن هذا هل هو حقيقة من السنة كما قال المؤلف أم لا، في المسألة خلاف بين أهل العلم، فبعضهم يقرر ما قرره المؤلف ويقول أنه من السنة، لكنهم يعتمدون على أحاديث ضعيفة لا يصح منها شيء، ولم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث صحيح أنه كان يوجه المحتضر إلى القبلة، مما يستدلون به قول النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد سأله رجل عن الكبائر فقال: "هي تسع" يعني الكبائر، وذكر منها استحلال البيت الحرام قال قبلتكم أحياءً وأموتاً، فقال هنا قال قبلتكم أحياءً وأمواتاً إذاً من أراد ان يموت نستقبل به القبلة، وهذا خطأ، خطأ من ناحية أن الحديث نفسه ضعيف لا يصح، والأمر الثاني أن قوله أمواتاً، المحتضر ليس ميتاً ما زال حياً فلا يدخل، فالمقصود من الأموات هنا في قبره، فالميت في قبره يكون متجها إلى القبلة واستدلوا بأحاديث أخرى ضعيفة لا تصح كما ذكرنا وكان سعيد بن المسيب وهو أحد أئمة التابعين الكبار من فقهاء المدينة السبع كان يُنكر هذا الفعل فقد وجهوه إلى القبلة وكان يحتضر فعندما وجهوه إلى القبلة استيقظ وقال من فعل بي ذلك، قالوا فلان فأنكره وقال: أليس الميت أمرأً مسلماً فلماذا توجهونه إلى القبلة، فالعبرة بالدليل على كل حال، وبما أنه لم يرد في السنة شيء صحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، إذاً فليس هذا من السنة وخاصة أنه قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه حضر أكثر من واحد أنهم كانوا يحتضرون ومع ذلك لم يثبت عنه في حديث واحد أنه أمر بهم أن يوجهوا إلى القبلة، فالصحيح إذاً أن هذا الفعل ليس من السنة.
قال المؤلف رحمه الله:وتغميضه إذا مات.
أي من السنة تغميض عيني الميت إذا مات، وهذا صحيح هو من السنة لحديث أم سلمة قالت دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أبي سلمة وقد شق بصره، شقَّ يعني فتح بصره فأغمضه يعني بعدما مات شق بصره فتح عينيه فأغمضه النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: "إن الروح إذا قبضت تبعه البصر" فضجّ ناس من أهل أبي سلمة فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون" فليكن حذراً العبد في هذه اللحظة أن يدعوا على نفسه بشيء فيهلك فيه دنياه وآخرته فإن الملائكة تأمن على ما يقول، ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وأخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه" فدعا لأبي سلمة، شاهدنا من الحديث أنها قالت: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه يعني فأغمض عينيه.
قال المؤلف رحمه الله:وقراءة يس عليه.
أي من السنة أن تقرأ سورة يس على الميت، بعد موته وقبل وضعه في القبر واستدل المصنف رحمه الله بعد أنّ ذكر هذا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "اقرأوا على موتاكم يس" أخرجه أبو داود وغيره، وذكرنا في الدرس الماضي أن أي حديث تذكره تذكر مصدره الأساسي من خرّج هذا الحديث من كتب السنة المعتمدة، ثم إذا كان خارج الصحيحين يلزمك أن تذكر من صححه أو ضعفه من العلماء، لأن حديث الصحيحين للبخاري ومسلم قد اتفق علماء الإسلام على صحة ما فيهما إلا أحاديث يسيرة صححها البخاري وصححها مسلم، أما في خارج البخاري ومسلم فتحتاج أن تذكر لنا مصدر الحديث وتذكر لنا من صحح الحديث أو ضعفه كي لا تكون المسألة سائبة كل واحد يأتي ويقول قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويمشي لا، لا ينفع، هنا هذا الحديث "اقرأوا على موتاكم يس" أخرجه أبو داود وغيره وضعفه الدارقطني وقال لا يصح في الباب حديث، وقال ابن القطان الفاسي رحمه الله هو حديث ضعيف فضعفه الدارقطني وابن القطان الفاسي وغيرهم من علماء الإسلام، فالحديث ضعيف وإذا كان ضعيفاً فلا يعمل به، لأن العمل لا يكون إلا بالحديث الصحيح فمعنى الحديث الصحيح أنه ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله، أما معنى الحديث الضعيف فأنه لم يثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله، هذا معنى الصحيح والضعيف، فهذا الحديث الدارقطني وهو إمام كبير من علماء الإسلام من علماء الحديث ومتخصص في علم العلل قال بأنه حديث ضعيف، وكذلك ابن القطان الفاسي من علماء هذا الشأن الكبار ضعفه كذلك، فالحديث ضعيف فقراءة سورة يس على الميت لا تصح لأنه قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضاً في ما استدللنا به سابقاً أنه حضر أقواماً يحتضرون ومع ذلك لم يأمر في حديث صحيح بقراءة سورة يس عليه، فماله متعلق إلا بحديث ضعيف فلماذا لم يُروى في الصحيحين وفي غيرهما بأسانيد صحيحة، كونه لم يرد فهذا الفعل ليس بصحيح.
قال المؤلف رحمه الله:والمبادرة بتجهيزه إلا لتجويز حياته.
أي من السنة الإسراع في تجهيز الميت أي تغسيله وتكفينه ودفنه إلا إذا احتملنا أن يكون حياً، لم نتأكد من موته واحتمالية أن يكون حياً باقياً إذاً فلا نسرع في تجهيزه كي لا ندفنه وهو حي، والأحاديث التي استدل بها المؤلفون ضعيفة لا تصح، لا يحتج بها ولكن الإسراع بتجهيزه أفضل خشية أن يتغير الميت، وأصح ما استدل به من قالوا بسنية التسريع قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أسرعوا بالجنازة" والمراد في ذلك عند حمله والذهاب به إلى قبره لا الإسراع من البداية وإن كان الحديث يحتمل ذلك، لكن سياقه يدل على أن المراد من الإسراع بالجنازة بعد حملها على الرقاب فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "فإنه إما أن يكون خيراً فتقدمونها إليه أو أن يكون شراً فتضعونه عن رقابكم"، وقوله تضعونه عن رقابكم قرينة تدل على أن الأمر بالإسراع عند الحمل على الرقاب.
قال المؤلف رحمه الله:والقضاء لدينه.
أي من السنة أيضاً المبادرة بالقضاء لدينه لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- امتنع من الصلاة على الميت الذي عليه دين حتى التزم بذلك بعض الصحابة فصلى عليه، كما جاء في حديث سلمة بن الأكوع في الصحيح قال: كنا جلوساً عند النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ أُتي بجنازة فقالوا: صلِّ عليها فقال: "هل عليه دين؟" قالوا: لا، قال: "فهل ترك شيئاً" قالوا لا، فصلى عليه، ثم أُتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله صلِّ عليه قال: "هل عليه دين؟" قيل: نعم، قال: "فهل ترك شيئاً؟" قالوا ثلاثة دنانير، فصلى عليه، لأنه وإن كان عليه دين لكن يوجد ما يقضي به الدين، ثم أتي بثالث فقالوا: صلِّ عليه، قال: "هل ترك شيئاً" قالوا: لا، أنظروا موضع الشاهد هنا، قالوا: لا، قال: "هل ترك شيئاً؟" قالوا: لا، قال: "فهل عليه دين؟" قالوا ثلاثة دنانير –أي عليه ثلاثة دنانير-، قال: "صلوا على صاحبكم"، قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليّ ديّنه، فصلى عليه -صلى الله عليه وسلم-، فهاهنا من هذا الباب قال المؤلف رحمه الله من السنة المبادرة لقضاء دين الميت حتى يرفع عنه وتبرأ ذمته منه.
قال المؤلف رحمه الله:وتسجيته.
أي تغطيته تسن تغطيته بعد أن تخرج روحه بثوب يستر جميع بدنه إلا إذا كان محرماً، وذلك لحديث عائشة في الصحيحين أنه عليه السلام حين توفي سُجي ببُردِ حِبَر (ثوب يماني مخطط)، وأما المحرم فقال -صلى الله عليه وسلم-: "ولا تخمّروا رأسه"، قال: "وكفنوه في ثوبين ولا تخمروا رأسه ووجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً"، يعني لا تغطوا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً، هذا مات وهو محرم، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتكفينه في ثوبين ونهى عن تغطية وجهه ورأسه لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً، وهذا الحديث في الصحيحين وزيادة قوله: وجهه عند مسلم.
قال المؤلف رحمه الله:ويجوز تقبيله.
أي يجوز تقبيل الميت ففي الصحيح أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قبّل النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد موته.
قال المؤلف رحمه الله:وعلى المريض أن يحسن الظن بربه.
وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه" أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر، وذلك أي إحسان الظن بالله بأن يوقن بأن الله تبارك وتعالى لا يظلم أحداً، وأنه إذا تاب ورجع إلى الله تبارك وتعالى أن الله يقبل توبته، وأن الله غفور رحيم، ولا يقنط من رحمة الله تبارك وتعالى فهي واسعة تسعُة وتَسعُ غيره.
قال المؤلف رحمه الله:ويتوب إليه.
التوبة لغة: هي الرجوع، وفي الشرع: الرجوع من معصية الله تعالى إلى طاعته.
ولها شروط:
الشرط الأول:
الإخلاص، كأن تكون التوبة يُبتغى بها وجه الله تبارك وتعالى.
والثاني
الندم: أي يندم على فعل ما مضى من معاصٍ وذنوب.
والثالث
الإقلاع عن الذنب، فلا تنفع توبة وأنت باق على فعل الذنب، يعنى يشرب الخمر ويقول أستغفر الله وأتوب إليه لا يصلح لا بد من الإقلاع عن الذنب وترك هذا الذنب، ويجب أيضاً رد الحقوق لأصحابها إذا كان عليك حقوق ومعصيتك هذه كانت بسرقة أو غصب أو ما شابه ووجب عليك أن ترد الحقوق لأصحابها كي تقبل التوبة.
و الرابع
العزم على عدم العودة إلى هذا الذنب.
والخامس
أن تكون توبته في زمن قَبول التوبة كي تقبل التوبة يجب أن تكون في زمنها، ولها زمن عام يشترك الناس جميعاً فيه وهي أن تطلع الشمس من مغربها، التوبة تقبل مالم تطلع الشمس من مغربها كما قال -صلى الله عليه وسلم-، ووقت خاص بكل عاصٍ ومذنب وهو قبل الغرغرة فإذا وصل العبد إلى درجة الغرغرة لا تقبل منه توبة كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
قال المؤلف رحمه الله:ويتخلص عن كل ما عليه.
أي يتخلص من كل ما عليه من حقوق، من دَيّن أو وديعة أو غصب أو غيرها من حقوق العباد يتخلص منها كلها، إما برَدِّها مباشرة إلى أصحابها أو بكتابة وصية بذلك، فإن الحقوق هذه كل شخص له حق سيطالب به أمام الله تبارك وتعالى فلابد إذن من التخلص من الحقوق كي لا يطالبك أحد بشيء بين يدي الله تبارك وتعالى، هذه كلها أفعال تُفعل ويُسن فعلها في بداية حال الميت، إما عند الاحتضار أو بعد الموت وقبل البدء بالتغسيل، ثم بعد ذلك يبدأ المصنف رحمه الله بتغسيل الميت نؤجله إلى الدرس القادم بإذنه تعالى.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 14:33   #23
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [ الدرس الرابع و العشرون ]

[ الدرس الرابع و العشرون ]
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين سيدنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين، نكمل كتاب الجنائز.
قال المؤلف رحمه الله: فصل: ويكون المشي بالجِنازة سريعا.
هذا لما تقدم معنا من قوله صلى الله عليه وسلم: "أسرعوا بالجنازة فان كانت صالحة فخير تقدمونها إليه و إن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" متفق عليه، فإذا حُملت الجنازة على الرقاب فمن السنة الإسراع بها, قال النووي رحمه الله في كتابه المجموع: واتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة إلا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيره و نحوه فيتأنى،- يعني إذا خشينا من مفسده تعود على الميت فعندئذ لا يُسرع بها وإلا الأصل و السنة أن يُسرع بها, و قال ابن القيم رحمه الله: وأما دبيب الناس اليوم خطوةً خطوة –يعني مشيهم في الجنازة خطوة خطوة كما نرى اليوم- فبدعة مكروهة مخالفة للسنة و متضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود, هذا العمل ليس من عمل المسلمين –أن نمشي بالجنازة خطوة خطوة, بل السنة أن يسرع بها كما أمر صلى الله عليه و على آله وسلم.
قال المؤلف رحمه الله: والمشي معها والحمل لها سنة.
المشي معها سنة, لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي هو و أصحابه مع الجنائز, بل قال صلى الله عليه و سلم "من اتبع جنازة مسلم إيماناً و احتساباً و كان معه حتى يُصلى عليها و يفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد و من صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط" و هذا الحديث أيضاً متفق عليه، فالمشي معها سنة و أجرها عظيم و حملها كذلك سنة, قال صلى الله عليه و سلم: "أسرعوا بالجنائز فان كانت صالحة ...- إلى أن قال-...فشر تضعونه عن رقابكم" متفق عليه، فقوله – فشر تضعونه عن رقابكم- دليل على الحمل على الرقاب و في رواية عند البخاري, "إذا وضعت الجنازة و احتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني", هذا يدل على سنية حملها على الرقاب, و أجمع العلماء على أن حمل الجنازة فرض على الكفاية، وقلنا الفرض فرضان: فرض كفاية و فرض عين, فرض العين هو الذي يجب على كل مسلم بعينه أن يعمل هذا العمل, أما الفرض الكفائي فهو واجب على الأمة ككل, فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، فالعمل لا يُطلب من كل شخص و لكن يُطلب أن يُعمل فلابد أن يُعمل, فإذا عمله البعض سقط عن الباقين, و إذا لم يعمله أحد أثم كل من علم به و لم يفعله، ولعل المؤلف يشير أيضاً الى حديث ابن مسعود "من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من السنة ثم ان شاء فليتطوع و إن شاء فليَدع" لكن هذا الحديث أخرجه ابن ماجة و فيه انقطاع فهو ضعيف لا يصح و لا يعمل به، و لا يصح أيضاً في كيفية حملها و لا عدد الذين يحملون حديث.
قال المؤلف رحمه الله: و المتقدم عليها و المتأخر عنها سواء.
أي لا فرق بين من مشى أمام الجنازة و هي محمولة, و من مشى خلفها أو عن يمينها أو عن شمالها كله سواء و كله جائز إن شاء الله لأن لم يصح في تفضيل من مشى أمامها حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم فيبقى الأمر على أصله في أن الكل واسع و جائز.
قال المؤلف رحمه الله: ويكره الركوب.
ورد في ذَمِّه أحاديث لا تصح, فيبقى على الجواز، ولكن المشي و عدم الركوب هو ما كان يفعله النبي صلى الله عليه و سلم, فالسنة إذاً المشي مع الجِنازة لا الركوب, و الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه مشى الجنازة حتى دفنت ثم بعد ذلك أُتي بفرس و ركب، هذا يدل على أن السنة هي المشي لا الركوب في أثناء حمل الجنازة.
قال المؤلف رحمه الله: و يَحرُم النعي.
النعي في اللغة: هو الإخبار بموت الميت, و المؤلف ذهب إلى التحريم لحديث حذيفة بن اليمان عند الترمذي و غيره – كان إذا مات له الميت قال: لا تؤذنوا به أحداً-، حذيفة بن اليمان صحابي جليل معروف- كان إذا مات له الميت قال: لا تؤذنوا به أحداً. يعني لا تعلموا به أحداً, إني أخاف أن يكون نعياً إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ينهى عن النعي, و لكن الحديث هذا من رواية بلال بن يحي عن حذيفة بن اليمان و هو منقطع, فيحي بن معين قال هو مرسل, و أشار إلى ذلك أبو حاتم الرازي أيضاً, فهو حديث ضعيف، و كذلك ورد حديث عن ابن مسعود كذلك ضعيف لا يصح، و الصحيح أنه يجوز الإخبار بموت الميت, فالنبي صلى الله عليه و سلم عندما مات النجاشي أخبر أصحابه بموته, و كذلك عندما مات جعفر بن أبي طالب و من معه في المعركة أخبر الصحابة بأنه قد قُتل جعفر و قتل من معه, دلَّ ذلك على جواز الإخبار و جواز النعي المذكور –بمعنى الإخبار عن موت الميت- خصوصاً إذا كان المُخبَر سيصلي على الميت –سيشارك في الصلاة على الميت أو في تكفينه أو في دفنه- فلابد من إعلان, فالخلاصة أحاديث النهي عن النعي لا تصح, و الصحيح هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بموت غير واحد من الصحابة.
قال المؤلف رحمه الله: و النياحة.
أي وتَحرُم النياحة, النياحة هي رفع الصوت بالندب – أي بترديد محاسن الميت-, كما نسمع من بعض النساء عندما يموت تبقى تولول...يا جبلي, يا حافظي, يا كذا...الخ, هذه هي النياحة, وقيل البكاء مع صوت – أي مع رفع الصوت...يا ويلاه...يا ويلاه...كهذه الكلمات هذا من النياحة وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة و عليها سربال من قطران و درع من جرب" أخرجه مسلم في صحيحه، وقال صلى الله عليه و سلم: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه"، لكن هذا إذا كان مُقراً لهذا الفعل في حياته و راضياً به، و قال صلى الله عليه و سلم: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب و الطعن في الأنساب و الاستسقاء بالنجوم و النياحة", أما الفخر في الأحساب معناه ما يعده الرجل من الخصال الحميدة – ما يعده الرجل لنفسه من الخصال الحميدة- كالشجاعة و الكرم وغير ذلك، يبقى يفتخر لنفسه ولآبائه و لأجداده بهذه الأفعال, و الطعن في الأنساب إدخال العيب في أنساب الناس و الطعن فيها و الغمز فيها و التقليل من شأنها أيضاً هذا من أعمال الجاهلية التي ستبقى كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم، و هي محرمة بالطبع كونها من أعمال الجاهلية، و النبي صلى الله عليه و سلم ذكرها تحذيراً منها فهي محرمة, و الاستسقاء بالنجوم: أي طلب السقيا بالنجم، كما جاء في حديث آخر كانوا يقولون مُطرنا بنوء كذا و كذا، أي مطروا بالنجم الفلاني, هو الذي يمطرهم وهذا أيضاً من أعمال الجاهلية، و النياحة كما تقدم تعريفها، و قالت أم عطية رضي الله عنها –أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم مع البيعة أن لا ننوح- أي أخذ عليهم النبي صلى الله عليه و سلم عندما جاءت النساء تريد أن تبايع عند النبي صلى الله عليه و سلم فاشترط عليهن أن لا ينحن, و هو في الصحيح، و نقل النووي رحمه الله الإجماع على تحريم النياحة.
قال رحمه الله: واتباعها بنار و شق الجيب و الدعاء بالويل و الثبور.
أي و يَحرمُ اتباع الجِنازة بنار, ورد في ذلك حديث ضعيف أخرجه أبو داود و غيره عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار", لكن صحَّ من قول عمرو بن العاص أنه نهى عن إتباعه بصوت أو نار، و أما تحريم شق الجيب فلقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية"، و هذا الحديث متفق عليه في الصحيحين، ليس منا من ضرب الخدود, معروف هو اللطم. و شق الجيوب, هذا هو الجيب – هو المكان الذي يدخل منه الرأس مكان الثوب الذي يدخل منه الرأس هذا هو- وشق الجيوب كانت المرأة إذا أصابتها مصيبة أمسكت ثوبها و قطَّعته, و هذا محرَّم، و دعوى الجاهلية, كالدعاء بالويل و الثبور و النياحة و غيرها من أنواع الدعاوى التي نهى عنها النبي صلى الله عليه و سلم، و أما تحريم الدعاء بالويل و الثبور فهو داخل في دعوى الجاهلية المتقدمة في الحديث الماضي، و جاء في حديث عند ابن ماجة و ابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لعن الخامشة وجهها, التي تخمش وجهها بأظفارها و الشاقة جيبها و الداعية بالويل و الثبور و هو أيضاً حديث من رواية أبي أسامة عن عبد الرحمان بن يزيد بن جابر هذا الحديث من رواية أبي أسامة عن عبد الرحمان بن يزيد بن جابر – المفروض أنكم قد حفظتم هذا الإسناد- ما هي علته؟ -نعم- وروى أبو أسامة عن عبد الرحمان بن يزيد و ظنَّه ابن جابر و لكن حقيقة رواية أبي أسامة عن عبد الرحمان بن يزيد هي عن عبد الرحمان بن يزيد بن تميم الضعيف لا عن عبد الرحمان بن يزيد بن جابر, وقد انطلت هذه العلة على بعض أهل العلم الأفاضل فحسّنوا الحديث, و لكن هذا الحديث ضعيف بعلته هذه، و الويل هو العذاب، و الثبور هو الهلاك.
قال المؤلف رحمه الله: و لا يقعد المتبع لها حتى توضع.
أي أنه من مشى مع الجنازة لا يجلس حتى توضع الجنازة في قبرها, هذا الحكم الصحيح أنه منسوخ, الصحيح في هذا الحكم أنه كان بداية ثم نسخ بعد ذلك, جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها فمن اتبع فلا يجلس حتى توضع" هذا الحديث متفق عليه و هو ظاهر فيما ذكره المؤلف, لكن ناسخه عند مسلم من حديث علي بن أبي طالب قال قام النبي صلى الله عليه و سلم – يعني في الجنازة- ثم قعد, و في رواية في السنن ثم جلس بعد ذلك و أمرنا بالجلوس – أي أنه كان الحكم بداية ثم نسخ و رُفع هذا الحكم و أذن لهم بالجلوس حتى قبل أن توضع.
فال رحمه الله: و القيام لها منسوخ.
الآن فرَّق المؤلف رحمه الله بين القيام للجنازة و القعود للمتبع حتى توضع الجنازة، فجعل الثاني منسوخاً – الثاني عنده الذي هو القيام للجازة جعله منسوخ بينما الجلوس قبل أن توضع جعله ثابتاً و ليس بمنسوخ, لكن هذا التفريق غير صحيح، الصحيح أن هذه الأحكام كلها منسوخة كانت بدايةً ثم رفع الحكم, و دليل النسخ ما سيأتي، أخرج الطحاوي رحمه الله من حديث علي بن أبي طالب أنه أجلس أقواماً كانوا ينتظرون الجنازة أن توضع – كان أقوام مع علي بن أبي طالب ينتظرون الجنازة أن توضع كي يجلسوا فقال لهم علي بن أبي طالب اجلسوا – أجلسهم قبل أن توضع الجنازة- ثم قال لهم: (إن النبي صلى الله عليه و سلم قد أمرنا بالجلوس بعد القيام)، فهذا يدل على أن النسخ لاحق للأمرين, للقيام عند مرور الجنازة أو عند المشي معها, و أيضاً للأمر بالقيام قبل أن توضع فكله منسوخ, فيجوز أن تجلس قبل أن توضع أو بعدها و الحكم بالقيام منسوخ على الصحيح.
قال رحمه الله: فصل: دفن الميت.
ويجب دفن الميت في حفرة تمنعه السباع.
هذا الفصل في قضية الدفن الآن انتهى من إتباع الجنازة و بدأ بدفنها, فقال و يجب دفن الميت في حفرة تمنعه السباع، السباع: الحيوانات المفترسة التي تأكل الجثث, و هذا الذي ذكره المؤلف أمرٌ مجمع عليه, لا خلاف فيه البتة بين العلماء أنه يجب دفن الميت، قال صلى الله عليه وسلم: "ادفنوا الاثنين و الثلاثة في القبر"، و أيضاً جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "احفروا و أعمقوا و أحسنوا"، التعميق: كي تكون بعيداً عن متناول السباع – يكون القبر عميقاً-, و الإحسان يكون القبر واسعاً على قدر الميت بحيث يسعه.
قال المؤلف رحمه الله: ولا بأس بالضرح و اللحد أولى.
القبر قبران قبر ضرح و قبر لحد, الضرح: هو الشق في الأرض – يفعله الناس اليوم كثير غالب قبور الناس اليوم من الشق- يفتح قبراً بشكل مستقيم و ينتهي الأمر هذا يسمى ضرحاً، أما اللحد: و هو الشق في جانب القبر – يعني تحفر قبر و تنزل فيه مسافة ثم من جهة القبلة في آخره تحفر إلى جهة القبلة تميل به هكذا- هذا يسمى لحداً، و قول المؤلف: لا بأس بالضرح أي أنه جائز، و قوله واللحد أولى: أي هو المستحب و هو المقدم، هو الأفضل, لأن اللحد أقرب لإكرام الميت من الشق، الشق: عندما تضع شقاً و تضع الميت ثم تهيل عليه التراب إلا ينزل على وجهه شيء من التراب, فإكراماً له يوضع في اللحد يكون في مأمن من ذلك, و أيضاً جاء في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه -...الحدوا لي لحداً و انصبوا علي اللبن نصباً كما صنع برسول الله صلى الله عليه و سلم, -هذه أفضل الحالات-، الصحابة فعلوا أفضل شيء مع النبي صلى الله عليه و سلم, فحفروا له لحداً و نصبوا عليه اللبن نصباً, - كيف يكون النصب؟- عندما تحفر بطريق اللحد توقف اللبن, سيقف هكذا بهذه الطريقة, فينصب اللبن عليه نصباً، هذا الذي فُعل بالنبي صلى الله عليه و سلم وهي أكمل الصور وأجودها، نصب اللبن يكون بهذه الطريقة – عندما تضع...فالنقل هذا جدار القبر في آخره من تحت سيكون ميلان إلى ناحية القبلة يوضع في هذا الميلان سيوضع الميت على جنبه الأيمن ناحية القبلة- ثم بعد ذلك يأخذ اللبن وينصب هكذا بهذه الطريقة, بطريقة شبه مائلة قليلا حتى يغلق عليه ثم بعد ذلك يُهال التراب عليه، وجاء أيضاً في حديث البراء عند أبي داود -...خرجنا في جنازة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم, فانتهينا إلى القبر ولم يُلحَد بعد-, هذا يدل على أن القبور التي كانت تفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو اللحد, لكن كما ذكر المصنف أن هذا جائز و هذا جائز لكن الأفضل و الأولى أن يكون لحداً، وكذلك في الحديث المتقدم حديث سعد يبين لنا أن نصب اللبن مشروع و هو الذي فُعل بالنبي صلى الله عليه وسلم, و كما ذكرنا لكم لا يفعل بالنبي صلى الله عليه و سلم إلا ما هو أكمل و أفضل, فإذاً وضع اللبن في القبر على الميت مشروع، ونقل النووي رحمه الله الإجماع –إجماع العلماء- على جواز اللحد و الشق بالاتفاق أن هذا جائز و هذا جائز و لكن المسألة مسألة أفضل و أولى فقط.
قال المؤلف رحمه الله: و يُدخَل الميت من مؤخر القبر.
يريد بذلك أنك عندما تدخل الميت إلى القبر تأتي من عند رجلي القبر و تدخله، لكن هذا الحديث الذي ورد في هذه الصفة أختلف في صحته والراجح أنه ضعيف لا يصح, فيكون الأمر واسعاً سواءً من رجلي القبر أم من أمامه أم خلفه لا بأس, و قد اختلف أئمة الفقهاء في هذه المسألة, البعض قال الأفضل أن يدخل من رجلي القبر والبعض قال الأمر واسع, و بما أن الحديث الوارد في ذلك ضعيف فيبقى الأمر واسعاً و الله أعلم.
قال المؤلف رحمه الله: و يوضع على جنبه الأيمن مستقبلاً.
أي الميت يوضع في قبره على جنبه الأيمن, مستقبلاً: أي مستقبلاً القبلة, إلى ناحية القبلة، – وأنا لم أجد في هذا لا كتاب و لا سنة لكن نقل العلماء الاتفاق و لكن عندنا ثلاث: كتاب و سنة و إجماع و قد نقلوا الاتفاق في هذه المسألة أنه لا يزال هذا عمل المسلمين أنهم يضعون الميت في لحده على جنبه الأيمن, فالاتفاق حجة في هذا الباب و هو كاف إن شاء الله.
قال المؤلف رحمه الله: ويستحب حثو التراب من كل من حضر ثلاث حثيات.
اختلف العلماء في هذه المسألة, البعض قال هذه سنة مستحبة و استدل بحديث من حديث أبي هريرة عند أبي داود, قال: إن النبي صلى الله عليه و سلم صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثاً لكن هذا الحديث أعلَّه أبو حاتم الرازي رحمه الله بالإرسال فقال هو حديث مرسل, وله عدة أخرى أيضاً بينها الدارقطني رحمه الله في كتابه العلل, وورد حديث آخر أيضاً ضعيف مثله من حديث عامر ابن ربيعة فلا يصح في هذا الباب شيء و الله أعلم.
قال المؤلف رحمه الله: و لا يُرفع القبر زيادةً على شبر.
القبر لا يجوز أن يُرفع زيادة على شبر – لماذا؟ لحديث علي عند مسلم في صحيحه, قال علي لأبي الهياج الأسدي (...ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال بلى, قال ألّا تدع تمثالاً إلا طمسته، و في رواية ... صورةً إلا طمستها, ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)، هذا هو الشاهد، و لا قبراً مشرفاً إلا سويته: يعني مرتفعاً عن الأرض إلا جعلته مستوياً بالأرض، ولكن جاء في الحديث الصحيح أن القبر يجوز رفعه عن الأرض قدر شبر, و أن قبور الصحابة كانت مسنمة – يعني أنها معمولة كالسنام و لكنها لا ترتفع أكثر من شبر واحد فقط, هذا هو المشروع في القبور, أما ما نراه اليوم من بناء كأن الشخص يعمل غرفة نوم و إلا حديقة في القبر هذا ليس أمراً مشروعاً البتة و لم يأمرنا به صلى الله عليه وسلم.
قال المؤلف رحمه الله: و الزيارة للموتى مشروعة.
و هذا لقوله صلى الله عليه و سلم: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"، هذا أخرجه مسلم في صحيحه, أي أن زيارة الميت كانت بدايةً محرمة, نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم ثم بعد ذلك نسخ هذا الحكم و أُمر بها, و الأمر يكون هنا على الجواز لا على الوجوب لأنه جاء بعد تحريم، و أَذن أيضاً ربنا تبارك و تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بزيارة قبر أمه, بعد أن استأذن رب العزة في زيارة قبر أمه فأُذن له النبي صلى الله عليه وسلم، يدل ذلك على أن زيارة القبور جائزة، و قال صلى الله عليه و سلم فيبين لنا حكمة زيارة القبور فجاء في صحيح مسلم قال صلى الله عليه و سلم: "زورو القبور فإنها تذكر الموت"، الشخص عند ما يذهب إلى القبر و يرى الوضع هناك يتذكر أن مآله بعد فترة من الزمن أن يكون من أصحاب هذه القبور, و إما أن يكون في حفرة من حفر النار, أو في روضة من رياض الجنة فيعمل لما هو آت، والرجال و النساء في ذلك سواء على الصحيح, اختلف أهل العلم في زيارة المرأة للقبور هل هي جائزة أم لا؟ الصحيح أنها جائزة بشرط أن لا يبدر منها ما يخالف شرع الله من لطم الخدود و شق جيوب أو غير ذلك من المحظورات، و سبب الخلاف هو وجود بعض الأحاديث التي تدل على التحريم و هو قوله صلى الله عليه و سلم "لعن الله زائرات القبور"، و جاء أيضاً عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه مرَّ بامرأة وكانت جالسة عند قبر و تبكي فقال لها: "اتقي الله و اصبري" فقالت إليك عني, ثم قالوا لها هذا نبي الله صلى الله عليه و سلم, فذهبت إليه و اعتذرت، شاهدنا من الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم مرَّ بها و هي عند القبر و لم ينهها عن زيارة هذا القبر, و الصحيح كما ذكرنا و الصحيح أن زيارة القبور للنساء جائزة بشرط كما ذكرنا أن لا يبدر منها معصية أو مخالفة لشرع الله هذا الأمر الأول, الأمر الثاني أن لا تكون هذه الزيارة بشكل متكرر كثير, لأن الصحيح في هذا الحديث الذي ذكروه و استدلوا به على التحريم الصحيح في لفظه قوله صلى الله عليه و سلم "لعن الله زوارات القبور"، و زوارات هذه تفيد الكثرة, كثرة الزيارة فيكون الجمع بين هذه الأحاديث أن الكثرة هي المحرمة لا أصل الزيارة. -...لا ما يجوز التخصيص لأن هذه زيارة القبور أشياء قد شرعها الله تبارك و تعالى, و كل عمل لم يشرعه الله تبارك و تعالى فلا يجوز فتخصيص زيارة القبر بيوم العيد تشريع جديد, تخصيص زيارة القبر في يوم العيد تشريع جديد يحتاج إلى دليل من كتاب أو سنة، فمن لم يتمكن من الإتيان بدليل من الكتاب السنة فيكون عمله هذا بدعة محدثة, أصل الزيارة جائزة, لكن تخصيصها بزيارة يوم العيد لم الرسول صلى الله عليه و سلم يزور القبور في يوم العيد و لا كان صحابة رسول الله يزورون القبور في يوم العيد , فلو كان هذا العمل مشروعاً لفعلوه و هم أحرص منا على الخير بكثير, فعدم فعلهم له يدخل في قول النبي صلى الله عليه و سلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، و تخصيص العبادة في زمن معين أمر تشريعي, أمر من عند الله لا من عند أنفسنا فلا يجوز لنا أن نخصص أي عبادة من العبادات بوقت معين في يوم معين أو زمن معين أو شهر معين إلا أن يكون عندنا دليل من الكتاب و السنة و إلا كان العمل مردوداً على صاحبه كما قال صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله: ويقف الزائر مستقبلا القبلة.
زائر القبر يقف مستقبلا للقبلة صح في ذلك حديث عن البراء أنه جلس صلى الله عليه و سلم مستقبل القبلة لمَّا خرج إلى المقبرة أخرجه أبو داود, و كان صلى الله عليه و سلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين و المسلمين و إنا إنشاء الله بكم للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية" أخرجه مسلم, فهذا الحديث يدل على سنية هذا الذكر عند المرور بالمقابر أو عند دخولها.
و قال رحمه الله: ويحرم اتخاذ القبور مساجد.
الأحاديث التي تدل على ذلك كثيرة, و منها قوله صلى الله عليه و سلم: "لعن الله اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" و هذا متفق عليه، قالت عائشة – بعد أن روت هذا الحديث- قالت (يحذر ما صنعوا) أي احذروا من أن تتخذوا قبور أنبيائكم مساجد، وقال صلى الله عليه و سلم: "أولئك قوم إذا مات قيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا و صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله", و قال صلى الله عليه و سلم: "لا تتخذوا قبري و ثناً" و في لفظ "مسجداً" و في مسلم "لا جلسوا على القبور ولا تصلوا إليها و لا تصلوا عليها"، هذا كله يدل على تحريم اتخاذ القبور مساجد و منها هنا, قال أهل العلم الصلاة في المقبرة باطلة- لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه و سلم قد نهى عن ذلك, و بما أنه نهى عنها عن صلاة في مقبرة إذاً فالصلاة لا تصح ولا تجوز الصلاة في مقبرة سواء كان القبر قبل المسجد أو المسجد قبل القبر كله لا يجوز الصلاة فيه – لماذا لأنها أصبحت مقبرة،- قبر و مسجد لا يجتمعان البتة- إما قبر أو مسجد, لا ثالث لهما.
قال المؤلف رحمه الله: وزخرفتها.
أي القبور, فيَحرمُ زخرفة القبور لأن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن البناء عليها و تجصيصها, قال جابر بن عبد الله نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجصص القبر و أن يقعد عليه و أن يبنى عليه، و التجصيص هو التبيض, استعمال الجص و هو الجبس في تبيض القبور، فهذا يدل على تحريم تزيين و زخرفة القبور, و هذا كله سداً لذريعة الغلو في القبور، لماذا؟ لأن أصل الشرك بالله كان سببه ماذا؟ الغلو في الصالحين, أصل الشرك الذي وقع بين الناس أصله الغلو في الصالحين, مجاوزة الحد فيهم و ذلك أنَّ ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان قوم نوح على التوحيد –كانوا موحدين خالصين لله تبارك و تعالى- و كان فيهم رجال صالحين فلما مات الرجال الصالحون جاءهم الشيطان و قال لهم صوروا لهم صوراً تتذكرونهم بها و تعبدون الله كعبادتهم فصوروا لهم صوراً و جعلوها في النادي – في ناديهم- يتذكرون, فلما مات هؤلاء القوم و نُسي العلم – هذه مسألة مهمة- فلما لم يعد بينهم علماء يبينون لهم الحق من الباطل – ماذا حصل مع أولئك, جاءهم الشيطان و قال لهم بأن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوها فوقع الشرك في الناس, ثم أرسل الله تبارك و تعالى نوحاً لهؤلاء القوم كي يردهم إلى التوحيد بعد أن حصل معهم الشرك, ثم عادت الكرة من جديد، واتخذ الناس كثيراً من القبور في زماننا هذا آلهة تعبد مع الله تبارك و تعالى, تجدهم يطوفون حول القبر, يذبحون لصاحب القبر, يتضرعون له و كأنهم يدعون الله لعلهم لا يخلصون في أدعيتهم كإخلاصهم عند القبر ذلك, فيعبدون القبر كأنهم يعبدون الله تماماً، و هذا هو الشرك بعينه وهذا الذي كان النبي صلى الله عليه و سلم يحذر منه فقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد"، فكان يخشى صلى الله عليه و سلم من هذا الشيء, فلابد الحذر من هذا الأمر فكل هذه الأوامر التي جاءت عن النبي صلى الله عليه و سلم في القبور خشية أن يقع الناس في الغلو فيها مجاوزة الحد فيها, و مع ذلك لم يمنع ذلك من احترامها و تقديرها و إعطائها حقها كما سيأتي.
قال: و تسريجها.
تسريجها: يعني إضاءة السرج الذي هو الضوء, السراج هو الضوء سواء كان بالطرق للإضاءة التي كانت عندهم قديماً كالفوانيس الموجودة عندنا اليوم و ما شابه, أية طريقة من طرق الإضاءة هذه أيضاً على ما ذهب إليه المصنف أنها لا تجوز بناءً على حديث عند أبي داود و لكنه ضعيف.
قال المؤلف رحمه الله: و القعود عليها.
الآن جئنا إلى المسألة الثانية و هي مسألة احترام القبور و تقديرها احتراماً لأهلها، انتهينا من سد الذريعة من الغلو فيها و الآن جئنا لمسألة احترام، أنظر شريعة الله دائماً هكذا, لا إفراط و لا تفريط دائماً اعتدال في الأمور لا تحاول أن تغلو و لا أن تقصر ابق معتدلاً، و لا يمكنك أن تكون معتدلاً إلا إذا تقيدت بكتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم.
قال: و القعود عليها.
أي القعود على القبور محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" أخرجه مسلم, و تقدم أنه نهى أيضاً عن القعود على القبور احتراماً لأصحابها كما جاء في الحديث المتقدم من حديث جابر –نهى الرسول صلى الله عليه و سلم أن يُجصص القبر وأن يُقعد عليه و أن يُبنى عليه, ثلاثة أمور نهى صلى الله عليه و سلم.
قال المؤلف رحمه الله: و سب الأموات.
قال صلى الله عليه و سلم: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا", قد ذهبوا إلى ما قدموه من خير أو شر أخرجه البخاري، وقال صلى الله عليه و سلم: "لا تذكروا هلكاكم إلا بخير" لا تذكروهم إلا بخير أخرجه النسائي و غيره, و قال صلى الله عليه و سلم: "لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء"، و لكن إذا احتجنا إلى ذكره بسوء لمصلحة شرعية معتبرة – هل يجوز؟ نعم يجوز, دليل ذلك جاء عن أبي هريرة أنه قال: (...مُرّ على النبي صلى الله عليه و سلم بجنازة فأثني عليها خيراُ في مناقب الخير فقال: "وجبت"، ثم مروا عليه بأخرى فأثني عليها شراً في مناقب الشر– هذا هو الشاهد فذكروها بماذا ؟ بشر و هو ميت ومع ذلك أقرهم النبي صلى الله عليه و سلم فقال: "وجبت، إنكم شهداء الله في الأرض"، أخرجه ابن ماجه و غيره, فإذا كان هناك مصلحة شرعية معتبرة فلا بأس, يعني نحن الآن أهل الحديث عندما يقولون هذا الحديث ضعيف في سنده فلان كذاب هالك ...إلخ, هل هذا داخل في النهي؟ لا -لماذا؟ لأن هذا لأجل حفظ الشريعة, لحفظ دين الله سبحانه و تعالى و تمييز الحديث الصحيح من الحديث الضعيف, كذلك الكلام في أهل البدع و الضلال الذين انحرفوا في دين الله عن الجادة, لابد من بيان ما عندهم من أخطاء كي يحذر الناس من الوقوع في هذه البدع و الضلالة و الأخطاء.
قال المؤلف رحمه الله: والتعزية مشروعة.
لحديث أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي صلى الله عليه و سلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه و تخبره أن صبياً لها أو ابناً لها في الموت فقال للرسول: "ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ و لله ما أعطى و كل شيء عنده بأجل مسمى, فمُرها فالتصبر و لتحتسب"، هذا متفق عليه، التعزية: هي التصبير, الحث على الصبر بذكر ما يسلي المصاب و يخفف حزنه و يهون عليه مصيبته, هذا معنى التعزية، و التعزية تكون بكلمات كالكلمات التي قالها صلى الله عليه و سلم, لابنته، لم يذهب صلى الله عليه و سلم وجاب كراسي و جمع الناس و عمل المناسف و لا فعل شيء من هذا, كل هذا لا أصل له في شرع الله، إنما التعزية كما فعل, أرسل إليها مُرسلاً كي يخبرها بكذا و كذا, ولكنها لم تقبل بالمُرسل حتى جاءها صلى الله عليه و سلم, ووقف عليه و رأى روحه تفيض فبكى صلى الله عليه و سلم و ذكر أنها رحمة جعلها الله في قلوب عباده, و لكن صلى الله عليه و سلم كما ذكرنا لم يفعل ما يفعل الناس و لم يتكلف تكلف الناس اليوم و لم يقع في الإسراف و التبذير و في مجاوزة الحد الذي يقع فيه الناس اليوم, فهذه الأشياء التي تحصل فيها منكرات عظيمة و كثيرة جداً من إسراف و تبذير و رياء و سمعة و غير ذللك من الأشياء التي ما شرعها الله تبارك و تعالى.
و قال رحمه الله: وكذلك إهداء الطعام لأهل الميت.
إهداء الطعام لأهل الميت جاء فيه حديث عن عبد الله بن جابر قال: جاء نعي جعفر حين قتل فقاتل النبي صلى الله عليه و سلم: "اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم"، احتج بعض الناس بهذا الحديث يقول: أه النبي صلى الله عليه و سلم قال اصنعوا لآل جعفر طعام, اصنعوا لآل جعفر طعام - كمل الحديث - فإنه جاءهم ما يشغلهم, يعني أهل بيت عندهم ما يشغلهم يحتاجون أن يدفنوا ميتهم و أن يفعلوا و يفعلوا, فانشغلوا بذلك عن أن يصنعوا لهم طعاماً يأكلونه فيُصنع الطعام فقط لأهل البيت الذين انشغلوا كي يأكلوا لأنه ما عندهم من يصنع لهم الطعام فقط، مش تعمل العيلة و عيلة العيلة و القبيلة كلها, هذا ما شرعه الله بشيء مع أن هذا الحديث أصلاً حديث ضعيف لا يصح –نعم- نكتفي بهذا القدر و سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت و أستغفرك و أتوب إليك.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 14:34   #24
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الخامس و العشرون]

[الخامس و العشرون]


كتاب الزكاة
الزكاة لغة : هي النماء والزيادة تقول زكا الزرع إذا نما .
وأما في الشرع : فهي حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة بوقت مخصوص .
" حق واجب " على صاحب المال ، المسلم الحر .
" في مال خاص " وليس في جميع ماله ، فمثلاً الرقيق والخيل لا زكاة فيها إذا لم يعدّها للتجارة ، وهي من مال المالك .
إذن فالزكاة تؤخذ من مال خاص ، كالذهب والفضة والدنانير الورقية وما شابه .
ويؤخذ هذا المال ليعطى لطائفة مخصوصة من الناس ، وهم الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم .
ويؤخذ هذا المال في وقت مخصوص ؛ إذا حال الحول على بعضه ، أي مرت عليه سنة كاملة، وفي وقت حصاد البعض الآخر .
قال المؤلف – رحمه الله - : " تجب في الأموال التي ستأتي ؛ إذا كان المالك مكلّفاً " .
أي سيأتي ذكر الأموال التي تجب فيها الزكاة على صاحب المال ، إذا كان هذا المالك مكلّفاً ، و الزكاة تجب إذا كان صاحب المال مسلما حرّاً ؛ لأن الزكاة طهرة قال تعالى { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ، والكافر لا يطهره شيء ، وحديث معاذ يدل على وجوبها على من أسلم ؛ قال له صلى الله عليه وسم بعدما أمره أن يأمرهم بالتوحيد والصلاة : " فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم " متفق عليه .
وتجب على الحر لا العبد ؛ لأن العبد لا يملك أصلاً ؛ فمال العبد ملك لسيده ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " ومن ابتاع عبدا وله مال، فماله للذي باعه ، إلا أن يشترط المبتاع " متفق عليه .
وهل تجب الزكاة في مال غير البالغ ومال المجنون ؛ فإنهما غير مكلّفين ؟
المؤلف – رحمه الله – يذهب إلى عدم وجوبها في مال الصغير والمجنون ، لأنه قال : إذا كان المالك مكلفاً .
وقد اختُلِف في ذلك ، وسبب الخلاف : أن بعض العلماء جعلها من العبادات المحضة كالصلاة والصوم ؛ فقال : إن الصغير والمجنون ليسا من أهل العبادة .
وأما البعض الآخر فجعل الزكاة من حق المال ، أي أنها واجبة في المال لأهل الزكاة ؛ فقال : لا يشترط البلوغ والعقل ؛ لأنها حكم رتب على وجود سببه وهو بلوغ النصاب ، فجعلوا الزكاة كقيم المتلفات ، فلو أن صبيّاً كسر زجاج سيارة – أتلف الزجاج - وجب تصليح الزجاج في مال الصبي ، وإن لم يكن الصبي مكلّفاً .
لكن الصحيح ؛ أن الزكاة واجبة في مال المسلم الحرّ ؛ سواء كان صغيراً أو كبيراً مجنوناً أو عاقلاً ؛ فإنها متعلّقة بالمال ؛ لأن الله تعالى قال : {خذ من أموالهم صدقة } فالمدار على المال ، ولم يفرق بين مال ومال سواء كان لكبير أو صغير ، مجنون أو عاقل ؛ فكله تجب فيه الزكاة . وقال r في حديث معاذ : " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم " فالزكاة متعلّقة بالمال بغض النظر عن حال المالك .
وهذا القول هو قول الصحابة رضي الله عنهم ؛ عمر وعلي وابن عمر وعائشة وغيرهم ؛ فإنهم يوجبون الزكاة في مال الصغير اليتيم وغيره ، بناء على أن الزكاة تجب في المال.
الزكاة فرض وركن بإجماع المسلمين وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة لا يخفى على أحد وأدلته كثيرة منها قول الله { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ، وقول رسول الله r لمعاذ عندما أرسله إلى اليمن ؛ قال : " وأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم . متفق عليه .
وهي من أركان الإسلام لقوله r : " بني الإسلام على خمس " فذكر منها : " إيتاء الزكاة " .
قال المؤلف " باب زكاة الحيوان " . قال : " إنما تجب في النَّعَم ، وهي الإبل والبقر والغنم " .
النوع الأول من الأموال التي تجب فيها الزكاة ؛ الحيوانات المملوكة ، ولا تجب في جميع الحيوانات ، بل في النعَّم فقط ، والأنعام فسّرها المؤلف بقوله :" الإبل والبقر والغنم " .
ودليل وجوبها في هذه الثلاث دون غيرها هو حديث أنس الذي سيأتي ذكره مفرّقاً .
قال المؤلف – رحمه الله - : " فصل : إذا بلغت الإبل خمساً ؛ ففيها شاة ؛ ثم في كل خمسِ شاة ، فإذا بلغت خمسأً وعشرين ؛ ففيها ابنة مخاض ، أو ابن لبون ، وفي ستٍّ وثلاثين ابنة لبون ، وفي ستٍّ وأربعين حِقّة ، وفي إحدى وستين جَذَعة ، وفي ستٍّ وسبعين بنتا لبون ، وفي إحدى وتسعين حِقّتان إلى مئة وعشرين ، فإذا زادت ، ففي كل أربعين ابنة لبون ،وفي كل خمسين حِقّة " .
بدأ المؤلف بزكاة الإبل ؛ لأن أبا بكر الصديق بدأ بها كتابه الذي بين فيه فرائض الصدقة ، وهي أنفس أموال العرب .
أولاً : الزكاة واجبة في هذه الحيوانات بثلاثة شروط
1- أن تبلغ النصاب .
2- أن يحول عليها الحول .
3- أن تكون سائمة .
ومعنى النصاب : هو القدر المعتبر من المال لوجوب الزكاة ، وجمعه أنصبة ، بمعنى أنك إن ملكت رأساً من الإبل ؛ فلا زكاة فيها ، وإن ملكت اثنين فلا زكاة فيها ... وهكذا ، حتى تصل إلى خمسة ، فإن بلغت خمسة رؤوس من الإبل ففيها زكاة . فهذا يسمى نصاب زكاة الإبل ؛ أي القدر الذي إذا بلغه المال عندك وجب فيه الزكاة ، فنصاب الإبل خمسة وأقل منها لا زكاة فيه ومتى بلغت الخمسة فقد بلغت النصاب ووجب فيها الزكاة .
والدليل قوله r : " ليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة ، وليس فيما دون خمس أوسق صدقة " متفق عليه .
وقوله " خمس ذَوْدِ " يعني خمساً من الإبل ، فهذا الحديث يبين لنا نصاب الإبل ، وهي خمس منه بغضّ النظر عن كونها صغيرة أم كبيرة .
ومعنى أن يحول عليها الحول : أي أن يمضي عام كامل وهذا النصاب موجود عندك ، فلو ملكت خمساً من الإبل فما فوق ومضى عام كامل وهي عندك ؛ فقد وجبت عليك زكاتها ، لكن إن مرّ بك فترة من الحول وفقدت فيها الخمس ، ثم عدت بعد ذلك وجمعتها ؛ فإنك ستبدأ بالحساب من يوم جمعتها في المرة الثانية وما مضى انتهى لا عبرة به .
فلا بد أن يحول عليها الحول ، أي تمضي عليها سنة هجرية كاملة .
والسنة المقصودة هنا هي الهجرية لا الميلادية ؛ لأن الميلادية في شرع الله غير معتبرة ؛ فإذا سألت أحد أهل العلم عن مسألة شرعية ؛ فلا بد من نسيان التاريخ الميلادي ، ثم سؤال أهل العلم ، فهذا التاريخ ليس لنا ، ولا بد من الرجوع إلى التاريخ الهجري الذي عيّنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وهذا التاريخ الميلادي كان موجودا عند الصحابة ؛ فلماذا أعرضوا عنه وأتوا بالتاريخ الهجري ؟ فلو كان مشروعا لأخذوا به ، ولكن هذا من شعائر الكفار وليس من شعائر المسلمين ، فكل عباداتنا لا بد أن تكون بناء على التاريخ الهجري ، وكل ما تريد أن تسأل عنه وكل فتوى شرعية سمعتها لابد أن يذهب ذهنك فيها إلى التاريخ الهجري لا الميلادي .
الشرط الثالث أن تكون سائمة ، ونعني به أنها ترعى من العشب المباح أكثر العام وليس عشباً مزروعاً من عملك وكدك ، فإن علفها صاحبها نصف الحول أو أكثره فليست بسائمة .
أما المعلوفة ؛ وهي ما اشتريت لها العلف أنت وأطعمتها منه ، فهذه لا زكاة فيها .
فإذا توفّرت هذه الشروط الثلاثة ؛ وجبت الزكاة في الإبل .
وكل من هذه الشروط له دليل سيأتي ذكره إن شاء الله .
ثانياً : كم المقدار الذي يجب أن يُخرَج إذا بلغت الإبل النصاب .
قال " إذا بلغت الإبل خمساً ؛ ففيها شاة " أي إذا بلغت الإبل خمساً وحال عليها الحول وكانت سائمة وجب أن يخرج شاة زكاة عن هذه الإبل .
ثم قال : " ثم في كل خمس شاة " فإذ ملكت خمساً فتخرج عليها شاة ، وإذا ملكت ستاً تخرج شاة وكذا سبعاً وثمانية وهكذا حتى تصل إلى العشرة ، وتسمى هذه الأرقام مابين الخمسة إلى العشرة : " أوقاصا " وسيأتي تفسيره ، وهذه لا شيء فيها ، إنما الواجب فيما عيّن ، في الخمس شاة ثم في العشر شاتان ، والخمس عشر ثلاث شياه ، والعشرين أربع شياه ، إلى أربع وعشرين ففيها أربع .
ثم قال : " فإذا بلغت خمساً وعشرين ؛ ففيها ابنة مخاض ، أو ابن لبون " أي إذا صار عندك خمس وعشرون من الإبل ترعى من العشب الذي خلقه الله تعالى ؛ وهو العشب المباح ، ومضى عليها عام ؛ فكم يُخرج عليها ؟
قال " ففيها ابنة مخاض " ؛ هي الأنثى من الإبل التي أكملت سنة .
أو " ابن لبون " ؛ وهو الذكر الذي أكمل سنتين .
فأنت مخير بين ابنة المخاض أو ابن اللبون إن ملكت الاثنين .
ثم يبقى مقدار الزكاة كما هو حتى يبلغ ستا وثلاثين وتسمى هذه "الأوقاص" فلا شيء فيها .
قال : " وفي ست وثلاثين ابنة لبون " أي إذا بلغت الإبل ستا وثلاثين فيخرج ابنة لبون؛ وهي أنثى أكملت سنتين ، ثم يبقى يخرج هذه الأنثى التي أكملت سنتين إلى خمس وأربعين .
ثم قال : " وفي ستٍّ وأربعين حِقّة " أي إذا بلغت إبله ستاً وأربعين فيجب عليه أن يخرج حِقّة ، وهي الأنثى التي أكملت ثلاث سنوات . وسمّيت حِقّة لأنها صارت في سن تستحق أن يطرقها الجمل .
ثم مابين الست وأربعين وإحدى وستين أوقاص .
قال : " وفي إحدى وستين جَذَعَة " إلى خمس وسبعين ، والجذعة هي الأنثى التي أكملت أربع سنوات .
ثم قال : " وفي ست وسبعين بنتا لبون " إلى التسعين فإنه يخرج بنتا لبون ، أي اثنتين قد أكملتا عامين .
قال : " وفي إحدى وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين " أي إذا خرج العدد عن مائة وعشرين ؛ فإنه يقسم إبله إلى خمسين وأربعين ، ويخرج عن كل أربعين ابنة لبون وعن كل خمسين حِقة .
إذا سيكون الأمر هكذا :
5 رؤوس من الإبل _ 24 = في كل خمس شاة ثم :
25 – 35 = بنت مخاض أو ابن لبون .
36 – 45 = بنت لبون .
46 _ 60 = حِقّة .
61 _ 75 = جَذَعة .
76 _ 90 = ابنتا لبون .
91 _ 120 = حقتان .
121 _ فأكثر من ذلك في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حِقّة .
فلنقل إن عنده مائتي رأس من الإبل ؛ فكم يكون عليه ؟
الجواب : أننا نستطيع أن نقسم كيف نشاء إما أربعينات أو خمسينات ، فإما أن نخرج خمسة بنات لبون ، أو أربعة حقاق .
وهذا كله جاء مفصلا في حديث أنس بن مالك في " صحيح البخاري " على هذه الصورة .
قال المؤلف – رحمه الله - : " ويجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة ، وفي أربعين مسنة ، ثم كذلك " .
فنصاب البقر ثلاثون ؛ وأقل من ذلك لا شيء فيه ، ودليله حديث معاذ ؛ قال : أمره رسول r أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة ، ومن كل أربعين مسنة " أخرجه أبو داود، وهو حديث حسن .
والتبيع : " ولد البقرة الذي يتبع أمه إلى سنة ثم يكون جذعا " فما دام دون السنة فهو تبيع ، فإذا بلغ السنة صار جذعا والذكر والأنثى سواء لا فرق .
قال " وفي أربعين مسنة " وما بعد الثلاثين من الحادي والثلاثين إلى التاسع والثلاثين ؛ كلها أوقاص لا شيء فيها ، فإذا بلغت الأربعين ففيها مسنة .
والمسنة : " مالها سنتان و طلع سنها " ، وهي الأنثى .
وبين r القدر الذي يؤخذ في زكاة البقر من كل ثلاثين تبيع أو تبيعة ، ومن كل أربعين مسنّة ، وهكذا جاء في الحديث .
فالستون فيها تبيعان أو تبيعتان ، والسبعون فيها تبيع أو تبيعة ومسنة ، والثمانون فيها مسنّتان ؛ وهكذا .
وأما الجواميس فحكمها حكم البقر بالإجماع ؛ نقله ابن المنذر ، فتعد البقرة والجاموس شيئا واحداً ، كما أن الجمل العربي والجمل ذو السنامين الأفريقي يعد شيئا واحداً .
قال : " ويجب في أربعين من الغنم شاة إلى مئة وإحدى وعشرين ، وفيها شاتان إلى مئتين وواحدة ، وفيها ثلاث شياهٍ إلى ثلاث مئة وواحد ، وفيها أربع ثم في كل مائة شاة "
يبين المؤلف الآن نصاب الغنم ، وهي أربعون شاة ، وتكون زكاتها شاة واحدة ، وتبقى شاة إلى المئة وعشرين ، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ؛
قال : " وفيها شاتان إلى مائتين وواحدة " فمن المائة وواحد وعشرين إلى المائتين فيها شاتان .
قال " وفيها ثلاث شياه إلى ثلاث مائة وواحد ، وفيها أربع ، ثم في كل مائة شاة " .
إذن في الأربعين إلى المائة وعشرين = شاة ، ثم في
إحدى وعشرين ومائة إلى المائتين = شاتان ، ثم في
مائتين وواحد إلى ثلاثمائة = ثلاث شياه .
ثم في كل مائة شاة .
وهذا التفصيل هو المذكور في صحيح البخاري ، في كتاب أبي بكر لأنس .
وكثير من هذه المسائل مجمع عليها .
ويشمل الغنم الماعز و الضأن . والماعز ما كان شعره أسود وأما الضأن فهو الخروف ذو الصوف الأبيض .
وهكذا يكون قد انتهى من ذكر نصاب الإبل والبقر والغنم وذكر المقادير .
قال – رحمه الله - : " ولا يجمع بين مُفْتَرِق من الأنعام ، ولا يُفَرّق بين مجتمع ؛ خشية الصدقة " .
يعني بذلك أن يكون لزيد أربعون رأساً من الغنم ، ولعمرو أربعون رأسا ، ولبكر أربعون رأسا؛ وهي متفرّقة . فكل واحد من هؤلاء عليه شاة في الصدقة ، فيجمعون شياههم ، فيصير عددها مائة وعشرين رأساً ، والمائة والعشرون هذه فيها شاة واحدة ، فيسقطون عن أنفسهم شاتين ؛ وهذا تحايل على شرع الله ولهاذا نهى عنه النبي r .
وأما الصورة الثانية ؛ وهي تفريق المجتمع ؛ أن يكون لك عشرون شاة ولي عشرون شاة مجتمعة ، فيكون فيها مجتمعة شاة واحدة ، فإذا فرقناها لم يكن على أي منا شيء ، وهذا منهي عنه أيضاً .
فما كان مجتمعا فلا يفرق خشية الصدقة وما كان مفرقا فلا يجمع خشية الصدقة ، وقد جاء هذا في صحيح البخاري من حديث أنس قال ؛ قال رسول الله r : " ولا يَجْمَعَ بين متفرّق ، ولا يُفَرّقُ بين مجتمع خشية الصدقة ،وما كان من خليطين فيتراجعا بالسوية " والجملة الأخيرة سيأتي شرحها تحت كلام المؤلف عند ذكرها ، وسيأتي ضابط الاجتماع والتفريق ؛ متى تكون مجتمعة ومتى تكون مفترقة .
وأما قول المؤلف : " ولا يجمع بين مفترق من الأنعام " أي أن الخلطة مؤثرة في الأنعام فقط ، لا في بقية الأموال ؛ فالأموال الثانية كالدنانير والفضة والذهب ، لا علاقة لها بالاختلاط ، كل واحد ماله منفصل عن الآخر ؛ سواء كان مجتمعا أو متفرقا .
الاختلاط يؤثر فقط في الحيوانات ، وهو الصحيح من كلام أهل العلم ، ودليله أن الجمع والتفريق مؤثر قِلّة وكثرة في الماشية ولا يؤثر في غيرها ، والخلط يؤثر في الماشية بالنفع تارة ، وبالضرر تارة أخرى ، وأما في غيرها فيؤثر دائما بالضرر على صاحب المال ، فلا تعتبر في غير الماشية . والله أعلم
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 14:35   #25
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس السادس و العشرون]

[الدرس السادس و العشرون]


قال المؤلف – رحمه الله - : " فصل : ولا شيء فيما دون الفريضة ، ولا في الأوقاص " .


" لاشيء فيما دون الفريضة " : أي فيما دون النصاب ، أي ما هو أقل من النصاب لا شيء فيه ، وقد ذكرنا أن الإبل نصابها خمس ؛ فإذا ملك الشخص أربعا من الإبل أو أقل فلا شيء عليه ، وأما البقر فنصابها ثلاثون فإذا ملك الشخص تسعا وعشرين أو أقل فلا شيء عليه ، وأما نصاب الشياه فأربعون فإذا ملك الشخص تسعا وثلاثين أو أقل فلا شيء عليه .

وقوله : " ولا في الأوقاص " : أي ولا شيء فيما بين الفريضتين ، و الأوقاص ؛ جمع وَقَص ، وأصله في اللغة قِصَر في العنق ، وسمي وَقَص الزكاة ؛ لنقصه عن الزكاة ، أي لأنه لا يصل إلى الفريضة . ففي الإبل مثلا مابين خمس وعشرين وست و ثلاثين بنت مخاض أو ابن لبون ، وأما من ملك ستاً وعشرين أو سبعا وعشرين إلى خمس وثلاثين ، فلا زيادة عليه ، فتسمى أوقاصاً ؛ ويخرج كما يخرج من ملك خمسا وعشرين ؛ لأنها جاءت بين الفريضة الأولى وهي خمس وعشرون ، والفريضة الثانية وهي ست وثلاثون .

وهذا ما يدل عليه حديث أنس .

قال المؤلف – رحمه الله - : " وما كان مِنْ خَلِيطَيْنِ فيتراجعان بالسَّويّةِ " .

لحديث أنس في " صحيح البخاري " ؛ قال : " وما كان من خليطين فيتراجعا بالسوية " مثلا كان لي ولك أربعون رأساً من الشياه مختلطة ، فجاء عامل الصدقة وأخذ من هذه الشياه الأربعين المختلطة شاة واحدة – وهي زكاة نصاب الغنم - ، فهذه الشاة المأخوذة زكاة للنصاب تؤخذ عن مَنْ ؟ عنك أم عني ؟

الجواب : أن النبي صلى الله عليه و سلم قال في هذا : " فليتراجعا بالسويّة " ، أي يدفع كل واحد النسبة التي عليه ، فلو كان كل واحد منا يملك عشرين شاة ؛ فعلى كل منا نصف ثمن الشاة، ولو كنت تملك الثلثين وأملك الثلث ، فعليك ثلثي ثمن الشاة وعلي الثلث .

ما هو ضابط المجتمَع والمتفَرّق

الاجتماع نوعان ؛ اجتماع أعيان واجتماع أوصاف .

فأما اجتماع الأعيان : فهو الاشتراك بالتملك في أعيان بهيمة الأنعام ، فلا يتميز ملك أحدهما عن الآخر .

مثلا أشترك أنا وأنت في أربعين شاة ؛ لا تتميز شياهي عن شياهك ، وهذا اشتراك شيوع لا تمييز فيه ، هي أربعون شاة لي ولك ، ليس فيها أن تلك الشاة الحمراء مثلا لك والبيضاء لي ؛ بل كلها لي ولك ، فهذا اجتماع الأعيان .

ويحدث في حالات الميراث ؛ فمثلا مات رجل وترك ولدين ذكرين وعنده أربعون رأسا من الشياه ، فللأول عشرين وللثاني عشرين ؛ لكنها غير متميزة .

وأما الاجتماع الثاني ؛ وهو اجتماع الأوصاف ، تكون الشياه فيه متميِّزة ، أنا وأنت – مثلا - مشتركون ، لكن شياهك معروفة لها أوصاف معلومة ، وشياهي معروفة لها أوصاف وعلامات معلومة .

فما هو ضابط الاجتماع الذي تعدّ فيه الأنعام مجتمعة أو متفرقة ؟

بالنسبة لاجتماع الأعيان فلا إشكال فيها لأنها غير متميزة أصلا .

لكن الإشكال في اجتماع الأوصاف ؛ متى تعدّ مجتمعة ومتى تعد متفرقة ؟

قال أهل العلم : إذا اشتركت في أشياء تعتبر مجتمعة ، فما هي هذه الأشياء ؟

أن تشترك

1. في المُراح : وهو مأواها ليلاً ، فإن كانت تأوي إلى مكان واحد تكون قد اشتركت في المراح .

2. في المسرح : وهو المرتع الذي ترعى فيه

3. في المَحْلَب : وهو الموضع الذي تحلب فيه

4. في المشرب : وهو مكان شربها ، بأن تسقى من ماء واحد ؛ نهر أو عين أو بئر أو حوض أو غير ذلك .

5. في الفحل : وهو الذكر الذي يجامع الإناث .

6. في الراعي .

فإذا اشتركت في هذه الأوصاف الستة كانت هذه الأنعام مجتمعة لا يجوز تفريقها ، وهذه الأشياء التي ذُكرت فيها تخفيف مؤنة على الطرفين ، لذلك اعتبرت عند التجميع والتفريق .

قال المؤلف – رحمه الله - : " ولا تُؤخَذ هَرِمَةٌ ، ولا ذاتُ عَوَار ، ولا عَيْبٍ ، ولا صغيرةٌ ، ولا أكولَةٌ ، ولا رُبَّى ، ولا ماخِضٌ ، ولا فَحْلُ غنم " .

لا يجوز أخذ هذه الأشياء في الزكاة ؛ لأن فيها ضرراً على صاحب المال أو على الفقير .

" الهرمة " : هي الكبيرة التي سقطت أسنانها .

" ذات عوار " وتقال بالفتح : " عَوار " ، وبالضم : " عُوار " ، قيل هي العوراء ، وقيل هي المعيبة التي فيها عيب .

" ولا عيب " : وهي ما فيها عيب يعدّ عند العارفين بالمواشي نقصاً ، فالنَّعم التي فيها هذا العيب لا تؤخذ في الزكاة .

" الصغيرة " : أي في السن .

" الأكولة " : وهي الشاة التي يسمّنها أهلها لأكلها ، وقيل هي الخصي والهرمة والعاقر من الغنم .

" الرُبّى " : التي تربّى في البيت ليأخذ أهلها لبنها ، وقيل هي التي وضعت حديثاً .

" الماخض " : التي أخذها المخاض لتضع ، والمخاض الطلق عند الولادة .

" فحل الغنم " : الذكر الذي أُعد لضراب الإناث .

وهذه الأشياء التي ذكرها ورد فيها آثار ضعيفة لا تصحّ .

وقد ورد حديث في " صحيح البخاري " من حديث أنس ؛ قال : قال عليه السلام : " ولا يخرج في الصدقة هرمة ، ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المُصَّدّق " .

إذن فالهرمة وذات العوار أي ذات العيب - فتدخل فيها أي شاة معيبة بعيب معروف عند أهل العلم بالمواشي أنه عيب مؤثر - ، وكذلك التيس الذي هو الفحل .

وقوله : " إلا أن يشاء المصدق " أي إلا أن يشاء المصدق إخراج التيس ؛ لأن في أخذه ضرراً على المصّدّق ، والمنع من أخذه لمصلحته ؛ فإن أذن فيه أو رأى أن لا ضرر عليه في ذلك أُخِذ .

وتقاس عليه الأشياء التي ذكرها المصنّف مما يعود بالضرر على صاحب المال .

وقد ورد أيضا في " البخاري " و " مسلم " من حديث معاذ المعروف ؛ قال : " وأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ... " ثم قال في نهاية الحديث : " وإياك وكرائم أموالهم " .

وهذا يدل على أن الكريم من مال الشخص لا تؤخذ في الزكاة ؛ بل يؤخذ الشيء المعتدل المتوسط ؛ لا النفيس ولا الرديء .

وأما الهرمة وذات العوار ؛ فلا تؤخذ لأن الضرر فيها عائد على الفقير .

وأما الصغيرة فقد بوب البخاري في " صحيحه " : " باب أخذ العناق في الصدقة " وذكر فيه حديث أبي بكر قوله : " والله لو منعوني عناقا لقاتلتهم عليه " .

والعناق من أولاد المعز ، وهي التي لم تستكمل السنة .

قال الحافظ : " وكأن البخاري أشار بهذه الترجمة السابقة إلى جواز أخذ الصغيرة في الصدقة " .

فالصحيح أنها تؤخذ .

مسألة : إذا لم يوجد عند صاحب الإبل السن المطلوبة عنده ؛ فماذا يفعل ؟

جاء في نفس حديث أنس في " صحيح البخاري " ما يحدد المراد من ذلك ، فقال في الحديث بأنه يؤخذ منه الأعلى أو الأدنى .

فلنقل مثلا بأن مالكا قد ملك أربعين رأسا من الإبل ، ووجبت عليه بنت لبون ، ولا يملكها ، فإنه بالخيار بين أمرين ؛ إما ان يخرج ما هي أعلى من بنت اللبون ، وهي الحقة ، وهنا لا بد على جامع الصدقة - وهو الشخص الذي يخرجه ولي الأمر ليجمع الصدقة – فيجب عليه أن يرد على المصّدّق الجبران ، وهو ما جاء تحديده في الحديث ؛ إما شاتان أو عشرين درهما وهذا جبر لفرق السن ، إن أخرج الأكبر .

أما إن أخرج المصّدّق الأصغر سناً ؛ كأن يخرج بنت مخاض وهي أصغر من بنت اللبون ، فهنا يجب عليه أن يجبر النقص ، فيخرج هذا المصدق شاتين أو عشرين درهما ، يدفعها لجامع الصدقة تعوض عن فرق السن ، لإخراجه الأصغر .

والدرهم المقصود هنا ، ما كانوا يتعاملون به وهو درهم الفضة ، وأما الدينار فدينار الذهب .

وعند وزن الدرهم من الفضة وجد أنه يساوي غرامين وتسعمائة وخمسا وسبعين ، أي ثلاثة غرامات إلا قليلاً ؛

فبناء على هذا فإن عشرين درهما تساوي من الغرامات :

20× 975,2 = 60 غم تقريباً ، ثم

60× سعر غرام الفضة اليوم = المبلغ بالأوراق النقدية في زمننا هذا ، وهو ما يعادل العشرين درهما التي ستخرجها لتعوض فرق السن ، وهذا إن أخرجت دراهم ، أما إن أخرجت شاتين ؛ فلا تحتاج لهذا الحساب ؛ وهكذا يكون دفع الفارق تأخذه من جامع الصدقة أو تدفعه له .

قال المؤلف – رحمه الله - : " باب زكاة الذهب والفضة " .

قال : " هي – إذا حالَ على أحدهما الحولُ – ربع العشر " .

بدأ المؤلف في مسألة زكاة الذهب والفضة بالقدر الواجب فيها ؛ فقال هو ربع العشر .

زكاة الذهب والفضة مجمَع عليها إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول ، فهي واجبة .

قال تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } .

وجاء كذلك في حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار..."

وقيمة ما يُخرَج منها ربع العشر ، وذلك لقوله صلى الله عليه و سلم : " ليس عليك شيء " – يعني في الذهب – "حتى يكون لك عشرون ديناراً ؛ فإذا كانت لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ؛ ففيها نصف دينار ، فما زاد فبحساب ذلك " . أخرجه أحمد وأبو داود وصححه البخاري .

فبين بهذا الحديث نصاب الذهب ، وأنه يجب أن يحول عليه الحول ، وبين القيمة الواجبة فيها .

فالنصاب عشرون ديناراً .

وُزِن الدينار من الذهب فوجد أن وزنه أربع غرامات وربع ( 25, 4 غم ) .

هذا الدينار الواحد الذي يزن ( 25,4 ) × 20 ديناراً الذي هو النصاب = 85 غم ، وهذا أصل نصاب الذهب .

فإذا بلغ الذهب خمساً وثمانين غراماً ؛ فقد بلغ النصاب ، وإذا حال عليه الحول وجبت فيه الزكاة .

والقيمة الواجبة في العشرين ديناراً من الذهب على ما في الحديث هو نصف دينار ، وهذه تساوي ربع عشر العشرين ديناراً ، فالواجب ربع العشر من قيمة الذهب الذي تملكه وحال عليه الحول .

قال المؤلف – رحمه الله - : " ونصاب الذهب عشرون ديناراً ، ونصاب الفضة مائتا درهم " .

ونصاب الذهب عشرون ديناراً للحديث الذي تقدم ، وأما نصاب الفضة فمائتا درهم .

وزِن درهم الفضة فتبين أنه (975,2) غم

(975,2) غم × 200 درهم نصاب الفضة = 595 غم نصاب الفضة .

ودليله قوله صلى الله عليه و سلم : " قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق ، فهاتوا صدقة الرِّقة من كل أربعين درهماً درهماً ، وليس في تسعين ومائة شيء ، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم " أخرجه أحمد وأبو داود وصححه البخاري .

وقوله : " قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " يدل على أن الخيل والرقيق لا زكاة فيها إلا إذا اتخذت للتجارة .

و" الرقة " هي الفضة .

فهذا الحديث بين لنا نصاب الفضة والقدر الواجب فيها . والقدر الواجب في الفضة هو نفسه القدر الواجب في الذهب ؛ وهو ربع العشر ؛ لأن عشر المائتين هو عشرين درهما ، وربع العشرين هو خمسة دراهم ، فربع عشر المائتين خمسة دراهم .

وفي " صحيح البخاري " : " ليس فيما خمس أواق من الوَرِق صدقة " .

" الوَرِق " : الفضة .

والأوقية : تساوي أربعين درهماً .

والخمس أواق : مائتا درهم .

فنصاب الفضة 200 درهم ، وهي تساوي 595 غراماً ، وهذا أصل نصاب الفضة .

وعند المعاملة تحتاج لحفظ شيئين اثنين : نصاب الذهب 85 غم ، ونصاب الفضة 595 غم .

قال المؤلف : " ولا شيء فيما دون ذلك " .

أي لا شيء فيما هو أقل من عشرين ديناراً من الذهب والذي يساوي 85 غم .

ولا شيء فيما هو أقل من مائتي درهم من الفضة والذي يساوي 595 غم .

قال : " ولا زكاة في غيرهما من الجواهر " .

كالدر والياقوت والماس واللؤلؤ ، ونحوها ، فلا زكاة فيها ، لعدم ورود دليل يدل على وجوب الزكاة فيها ، والبراءة الأصلية مستصحبة ، فالأصل عدم الزكاة إلا فيما ثبت فيه الدليل .

مسألة : وأما الحلي من الذهب والفضة ؛ فاختلف أهل العلم فيه والصحيح أن فيه زكاة لأمرين :

الأول : دخوله في عموم الأدلة التي توجب الزكاة في الذهب والفضة ، ولم يخرجه شيء ، فإن الله لما قال : { والذين يكنزون الذهب والفضة .. } لم يخرج هذا الحلي من هذه الآية .

ثانياً : حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ؛ أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعها ابنة لها ، وفي يد ابنتها مَسَكَتان غليظتان من ذهب ؛ فقال : " أتؤدّين زكاة هذا ؟ " قالت : لا ، قال : " أيسُرُّك أن يسوّرك الله سوارين من نار ؟ " فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلى الله عليه و سلم .

والمَسَكَتان : سواران غليظان .

أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما وهو صحيح .

رواه ثلاثة عن عمرو بن شعيب ، وله شواهد ، فهذا دليل على وجوب زكاة الحلي .

ولا يصحّ حديث في نفي الزكاة عن الحلي ، رويت أحاديث في نفي الزكاة عن الحلي؛ لكنّها ضعيفة .

مسألة : الأوراق النقدية التي بين أيدينا اليوم ؛ كانوا يتعاملون فيما مضى بالذهب والفضة ، ولا وجود لها اليوم إلا ما ندر ، وإنما يتعاملون بالأوراق النقدية ؛ فهل في هذه الأوراق النقدية زكاة ؟

في هذه الأوراق النقدية زكاة أيضاً ؛ لأنها أموال الناس اليوم ، وقد قال الله تبارك وتعالى { خذ من أموالهم صدقة } ، وقال صلى الله عليه و سلم لمعاذ : " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم " .

والأوراق النقدية اليوم هي أثمان الأشياء وهي أموالنا ، فلو أبطلنا الزكاة فيها ؛ لبطلت الزكاة ، والحكمة التي من أجلها شرع الله الزكاة ، ولبقي الفقير فقيرا والغني ازداد غناً على غناه .

مسألة : كم نصاب الأوراق النقدية .

اختلف أهل العلم في نصابها ؛ هل هو نصاب الذهب أم نصاب الفضة ، أم يؤخذ بأعلى النصابين ، أم يؤخذ بأدناهما ؟

أما الذين قالوا يؤخذ بنصاب الفضة ؛ فقالوا هو أرفق بالفقير ، وأنفع له ، فنعتبر مصلحة الفقير .

وأما الذين قالوا بأدنى النصابين ؛ فنظروا أيضاً إلى ما هو أنفع للفقير ، فاجتماع الأدنى عند الغني يوجب عليه الزكاة ، بخلاف ما لو أخذوا بالأعلى ؛ فإنها لن تجب الزكاة إلا عند من اجتمع عنده النصاب الأعلى ؛ لذا قالوا هو الأنفع للفقير .

وبناء على أن الأوراق النقدية غير مغطاة بالذهب والفضة اليوم .

وأما الذين قالوا يؤخذ بنصاب الذهب ؛ فقالوا هو الأصل في التعامل ، وهو غطاء النقود ، وهو أساس تقدير الديات .

والذي يترجّح عندي أنه نصاب الذهب ؛ لأن الأصل براءة الذمّة ، ولا نستطيع أن نحكم بالإيجاب فيما هو أدنى ، ولكن ما هو أعلى استيقنا أن فيه زكاة ، فتبقى براءة الذمّة مستصحبة حتى يأتي دليل واضح ، فلا نحمل الأمور على ما هو مشكوك فيه ، بل على ما استيقنّا منه ؛ فإنه أولى .

ثم إن قيمة الذهب ثابتة ، وهو أصل في التعامل ؛ لذلك رجّحنا هذا القول . والله أعلم .

وعلى كل ؛ فالأوراق النقدية وأحكامها سواء كانت في الربا أو كانت في الزكاة ؛ يوجد فيها بحث نفيس لهيئة كبار العلماء في كتاب أبحاث هيئة كبار العلماء ، بحثوا هذا الأمر وذكروا أقوال أهل العلم فيه ، وناقشوا فيه نقاشاً طويلاً ، حتى وصلوا فيه إلى أن الأقوال النقدية يدخلها الربا وتجب فيها الزكاة كذلك ؛ وهو الصحيح إن شاء الله .

وغالباً تكون الأبحاث الجماعية أدق وأقوى ؛ ولا يلزم أن يرجّحوا الصواب دائماً ؛ لأن العصمة للإجماع لا للكثرة .

ثم إن هذه الأبحاث قامت بعد استشارة خبراء في الأموال والأوراق ، ثم نظروا في الأدلة الشرعية ، ثم استخرجوا الأحكام منها .

قال المؤلف – رحمه الله - : " وأموال التجارة " .

أي ولا زكاة في أموال التجارة - فهي معطوفة على التي قبلها : " ولا زكاة في غيرهما من الجواهر " - ، فقال ، لا زكاة في أموال التجارة ، وهذا ما ذهب إليه المؤلف – رحمه الله – تبعاً لبعض أهل الظاهر ، لكن بعض العلماء قد نقلوا الاتفاق على أن أموال التجارة فيها زكاة ؛ إلا أن هذا الإجماع فيه خلاف .

والصحيح عندنا أن عروض التجارة فيها زكاة .

والعروض : جمع عَرَض أو عَرْض بفتح الراء أو بإسكانها .

وسميت عروض تجارة ؛ لأنها تعرض وقتاً ثم تزول .

وهي كل ما أُعِدّ للبيع والشراء لأجل الربح .

وأخذ الزكاة منها واجب – خلافاً للمؤلف - ؛ لأنها داخلة تحت عموم قوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة } ، وعرض التجارة أموال ، وهي أغلب أموال التجار .

واستَدَلّ البخاري بحديث : " أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتُده في سبيل الله " أخرجه البخاري . وهو عندي أصح دليل في هذه المسألة .

ووجه الدلالة في هذا الحديث ؛ أن جامعي الزكاة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فشكوا له أن خالداً لم يدفع زكاة ماله ، ومال خالد هو عتاد وأدرع غنمها في الحرب .

ولكن مما عرفناه أن الحديد لا زكاة فيه ؛ فبأي وجه تؤخذ الزكاة من خالد على أدراعه وعتاده التي هي حديد ؟

لا وجه لذلك إلا أن يكون جامعي الزكاة قد ظنوا أنها قد أعدت للتجارة ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتُده في سبيل الله "

لذا استدلّ البخاري – رحمه الله – على أن في عروض التجارة زكاة .

ويشترط لوجوب الزكاة في عروض التجارة شروط :

1. أن تبلغ النصاب .

2. أن يحول عليها الحول .

3. أن يملك هذه العروض بفعله كالشراء لهذه العروض أو قبول الهدية ، فتدخل في ملكه باختياره . أما ما ورثه من أموال فليست من عروض التجارة ؛ لأنها دخلت في ملكه من غير فعله ، فبمجرد أن مات المورّث وصلته .

4. أن يملكها بنية التجارة ، فلو ملكها بنية الاقتناء فلا زكاة فيها ، وكذا لو ملكها بنية الاقتناء أو بإرث ثم طرأت عليه نية التجارة فلا زكاة فيها ؛ لأن الأصل القنية والتجارة عارض ، فلا يصار إليها بمجرد النية.

وإن اشترى عَرَضاً للتجارة ، فنوى الاقتناء ؛ صار للقنية ، وسقطت الزكاة فيه ؛ لأنه اتخذه ليقتنيه ولم يعد يريد بيعه ، فتحوّل من عرض للتجارة إلى شيء مقتنى .

فإذا بلغت عروض التجارة النصاب – ونصابها كنصاب الأوراق النقدية – وحال عليها الحول ، قوّمه آخر الحول بقيمته وقت وجوب الزكاة ، وأخرج ربع عشر قيمته .

فلو كان عند تاجر بضاعة بلغت النصاب وحال عليها الحول ، يبدأ بتقويم بضاعته في ذلك الوقت ، ولا عبرة بقيمتها حين اشتراها ، بل المهم هو قيمتها حين حال عليها الحول ، فيقوّمها ثم يخرج ربع عشر قيمتها الحالية .

مسألة : ماذا يخرج زكاة عروض التجارة ؛ هل يخرجها بضاعة ؟

تخرج زكاتها أوراقاً نقدية من أوراق أهل البلد ؛ لأنها الأصل المطلوب له ، فقصده ومراده القيمة ، لا هذه العروض ، وهذه العروض لم تشتر إلا ابتغاء قيمتها وهو المال .

تضم قيمة عروض التجارة للأوراق النقدية وتُتمِّم بها النصاب

ولنقل : إن شخصاً يملك ألفا دينار ، - ونصاب المال اليوم هو 3343ديناراً ، لأن قيمة غرام الذهب اليوم 33,39 ديناراً فنضربه بـ نصاب الذهب وهو 85 غراماً فيكون النصاب 3343 ديناراً - ، فلو ملك هذا الشخص ألفي دينار وعروض تجارة قيمتها ألفا دينار ؛ فهل عليه زكاة ؟

نعم عليه زكاة ؛ لأنه يجب أن يضم قيمة العروض إلى قيمة الأوراق النقدية ؛ لأن أصل العروض أوراق نقدية فتضم إليه ، بخلاف الذهب والفضة فلا يضمان إليه

قال المؤلف – رحمه الله - : " والمُسْتَغَلات " .

أي أنه لا زكاة في المستغلات

وهي : الأشياء التي ينتفع بها ويستغلها ، فإنه لا زكاة فيها ، كالدور التي تؤجر – أما الأجرة ؛ فإنها إذا حال عليها الحول وبلغت النصاب ؛ كان فيها زكاة ، لأنها تصبح من زكاة الأموال النقدية - ، وكذلك السيارات والدواب ، وما يستعمل من الأثاث والآلات الصناعية كالمنشار والمطرقة ؛ وآلات المصانع ؛ فلا زكاة فيها؛ لقوله صلى الله عليه و سلم: " ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه " . متفق عليه

إلا إذا اتخذ شيئا من ذلك للتجارة فتجب فيها الزكاة ؛ لأنها ستصبح من عروض التجارة عندئذٍ .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 14:52   #26
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس السابع و العشرون]

[الدرس السابع و العشرون]


قال المؤلف – رحمه الله - : " باب زكاة النبات " .


زكاة النباتات تشمل الزروع والثمار

ونعني بالزروع : الحب ، كالقمح والشعير وغيرها مما يزرع ثم يحصد .

ونعني بالثمار : ما أنبتته الأشجار كالتمر والزبيب وما شابه .

وأصل وجوب الزكاة في النبات قول الله تبارك وتعالى { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيّبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض } .

تدل هذه الآية على وجوب الإنفاق مما أخرج الله لنا من خيرات الأرض .

وكذلك قوله تعالى : { وآتوا حقّه يوم حصاده } .

وقال صلى الله عليه و سلم : " فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثريّاً العشر ، وفيما سُقيَ بالنّضح نصف العشر " متفق عليه .

يدل الحديث على وجوب الزكاة فيما سقت السماء ، وفيما سقي بالنضح من الزروع .

و المراد بـ " العَثري " الذي يشرب بعروقه من غير سقي أو بواسطة المطر أو عن طريق السيول والأنهار ، المهم أن لا تكلفة في سقيه .

و المراد بـ " النّضح " يعني الإبل التي يُحمل عليها الماء لسقي الزرع ، والمراد به الزرع الذي في سقايته تكلفة ، وتستعمل فيه الآلات .

قال المؤلف رحمه الله - : " يجب العُشر في الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب " .

قال ابن المنذر وابن عبد البر : " وأجمع العلماء على ان الصدقة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب " .

والحنطة ؛ هي القمح .

وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما عن موسى بن طلحة قال : عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه و سلمأنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة والشعير والتمر والزبيب " قال البيهقي : رواته ثقات وهو متصل .

وعلى ما ذكر البيهقي ؛ فإن ثلاثة شروط من شروط الصحة قد تحققت ، فبقي عدم الشذوذ وعدم العلة ؛ لكن الحديث صحيح إن شاء الله .

والعُشْر واجب فيما سقي بدون آلة – والعشر قسيم النصف والربع والثلث وغيرها من تقسبمات الواحد الصحيح - ، و أما ما سقي بالآلة أو بماء مشترى ؛ ففيه نصف العشر ؛فالواجب في هذا أقل من الذي سقي بماء الأمطار ؛ لأن في سقي الزرع بالآلة تكلفة، فيجب على مثل هذا نصف العشر ، أي نصف القيمة الواجبة على من سقي زرعه من غير آلة ؛ وهذا للحديث المتقدم .

والحكم للغالب ، فإن كان السقي تارة بآلة وتارة بدونها ؛ فإن تساوت ؛ ففيه ثلاثة أرباع العشر .

قال – رحمه الله - : " ونصابها خمسَة أوسُق " .

لقوله صلى الله عليه و سلم: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " متفق عليه .

أي ليس فيما هو أقل من خمسة أوسق زكاة .

والأوسُق : جمع وَسْق ؛ والوسق حمل البعير

و " الوَسْق " ستون صاعاً بالاتفاق ، والصاع أربعة أمداد ( أي أربع حفنات ) .

(60) صاعاً × (5) أوسق = 300صاع وهي تساوي تقريباً (612) كيلو من البر الجيد .

هذا هو نصاب الحبوب والثمار .

قال المؤلف – رحمه الله - : " ولا شيء فيما عدا ذلك ، كالخضروات وغيرها " .

يحصر المؤلف – رحمه الله – زكاة النباتات في الأجناس الخمسة ( الذرة القمح والشعير والتمر والزبيب ) .

وقد اعتمد المؤلف – رحمه الله – على رواية زائدة على الحديث الذي تقدم ؛ " أن معاذ إنما أخذ الصدقة من الحنطة والشعير والتمر والزبيب " وذكر في غيره الذرة ؛ ولكنها رواية منكرة لا تصح ، والصواب عدم ذكرها .

وهذه الأصناف الأربعة – غير الذرة - هي التي حصل الإجماع عليها وورد فيها النص . لكن المصنف وبناء على تصحيحه للرواية التي فيها زيادة ذكر الذرة ؛ حصر الزكاة في خمس .

وبحصر الزكاة في هذه الأصناف الأربعة قال جمع من العلماء ؛ منهم ابن أبي ليلى ، والحسن بن صالح و الحسن البصري ، والثوري ، والشعبي وغيرهم ؛ قالوا إن الزكاة في النباتات لا تجب إلا في هذه الأربعة أصناف ، وهو الصحيح ؛ وبه نأخذ ؛ لأن حديث معاذ المتقدم يدل على ذلك فإنه لما ذهب إلى اليمن ؛ لم يأخذ الزكاة إلا من هذه الأربع ، فتخصّص عموم الأدلة به .

وقاس بعض العلماء على هذه الأربعة غيرها ؛ فقال : كل ما يقتات ويدّخر ففيه زكاة . وفي هذه المسألة خلاف كبير بين العلماء ؛ فمنهم من جعل الزكاة في الأصناف الأربعة بناء على حديث معاذ ، والبعض صحح الحديث وزاد الذرة ، والبعض الآخر قاسوا عليها غيرها وجعلوا فيه زكاة ، ولكنهم اختلفوا في العلة .

والمذاهب في هذه المسألة كثيرة فمذهب أبي حنيفة يختلف عن مذهب مالك ومذهب مالك يختلف عن مذهب الشافعي ، ومذهب الشافعي يختلف عن مذهب أحمد وهكذا .

أما بالنسبة للزيتون ؛ فقد اختلفوا ؛ فالشافعي في أحد قوليه قال : لا زكاة فيه ؛ لأنه ليس قوتاً ، أما مالك ؛ فقال : فيه زكاة ؛ لأنه قوت .

فكلاهما قال : ما يقتات فيه زكاة ؛ لكنهم اختلفوا ؛ هل الزيتون قوت أم لا ؟

والصحيح أنه ليس قوتاً ؛ لأنه لا يُكتفى به في إقامة الجسد ، وإنما هو إدام ، وبناء عليه ؛ فلا زكاة فيه ، حتى مع التعليل الذي ذكروه

ولا ينظر إلى الحول في زكاة النباتات ، وإنما تجب الزكاة في الزروع إذا اشتد الحبّ ؛ أي قوي وصار شديداً لا ينضغط بضغطه ، ويجب في الثمار إذا بدا صلاحها ، ويعرف ذلك باحمرار البلح ، وجريان الحلاوة في العنب .

فإذا تحقق ذلك انعقد سبب وجوب الزكاة ، فتجب ، ولا يجب عليه أن يخرجها في الحال على تلك الحال .

قال المؤلف – رحمه الله - : " ويجب في العسل العُشْر " .

ورد في ذلك أحاديث ضعيفة لا تثبت ولا يُبنى عليها حكم شرعي ، والصحيح أنه لا شيء في العسل ؛ لعدم وجود الدليل الصحيح .

قال المؤلف – رحمه الله - : " ويجوز تعجيل الزكاة " .

يجوّز بعض أهل العلم تعجيل الزكاة بمعنى أن تخرج مال الزكاة قبل إتمام الحول .

ويستدلّون على جواز ذلك بحديث علي : " أن العباس سأل النبي صلى الله عليه و سلمفي تعجيل صدقته قبل أن تَحُلّ ؛ فرخّص له في ذلك " أخرجه أحمد وأبو داود ، ورجّح أبو داود و الدارقطني وغيرهما المرسل ، وقال ابن المنذر : " لا يثبت " .

وفي حديث آخر ان النبي صلى الله عليه و سلمأخذ من العباس صدقة عامين ، وهو ضعيف أيضاً .

فلا يثبت في ذلك شيء ، فلا يجوز إخراجها قبل وقت وجوبها كبقية العبادات المؤقتة . والله أعلم .

قال المؤلف – رحمه الله - : " وعلى الإمام أن يَرُدّ صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم " .

لحديث معاذ ؛ قال له النبي صلى الله عليه و سلمعندما أرسله إلى أهل اليمن : " فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتردّ على فقرائهم " متفق عليه .

واتفق العلماء على جواز نقل الزكاة إلى مَن يستحقها من بلد إلى أخرى ، إذا استغنى أهل بلد المزكّي عنها .

فلنقل مثلا أننا في عمان قد أخرج أغنياء البلد زكاة أموالهم ؛ فاستغنى فقراء البلد عن الزكاة وفاض ، فعندئذ تُخْرَجُ إلى مكان آخر ، وجواز هذا مُجْمَع عليه

وأما إذا لم يستغن أهل بلد المزكي ؛ فهل يجوز نقلها إلى بلد آخر أم لا ؟ حصل في هذا الأمر خلاف ؛

فحديث معاذ المتقدم يدلّ على أن الزكاة تصرف في أهل بلد المزكي ، لكن هل هو على الوجوب ؟

اختلف أهل العلم في ذلك ؛ فقال بعضهم : " يكره تنزيهاً نقل الزكاة من بلد إلى آخر إلا أن ينقلها إلى قرابته المحاويج ليسد حاجتهم أو إلى قوم هم أحوج إليها من قومه أو إلى طالب علم شرعي ، فلا يكره " ؛ وذلك لأن مصرف الزكاة محدد في كتاب الله بالفقراء والمساكين ومن ذكر معهم ، والكل من أهلها فيجوز صرفها لهؤلاء وهؤلاء ، وهذا القول أصح الأقوال عندي . وقال البعض : لا يجوز نقلها حتى يستغني أهل البلد ؛ والصواب الأول والله أعلم .

والعبرة بمكان المال ؛ فإذا كان الشخص في بلد وماله في بلد آخر ، فما المعتبر في بلده ؛ البلد التي فيها المال أم التي فيها الشخص ؟

الجواب : أنها تصرف في البلد الذي فيه المال ؛ لأن الواجب معلق بالمال لا بالشخص ، فأينما وجد المال فيجب إخراجه في تلك البلد .

قال المؤلف – رحمه الله - : " ويَبْرَأُ رب المال بدفعها إلى السلطان ، وإن كان جائراً " .

إذا طلب السلطان زكاة المال ؛ فدفع " رب المال " الذي وجبت عليه الزكاة ، زكاته للإمام ، وكان الإمام جائراً ، من الجور الذي هو الظلم – وهو عدم وضع الأشياء مواضعها – فإن دفعها لهذا الإمام الجائر ؛ برئت ذمته ، وسقط الوجوب عنه ، وأدّى ما عليه ، ولم يلزم بدفعها مرة ثانية .

وذلك لقوله صلى الله عليه و سلمفي حديث ابن مسعود : " إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها " قالوا : يا رسول الله ! فما تأمُرُنا ؟ قال : " تؤدّون الحق الذي عليكم ، وتسألون الله الذي لكم " .

ولم يقل خذوا الذي لكم بالسلاح ، أو اخرجوا على الحاكم ، أو أضربوا ولا غير ذلك من مسيرات وغيرها ؛ ولكن قال : " اصبروا حتى تلقوني على الحوض " ، وفي رواية : " وتسألون الله الذي لكم " ، وهذه هي الحلول النبوية

وأخرج مسلم في " صحيحه " من حديث وائل بن حجر ؛ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلمورجل يسأله ؛ فقال : أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقّنا ، ويسألونا حقّهم ؟! قال : "اسمعوا وأطيعوا ؛ فإنما عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حمّلتم " ، وهذا أمر من الله سبحانه وتعالى بالصبر ، وعدم جواز الخروج على الحاكم بأي نوع من أنواع الخروج ؛ سواء بالكلمة أو بالإضراب أو بغيرها ؛ والسبب المفاسد التي ستترتب على ذلك ، من سفك الدماء وانتهاك الأعراض وذهاب الأموال وغيرها من المفاسد العظيمة ، وهي تضعف شوكة المسلمين حتى يكونوا لقمة سائغة في أفواه الأعداء .

ولكن من يكون بعيدا عن السياسة والأمور العسكرية وما شابه ، لا يدرك أبعاد المخاطر التي يعيش فيها ، فتجدهم يحكمهم شخص أو اثنان من أصحاب الأهواء أو من أصحاب المصالح الخاصة أو ممن يعمل لصالح دولة معادية من دول الكفر ، وحقيقة الأمر أن من وراء هذا مكيدة لا يدرون عنها .

ولكن سبحان الله ! العامة أتباع كل ناعق وزاعق ، وخصوصاً إذا نعق بما يوافق أهواءهم فينبغي أن يكون الشخص فطناً فهيماً لما يفعل ؛ فلا يضيع نفسه وأهله ومن حوله في لحظة تهوّر ، وهذا يدل على أن كل مسلم سيحاسب على ما أوجب الله عليه ، فعليه أن يؤدي ما وجب عليه ولا دخل له بالحاكم ، فإنه مسؤول أمام الله عما استرعاه .

ولكن هذا إن طلبها الحاكم ؛ وأما إذا لم يطلبها فاصرفها بنفسك إلى من يستحقُّها.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 14:53   #27
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الثامن و العشرون]

[الدرس الثامن و العشرون]


قال المؤلف – رحمه الله - : " باب مصارف الزكاة " .


المصارف : جمع مَصْرِف ؛ وهو الجهة التي تُعطى لها الزكاة ، أي الذين يستحقون الزكاة.

وقد تولّى الله تبارك وتعالى بيانهم في كتابه العزيز ؛ فقال { إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم } .

قال المؤلف – رحمه الله - : " هي ثمانية كما - في الآية – "

فهؤلاء الأصناف الثمانية هم الذين يُعْطَون من مال الزكاة

فأما " الفقراء" فهم الذين لا مال لهم ولا حرفة عندهم يقدرون بها على التكسّب .

وأما " المساكين " فهم الذين لهم مال أو حرفة ، ولكنهم لا يملكون ما يكفي نفقاتهم ونفقات من يعولون ، قال الله عز وجل : { وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر } .

والفقير والمسكين كلمتان إذا اجتمعتا افترقتا وإذا افترقتا اجتمعتا ؛ وبعبارة أسهل ؛ كلمة الفقير تطلق تارة ويراد بها معنى غير معنى المسكين ، وتطلق تارة أخرى ويراد بها نفس معنى المسكين ، فكما قال الله في هذه الآية { إنما الصدقات للفقراء والمساكين .. } فلما اجتمع في هذه الآية كلمتا الفقير والمسكين ؛ دلّ على أن هناك فرقاً بينهما في المعنى ؛ فكان الفقير هو المعدم الذي لا مال عنده ، والمسكين الذي عنده أصل المال ولكنه لا يكفيه ؛ كأصحاب السفينة في سورة الكهف ؛ فإن الله قد ذكر أنهم كانوا يملكون سفينة يتكسّبون منها ؛ ولكنها لا تكفيهم ، فوصفهم الله بأنهم مساكين .

أما لو ذكر الفقير وحده ، والمسكين وحده كان المعنى واحداً ؛ وهو من لا يملك كفايته ، سواء عنده أصل المال أو لا .

وقال بعض أهل العلم : إن المسكين هو المعدم ، والفقير من لا يملك كفايته ، وهو عكس القول السابق ؛ والصواب هو أن الفقير المعدم والمسكين من لا يملك الكفاية .

هل هناك درجة وسطى بين الفقير والغني ، أم أنه من ليس بفقير فهو غني ، ومن ليس بغني فهو فقير ؟

اختلف أهل العلم في ذلك ، فقال البعض ضابط الفرق بين الغني والفقير " ملك النصاب" ؛ فإذا ملك النصاب فهو غني تجب عليه الصدقة ، وإذا لم يملك النصاب فهو فقير تجوز عليه الصدقة .

والصحيح ؛ أن هناك درجة وسطى ما بين الفقير والغني ، فإما فقير يستحق الصدقة ، أو غني تجب عليه الصدقة – وهو الذي ملك النصاب - ، أو مكتف وهو المالك للكفاية ؛ وهذا لا تجب عليه الزكاة ، ولا تجوز له الزكاة .

والدليل على هذا الصنف ؛ أنه قد ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم في أكثر من حديث أنه كان يستعيذ من الفقر وفي نفس الوقت كان يدعو ويقول : " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً " وفي رواية : " كفافاً " متفق عليه ، والرواية عند مسلم ، والمعنى كما قال أهل العلم : " ما يسد الرمق " ، وقالوا : هو ما تّكَفُّ به الحاجات ويَدْفَعُ الضرورات والفاقات ، ولا يلحق بأهل الترفهات ، فلا يكون فيه فضول يخرج إلى الترف .

فاستعاذته صلى الله عليه و سلم من الفقر مع طلب الكفاية يدل على أن الكفاية من ملكها فليس بفقير .

فأثبتنا بذلك درجة وسطى ما ببن الفقير والغني

إذن فالضابط عندنا في الفقير الذي تجوز عليه الزكاة ؛ هو من لم يملك كفايته .

هل يجوز أن يكون الشخص له راتب مقداره أربعمائة أو خمسمائة دينار ، ويكون مسكيناً مستحقاً للزكاة .

نعم يجوز ، فإن من أرباب العائلات من يتقاضى مثل هذا الراتب ولكنه لا يساوي شيئاً بالنسبة لعائلته ؛ فهذا يُعطى من الزكاة .

فالضابط إذن ليس بالقدر الذي يتقاضاه الشخص ، ولكن الضابط بالكفاية حسب العرف .

أي لا يصح للشخص أن يبذر ويسرف ثم يقول ليس عندي كفايتي ، ولكن ينظر مثله كم ينفق عادة ؛ ويحدد على حسبه .

" والعاملون عليها " وهم العاملون على الزكاة كما قال الله تعالى في الآية ؛ وهم الذين يوليهم الإمام أو نائب الإمام جمع الزكاة أو صرفها في مصارفها ؛ فإنهم يعطون أجرة عملهم وهو جمعهم للزكاة ؛ سواء كانوا أغنياء أو فقراء .

" والمؤلفة قلوبهم " وهم قوم يراد جمع قلوبهم على الإيمان ، إما أن يكونوا ضعاف الإيمان وفي تقوية إيمانهم بالمال خير ومنفعة للإسلام ، أو أن يكونوا كفارا وفي إيمانهم خير للإسلام والمسلمين ؛ فيعطون من هذه الزكاة لتأليف قلوبهم للإسلام .

" وفي الرقاب " أي في العتق ، والمراد العبد المسلم أو الأمة يُشترى ويعتق ، أو يكون مكاتباً ؛ فيعطى من مال الزكاة ما يسدد به كتابته ليصير حرّاً .

والمكاتب هو الذي يكاتب سيده أي يعقد عقداً مع سيده بأن يدفع له مبلغاً من المال مقابل أن يتحرّر ؛ فبعد أن يدفع العبد المبلغ كاملاً لسيده يصبح حراً .

وفي جعل الله عز وجل العبد والأمة المكاتبين من مصارف الزكاة ؛ دليل على تشوّف الإسلام للعتق وتحرير الناس من الرِّقّ ، فإن الإسلام عندما جاء وجد باب الرق مفتوحاً بشكل كبير ، فضيّق سبله ووسّع سبل العتق ، ولكن ليس على الإطلاق بالصورة التي توجد اليوم عند الناس .

ولكن لو قال قائل : لماذا لم يُغلق باب الرق بالكليّة ؟

قلنا لأن هناك مصلحة من صورة معيّنة ، لا بد أن تبقى ؛ وهي محقّقة في قول النبي صلى الله عليه و سلم " عجب ربنا من أناس يُقادون للجنة بالسلاسل " .

صورة الرق الباقية هي في الجهاد ، فعند القتال يؤخذ النساء والصبيان رقيقا ؛ فما المصلحة في ذلك :

أولاً : إدخالهم في الإسلام وهي أعظم مصلحة ، فيكسبون برقهم في الدنيا آخرتهم ، فرِقّ في الدنيا يقابل سعادة الآخرة الأبدية لاشيء .

ثانياً : حفظهم في الدنيا ؛ ففي حال الحروب والقتال فإن أكثر من يضيع النساء والأطفال ؛ جوع وقلة وعذاب اعتداء ، وصف ما تشاء في النساء والأطفال . فإذا أخذوا رقيقاً حفظوا ؛ فقد جعل الشارع لهم حقوقاً ، فلا يجوز الاعتداء عليهم بأي نوع من أنواع العذاب ، ويجدون لهم مكاناً يحفظهم ويؤويهم ، فيأكلون ويشربون وينامون ويستريحون ولا يشرّدون ويضيعون كالحال الموجود اليوم ,

والمصالح كثيرة هذه منها .

" والغارمين " جمع غارم ، وهو الذي تحمّل ديناً من غير معصية ؛ سواء كان تحمّله هذا لنفسه أو لغيره ؛ كإصلاح بين الناس ، فيعطى هذا الغارم من الزكاة ليسد دينه .

" وفي سبيل الله " وهذا المصرف قد توسّع فيه بعض الناس ليبيحوا لأنفسهم التصرّف في أموال الله ، فجعلوا في سبيل الله كلمة واسعة يدخل تحتها أي شيء أرادوه ، وزعموا أنه لله ، وهذا الزعم باطل ؛ لأنه لو كان هذا صحيحاً لما احتاج الله أن يذكر من ذكر من الأصناف ؛ لأنهم كلهم في سبيل الله ، ولما قال الفقراء والمساكين... وغيرهم ولقال من أول الأمر في سبيل الله .

ولكن " في سبيل الله " هنا كما فسّرها السلف قاطبة ؛ هو الجهاد في سبيل الله ، أي المجاهدون في سبيل الله ؛ سواء كانوا المحاربين أو طلبة العلم الشرعي فكله جهاد في سبيل الله ، فهؤلاء يجاهدون بالسيف ، وطلب العلم الشرعي جهاد في سبيل الله باللسان والقلم ، ولا يقل فضله ومكانته ومصلحته عن الجهاد بالسيف ، ويحتاج لصبر وهمم عالية ، وهو أعظم الجهادين على الصحيح .

ومما يدل على أن هذا جهاد ؛ قول الله عز وجل : { وجاهدهم به جهاداً كبيراً }،ومعناه جاهدهم بالقرآن ، أي بالعلم الشرعي ، فهو إذن جهاد ، فطالب العلم الشرعي يعطى كفايته من مال الزكاة ليستمر في طلبه ، ولا يشغل نفسه في طلب الرزق وليتمكن من نصرة دين الله بالعلم الشرعي .

وقد نص على هذا غير واحد من العلماء ، كالنووي وغيره .

" وابن السبيل " وهو المسافر المنقطع عن بلده وأهله وماله ؛ الذي يحتاج المال ، فيُعطى ما يوصله إلى بلده إذا لم يجد من يقرضه . أما إذا وجد من يقرضه ؛ فهو غني بهذا القرض ، وعندما يرجع يرد له قرضه .

ولا يجب أن تصرف الزكاة في كل هذه الأصناف ، فلو كان لشخص ألف دينار زكاة ماله ، فلا يجب عليه أن يبحث عن شخص من كل صنف من هذه الأصناف لينفق عليهم من مال زكاته فلا يوجد دليل بذلك ، ولو أنه صرفها في صنف واحد لجاز وأجزأت عنه .

والآية بينت جنس من يستحق الزكاة فقط ، فهؤلاء من يستحقون الزكاة ، فلك أن تنفق زكاتك في الصنف الأول أو الثاني أو الثالث ، إلى آخره . وفي حديث معاذ : " تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم " دليل على ما قلنا ؛ فإنه لم يذكر كل الأصناف .

وقال صلى الله عليه وسلم لقبيصة : " أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها " أخرجه مسلم في " الصحيح " ، فكان يريد صلى الله عليه و سلم أن يأمر بالصدقة كلها لقبيصة ، فإنه هنا صرفها في مصرف واحد، وهذا يدل على جواز صرفها في مصرف واحد .

قال المؤلف – رحمه الله - : " وتحرم على بني هاشم ومواليهم " .

وبنو هاشم الذين منهم النبي صلى الله عليه و سلم ، تحرم عليهم زكاة الأموال ؛ لقول النبي صلى الله عليه و سلم : " إنها لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد ، إنما هي أوساخ الناس " أخرجه مسلم في " الصحيح " .

وأدخل بعض أهل العلم بني المطلب مع بني هاشم في تحريم الزكاة عليهم ؛ لقول النبي صلى الله عليه و سلم فيهم بعد أن أعطاهم سهم ذي القربى ؛ قال : " لا نفترق في جاهلية ولا في إسلام " أي بني هاشم وبني المطلب . أخرجه البخاري

أما بنو هاشم ؛ فقد أجمع العلماء على تحريم الزكاة عليهم .

وأما " مواليهم " فهم عتقاءهم ، وهم العبيد الذين يكونون عندهم ثم يعتقونهم ، فيسمون موالي ؛ فتحرم عليهم أيضاً ؛ لقوله صلى الله عليه و سلم : " إن الصدقة لا تحل لنا ، وإن موالي القوم من أنفسهم " أخرجه أبو داود وغيره .

ومعنى من أنفسهم أي كأنهم منهم ، فحكمهم كحكمهم .

قال المؤلف – رحمه الله - : " وعلى الأغنياء ، والأقوياء المكتسبين " .

أي وتحرم زكاة المال على الغني ، وكل من وجد كفايته ؛ لقوله صلى الله عليه و سلم : " لا حظ فيها لغني ولا لذي مرة سوي " وفي رواية : " ولا لقوي مكتسب " .

و" المّرة " هي القوة وشدة العقل .

ويستثنى من ذلك ؛ العامل عليها ، ومن تقدّم ذكرهم ؛ كالمجاهد في سبيل الله ، فإنهم وإن كانوا أغنياء أو أقوياء ؛ فإن الزكاة تحلّ عليهم .

ولا تعطى الزكاة لمن تجب على المزكي نفقته ؛ كالزوجة والأولاد والآباء ؛ لأن دفع الزكاة لهؤلاء يغنيهم عن النفقة الواجبة عليه ؛ فيحفظ ماله بزكاته ، فكأنه لم يزك ، ثم إن هؤلاء يعتبرون أغنياء بغناه هو ، فكونه هو المنفق عليهم وهو غني فيعتبرون أغنياء مكتفون بنفقته .

وكذلك لا يجوز إعطاؤها للكفار غير المؤلفة قلوبهم ؛ لقوله صلى الله عليه و سلم : " تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم " أي المسلمين ، ومن مقاصد الزكاة ؛ إغناء المسلمين لا الكفار .

ولا يجوز إعطاؤها للعبد ؛ فنفقته على سيده ، فهو غني بغنى سيده ومكتفٍ باكتفائه، ولأن العبد لا يملك ، بل ماله لسيده ؛ لقوله صلى الله عليه و سلم : " من ابتاع عبداً وله مال ، فماله للذي باعه ؛ إلا أن يشترط المبتاع " متفق عليه .

وأما قوله في الحديث " وله مال " فاللام هنا للاختصاص والانتفاع ، أي له مال يختص وينتفع به ؛ كقولنا السرج للفرس ، وليست لام الملك ، ولو كانت اللام للملك لما كان المال من حق سيده عند بيعه .

قال المؤلف – رحمه الله - : " باب صدقة الفطر " .

أي الصدقة التي تجب بالفطر من رمضان .

وهي واجبة على كل مسلم صغير وكبير ، ذكر وأنثى ، حر وعبد .

وأصل وجوبها قول ابن عمر رضي الله عنه : " فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم صدقة الفطر من رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر ، والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين " متفق عليه

وقوله : " فرض رسول الله " يدل على أنها فريضة واجبة على كل من ذكر في الحديث .

والحكمة من صدقة الفطر ؛ أنها طعمة للمساكين ، وطهرة للصائم من اللغو والرفث .

واللغو : هو ما لا فائدة منه من القول والفعل .

والرفث : الكلام الفاحش .

قال ابن عباس رضي الله عنه : " فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين ، من أدّاها قبل الصلاة ؛ فهي زكاة مقبولة ، ومن أدّاها بعد الصلاة ؛ فهي صدقة من الصدقات " أخرجه أبو داود وغيره .

قال الدارقطني في رجاله : " ليس فيهم مجروح " ولا يلزم من هذا تصحيح الحديث أو توثيق رواته ؛ فقد يكون فيهم المجهول وإن لم يكن مجروحاً .

ولكن هذا الحديث حسن الإسناد .

قال المؤلف – رحمه الله - : " هي صاع من القوت المعتاد عن كل فرد " .

هذا هو القدر الواجب في صدقة الفطر ؛ وهو صاع من قوت أهل البلد .

و" الصاع " مكيال يَسَع أربعة أمداد ، والمدّ حفنة بكّفَّي الرجل المعتدل الكفين ، فلا تكون كفاه كبيرتان ولا صغيرتان بل وسطاً ، ولا يضم كفيه كثيراً ولا يبسطهما كثيراً بل يكونان متوسطتين في المد والضم .

و" القوت " هو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام ؛ كالقمح والشعير والأرز والعدس والذرة ونحو ذلك .

وقوله " المعتاد " أي الذي اعتاد أهل البلد أن يكون هو قوتهم ؛ كالأرز عندنا ؛ فإنه قوت بلادنا اليوم ، ودليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري في " صحيح البخاري " ؛ قال : " كنا نخرجها في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم صاعاً من طعام ، وكان طعامنا يومئذٍ التمر والزبيب والشعير " .

فيدل هذا الحديث على أنها تخرج من غالب قوت أهل البلد ، وهو في بلدنا هذا الرز .

ولا يجوز إخراج القيمة ؛ لأن النبي صلى الله عليه و سلم عيّن الطعام ، فلا عدول عنه إلى غيره إلا بدليل صحيح ؛ وهذا قول جمهور علماء الإسلام .

وقد انتشر اليوم القول الآخر ، وهو جواز إخراج القيمة ، وهو قول أبي حنيفة ؛ لضعف تعظيم السنة والحديث عند كثير من المفتين في هذا الزمن ، فأخذوا يفتون بآرائهم ، وصار عندهم المعتمد هو ما ترجحه عقولهم لا ما يرجّحه الدليل من الكتاب والسنة .

وإنما يفعلون هذا بدعوى أنها مصلحة الفقير .

ويرد عليهم ؛ بأن المعتبر في زكاة الفطر هي مصلحة الفقير في سد الحاجة للطعام فقط ، وليست مصلحة الفقير مطلقاً ، وجاء هذا من قوله صلى الله عليه و سلم : " وطعمة للمساكين " فيدل هذا على أن المراد من صدقة الفطر ؛ هو عدم حاجته للطعام ، وهذه المصلحة تتحقق بإخراج القوت .

أما مصلحة الفقير العامة ، فهي متحققة بإخراج زكاة المال وغيرها من الصدقات ، وفي وجوب النفقات على من تجب عليهم ، فلا داعي للتوسّع المخالف للدليل ، ومصلحته متحققة في إخراج صدقة الفطر طعاماً وإخراجها هكذا يغنيه عن طلب الطعام في ذلك اليوم .

وهذا هو قول أئمة الإسلام وأهل الحديث ، وإنما خالف في هذا أهل الرأي .

وقوله "عن كل فرد " أي صاعاً عن كل واحد ممن تجب عليه نفقته .

أي إذا كان رب العائلة ينفق على خمسة أولاد ؛ فيجب عليه أن يخرج صدقة الفطر عن نفسه وعن هؤلاء الخمسة .

قال – رحمه الله - : " والوجوب على سيد العبد ، ومنفق الصغير ونحوه " .

قوله " والوجوب على سيد العبد " أي أن وجوب صدقة الفطر على سيد العبد ؛ لأن العبد – كما قدّمنا – لا يملك ، والذي يجب أن ينفق عليه هو سيده .

قوله " ومنفق الصغير " أي تجب صدقة الفطر على من ينفق على الصغير ، إذا لم يكن له مال ، فتجب صدقة الفطر على من وجبت عليه النفقة .

وقوله " ونحوه " كالزوجة ؛ لأن نفقتها على الزوج فتجب على زوجها ؛ هذا إذا لم يكن للزوجة مال خاص ؛ فإن كان لها مال فصدقة الفطر عليها .

قال : " ويكون إخراجها قبل صلاة العيد " .

بدأ المؤلف – رحمه الله – ببيان وقت إخراج صدقة الفطر .

الأصل في وقت إخراجها أنها من غروب شمس ليلة الفطر ؛ لأنه وقت الفطر من رمضان إلى صلاة العيد ؛ لحديث ابن عباس المتقدم معنا : " فمن أدّاها قبل الصلاة " أي صلاة العيد " فهي زكاة مقبولة ، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات " ، أي ليست صدقة الفطر وإنما صدقة مطلقة .

وقال البعض : وقت وجوبها من طلوع الفجر ، ولكن الأول أقوى عندي والله أعلم .

مسألة : هل يجوز تعجيل صدقة الفطر قبل وقتها .

اختلف العلماء في ذلك ؛ فجمهور العلماء على أنه يجوز تعجيلها قبل العيد بيوم أو يومين ؛ لأن ابن عمر كان يؤدّيها قبل ذلك بيوم أو يومين .

وهذا هو السبب الذي جعلهم يجيزون إخراجها قبل وقتها .

ثم إنه في كثير من الأحيان لا يكفي الوقت لمن أراد إخراجها في وقتها المعيّن .

وإن أخّرها عن وقت صلاة العيد ؛ فهي صدقة من الصدقات ولا تكون صدقة فطر .

قال – رحمه الله - : " ومن لا يجد زيادة على قوت يومه وليلته فلا فطرة عليه " .

على من تجب من الناس كتحديد ؛ من ناحية إيجاد المال .

هي واجبة على كل من وجد قوت يومه وليلته من يوم العيد . فمن زادت نفقته أو طعامه الذي عنده عن قوت يومه وليلته ؛ فقد وجبت عليه الزكاة ؛ هو الضابط ؛ أن تزيد عن طعامه ، وإذا لم تزد عليه ولم يملك إلا قوت يومه وليلته أو أقل من ذلك من يوم العيد ؛ فلا صدقة فطر عليه .

لأن المراد من صدقة الفطر إغناء الفقراء عن طلب القوت في يوم العيد ؛ فلا يصحّ أن نقول لمن لا يملك إلا قوته وقوت من يعول أخرج ما عندك ؛ فهذا معارض للحكمة التي لأجلها فرضت هذه الزكاة .

قال المؤلف – رحمه الله - : " ومصرفها ؛ مصرف الزكاة " .

وأراد بذلك أنها تعطى لمن تعطى لهم زكاة المال .

ولا يظهر لي ذلك ؛ لعدم ورود ما يدلّ على ذلك ، ومجرّد تسميتها زكاة لا يفيد ذلك ؛ فلها أحكام تخصّها ، وقول النبي صلى الله عليه و سلم : " طعمة للمساكين " يدل على أن مصرفها الفقراء والمساكين فقط ، والله أعلم .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 14:54   #28
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس التاسع والعشرون]

[الدرس التاسع والعشرون]


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
انتهينا في الدرس الماضي من كتاب الزكاة واليوم معنا كتاب الخُمس.
قال المؤلف رحمه الله: كتاب الخمس.
أي هذا كتاب يُبين فيه أحكام الخُمس، والمراد بالخمس خمس المال.
متى يُؤخذ الخمس؟
قال المؤلف رحمه الله : يجب فيما يُغنم في القتال.
فالخمس يؤخذ من مال الغنيمة، يجب فيما يُغنم في القتال، والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار عن طريق الحرب والقتال، هذا المال عندما يُؤخذ يقسم خمسة أقسام، (المال الذي يؤخذ من الكفار في الحرب يُقَّسم خمسة أقسام)، فيُؤخذ قسم من هذه الأقسام الخمس ويقسم إلى خمسة أقسام أخرى، إذاً مال الغنيمة أول شيء نفعله به نقسمه خمسة أقسام ثم نأخذ قسماً من هذه الخمسة ونقسمه أيضاً إلى خمسة أقسام يصير عندنا خمس الخمس، هذا القسم الأخير الذي أخذناه وقسمناه إلى خمسة أقسام، قسم منه لله ولرسوله، وهذا القسم يرجع إلى بيت مال المسلمين ويُنفق في مصالحهم لقوله صلى الله عليه وسلم : "والذي نفسي بيده مالي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود فيكم"، أخرجه أبو داود، فبين بذلك أن الخمس الأول الذي هو لله ولرسوله يرجع إلى بيت المسلمين وينفقه ولي أمر المسلمين في مصالحهم وأما القسم الثاني فيُعطى لذوي القربى وهم قرابه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم وبنو المطلب هؤلاء الذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس، وقسم يعطى لليتامى، واليتيم هو الذي مات أبوه وهو دون سن البلوغ، فإذا بلغ لم يعد يتيماً، وإذا ماتت أمه وأبوه باق فليس بيتيم، اليتيم يُطلق على المولود الذي يكون أدنى من سن البلوغ ومات أبوه، وقسم يُعطى للمساكين، والمسكين هو الذي لا يملك كفايته وكفاية من يعول، وقسم يعطى لابن السبيل، وابن السبيل هو المسافر الذي انقطعت به السبل، وباقي السهام الأربعة تقسم على الجيش ممن شهد الوقعة، يُعطى الراجل سهماً واحداً، ويُعطى الفارس ثلاثة أسهم، واحد له واثنان لفرسه، وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل"، هذه الآية هي أصل هذا الذي ذكرناه، إذن الخمس الأول يؤخذ مما يُغنم في القتال، الخمس الثاني.
قال المؤلف رحمه الله: وفي الركاز.
يجب أخذ الخمس فيما يُغنم في القتال، ويجب أيضاً في الركاز ، الركاز دفن الجاهلية سواءً كان ذهباً أو فضةً أو نحاساً أو حديداً أو غير ذلك، على ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وفي الركاز الخمس" وهو متفق عليه، ودفن الجاهلية كيف يُعرف ؟، يُعرف إما بكتابة أسمائهم عليه، أو لهم نقوش معينة تكون منقوشة عليه، أو صور وعلامات لهم، أما إن كان عليه علامات المسلمين فهذا لا يعتبر ركازاً بل يدخل في حكم اللقطة وهذه سيأتي حكمها منفصلاً إن شاء الله، فدفن الجاهلية هذا إذا أُخرج ففيه الخمس وهذا يسمى الركاز وسواء كان الذي وجده حراً أو عبداً أو امرأة أو صبياً أو ذمياً، الكل يجب أن يُخرج منه الخمس وسواء وجد منه في موات أرض المسلمين أي أرض هي لأهل الإسلام ولكنها ليست ملكاً لأحد، أو وُجد في أرض الحرب كله فيه الخمس، وأربعة أخماسه لمن وجده، قال الإمام مالك رحمه الله: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا والذي سمعت أهل العلم يقولون، إن الركاز إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية ما لم يُطلب بمال ولم يُتكلف فيه نفقة ولا كبير عمل ولا مؤنة، فأما ما طُلب بمال وتُكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطأ مرة فليس بركاز، فالذهب الذي يُستخرج اليوم هذا غير داخل في حكمنا الذي نذكره بناءً على ما ذكر الإمام مالك رحمه الله، الذين يستخرجون الذهب الآن يتكلفون له تكاليف كبيرة وتارة تصيب معهم وتارات كثيرة لا تصيب معهم، ثم إن كثيراً من هذا الذهب هو عبارة عن دفن تركي والأتراك مسلمون فحكمه حكم اللقطة وليس حكم الركاز .
قال رحمه الله: ولا يجب فيما عدا ذلك.
يعني الخمس إنما هو واجب في الأمرين اللذين ذكرناهما فقط ولا يجب فيما عدا ذلك.
قال رحمه الله: ومصرفه مَنْ في قوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل".
يعني أين يُصرف الخمس، قال الخُمس يُصرف لهؤلاء، هذا خمس الغنيمة سلمنا به لأن الآية وردت فيه أصلاً، أما خمس الركاز ففيه خلاف، البعض قال هو مصرفه كمصرف خمس الغنيمة، والبعض قال لا، مصرفه مصرف الزكاة، وهذا ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله، وأما مالك وأحمد وغيرهما فقالوا مصرف الركاز كمصرف الغنيمة تماماً، مصرف خمس الركاز كمصرف خمس الغنيمة تماماً، ولعل هذا هو الراجح والله أعلم.
بهذا نكون قد انتهينا من كتاب الخُمس، ندخل على كتاب جديد وهو كتاب الصيام.

قال رحمه الله: كتاب الصيام.
الصيام في لغة العرب هو الإمساك.
قال النابغة الذبياني: خيل صيام وخيل غير صائمة *** تحت العَجاج وأخرى تعلك اللُّجَما.
الشاهد قوله: خيل صيام، أي ممسكة عن الاعتلاف، وقيل ممسكة عن السير، وقيل ممسكة عن الصهيل، أقوال، المهم أنها ممسكة فأصل الصيام هو الإمساك.
قال الله تبارك وتعالى إخباراً عن مريم: "إني نذرت للرحمن صوماً"، أي إمساكاً عن الكلام، قال أبو عبيد وهو من أئمة اللغة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير صائم، هذا أصل الاشتقاق اللغوي للكلمة.
أما في الشرع فما هو الصيام؟ التعبد لله بالإمساك عن المفَطّرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس هذا هو تعريفه.
التعبد لله: إذاً لا بد أن يكون بنية القربة إلى الله تبارك وتعالى.
بالإمساك عن المفطرات : كل المفطّرات يجب أن تمسك عنها ولا تقترفها من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، هذا تعريف الصيام، وأما حكمه.
فقال المؤلف رحمه الله : يجب صيام رمضان.
وجوبه ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب فقال الله تبارك وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"
كتب عليكم: أي فرض عليكم.
وقال سبحانه: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
وأما السنة فقال صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس"، منها قال: "وصيام رمضان" متفق عليه.
وأيضاً في حديث الأعرابي عندما ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صيام رمضان"، قال هل علي غيره؟ قال: "لا إلا ان تطّوع" وهو متفق عليه أيضاً.
وأما الإجماع فقال ابن قدامة في المغني: وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان.
وقال النووي في المجموع: إن صوم رمضان ركن وفرض بالإجماع.
وقال: ودلائل الكتاب والسنة والإجماع متظاهرة عليه وأجمعوا على أنه لا يجب غيره، أي لا يجب غير صيام رمضان بغض النظر عن مسألة النذر فالنذر في أصله ليس بواجب، لكن الشخص هو الذي أوجبه على نفسه.
أول ما فُرض من الصيام صيام يوم عاشوراء وكان صيام يوم عاشوراء واجباً على الصحيح وكان في السنة الثانية من الهجرة النبوية.
أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يُفرض رمضان وكان يوماً تستر فيه الكعبة فلما فَرض الله رمضان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شاء أن يصومه فليصمه ومن شاء أن يتركه فليتركأي أن عاشوراء كان واجباً إلى أن فُرض صيام شهر رمضان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهو صلى الله عليه وسلم لم يصم رمضان إلا تسع مرات، فإنه فرض في العام الثاني من الهجرة بعد أن صام يوم عاشوراء وأمر الناس بصيامه مرة واحدة فإنه قدم المدينة في شهر ربيع الأول من السنة الأولى وقد تقدم عاشوراء فلم يأمر ذلك العام بصيامه (يعني عاشوراء كان قد سبق)، فلما أهلّ العام الثاني أمر الناس بصيامه، وهل كان أمر إيجاب أم أمر استحباب؟ على قولين لأصحابنا (أي الحنابلة) وغيرهم، والصحيح أنه كان أمر إيجاب، ابتُدئ في أثناء النهار، لم يأمروا به من الليل (يعني فرض صيامه في أثناء النهار ما أمروا من الليل وبيتوا الصيام ثم بعد ذلك صاموا في النهار ،لا، جاءهم فرضه في أثناء النهار)، قال: فلما كان في أثناء الحول، في أثناء السنة رجب أو غيره فرض شهر رمضان.
هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى.
وأول ما فُرض صيام شهر رمضان كان الناس مخيرين بين الصيام والإطعام لم يُفرض عليهم الصيام نفسه بل كانوا مخيرين بين أن تصوم او أن تُطعم ثم نُسخ الحكم وصار واجباً على القادر على الصيام أن يصوم شهر رمضان.
قال سلمة بن الأكوع: "كنا في رمضان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بطعام مسكين، حتى نزلت "فمن شهد منكم الشهر فليصمه""، وفي رواية: "لما نزلت "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين" كان من أراد منا ان يُفطر ويفتدي حتى نزلت هذه الآية التي بعدها فنسختها"، وهذا حديث متفق عليه.
إذن كانوا في البداية مخيرين من أراد أن يصوم صام، ومن أراد أن يترك له ذلك بشرط أن يفتدي ويُطعم مسكيناً عن كل يوم يفطره ثم بعد ذلك أنزل الله تبارك وتعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، فصار صيام رمضان واجباً على الجميع وليس لأحد أن يفتدي.
قال المؤلف رحمه الله: لرؤية هلاله من عدل.
يجب صيام رمضان لرؤية هلاله من عدل، فوقت بدء صيام رمضان دخول شهر رمضان، والشهر يدخل برؤية هلاله لقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤية الهلال، والرؤية المقصودة هنا رؤية عينية، خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخاطب فيه المتعلمين والمثقفين، كان يُخاطب كل أحد حتى البدوي الذي في الصحراء الذي يرعى الغنم كان يخاطبه صلى الله عليه وسلم، والشريعة عندما يضع ربنا تبارك وتعالى علامة من العلامات على الوجوب، على وجوب عبادة من العبادات يضع علامات واضحة يشترك الناس كلهم في معرفتها، البدوي الذي في الصحراء والمدني الذي في المدينة، فالرؤية التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم هنا هي رؤية عينية لم يأمرنا بالحساب ولم يأمرنا بالتدقيقات الفلكية هذه، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرؤية العينية حتى جاء في الحديث قال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا"، إذن الاعتماد في رؤية الهلال يجب أن يكون على البصر، على العين إن رأيناه صُمنا، ما رأيناه أكملنا عدة الشهر ثلاثين يوماً كما جاء في الحديث الآخر، وقوله هنا: من عدل أي أنه يكفي في ثبوت رمضان إخبار عدل واحد مسلم عدل موثوق بدينه، يأتي ويُخبر ويقول أنا رأيت هلال رمضان، فإذا جاء شخص وأثبت هذا الشيء مباشرة يصوم الناس جميعاً على رؤيته وعلى خبره، ولا يشترط عدلان والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، هل يشترط اثنان لرؤية الهلال أم واحد يكفي ، الصحيح أن واحداً يكفي، دليله حديث ابن عمر قال: "تراءى الناس الهلالأي اجتمعوا لرؤية الهلال "فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم لأني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه"، رواه أبو داود، إذن عمل النبي صلى الله عليه وسلم برؤية من؟ برؤية ابن عمر وهو واحد وعدل، انتهى وهذا ظاهر ودلالته واضحة إن شاء الله.
قال الترمذي رحمه الله: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم (قالوا تقبل شهادة رجل واحد في الصيام (أي في ثبوت شهر رمضان) وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وقال النووي وهو الأصح.
قال المؤلف رحمه الله: أو إكمال عدة شعبان.
إذن يجب صيام رمضان إما برؤية الهلال من عدل أو بإكمال عدة شعبان، الشهر العربي لا يكون إلا تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً فقط (الشهر العربي ما فيه واحد وثلاثون)، فإن لم نتمكن من رؤية هلال رمضان أكملنا عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صمنا، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" متفق عليه من حديث أبي هريرة، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُّمَ عليكم (أي ستر وغطي بالغيم أو بغيره بحيث أنكم لا تستطيعون رؤية الهلال أو لم تروا الهلال) فأكملوا عدة الشهر ثلاثين، فالشهر يدخل إما برؤية الهلال أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، والرؤية تثبت برؤية عدل واحد من المسلمين.
قال المؤلف رحمه الله: ويصوم ثلاثين يوماً مالم يظهر هلال شوال قبل إكمالها.
أي انتهاء شهر رمضان يكون برؤية هلال شوال أو بإكمال رمضان ثلاثين يوماً، نفس المسألة إذا لم نر هلال شوال قبل ذلك، ودليله حديث ابن عمر: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فاقدروا لهوفي رواية: "فاقدروا ثلاثين"، وجميع العلماء على أن هلال شوال يُشترط له عدلان ولا يكفي واحد كما الحال في دخول شهر رمضان، إلا أبا ثور وبعض من وافقه على ما ذهب إليه لكن الجمهور والأغلب على أنه لا بد فيه من اثنين، أما أبو ثور وابن المنذر والشوكاني ذهبوا إلى انه أيضاً يضاأأي]يبواحد هاهنا يكفي قياساً على هلال رمضان، واحتج الجمهور بحديث أمير مكة الحارث بن حاطب قال: "عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نَنسُك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما" أخرجه أبو داود وغيره، فهذا الحديث يدل على أن الأصل في أمر الهلال شهادة عدلين وأن المدار فيه على شاهدي عدل ولكن نستثني منه هلال رمضان لحديث ابن عمر المتقدم فمنطوقه أقوى دلالة من مفهوم هذا الحديث فنقدمه عليه، حديث ابن عمر منطوقه يدل على أن الواحد العدل يُكتفى به في إثبات هلال رمضان وهذا وإن كان خالفه إلا أنه يُفهم منه مفهوماً (مفهوم المخالفة) أن الواحد لا يُكتفى به فالمنطوق يُقدم على المفهوم عند التعارض.
قال المصنف رحمه الله: وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة.
إذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة، إذا رُئي في الأردن هنا لزم جميع دول الإسلام أن تصوم معنا وإذا رُئي في مصر لزم جميع البلاد أن تصوم معهم، هذا مقتضى كلام المؤلف رحمه الله، الأحاديث المتقدمة التي فيها الأمر بالصيام والفطر لرؤية الهلال تدل على ما ذكره المصنف، فقال: صوموا لرؤيته، الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإذا رُئِيَ في أي بلاد فقد رُئِي إذاً يلزمنا أن نصوم وأن نفطر، والبعض خالف وقالوا لكل أهل بلد رؤيتها واستدل هؤلاء بحديث كُرَيب عند مسلم وغيره أنه استهل عليه هلال رمضان (أي رأى ودخل هلال رمضان وهو بالشام، كُرَيب كان هنا في بلاد الشام)، فدخل رمضان فرأى الهلال ليلة الجمعة (أي الخميس ليلاً هذه اسمها ليلة الجمعة فالليل يسبق النهار)، فقدم المدينة فأخبر بذلك ابن عباس، فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، ثم قال هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففهم البعض من هذا الحديث أن ابن عباس قال: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أن كل بلاد تعمل برؤيتها ولا يلزمها أن تعمل برؤية البلاد الأخرى، لكن هذا الظاهر أنه استدلال من ابن عباس وليس هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر أنه يعني بقوله هكذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى قوله: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، هذا الذي وردت فيه الأحاديث، أما الشطر الأول فلم يرد فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فحمل كلام ابن عباس في معرفة المرفوع من كلامه على المعنى الأول خطأ، لأن المعنى الثاني هو الذي وردت الأحاديث في تصديقه أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما المعنى الأول فلم يرد فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يبين ذلك، فحمل الكلام على ما هو موجود ومروي أولى من حمله على شيء محتمل، وإذا ثبت عندنا أن هذا اجتهاد من ابن عباس إذن فلا يكون محل دلالة، والصحيح هو الأخذ بظاهر الأحاديث المتقدمة صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، إذن يلزم كما قال المؤلف إذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 14:59   #29
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الثلاثون]

[الدرس الثلاثون]


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه اجمعين.

قال المؤلف رحمه الله: وعلى الصائم النية قبل الفجر.
أي يجب على الصائم أن ينوي صيام رمضان قبل طلوع الفجر الصادق، فلا يصح العمل إلاّ بنية لقوله صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" الحديث، والصحيح التفريق في ذلك ما بين الفريضة والنافلة، الفريضة يجب أن ينوي قبل الفجر، وأما النافلة فيجوز أن ينوي في أثناء النهار بشرط أن لا يكون أكل أو شرب قبل ذلك، ودليل تبييت النية في الفريضة أن جميع الزمان (من أول اليوم إلى آخره يجب فيه الصوم)، والنية يجب أن تكون قبل البدء بالعمل كما في جميع العبادات، إذن فيجب أن تكون النية سابقة للعمل، وبما أن الصيام واجب في كل جزء من أجزاء اليوم، إذن فلا يصح أن تكون النية في أثناء النهار، إذ النية لا تنعطف على الماضي، بمعنى أنك إذا أردت أن تصوم اليوم الأول فيجب أن تبدأ الصيام من أوله، ومن نوى بعد طلوع الفجر لا يقال صام يوماً، هذا قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالمعنى، وأما ما يستدل به الجمهور الذين يقررون بأن الفريضة يجب أن تنوى قبل طلوع الفجر الصادق وهو حديث حفصة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له"، أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، ورجح وقفه أبو داود والترمذي والنسائي (رجحوا أنه موقوف على حفصة)، وضعفه الإمام أحمد والبخاري وغيرهم والصحيح أنه من قول حفصة، صح عنها وصح أيضاً عن ابن عمر من قولهم وهو قول صحيح لكنه ليس موصولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما دليل صحة النية في أثناء النهار في النافلة فحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فقال هل عندكم شيء؟ قالت: قلنا: لا، قال: "فإني إذاً صائم"، أخرجه مسلم في الصحيح، وهذا من باب التوسيع على العباد (تجويز عقد نية الصيام في أثناء النهار توسيع على العباد للإكثار من التطوع).
وهل تكفي نية واحدة من أول شهر رمضان إلى آخره أم يجب لكل يوم نية؟
اختلف أهل العلم في ذلك والراجح إن شاء الله أنها تكفي نية واحدة بشرط: أن لا ينقطع الصيام في أثناء الشهر، فإذا قطعت الصيام في أثناء الشهر وجب عليك أن تجدد النية، ودليل جواز عقد نية واحدة للشهر كله أن شهر رمضان بالكامل عبادة واحدة فيكفي له نية واحدة، والدليل على أن شهر رمضان ككل عبادة واحدة قول الله تبارك وتعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، والشهر اسم زمان لشيء واحد فكان الصوم من أوله إلى آخره عبادة واحدة كالصلاة والحج، تظهر فائدة هذه المسألة في صورة رجل نام في نهار يوم من الأيام (أحد أيام رمضان) نام ولم يستيقظ إلا في اليوم التالي في النهار، فعلى قولهم أن كل يوم تجب له نية مستقلة فهذا صيامه غير صحيح صيامه لليوم الثاني غير صحيح لأنه لم ينو قبل الفجر الصادق، وأما على قولنا وهو الصحيح إن شاء الله أن صيامه صحيح لأن نيته من أول الشهر تكفيه.
واضح، هذه مسألة فرعية متفرعة على الأصل الذي ذكرناه.
قال المؤلف رحمه: يبطل بالأكل والشرب.
يبطل الصيام بالأكل والشرب عمداً لقوله تعالى: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل"، الشاهد قوله: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود"، وكلوا واشربوا حتى (أي إلى أن يتبين لكم الفجر الصادق)، فإذا تبيّن لكم الفجر الصادق فلا تأكلوا ولا تشربوا (فأمسكوا عن الأكل والشرب)، فالأكل والشرب عمداً يُبطل الصيام، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: "يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجلي"، إذن الصيام يقتضي أن تدع الطعام والشراب، فإذا لم تدع الطعام والشراب فصيامك غير صحيح.
ما هو الأكل؟ الأكل هو إدخال الشيء إلى المعدة عن طريق الفم، فيشمل ما ينفع وما يضر، وما لا ينفع ولا يضر، فكل هذا يسمى أكلاً (هذا من أكل أو شرب عامداً)، أما من أكل أو شرب ناسياً فصيامه صحيح لا يبطل ويجب عليه أن يُمسك بقية يومه لقوله صلى الله عليه وسلم: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه"، هو رزق من الله تبارك وتعالى، إذن لا يُفسد ذلك عليه صيامه فصيامه صحيح، فالأكل أو الشرب نسياناً لا يُفسد الصيام.
قال الترمذي رحمه الله: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.
وكما ذكرنا من أكل أو شرب عمداً بطل صومه ووقع في إثم عظيم ما ينفعه معه قضاء إنما تنفعه التوبة الصادقة فقط، فلا تنفعه كفارة ولا ينفعه قضاء، تنفعه فقط التوبة الصادقة، وبعدم القضاء قال الإمام الشافعي والأوزاعي ومِن قبلهما علي وابن مسعود وأبو هريرة وبعدم الكفارة قال الشافعي وهي إحدى الروايتين عن أحمد وهو الصحيح إن شاء الله.

قال المؤلف رحمه الله: والجماع.
أي والجماع يُبطل الصيام لقوله تعالى: "أحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم"، فأُحل الرفث إلى النساء في الليلة (ليلة الصيام)، أمّا في نهارها فلا، وكذلك جاء في الحديث القدسي: "يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجلي".
قال ابن قدامه : لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم يُنزل أو دون الفرج فأنزل أنه يُفسد صومه إذا كان عامداً، وقد دلّت الأخبار الصحيحة على ذلك، فالذي يُفسد الصيام أن يجامع في الفرج.
الذي يُفسد الصيام أن يُجامع في الفرج بغض النظر عن الإنزال أنزل أو لم ينزل فمجرد الجماع في الفرج يفسد الصيام، ثم إن جامع خارج الفرج وأنزل يفسد صيامه أيضاً، فيفسد في حالتين إما الإنزال وإما بالجماع سواء أنزل أو لم ينزل، وسيأتي حديث من جامع في نهار رمضان وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة على فعله يدلَّ على أن الجماع يفسد الصيام، فإذا جامع شخص في نهار رمضان وهو صائم وجبت عليه الكفارة الواردة في حديث أبي هريرة: قال إن رجلاً وقع بامرأته في رمضان فاستفتى رسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "هل تجد رقبة؟"، قال: لا، قال: "هل تستطيع أن تصوم شهرين؟"، قال: لا، قال: "فأطعم ستين مسكيناً" وهو متفق عليه، في رواية قال: ثم جلس الرجل فجيء النبيُ صلى الله عليه وسلم بتمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: "خذ هذا تصدق به"، قال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله أتصدق به، (يا رسول الله على شخص يكون أفقر حالاً مني أنا أفقر الموجود)، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: "أطعمه أهلك"، وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم أُتي بعَرَق فيه تمر (العرق هو المكتل)، يسع خمسة عشر صاعاً فيكون لكل مسكين كم؟ مد من تمر، هذا القدر الذي يجب عليه في إطعام الستين مسكيناً.
وهل عليه قضاء ذلك اليوم؟ اختلف أهل العلم في ذلك والصحيح أنه لا قضاء عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بذلك وإن ورد ذلك في رواية ضعيفة لا تصح فكونها ضعيفة وكونه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح أنه أمره بالقضاء مع عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة كل هذا يدلّ على أنه لا قضاء عليه مع الكفارة وهو الصحيح إن شاء الله.
وهل على زوجته كفارة مثله؟ الصحيح أنَّ عليها كفارة إذا كانت صائمة ولم تكن مكرهة، كانت راضية ومطاوعة له على فعله، لماذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بذلك، وكما تقدم قلنا لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن الرجل عندما جاء سأل عن نفسه ولم يسأل عن المرأة ولا جاءت هي وسألت عن نفسها والاحتمال في حقها قائم فربما تكون هي أصلاً ليست صائمة، مفطرة لعذر من الأعذار ويُحتمل أن تكون صائمة ولكنها معذورة بالإكراه مثلاً، ويُحتمل أيضاً أن تكون صائمة وغير معذورة مطاوعة فالاحتمالات قائمة، فكون الاحتمالات قائمة وهي لم تأت وتسأل إذن لا يجب على المفتي أن يفتي في أمرها (في أمر كهذا لا يجب عليه أن يفتي في أمر كهذا، لأن هناك فرق ما بين المفتي والقاضي)، القاضي لا يجوز له أن يقضي في مسألة حتى يعرف ما يحوط بها، أمّا المفتي فلا، النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءته هند وقالت له إن أبا سفيان رجل شحيح قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" هل قال لهم ادعوا أبا سفيان وحقق معه في الأمر ونظر أدعواها صحيحة أم لا؟ لا، لماذا لأنه الآن مفتٍ ليس قاضياً، لو كان قاضياً ما جاز له أن يفتي لها بهذا أو أن يقضي بهذا دون أن يسمع من أبي سفيان ودون أن يتحقق من دعواها، إذن وضع المفتي يختلف عن وضع القاضي.
قال رحمه الله: والقيء عمداً.
القيء خروج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم، هذا القيء والأحاديث الواردة في هذا الباب، حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمداً فليقض"، أخرجه أحمد وأبو داود وضعفه أحمد والبخاري فالحديث ضعيف لا يصح، ومعنى قوله: من ذرعه القيء أي من غلبه القيء، فخرج القيء دون رغبته ودون إرادته، ومعنى استقاء عمداً أي أخرج القيء عامداً بإرادته، فمعنى الحديث من غلبه القيء وخرج رغماً عنه فليس عليه قضاء، فلا يقض، صيامه صحيح، ومن استقاء عمداً هو الذي أخرج القيء عامداً متعمداً، فهذا يجب عليه القضاء، وهذا ما دلّ عليه الحديث، ولكن كما ذكرت الحديث ضعيف، وجاء عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لا يفطّرن: القيء والحجامة والاحتلام" أخرجه الترمذي وهو ضعيف أيضاً، وعن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، وهو صحيح إن شاء الله على اختلاف في إسناده، فإذن لا يصح في هذا الباب إلا حديث أبي الدرداء.
وقال ابن المنذر : وأجمعوا على أنه لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء (ابن المنذر الآن ينقل الإجماع (الاتفاق) على أن الشخص إذا غلبه القيء هذا لا قضاء عليه)، قال: وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عمداً،
إذن ما دلّ عليه حديث أبي هريرة وإن كان الحديث ضعيفاً إلا أن الإجماع منعقد عليه كما قال ابن المنذر رحمه الله.
وكذلك قال الخطّابي: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه ولا في أن من استقاء عمداً فعليه القضاء.
إذن حكمه ثابت على ما ذكرنا أن من أخرج القيء بإرادته (برغبته)، كأن يدخل مثلاً أصبعه في فمه إدخالاً شديداً حتى يخرج ما في بطنه فمثل هذا يجب عليه القضاء، أمّا من استقاء أو من ذرعه القيء وخرج القيء منه من غير إرادته فهذا لا قضاء عليه.
قال رحمه الله: ويحرم الوصال.
الوصال هو صوم يومين فصاعدا من غير أكل أو شرب بينهما، حكمه محرم كما قال المؤلف رحمه الله، دليل تحريمه حديث أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله، فقال: "وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقينيفلما أبَوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم (أي النبي صلى الله عليه وسلم) يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال (انتهى رمضان)، فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم" (أي النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يواصل يواصل يواصل عقاباً لهم لأنهم ما أطاعوا نهيه فأراد أن يعاقبهم على ذلك فواصل بهم يوماً ويوماً ولكن الشهر قد انتهى)، فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم" كالمنكل لهم (كالمعاقب لهم حين أبَوا أن ينتهوا أي عقاباً لهم لعدم طاعة نهيه)، متفق عليه، وفي رواية في الصحيح: "أما والله لو تمادي ليَّ الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم" هذا فيه دليل على تحريم التعمق في العبادات، يحرم التعمق والغلو في العبادات، قال: "لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهمفهذا الحديث يدلّ على أن جواز الوصال خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، الأصل عموم الشريعة لذلك عندما رأى الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم يواصل واصلوا هذا يدلّ على أن الأصل عندنا عموم الشريعة، أن ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم عام فللجميع أن يفعل وأن يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكن إذا جاء دليل يدلّ على الخصوصية فلا يجوز لأحد أن يفعله ويبقى الأمر خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم كالحالة التي بين أيدينا.
وهل يجوز الوصال إلى السَّحر فقط؟ أيضاً اختلف أهل العلم في ذلك والراجح الصحيح نعم يجوز الوصال إلى السَّحر مع أن الأولى ترك ذلك، لأن المستحب تعجيل الإفطار كما سيأتي وجواز الوصال إلى السَّحر دليله قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تواصلوا"، هذا نهي عن الوصال قال: "فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السَّحر" أخرجه البخاري، مع قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" متفق عليه، إذن يدلّ ذلك على أن الأفضل والأحسن هو تعجيل الإفطار لا الوصال لكن مع ذلك الوصال جائز إلى السَّحر لكن لا يجوز لك تبقى صائماً إلى أن يدخل الفجر الصادق، بل يجب عليك أن تُفطر قبل دخول الفجر الصادق لليوم التالي، وبهذا الذي ذكرناه تجتمع جميع الأدلة الواردة في هذا الباب.


قال رحمه الله: وعلى من أفطر عمداً كفارة ككفارة الظهار.
كفارة الظهار هي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يجد فإطعام ستين مسكيناً كما تقدم في الحديث المتقدم، لكن هل كلام المؤلف على إطلاقه قال: وعلى من أفطر عمداً كفارة ككفارة الظهار، يدخل في ذلك من أفطر بالأكل والشرب، لكن الكلام هذا غير صحيح ولا مُسلَّم، الذي ورد في الكفارة هو من أفطر بالجماع ولم يرد أن من أفطر بالأكل والشرب عليه كفارة كتلك الكفارة، إنما الذين قالوا ذلك وتبعهم الشوكاني رحمه الله عليه اعتمدوا في ذلك على القياس، فقاسوا المفطر بالأكل والشرب عمداً على المجامع في نهار رمضان وهذا الكلام نحن لا نُسلِّم به فبعض أهل العلم أجاب بأن هذا قياس في العبادات والقياس في العبادات غير صحيح، هذا مذهب من لم يرَّ القياس داخل في العبادات أصلاً، وبعض الذين يرون بأن القياس داخل في العبادات قالوا هنا القياس غير صحيح لماذا؟ قالوا: لأن انتهاك حرمة شهر رمضان بالجماع ليس كانتهاك حرمة شهر رمضان بالأكل والشرب، فالجماع أعظم من الأكل والشرب، وقد بين الفرق بين الأكل والشرب الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الأم فناقشهم وبيَّن لهم أن الجماع أعظم من الأكل والشرب فلا يُقاس الأكل والشرب على الجماع في الكفارة، إذن الكفارة تجب على من جامع في نهار رمضان عامداً، أما من أكل أو شرب عامداً فهذا لا كفارة عليه لكنه أتى ذنباً عظيماً تجب فيه التوبة الصادقة إلى الله سبحانه وتعالى.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 15:14   #30
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الواحد والثلاثون]

[الدرس الواحد والثلاثون]



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:

قال المؤلف رحمه الله: ويندب تعجيل الفطر وتأخير السّحور.

يُندب أي يستحب تعجيل الفطر وتأخير السّحور، تعجيل الفطر للصائم وتأخير السّحور لمن أراد أن يصوم، يستحب له ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لايزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" متفق عليه، وسُألت عائشة رضي الله عنها أيضاً، قيل لها رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدهما يُعَّجل الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يُؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، قالت أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، قالوا عبد الله بن مسعود، قالت كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه مسلم في صحيحه، وعن أنس قال إن النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسّحرا فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله إلى الصلاة فصلى، قال أنس: "كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية" متفق عليه، هذا كله يدلّ على أنه يُستحب تأخير السّحور ويُستحب تعجيل الإفطار.

قال المؤلف رحمه الله: يجب على من أفطر لعذر شرعي أن يقضي.

أصل ذلك قول الله تبارك وتعالى: "فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر"، أي من كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر فيجب عليه أن يقضي مكان الأيام التي أفطرها أياماً أخرى، فمن أفطر لعذر كالمسافر والمريض يجب عليه القضاء، أمّا من أفطر لغير عذر فهذا لا ينفعه وإن صام الدهر كله لا ينفعه قضاء، فالواجب عليه أن يستغفر الله ويتوب إليه.

قال المؤلف رحمه الله: والفطر للمسافر ونحوه رخصة إلا ان يخشى التلف أو الضعف عن القتال فعزيمة.

يريد بالرخصة هنا المؤلف رحمه الله التخيير بين الفعل والترك، أي هو مخير بين أن يفطر أو أن يصوم، ولكن إذا كان يخشى على نفسه الضرر الشديد أو الضعف عن القتال للمجاهد فهذا يجب عليه أن يفطر كي يتقوى على الجهاد ويبقي على نفسه ويدفع الضرر عن نفسه.

وهل الأفضل للمسافر الفِطر أم الصيام؟ حصل خلاف شديد بين أهل العلم بسبب اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك وأصح الأقوال إن شاء الله أنه ينظر إلى الأخف والأيسر عليه فيفعله.

من الأحاديث التي وردت في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمن قال له يا رسول الله أجد مني قوة على الصوم فهل عليَّ جناح؟ فقال: "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"، وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام فقال صلى الله عليه وسلم إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، قال أبو سعيد: فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، كانت رخصة أي مخيرين في الفعل والترك ثم نزلنا منزلاً آخر فقال إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا فكانت عزيمة ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر، وقول المؤلف رحمه الله: والفطر للمسافر ونحوه، المراد بنحو المسافر الحُبلى والمرضع من النساء، فالفطر للحُبلى والمرضع رخصة لهما فلهما أن يفطرا ولهما أن يصوما إلا إن كان في صيامهما ضرراً عليهما أو على الجنين فيجب الفطر والقضاء بعد ذلك ولا إطعام عليهما على الصحيح من أقوال أهل العلم، وإن كان خالف البعض إلاّ أنه لا دليل عنده على إلزامهما بالقضاء وهما كالمريض لا يجب عليهما سوى القضاء فقط، والدليل على أن الصيام في حق الحبلى والمرضع رخصة قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم" أخرجه احمد وأبو داود.

قال المؤلف رحمه الله: ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه.

وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" وهو حديث متفق عليه، أي فليصم عنه وليه، فهو أمر للولي أن يصوم عن وليه الميت، ولكنه أمر استحباب عند جمهور علماء الإسلام، والصوم المقصود صوم نذر وقضاء، ولا يختص بصوم النذر، بعض أهل العلم خصَّ ذلك بصوم النذر لكن الحديث لا تخصيص فيه بصوم النذر فيبقى على عمومه، فالحديث عام ولا دليل على تخصيصه بنوع من أنواع الصيام فيبقى على العموم، والمراد بالولي القريب.

قال المؤلف رحمه الله: والكبير العاجز عن الأداء والقضاء يُكَّفر عن كل يوم بإطعام مسكين.

والكبير المقصود به الكبير في السن الذي لا يستطيع الصيام، لا يستطيع أن يصوم رمضان ولا أن يقضي فيما بعد رمضان، قال المؤلف: يُكَّفر عن كل يوم بإطعام مسكين، أي يُطعم عن كل يوم أفطره مسكيناً يُطعمه مداً من طعام، ولكن ما الدليل على هذا الإطعام، يستدلون بقول ابن عباس في الآية التي قال الله فيها "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين"، قال ابن عباس هذه الآية ليست منسوخة هي في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً، أخرجه البخاري، هذا ما اعتمدوا عليه في إلزام الكبير والمرأة الكبيرة الذين لا يستطيعون الصوم بالإطعام، ولكن خالف ابن عباس في هذه سلمة بن الأكوع، قال كان من أراد أن يُفطِر يفتدي، (من أراد أن يفطر، الصيام كان بالخيار ما بين أن تصوم أو أن تفدي، تطعم مسكين عن اليوم أنت بالخيار)، قال: كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، فنُسخ هذا الحكم وهو حكم التخيير، وظاهر الآية مع سلمة وليس مع ابن عباس، لأن الله سبحانه تعالى قال: "وعلى الذين يطيقونهلا على الذين لا يطيقونه، فرق بين الأمرين، لكنَّ ابن عباس يستدل بقراء له هي قراءة شاذة "وعلى الذين يطوقونه"، أي الذين يصعب عليهم الصيام، قراءة شاذة، وكما تقرر في أصول الفقه أن القراءة الشاذة لا يُعتمد عليها، إنما الاعتماد يكون على القراءة المتواترة، فعلى ذلك لا يكون عندهم حجة على إلزام الكبير الذي لا يقدر على الصيام بالإطعام لكن إن أطعم خروجاً من الخلاف فجزاه الله خيراً أفضل لكن لا نلزمه بذلك وهذا الذي ذهبنا إليه هو مذهب الإمام مالك (إمام دار الهجرة) وقول للإمام الشافعي.

قال المؤلف رحمه الله: والصائم المتطوع أمير نفسه لا قضاء عليه ولا كفارة.

الذي يصوم صيام نافلة متطوعاً له أن يُكمل صيامه وله أن يُفطر قبل أن يكمله، فله أن ينقضه ويتركه وله أن يُكمل الصيام، دليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال:"هل عندكم شيء؟"، فقلنا: لا، قال: "فإني إذنً صائم"، ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حَيْسٌ، فقال: "أرينيه فلقد أصبحت صائماً" فأكل. متفق عليه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أصبح صائماً ثم أكل و ترك صيامه، دلَّ ذلك على أن المتطوع أمير نفسه، قال طلحة: فحدثت به مجاهداً (مجاهد بن جبر)، فقال: ذاك بمنزلة الرجل يُخرج الصدقة من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها (أعطاها قياساً على الصدقة يخرجها الشخص من ماله ويقول أريد أن أتصدق بهذه ثم بعد ذلك إن شاء أكمل الطريق وتصدق وإن شاء ترك ولم يتصدق، كذلك صيام التطوع).

قال المؤلف رحمه الله:باب صوم التطوع. أي صيام النافلة.

قال: يستحب صيام ست من شوال.

هذا لحديث أبي أيوب الأنصاري عند مسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر"، ويكون كصيام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان ثلاثون يوماً بعشرة كم؟ ثلاثمائة، ستة أيام في عشرة كم؟ ستين، وأيام السنة كاملة ثلاثمائة وستين يوماً، فهذا صيام الدهر كامل، فيكون كل سنة يصوم بهذه الطريقة يكون قد صام الدهر كله، والأفضل أن تصام الستة متوالية وعقب رمضان مباشرة بعد أن تفطر اليوم الأول يوم العيد ثم بعد ذلك تسرد ستة أيام من شوال، لكن إن فرقها جائز أو أخرها حتى في أواخر شوال أيضاً جائز، لأن هذا كله يشمله قوله صلى الله عليه وسلم: "ثم أتبعه ستاً من شوال".

قال رحمه الله: وتِسعِ ذي الحجة.

أي ويستحب صيام تسع ذي الحجة، أي الأيام التسع الأولى من ذي الحجة ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم هذه الأيام، ورد حديث ضعيف لا يصح في ذلك، وإنما حديث عن حفصة قالت: أربع لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعهن: "صيام عاشوراء والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة" أخرجه أحمد والنسائي وأخرجه أبو داود بلفظ آخر وفيه اختلاف كثير جداً في متنه وإسناده فلا يصح، والعمدة في ذلك على ما ذكرته عائشة رضي الله عنها وهو في صحيح مسلم قالت: "ما رأيت رسول اللهصلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط"، هذا ما ذكرته رضي الله عنها وهذا هو المعتمد في ذلك، لكن صيام هذه الأيام داخل في العمل الصالح الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام" يعني أيام العشر، فقالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء"، أخرجه أبو داود، فيجوز صيام هذه الأيام على أنّ الصيام من العمل الصالح، ومن أراد أن يعمل عملاً آخر غير الصيام ويكتفي به عن الصيام فله ذلك، والأفضل للإنسان في مثل هذه الحالات أن يُرّكز على العمل الذي يجد من نفسه نشاطاً فيه ويتمكن من الإكثار منه فيُكثر منه في هذه الأيام.

قال رحمه الله: ومُحَرَّم.

أي يستحب صيام محرم (شهر الله المحرم) لحديث أبي هريرة عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أي الصيام بعد رمضان أفضل؟ قال: "شهر الله المحرم"، وآكده يوم عاشوراء، يُستحب صيام يوم عاشوراء ويوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم: "صوم يوم عرفة يُكفر سنتين ماضية ومستقبلة وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية"، هذا يدل على استحباب صيام هذين اليومين (يوم عرفة التاسع من ذي الحجة، ويوم عاشوراء اليوم العاشر من محرم) ويستحب أيضاً أن يصام اليوم التاسع من المحرم مع اليوم العاشر مع عاشوراء مخالفة لليهود، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع"، وذلك أنه حين صام اليوم العاشر قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال صلى الله عليه وسلم: "فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع"، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيستحب صيام اليوم التاسع مع اليوم العاشر.

قال رحمه الله: وشعبان.

أي ويستحب صيام شعبان لحديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم قالت: "وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان" الحديث في صحيح مسلم.

قال رحمه الله: والاثنين والخميس.

لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتحرى صوم يوم الاثنين والخميس كما في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما.

قال رحمه الله: والأيام البيض.

أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله"، وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: "صم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك صيام الدهر" متفق عليه، وأخرج النسائي وغيره عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" ، فصيام هذه الأيام أفضل من غيرها، لكن إذا صمت أي ثلاثة أيام من الشهر فقد حصل لك الأجر.

قال رحمه الله: وأفضل التطوع صوم يوم وإفطار يوم.

هذه أفضل صور التطوع في الصيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو: "صم أفضل الصوم صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم" متفق عليه، وفي رواية عند مسلم: "وهو أعدل الصيام"، ورواية عند البخاري: "لا صوم فوق صوم داودفهذه أكمل الصور في صيام التطوع.

قال رحمه الله:ويكره صوم الدهر.

صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عبد الله بن عمرو عن صيام الدهر، وكذلك نهى من أراد أن يصوم ولا يُفطر، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا صام من صام الأبد" متفق عليه، ومعنى صيام الدهر المنهي عنه هو الذي كان يفعله ابن عمرو والذي أراد أن يفعله أحد الثلاثة الذين تقالوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم عندما سألوا عن عبادته فقال أحدهم: أمّا أنا فأصوم ولا أفطر، هذا هو صيام الدهر الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فصيام الدهر هو صيام السنة كلها بلا فطر فيها وهو محرم مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

قال رحمه الله: وإفراد يوم الجمعة.

جاء في حديث جابر في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الجمعة، وفي حديث أبي هريرة في الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يصومن أحدكم الجمعة إلّا يوماً قبله أو بعده"، وفي حديث جويرية بنت الحارث دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهي صائمة فقال: "أصمت أمس؟" (الخميس) قالت: لا، قال: "أتريدين أن تصومي غداً؟" (السبت)، قالت: لا، قال: "فأفطري"، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلاّ ان يكون في صوم يصومه أحدكم"، خلاصة هذه الأحاديث كلها أنّه لا يجوز إفراد يوم الجمعة بصيام إلاّ إذا كان في صوم كان يصومه أحدنا، مثل شخص كان يصوم يوماً ويفطر يوماً فجاء من هذه الأيام التي ينبغي أن يصومها يوم جمعة فيجوز له أن يصوم، أو جاء يوم عرفة في يوم جمعة يجوز له أن يصومه من غير أن يصوم معه يوماً قبله أو يوماً بعده، لأنه هو الصيام كان يصومه ولم يتعمد تخصيص يوم الجمعة بصيام، أمَّا صيام يوم السبت فلم يصحَّ فيه حديث عن النبي r في النهي عن صيامه ورد فيه حديث قال فيه الإمام النسائي رحمه الله وهو حديث مضطرب، وكذلك وافقه الحافظ ابن حجر على ذلك وضعفه غير واحد من علماء الإسلام والحق معهم، فالحديث لا يصح، فيجوز صيام يوم السبت مطلقاً كبقية الأيام.

قال رحمه الله: ويَحرم صوم العيدين.

لحديث أبي سعيد في الصحيحين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يومين يوم الفطر ويوم النحر، والمقصود اليوم الأول فقط ليوم الفطر ويوم النحر هذان العيدان فقط، وليس بعدهما عيد، يوم النحر بعده ثلاثة أيام (أيام التشريق)، أما يوم الفطر فهو واحد فقط.

قال رحمه الله: وأيام التشريق.

ويَحرم أيضاً صيام أيام التشريق وهي اليوم الثاني والثالث والرابع التي هي بعد العيد يوم النحر، وتحريم صيام هذه الأيام لنهيه صلى الله عليه وسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيام التشريق أيام أكل وشرب" متفق عليه، وفي صحيح البخاري عن عائشة وابن عمر قالا: "لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي" إذن فلا يُصام في هذه الأيام.

قال رحمه الله: واستقبال رمضان بيوم أو يومين.

أي ويَحرم استقبال رمضان بيوم أو يومين، فيَحرم أن نصوم قبل أن يثبت هلال رمضان اليوم الذي يُشك فيه، يَحرم صومه لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتقدّمن أحدكم رمضان بصوم يوم او يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً فليصمه" متفق عليه، يعني إذا جاء اليوم الأخير من شعبان الذي يُشك أهو من شعبان أم من رمضان، إذا جاء في يوم أنت اعتدت أن تصوم مثل هذا اليوم فلك أن تصوم، أمّا أن تتقصد أن تصومه احتياطاً لرمضان فلا يجوز، قال عمَّار: "من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم"، وأما حديث: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"، فهو حديث ضعيف يخالفه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان إلا قليلاً كما قالت عائشة رضي الله عنها وكما تقدم معنا، وأمَّا حديث: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" فقد أعله غير واحد من أهل العلم، وحكم عليه الإمام أحمد بالنكارة، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به عمداً، فهذا يدل على أنهم كانوا يستنكرون هذا الحديث ولا يقبلونه لأنه مخالف لأحاديث أقوى منه وأصح في جواز الصيام بعد شعبان

نكتفي بهذا القدر والحمد لله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 13:48.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي