Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25-12-2012, 11:41   #11
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس الحادي عشر]

[المجلس الحادي عشر]


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فهذا الدرس الحادي عشر من دروس شرح الدرر البهية

نحن الآن في كتاب الصلاة، انتهينا من المواقيت في الدرس الماضي
قال المؤلف رحمه الله تعالى:(( ومن نام عن صلاته أو سها عنها فَوَقْتُها حين يذكرها)) هذا ورد فيه نص نبوي قال فيه - صلى الله عليه وسلم - :" من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها" متفق عليه، وجاء أيضاً في الحديث الذي قدمنا ذكره في الدرس الماضي" ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط على من لم يُصَلّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى " ،إذاً النوم ليس فيه تفريط فيجوز للشخص إذا نهض من نومه أن يصلي صلاته فذاك هو وقتها لقول الله تبارك وتعالى { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [ طه/14] كما ذكر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - .
ثم قال:((ومن كان معذوراً وأدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها)) من كان معذوراً، عنده عذر كالحائض مثلاً تطهر، هذه تدرك الصلاة بإدراكِ ركعة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" ولكن ليس معنى ذلك أن يكتفي بالركعة،لا، ولكن يكمل ، من أدرك هذه الركعة والوقت باقٍ،وقت الصلاة لم يخرج أدرك ركعة من الصلاة في وقتها فله أن يكمل بعد ذلك وإن خرج الوقت، هذا معنى الحديث.

ثم قال رحمه الله:((والتوقيت واجبٌ))بيَّنا ذلك في الدرس الماضي، التوقيت واجب أي ويجب عليك أن تصلي الصلاة في وقتها الذي عيّنه الله تبارك وتعالى لها ولا يجوز لك أن تخرجها عن ذاك الوقت.
ثم قال رحمه الله
: ((والجمع لعذرٍ جائزٌ))الجمع بين الصلاتين هو أن تصلي الصلاتين في وقت واحدةٍ منهما كأن تصلي الظهر والعصر في وقت الظهر أو أن تصلي الظهر والعصر في وقت العصر، الأول يسمى جمع تقديم والثاني يسمى جمع تأخير وكذلك المغرب والعشاء، تصلي المغرب والعشاء في وقت المغرب، هذا يسمى جمع تقديم أو تصلي المغرب والعشاء في وقت العشاء، هذا يسمى جمع تأخير، ولا جمع إلا بهذه الصورة، يعني لا يصح أن تجمع العصر مع المغرب ولا يصح أن تجمع الفجر مع العشاء ولا الفجر مع الظهر، هذا لا يصح بالاجماع، إنما الجمع يكون بالصفة التي ذكرنا ظهرٌ مع عصر أو مغرب مع عشاء فقط، هذه صورة الجمع الجائزة، وهذا الجمع لعذر جائز الذي ذكره المؤلف هنا يتكلم عن الجمع في الحضر وليس في السفر، ليس الجمع في السفر، هذا مسألة ثانية ستأتي إن شاء الله في صلاة المسافر لكن كلامنا هنا عن الجمع في الحضر، في حال الإقامة ، هذا الجمع ذكر المؤلف أنه جائز، ما هو الدليل الذي اعتمد عليه المؤلف رحمه الله في جواز هذا الجمع؟ الدليل على ذلك حديث ابن عباس في الصحيح ، قال:" صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوفٍ ولا سفر" قال ابن عباس عندما سئل ما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك؟ قال:" أراد أن لا يحرج أمته" ، في هذا الحديث صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوفٍ ولا سفر وفي رواية أخرى" جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر" . كلاهما عند مسلم ، وفي رواية عند مسلم أيضاً قال عبد الله بن شقيق :خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة -يعني كاد المغرب أن يذهب فيريدون أن يصلوا-قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني، الصلاة الصلاة -يكرر دائماً الصلاة الصلاة- فقال ابن عباس: اتعلِّمني بالسنة لا أمَّ لك؟ ثم قال : رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء (ما اطمأنت نفسه، بقي عنده ريب في هذا الأمر) فأتيت أبا هريرة فسألته فصدَّق مقالته-يعني صدَّق ما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه-) فهذا يدل على أن من أصابه حرج في المحافظة على إقامة الصلاة في وقتها المعين فله أن يجمع ويكون هذا عذراً، واختلف أهل العلم في الأعذار التي يجوز للشخص أن يجمع بين الصلاتين في الحضر لأجلها، من هذه الأعذار: السفر والمطر والمرض، السفر هذا له حكم مستقل سيأتي إن شاء الله ثابت بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أما المرض والمطر فأُخذا من هذا الحديث الذي بين أيدينا، فقال هنا: جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير خوفٍ ولا مطر ومن غير خوفٍ ولا سفر ، مفهومه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع في حال المطر، وعندما سألوا ابن عباس قال: أراد أن لا يحرج أمته، هذا هو تعليل ابن عباس لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فالعلة إذاً علة الجمع هي وجود الحرج فمتى وُجد حرج في المحافظة على وقت الصلاة في وقتها المعين لك عندئذ أن تجمع إما جمع تأخير أو جمع تقديم، من هذا الحرج مثلاً طبيب يريد أن يدخل إلى العملية لإجراء عملية لمريض ووقت العملية جاء بعد العصر ويدوم إلى بعد العشاء ماذا يفعل؟ ينوي الجمع ، يجمع المغرب والعشاء جمع تأخير ويدخل على عمليته، هذا من الحرج وهكذا في أنواع الحرج مختلفة لا تحصر فمن أصابه حرج في محافظته على الصلاة في وقتها فله أن يجمع بدلالة هذا الحديث وهذا من تيسير الله سبحانه وتعالى وتسهيله لهذا الدين على عباده .

ثم قال المؤلف رحمه الله: ((والمتيمم وناقص الصلاة أو الطهارة يصلون كغيرهم من غير تأخير)) ناقص الصلاة كالذي به مرض يمنعه من القيام مثلاً فهذا سماه المؤلف ناقص الصلاة، الذي به مرض يمتنع به من أن يقوم، لا يستطيع القيام مريض فيجلس ، هذا يسمى عند المصنف ناقص الصلاة، قال: هذا يصلي كغيره من غير تأخيرٍ لوقت الصلاة، يصلي الصلاة في وقتها من غير تأخير لها، وناقص الطهارة كالذي لا يتمكن من غسل يديه مثلاً أو لا يتمكن من غسل رجله لعذر ما أو كالمتيمم أيضاً، هؤلاء يسمونهم ناقصي الطهارة ، كل هؤلاء لا فرق بينهم وبين تام الصلاة وتام الطهارة، لا فرق بينهم البتة في مسألة التوقيت .

ثم قال رحمه الله:((وأوقات الكراهة: في غير مكة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس . وعند الزوال في غير الجمعة. وبعد العصر حتى تغرب)) ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين وغيرهما أنه نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ونهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وجاء في حديث عقبة ابن عامر قال:" ثلاث ساعاتٍ كان ينهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أن نصلي فيهنّ أو نقبر فيهنّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع(حتى ترتفع قدر رمح كما جاء في بعض الروايات، حين تطلع الشمس بازغة يعني عندما ينتهي وقت الفجر وتبدأ الشمس في الشروق، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع،وارتفاعها يكون قدر رمح أي في نظر العين وهذا قدر عشر دقائق تقريباً من طلوع الشمس) وحين يقوم قائم الظهيرة (أي حال استواء الشمس، حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق والمغرب وذكرنا التوقيت في الدرس الماضي وذكرنا نقطة الاستواء، عندما تستوي الشمس هذه النقطة هي التي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة فيها، تقدر بعشر دقائق تقريباً قبل دخول الوقت، قال:وحين تَضَيَّف الشمس حتى تغرب ( أي حين تميل الشمس إلى الغروب حتى تغرب، ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قال:أيضاً هذه تكون عندما يكون الشمس ارتفاعها قدر رمح من جهة المغرب قبل أن تغرب).
هذه هي الأوقات التي وردت في الأحاديث النهي عن الصلاة فيها، مجموعها خمس أوقات، لكن ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى بعد صلاة العصر وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أقرّ رجلاً صلى سنة الفجر بعد صلاة الفجر فأقره على ذلك، والصلاة التي كان يصليها بعد العصر هي أصلاً كانت قضاءً لسنة الظهر ثم بعد ذلك داوم عليها فكونه داوم عليها دل ذلك على جواز الصلاة في ذاك الوقت، فاختلفت أقوال أهل العلم في الجمع بين هذه الأحاديث، والذي يظهر والله أعلم أن حديث عقبة بن عامر قاضٍ على الأحاديث الأخرى ويبين حديث عقبة أن المراد من النهي هي الأوقات التي ذُكرت في حديثه وليس جميع الوقت بعد العصر وليس كل الوقت بعد الفجر ولكن المراد ذاك الوقت القليل وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأحاديث العلة من النهي عن ذلك فجاء أن الشمس تغرب بين قرني شيطان وفي تلك الساعة يسجد لها عبَدَتُها لذلك نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في هذه الأوقات وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يضرب على الصلاة بعد العصر وكان بعض الصحابة يصليها فجاء مرة فضرب بعض الصحابة فقال له: زِدّ ضرباً والله لا أتركنَّ سنة رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها، ذكر له عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يضرب عليها خشية أن يتدرج الناس في ذلك حتى يُصَلّوا في أوقات النهي التي ذكرها عقبة بن عامر،فدل ذلك على أن عمر كان يضرب عليها كي يسد الباب أمام الناس كي لا يصلوا إلى المحذور الشرعي .
أما ما استثناه المؤلف رحمه الله في قوله :((وأوقات الكراهة في غير مكة)) أي أن غير مكة، كل الأماكن غير مكة داخلها النهي أما مكة بالذات فلا يدخلها النهي، ودليل ذلك ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:" يا بني عبد مناف : "من ولي منكم من أمر الناس شيئاً فلا يمنعنَّ أحداً طاف بهذا البيت وصلى أيَّة ساعة شاء من ليلٍ أو نهار" ، فقوله هنا: "فلا يمنعنَّ أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعةٍ شاء" هذه عامة تشمل جميع الأوقات من ليل أو نهار كما جاء في الحديث، فيدخل في ضمن ذلك أوقات النهي، فيدل هذا على أن مكة مخصوصة لا نهي فيها، وأما الجمعة التي استثناها المؤلف رحمه الله فاستدل العلماء على استثنائها بأحاديث منها حديث أبي قتادة قال: كره النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة وقال:" إن جهنم تُسْجَرُ إلا يوم الجمعة" وهو ضعيف، وكذلك ورد حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه ، كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة وهذا أيضاً ضعيف، لكن العمدة في ذلك على ما ذكره البيهقي رحمه الله فقال: (واعتمادي في المسألة على حديث أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال:" من اغتسل يوم الجمعة فصلى ما قُدِّر له ثم أنصت حتى يفرغ الإمام ..إلخ الحديث" فالشاهد في الحديث قوله :" فصلى ما قُدِّر له ثم أنصت حتى يفرغ الإمام" ، وجاء الحديث الذي بعده أوضح من ذلك فقال:" من اغتسل يوم الجمعة واستاك ولبس أحسن ثيابه وتطيب بطيب إن وجده ثم جاء ولم يتخطَّ الناس فصلى ما شاء الله أن يصلي فإذا خرج الإمام سكت فذلك كفارة إلى يوم الجمعة الأخرى" ، قال البيهقي: رواته كلهم ثقات ، وجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استحب التبكير وندَب إلى الصلاة إلى أن يخرج الإمام، حث على الصلاة إلى أن يخرج الإمام على المنبر، فدل ذلك على جواز فعل الصلاة في نصف النهار، إذ لو كان ممنوعاً منه لما مدَّ الإذن في الصلاة إلى خروج الإمام، فدل ذلك على أن هذا الوقت بالذات مستثنى، بل قال الصنعاني رحمه الله: (أيّد ذلك فعل الصحابة) ، الصحابة كانوا لا يمتنعون عن الصلاة في هذا الوقت.
بذلك ينتهي هذا الفصل
وأفضل الأوقات لتأدية الصلاة هو أول وقتها فقد سئل النبي
- صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الأعمال قال:" الصلاة في أول وقتها " يستثنى من ذلك الظهر عند شدة الحر فقد قال - عليه الصلاة والسلام - :" أبرِدوا بالصلاة عند شدة الحر " أبردوا بالظهر عند شدة الحر، وجاء أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخَّر صلاة العشاء إلى أن ذهب ثلث الليل الأول وقال - عليه الصلاة والسلام - :" إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي فدل ذلك على أن أفضل وقت العشاء هو بعد أن يذهب ثلث الليل الأول، من متى يُحسب الليل؟ من المغرب إلى أن يذهب ثلث الليل يكون هذا الوقت أفضل أوقات صلاة العشاء ( هذا في حال أنه كان معذوراً مثلاً أو بالنسبة للنساء في البيوت أو كانت الصلاة في المسجد جماعة لا تشق على أهل القرية أو أهل الحي واتفقوا على يؤخروها إلى ثلث الليل، كل هذا يدخل في الفضيلة أما إذا كانت صلاة الجماعة تقام بعد العشاء مباشرة فواجب أن يحضر صلاة العشاء في المسجد ويصليها في أول وقتها)
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 11:42   #12
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس الثاني عشر]

[المجلس الثاني عشر]




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، هذا الدرس الثاني عشر من دروس شرح الدرر البهية.
قال المؤلف رحمه الله: باب الأذان
الأذان في اللغة هو الإعلان، وفي الشرع : الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظٍ مخصوصة .
قال المؤلف رحمه الله:((يُشرع لأهل كل بلد أن يتخذوا مؤذناً))
يُشرع أي يُسن لهم ذلك، قال - عليه الصلاة والسلام - لعثمان بن أبي العاص:" واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرا".
وهل الأذان واجب أم مستحب؟
فيه خلاف، والظاهر أنه واجب وجوب كفائي، ونحن علمنا ما معنى الواجب الكفائي؟ هو الذي يُنظر فيه إلى الفعل لا الفاعل، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فالأذان واجب كفائي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به في عدة أحاديث، منها حديث مالك بن الحويرث في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ولصاحبه عندما أرادا الرجوع إلى أهلهم، قال:" ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلِّموهم ومروهم وذكر أشياء ثم قال: وصلّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم " فهنا الشاهد في الحديث قوله:"فليؤذن لكم أحدكم" فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأذان (هما كانا مسافرين)، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - إذا غزا غزوة ومر بقومٍ ولم يعلم أَهُمْ مسلمون أم ليسوا بمسلمين انتظر وقت الصلاة فإذا سمع النداء لم يغزهم وإن لم يسمع غزاهم، فالأذان إذاً شعيرة من شعائر الإسلام واجبة في الحضر والسفر، ولكن الصحيح أن هذا الوجوب وجوب كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين فلم يكن - صلى الله عليه وسلم - يأمر من كان معذوراً وصلى في بيته، لم يكن - صلى الله عليه وسلم - يأمره بالأذان ولم يأمر به أيضاً النساء، ولا من صلى في بيته عموماً، وأيضاً قال - صلى الله عليه وسلم - :" فليؤذِّن لكما أحدكما"واحد والآخر لا يؤذن، إذاً فهو وجوب كفائي وليس واجباً عينياً .
قال المؤلف رحمه الله:((ينادي بألفاظ الأذان المشروع عند دخول وقت الصلاة))
فالأذان إعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة التي هي الصلوات الخمس، وأجمع أهل العلم على أن الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس، وقال الإمام الشافعي في (..) : لا أذان ولا إقامة لغير المكتوبة ، وهذا قول جمهور علماء الإسلام، ويكون النداء بالألفاظ الواردة في الأحاديث الصحيحة لأنه تعبدي والعبادات لا تقام إلا كما وردت.
جاءت في الأحاديث اختلاف في بعض ألفاظها وهو من اختلاف التنوع أي أنه يجوز أن تعمل بكل ما صح في الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ألفاظ الأذان فجاء بتثنية التكبير وتربيع الشهادتين وبقية الأذان مثنى مثنى ، وجاء بتربيع التكبير الأول والشهادتين وتثنية باقي الأذان، فالصور مذكورة في مواضعها في الصحيحين وفي سنن أبي داود وغيرها.
قال المؤلف رحمه:((ويُشرع للسامع أن يتابع المؤذن))هذا لحديث أبي سعيد في الصحيحين قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :" إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن" هذا الحديث ماذا يقتضي؟ يقتضي أنك تقول عند قول المؤذن :(حي على الصلاة حي على الفلاح)أن تقول ماذا؟ حي على الصلاة حي على الفلاح، وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص:" إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة" أخرجه مسلم ، وعن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :"إذا قال المؤذن : الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر ، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله..إلخ الحديث إلى أن قال: فإذا قال: حي الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح ، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إلى أن قال: إذا قال ذلك من قلبه دخل الجنة " فهنا هذا الحديث يدل على أن السامع يقول إذا قال المؤذن : حي على الصلاة حي على الفلاح يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فاختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين حديث عمر بن الخطاب وحديث أبي سعيد المتقدم، بعضهم قال: أحدها مجمل والآخر مفسر والصحيح والله أعلم أن هذا جائز وهذا جائز وهو من اختلاف التنوع أي تقول هذا أحياناً وتقول الآخر أحياناً أخرى. وجاء عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال :" من قال حين يسمع النداء : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً غُفر له ذنبه" هذا ذِكرٌ آخر. وفي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال:"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة " وهذه الأحاديث كلها في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم فهذه السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يجوز الزيادة على ألفاظ الأذان بشيء من هذه الأذكار أو غيرها ، لفظ الأذان ينتهي إلى قول: لا إله إلا الله، أما الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه الأذكار فإنما تُذكر بعد الأذان ولا تُلحق بالأذان كما يفعل الناس عندنا اليوم.
ثم قال المؤلف رحمه الله:((ثم تُشرع الإقامة على الصفة الواردة)) كذلك الإقامة حكمها الوجوب الكفائي وأما صفتها فتصح بكل صفة وردت في السنة، جاء في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالاً أن يشفع الأذن ويوتر الإقامة إلا الإقام (يوتر الإقامة إلا قوله: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة اجعلها اثنتين) ، ولا يُشترط الوضوء للأذان على الصحيح من أقوال أهل العلم لعدم ورود دليل في ذلك ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يذكر الله على كل أحيانه، ويجوز أن يؤذن شخص ويقيم آخر فالحديث الوارد في أن الذي يؤذن هو الذي يقيم ضعيف لا يصح، والكلام في الأذان لا يفسده لعدم الدليل على أن الكلام مؤثر في صحة الأذان، ويكون الأذان من الصبي المميز ومن غيره لأن الصبي المميز تصح صلاته ومَن صحَّت صلاته صح أذانه كذلك ولا يوجد ما يمنع من الناحية الشرعية.
هذا ما يتعلق بالأذان

قال المؤلف رحمه الله: باب شروط الصلاة

الشرط عرَّفنا معناه في دروس أصول الفقه وذكرنا أنه في اللغة هو العلامة، وأما في الاصطلاح فما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود كالوضوء للصلاة، الوضوء للصلاة إذا عُدم الوضوء عُدمت الصلاة، بطلت الصلاة، أما إذا وُجد الوضوء لا يلزم أن توجد الصلاة، ممكن أن تتوضأ ولا تصلي لكن إذا بطُل الوضوء بطلت الصلاة، فالشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود، والفرق بينه وبين الركن أن الركن جزء من حقيقة الشيء، جزء أساسي في تركيبة الشيء، أما الشرط لا، خارج عن الشيء وليس جزءًا منه، يعني الوضوء الآن هل هو من أفعال الصلاة ؟ لا، لكن إذا بطل بطلت الصلاة، هذا هو ضابط الشرط، الركن لا، هو جزء من الصلاة كالركوع مثلاً جزءٌ من الصلاة، إذا لم تركع بطلت الصلاة لأنك أنت لم تأتِ بحقيقتها الشرعية، فالحقيقة الشرعية لا توجد إلا بوجود الأركان (الأساسات هذه)، فعلى ذلك ما سيذكره المؤلف رحمه الله هي شروطٌ للصلاة بمعنى أنها يجب أن تتحقق عند الصلاة وإلا كانت سبباً في بطلانها، هذا هو المفروض أن يكون .

قال المؤلف رحمه الله:(( ويجب على المصلي تطهير ثوبه وبدنه ومكانه من النجاسة))

ثلاثة أشياء يجب أن يطهرها من النجاسة قبل أن يبدأ بالصلاة، أن يطهر ثوبه الذي سيصلي فيه، وبدنه أيضاً، ومكانه الذي سيصلي فيه، يطهرها كلها من النجاسة ، قال المؤلف:((ويجب على المصلي)) إذاً هذه واجبات، والعلماء يطلقون الواجب ويكون واجباً لكن من الواجبات عندهم ما هي شروط، ومن الواجبات مَنْ ليست بشروط، مقتضى كلام المؤلف الآن أن هذه الواجبات واجبات شروط لأنه عندما بوَّب قال: باب شروط الصلاة ، ثم قال: ويجب على المصلي تطهير ثوبه وبدنه ومكانه من النجاسة، إذاً فهذه واجبات شروط، أما الوجوب فمُسَلَّم، وجوب طهارة الثوب والمكان والبدن عند إرادة الصلاة هذا مسلَّم صحيح وأما الشرطية فلا،كما سيأتي، دليل وجوب طهارة الثوب لقول الله تعالى { وثيابك فطهر }على أحد التفاسير، وكذلك كل دليل ورد في إزالة القذارة عن الثوب أو غسل الثوب أو ما شابه من هذه الأدلة كحديث مثلاً : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في نعليه ثم جاءه جبريل وأخبره أن في نعليه أذىً فخلع النبي - صلى الله عليه وسلم - نعليه وهو في الصلاة فدل ذلك على وجوب التنظف من النجاسة وأنت في الصلاة، وكذلك أيضاً أَمْر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحائض التي أصاب ثوبها دمٌ، أمرها بغسله ثم الصلاة فيه، هذا أيضاً يدل على وجوب غسل النجاسة من الثوب الذي ستصلي فيه، وأما البدن فأدلة الوجوب كل ما ورد في الاستنجاء والاستجمار وأيضاً حديث الرجل الذي يعذب في قبره وما يعذب في كبير، كان لا يستنزه من البول، هذه كلها تدل على وجوب تنظيف البدن من النجاسات، وأما وجوب نظافة المكان فلحديث بول الأعرابي في المسجد الذي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بسكب الماء عليه لتنظيفه فهذه كلها تدل على الوجوب لكن الشرطية أمر زائد عن الوجوب لا يثبت فقط للأوامر إنما يحتاج إلى أمر زائد، ما هو هذا الأمر الزائد؟ الأمر الزائد أو كيفية إثبات الشرطية، كيف نثبت أن هذا العمل أو الفعل شرط؟ إما بنفي القبول، يعني لا بد أن يوجد عندنا دليل يدل على أن المشروط يُعدم بعدم الشرط وذلك بنفي القبول كقوله - صلى الله عليه وسلم - :" لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" الأصل في نفي القبول أنه للشرطية، يدل على الشرطية إلا إذا وُجدت قرينة أو دليل يصرفه عن هذا الأمر. أو بنفي ذات العبادة كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلاً:" لا صلاة بغير وضوء" لا صلاة، الصلاة منفية، ومثلاً لو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا صلاة لمن صلى في مكان متنجس مثلاً، هنا يثبت عندنا أن تنظيف المكان من النجاسة شرط، لكن لم يرد حديث كهذا طبعاً لكن فيه نفي الصلاة، لا صلاة، فإذاً نفي القبول أو نفي ذات العبادة أو أن يرد نهي عائد إلى ذات العبادة أو إلى (..) إلى ذات العبادة أو إلى شرط من شروطها كما سيأتي إن شاء الله تفصيله في موضعه، أو إجماع يدل على الشرطية، أو أن ينعقد إجماع من قبل العلماء على أن هذا الشيء شرط في هذه العبادة، وهذا الباب (الي هي إزالة النجاسات) ليس فيها إجماع، الخلاف فيها قائم، فإذاً، إثبات الشرطية بمثل هذا لا تصح، فنقول بالوجوب ولا نقول بالشرطية، بل حديث أبي سعيد المتقدم يدل على عدم الشرطية من أين؟ من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بنعليه وفيهما نجاسة فلو كان تنظيف الثياب من النجاسات شرط لبطلت صلاته وأعادها حتى لو كانت في حال النسيان أو عدم العلم .
وهذا الذي ذكرناه من أن هذه الأمور ليست شرطاً في صحة الصلاة وإن كان واجباً على العبد أن يتنظف منها هو قول المالكية، المالكية ذهبوا إلى ما ذكرناه هنا، والفرق بين الوجوب والشرطية إذا قلنا واجب وترك الشخص النجاسة في مكانه أو على بدنه أو في ثيابه عامداً يأثم ولا تبطل صلاته، أما إذا قلنا شرط فتبطل صلاته مع الإثم، هذا هو الفرق بين القول بالوجوب والقول بالشرطية .
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله

أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 11:42   #13
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس الثالث عشر]

[المجلس الثالث عشر]


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد
درسنا اليوم هو الدرس الثالث عشر من دروس شرح الدرر البهية
قال المؤلف رحمه الله:((وستر عورته ))
يعني من شروط الصلاة ستر العورة، العورة لغة مأخوذة من العَوَر وهو النقص والعيب، وسمِّيت بذلك لقبح ظهورها، ولغض الأبصار عنها.
وشرعاً: ما يُطلب ستره، اتفق العلماء على أن الفرج يعني القُبُل والدبر عورة، قاله ابن حزم في مراتب الإجماع، فانتهينا من هذا الموضوع، يبقى عندنا من السرة إلى الركبة، القبل والدبر يعني السوءتان، الآن القضية الأوسع وهي من السرة إلى الركبة، اختلفوا فيها بالنسبة للرجل هل هي عورة أم لا؟ فالذين قالوا
: ما بين السرة والركبة عورة احتجوا بحديث ابن عباس وجَرْهَد ومحمد بن جحش وغيرهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" الفخذ عورةوفي رواية" إن الفخذين عورة"، وفي رواية" ما بين السرة والركبة عورة"، الحديث الذي يدل على أن ما بين السرة والركبة عورة هو ما بين السرة والركبة عورة" وهذا الحديث ضعيف، منتهي أمره، بقي الآن حكم الفخذين الذي ثبت أنه عورة بحديث " الفخذ عورة" والحديث صحيح، فالركبة والسرة نفسها بعدما ضعَّفنا الحديث السابق ليستا بعورة، بقي الآن الفخذان، جاء حديث آخر خالف الحديث الذي بين أيدينا وهو حديث أنس متفق عليه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان راكباً وكذا أنس وأبو طلحة فحسر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن فخذه، قال أنس :" حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - " الاستدلال في هذا الحديث من أي ناحية؟ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسر عن فخذه يعني كشف عن فخذه وأن أنس كان ينظر إلى بياض فخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ، ولو كانت عورة لما جاز له أن ينظر . وروت عائشة وغيرها في الصحيح وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان جالساً وهو كاشف عن فخذه فدخل أبو بكر وهو جالس ودخل عمر وهو جالس ودخل عثمان، فلما دخل عثمان غطى - صلى الله عليه وسلم - فخذه، فلما راجعته عائشة بذلك قال:"ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟" فالشاهد أنه كان كاشف عن فخذيه أمام الصحابة، فاختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث، قال الإمام البخاري رحمه الله في الصحيح : حديث أنس أَسند، وحديث جرهد أحوط، حتى يُخرَج من اختلافهم ، حديث أنس أسند(أقوى في الصحة)، حديث جرهد أحوط(لمن أراد الورع هو أحوط) لكن ما الحكم الشرعي الذي يترجح عندي ورأيتها أفضل طريقة في الجمع بين الأحاديث؟ هو أن تقسَّم العورة إلى قسمين: عورة مغلظة وعورة مخففة، العورة المغلظة هي التي يحرم كشفها والنظر إليها وهي السوءتان، وعورة مخففة يُكره كشفها والنظر إليها وهما الفخذان، هذه أفضل طريقة للجمع بين الأحاديث وبذلك نكون قد عملنا بجميع الأحاديث الواردة في هذا الباب.
وأما عورة المرأة فجميع بدنها ما عدا الوجه والكفين، وهذا قول مالك والشافعي ورواية أيضاً عن أحمد، بل قول جمهور علماء الإسلام، وفي رواية عن أحمد أن المرأة كلها عورة، والاختلاف في ذلك، في كون الوجه والكفين من العورة أم لا سببه الاختلاف في فهم قول الله تبارك وتعالى { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } [ النور/31]هل الاستثناء ها هنا يعود إلى الوجه والكفين أم يعود إلى ما ظهر من الثياب؟ كما هو قول عبد الله بن مسعود وجمهور علماء الإسلام ذهبوا إلى ما ذهب إليه ابن عباس وابن عمر وغيرهم من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ويستدل العلماء على ذلك بأنه لو كان الوجه والكفان عورة لما نهي عن لبس القفازين والنقاب في الحج، فيستدلون بهذا على جواز كشف الوجه والكفين في الحج، يؤكد هذا الفهم أيضاً حديث الخثعمية، الحديث يذكر أن الفضل كان خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج فجاءت امرأة خثعمية فأخذ ينظر إليها وتنظر إليه، فهذا يدل على أنها كانت كاشفة وجهها وكان ينظر إلى وجهها فأزاح النبي - صلى الله عليه وسلم - وجهه عنها.وكذلك حديث أنس كان يذكر حديثاً عندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :إن النساء ناقصات عقل ودين ...إلخ الحديث ، فقال أنس: قامت امرأة سفعاء الخدين (سفعاء الخدين يعني في خديها سواد)، كيف رآى أنس هذا ؟ هذا هو الذي يظهر والله أعلم جواز كشف الوجه والكفين وإن كان الأفضل والأستر والأحسن أن يغطى كل ذلك .
وأما القدمان فذهب بعض أهل العلم أيضاً إلى أنهما ليستا عورة، ولكن الصحيح أن القدمان عورة والدليل قول النبي
- صلى الله عليه وسلم - :" من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، قالت أم سلمة :فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال:"يرخين شبراًفقالت: إذاً تنكشف أقدامهنّ، قال:" فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليهفأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإرخاء الثوب على القدمين كي لا تنكشف مع أن جر الذيل كان منهياً عنه.
ثم بعد ذلك هل ستر العورة التي قررناها آنفاً واجب أم شرط؟ اختلف أهل العلم في ذلك والراجح أنه واجب وليس شرطاً، ودليل الوجوب قول الله تبارك وتعالى {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } [ الأعراف/31]قال غير واحد من السلف : هو ستر العورة، وسبب نزول الآية يدل على ذلك، ودليل عدم الشرطية حديث عمرو بن سلمة أنه أَمَّ بقوم وهو صغير فكانت تنكشف عورته، حتى قالت امرأة: غطوا عنا عورة إمامكم، فاشتروا له ثوباً جديداً، فقال: ما فرحت بشيء فرحي بذاك الثوب، فلو كانت تغطية العورة شرط في صحة الصلاة لبطلت صلاة الإمام، فالظاهر والله أعلم عدم الشرطية، وأما الحديث أيضاً الذي يستدلون به في حق النساء" لا صلاة لحائض إلا بخمار " فهو حديث ضعيف لا يصح ولا يعوَّل عليه .

قال المؤلف رحمه الله:(( ولا يَشتَمِل الصمَّاء. ولا يَسْدُل .ولا يُسْبِل .ولا يَكفِتُ. ولا يصلي في ثوب حرير. ولا في ثوب شهرة. ولا مغصوب))
جاء في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن اشتمال الصماء، اشتمال الصماء أن يأخذ الثوب ويلف نفسه به، لا يخرج يديه منه، فإذا تحرك أو أراد أخذ شيء ظهرت عورته، يعني ثوب واحد يلف نفسه به، سمي الصماء لأنه لا منفذ لها، مغلقة، وهذا مظنة لكشف العورة لذلك نهي عنه، وأما السدل فقد أخرج أبو داود وغيره عن أبي هريرة عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن السدل في الصلاة وهو حديث ضعيف، والسدل هو أن يرسل الثوب حتى يصيب الأرض فإذا كان هذا المعنى- هذا أحد المعاني التي ذكروها- إذا كان هذا المعنى فهو يدخل في ضمن النهي عن الإسبال، وقال بعضهم : هو أن يرسل طرفي الثوب ولا يضمهما، يعني يرتدي ثوبه ويتركه هكذا فتنكشف عورته وينكشف بطنه بسبب الإرسال ولا يأخذ بجانبيه هكذا، لا يغلقه-هذا المعنى الآخر للإسدال-، فإذا كان هذا المعنى فالنهي لستر العورة، وأما الإسبال فهو أن يرخي إزاره أو ثوبه حتى يجاوز الكعبين وهذا صح فيه النهي في الصلاة وفي غيرها فقال - صلى الله عليه وسلم - :" ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" هذا أحد الأحاديث، وأحاديث النهي عن الإسبال كثيرة، وأما كَفْت الثوب والشعر في الصلاة فقد صح النهي عنه في الصحيحين، عن ابن عباس قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم .. إلى أن قال: ولا نكفت الثياب والشعر" وكفت الثوب هو أن يأخذ طرف الثوب ويرفعه إلى الأعلى أو يقلبه قلباً أو يشمر أكمامه، هذا كله داخل في ضمن كفت الثوب، وأما كفت الشعر فأن يأخذ خصلة مرخية مسبلة من الشعر فيكفتها إلى الأعلى فيربطها بخيط أو غيره، ولا يجوز للرجل أن يصلي في ثوب الحرير لأنه منهي عن لبس الحرير، للنهي العام الذي جاء أن الرجل لا يلبس الحرير، ولا يجوز لبس ثوب الشهرة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة"رواه أبو داود وغيره، وثوب الشهرة هو الثوب يشتهر به بين الناس، هذا ثوب الشهرة، يكون مشهوراً به بين الناس إما بلونه أو بصفته، المهم أنه إذا لبس هذا الثوب وخرج أمام الناس كان مميزاً ومعروفاً بين الناس بهذا اللباس، هذا هو لبس الشهرة، وكذلك لا يجوز للمصلي أن يصلي في ثوب مغصوب، لماذا؟ لأن الثوب المغصوب ليس ملكاً له وإنما هو ملك لصاحبه، ومال المسلم لا يجوز استعماله إلا بإذنه، والغصب هو أخذ مال الغير قهراً أو عدواناً بغير وجه حق، ولكن، كل ما ذكر المؤلف هنا لا يعتبر من شروط الصلاة على الصحيح لأن منها ما يتعلق بستر العورة فيكون حكمه راجع إلى ما قررناه في مسألة ستر العورة، كالنهي عن اشتمال الصماء والسدل وغيره، ومنه ما لا يختص بالصلاة وهذا لا يبطلها فلا يعتبر من شروطها، مثل لبس الحرير والإسبال والغصب،ومنها ما لا يختص بالصلاة، فهذا لا يبطلها إذا فُعل كلبس الحرير والإسبال والغصب كما ذكرنا، منها ما يختص بالصلاة، كالكفت، ولكن أجمع العلماء على أن المرء إذا صلى كافتاً شعره أو ثوبه أن صلاته صحيحه، وما نُقل البطلان إلا عن الحسن البصري فقط، ابن جرير الطبري أطلق الإجماع مطلقاً أما ابن المنذر هو الذي استثنى الحسن البصري في ذلك، وصح عن ابن مسعود أنه رآى رجلاً يصلي وهو عاقِصٌ شعره فلم يأمره بإعادة الصلاة ونهاه عن ذلك.
قال المؤلف رحمه الله:((وعليه استقبال عين الكعبة إن كان مشاهداً لها أو في حكم المشاهد. وغير المشاهد يستقبل الجهة بعد التحري))
اتفق العلماء على أن التوجه نحو البيت شرط من شروط صحة الصلاة وهذا محل اتفاق، إذا كان المصلي يرى البيت فالفرض عليه التوجه إلى عين البيت، لا خلاف بينهم في ذلك، إذا كنت ترى الكعبة أمامك فالواجب عليك أن تتجه إلى الكعبة مباشرة، هذا محل اتفاق لا خلاف فيه، الخلاف حاصل في شخص لا يرى عين الكعبة، هل الواجب عليه أن يستقبل العين أم الواجب عليه أن يستقبل الجهة فقط؟ هنا حصل النزاع بين أهل العلم والراجح من ذلك أن الواجب عليه أن يتحرى فقط الجهة لا العين، والدليل على أن الواجب هو التوجه إلى الجهة عند عدم رؤية الكعبة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"ما بين المشرق والمغرب قبلة" فهذا يدل على أن المقصود هي الجهة، وأيضاً إلزام الناس بالتوجه إلى عين الكعبة فيه من الحرج ما فيه، هذا يحتاج إلى مهندسين وبورصات ودقِّق وكذا ووجِّه، يعني أمر فيه من العسر ما فيه، والحرج مرفوع عن الأمة كما قال الله سبحانه وتعالى { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [ الحج/78]، فإذاً حقيقة شروط الصلاة هي: الإسلام، العقل، التمييز، دخول الوقت، استقبال القبلة، الوضوء، النية.
__ الإسلام: فلا يُقبل من كافر صلاة حتى يدخل في الإسلام.
__ العقل: المجنون لا يصح منه قصد الطاعة .
__ والتمييز : كذلك كالمجنون ، غير المميز كالمجنون لا تصح منه طاعة .
__ دخول الوقت: شرط من شروط صحة الصلاة وقد تقدم معنا.
__ استقبال القبلة: بالاتفاق.
__ الوضوء: حديث " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" وكذلك" لا صلاة بغير طهور".
__ النية: حديث "إنما الأعمال بالنيات"
نكتفي بهذا القدر.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 11:43   #14
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس الرابع عشر]

[المجلس الرابع عشر]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، هذا الدرس الرابع عشر من دروس شرح الدرر البهية.
انتهينا في الدرس الأخير من ذكر شروط الصلاة فذكرنا الإسلام والعقل والتمييز ودخول الوقت واستقبال القبلة والوضوء والنية.
قال المؤلف رحمه الله : باب كيفية الصلاة
((لا تكون شرعية إلا بالنية))أي الصلاة لا تكون عبادة وقربة إلا مع النية لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" هذا الحديث أصلٌ، تأخذه في اعتبار النية في كل العبادات، فهذا الحديث يدل على أن العبادة لا بد أن تكون قربة إلى الله سبحانه وتعالى كي تكون العبادة عبادة صحيحة وكذلك يبيِّن لنا أن النية تفرِّق ما بين العبادات التي هي القُرَب وما بين العادات، كالغسل مثلاً عندما تدخل وتغتسل ، هذا الغسل ربما يكون قربة لله تبارك وتعالى وربما يكون عادة، تؤجر عليه ولا تؤجر، فإن كان قربة لله تبارك وتعالى وكانت نيتك مثلاً رفع الحدث أو غسل جمعة مثلاً أو غير ذلك من الأغسال الشرعية تؤجر على غسلك هذا، أما إذا كان الغسل للتبرد، كنت قد أصابتك حرارة فدخلت إلى الحمام واغتسلت غسل تبرد، مثل هذا ليس بعبادة، فـ النيات تكون فارقة ما بين العبادات والعادات لذلك قال غير واحد من أهل العلم: هذا الحديث هو ثلث الإسلام، فهو حديث عظيم يدلنا على أن كل عبادة من العبادات لا تكون قربة وعبادة عند الله سبحانه وتعالى إلا بوجود النية لذلك.
وقال رحمه الله:((وأركانها كلها مفترضة إلا قعود التشهد الأوسط والاستراحة))
علِمنا نحن ما هو الركن، الركن هو أساس في العبادة، فإذا لم يوجد انتفت العبادة، إذاً فلا بد من الركن أن يكون موجوداً، تركيبة العبادة تتركب من هذه الأركان، فإذا انتفى ركن من أركانها انتفت العبادة، لم تعد موجودة، لا تنفع .
أركان الصلاة:
__ القيام في الفريضة للقادر، أما في النافلة فالقيام سنة، مستحب وليس بركن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"صلاة القاعد على النصف من صلاة القائمفهذا يدل على أن صلاة النافلة تجوز جالساً ولكن أجرها على النصف من أجر صلاة القائم، هذا في النافلة، قلنا: القيام في الفريضة للقادر ركن، القادر على القيام، شخص مريض لا يقدر على القيام، ماذا يفعل؟ يصلي جالساً ويسقط عنه هذا الركن، الله سبحانه وتعالى يقول { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن/16] وقال أيضاً لمن كان به مرض وأظنه عمران بن حصين، قال:"صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنبإذاً دل على أن الركن هو ركن ولا تصح العبادة إلا به إلا في حال عدم القدرة عليه يسقط وتصح الصلاة أو العبادة من غيره، فإذاً الركن الأول عندنا هو القيام في الفريضة للقادر عليه.
__ الركن الثاني : تكبيرة الإحرام وهي التكبيرة التي تدخل الصلاة بها، أول تكبيرة، تقول: الله أكبر تدخل في الصلاة.
__ ثالثاً : قراءة الفاتحة في كل ركعة، قراءة الفاتحة في كل ركعة أيضاً تعتبر ركناً وليست فقط في الركعة الأولى وإنما في كل ركعة ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء في صلاته:" وافعل ذلك في صلاتك كلها " بعد أن علَّمه كيفية الصلاة، وسيأتي إن شاء الله .
__ رابعاً: الركوع في كل ركعة ، الركوع في كل ركعة يعتبر ركناً.
__ خامساً : الرفع من الركوع والاعتدال قائماً منه، أيضاً هذا يعتبر ركناً .
__ سادساً: السجود الأول والثاني ، في كل ركعة .
__ سابعاً: الجلوس بين السجدتين .
__ ثامناً : الطمأنينة في جميع الأركان.
ما هو ضابط هذه الطمأنينة؟
ضبطها أهل العلم بقولهم: بأن يكون بين الخفض والرفع فاصل أو راحة قليلة تكون فارقة ما بين الخفض والرفع، يعني أن تنخفض تماماً حتى ينتهي خفضك ثم بعد ذلك تبدأ بالرفع، هذا يعتبر أقل شيء في الاطمئنان .
__ والركن الأخير: ترتيب هذه الأركان على ما بيَّناه، والخلاف قوي في التشهد الأخير والجلوس له والتسليم، الخلاف فيها قوي لكن الراجح عندي أنها ليست أركاناً.

وأما دليل هذه الأركان فحديث المسيء في صلاته، هذه التسمية، حديث المسيء صلاته أو المسيء في صلاته، هذه التسمية تسمية فقهية، الفقهاء هم الذين سموا هذا الحديث بهذه التسمية، ما هو هذا الحديث؟ هذا الحديث حديث أبي هريرة في الصحيحين، وورد أيضاً في حديث رفاعة في خارج الصحيحين، نحن نعتمد حديث أبي هريرة الآن وهو في الصحيحين وهو أصح من حديث رفاعة ، قال أبو هريرة: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد فدخل رجلٌ فصلى ثم جاء فسلَّم(دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجد وجلس ثم دخل رجلٌ وصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ، لاحظ هنا السلام جاء بعد الصلاة لا قبلها وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك) فرد رسول الله -صلى الله عليه وسلم - السلام، قال: "ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ" نفى له النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاته من الأصل فصلاته باطلة التي كان يصليها ، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، يعني نفس الصلاة الأولى، ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسلم عليه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :"وعليكَ السلام" ثم قال:"ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّحتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أُحسن غير هذا، علِّمني، قال:" إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً"وفي رواية:" حتى تستوي قائماً"،" ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" وفي رواية في الصحيحين:" إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبِّر" وفي رواية عند البخاري" ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً" وحديث المسيء صلاته هذا، يدل على وجوب ما ذُكر فيه، كل ما ذكر فيه يدل على أنه واجب لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يفعل في صلاته ما ذكره له فيه، ويدل أيضاً على أن ما لم يُذكر فيه ليس بواجب (في الصلاة) لأن الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل، الذي يعلِّمه كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعريفٌ لواجبات الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها، والنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما علَّمه ذكر له ما أساء فيه وما لم يسئ فيه أيضاً، لم يذكر له فقط ما أساء فيه، ذكر له ما أساء فيه وما لم يسئ فيه، حتى ذكر له إسباغ الوضوء، وأما التشهد الأوسط وجلوس الاستراحة فمن سنن الصلاة لا من أركانها ولا فرق عندي بين أركان الصلاة وواجباتها وهو مذهب الشافعية، أما الحنابلة فيفرِّقون بين الأركان والواجبات، والصحيح عدم التفريق، والفرق بينهما عند من يفرِّق في حال ترْك العمل سهواً، في حال تركه عمداً عندهم لا فرق، إن تركتَ العمل عمداً فلا فرق بين أن يكون ركناً أو واجباً، تبطل الصلاة ، أما الفرق عندهم في السهو، الركن إن تركته سهواً تبطل الصلاة به وإن تركته عمداً تبطل الصلاة به، أما الواجب عندهم فإن تركته سهواً يُجبَر بسجدتي سهو فقط ولا يُبطِل الصلاة، هذا الفرق عند مَن فرَّق بين الركن والواجب .
قال رحمه الله:((ولا يجب من أذكارها إلا: التكبير. والفاتحة في كل ركعة.ولو كان مؤتماً.والتشهد الأخير.والتسليم.))
ولا يجب من أذكارها ، الأذكار التي تذكر في الصلاة كالتسبيح والقراءة والتسليم والتشهد والصلاة الإبراهيمية ..إلخ، هذه الأذكار التي تذكر في الصلاة ، يقول المؤلف: لا يجب من أذكارها إلا التكبير، المقصود بالتكبير: تكبيرة الإحرام، تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة فقد ذُكرت في حديث المسيء صلاته، وكذلك الفاتحة، والفاتحة ركنٌ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وقال - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته:"اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وما تيسر يبينه هذا الحديث أنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فينبغي أن يكون ما تيسر هو فاتحة الكتاب إلا أن يكون الشخص لا يحفظ فاتحة الكتاب ولا يقدر على حفظها عندئذ نقول له: ما تيسر عندك من محفوظاتك فاقرأه، وقراءة الفاتحة كما ذكرنا هي ركن تجب في كل ركعة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ذكر للمسيء صلاته بعد أن ذكر له أفعال الصلاة قال له:"افعل ذلك في صلاتك كلها"، إذاً هذه الأركان كما أن الركوع ركنٌ في جميع الصلاة، والسجود ركنٌ في جميع الصلاة فكذلك الفاتحة ركن في جميع الصلاة.
وأما في حال كون المصلي مأموماً في صلاةٍ جهرية فالصحيح أنه لا يقرأ، وتكون قراءة الإمام له قراءة لقول الله تبارك وتعالى { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } [ الأعراف/204] ، وهذه الآية في الصلاة كما ذكر غير واحدٍ من السلف، فالواجب على من سمع القرآن أن يسكت وأن يسمع فقط وتكون قراءة الإمام له قراءة فسماعه كقراءته، وأما الأحاديث التي يستدل بها المخالفون فضعيفة لا تصح، وأما التشهد الأخير فليس بواجب لأنه لم يُذكر في حديث المسيء صلاته ولو كان واجباً لذكره له فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - علَّم المسيء صلاته ما أساء فيه وما لم يسئ فيه، فلا دليل لمن يتعلق بهذا الأمر ويقول: لعله علَّمه ما أساء فيه فقط، لا هذا غلط، قد ذُكر في الحديث أشياء لم يُذكر أنه أساء فيها، منها إسباغ الوضوء مثلاً، لم يُذكر في الحديث أو لم يره حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أساء ولم يشر - صلى الله عليه وسلم - إلى أنه أساء في ذلك ، وأما التسليم فلم يُذكر في حديث المسيء الذي هو حديث أبي هريرة، وحديث علي الذي يتعلقون به" مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم" أصح طرقه وأحسنها الطريق التي يرويها ابن عقيل وابن عقيل الراجح ضعفه وأنه لا يُحتج به، وأما بقية الروايات الواردة فهي واهية جداً لا يعوَّل عليها فالحديث ضعيف .
قال المؤلف رحمه :((وما عدا ذلك فسُنن))ما عدا ذلك من الأقوال والأفعال كلها سنن لأنه لم يرد ما يدل على وجوبها ولم تُذكر في حديث المسيء صلاته.
قال رحمه الله:((وهي الرفع في المواضع الأربعة.والضم. والتوجه بعد التكبيرة. والتعوذ. والتأمين. وقراءة غير الفاتحة معها.والتشهد الأوسط. والأذكار الواردة في كل ركن. والاستكثار من الدعاء بخيري الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرد))
الرفع في المواضع الأربعة يعني رفع اليدين، والمواضع الأربعة هي :
__ الرفع عند تكبيرة الإحرام.
__ وعند الركوع.
__ وعند الاعتدال من الركوع.
__ وعند القيام إلى الركعة الثالثة.
هذه أربع مواضع وردت كلها في حديث ابن عمر في الصحيحين قال: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه - (أين المنكب؟ المنكب هو الذي يكون ما بين اليد والكتف ، الزاوية هذي هي المنكب) فكان يرفع يديه حذو منكبيه، قريب من منكبيه، هذه رواية، وجاءت رواية أخرى بأنه كان يرفع يديه حذو أذنيه، أو أطراف أذنيه، لكن لا يفعل كما يفعل بعض العامة عندنا،ما يبدأ حتى يمسك بشحمة أذنيه ثم يهز أذنيه، هذا خطأ ما أنزل الله به من سلطان، فقط يرفع يديه قريب من أذنيه، حذو أذنيه يعني بمحاذاتها بنفس المستوى، أو حذو المنكبين، كلاهما سنة وكلاهما صحيح وهو من اختلاف التنوع، كم نوع الاختلاف؟ الاختلاف ثلاثة أنواع :
__ اختلاف تنوع.
__ اختلاف تضاد.
__ اختلاف أفهام.
اختلاف تنوع وهي كالصورة التي ذكرناها الآن ، أن يرِد في العبادة أكثر من صورة، واردة تكون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكون صحيحة، هذا من اختلاف التنوع ، تفعل هذا تارة وتفعل هذا تارة لأنه كله من السنة، كذلك كما سيأتي أيضاً في أنواع التشهد وكذلك في أنواع الصلاة الإبراهيمية، وردت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من صيغة، كذلك دعاء الاستفتاح ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من صيغة، هذه كلها من اختلاف التنوع، تفعل هذا أحياناً وتفعل هذا أحياناً وكله يكون سنة.
أما اختلاف الأفهام فهو الاختلاف في فهم معنى الحديث، وهذا الاختلاف يكون داخلاً في باب الاجتهاد.
أما اختلاف التضاد وهو اختلاف يكون في أصل واختلاف مخالف لأدلة الكتاب والسنة وليس فقط خلافاً في الفهم، اختلاف تضاد، اختلاف متضارب تماماً .
هذا الذي ذكرناه هو من اختلاف التنوع .-
وكان يفعل ذلك حين يكبِّر للركوع ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود" هذا حديث ابن عمر، وأما الرفع في الموضع الرابع فجاء أيضاً في رواية لابن عمر عند البخاري قال:"وإذا قام من الركعتين رفع يديه" هذه المواضع الأربعة هي التي صحَّت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث فيها في رفع اليدين، وجاءت روايات أخرى كلها ضعيفة لا يصح منها شيء هذه هي التي صحت في رفع اليدين، ورفع اليدين بعد القيام من الركعتين يكون وأنت واقف وليس وأنت جالس لأن الحديث ورد :"وإذا قام من الركعتين رفع يديه" ، فيكون هذا بعد القيام لا قبله، وأما قوله:(والضم)أي وضع اليد اليمنى على اليسرى حال القيام، قال سهل بن سعد :" كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة"، رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصحيح، وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة، ولم يصح حديثٌ في موضع الوضع، هل هو على الصدر، على البطن، لم يصح في ذلك شيء، فالسنة أن تضع اليد اليمنى على اليسرى في صلاتك.
وأما قوله:(التوجُّه) المراد بالتوجه هنا دعاء الاستفتاح الذي يكون بعد تكبيرة الإحرام، قال المؤلف: والتوجه بعد التكبيرة، أي بعد تكبيرة الإحرام، فالظاهر أنه سمي توجهاً لأنه ورد في حديث في صحيح مسلم من صيغ دعاء الاستفتاح : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ، وردت فيه أذكار مختلفة وهي من اختلاف التنوع، تَذْكر هذا تارة وتذكر هذا تارة، ما في بأس في ذلك لكن أصح حديث ورد في ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الاستفتاح:" اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب..إلى آخر الحديث" هذا أصح حديث ذُكر في ذلك، وإذا أردتَ دعاءً قصيراً فلك أن تقول: "الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا"أخرجه مسلم في صحيحه. أو " الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه"، هذا صح أيضاً وهو في صحيح مسلم، إذاً الأدعية القصيرة : "الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا". أو "الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه"،كلاهما في صحيح مسلم ، ومثل هذا أُفَضِّل أن تأخذ حديثاً من الصحيحين وتعمل به، بما أنه وردت أحاديث في الصحيحين فلا تعزف عن الصحيحين إلى غيرهما، هذه نصيحة لك .
والتعوذ : أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قبل البسملة وقراءة الفاتحة ، ولم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظ خاص بالصلاة في التعوذ، أما الذي فيه : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ، فهذا الحديث ضعيف لا يصح، والذي ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير الصلاة صيغة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهي الواردة عن أكثر من واحد من السلف ذكر ذلك أصحاب المصنفات، والاستعاذة مستحبة عند القراءة فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ سورة الكوثر ولم يُذكر أنه استعاذ فيها، يدل ذلك على الاستحباب وتكون سراً لا جهراً، قال ابن قدامة رحمه الله: ولا خلاف في ذلك، لا خلاف في أنها تكون سراً لا جهراً .
والتأمين: أي قول: آمين آخر الفاتحة، قال - صلى الله عليه وسلم - :" إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا".
وقراءة غير الفاتحة معها، ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الركعتين الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب.
والتشهد الأوسط، ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -أنه تركه سهواً ولم يُذكر في حديث المسيء صلاته، فهذا يدل على أنه ليس من واجبات الصلاة ، وأصح ألفاظه حديث ابن مسعود المتفق عليه، قال النووي : هو أصح تشهد بالإجماع، ولفظه:"التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" وتكتفي بهذا في الثلاثية والرباعية،التشهد الأول تكتفي بهذا من غير ذكر الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لِما أخرجه البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمهم التشهد ثم قال لهم:"وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدعو الله" ولم يعلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرِد عنه أنه صلى على نفسه في هذا الموضع، وورد عنه أنه صلى على نفسه في التشهد الأخير، إذاً يبقى هذا على ما هو عليه، وورد حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على نفسه في التشهد الأول ولكنه ضعيف ، والأذكار الواردة في كل ركن منها تكبير الركوع والسجود والرفع والخفض وقول: سمع الله لمن حمده، وفي الركوع: سبحان ربي العظيم ، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، وبين السجدتين: رب اغفر لي رب اغفر لي، هذه كلها سنن. والاستكثار من الدعاء بخيري الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرِد لقوله - صلى الله عليه وسلم - :" أما الركوع فعظِّموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء" وقوله - صلى الله عليه وسلم - :" ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه" ولم يقيده النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يتخير مما ورد، وإنما قال:"يتخير من الدعاء أعجبه إليه" وهذا يشمل ما ورد وما لم يرد.
بهذا نكون قد انتهينا من كيفية الصلاة التي ذكرها المؤلف رحمه الله
وفي الدرس القادم نذكر المبطلات ونذكر صفة الصلاة كاملة بكل تفاصيلها إن شاء الله تبارك وتعالى
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 11:44   #15
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس الخامس عشر]

[المجلس الخامس عشر]


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، هذا الدرس الخامس عشر من دروس الدرر البهية.
قبل أن نبدأ بمبطلات الصلاة سنذكر صفة الصلاة كاملة كما جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
بعد أن يحقق المسلم شروط الصلاة من طهارة واستقبال للقبلة واستحضارٍ للنية، يبدأ بصلاته، عند دخول وقت صلاة الظهر مثلاً ، يتوجه إلى القبلة ويرفع يديه مكبراً: الله أكبر، الله أكبر هذه تكبيرة الإحرام، رفع اليدين يكون بحذاء الأذنين أو بحذاء المنكبين، إما أن ترفع يديك بهذه الصورة إلى المنكبين أو أن ترفع يديك بهذه الصورة إلى حذاء الأذنين، فتقول: الله أكبر، وجاء في البخاري وبوَّب عليها في صحيحه بأن الرفع يكون مع التكبير ، وهذا ذكر له حديثاً البخاري في صحيحه أن النبي-صلى الله عليه وسلم- عندما كبَّر رفع يديه "كان إذا كبّر رفع يديه" ، وجاء في صحيح مسلم رواية أنه كبّر ثم رفع يديه، هذه ماذا تقتضي؟ تقتضي أن رفع اليدين يكون بعد التكبير، وجاء في رواية أخرى عند مسلم أيضاً أنه رفع يديه ثم كبَّر، إذاً الصور الثلاثة جائزة وهو من اختلاف التنوع، فتكبِّر مع الرفع أو تكبر قبل الرفع أو تكبر بعد الرفع، كله جائز، وبعد أن تكبر تكبيرة الإحرام تضع اليد اليمنى على اليسرى، قد أضعها على الكف، قد أضعها على الذراع، لا بأس بذلك كله واسع، تضعها على الصدر من فوق، على أسفل الصدر، على أول البطن كله أيضاً واسع لا يصح في ذلك حديث يقيدك بشيء معيَّن، فتقول: الله أكبر وتضع اليد اليمنى على اليسرى ثم تبدأ بدعاء الاستفتاح، النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسكت سكتة في هذا الموضع فسئل عنه فذكر أنه يدعو دعاء الاستفتاح : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، ثم بعد ذلك تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وزيادة "من همزه ونفخه ونفثه" نعتقد ضعفها وعدم صحتها، فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم سراً، سواء كانت قراءتك جهراً أم سرا، تكون الاستعاذة سراً والبسملة أيضاً سراً فقد جاء في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبدأ القراءة بالحمد لله رب العالمين، فلم يذكروا الاستعاذة ولا البسملة لكنها كانت تُذكر بصوت خافت سراً، وذكر ابن قدامة رحمه الله في المغني أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن الاستعاذة تكون سراً، أما البسملة فحصل فيها خلافٌ، والصحيح إن شاء الله أنه جائز الإسرار بها وجائز أيضاً الجهر بها ولكن الجهر يكون قليلاً جداً، أكثر ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه بل حتى الخلفاء من بعده كانوا يسرون بها ولا يجهرون بها، ثم بعد ذلك تقرأ فاتحة الكتاب وهذا ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها، ثم تقرأ سورة قصيرة بعد ذلك ثم تركع، كيف يكون الركوع؟ الركوع يكون بأن تعمل مع نفسك زاوية قائمة، تستوي بظهرك وتجعل رأسك مساوياً لظهرك، لا تخفض رأسك كثيراً ولا ترفعه كثيراً، يكون بشكل مستوي، وظهرك كذلك لا يكون مرتفعاً ولا منخفضاً، بشكل مستوي، وتمكِّن يديك من ركبتيك ، لاحظ : الأقدام ناحية القبلة، الكفان متمكنتان من الركبتين، اليدين تكونان بشكل مقوس كي يستوي الظهر ثم رأسك يكون مستوياً لا إلى الأعلى ولا إلى الأسفل، بهذه الطريقة يكون الركوع صحيحاً، ثم بعد ذلك تقول في ركوعك ذكراً من الأذكار التي وردت في السنة، منها سبحان ربي العظيم أو سبوح قدوس رب الملائكة والروح وتنتقي من هذه الأذكار التي صحَّت في السنة ما تشاء، وتطمئن راكعاً ولا ترفع حتى تطمئن، وذكرنا أن الفاصل أقل شيء في الاطمئنان أن تفصل بين انخفاضك ورفعك وكلما زدت كلما كان أفضل، ثم بعد ذلك ترفع رأسك قائلاً: سمع الله لمن حمده، ويكون رفع يديك أيضاً كفعلك مع التكبير، إما مع التسميع أو قبله أو بعده لا بأس بذلك إن شاء الله، ثم بعد ذلك تقف قليلاً سمع الله لمن حمده وتقول: ربنا ولك الحمد أو اللهم ربنا لك الحمد، وردت هاتان اللفظتان في الصحيحين ، تقول: اللهم ربنا لك الحمد من غير واو، وتقول: ربنا ولك الحمد، بالواو من غير "اللهم"، ثم بعد ذلك تكبِّر وتسجد وسجودك سيكون بطريقة لا تكون منْظَماً إلى نفسك ومنكمش ولا تكون منفرجاً بشكل فيه تكلف، تكون بشكل معتدل لا تضم فخذيك إلى صدرك ولا تفتح نفسك بشكل ترهق نفسك في كيفية السجود ، فترفع يديك بهذه الطريقة فلا تضم مرفقيك إلى جنبيك، لا،تفرِّج بينهما، ترفع، هذا في حال أن لا يكون هناك أحد بجانبك، أي إذا لم تكن في صف من الصفوف تفرِّج ما بين يديك بالشكل هذا، توسع وتجعل أصابع يديك متجهة إلى القبلة ووضع يديك يكون إما بالقرب من أذنيك، حذو أذنيك أو حذو منكبيك، مع ضم قدميك من الخلف وإلصاقهما ببعضهما، ثم بعد ذلك ترفع من السجود وتجلس، تفترش الرجل اليسرى وتجلس عليها وتنصب الرجل اليمنى نصباً، ثم بعد ذلك تسجد كما سجدت في السجود الأول وتفعل في صلاتك كما فعلت في هذه الركعة، والجلوس الأوسط تجلس كما ذكرنا لك أو كما ثبت أيضاً في صحيح مسلم تجلس جلسة الإقعاء، وهذه الجلسة التي ثبتت عن ابن عباس هي أن تنصب قدميك نصباً وتجلس عليهما، هذه الجلسة بين السجدتين جائزة ورد ذلك عن النبي-صلى الله عليه وسلم- من حديث ابن عباس، تفعلها لا بأس ، أما جلسة الإقعاء المنهي عنها هي أن تنصب قدميك وتفتحهما وتجلس في وسطهما، وأما الجلسة الأخيرة فهي جلسة التورك وهي أن تنصب رجلك اليمنى وتُدخل رجلك اليسرى من تحت ساق الرجل اليمنى وتجلس على وركك، هذه الجلسة تسمى جلسة التورك، وأما الكفان فتوضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى وتوضع الكف اليسرى على الفخذ اليسرى أو على الركبة اليسرى، كلاهما قد وردت فيه سنة وهو صحيح، ثم بعد ذلك تضم الكف اليمنى وتشير بالسبابة إشارة، وأما حديث التحريك فهو ضعيف وكذلك حديث ثني الإصبع شيئاً قليلاً أيضاً هذا ضعيف لا يصح، يكون الإصبع منصوباً ولا يحرك، فالصلاة ليست موضعاً لكثرة الحركة بل هي موضع للسكون والخشوع، ثم بعد ذلك بالنسبة للتشهد الأول تذكر فيه:" التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"، هذا تشهد ابن مسعود وهو أصح تشهد وارد في الصلاة، ووردت أيضاً صيغ أخرى، ثم بعد ذلك إذا كان في التشهد الأخير يتشهد ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة التي ذكرناها ثم بعد ذلك يتعوذ بالدعاء الذي ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال وورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضاً أنه كان يقول:" اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من المأثم والمغرم" ، وله أن يدعو بما شاء بعد التشهد، وكذلك يدعو بما شاء وهو ساجد، وذلك مرَّ معنا في الدرس السابق، وأما السلام فيسلم عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره كذلك السلام عليكم ورحمة الله، قال العقيلي: في التسليمة الواحدة لا يصح فيها شيء ، وكذلك قال النووي رحمه الله: التسليمة الواحدة لا يصح فيها شيء لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم تسليمة واحدة في الصلاة لم يصح في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء ، وقال الترمذي رحمه الله: وأصح الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه التسليمتين وعليه أكثر أهل العلم ، والتسليمتان في صحيح مسلم ، واللفظ "السلام عليكم ورحمة الله" أخرجه أبو داود وغيره وقد أجمع أهل العلم على أن من سلَّم تسليمة واحدة أجزأه وصلاته صحيحة.
هذا ما أردنا أن نذكره في صفة الصلاة الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .


قال المؤلف رحمه الله: باب متى تبطل الصلاة وعمن تسقط


متى تبطل الصلاة فلا تكون مقبولة ويجب على فاعلها إعادتها؟ ومَن لا يلزمه أن يصلي
قال المؤلف : فصل
((وتبطل الصلاة بالكلام)) قال - صلى الله عليه وسلم - :" إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن " ، هذا ما يصلح في الصلاة أما كلام الناس فلا يصلح في الصلاة، فإذاً الذي يبطل الصلاة هو كلام الناس، وجاء في الصحيحين عن زيد بن أرقم قال:" كنا نتكلم في الصلاة، يُكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ } [ البقرة/238] ، فأُمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وأجمع علماء الإسلام على أن الكلام في الصلاة عمداً مع غير الإمام في إصلاح الصلاة ينقض الصلاة (يفسدها) بالاتفاق، وأما إن تكلم جاهلاً أو ناسياً فلا تبطل صلاته، فالحديث الأول الذي ذكرناه والذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - :" إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" حديث معاوية بن الحكم السلمي، تكلَّم في الصلاة، معاوية بن الحكم عندما تكلم في الصلاة قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الكلام، فتكلم في الصلاة لكنه كان جاهلاً أن الكلام في الصلاة يفسدها أو أنه محرم ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة الصلاة بعد أن علَّمه، يدل ذلك على أن المتكلم في صلاته إذا تكلم وهو جاهل، هذا معذور ولا يعيد الصلاة، وكذلك الناسي معذور لا يعيد صلاته لحديث ذي اليدين، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - نسي أن صلاته لم تتم فتكلم وهو ناسي فدل ذلك على أن الناسي لا يعيد صلاته. وكذلك الأكل والشرب في الصلاة عمداً يبطلها بالإجماع، وعلى من فعل ذلك عامداً، يعني مَن أكل أو شرب في الصلاة عامداً عليه أن يعيد صلاته، واختلف أهل العلم فيمن أكل أو شرب ناسياً والصحيح أن الأكل والشرب في الصلاة كالكلام لا فرق سوى إذا كان ناسياً فهو معذور، وكذلك الضحك بصوت وهو القهقهة يبطلها بالإجماع، يبطل الصلاة بالاتفاق فهو كالكلام ، وأما التبسم فلا يبطلها، التبسم الذي هو مبادئ الضحك لكن لا يكون فيه صوت.
قال المؤلف رحمه الله:((وبالاشتغال بما ليس منها)) أي تبطل الصلاة بأن تنشغل بما ليس منها مثل حياكة ثوب مثلاً، تخيط ثوب وأنت تصلي أو تعمل عمل نجارة أو تصلح باب، تصلح كرسي أو شيء من ذلك، أو حتى تمشي مشياً كثيراً في بيتك وأنت تصلي أو تلعب في جهاز الخلوي تبقى تقلب فيه وتغلق وتفتح وكذا بشكل كثير، كذلك هذا كله العبث الكثير، الحركة الكثيرة تبطل الصلاة لأن الشخص يكون فعل ما ينافي الصلاة في أصله. قال المؤلف:((وبترك شرط أو ركن عمداً)) تقدم معنا شروط الصلاة وأركانها، فمن ترك شرطاً أو ركناً عمداً من غير عذر فهذا صلاته باطلة، لأن الشرط كما هو معلوم يؤثر عدمه في عدم المشروط، إذا عُدم الشرط ولم يتحقق عُدمت الصلاة، فإذا عُدم الشرط فيما ذكرنا عُدمت الصلاة لأن الدليل دل على ذلك فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ" دل ذلك على أن الوضوء لا بد منه كي تصح الصلاة، وأما الركن فمعلوم هو جزء من حقيقة العبادة فإذا انتفى انتفت العبادة.
قال المؤلف رحمه الله: فصل
((ولا تجب على غير مكلف)) الصلاة لا تجب على غير مكلف فالصلاة واجبة على المسلم المكلف الذي هو البالغ العاقل، المسلم البالغ العاقل هو الذي تجب عليه الصلاة أما غير المكلف فلا تجب عليه الصلاة، الذي هو غير العاقل أو الذي لم يبلغ، أما غير المسلم فتجب عليه الصلاة ولكنها لا تصح منه إلا أن يأتي بالإسلام ، أما المجنون والصبي فقد ورد فيهم حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" رفع القلم عن ثلاث.. منهم المجنون والصبي حتى يفيق".
قال المؤلف رحمه الله:((وتسقط عمن عجز عن الإشارة)) يعني أنه عجز عن كل شيء لم يبقَ عنده إلا الإشارة يشير بها إشارة بالصلاة، فإذا عجز عن الإشارة سقطت عنه الصلاة لقول الله تبارك وتعالى { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن/16] وهذا لا يستطيع أن يفعل شيئاً من الصلاة فتسقط عنه الصلاة.
قال:((وعمن أغمي عليه حتى خرج وقتها)) شخص أغمي عليه في وقت العصر ولم يفق من إغمائه هذا إلا بعد دخول وقت العشاء فمثل هذا لا يكلف بصلاة المغرب لماذا؟ لأنه كالمجنون لا عقل له، فمثل هذا لا يكلف في وقت التكليف ما كان له عقل فهو غير مكلف، حاله كحال الشخص المجنون، جن بعد العصر ثم رجع إليه عقله بعد العشاء، هذا لا يكلف بصلاة المغرب، لأنه وقت التكليف لم يكن له عقل لم يكن مكلفاً فلا صلاة عليه.
قال رحمه الله:((ويصلي المريض قائماً ثم قاعداً ثم على جنب)) المريض الذي لا يستطيع القيام، الأصل في الصلاة أن تكون وأنت قائم القيام ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به، لكن إذا لم تستطع عليه لك أن تجلس فإذا لم تستطع جالساً فلك أن تصلي على جنب لحديث عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له:" صلِّ قائماً فإن لم تستطع فجالساً فإن لم تستطع فعلى جنب" وكذلك لقول الله تبارك وتعالى { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن/16] وقوله - صلى الله عليه وسلم - :" فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
بهذا يكون قد انتهى المؤلف رحمه الله من ذكر المبطلات .
ونذكر للفائدة:
__ ويُكره مس الحصى والاختصار في الصلاة( الاختصار هي أن تضع يدك على الخاصرة) ولا إعادة على من فعل ذلك .
__ ويُكره أن يصلي ناعساً خشية أن يذهب يستغفر فيسب نفسه كما جاء في الحديث.
__ وحديث النفس لا يفسد الصلاة ولكنه ينقص من أجرها فينبغي على المصلي أن يحرص على الاستحضار وعلى قطع حديث النفس، هذه الخواطر التي تخطر لك وأنت في الصلاة تحاول أن تقطعها كي تأخذ أجر صلاتك.
__ وإذا تثاءب في الصلاة أمسك على فمه، لأننا مأمورون بهذا لأن الشخص إذا تثاءب يضع يده على فمه ويغلق فمه، وأما حديث النهي عن تغطية الفم في الصلاة فهو حديث ضعيف لا يصح.
__ ولا يتنخم في الصلاة قِبَل وجهه ولا عن يمينه لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
__ ويقتل الحية والعقرب في الصلاة لإذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك .
__ وإذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة بدأ بالعشاء كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك كي لا يبقى فكره مشوشاً ويبقى يفكر في الطعام.
__ ويُكره أن يصلي وهو مشمر ثيابه أو عاقص لشعره، نقل ابن جرير الإجماع على أنه لو فعله أحد لا تبطل صلاته، لو صلى وهو عاقص لشعره أومشمر لثيابه لا تبطل صلاته ولكنها تنقص بذلك (عقص الشعر: فتله، ربطه).
__ ويُكره أيضاً كثرة الالتفات لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنما هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" ، لكن هذا الالتفات الكثير، أما الالتفات الخفيف وارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه التفت وورد عن صحابته أيضاً أنهم التفتوا في الصلاة.


__ ويُكره افتراش الذراعين في السجود ، افتراش الذراعين بأن تضع ذراعيك على الأرض، وهذه الجلسة كجلسة الكلب.
__ وقال - صلى الله عليه وسلم - :" لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان" ، الأخبثان :الغائط والبول، يدافعه يريد أن يخرج وهو يمسك نفسه، هذا المعنى، أن الشخص عندما تكون حاله كهذه الحالة أو يكون حاله أنه قد حضر الطعام يريد أن يأكل، فكره يكون مشوش بهذه الأمور، إما بمدافعته للبول والغائط كي لا يخرج أو بالطعام الذي يريد أن يأكله، لكن هذا في حال الطعام أن يكون مثلاً جائعاً أو أن يكون مثلاً الطعام جاهز للأكل، أما إذا كان حضر الطعام مثلاً وهو ساخن جداً ولا يستطيع أكله ماذا يفعل؟ يذهب يصلي لأنه ممنوع على جميع الأحوال من الأكل.
هل يقاس على هذين الأمرين (الذي هو حضور الطعام وكذلك مدافعة الأخبثين) غيرهما من الأشياء التي تشغل الفكر؟
نعم يقاس عليهما ، أي شيء يشغل فكرك عن الصلاة فقدمه على الصلاة كي تدخل إلى الصلاة وفكرك خال من أي تفكير في غيرها.
__ وقال - صلى الله عليه وسلم - :" لينتهينَّ أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة" هذا نهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رفع البصر إلى السماء وأنت في الصلاة .
__ ويُكره أيضاً الصلاة في ثوبٍ يشغل المصلي أو في مكان فيه تصاوير وأشكال، وأصل هذه الكراهية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في خميصة كانت فيها تصاوير فخلعها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال:" لقد شغلتني آنفاً عن صلاتي"، إذاً يكره أن يكون في المكان شيء يشغل البصر ويشغل الإنسان عن صلاته، فمن هنا يظهر لنا كراهية ما يحدثه الناس اليوم في المساجد من تصوير وتزيين وكتابة آيات أمام المصلين وتعليق اللوافت أمام المصلين أيضاً، هذا كله من الخطأ وينبغي أن يُصلَح لأن هذا يشغل فكر المصلين، يشغلهم عن الخشوع في صلاتهم والله أعلم
ونكتفي بهذا القدر وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 13:37   #16
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس السادس عشر]

[المجلس السادس عشر]


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فهذا المجلس السادس عشر من مجالس شرح الدرر البهية.


قال المؤلف رحمه الله تعالى : باب صلاة التطوع
التطوع هو القيام بالعبادة طواعية بالاختيار من غير أن تكون مفروضة عليك من الله تبارك وتعالى، وأصل تسميتها بذلك وردت فيه أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منها: حديث طلحة بن عبيد الله الذي سأل فيه الأعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام،فقال:" خمس صلوات في اليوم والليلة" قال: هل علي غيرها؟ قال:"لا، إلا أن تطَّوّع".
قال المؤلف رحمه الله:((هي: أربعٌ قبل الظهر. وأربعٌ بعده. وأربعٌ قبل العصر. وركعتان بعد المغرب. وركعتان بعد العشاء. وركعتان قبل صلاة الفجر))

بدأ المؤلف رحمه الله بذكر النوافل الرواتب أو السنن الرواتب، الرواتب هنَّ التابعات للفريضة، والراتب هو الثابت والدائم، وهي الواردة في حديث ابن عمر، قال رضي الله عنه: حفظت من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر ركعات، ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الفجر. هذه عشر ركعات، وفي رواية في الصحيحين" وركعتين بعد الجمعةوأخرج البخاري من حديث عائشة قالت:" كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدع أربعاً قبل الظهر" بهذا يكون قد اكتمل العدد اثنا عشر ركعة . بقي مما ذكره المؤلف أربع بعد الظهر وأربع قبل العصر، ودليل الأربع بعد الظهر حديث أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يقول:"من صلى أربع ركعات قبل الظهر وأربعاً بعدها حرَّمه الله على النار" أخرجه أحمد وأصحاب السنن وهو مُعَلّ، له طرق، طريقٌ حكم عليها النسائي بالخطأ وكذا فعل المزي بطريقٍ أخرى، والثالثة منقطعة من رواية مكحول، والرابعة ضعيفة، فهي أربع طرق ضعيفة لا يتقوى بعضها ببعض إذ لا يصلح منها في الشواهد والمتابعات إلا الطريق الرابعة الضعيفة من رواية القاسم أبي عبد الرحمن ، وأما البقية فالمنقطع لا يصلح في الشواهد والمتابعات إذ لا نعلم نحن من الذي سقط، وأما الطرق التي هي عبارة عن أخطاء فهذه حالها أسوأ حالاً من المنقطعة، فالحديث ضعيف، وحديث "رحم الله امرئً صلى قبل العصر أربعاً" أيضاً مُعل أعله أبو حاتم الرازي وغيره من أئمة العلل وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يضعِّفه بشدة، فالرواتب هي ما ذكرت فيما تقدم.


قال المؤلف رحمه الله:((وصلاة الضحى. وصلاة الليل، وأكثرها ثلاثة عشر ركعة يوتر في آخرها بركعة. وتحية المسجد. والاستخارة.وركعتان بين كل أذانٍ وإقامة)) هذه أيضاً من صلوات التطوع، أما صلاة الضحى فهي من صلاة التطوع المشروعة ودليلها قال ابن أبي ليلى: ما أخبرنا أحد أنه رآى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الضحى غير أم هانئ، "ذكرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة اغتسل في بيتها فصلى ثماني ركعاتٍ فما رأيته صلى صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود" متفق عليه، وفي رواية عند مسلم"سُبحة الضحى" صلى - صلى الله عليه وسلم - سُبحة الضحى، والسبحة هي النافلة أي نافلة الضحى، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" أوصاني خليلي بثلاثٍ لا أدعهنَّ حتى أموت: صوم ثلاثة أيامٍ من كل شهر وصلاة الضحى ونومٍ على وتر" متفق عليه، وفي رواية مسلم" وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أرقد" لاحظوا هذه الأحاديث الآن أثبتنا فيها مشروعية صلاة الضحى لكن في نفس الوقت أيضاً علمنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الضحى ثمانية وعلمنا أيضاً من حديث أبي هريرة أن الضحى تصح بركعتين، وأقل صلاة الضحى ركعتين لحديث أبي هريرة المتقدم ولا حد لأكثرها على الصحيح خلافاً لما ذكره المؤلف رحمه الله، لماذا؟ لقول عائشة الذي في صحيح مسلم : "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله " فلم يكن له حد يقف عنده، قالت:"يزيد ما شاء الله" فلم تقيِّد بعدد معيَّن، وكونه - صلى الله عليه وسلم - صلى اثنتا عشرة ركعة لا يدل ذلك على أن الحد المحدود هو هذا العدد، فقولها هنا:"ويزيد ما شاء الله" يدل على أن الأمر مفتوح.
وأما وقتها :فمن طلوع الشمس وارتفاعها مقدار رمح إلى استواء الشمس في كبد السماء ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وترتفع قدر رمح فمن هنا قلنا: لا يجوز أن تصلى قبل ذلك، ونهى عن الصلاة بعد استواء الشمس في كبد السماء إلى دخول وقت الظهر وهذا كله تقدم في أوقات المنهي عن الصلاة فيها، والوقت الأول يقدر بربع ساعة بعد طلوع الشمس، والثاني يقدربعشر دقائق قبل دخول وقت الظهر، والأفضل صلاتها بعد اشتداد الحر لقوله -صلى الله عليه وسلم-:" صلاة الأوابين حين ترمض الفصال" أخرجه مسلم، أيصلاة الطائعين وقتها حين تحترق أخفاف الفصال التي هي الصغار من أولاد الإبل ، ومتى تحترق أخفافها ؟ عند اشتداد حرارة الرمل وهذا يكون عند اشتداد حرارة الشمس .
وأما صلاة الليل فيعني بها قيام الليل وهي من صلاة التطوع وليست فرضاً، فالأعرابي عندما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإسلام ، قال له النبي -صلى الله عليه وسلم- :" خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال : هل علي غيرها قال :" لا، إلا أن تطوع " فبيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك أن الصلوات المفروضة على العبد هي هذه الخمس لا غيرها.
وأما كونها مشروعة فأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، أخرج مسلم في صحيحه أن عائشة سئلت عن قيام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت للسائل :" ألست تقرأ يا أيها المزمل ؟ قال : قلت : بلى، قالت : فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، افترض يعني فريضة، فقام نبي الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حولاً (عام كامل ) وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة" هذا هو الشاهد، وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :"يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل"، وأما وقته فمن بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وأما أكثرها فأكثر ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ثلاث عشرة ركعة في الصحيحين، لكن الزيادة جائزة لأن السلف كانوا على ذلك، كانوا يزيدون على هذا العدد، ولم يفهم أحد منهم أن هذا العدد لا يجوز الزيادة عليه بل كانوا يزيدون ولا ينكر بعضهم على بعض في ذلك ، ويوتر آخرها بركعة لقوله -صلى الله عليه وسلم-:" اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" وهذا متفق عليه، وقال - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله عن صلاة الليل قال:" مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فصلِّ ركعة واجعل آخر صلاتك وترا" متفق عليه ، وأما تحية المسجد فلقوله - صلى الله عليه وسلم - :" إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" متفق عليه، وتسميتها تحية المسجد تسمية فقهية من الفقهاء هم الذين سموها بهذا الاسم، وحكمها سنة بالاتفاق لم يخالف في ذلك إلا بعض أهل الظاهر وهم مسبوقون بالإجماع ، والإجماع صارف للأمر عن الوجوب إلى الاستحباب وكذلك حديث الأعرابي الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - :" خمس صلوات في اليوم والليلة قال: هل علي غيرها؟ قال:" لا، إلا أن تطوع، إذاً لا يوجد فريضة عينية على مسلم في الصلاة إلا هذه الخمس، فالإجماع مع هذا الحديث صارفان للأمر عن الوجوب إلى الاستحباب. قال ابن حزم رحمه الله: واتفقوا أن كل صلاة ما عدا الصلوات الخمس وعدا الجنائز والوتر وما نذره المرء ليست فرضاً. يعني اتفقوا على أن غير هذه المذكورات ليست فرض، واختلفوا في الجنائز والوتر وما نذره الشخص وجعله نذراً، هل هي واجبات أم لا؟ الصحيح أن صلاة الجنائز سيأتي حكمها إن شاء الله وأنها واجبة وجوب كفائي، والوتر ليس بواجب كما تقدم وما نذره المرء هذا هو الذي أوجبه على نفسه. وأما صلاة الاستخارة، الاستخارة طلب خير الأمرين من الله تبارك وتعالى، دليل مشروعيتها ما أخرجه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ثم ذكر الحديث، وأما دليل الركعتين بين كل أذان وإقامة فقوله - صلى الله عليه وسلم - :" بين كل أذانين صلاة،بين كل أذانين صلاة،بين كل أذانين صلاة " ثم قال: "لمن شاء" والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة، ويقال للأذان والإقامة الأذانان من باب التغليب وهذا معروف عند العرب كقولهم : القمران للشمس والقمر، وقولهم :العُمَران لأبي بكر وعمر وقولهم : الأسودان للتمر والماء وهكذا ، لكن لو قال لك قائل : لماذا قالوا في أبي بكر وعمر العمران ولم يقولوا : البكران مثلاً؟ لأن العمَران أخف على اللسان، لذلك يأخذون الأخف ويغلِّبونه. وأعظم فضيلة لكثرة التنفل ما ورد في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة: الصلاة، فإن أتمها وإلا قيل :انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أُكملت الفريضة من تطوعه ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك" أخرجه أبو داود وغيره، فتصور شخص يأتي صلاته ناقصة ولا تطوع عنده!نسأل الله العافية، وهذا يكفي المسلم الحريص على الخلاص من عذاب الله تبارك و تعالى بأن يحرص حرصاً شديداً على كثرة التنفل والجد في ذلك.


قال المؤلف رحمه الله: باب صلاة الجماعة
أي بيان حكم صلاة الجماعة وأحكام صلاة الجماعة
قال:(( هي آكد السنن)) أي المستحبة، كون صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد فهذا لا شك فيه، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - :"تفضل صلاة الجماعة صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجة" متفق عليه، وهذا يدل على أن صلاة المنفرد صحيحة ومقبولة، طبعاً متفق عليه بغض النظر عن العدد بسع وعشرين أو خمسٍ وعشرين، وهذا يدل على أن صلاة المنفرد صحيحة ومقبولة مع أن صلاة الجماعة أفضل، ولكن، هل صلاة الجماعة في المسجد واجبة أم مستحبة؟ ها هنا حصل الخلاف بين العلماء، ومن أحسن مَن تكلم عن هذا الموضوع الإمام ابن المنذر رحمه الله في كتابه الأوسط، والصحيح أن صلاة الجماعة في المسجد واجبة، وأدلة ذلك حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه قال:" أتى رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أن يرخِّص له فيصلي في بيته فرخص له، فلما ولّى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب" فإذا كان هذا أعمى وأوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه أن يلبي النداء فمن باب أولى البصير، وكذا حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هَمَّ أن يحرِّق بيوت الذين لا يحضرون صلاة الجماعة، وفي رواية في الصحيحين: صلاة العشاء في جماعة، وقد أمر أيضاً ربنا تبارك وتعالى بصلاة الجماعة في حال الخوف، ففي حال الأمن من باب أولى، وساق ابن المنذر في الأوسط عن جمع من الصحابة قولهم بوجوب الصلاة، أي صلاة الجماعة بل قال عبد الله ابن مسعود في صحيح مسلم:"لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق" لكن هذا كله لمن لا عذر له، أما من كان معذور لمرض أو غيره فهذا له أن يتخلف عن صلاة الجماعة فقد ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرض ولم يخرج إلى صلاة الجماعة .
قال المؤلف رحمه الله:((وتنعقد باثنين)) هذا أقل العدد الذي تنعقد به صلاة الجماعة، دليله حديث ابن عباس في الصحيحين أيضاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قام يصلي وكان ابن عباس بائتاًعنده في بيت خالته ميمونة زوجة النبي -صلى الله عليه وسلم- فرآى النبي -صلى الله عليه وسلم- قام يصلي، قال: فقمت عن يساره، يصلي معه، فأدارني النبي -صلى الله عليه وسلم- وجعلني عن يمينه، دل ذلك على أن الجماعة تنعقد باثنين وكذا رآى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً يصلي وحده فقال -صلى الله عليه وسلم-:" ألا رجلٌ يتصدق على هذا فيصلي معه" دل ذلك على أن الجماعة تنعقد باثنين.


قال المؤلف رحمه الله:((وإذا كثُر الجمع كان الثواب أكثر)) لقوله -صلى الله عليه وسلم-:" صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله" أخرجه أحمد وأبو داود وهو صحيح ،صححه علي ابن المديني وغيره.
قال المؤلف:((ويصح بعد المفضول)) أي وراءه أي يصح للفاضل أن يصلي خلف من هو أقل منه فضلاً، وهذا صحيح لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى خلف أبي بكرٍ الصديق في الصحيحين وصلى أيضاً خلف عبدالرحمن بن عوف .
قال:((والأَولى أن يكون الإمام من الخيار)) استدل المؤلف على ذلك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:" اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفودكم فيما بينكم وبين ربكم" هذا الحديث جاء من حديث ابن عباس ومن حديث مرثد عند الحاكم وكلاهما ضعيف وقد بيَّن ضعفهما بشكلٌ طيب الإمام الألباني رحمه الله في الضعيفة 1823 وأما حكم المسألة فالأَولى أن يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله كما سيأتي في الأحاديث.
قال : ((ويؤم الرجل بالنساء لا العكس)) أما إمامة الرجل للنساء أدلتها كثيرة في الصحيحين وغيرها، قال أنس ابن مالك : قمت خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- أنا ويتيم لنا قال : والعجوز من ورائنا، وأيضاًجاء في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي وخلفه الرجال وخلف الرجال النساء.
وأما إمامة النساء للرجال فلا تجوز في الفرائض بالإتفاق ، واختلف أهل العلم في النافلة فجوَّزها الطبري وغيره والصحيح أنها لا تجوز ، والحجة في ذلك لأنه لم يرد في السنة ما يدل على جواز إمامة النساء للرجال، وجاءت الشريعة بالتفريق بين الرجال والنساء في التقديم والتأخير في الصلاة، فمن ادعى جواز إمامة المرأة للرجال فعليه أن يقيم البينة، فقال المخالف: عندي بينة، قلنا: هات، قال: جاء في سنن أبي داود وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أم ورقة أن تؤم أهل دارها وكان فيهم رجال ، قلنا لهم: هذا حديث ضعيف فيه اضطراب وفيه جهالة فهو مردود ولا يصح الاحتجاج به، وأما إمامة المرأة للنساء فهذه وردت عن عائشة وعن أم سلمة أنهما أَمَّتا النساء ووقفت عائشة وأم سلمة في وسط الصف، لا تتقدم على الصف بل تقف وسطه.
قال المؤلف رحم الله :((والمفترض بالمتنفل والعكس)) أي يأتم المفترض بالمتنفل والعكس، فيكون المفترض إماما للمتنفل ويكون المتنفل إماما للمفترض ، المفترض يعني الذي يصلي فريضة والمتنفل الذي يصلي نافلة، أما إمامة المفترض للمتنفل فهذه قد جاء في أحاديث واضحة في الصحيحين وغيرهما، من ذلك حديث في صحيح مسلم الذي فيه الصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قال - صلى الله عليه وسلم -:" إذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك فصلوا الصلاة لميقاتها واجعلوا صلاتكم معهم سُبحة" نافلة، وأيضاً جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند أبي داود وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي فرآى رجلين جالسين خلف الصفوف لم يصليا مع الناس فدعاهما - صلى الله عليه وسلم - فقال:" ما منعكما أن تصليا معنا؟" قالوا: يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا، قال:" لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكم نافلة" هذا يدل كله على جواز صلاة المتنفل خلف المفترض، وحديث أيضا الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:" ألا رجل يتصدق على هذا"، وأما صلاة المفترض خلف المتنفل فدليله حديث معاذ أنه كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الفريضة ثم يذهب إلى قومه ويصلي بهم تلك الصلاة، ألا يقول قائل: ربما يصلي بهم صلاة الفريضة مرة ثانية؟ نقول: الفريضة لا تصلى مرتين في اليوم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" لا تصلى صلاة في يوم مرتين" وكما قال ابن عمر رضي الله عنهما لأحدهم : الفرائض خمس، فمن أين جاءت السادسة؟
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 13:38   #17
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس السابع عشر]

[المجلس السابع عشر]


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
هذا الدرس السابع عشر من دروس الدرر البهية

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ((وتجب المتابعة في غير مبطل)) يعني تجب متابعة الإمام في غير عملٍ مبطل، فإذا عمل الإمام عملاً يبطل الصلاة فلا يتابَع عليه، فيجب على المأموم أن يتابع الإمام في صلاة الجماعة إلا إن فعل ما يبطل فلا يتابعه.
وجوب متابعة الإمام دليلها قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبِّروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد " وفي رواية "ربنا لك الحمد" وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون" وهذا متفق عليه، وفي حديث أبي هريرة أيضاً في الصحيحين " إنما الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" فهذا نهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاختلاف على الإمام، وفي الصحيحين أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار؟" وفي رواية" يحول صورته صورة حمار؟"وهذا الحديث أيضاً متفق عليه، فهذه الأحاديث تدل على وجوب متابعة الإمام بالصورة التي ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذا ركع الإمام فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، فهنا عندنا ترتيب بماذا؟ بالفاء(بحرف الفاء) إذا ركع فاركعوا، لا تركعون قبله ولا تركعون معه، تركعون بعده لأن حرف الفاء هذا يفيد في اللغة الترتيب والتعقيب، أي أنه واحد قبل الآخر (هذا ترتيب) وتعقيب يأتي عقبه مباشرة ما يكون هناك فاصل طويل بينهما، وجاء في حديث آخر في الصحيح أيضاً يبيِّن لنا متى يبدأ المأموم بالانخفاض، يقول أنس بن مالك بما أذكر الآن هو صحابي الحديث قال : ما كان أحد منا ينخفض حتى يسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا سجد بدأنا بالانخفاض، هذا هو الضابط في متابعة الإمام، أنه عندما ينتقل الإمام ويصِل إلى الفعل الثاني عندئذ نبدأ نحن بالحركة، فإذا بدأ الإمام بالركوع وكبَّر إذا لم ينحني بعد فلا ننحني ولا نتحرك حتى يركع، متى ما ركع تحركنا وركعنا بعد ذلك على ما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - "فإذا كبَّر فكبروا وِإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا "أي يكون الأمر بعد الإمام لا قبله ولا معه، بعض الناس في هذه الأيام يسابقون الإمام مسابقة بل بعضهم لا يرى أصلاً الإمام ما يفعل، يسمع كلمة الله أكبر ما تجده إلا نازل والإمام يكون ما زال ما تحرك من مكانه وهذا كله من الاخطاء الشديدة التي يقع فيها الناس وهي أخطاء ليست هينة يعني انظر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار؟" يعني تصور التهديد والوعيد من وراء هذا الفعل فالفعل هذا كبيرة من الكبائر وليس هيناً، ومن لم يتابع الإمام عامداً وسبقه في فعله بطلت صلاته، لأن النهي هنا مختص بالعبادة والنهي متى اختص بالعبادة أفاد أنه مفسد للصلاة، وأما قوله: في غير مبطل، لأن عمل المبطل يفسد الصلاة، فأنت إذا علمت أن الإمام عمل عملاً مبطلاً فلا يجوز لك أن تبطل صلاتك وأن تعمل ما عمل، فإذا قام الإمام إلى خامسة مثلاً ، القيام إلى خامسة الإضافة ركعة وزيادة الصلاة بركعة جديدة تبطلها لأن الله سبحانه وتعالى شرع الصلاة أربع ركعات مثلاً فعندما يقوم إلى الخامسة فقد أتى بركعة خامسة فهذه تبطل الصلاة، كما أن النقص يبطل كذلك الزيادة تبطل، يجب أن تصلي الصلوات بعدد الركعات التي أمر الشارع بها، فإذا قام الإمام إلى خامسة يسبَّح له فنقول له: سبحان الله ، فإن سمع ورجع فالحمد لله نتابعه بعد ذلك ونسجد للسهو معه، فإن لم يستمع لما نقول وبقي واقفاً ظاناً من نفسه مثلاً أنه على صواب، عندئذ لا نتابعه، نبقى نحن جلوساً ونكمل صلاتنا فلنا أن نكمل صلاتنا ونسلم ونخرج من الصلاة ولنا أن نكمل صلاتنا ونبقى ندعوا الله سبحانه وتعالى إلى أن يسلم ونسلم معه، إذاً لا يتابَع الإمام في عملٍ من الأعمال المبطلة للصلاة .
قال المؤلف رحمه الله:(( ولا يؤم الرجل قوماً هم له كارهون)) يستدل المؤلف ومن يقول بقوله على هذا الذي ذكره بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من يَقدُم قوماً هم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دِبارا، ورجلٌ اعْتَبَد مُحرَّره" أخرجه أبو داود وغيره، أتى الصلاة دباراً أي أتى الصلاة بعدما انتهت واعتاد على ذلك، وقوله أيضاً : ورجل اعتبد محرره أي اتخذ محرره عبداً، يعني يكون عنده عبد يحرره ثم يُظهر للناس أنه عبْد ويبقى مستعبداً له وهو في الأصل حر، هذا معنى الحديث ولكن الحديث في أصله ضعيف على الصحيح وكذا أيضاً ورد حديث آخر بمعناه من حديث أبي أمامة عند الترمذي قال:" ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع وامرأة باتت وزوجها ساخط عليها وإمام قوم وهم له كارهون" وهذا ضعيف أيضاً، ضعفه البيهقي في معرفة السنن والآثار وذكر علل الحديث هناك، فعلى ذلك فلا عبرة برضى الناس في الإمام، المهم أن يكون الإمام موافقاً لشرع الله تبارك وتعالى محافظاً على شروط الصلاة وأركانها .
قال المؤلف رحمه الله:(( ويقدَّم: السلطان، وربُّ المنزل )) في صلاة الجماعة الذي يقدم الذي يقدَّم هو السلطان، ورب المنزل أي سيد البيت وذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي مسعود البدري في صحيح مسلم" يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِلماً ولا يَؤُمَّن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرِمته إلا بإذنه" أخرجه مسلم وفي رواية عنده بدل كلمة "سلماً" "سناً" ، والتكرمة الفراش ونحوه مما يُبسط لصاحب المنزل ويُخص له، آخر الحديث هو محل الشاهد، قال:" ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه" المكان الذي للشخص عليه سلطان كالبيت مثلاً لسيد البيت أو القرية لسيد القرية أو البلاد لسلطانها الذي هو رئيسها، هذا السلطان أو السيد أحق بالإمامة من غيره، فأي شيء الشخص يملكه وهو سلطان عليه فلا يُأَم فيه وهو موجود إلا بإذنه، كما جاء في رواية لهذا الحديث قال: " لا تؤمن الرجل في أهله ولا في سلطانه ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا بإذنٍ أو بإذنه" .

قال المؤلف رحمه الله:((والأقرأ. ثم الأعلم. ثم الأسنَّ)) للحديث المتقدم كما ذكر، قال:" يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" فهذا يدل الحديث على أن المقدَّم في الصلاة هو الأقرأ، فالأقرأ هذا يكون الأحفظ لكتاب الله والأتقن أيضاً في قراءة كتاب الله تبارك وتعالى، لا الأعلم، الأعلم هذا جاء في هذا الحديث نفسه ما يبين على أن الأعلم لا يقدم على الأقرأ، لكن شرط ذلك أن يكون الأقرأ عالماً بأحكام الصلاة، لا بد أن يكون عالماً بأحكام الصلاة فإذا لم يكن عالماً بأحكام الصلاة فهنا يقدم الأعلم .
ثم بعد ذلك قال: الأقرأ ثم الأعلم ثم الأسن، الأسنّ يعني الأكبر سناً، إذا كان فيه هجرة وفيه أحد من المهاجرين الذين تركوا بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وهذه هي حقيقة الهجرة فهذا الأقدم هجرة هو الذي يقدم على غيره فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً وفي رواية سناً، سلماً يعني إسلاماً ، يعني إذا كان عندنا أقوام اختلفوا في الإسلام، بعضهم أسلم بعد الآخرين فهنا يقدم الذي أسلم قبل الآخر ، أو عند أن لا يوجد هذا ننظر إلى السن فيقدم الأكبر على الأصغر فيُمشى في هذا (في مسألة الإمامة) على هذا الترتيب الذي ذُكر في الحديث .
قال المؤلف رحمه الله:(( وإذا اختلّت صلاة الإمام كان ذلك عليه لا على المؤتمِّين به)) لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأمراء :" يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطئوا فلكم وعليهم " فالخطأ يتحمله الإمام ، إن أخطأ الإمام يتحمل خطأه وحده لكن إن أصاب فيكون الصواب له ولمن خلفه، هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه.
* ((ويصلي بهم صلاة أخفِّهم)) هذه ليست موجودة عندي في المتن الذي بين يدي لكن هو يصلي بهم صلاة أخفهم هذا لحديث لمعاذ، حديث معاذ معروف الذي كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم صلاة طويلة، كان يستفتح بسورة البقرة وأشباهها من الصور فكان رجل من الذين يعملون وأصحاب مهنة فجاء وصلى خلف معاذ ابن جبل فأطال معاذ الصلاة وكان الرجل متعباً فانفصل عن معاذ ابن جبل وصلى وحده فقال الناس: هذا رجل مفتون أو بهذا المعنى ، فذهب وشكى معاذاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :" أفتّان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ صلِّ صلاة خفيفة فإن خلفك الضعيف والكبير وذا الحاجة ثم نبّهه على أن يقرأ بقصار السور حتى لا يشق على الذين خلفه. وهذا صحيح الكلام أنه يصلي بصلاة أضعف القوم كي لا يشق عليهم ويكرِّههم في الصلاة .

قال المصنف رحمه الله:((وموقفهم خلفه إلا الواحد، فعن يمينه)) موقفهم أي موقف المأمومين خلف الإمام إلا الواحد فعن يمينه، هذا وردت فيه أحاديث، منها حديث ابن عباس في الصحيح أنه وقف يسار النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما كان بائتاً في بيت خالته، قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي قيام الليل فقام ابن عباس يصلي معه فقام عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - من رأسه وأداره حتى أقامه على يمينه، فلم يقل في الحديث بأنه قدّمه أو أخّره، قال: أقامني عن يمينه، وإقامته له عن يمينه أي يكون مساوياً له لا يتقدم عليه ولا يتأخر بحيث يكون هو الإمام صفاً واحداً، هذا الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والتأخر قليلاً إلى الخلف، هذا لا أصل له في السنة إنما هو اجتهاد لبعض أهل العلم، ونحن كما قال الإمام مالك رحمه الله: كلٌ يؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر الذي هو النبي - صلى الله عليه وسلم فإذا جاء الحديث وكان ظاهره على ما فهمنا إذاً نأخذ بالظاهر حتى يأتي عندنا ما يخالف هذا الظاهر، هذه الصورة الأولى، صورة إذا كان المأموم واحد فقط، يقف على يمين الإمام مباشرة دون أن يتقدم عليه ولا يتأخر، وجاء في الصحيح أيضاً عن جابر بن عبد الله قال: صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بي وبجبّار ابن صخر(صحابي آخر) فذهب جبار ابن صخر يريد أن يتوضأ، قال: فقمت على يسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، هذا مؤكِّد لحديث ابن عباس المتقدم، ثم جاء جبار ابن صخر فتوضأ ثم جاء فأقام عن يسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بأيدينا جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه، دفعهما من الخلف حتى أقامهما خلفه، هذا أخرجه مسلم في الصحيح مطوَّلاً وأصله عند البخاري في الصحيح لكن ليس فيه موضع الشاهد، إذاً الشاهد عندنا أن الواحد يقف عن يمين الإمام ، والإثنان يقفان خلف الإمام.
وجاء أيضاً في صحيح مسلم عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - صلّى بهم نافلة فجعل أنساً عن يمينه وجعل أم أنس وأختها خلفهم ، الصورة الأولى جعل أنس عن يمينه وجعل أم أنس وأختها أم حرام خلفهم يعني الآن عندنا كم واحد يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ أنس وامرأتان، أنس هنا وقف أين؟ عن يمين النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، على اعتبار أنه لا يوجد رجل آخر معه ، فكوَّن هو والنبي - صلى الله عليه وسلم - صفاً والمرأتان خلفهما (خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ) وفي حديث آخر لأنس أيضاً أنه وقف هو واليتيم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - والعجوز من ورائهم ، هنا الآن الصورة هذه عندنا اثنان وامرأة من خلفهم، لكن الاثنان هذان ماذا؟ رجل وصبي، هذه كلها تصوِّر لنا كيفية الوقوف خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - .
قال المؤلف رحمه:((وإمامة النساء وسط الصف)) هذا ليس فيه حديث مرفوع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كي نستدل به، لكن ورد فيه أثران: أثر عن أم سلمة وآخر عن عائشة، أثر أم سلمة وأثر عائشة أسانيدها ضعيفة لكن لها طرق تتقوى بها، أثر أم سلمة له طريقان وأثر عائشة له أكثر من طريقين فكلها تتقوى، يعني أثر أم سلمة يتقوى بطريقيه وأثر عائشة يتقوى بطرقه فيصح عنهما كلتيهما فجاء عنهما أنهما صليا بالنساء ووقفنَ في وسط الصف فتكون هذه هي الصورة الموافقة لما كان يفعله السلف، لكن حديثٌ مرفوع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُعرف في هذا الباب.
قال رحمه الله:(( وتُقدَّم صفوف الرجال ثم الصبيان ثم النساء)) الآن من خلال ما تقدم معنا بإمكاننا أن نرد كلام المؤلف هذا، لكن نقدِّم قبل ذلك على ماذا اعتمد رحمه الله في ذكر صفوف الرجال أولاً ثم الصبيان ثانياً ثم النساء ثالثاً، فجعل صفوف الصبيان بين صفوف الرجال والنساء، اعتمد المؤلف رحمه الله في ذلك على حديث أبي مالك الأشعري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجعل الرجال قُدّام الغلمان والغلمان خلفهم والنساء خلف الغلمان، أخرجه أحمد وأبو داود وهو حديث ضعيف، ويخالفه حديث أنس المتقدم، حديث أنس المتقدم الذي قال فيه: وقفت أنا واليتيم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنس عن يمينه ثم جعل اليتيم من خلفهم أو جعل أنس خلفه ثم اليتيم وراءهم ما فعل هذا - صلى الله عليه وسلم - ثم جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مدح صفوف الرجال المتقدمة وصفوف النساء المتأخرة وذلك لأنه لم يكن هناك فاصل ما بين الرجال والنساء وكذلك نهى النساء عن رفع رؤوسهن من السجود قبل الرجال وذلك لأنه لم يكن هناك صفوف فاصلة ما بين صفوف الرجال والنساء، على كل حال الحجة بحديث أنس والحديث الذي ذكره المؤلف حديث ضعيف لا يصح.

قال رحمه الله:((والأحقُّ بالصف الأول أولوا الأحلام والنهى)) الأحق يعني الأَوْلى أن يصُفّوا خلف الإمام مباشرة أولوا الأحلام والنهى أي البالغون والعقلاء، وذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"لِيَليني منكم أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" أخرجه مسلم في صحيحه، فهؤلاء البالغون العقلاء هم أَوْلى بالوقوف خلف الإمام لأنهم أقدر على رد الإمام إن أخطأ وكذلك على استخلافه إن وقع في ناقض مثلاً من نواقض الوضوء أو اضطر للخروج من الصلاة.

قال رحمه الله:((وعلى الجماعة أن يسوّوا صفوفهم. وأن يسدوا الخلل)) يجب على المصلين أن يسووا الصفوف ويعدلوها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك وكان يشدد فيه، فقال - صلى الله عليه وسلم - :" سوّوا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة " وقال - عليه الصلاة والسلام - :" لتُسوُّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" وهذا متفق عليه، فهذا تحذير من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخالف الله سبحانه وتعالى بين وجوههم بسبب عدم تسوية الصف، فتسوية الصف واجبة وهي من تمام الصلاة.
وقال رحمه الله:((وأن يتموا الصف الأول ثم الذي يليه ثم كذلك)) يعني أيضاً من تسوية الصفوف ومن إتمامها أن يتموا الصف الأول فالأول ولا يتركوا فرجة في الصف الأول ويبدءوا في الصف الثاني بل يغلقوا الفرج أولاً بأول لقوله - صلى الله عليه وسلم - :" أتموا الصف المقدَّم ثم الذي يليه فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر" أي لا تترك فرجة أمامك في الصف وتبدأ بصف جديد بل أغلق الفرج التي في الأمام ثم بعد أن ينتهي يكون النقص في الصف الأخير ، وكذلك يجب المقاربة بينها، يجب المقاربة بين الصفوف فلا يكون الصف الأول في بداية المسجد والصف الثاني في وسط المسجد كما يفعل بعض الناس، هذا خطأ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" رُصّوا الصفوف وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق" رصوا الصفوف وقاربوا بينها، هذا هو الشاهد من الكلام، أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 13:38   #18
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس الثامن عشر]

[المجلس الثامن عشر]
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله أما بعد: فهذا الدرس الثامن عشر من دروس شرح الدرر البهية
قال المؤلف رحمه الله تعالى : باب سجود السهو
((وهو سجدتان قبل التسليم أو بعده، وبإحرامٍ وتشهُّدٍ وتحليل)) سجود السهو سجدتان آخر الصلاة، إما قبل التسليم أو بعده، فإن سجدتَ قبل التسليم أو بعده صح بالإجماع (بالاتفاق) إنما حصل الخلاف بين أهل العلم في الأفضلية، على نزاع بينهم، البعض فرَّق بالزيادة والنقصان، قال: إذا كان زيادة يُسجد بعد التسليم وإذا كان نقص يُسجد قبل التسليم ..إلخ من اجتهادات أهل العلم، لكن كلهم اتفقوا على أنك إن سجدت قبل أو سجدت بعد، فسجودك صحيح، هي تكون إرغاماً للشيطان كما جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتكون بسبب زيادة أو نقص أو شك، إما زيادة في الصلاة من جنسها أو نقص أو بسبب شكٍ يقع من المصلي.
وأما قول المصنف رحمه الله:(( وبإحرامٍ)) أي بتكبير فقد صح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة في ذكر قصة ذي اليدين، قال في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : قال:" فرجع فصلى الركعتين الباقيتين" بعد أن سلم من الركعتين فقيل له قصُرَت الصلاة أم نسيت؟ فقال:" لا هذا ولا ذاك" فتبيَّن له أنه نسي فعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - فرجع فصلى الركعتين الباقيتين ثم سلَّم ثم كبَّر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم كبَّر فرفع رأسه، ثم كبَّر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه . متفق عليه، فهذا يدل الحديث على أن سجود السهو فيه تكملة، وقول المصنف رحمه الله : ((وتشهُّد)) وردت بذلك أحاديث ولكن كلها ضعيفة لا يصح منها شيء ، والأحاديث التي في الصحيحين ليس فيها ذكر التشهد، فالتشهد في سجود السهو لا يصح، وأما قوله : ((وتحليل)) يعني وتسليم، فهذا ورد في الصحيحين وغيرهما أنه - صلى الله عليه وسلم - سجد ثم سلَّم، منها حديث عبد الله بن مسعود قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - خمساً، فقالوا: إنك صليت خمساً، فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلَّم ثم قال:" إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين" متفق عليه.
قال المؤلف رحمه الله:((ويُشرع لِتَرك مسنون. وللزيادة ولو ركعة سهواً. وللشك في العدد)) يعني متى تحتاج أن تسجد سجدتي السهو؟ الصحيح أنه يُشرع عند كل سهوٍ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم:" فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين"، إذاً يكون السجود عند كل نسيان، سواء كان هذا المَنسي زيادة أو نقص أو شك، وكذلك يُشرع عند الشك في عدد الركعات، جاء في الحديث، حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :" إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدْرِ كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك ولْيَبْنِ على ما استيقن" ما هو الذي استيقنه الآن؟ إذا شك أصلى ثلاثاً أم أربعاً، ما هو اليقين عنده؟ ثلاث، فليبنِ على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، أي يتم بعد الثلاث يأتي بالرابعة ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعنَ له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربعٍ كانتا ترغيماً للشيطان .
هذا إذا لم يغلب على ظنه شيء بعد الشك، شككت وبقي الشك عندك متساوياً، أصليت ثلاثاً أم أربعاً؟ الأمر عندك متساوٍ تماماً، ما غلب على ظنك شيء، فهنا تفعل كما جاء في حديث أبي سعيد، أما إذا غلب على ظنك شيء فتأخذ بحديث ابن مسعود في الصحيحين، قال - صلى الله عليه وسلم - :" وأيُّكم ما شك في صلاته فليتحرَّ الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين"، فليتحرَّ الصواب: أي إذا استطاع أن يصل إلى غلبة ظن في الأمر، عندئذ يبني على ما غلب على ظنه، إن شك في صلاته أهي ثلاث أم أربع التي صلاها؟ غلب على ظنك أنها أربع، تكمل أربع ثم بعد ذلك تسلِّم ثم تسجد سجدتين، وإذا غلب على ظنك ثلاث، تكمل الرابعة ثم تسلم ثم تسجد سجدتين، إذاً عندنا حال بغلبة الظن وعندنا حال لاستواء الطرفين، الشك، لا يوجد غلبة ظن، في حال استواء الطرفين تأخذ بما تستيقن بالأقل، في حال غلب على ظنك شيء تأخذ بما غلب على ظنك وتكمل.
قال المؤلف رحمه الله:((وإذا سجد الإمام تابَعه المؤتم)) وذلك لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمتابعة الإمام، فقال - صلى الله عليه وسلم - :" إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"، وكذلك أنت إذا سهوت فلا تسجد وحدك بل يتحمل عنك السجود الإمام، لأنك مأمور أن لا تختلف على إمامك، فليس مطلوباً منك أن تسجد للسهو وأنت خلف الإمام، أما موضع السجود فكما تقدم معنا، الصحيح أن المصلي مخيَّر بين أن يسجد قبل السلام أو بعده، فكله قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قد سجد قبل السلام وأنه سجد بعد السلام.
قال المؤلف رحمه الله: باب القضاء للفوائت
القضاء في اللغة هو الحُكم والفصل ويأتي بمعنى الأداء ، هذا في اللغة.
أما في الاصطلاح عند الأصوليين: فهو إيقاع العبادة خارج وقتها الذي عيَّنه الشَّرْع لمصلحة فيه.
عندنا ثلاثة أمور هنا: الأداء والقضاء والإعادة.
تفصيل القول فيها من مباحث أصول الفقه، لكن نحن نذكر الآن ما نحتاجه منها فقط
_ القضاء: إيقاع العبادة خارج وقتها الذي عينها الشرع لمصلحة فيه.
_ الأداء : إيقاع العبادة في وقتها المعيَّن لها شرعاً.
__ الإعادة: ما فُعل ثانياً في وقت الاداء للخلل في الفعل الأول.
عندنا عبادة شرعها الله تبارك وتعالى وشرع لها وقتاً معيَّناً، لا يريد منك أن تؤدي العبادة إلا في هذا الوقت، كصلاة الظهر مثلاً، تبدأ بزوال الشمس وتنتهي بأن يصبح ظل الشيء مثله، فلنقل تقريباً الساعة الثانية عشر إلا عشر دقائق يبدأ وقتها وينتهي الساعة الثانية والنصف تقريباً، فهنا عيَّن الشارع هذا الوقت لأداء هذه الصلاة، فإن فعلتَ العبادة داخل في ضمن هذا الوقت يسمى هذا أداءً، فالأداء: إيقاع العبادة في وقتها المعيَّن ( أي الذي عينه الشارع) لها شرعاً.
هذا يسمى أداءً، فإن صليت الظهر في هذا الوقت يقال لك: أدَّيت الصلاة.
هذا بالنسبة للأداء
أما القضاء: إيقاع العبادة خارج وقتها الذي عيَّنه الشرع لمصلحة فيه، فإذا صليت الظهر بعد الثانية والنصف، فهنا تكون قد قضيتها قضاءً لا أداءً، وإن صليت الظهر مثلاً قبل وقتها فلا تُقبل منك، لكن إن صليتها بعد وقتها وكانت قد فاتتك لعذر كما سيأتي، عندئذ تسمى قضاءً .
أما الإعادة: فهي أن تفعل العبادة في وقتها، لكن ما الفرق بينها وبين الأداء؟
الأداء تفعل العبادة مرة واحدة، تسمى مؤدياً لها وفعلك لها أداء، أما الإعادة فتَفعل العبادة مرة ثانية، وفي داخل نفس الوقت، ولكنك تفعلها مرة ثانية لماذا؟ لخللٍ في الأولى، هذا يسمى إعادة.
هذا هو الفرق بين القضاء والأداء والإعادة.
فالآن المؤلف رحمه الله يقول:باب القضاء للفوائت
الفائتة ما هي؟
العبادة التي خرج وقتها ولم تؤدَّ فيه، عبادة خرج وقتها ولم تؤدَّ فيه، تسمى فائتة.
قضاء الفوائت
قال المؤلف رحمه الله:(( إن كان الترك عمداً لا لعذرٍ فدَيْنُ الله تعالى أحق أن يُقضى))
مسألة مهمة تتعلق بمبحثٍ من مباحث أصول الفقه، _ أصول الفقه مهم جداً لطالب العلم كما ذكرنا في دروس أصول الفقه، هو علم مهم ومفيد ولا يمكن لطالب العلم أن يكون مجتهداً إلا بإتقانه، لكن فيه بعض ما ليس منه كعلم الكلام والمسائل التي تتعلق به، وعلم المنطق والمسائل التي تتعلق به، وبعض المباحث التي ليس من ورائها عمل، هذه تعتبر غريبة عن علم أصول الفقه، فينبغي أن لا يشغل المرء نفسه بها، ولكن المراد والذي نحث عليه هو تعلُّم أصول الفقه الذي ينفعك في استنباط الأحكام الشرعية من أدلة الكتاب والسنة، والمباحث التي تعينك على فهم أدلة الكتاب والسنة، هذا هو أصول الفقه الذي ننصح بدراسته_ الآن المسألة التي بين أيدينا، الفائتة إما أن تكون فاتت لعذرٍ كما سيأتي، وإما أن تكون فاتت لغير عذرٍ، كتكاسل مثلاً، أو كما يقول لك بعض الناس: كنتُ في السوق أو كانت عندي سهرة أو كنت في السيارة أو أشباه ذلك من الأعذار التي هي ليست بأعذار ولا هي مقبولة عند الله تبارك وتعالى، مَنْ ترَك الصلاة حتى خرج وقتها لغير عذرٍ، هل يحتاج إلى أمرٍ جديدٍ من الشارع كي يقضي هذه الصلاة ؟ أم يكفيه الأمر الأول الذي ورد في الأمر بأدائها؟
محل خلافٍ بين الأصوليين، يعني بطريقة أسهل، أمرنا الله تبارك وتعالى بأن نصلي الظهر، أمرنا أن نصليها في وقتها الذي حدده الشارع، الآن تركها الشخص وأخرجها عن وقتها عمداً لغير عذر، هل له أن يذهب ويصليها خارج الوقت؟ بناءً على أن الله سبحانه وتعالى قد أمره بها في داخل الوقت؟ أم يحتاج إلى أمرٍ جديد يبين له أنها مطلوبة أيضاً خارج الوقت إن تركتها لغير عذر؟
هذه هي المسألة، وجمهور علماء الأصول على أنه بحاجة إلى أمرٍ جديد كي يدلنا على أنها مطلوبة منه خارج الوقت، يعني بطريقةٍ أسهل: الله سبحانه وتعالى عندما طلب منا أن نصلي الظهر في هذا الوقت أراده لمصلحة معيَّنة يعلمها هو سبحانه وتعالى، إذاً المصلحة تتحقق بأن تصلي الظهر في وقته، فنحن بحاجة إلى أمرٍ جديد كي يبيِّن لنا أن المصلحة موجودة خارج الوقت، فإذا لم يأتِ أمرٌ دل ذلك على أن المصلحة مرتبطة بالوقت المعيَّن الذي حدده الشارع، إذاً الراجح من كلام أهل العلم وهو قول الأكثر، أنه بحاجة إلى أمرٍ جديد كي يُقبل منه أن يصلي الصلاة في خارج وقتها، وهؤلاء الذين رجحوا هذا القول (الذين رجحوا القول الأول قالوا: متى ما فاتت عليه يصليها في أي وقت ليس هناك إشكال) لكن الذين قالوا: هو محتاج لأمرٍ جديد، اختلفوا في الصلاة هل فيها أمرٌ جديد يدل على وجوب قضاء الصلاة إن تركها لغير عذر ؟ أم لا يوجد؟ الكثير منهم قال: يوجد، قالت لهم الفرقة الثانية: أين هو؟ قالوا: حديث "فَدَيْنُ الله أحق أن يُقضى" هذا الحديث في الصحيح متفق عليه، جاء فيه عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهرٍ، أفأَقضيه عنها؟ قال:"نعم، فدَين الله أحق أن يُقضى"متفق عليه، قالوا: الصلاة الفائتة من دَيْن الله، إذاً فهذا دليلٌ جديد يدل على أنه يجب عليه أن يقضي الصلاة التي تركها لغير عذر، ولكن الصحيح أن هذا الدليل ليس بدليل، لماذا؟ لأن هذا الدليل جاء في حق المعذور، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أصلاً ذكر هذا الحديث في النذر المطلق الذي ليس له وقت معيَّن، فإذاً يكون العمل دَيْناً على صاحبه إذا لم يفعله ولم يكن قد وُقِّت لهذا العمل وقتاً معيناً، هنا يكون دَيناً، أما إن تركه عمداً فهذا ليس بدَيْن أصلاً ولن ينفعه لو قضى الدهر كله لعِظَم الإثم وعظم المؤاخذة وعظم ما فعل من مصيبة، وقد أشبع هذه المسألة بحثاً وتحقيقاً الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "الصلاة وأحكام تاركها"، فالقول الصواب إذاً: مَن أخرج صلاةً عن وقتها متعمداً لا لعذرٍ لا تُقبل منه ولا ينفعه قضاء، لا ينفعه إلا التوبة الصادقة إلى الله سبحانه وتعالى .
قال المؤلف:(( وإن كان لعُذرٍ فليس بقضاءٍ)) أي لا يسمى قضاء أصلاً، إذا أخرجها عن وقتها لعذرٍ معين، من نومٍ مثلاً، فهذا لا يسمى قضاءً ولكن الوقت الجديد هو وقتٌ بالنسبة لها، هكذا يقول المصنف، قال: ((بل أداء في وقت زوال العذر)) يسمى أداء في وقت زوال العذر، أي أصبحت هذه الصلاة هي الوقت الذي يريد أن يصليه فيها هو وقتها، فليست هي قضاء بل هي أداء لأنه قد أقام الصلاة في وقتها المعيَّن لها شرعاً.
قال:((إلا صلاة العيد ففي ثانِيْهِ)) إلا صلاة العيد، هذه لها حكم مستقل لأنها تصلى إذا مثلاً لم يروا الهلال في اليوم الأول، ثم بعد أن اتضح لهم الأمر بان أن الهلال ظاهر في ذاك اليوم وذهب وقت الصلاة، ماذا يفعلون؟ لا يصلون في وقت الظهر أو بعد الظهر أو كذا ، لا ، ينتظرون إلى اليوم الثاني ويصلون صلاة العيد في نفس وقتها في اليوم الأول، هذه لها حكم خاص وسيأتي تفصيله إن شاء الله في صلاة العيد، وله حديث مستقل جاء به .
يوجد نقاش طويل للمؤلف في قوله(( بل أداءٌ في وقت زوال العذر)) لكن سيطول الكلام فيه فنختصر إلى هذا القدر ونكتفي والله أعلم
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 13:41   #19
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس التاسع عشر]

[المجلس التاسع عشر]


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
درسنا اليوم هو الدرس التاسع عشر من دروس شرح الدرر البهية
فدرسنا اليوم يبدأ بصلاة الجمعة
قال المصنف رحمه الله: باب صلاة الجمعة
((تجب على كل مكلَّف. إلا المرأة والعبد والمسافر والمريض)) صلاة الجمعة معروفة وحكمها فريضة من فرائض الله، أمَر الله تبارك وتعالى بها فقال جل في علاه{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } [ الجمعة/9]، وهذا أمرٌ بالسعي إلى ذكر الله، وقال - صلى الله عليه وسلم - :" الجمعة حقٌ واجبٌ على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبدٌ مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض" أخرجه أبو داود، وهؤلاء الذين ذُكروا لا تجب عليهم الجمعة، ذكر منهم المصنف المرأة والعبد والمريض ولم يذكر الصبي وذلك لأنه من المعروف المقرر أن غير المكلف لا تجب عليه الأحكام الشرعية لقوله - صلى الله عليه وسلم - :" رُفع القلم عن ثلاث: ومنهم الصبي حتى يحتلم"، وهذا الحديث يؤكد أيضاً أن صلاة الجمعة لا تجب على الصبي، بقي ممن ذكرهم المصنف: المسافر، أما المسافر فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا تجب عليه صلاة الجمعة كما قال المصنف رحمه الله، دليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر والعصر في حجة الوداع يوم عرفة وكان يوم جمعة، يوم عرفة كان يوم جمعة ومع ذلك لم يصلِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جمعة بل صلى ظهراً لأنه كان مسافراً، ولم يُحفظ عنه في حديث صحيح أنه صلى جمعة وهو مسافر، فهذا يدل على أن المسافر لا جمعة عليه، واختلف أهل العلم في المسافر إذا كان في مدينة وهو مسافر وسمع النداء، هل يجب عليه أن يلبي أم لا ؟ والصحيح أنه لا يجب عليه أن يلبي لأنه غير مقصود من هذا النداء كالمرأة تماماً، حكمه في تلك الحال كحكم المرأة تماماً، المرأة لا يجب عليها أن تأتي للجمعة لأنها غير مكلفة بها، وكذلك المسافر.
قال المؤلف رحمه الله :((وهي كسائر الصلوات لا تخالفها إلا في مشروعية الخطبتين قبلها)) هي كسائر الصلوات يعني صورتها وهيئتها كبقية الصلوات تماماً بل هي كصلاة الفجر تماماً، ركعتان إلا في مشروعية الخطبة قبلها تخالف بقية الصلوات في هذه أنها تشرع لها خطبة قبل الصلاة، الخطبتان في صلاة الجمعة حكمهما أنهما واجبتان، الخطبة الأولى والخطبة الثانية، يعني يخطب الخطيب خطبة ثم يجلس جلسة صغيرة ثم يقوم ويخطب الخطبة الثانية، خطبة يوم الجمعة هذه، الصحيح من أقوال أهل العلم أنها واجبة لأن الله تبارك وتعالى قال { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } وذلك بعد النداء، فيكون من ذكر الله الخطبة التي تكون يوم الجمعة، وكذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرَّم الكلام والإمام يخطب وهذا يدل على وجوب الاستماع إليهما، فيدل ذلك أيضاً على وجوبها، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضاً واظب على الخطبتين في الجمعة لكن مجرد المواظبة الصحيح أنها لا تكفي في الوجوب ولكن العمدة على ما ذكرنا بداية، وقول المصنف : وهي كسائر الصلوات، يدل على أنها لا يُشترط لها لا الإمام الأعظم ولا العدد المخصوص ولا المِصْر الجامع، لا يُشترط لها لا هذا ولا ذاك ولا الثالث، فكل هذا لا دليل عليه، لا الإمام الأعظم يعني إذا وُجد الإمام الأعظم وأقامها فيجوز إقامتها وإلا فلا، هذا كلام لا دليل عليه لا في كتاب ولا في سنة، وكذلك العدد المخصوص بعض أهل العلم اشترط لصلاة الجمعة عدداً مخصوصاً، بعضهم قال: أربعين وبعضهم قال: غير ذلك وهذا كله لا دليل صحيح عليه، والمصر الجامع كذلك ليس من شرط صلاة الجمعة أن تكون في مصرٍ جامع بل لو كانت في قرية أو في مكان فيه بدو يجوز أيضاً أن تقام هناك.
قال المصنف رحمه الله:((ووقتها وقت الظهر)) لكونها بدلاً عن صلاة الظهر، اختلف أهل العلم هل يجوز أن تصلى قبل زوال الشمس؟ جمهور أهل العلم على أن أول وقتها هو أول وقت الظهر وهو زوال الشمس ولا تصح قبل الزوال وهو الصواب إن شاء الله لأن الأحاديث الواردة التي استدل بها من قال بأنها تصح قبل الزوال حديث فيها احتمال لا تصل إلى درجة غلبة الظن وليست واضحة تماماً في المقصود ومنها ما هو ضعيف أصلاً، وبوَّب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، قال: وكذا يُذكر عن عمر وعلي والنعمان بن بشير وعمرو بن حُرَيث ثم ذكر أحاديث.
قال المؤلف رحمه الله:((وعلى من حضرها: أن لا يتخطى رقاب الناس)) لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن تخطي رقاب الناس كما جاء في حديث عبد الله ابن بُسْرٍ قال:" جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :" اجلس فقد آذيت" أخرجه أحمد وأبو داود، وأذية المؤمن محرمة فتخطي الرقاب حرام غير جائز، ويجوز التخطي في حالتين: الحالة الأولى أن يكون إماماً لا يصل إلى المنبر إلا بأن يتخطى الرقاب، هذه حالة مستثناة لأنه لا يمكن أن يأتي ويصلي إلا بتخطي الرقاب، والحالة الثانية هي أن يجد فرجة ولا يجد مكاناً في الخلف، عندئذ يجوز له أن يتخطى لأن التقصير حاصل ممن لم يسد الفرجة، فإن وقعت عليه أذية فبسبب عدم سدِّهم لتلك الفرجة وهم مطلوب منهم أن يتقدموا وأن يفسحوا لإخوانهم.
قال المؤلف رحمه الله:((وأن ينصت حال الخطبتين))أي ويجب عليه الإنصات وعدم الكلام في حال الخطبتين لحديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعةأنصت والإمام يخطب فقد لَغَوت" وهذا متفق عليه وأخرج أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :" من اغتسل يوم الجمعة ومسَّ من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه ثم لم يتخطَّ رقاب الناس ولم يلغُ عند الموعظة كانت كفارة لما بينهما، ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً" أي أنه حُرِم أجر الجمعة وتكون له ظهراً يسقط عنه الواجب، فالكلام أثناء الخطبة محرم ومبطل لأجر الجمعة، والمقصود باللغو هنا: الباطل المردود فهو يشمل كل ما شغل عن الإنصات إلى الخطيب، سواء كان كلاماً أو غيره كما جاء أيضاً في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:" من مس الحصى فقد لغى" إذاً اللغو لا يختص بالكلام، كل ما يشغل عن الإنصات للإمام يدخل في اللغو المنهي عنه .
ثم قال المؤلف رحمه الله:((ونُدِب له: التبكير)) أي استُحب له أن يُبَكِّر، أن يأتي الجمعة باكراً لقوله - صلى الله عليه وسلم - :" من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة ثم راح فكأنما قرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" متفق عليه، والظاهر والله أعلم أن الساعة الأولى تبدأ من بعد طلوع الشمس لأن قبل ذلك يكون وقتاً لصلاة الفجر.
ثم قال المؤلف رحمه الله:((والتطيُّب. والتجمُّل. والدنو من الإمام)) أي ويستحب ذلك يوم الجمعة، التطيب مأخوذ من الطيب وهو ما يسمى العطر، والتجمل لباس جميل أي أن يظهر بشكلٍ وهيئة جميلة، والدنو من الإمام أي الاقتراب من الإمام، هذا كله مستحب يوم الجمعة، دليل الطيب: حديث عبد الله بن عمرو الذي تقدم معنا يدل عليه الذي قال فيه:" من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها ولبس من صالح ثيابه"، وجاء في الصحيح أيضاً عن سلمان الفارسي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طُهْرٍ ويدَّهِن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرِّق بين اثنين ثم يصلي ما كُتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى"، إذاً هذا يدل على استحباب مس الطيب يوم الجمعة، وأما دليل التجمل فحديث عبد الله بن عمرو أيضاً المتقدم الذي قال فيه:"ولبس من صالح ثيابه" هذا فيه أيضاً تجمُّل للجمعة، وأما استحباب الدنو من الإمام فقوله - صلى الله عليه وسلم - :" من غسَّل يوم الجمعة واغتسل ثم بكَّر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغُ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها" أخرجه أبو داود وغيره، والشاهد هنا قوله: ودنا من الإمام ، أي اقترب من الإمام، وقوله : غسَّل واغتسل هذه الكلمات بنفس المعنى وكذلك بكَّر وابتكر والذي يدل على أنها بنفس المعنى قوله في الحديث نفسه: ومشى ولم يركب، المشي هو عدم الركوب.
قال المؤلف رحمه الله:((ومن أدرك ركعة منها فقد أدركها)) أي من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فقد أدرك الجمعة ومن لم يدرك ركعة أكمل صلاته أربع ركعاتٍ ظهراً لأنه لم يدرك الجمعة ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة "متفق عليه، فمن لم يدرك ركعة فلم يدرك الصلاة، وإدراك الركعة يكون بإدراك الركوع لحديث أبي بكرة الذي تقدم معنا.
قال المؤلف رحمه الله:((وهي في يوم العيد رخصة)) صلاة الجمعة في يوم العيد رخصة، أي إذا اجتمع عيد وجمعة في يوم واحد، قال المؤلف رحمه الله: هي رخصة، أي يرخص لمن صلى العيد أن يترك الجمعة وذلك لحديث زيد بن أرقم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" من شاء أن يُجَمِّع فليُجَمِّع" وذلك أن معاوية سأل زيد بن أرقم فقال له: شهدتَ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عيدين اجتمعا؟ قال: نعم، قال: صلى العيد أول النهار ثم رخَّص في الجمعة، فقال: من شاء أن يُجمِّع فليُجمِّع" أخرجه أحمد وأبو داود وله شواهد يصح بها، فمن صلى العيد سقط عنه وجوب حضور الجمعة، ولكن يجب على الإمام أن يقيم الجمعة كي يصليها من لم يصلِّ العيد ومن وجبت عليه الجمعة .
بذلك انتهى المؤلف رحمه الله من صلاة الجمعة
قال المؤلف رحمه الله: باب صلاة العيدين
أي صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى
قال:(( هي ركعتان. في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة. وفي الثانية خمسٌ كذلك. ويخطب بعدها)) فالخطبة تكون بعد الصلاة لا قبلها، صلاة العيد سنة مؤكدة على الصحيح من أقوال أهل العلم وهو قول جمهور علماء الإسلام، ودليل عدم وجوبها حديث الأعرابي الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام، قال: خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطَّوَّع، وأما صفتها، فوردت في أحاديث في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها ركعتين فقط، وجاء في حديث آخر من حديث عبد الله ابن عمرو أخرجه أحمد وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبَّر في عيدٍ اثنتي عشرة تكبيرة، سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية فيبدأ في الركعة الأولى بسبع تكبيرات بتكبيرة الإحرام، وفي الثانية يبدأ بخمس تكبيرات وليس منها تكبيرة الانتقال، لأن تكبيرة الانتقال تبدؤها وأنت ساجد، وعندما ترفع من السجود تبدأ بتكبيرة الانتقال، وأما التكبيرات الأخر فتكون وأنت قائم، وخطبة العيد خطبة واحدة بعد صلاة العيد لا قبلها، هكذا جاء في الصحيح ولم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جلس فيها وإنما الجمهور الذين ذهبوا إلى القول بأنها خطبتين قاسوها على الجمعة، أما نصٌ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يوجد في ذلك، قال أبو سعيد الخدري: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوسٌ على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، إذاً الخطبة تكون بعد الصلاة لا قبلها.
قال المصنف رحمه الله:((ويُستحب: التجمل)) أي للعيد، جاء في الصحيحين أن عمر وجد حلة في السوق، حلة من حرير فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - :ابتَعْ هذه فتجمَّل بها للعيد والوفد، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :"إنها لباس مَن لا خَلاق له" أي من لا نصيب له، والإنكار كان على أنها من الحرير، وأقر عمر على قوله: خذها للعيد والوفد، فدل ذلك على أن التجمل للعيد ولاستقبال الوفود من السنة.
قال المؤلف رحمه الله:((والخروج إلى خارج البلد)) أي ويُستحب أن تصلى صلاة العيد في المصلى لا في المسجد لمواظبته - صلى الله عليه وسلم - على هذا الفعل، لكن إذا كان فيه مطر أو كان هناك شمس شديدة أو شيء من الأعذار هذه فلا بأس بصلاتها في المسجد.
قال المؤلف رحمه الله:((ومخالفة الطريق)) أي ويُستحب مخالفة الطريق في يوم العيد، "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم العيد خالف الطريق" أخرجه البخاري، وفي مسلم" كان - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج إلى العيد يرجع في غير الطريق الذي خرج منه.
قال رحمه الله:((والأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى)) أي ويُستحب ذلك، قال أنس بن مالك: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، قال: ويأكلهنَّ وترا" أخرجه البخاري، وجاء في حديث بريدة قال:" كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع" أخرجه أحمد والترمذي، وأرجو أن يصل إلى درجة التحسين.
قال:((ووقتها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال)) وقت صلاة العيد كصلاة الضحى، وقد تقدم بيان وقت صلاة الضحى من ارتفاع الشمس قدر رمحٍ، ويقدَّر ذلك بربع ساعة تقريباً إلى الزوال، أي إلى دخول وقت الظهر، ودليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده كانوا يصلونها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح كما جاء في الحديث، وقبل ارتفاع الشمس وقت نهيٍ فلا يجوز أن تصلى فيه، وتنتهي بدخول وقت صلاة أخرى وهي الظهر.
وإذا لم يرَ الناس الهلال ولم يعلموا بالعيد إلا بعد الزوال، يخرجون إلى العيد في اليوم الثاني فتصلى الصلاة في اليوم الثاني في نفس وقت صلاة العيد لحديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الصحابة أن ركباً جاءوا إلى النبي
- صلى الله عليه وسلم - فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أن يفطروا فكانوا إذا شهدوا عنده من آخر النهار يأمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يغدو إلى مصلاهم، يعني يصلون صلاة العيد في اليوم الثاني.
قال المصنف رحمه الله:((ولا أذان ولا إقامة)) أي لصلاة العيد لا يؤذَّن وليست فيها إقامة أيضاً، قال ابن عباس وجابر بن عبد الله: " لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى" متفق عليه، وقال عطاء كما في صحيح مسلم:" أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعدما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شيء، ولا نداء يومئذ ولا إقامة " هكذا قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه وهذا في صحيح مسلم، وكما جاء أيضاً أنها ليس بعدها صلاة ولا قبلها صلاة ولا تحية مسجد في المصلى فقد قال ابن عباس:" إن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصلِّ قبلها ولا بعدها" متفق عليه، ومن الأخطاء التي نراها اليوم أن بعض الناس يأتون إلى المصلى ويبدءون بصلاة ركعتين وهذا خطأ مخالف لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما إذا كانت في المسجد فلا بأس بصلاة ركعتين تحية للمسجد، وأما التكبير في يوم العيد فالثابت عن الصحابة أنهم كانوا يكبرون يوم الفطر إذا خرجوا إلى صلاة العيد إلى أن يُصلَّوا صلاة العيد، وأما في الأضحى فيبدأ من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق. هكذا قال غير واحد من الصحابة.
نكتفي بهذا القدر وبهذا نكون قد انتهينا من صلاة الجمعة وصلاة العيد
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2012, 13:42   #20
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس العشرون]

[المجلس العشرون]

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد:
فهذا الدرس العشرون من دروس شرح الدرر البهية.
قال المؤلف رحمه الله: باب صلاة الخوف
المقصود بالخوف هنا: الخوف من العدو سواء كان هذا العدو من الكفار أو من المحاربين أو من البغاة أو حتى من السِّباع، أصل مشروعية هذه الصلاة قول الله تبارك وتعالى{ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } [ النساء/102]، هذه الآية أصلٌ في مشروعية صلاة الخوف، وصلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدة صور، أحاديثها في الصحيحين وفي سنن أبي داود، وأجمع الصحابة على فعلها، وأما صفتها فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلاّها بكيفيات مختلفة، هذه الكيفيات كثير منها مذكور في سنن أبي داود وكذلك في الصحيحين، من هذه الصفات: صَفَّتْ طائفة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقف - عليه الصلاة والسلام - ووقف خلفه طائفة من أصحابه، ووقفت طائفة مواجهة للعدو، ثم صلى بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بمن خلفه ركعة واحدة، ثم قام وثبت قائماً، فأتمَّ مَنْ خَلفه صلاتهم، أتموا ركعة بأنفسهم وسلَّموا وقاموا، فجاءت الطائفة الواقفة في مواجهة العدو وذهبت الطائفة التي صلَّت مكانهم فوقفوا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلى بهم الركعة الثانية وجلس وبقي جالساً، فقامت الطائفة التي من خلفه وأتوا بالركعة الثانية إلى أن جلسوا وتشهدوا فسلم بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - .
هذه صورة من صور صلاة الخوف وصورها كثيرة مذكورة في كتب الصحاح والسنن.
قال المؤلف رحمه الله:((وإذا اشتد الخوف والْتَحَمَ القتال صلّاها الراجل والراكب، ولو إلى غير القبلة، ولو بالإيماء)) هذه الحالة هي التي تسمى عند أهل العلم بصلاة المُسايَفة، وهي التي يلتقي فيها المسلم مع عدوه فلا يمكن في هذه الحالة أن تصلى الصلاة على صورتها المعروفة، فخُفِّفَ في عددها وفي هيئتها، فتصلى ركعة واحدة كما صحَّت بذلك الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو إلى غير القبلة وتصلى إيماءً، ما المقصود بالإيماء ؟ أي تشير برأسك إلى الركوع وإلى السجود.
وقوله هنا:((الراجل والراكب)) أي الماشي على قدميه والراكب على دابته، أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر قال:" فإن كان خوفٌ أشد من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها".
قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله -صلى الله عليه سلم -.
وأما الركعة الواحدة فجاء فيها حديث عن ابن عباس في صحيح مسلم، قال:" فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة" وهذا في صحيح مسلم.

قال المؤلف رحمه الله: باب صلاة السفر

((يجب القصر)) صلاة السفر لها أحكام خاصة بها، منها: القصر. لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية قصر الصلاة الرباعية في السفر وهي: الظهر والعصر والعشاء، أما الفجر والمغرب فلا قصر فيهما بالاتفاق، دل على مشروعية القصر في السفر قول الله تبارك وتعالى { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } [ النساء/101]، الآن ظاهر هذه الآية أن الإثم مرفوع على مَنْ خاف من الكفار أن يقصر من الصلاة، يجوز له أن يقصر من الصلاة إن خاف من الكفار، طيب إذا لم يخف من الكفار لا يقصر.
قال يعلى بن أمية: قلت لعمر ابن الخطاب: فقد أَمِنَ الناس - لم يعُد هناك خوف من الكفار- فقال: عجِبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله -صلى الله عليه سلم - عن ذلك فقال:"صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" أخرجه مسلم في صحيحه، فَقَصْر الصلاة في السفر ليس مربوطاً بالخوف.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفراً يُقصر في مثله الصلاة، وكان سفره في حج أو عمرة أو جهاد، أن يقصر الظهر والعصر والعشاء، فيصلي كل واحدة منها ركعتين، ركعتين، وأجمعوا على ألاّ تقصير في صلاة المغرب وصلاة الصبح.
وقال ابن حزم: واتفقوا على أن مَنْ حج أو اعتمر أو جاهد المشركين أو كانت مدة سفره ثلاثة أيام فصاعداً فصلى الظهر والعصر ركعتين فقد أدى ما عليه، ولكن اختلف أهل العلم في حكم القصر للمسافر هل هو واجب أم ليس بواجب ؟ خلاف كبير بين أهل العلم والمسألة حقيقة الخلاف فيها قوي وأدلة الفريقين أيضاً قوية، فالبعض ذهب إلى أن القصر للمسافر واجب وليس باختياره، بل يجب عليه أن يقصر، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة "أول ما فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقرَّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر" وهذا الحديث متفقٌ عليه، فإذاً صلاة السفر فُرضَت ركعتين، إذاً فصلاتها ركعتين فريضة وليست نافلة، وجاء عن ابن عباس في مسلم، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة"، بعض أهل العلم قال: حديث عائشة وحديث ابن عباس متناقضان، كيف ؟ عائشة تقول: فرض الله صلاة الحضر ركعتين، ابن عباس يقول: فرض الله صلاة الحضر أربع، فالجمع بينهما أن يقال: بأن ابن عباس ذكر الفرض المتأخر بعد النسخ، وأما من قال بأن للمسافر أن يُتم وأن يقصر فاحتج بفعل عثمان، عثمان كان مسافراً وكان خلفه جماعة من الصحابة أيضاً مسافرين فأتم في الصلاة وأتم الصحابة الذين صلوا معه صلاتهم أربع، فقيل لابن مسعود وقد كان ممَّن صلى خلف عثمان وأنكر هذا الفعل على عثمان، قيل له: قال: الخلاف شَرّ ، فلو كان القصر واجباً لما جاز لهم أن يتابعوا عثمان على هذا الفعل، لأن فريضتهم ركعتان ولا يجوز لهم أن يزيدوا على الركعتين، كالذي يصلي أربعاً هل يجوز له أن يصلي خامسة ؟ لا يجوز، حتى الإمام إذا قام إلى خامسة لا يجوز لك أن تقوم معه لأنه زاد في الصلاة ما ليس منها فهي مبطلة بالاتفاق، فهذا الفعل من الصحابة دل على أنهم لم يفهموا من هذه الفرضية التي ذكرتها عائشة وغيرها أن صلاة القصر واجبة إضافة إلى قول الله تبارك وتعالى في الآية المتقدمة { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ }، قالوا: مثل هذا اللفظ لا يقال في الواجبات، ليس عليكم جناح أي لا إثم عليكم أن تقصروا من الصلاة، فهذا لا يقال في الواجبات، وكذلك استدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"صدقة تصدق الله بها عليكم"، قالوا: وهذا يقال في الرخَصْ، فإذاً، أدلة الفريقين قوية، لكنني أميل إلى القول الثاني الذي يقول بأنها مستحبة وليست فريضة.
قال المؤلف: ((على من خرج من بلده قاصداً للسفر)) أي يجب القصر على من خرج من بلده قاصداً للسفر، فهذا هو المسافر، المسافر هو الذي خرج من محل إقامته قاصداً للسفر، فإذا خرج الشخص من بلده قاصداً للسفر فهو مسافر.
قال:((على من خرج من بلده قاصداً للسفر وإن كان دون بَريد)) يجب عليه القصر على ما قرر المؤلف، قال: (يجب القصر على من خرج من بلده قاصداً للسفر وإن كان دون بريد) يعني وإن كان مسافة السفر أقل من بريد، والبريد نصف يوم -بالمشي على الدابة طبعاً- وهي أربعة فراسِخ تُقدَّر بعشرين إلى اثنين وعشرين كيلو تقريباً، -هذه مسافة البريد-، قال: وإن كانت أقل من بريد، إذا خرج من بلاده مسافراً فيجب عليه أن يقصر (على ماذكر المؤلف)، والصحيح أنه لا حد للمسافر بالمسافة، السفر لا حد له بالمسافة لأن التحديد يحتاج إلى دليل شرعي صحيح ولا يوجد، وإذا ورد حكم شرعي يحتاج إلى حدٍ، هذه قاعدة، ضابط تمشي عليه، إذا ورد حكم شرعي يحتاج إلى حد ولم تجد له حداً في الشرع ترجع إلى اللغة، فإذا كان له حد في اللغة تضع حده من اللغة، فإذا لم يكن له حد في اللغة ترجع إلى العُرْفْ وتحده بالعُرْفْ .
هذا هو الضابط في هذه المسألة
فالآن هنا السفر ما هو حده ؟ متى يعتبر الشخص مسافراً ؟ إذا قطع عشرين كيلو ؟ , ثمانين كيلو ؟ , مئة كيلو ؟ طيب إذا قلت لي: عشرين، أقول لك: هات الدليل, إذا قلت: ثمانين، أقول لك: هات الدليل، قلت: مئة، هات الدليل، لا يوجد دليل في الشرع، ليس في الشرع دليل صحيح يدل على التحديد، فنرجع في ذلك إلى اللغة، نبحث في اللغة فوجدنا أنهم يطلقون كل من خرج من بلده أو من محل إقامته يسمونه مسافراً، إذاً لا يوجد عندهم تحديد للمسافر فرجعنا إلى العرف، إذاً الضابط في تحديد المسافة التي أنت خرجت إليها هل هي سفر أم ليست بسفر هو العرف .
ونرُدُّ على الذين يقولون بالثمانين كيلو والخمسة وثمانين كيلو بحديث صحيح مسلم من حديث أنس قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج ثلاثة أميالٍ أو فراسخ -شك من أحد رواة الحديث وهو شعبة- صلى ركعتين" يعني قصَر أي فهو مسافر، ثلاثة أميال هذه كم تساوي ؟ خمسة كيلو تقريباً ، ثلاث فراسخ: الفرسخ الواحد ثلاث أميال، ثلاث فراسخ كم تأتي ؟ خمسة عشر كيلو، يعني بالكثير خمسة عشر كيلو كان يقصر - صلى الله عليه وسلم -، فهذا إذاً رد على الذين يقولون بالتحديد بثمانين أو خمسة وثمانين كيلو، النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خرج أقل من هذا بكثير وقصر .
قال المؤلف رحمه الله: ((وإذا أقام ببلد متردداً قَصَر إلى عشرين يوماً))، يريد أنَّ مَنْ بقي متردداً ولم يعزم الإقامة في بلد ما مدة معينة، لم يعزم شيء، دخل البلد قال: اليوم أخرج، غداً أخرج، بعد غد أخرج، ما أدري، فهو متردد، قال: في هذه الحالة إذا مكث عشرين يوماً قصر، وإذا زاد عن عشرين يوم لا يقصر، يستدل المؤلف بقصة تبوك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل تابوك وقصر لمدة عشرين يوماً.
وقال المؤلف رحمه الله: ((وإذا عزم على إقامة أربعٍ أتم بعدها))، الآن المؤلف يفرِّق ما بين المتردد ومَنْ عزم الإقامة، المتردد هو يبقى شاكاً لا يدري كم الذي سيمكثه: يوم, يومين, ثلاث، لا يدري، لكن إذا جزم أنه سيمكث أربعة أيام فأكثر يقول المؤلف: (أتم بعدها) خلاص يُتِم، إذاً هو غير مسافر على كلام المؤلف، والمسألة هذه من المسائل التي فيها نزاع كبير بين أهل العلم، مَنْ الذي يعتبر مسافراً، الصحيح أن المسافر مسافر ما لم ينوِ واحداً من أمرين، المسافر الذي خرج من بلاده مسافراً وكان في العرف أن المسافة التي سيقطعها هي سفر، أنه مسافر ويبقى مسافراً حتى إن وصل إلى البلد التي يريدها يبقى مسافراً ما لم ينوِ أحد أمرين:
__ الأول: الإقامة المطلقة، يعني التي لم يقيدها لا بزمن ولا بعمل، لم يقيدها بشيء، خلاص نوى يقيم في هذه البلد فقط، ليست محددة هذه الإقامة بمدة زمنية معيَّنة يقضيها ويرجع إلى بلده، هذه الإقامة المطلقة كإقامة السفراء مثلاً، سفراء بلادهم يأتون إلى البلاد هذه سفير يجلس فيها ليست عنده مدة معينة، يجلس للقيام بعمل بلده ولكن ما عنده مدة معينة أو عمل معين يريد أن يقضيه ثم يرجع، فمثل هذا إذا نوى إقامة مطلقة فهذا لا يعتبر مسافراً، يعتبر مقيم.
__ الأمر الثاني: الاستيطان، إذا دخل البلد ونوى أن يتخذ هذا البلد وطناً له، لا يريد أن يخرج منه، غير ناوي الخروج منه، فمثل هذا أيضاً يكون غير مسافر، فإذا نوى أحد هذين الأمرين ينقطع السفر، الفرق بينهما أن المقيم الإقامة المطلقة لا يريد الاستيطان، يريد أن يرجع، ولكنه غير مقيِّد إقامته لا بزمن معين ولا بعمل معين. أما المستوطن لا ما يريد أن يرجع، اتخذ هذا البلد مكان له.
قال المؤلف رحمه الله:((وإذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها))، طبعاً هم يستدلون بالإقامة أربع، بالعدد أربع هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدِم مكة في حجة الوداع وأقام في مكة أربعة أيام يقصر الصلاة ثم خرج، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عزم على الإقامة في مكة أربعة أيام، لأنه قدم للحج وكونه قدم للحج إذاً فلن يخرج من مكة إلا بعد أن يحج، وهذا الدليل حقيقة لا يصلح للاستدلال لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة في اليوم الرابع اتفاقاً غير متقصد أن يدخل مكة في اليوم الرابع، هذا حصل اتفاقاً، والأمر إذا حصل اتفاقاً لا يصح أن نعلق به حكماً شرعياً لماذا ؟ لو أنه دخل اليوم الثالث أو اليوم الثاني ما أدرانا أنه سيقصر أم لا يقصر ؟ إذا بقي في مكة خمسة أو ستة أيام، ما أدرانا أنه سيقصر أم لن يقصر ؟ إذاً فلا يصح التعلق بمثل هذا الدليل .
قال المؤلف رحمه الله:((وله الجمع تقديماً وتأخيراً))، الجمع يكون بين أي صلاتين ؟ الظهر والعصر, والمغرب والعشاء فقط، الفجر لا يُجمع مع شيء، ولك أن تجمع جمع تقديم أي أن تقدم العصر وتجمعها مع الظهر، وأن تقدم العشاء وتجمعها مع المغرب، ولك أن تجمع جمع تأخير أي تترك صلاة المغرب ولا تصليها حتى يدخل وقت العشاء فتصلي المغرب ثم العشاء، وتترك صلاة الظهر لا تصليها حتى يدخل وقت العصر وتصلي الظهر ثم العصر، فلك أن تجمع جمع تقديم ولك أن تجمع جمع تأخير وكلاهما ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد جاء في الصحيح وهو متفق عليه:" كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما- هذا جمع تأخير- فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب" متفق عليه، هذا ليس فيه جمع الصورة الثانية، لكن جاء في حديث معاذ "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر-هذا جمع تأخير- يصليهما جميعاً وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار، هذا جمع تقديم، وهذا الحديث عند أحمد وأبي داود
وبهذا نكون قد انتهينا من صلاة السفر
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 14:59.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي