Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-12-2012, 07:31   #1
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي * مكتمل * تفريغات مجالس شرح كتاب الدرر البهية للشوكاني في مادة الفقه.

المجلس الأول من شرح متن الدرر البهية



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول لله: أما بعد
فهذا المجلس الأول من مجالس شرح الدرر البهية في الفقه.

والفقه من العلوم المهمة؛ فهو يعتبر غاية بالنسبة لعلوم الآلة، وثمرته العمل.
وعمل من غير فقه لا يصح؛ فواجب على كل مسلم أن يتفقه قبل أن يعمل.
ونعني بالفقه؛ الفقه المعروف عند الفقهاء؛ معرفة الأحكام الشرعية العملية بالأدلة، وإلا فالفقه يختلف من الناحية اللغوية عن المعاني الاصطلاحية.
أما الفقه لغةً: فهو الفهم، ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ، أي ما نفهم كثيراً مما تقول.
وأما من الناحية الشرعية فالفقه: هو معرفة كل ما جاء عن الله - سبحانه وتعالى - سواء كان في العقيدة أو الأعمال أو الأخلاق.
كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو من الفقه.
قال عليه الصلاة والسلام لابن عباس: ]اللهم فقهه في الدين[، أي علمه دينك ؛ فالفقه يدخل فيه من الناحية الشرعية العلم بالعقيدة، والعلم بالفقه المعروف عند الفقهاء، والعلم بالأخلاق والآداب، العلم بكل ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فالفقه في الشرع بمعنى فهم دين الله - تبارك وتعالى-.
وأما الفقه عند الأصوليين: فهو معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. وهذا كنا ذكرناه في شرح الورقات؛ فالعقيدة عند الأصوليين ليست من الفقه، كذلك معرفة الأحكام الشرعية العملية التي عرفت بالضرورة: كتحريم الزنا والربا، ووجوب الصلاة، هذه كلها عند الأصوليين لا تعتبر فقهاً؛ لأنها أمور يشترك في معرفتها العالم والجاهل. وكذلك الأحكام التي عرفت بالتقليد هذا أيضاً عندهم لا يسمى فقهاً.
فعلى ذلك فالفقيه عند الأصوليين هو من كانت له ملكة الاستنباط، هذا يسمى فقيهاً عند الأصوليين.
أما عند الفقهاء فالفقه أعم عندهم؛ هو معرفة الأحكام الشرعية العملية بالأدلة، سواء كانت بالاستنباط أو بالضرورة، كلها تسمى عند الفقهاء فقهاً، فالفقه عند الفقهاء أعم من الفقه عند الأصوليين، بل بعضهم يطلق الفقه على من حفظ جملة من الأحكام الشرعية؛ لكن هذا الحفظ حفظ طائفة من الأحكام الشرعية، غير متيسر عند الكثيرين في زماننا هذا؛ فقالوا: ما هو الضابط في معرفة الفقيه بهذا المعنى في زمننا؟ قال بعض أهل العلم: الضابط في ذلك في زماننا هذا أن يتمكن من معرفة موضع المسألة الفقهية، إذا تمكن من ذلك فيكون فقيهاً عند بعض الفقهاء. لكن الذي ينال الفضائل الواردة للعلماء، ويحصل على مكانة العلماء وفضائلهم، ونرجو له أن يحشر خلف معاذ بن جبل؛ من حقق المعنى الشرعي للفقيه، وكان عاملاً به.
أما الاصطلاحات فهذه لا ينبي عليها فضيلة ولا حكم شرعي ، وإنما هي لتقريب المعنى فقط .
وأما الكتاب الذي سندرسه – إن شاء الله – في هذه المادة، فهو كتاب الدرر البهية للإمام الشوكاني - رحمه الله-.
الشوكاني: هو أبو عبد الله محمد بن علي الشوكاني ثم الصنعاني، من علماء اليمن. ولد سنة 1172هـ، ومات سنة 1250هـ.
وهو من فقهاء المحدثين، ومن العلماء المتأخرين.
له عدة مؤلفات من أشهرها نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، كتاب جمع صاحبه أحاديث الأحكام، وشرحه الشوكاني – رحمه الله-.
ومن كتبه المشهورة أيضاً هذا الكتاب الذي بين أيدينا وهو الدرر البهية، وله عليه شرح سماه الدراري المضيئة.
الدرر البهية هذا، كتاب مختصر في الفقه، جمع فيه مؤلفه الكثير من الأبواب الفقهية، التي صحت أدلتها من الكتاب والسنة، وهو كتاب نفيس ونافع – إن شاء الله تبارك وتعالى – ومناسب لطالب العلم المبتدئ في هذا الفن.
وكلمة الدرر: هي جمع درة، وهي اللؤلؤة العظيمة الجميلة.
والبهية: من البهاء؛ الحسن و الجمال.

قال المؤلف - رحمه الله-: "بسم الله الرحمن الرحيم".
ابتدأ المؤلف بالبسملة، اقتداءً بكتاب الله تبارك وتعالى، فهو مبدوءٌ بالبسملة، وكذلك اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام كان يقتصر عليها في مراسلاته، من دون الحمد كما في كتابه لهرقل عظيم الروم.
في الرسائل كان صلى الله عليه وسلميبدأ بالبسملة.
وأما في الخطب والمحاضرات فكان يبدأ بالحمدلة، والصلاة على نفسه صلى الله عليه وسلم.
ومعنى البسملة هنا: أي أكتب مستعيناً بالله ذو الرحمة.
ثم قال - رحمه الله-: "أحمد من أمرنا بالتفقه في الدين".
هذا حمد من المؤلف لله - تبارك وتعالى - ، فالذي أمرنا بالتفقه في الدين: هو الله -تبارك وتعالى-.
قال سبحانه: ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ التوبة: ١٢٢، الشاهد قوله: ليتفقهوا في الدين، هذا يشمل علم العقيدة، وعلم الفقه، وعلم الأخلاق، والآداب.
وقال - عليه الصلاة والسلام -: ]طلب العلم فريضة على كل مسلم[.
وقال: ]من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين[.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم وحيٌ من الله ، فأمره أمرٌ منه.
الله سبحانه وتعالى أمرنا بطاعته، فقال: ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ المائدة: ٩٢، وقال سبحانهﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧالحشر: ٧، وقال سبحانه:ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ النجم: ٣ - ٤.
فالمؤلف رحمه الله – يحمد الله – تبارك وتعالى - ، ولكنه قال: من أمرنا بالتفقه في الدين ، ولم يقل الحمد لله ؛ كي يشير مع حمده لله في بداية تأليفه إلى موضوع الكتاب ، وهذا يسمى عند العلماء: براعة الاستهلال .
ما هي براعة الاستهلال ؟
هي أن يقدم المصنف في ديباجة كتابه - أي افتتاحية كتابه - جملة من الألفاظ يشير بها إلى موضوع كتابه.
مثل ما فعل المصنف هنا ، الهدف الأساس من هذه المقدمة أن يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في أثناء حمده يأتي بكلمات يشير بها إلى موضوع الكتاب الذي يؤلفه .
علمنا من هذا أنه يشير إلى أنه يؤلف كتاباً في الفقه علمنا ذلك من قوله: أحمد من أمرنا بالتفقه في الدين.
والحمد: هو الثناء على المحمود، بجميل صفاته وأفعاله؛ محبة وتعظيما.
تثني على المحمود الذي تحمده بذكر صفاته وأفعاله الحسنة، مع المحبة والتعظيم، لا بد أن يكون مع الثناء محبة وتعظيم؛ كي يكون حمداً، وهذا الحمد يكون بالقلب وباللسان.
ثم قال - رحمه الله-: "وأشكر من أرشدنا إلى اتّباع سنن سيد المرسلين".
الشكر لمن هنا؟ الشكر هنا لله - تبارك وتعالى -؛ فالله – سبحانه وتعالى – هو الذي وضّح لنا طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأمرنا باتباعه.
ولعل المؤلف يشير بذلك إلى أن كتابه الفقهي هذا سيكون مبنياً على الكتاب والسنة، على طريقة النبي صلى الله عليه وسلم فهو لم يذكر فيه المسائل الفقهية التي ذكرها العلماء باجتهادهم واستنباطاتهم، إنما ذكر المسائل الفقهية التي صحّ دليلها أو أجمعوا عليها.
فالمؤلف حاول أن يسير على طريقة أهل الحديث في الفقه، التي تقدم الكتاب والسنة على كل شيءٍ مع اعتبارهم للمعاني، مع اعتبارهم لمعاني الآيات والأحاديث، ينظرون إلى العلل وإلى المعاني، ويعتبرونها، ويبنون عليها فقههم، هذه طريقة أهل الحديث.
فتعظيمهم للكتاب والسنة يجعلهم يقدمون الكتاب والسنة على كل شيء.
هنالك طريقة أخرى للفقه: طريقة أهل الرأي.
طريقة أهل الرأي هذه تعتمد على الرأي كثيراً في بناء فقهها، بل يصل الحال في البعض إلى تقديم الرأي على النقل! على الكتاب والسنة، ومن هنا جاء ذم السلف للرأي.
تعجبني كلمة قالها الإمام الأوزاعي – رحمه الله – في بعض أهل الرأي، قال: ما نقمنا على فلان أنه يرى، كلنا يرى - يشير إلى أن القياس واستعمال الرأي في حال الضرورة كلنا نحتاج إليه ، لكن هذا عند الضرورة، عندما لا يوجد في المسألة كتاب ولا سنة ولا إجماع – قال: ولكنا نقمنا عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيخالفه إلى غيره. انتهى
هنا جاء الإنكار، مصيبة أن تترك الكتاب والسنة، وتقدم رأيك، هذا ضلال وأيّما ضلال، أن تلويَ أعناق النصوص كي تتماشى مع رأيك، ومع عقلك، كما يفعل كثير من أهل الأهواء اليوم، هذه مدرسة ثانية، تسمى عند الفقهاء: مدرسة أهل الرأي، من أئمتها أبو حنيفة وتلاميذه.
مدرسة أهل الحديث من أئمتها: صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأئمة التابعين كفقهاء المدينة السبعة، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وغيرهم، وكذلك فقهاء بلادهم في أزمانهم كالأوزاعي في الشام، ومالك في المدينة، والليث في مصر، وعبد الله بن المبارك في خرسان، والثوري في الكوفة، وابن عيينة في مكة، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، كل هؤلاء من أئمة أهل الحديث.
كانوا يعظّمون الكتاب والسنة، ويقدمون الكتاب والسنة، ولا يستعملون القياس إلا عند الضرورة، عندما لا يوجد كتاب ولا سنة في المسألة.
والشكر: هو ظهور أثر النعمة على اللسان والقلب والجوارح، بأن يكون اللسان مقراً بالمعروف، ويكون القلب معترفاً بالنعمة، وتكون الجوارح مستعملة فيما يرضاه المشكور، هكذا يكون الشكر.
والشكر لله يكون بذلك كله، فلا بد من صرف النعمة التي أنعم الله بها عليك في طاعته، كي تكون شاكراً.
إذاً الشكر يكون بالجوارح، بخلاف الحمد، الحمد لا يكون بالجوارح. هذا من أوجه الفروق بين الحمد والشكر؛ الشكر يكون بالجوارح، تصلي قربة إلى الله i كي تشكر له، لاحظوا – بارك الله فيكم – سلوك النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، قال المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، – أي لماذا تجهد نفسك لهذه الدرجة بالقيام، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! – فماذا أجاب عليه الصلاة والسلام؟ قال: ]أفلا أكون عبداً شكوراً[.
يريد أن يكون شكوراً لله – تبارك وتعالى - فسمى النبي صلى الله عليه وسلم قيامه هذا قربة لله تبارك وتعالى؛ سماه شكراً.
وقال الله – تبارك وتعالى -:ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ سبأ: ١٣، فالشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان والقلب.
وأما الحمد فلا يكون بالعمل، فالشكر أعم من الحمد من هذا الوجه، والحمد أعم من وجه آخر، الحمد يكون من غير سبق إحسان، يعني تحمد المحمود أحسن إليك أو لم يحسن إليك، بينما الشكر لا يكون إلا على الإحسان، فالحمد من هذا الوجه أعم من الشكر، هذا الفرق بين الحمد والشكر.
ثم قال المصنف – رحمه الله -: "وأصلي وأسلم على الرسول الأمين، وآله الطاهرين، وأصحابه الأكرمين".
وأصلي وأسلم: أي أسأل الله أن يصلي ويسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى عند الملائكة، كما قال أبو العالية الرياحي، وهو إمام من أئمة التابعين، أدرك جمعاً من الصحابة.
والسلام: السلامة من الآفات والنقائص.
وآله الطاهرين: الآل إذا ذكروا من غير ذكر الأصحاب معهم، فالمقصود أتباعه على دينه، من قرابته وغيرهم؛ لأن الآل تأتي بمعنى الأتباع في اللغة، وأما إذا ذكر الأصحاب، كما هنا في قول المصنف، فتكون بمعنى: الأهل؛ فالآل تأتي بمعنى الأهل أيضاً كما تأتي بمعنى الأتباع.
إذا ذكرت لوحدها فهي تعني الأتباع لأنها أعم وأشمل، وأما إذا ذكر الآل مع الأصحاب فالآل تكون بمعنى: القرابة، الذين آمنوا منهم.
والمؤلف رحمه الله – صلى وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم امتثالاً لقول الله - تبارك وتعالى -: ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ الأحزاب: ٥٦، وكان صلى الله عليه وسلم يصلي ويسلم على نفسه في خطبه بعد الحمد.

ثم قال المؤلف – رحمه الله-: "كتاب الطهارة".
كتاب: مصدر، يقال كتب يكتب كتابةً وكتاباً.
ومادة كتب في اللغة العربية تدل على معنى الجمع والضم، لذلك سميت كتيبة الجيش: كتيبة؛ لأنها تجمع وتضم مجموعة من أفراد الجيش.
استعمل العلماء ذلك فيما يجمع أشياء من الأبواب والفصول الجامعة للمسائل، والجمع والضم فيه حاصل على الحروف والكلمات وعلى المعاني.
الجمع والضم في الكتاب: كتاب الطهارة حاصل على جمع وضم الحروف والكلمات، وجمع وضم المعاني التي ترتبط بمسألة الطهارة.
والمراد هنا من حيث المعنى جمع وضم الأبواب والمسائل المتعلقة بالطهارة.
وتعريف الكتاب اصطلاحاً: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب وفصول غالباً.
الجملة المختصة من العلم عندنا هنا هي الطهارة، وهذا الكتاب كتاب الطهارة مقسم إلى فصول وأبواب كما سيأتي.
وهذا حال الكتب في الكتب الفقهية والحديثية المبوبة على الكتب الفقهية، في الغالب الكتاب يكون مقسماً إلى أبواب وفصول.
أما الطهارة لغة: فهي النظافة والتنزه عن الأدناس التي هي الأوساخ. الطهارة لغة: النظافة، هذا من حيث اللغة. طهِّرْ المكان: أي نظّفه.
وأما في الشرع فتطلق على معنيين: طهارة القلب من الشرك في العبادة، وهذا محله كتب الاعتقاد، والمعنى الثاني وهو المراد هنا: رفع الحدث وإزالة النجاسة أو ما في معناهما.
رفع الحدث:
الحدث: هو ما يوجب الوضوء أو الغسل، الحدث عندنا هنا في المعنى الشرعي ما يوجب الوضوء أو الغسل، هذا يسمى حدثاً، ما يوجب الوضوء يسمى الحدث الأصغر، كخروج الريح أو قضاء الحاجة.
وما يوجب الغسل يسمى الحدث الأكبر، كالجنابة.
صحّ عن عبَيدة السلماني وهو أحد كبار علماء التابعين من تلاميذ علي بن أبي طالب، وابن مسعود وغيرهما، أنه سئل: ما يوجب الوضوء؟ قال الحدث. ويعني به الحدث الأصغر.
والنجاسة في اللغة: القذر، وفي الشرع: كل عين يجب التطهر منها، مثل البول والبراز.
هذه عين : شيء موجود يجب أن تتنظف منه، تتطهر منه، الذي أوجب عليك ذلك هو الشارع، هو الله سبحانه وتعالى، فإذا أوجب الله عليك أن تتنظف من شيء فهو نجاسة غالبا.
وقولنا: أو ما في معناهما، كتجديد الوضوء مثلاً، لو نظرت إلى تجديد الوضوء، ليس هو برفع حدث ولا إزالة نجاسة أيضاً، لكنه في معنى ذلك، وهذا أيضاً يدخل في الطهارة: تجديد الوضوء.
هذا معنى كتاب الطهارة، جمع المصنف في هذا المبحث كل ما يتعلق بالطهارة من المسائل الفقهية التي صحّ دليلها.
لماذا بدأ المؤلف بكتاب الطهارة؟ إذا نظرت في كتب الفقه تجدهم أو غالبهم يبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة، ثم الزكاة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ]بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج[، بهذا الترتيب الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم أراد الفقهاء أن يرتبوا كتبهم ، بعض كتب الحديث يبدأ أصحابها بالمسائل العقائدية: الإيمان، التوحيد، ثم يبدؤون بالطهارة، فالصلاة ، بعضهم يبدأ بالطهارة فالصلاة، الفقهاء يبدؤون بالطهارة فالصلاة؛ لأن كتب العقيدة أفردت عن كتب الفقه، ويبدؤون بالطهارة قبل الصلاة؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة ، فكان لا بد أن يقدموا الطهارة على الصلاة؛ لذلك قدّم المؤلف وغيره من الفقهاء الطهارة على الصلاة، ثم تابعوا على حسب الترتيب الوارد عندهم في الحديث ، فبدأوا بالأهم فالمهم أو بما لا يصح المهم إلا به.

نكتفي بهذا القدر إن شاء الله ونكمل في الدرس القادم.

آخر تعديل بواسطة أم أفنان السلفية ، 17-04-2013 الساعة 12:38
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-12-2012, 07:33   #2
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

المجلس الثاني من شرح متن الدرر البهية


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
قال المؤلف - رحمه الله -: ( باب)
الباب لغة: هو الطريق إلى الشيء والموصل إليه، وباب المسجد وباب الدار، ما يدخل منه إليه ، إلى الدار أو إلى المسجد. وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من الكتاب. تقدم معنا في الدرس الماضي شرح الكتاب، والباب اسم لجملة مختصة من الكتاب فهي جزء من الكتاب بين أفرادها ارتباط أخص من ارتباطها ببقية مسائل الكتاب.
وهذا الباب الذي سيبدأ به المؤلف رحمه الله هو: باب حكم المياه.
فقال - رحمه الله -: (هذا الباب قد اشتمل على مسائل. . .)
المسائل: جمع مسألة من السؤال وهي: المطلوب الذي يحتاج إثباته إلى برهان ودليل.
قال المؤلف - رحمه الله -: (الأولى )- أي المسألة الأولى من مسائل هذا الباب - قال: (الماء طاهر مطهر. . .)
المراد بالماء هنا: الماء المطلق، وهو ما يكفي في تعريفه اسم الماء ؛ أي الذي لم يضف إلى شيء، لم تقل ماء ورد ولا ماء زهر ولا غير ذلك، إنما قلت فقط كلمة ماء.
هذا هو المقصود بقول المؤلف: الماء طاهر مطهر. وهذا الماء كالماء النازل من السماء أو النابع من الأرض: مياه العيون، مياه الآبار، مياه الأنهار، مياه الأمطار، هذه كلها تسمى ماءً مطلقاً، كذلك ماء البحر، وماء البحر أيضا من الماء المقصود في كلام المؤلف؛ فماء البحر أيضا طاهر مطهر قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : " هو الطهور ماءه الحل ميتته " .
قال الماء طاهر ، أي ليس بنجسٍ في نفسه. ومطهر: أي مجزئٌ في الطهارة الشرعية من رفع حدث أو إزالة نجس ، هذا معنى مطهر، أنه يُرفع به الحدث ، فلك أن تتوضأ به، وأن تغتسل به، وأن تزيل به النجاسة، تنظف النجاسة به، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للمرأة الحائض، قال: واقرصيه بالماء : أي نظفيه بالماء. وقال في بول الرجل الذي بال في المسجد: " أهريقوا عليه ذنوباً من ماء ".
فالماء طاهر مطهر، دليل ذلك : قول الله - تبارك وتعالى -: { وأنزلنا من السماء ماءً طهورا } [الفرقان: 25].
الطهور ، يقول ثعلب - وهو أحد أئمة اللغة - قال: الطهور، هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره . هذا معنى كلام المؤلف : الماء طاهر مطهر ؛ طاهر في نفسه مطهر لغيره. وكذا قال الأزهري - رحمه الله - وهو أيضا من أئمة اللغة الكبار، صاحب كتاب: تهذيب اللغة.
وقال تعالى: { ويُنَزِّلُ عليكم من السماء ماءً ليطهركم به } [الأنفال: 8] ، فالماء مطهر لغيره.
وقال: { فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً } [النساء: 4، النساء: 5] ، فالأصل في التطهير الماء. وقال - صلى الله عليه وسلم -: " الماء طهور لا ينجسه شيء " . هذا يدل على أن الماء طاهر، وجاءت أحاديث كثيرة تدل على أن الماء طاهر مطهر، وقد تقدم يعضها .
وقال المؤلف - رحمه الله -: (لا يخرجه عن الوصفين، إلا ما غيّر ريحه أو لونه أو طعمه من النجاسات )
أي لا يخرج الماء عن وصفين : وصفه بأنه طاهر، ووصفه بأنه مطهر، لا يخرجه عن هذين الوصفين إلا ما غير ريحه، أو طعمه، أو لونه من النجاسات ، يعني إلا إن وقعت فيه نجاسة غيّرت أحد هذه الأوصاف الثلاثة التي هي الريح التي تدرك بحاسة الشم، واللون الذي يدرك بحاسة البصر، والطعم الذي يدرك بحاسة الذوق . هذه الأوصاف الثلاثة إذا وقعت النجاسة في ماء فغيرت أحد هذه الأوصاف الثلاثة تفقده الوصفين .
الدليل على أن الماء إذا سقطت فيه نجاسة وغيّرت أحد أوصافه الثلاثة، أنه لا يكون طاهراً ولا مطهراً
؛ هو إجماع العلماء ، فقد أجمعوا على أن الماء إذا سقطت فيه نجاسة، وغيّرت أحد أوصافه الثلاثة فهو نجس لا يطهر غيره.
والإجماع دليل من أدلة الشرع.
الأدلة الشريعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، وقد انعقد الإجماع على ذلك، فالإجماع يخصص عموم قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: " الماء طهور لا ينجسه شيء ، ويخصص عموم الأدلة التي دلت على أن الماء طاهر مطهر .
وورد في ذلك حديث عند ابن ماجة أن النبي – صلى الله عليه وسلم قال: إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه. لكن هذا الحديث، قال النووي رحمه الله -: واتفقوا على ضعفه؛ فإذاً لا يعمل به. وإنما العمل بناءً على ماذا؟ على الإجماع.
ثم قال المؤلف – رحمه الله -: (وعن الثاني، ما أخرجه عن الاسم المطلق من المغيِّرات الطاهرة)
وعن الثاني أي عن الوصف الثاني، لا يخرج الماء عن كونه مطهراً إلا ما يخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة ، بأن يخالط الماء المطلق طاهر من الطهارات، فيغير إطلاقه، فيصبح له اسماً آخر. فلنأتِ مثلاً بكيس من الشاي الناشف ، ونضعه في كأس من الماء، الآن كيس الشاي هذا: طاهر أم نجس؟ طاهر. وضعناه في كأس الماء، قلب حقيقته، هل بقي يطلق عليه ماء مطلق؟ لا.
ماذا يقال له الآن؟ شاي.
هذا الآن طاهرٌ في نفسه ولكنه ليس مطهراً، لا يصلح أن تتوضأ به ، ولا أن تغتسل به ؛ لأنه ليس ماءً.
والوضوء والغسل لا يكون إلا بما ثبت في الشرع أنه يصح به.
ثم قال – رحمه الله -: (ولا فرق بين قليل وكثير)
يعني أن الماء كله بنفس الحكم ، إذا سقطت فيه نجاسة فغيرت أحد أوصافه الثلاثة، صار نجساً. وإذا لم تغيّر أحد أوصافه الثلاثة بقي طاهراً. فلا فرق في ذلك بين أن يكون الماء قليلاً أو كثيراً.
وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، فبعض العلماء فرّق فقال: إذا كان الماء كثيراً، إذا سقطت فيه نجاسة من النجاسات، فلم تغيّر أحد أوصافه الثلاثة ؛ فهو طاهر ومطهر، وأما إذا غيّرت أحد أوصافه الثلاثة، فيكون نجساً.
قال: لكنني أخالفكم في الماء القليل!
نحن نقول: إذا سقطت النجاسة فيه، فغيرت أحد أوصافه الثلاثة فهو نجس.
قال نحن متفقون في هذا.
ونقول: إذا سقطت النجاسة في الماء القليل، ولم تغير أحد أوصافه الثلاثة، فيبقى طاهراً.
فيقول: لا، أنا هنا أخالف. كيف؟! يقول: هذا يصبح عندي نجساً.
لماذا؟ ما هي حجتك؟ قال حديث القلتين أحد ما نحتج به .
بعض أهل العلم الذين يفرّقون، يحتجون بحديث القلتين، هذا أقوى دليل، وعندهم أدلة أخرى، لكن هذا الحديث أقوى دليل يحتجون به، " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث أو النجس ". هذا ما يستدلون به. لكن هذا الحديث في صحته خلاف، ونزاع بين أهل العلم، والصحيح هو ما رجّحه الإمام المزّي، وشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمهما الله أنه حديث ضعيف فيه اضطراب، والأقرب إلى الصواب أن يكون موقوفاً على ابن عمر رضي الله عنهما أي من كلامه.
قال المؤلف – رحمه الله -: (وما فوق القلتين وما دونهما )
أي لا فرق بين ما هو أكثر من القلتين، أو ما هو أقل من القلتين، هذا تحديد من بعض أهل العلم، ومنهم الشافعية، للفرق بين القليل والكثير. البعض فرّق بين القليل والكثير واختلفوا في الحد، ما هو الضابط؟ الشافعية مثلاً وغيرهم فرّقوا بالقلتين، فقالوا: ما كان أكثر من قلتين، إن سقطت فيه النجاسة، ولم تغير أحد أوصافه الثلاثة، يبقى طاهراً، أما إذا كان دون القلتين، يصبح نجساً بمجرد أن تسقط النجاسة فيه، واختلفوا في القلتين هاتين، كم مقدارهما . القلة: هي الجرة الكبيرة: هذا هو أصلها، وقد اختلف العلماء اختلافاً كثيراً فيها ، فبعضهم يقول: مائتي لتر. وبعضهم: مائتين وخمسين، وخمسة وسبعين، والبعض: ثلاثمائة، على خلاف شديد، لأن أصل قدر القلتين اختلفوا فيه واضطربوا فيه اضطراباً كثيراً، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يضع ضابطاً بمثل هذه المقادير التي يختلف فيها، ولا يعرف قدرها.
ثم قال المؤلف – رحمه الله -: ( ومتحركٍ وساكنٍ)
أي ولا فرق بين ماء متحرك وبين ماء ساكن. لا فرق بين الماء المتحرك والماء الراكد الذي لا يتحرك. الماء المتحرك كمياه الأنهار، أما الماء الراكد كمياه المستنقعات، التي نعرفها. ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز التطهر أو التطهير بالماء الساكن، وهذه المسألة الخامسة من مسائل الباب، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم -:" لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب". فقالوا: النبي صلى الله عليه وسلم -، نهى عن الاغتسال في الماء الدائم، ويرد عليهم أنه ورد في نفس الحديث أنهم سألوا أبا هريرة : فقالوا: يا أبا هريرة، ماذا نفعل؟ قال: يتناوله تناولاً. فأجاز التطهر به ، وراوي الحديث أدرى بمرويه ، وعلة النهي عن الاغتسال فيه من الجنابة كونه يصير مستخبثاً مستقذراً؛ فيبطل نفعه، فالنهي لسد الذريعة، لا لكونه راكداً.
ثم قال المؤلف – رحمه الله -: (ومستعمل وغير مستعمل)
أي لا فرق بين ماء مستعمل، وماء غير مستعمل.
والخلاف في هذه المسألة أشد وأقوى من المسائل الماضية. الماء المستعمل، الذي استعمل في عبادة من العبادات.
يعني ما اغتسلت أو توضأت به ، الماء الذي تقطّر من يديك ،هذا الماء يسمى ماءاً مستعملاً، ليس الذي بقي من وراءك.
اختلف أهل العلم فيه ، فالبعض قال: هو طاهر ومطهر. والعض قال: هو نجس أصلاً. والبعض قال: هو طاهر، لكنه غير مطهر. وكل احتج بأدلة. والصحيح أنه طاهر مطهر ، والدليل على أنه طاهر أن النبي – صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ كادوا - أي الصحابة - أن يقتتلوا على وضوءه. ولو كان نجساً ما قربوه.
وثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم أنه صبّ على جابر رضي الله عنه من وضوئه.
وثبت أن أحد الصحابة شرب من وضوء النبي – صلى الله عليه وسلم -. وبوّب البخاري باباً في استعمال فضل الوضوء وساق آثاراً في ذلك.
بوّب فصلا خاصا في استعمال فضل الوضوء، وساق آثاراً تدل على جواز استعماله.
وأما كونه مطهراً، فإن الماء المستعمل ماء مطلق، لم يخالطه غيره حتى يخرج عن كونه مطهرا ، ودعوى أنه ماء غير مطلق غير مسلّمة ؛ إذ إن الماء المطلق هو الباقي على أصله، الذي لم تتغير رائحته ولا لونه ولا طعمه، لم يتغير شيء من أوصافه الثلاثة، لا بنجاسة ولا بطهارة. هذا الماء المطلق وهذا الماء المستعمل هو كذلك، إذاً فلا يصح أن ندّعي أنه غير مطهر إلا بدليل صحيح ولا يوجد.
خلاصة هذا المبحث: أن الماء المطلق طاهرٌ ومطهر، والماء إما أن يخالطه شيء طاهر، أو شيء نجس، فإن خالط الماء طاهر فينظر، إن أخرجه عن اسم الماء المطلق، فهو طاهر غير مطهر، وإن لم يخرجه فهو طاهر مطهر. ومخالطة الشيء اليسير الطاهر له لا تؤثر فيه. وكذلك مخالطة ما لا يمكن الاحتراز منه غالباً. مخالطة الشيء اليسير يعني: لو أن الماء هذا خالطه شيء من العجين، هذا الشيء اليسير من العجين بحيث لا يخرج عن اسم الماء المطلق، لا يؤثر فيه. فقد ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم أنه توضأ من جفنة فيها أثر عجين.
وكذلك مخالطة ما لا يمكن الاحتراز منه غالباً، كالطحالب مثلاً ، أو ورق الشجر، أو التراب غيرها من الأشياء التي تختلط بالماء .
هذه أشياء لا يمكن الاحتراز منها، لا يمكن أن نحفظ المياه منها، فمثل هذه لا تؤثر في كون الماء طاهراً مطهراً.
وأما الماء الذي خالطته نجاسة، فإن غيرت أحد أوصافه الثلاثة فهو نجس، لا يصح التطهر ولا التطهير به. وإن لم تغير أحد أوصافه الثلاثة فهو طاهر ومطهر ولا فرق بين القليل والكثير على الصحيح ومن أقوى المذاهب الفقهية في باب المياه مذهب الإمام مالك – رحمه الله -. حتى قال الغزالي أحد أئمة المذهب الشافعي : قال وددت لو أن مذهب الشافعي في المياه، كان كمذهب مالك.
مذهب مالك من أقوى المذاهب في المياه، كما أنه من أقوى المذاهب في البيوع. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين الطيبين.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-12-2012, 07:36   #3
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الثالث]

[الدرس الثالث]

فصل أحكام النجاسات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبدأ بالدرس الثالث من دروس شرح الدر البهية. انتهينا في الدرس الماضي من باب أحكام المياه. ونبدأ اليوم في فصل أحكام النجاسات.
قال المؤلف رحمه الله: ( والنجاساتُ هي غائطُ الإنسانِ مطلقاً وبولُه، إلا الذكرَ الرضيعَ )
تقدم معنا تعريف النجاسة وقولنا : إنها في اللغة هي القذر .
وفي الشرع: كل عين يجب التطهر منها مثل البول والبراز.
قال المؤلف هنا : والنجاسات هي غائط الإنسان مطلقا وبوله، المؤلف يريد رحمه الله أن يبين لنا النجاسات التي ثبت في الشرع وصفها بذلك. اعلموا أولاً بارك الله فيكم، أن القاعدة عندنا في هذا الباب التي ستكون كالمقدمة فيه، أن الأصل في الأشياء الطهارة. فإذا جاء دليل ناقل عن ذلك الأصل أُخذ به. هذا الأصل دلت عليه كليات وجزئيات في الشريعة، الأصل في الأشياء الطهارة هذه القاعدة تفيدنا بأن أي شخص ادعى أن عينا ما نجسة أنه يجب عليه أن يقيم البينة ؛ الدليل الشرعي على نجاستها ؛ وإلا فلا يقبل منه.
نحن نقدم بداية في نقاشنا معه هذه القاعدة. ونقول له الأصل في الأشياء الطهارة فإن أقمت الدليل على أن عينا ما نجسة قبلنا منك، وإلا فلا.
قال: والنجاسات هي غائط الإنسان، والغائط عند العرب ما اطمأن من الأرض، أي ما انخفض، كانت العرب فيما مضى يطلبون الأماكن المنخفضة لقضاء الحاجة ؛ لأنها أستر، فكثر هذا منهم حتى سموا الحدث الخارج من الإنسان باسم الموضع.
العرب كان عندهم أدب في انتقاء الألفاظ والكلمات، فلما كان الخارج من الإنسان مستقذراً، حاولوا أن ينقلوا الاسم إلى شيء قريب كي يكون مقبولا .
والغائط نجس كما قال المؤلف – رحمه الله – وذلك بالاتفاق، أي المسألة محل إجماع، وإذا كانت المسألة محل إجماع فلا نقاش فيها، انتهى الأمر؛ لأن الإجماع دليل من أدلة الشرع الصحيحة، معرفة الأدلة الشرعية يرجع فيها إلى علم أصول الفقه، هذا من مبحث أصول الفقه، يقال: هل الإجماع حجة أم ليس بحجة؟ أقول لك: ارجع إلى أصول الفقه، فستعرف حجة أم ليس بحجة.
الآن يكفينا نأخذ من الأصول هذه القاعدة أن الإجماع حجة، تكفينا نحن كطلبة فقه. فإذا كان الإجماع حجة، وثبت بالإجماع أن غائط الإنسان نجس، لا نحتاج إلى كلام أكثر من هذا.
إن أقمنا الدليل من الكتاب والسنة فزيادة الأدلة تزيد المسألة قوة في النفس. قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: " إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور " .
هذا يثبت لنا أن الغائط نجس.
وكذلك البول نجس بالاتفاق، وذلك لما جاء عن أنس أنه قال: إن أعرابياً بال في المسجد، فقام إليه الناس، فقال لهم النبي – صلى الله عليه وسلم -: دعوه: أي اتركوه، وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماء. فأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بإهراقة ذنوباً من ماء على بول الأعرابي دليل على نجاسته ؛ لأنه لو لم يكن نجساً لما أمرهم بتطهيره بالماء.
واختلفوا في بول الذكر الرضيع، أهو نجس أم لا؟ والصحيح أنه نجس أيضاً، إلا أن الشارع خفّف فيه، خفف في طهارته، تخفيفاً على الآمة، سبب الاختلاف ؛ ما جاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – من حديث أم قيس – رضي الله عنها – أنها أتت بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام، فبال في حجر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فدعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بماء فنضحه: أي صبّ عليه الماء ، لكن صب الماء هذا، بدرجة لا يصل معها إلى الجريان، هذا معنى النضح، فنضحه – عليه الصلاة والسلام – على ثوبه ولم يغسله غسلاً ، هنا الشاهد أنه نضحه ولم يغسله، فأصبح عندنا فرق في كيفية التطهير؛ فلما اختلفت طريقة التطهير اختلف أهل العلم ، فبعضهم رأى أن هذا التفريق دليل على أن بول الذكر الرضيع ليس بنجس، لكن الصحيح أنه نجس والاختلاف في كيفية التطهير لا تدل على عدم نجاسة الشيء؛ فالأذى غائط الإنسان مثلاً، كيف طُهّر بالنعلين؟ طهر بدلكهما في التراب ، كذلك تطهير دم الحيض تقرصه ثم تحته بالماء ثم تنضحه، فالاختلاف في كيفية التطهير لا يدل على عدم نجاسة الشيء.
وجاء في الحديث عن علي – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال في بول الغلام: ينضح من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية، فقوله هنا يغسل من بول الجارية، جعلهم يختلفون في بول الجارية؛ لأن صورة التطهير في بول الجارية واحدة لم تختلف ؛ لكن اختلفت صورة التطهير في بول الذكر فحصل الخلاف هناك، ولكن كما ذكرنا الصحيح أن بول الذكر الرضيع يعتبر نجساً ، وما ذكروه لا يصلح أن يكون دليلا
ثم قال المؤلف – رحمه الله -: ( ولعاب كلب )
أي ولعاب الكلب أيضاً نجس عند المؤلف، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أُولاهن بالتراب. فاستدلوا بقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: طهور إناء أحدكم. قالوا هو نجس، لذلك أمرنا بتطهيره. ولكن الصحيح أن لعاب الكلب ليس بنجس، والطهارة المأمور بها هنا لإزالة الجراثيم التي تكون في لعاب الكلب. وتختلط بالإناء وما فيه. والدليل على أن لعابه طاهر أن الله – سبحانه وتعالى – أذن في الأكل مما أمسكن علينا ، بالأكل من صيد الكلب ، الكلب عندما يمسك الصيد يمسكه بفمه. فيختلط لعابه بالصيد. قال الإمام مالك – رحمه الله -: يؤكل صيده، فكيف يكره لعابه؟! والدليل الذي استدلوا به هي لفظة الطهارة، ولفظة الطهارة ههنا لا تدل على النجاسة؛ فالطهارة لا تدل على النجاسة دائماً، أحياناً تأتي لرفع النجاسة، وأحياناً لا تأتي لرفع النجاسة. فمثلاً، قال الله – تبارك وتعالى -: {وإنْ كنتم جنباً فاطّهروا} [المائدة: 6]. هنا أمر بالتطهر ، فهل كان المؤمن نجساً حتى يطهّر؟ لا. بنص النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي قال فيه: إن المؤمن لا ينجس. إذاً الطهارة هنا لرفع الجنابة فقط وليس لرفع النجاسة، فالطهارة إذاً تأتي لإزالة النجاسة، وتأتي لغير ذلك. وقال أيضاً – عليه الصلاة والسلام في الهرة -: إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات. هذا استدلال آخر، يعني الآن الهرة، قال فيها – صلى الله عليه وسلم -: إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات. طيب أليست الكلاب أيضاً من الطوافين علينا والطوافات؟ فالكلب يلحق بالهرة، بعدم النجاسة. هذا دليل آخر، والذي قال بعدم نجاسة لعاب الكلب: الإمام الزهري، والإمام مالك، والأوزاعي، وابن المنذر، وكثير من المالكية. وهو الصحيح – إن شاء الله تعالى -.
ثم قال – رحمه الله -: وروثٌ. . .
الروث هو: رجيع ذوات الحوافر. أما روث وبول ما يؤكل لحمه فهو طاهر. يدل على ذلك حديثان: الأول حديث أنس –رضي الله عنه – قال: قدم أناس من عُكْلٍ أو عُرَيْنَة - قبائل عربية – فاجتوواْ المدينة – جاءوا إلى المدينة فأصابهم مرض في بطونهم – فأمرهم النبي – صلى الله عليه وسلم – بلقاحٍ – يعني إبل تعطي لبناً – وأن يشربوا من أبوالها وألبانها. الشاهد أين؟ أنهم يشربون من ماذا؟ من أبوالها. إذاً فبول الإبل طاهر. وهذا الحديث متفق عليه. وكذلك الشاهد في هذا الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم - لم يأمرهم بغسل ما يصيبهم من هذه الأبوال، ولا بد من ذلك لأنه لا يشرب أحد من البول والألبان إلا وقد اختلط بثيابه شيء منها. وأيضاً الدليل الثاني أن النبي – صلى الله عليه وسلم – رخّص في مرابض الغنم. وهذه مرابض الغنم لا تخلو من روثها وبولها، فرخص النبي – صلى الله عليه وسلم – بالصلاة فيها. فترخيصه بذلك يدل على أن هذه الأماكن ليست بنجسة، فروثها وبولها يعتبر طاهراً، ويقاس على الأغنام والإبل كل ما يؤكل لحمه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: وبول ما أكل لحمه وروثه طاهر، لم يذهب أحد من الصحابة إلى القول بنجاسته. بل القول بنجاسته قول محدث لا سلف له من الصحابة.
بقي معنا أبوال ما لا يؤكل لحمه من البغال والحمير، هذه نجسة عند جمهور العلماء، دليلهم على النجاسة حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: أتى النبيُ – صلى الله عليه وسلم – الغائطَ، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين وروثة، فأخذها وألقى الروثة - أخذ الحجرين وألقى الروثة – وقال: هذا رجس أو ركس – أي نجس -. أخرجه البخاري في الصحيح.
ثم قال المؤلف – رحمه الله -: ودم حيض. . .
أيضاً من النجاسات دم الحيض، لحديث أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنهما – قالت: جاءت امرأة إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم حيض، فكيف تصنع؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه. متفق عليه. فأمرها الني – صلى الله عليه وسلم – بحته وقرصه ونضحه وهذا كله تشديد يدل على ماذا؟ على نجاسته. وقد نقل أهل العلم الاتفاق على نجاسة دم الحيض.
ثم قال – رحمه الله -: ولحم خنزير. . .
الدليل على نجاسة لحم الخنزير، قول الله – سبحانه وتعالى -: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعمٍ يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس [الأنعام: 145] أي نجس. ونقل بعض أهل العلم الاتفاق على نجاسة لحم الخنزير.
ثم قال – رحمه الله -: وفيما عدا ذلك خلاف. . .
اختلف أهل العلم في أشياء، هل هي نجسة أم لا، المؤلف ذكر – كما ذكرنا في بداية الكتاب – يذكر في مختصره هذا، ما صحّ دليله عنده، أو ما اجمع العلماء عليه، وهذه الأمور التي ذكرها هي التي صح دليلها عنده على نجاستها، وهي التي، وبعضها أجمع عليه العلماء، ثم قال: وفيما عدا ذلك خلاف، في ذلك إشارة منه في أنه ما بقي لا يرى نجاسته.
لكن من ذلك المذي صح أنه نجس أيضاً: وهو ماء أبيض شفاف رقيق لزج يخرج عند شهوة، لا بشهوة ولا يعقبه فتور.وربما لا يحَسُّ بخروجه، ويكون ذلك للرجل والمرأة. كذا عرفه النووي – رحمه الله -. المذي والمني الفرق بينهما أن المذي ماء شفاف يخرج عند بداية الشعور بالشهوة، ولا يكون منه الولد، هذا الماء هو الذي يسمى المذي. وهذا نجس على الصحيح؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد صحّ عنه أنه أمر بغسل الذكر منه. فقد جاء في حديث علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – في الصحيحين أنه قال: كنت رجلاً مذّاءٍ – أي كثير المذي -، وكنت أستحيي أن أسأل النبي – صلى الله عليه وسلم – لمكان ابنته – أي لأن علي كان متزوجاً ابنة النبي – صلى الله عليه وسلم – فاطمة فكان يستحي أن يتحدث معه بهذه الأمور – قال: فأمرت المقداد ابن الأسود فسأله – سأل المقداد النبي – صلى الله عليه وسلم - - فقال: يغسل ذكره ويتوضأ. فأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بغسل الذكر من المذي يدل على نجاسته. وأما المني الذي يكون منه الولد، السائل الأبيض الثخين، الذي يكون عند اكتمال الشهوة وشدتها، والذي يكون بعده فتور وارتخاء، هذا الماء الصحيح أنه طاهر وليس بنجس، بناء على أن الأصل في الأشياء ولم يصح دليل صحيح قوي يدل على نجاسة المني. وكذلك الخمر ليس بنجس، الصحيح أنه طاهر، ولكنه محرم، ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجساً، لكن إذا كان نجساً فهو محرم، إذا كان الشيء نجسا ًفهو محرم وليس العكس، فكل نجس محرم وليس كل محرم نجساً.
ثم قال المؤلف – رحمه الله -: والأصل الطهارة. . .
أي الأصل في الأشياء طهارتها، على القاعدة التي قررناها في البداية.
قال: فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح. . .
ما هو الناقل الصحيح؟ دليل من الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو قياس صحيح على من يقول به في هذا الموطن، لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه، دليل صحيح لم يعارضه دليل صحيح في القوة، أو يقدم عليه في القوة، حتى يقال بنجاسة هذا الشيء. فالأصل في الأشياء الطهارة. قال المؤلف – رحمه الله – في شرحه لهذا الكتاب لأن الأصل الطهارة، وهذا معلوم من كليات الشريعة المطهرة ومن جزئياتها. ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم من أحكام الشرع، والأصل البراءة من ذلك، ولا سيما من الأمور التي تعم بها البلوى. الأمور التي تعم بها البلوى ويحتاج المسلمون إليها بشكل كبير أولى بالبيان من غيرها والله أعلم.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-12-2012, 07:37   #4
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس الرابع]

[المجلس الرابع]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، هذا المجلس الرابع من مجالس شرح الدرر البهية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : فصلٌ
الفصل لغة الحجز بين الشيئين ومنه فصل الربيع لأنه يحجز بين الشتاء والصيف وهو في كتب العلم كذلك لأنه يحجز بين أجناس المسائل وأنواعها أو يقال في تعريفه : هو اسم لجملة مختصة من الباب .
قال المؤلف رحمه الله :((ويَطهُر ما يتنجس بغسله حتى لا يبقى لها عينٌ ولا لون ولا ريح ولا طعم والنعل بالمسح)) اعلموا بارك الله فيكم أن نجاسة الشيء إما أن تكون حُكمية كالبول إذا وقع على الثوب ، يوصف الثوب هنا بأنه نجس ويُحكم عليه بذلك شرعاً بسبب البول الذي وقع عليه ، الثوب في أصله ليس بنجس ولكنه تنجَّس بسبب وقوع البول عليه فهذه نجاسة الثوب تسمى نجاسة حُكمية والثوب يسمى ثوباً متنجساً ، وإما أن تكون النجاسة عينية أي عين الشيء نجسة كالروث مثلاً روث الحمار ،نفس الروثة هذه نجسة، أما النوع الأول من النجاسة فيَطهر بالكيفية التي ورد في الشرع أنه يطهر بها ، فإذا وردت كيفية معينة في تطهيره كان علينا أن نقتصر على تلك الكيفية بلا زيادة ولا نقصان كما ورد مثلاً في تطهير النعل إذا تلوث بنجاسة طهُر بمسحه في التراب وقد تقدم معنا هذا الحديث في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" إذا وطئ أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور" أخرجه أبو داود ، وكذلك ذيل المرأة في لباسها إذا كان طويلاً من الخلف وله ذيل إذا مشت في الطريق وأصابته نجاسة يُطهره ما بعده كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك دم الحيض يطهر بالكيفية التي وردت في السنة ، سئل - صلى الله عليه وسلم - : المرأة يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به ؟ ، قال - صلى الله عليه وسلم - :" تَحُتُّه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه " تَحته أي تحكه لإزالة عين الدم ، تقرصه : أي تدلك الدم بأطراف أصابعها ليتحلل ويخرج ما شربه الثوب منه ، تنضحه أي تغسله بالماء ،وكذلك تقدم معنا كيفية غسل بول الذكر الرضيع .
وأما ما ورد فيه عن الشارع أنه نجس ولم يرد فيه بيان كيفية تطهيره فالواجب علينا إذهاب تلك العين حتى لا يبقى لها لون ولا ريح ولا طعم، هذا هو الواجب لأن الشيء الذي يجد الإنسان ريحه أو طعمه قد بقي فيه جزء من تلك العين ، بما أن الرائحة موجودة أو الطعم إذاً فيوجد من تلك العين على هذا المكان ما لم يذهب بعد وإن لم يبقَ جِرمها أو لونها ، وإن كان الكتلة هذه أو اللون لا تراه إلا أنها تكون حقيقة موجودة مع بقاء الطعم أو الريح إذ انفصال الرائحة لا يكون إلا عن وجود شيء من ذلك وكذلك وجود الطعم لا يكون إلا عن وجود شيء من ذلك الشيء الذي له الطعم .
ثم قال المؤلف رحمه الله : ((والاستحالة مطهِّرة لعدم وجود الوصف المحكوم عليه)) الاستحالة مُطهرة ، هذا النوع الثاني من النجاسات ليس النجاسة الحُكمية ، ذكرنا النجاسة الحكمية كيفية التطهر منها أما النجاسة الآن النجاسة العينية فإذا كانت هذه العين نجسة كيف تطهر؟ لا يمكن أن تطهر إلا بالاستحالة ، ما المقصود بالاستحالة ؟ الاستحالة هي التحول أي تغير الشيء عن طبعه ووصفه فيصير شيئاً آخر كتحول العذرة إلى رماد ، العذرة إذا تحولت إلى رماد هنا تكون قد تغيرت حقيقتها ، كانت عذرة ثم صارت رماداً وتحول الخنزير إلى ملح مثلاً ، كان خنزيراً فصار ملحاً هنا هذا التحول غيّر الحقيقة تماماً ، كان نجساً ثم تغير إلى الحقيقة الأخرى فيُعطى حكم الحقيقة الجديدة .إذاً فلا بد أن تتحول إلى شيء آخر مخالف للشيء الأول في لونه وريحه وطعمه .
عندما ذكر المؤلف ذكر علة الطهارة هنا لماذا طهرت؟ قال في كلامه : لعدم وجود الوصف المحكوم عليه في الأصل ، أي لأن الوصف الذي وقع الحكم عليه بالنجاسة فُقد لا يوجد ، الوصف وصف النجاسة وقع على العذرة نفسها ، الآن هذه العذرة نفسها غير موجودة،الذي وجد عندنا الآن ماذا؟هو الرماد .
ثم قال رحمه الله:((وما لا يمكن غسله فبالصب عليه أو النزح منه حتى لا يبقى للنجاسة أثر)) شيء لا يمكن أن يُغسَل كالأرض مثلاً أو البئر، هذا لا يمكن أن يغسل، كيف نصنع كي نزيل النجاسة عنه؟ أما الأرض نصب عليها ماءً كما جاء في حديث الأعرابي عندما بال أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بماء فصب على بوله ، هكذا تطهر الأرض ، وأما البئر فإما بالنزح منه،ونعني بالنزح أي التفريغ ، التفريغ من البئر سحب المياه المتنجسة حتى يطهر أو بإضافة مياه طاهرة على ماء البئر حتى يذهب تأثير النجاسة ، بهذه الطريقة يَطهر البئر ، فقال: وما لا يمكن غسله فبالصب عليه أو النزح منه حتى لا يبقى للنجاسة أثر ، فإذا ذهب لونها أو ريحها أو طعمها ذهب هذا الأثر الموجود عندئذ يكون الشيء قد طهر .
ثم قال رحمه الله:(( والماء هو الأصل في التطهير فلا يقوم غيره مقامه إلا بإذن من الشارع )) الأصل في تطهير النجاسات هو الماء لأن الماء كما تقدم وصفه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بأنه مطهِّر فإذاً يبقى هو الأصل في التطهير إلا إن وُجد دليل من الكتاب والسنة يدل على أن غيره مطهر للنجاسة فعندئذ نتوقف مع الدليل كالأشياء التي وردت بأن التراب مثلاً ينظفها ويزيل النجاسة عنها فمثل هذا نقول يطهره التراب ، وذهب جمهور علماء الإسلام إلى أن الماء هو المتعين في تطهير النجاسات وهذا صحيح في غير ما ورد الدليل بخلافه. ومَن أثبت مطهِّر لم يرد في الكتاب والسنة أنه مطهر للنجاسة أو تطهير على غير الصفة الثابتة في الكتاب والسنة فقوله مردود لمخالفته الأدلة والله أعلم.

ثم قال رحمه الله: باب قضاء الحاجة

قضاء الحاجة يعني الذهاب إلى الخلاء لإخراج البول أو الغائط ، هذا معنى قضاء الحاجة يريد المؤلف أن يذكر أحكام وآداب ذلك قال رحمه الله :((على المتخلي الاستتار حتى يدنو من الأرض )) على المتخلي أي الذي ذهب إلى الخلاء ليقضي حاجته يجب عليه أن يستتر حتى يقترب من الأرض ،ينزل ويجلس ويقترب من الأرض كي يحافظ على ستر عورته ، جميع الأدلة التي وردت في وجوب ستر العورة تدل على ذلك عموماً ، قول الله تبارك وتعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم }وقال - صلى الله عليه وسلم - :"احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك " هذه الأدلة وما شابهها كلها تدل على أنه يلزم على الشخص أن يحافظ على ستر عورته إلى أن يصل إلى درجة يغلب على ظنه أن أحداً لن يراها ، جاء في ذلك حديث أيضاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض" لكن هذا الحديث حديث ضعيف لا يصح وكذلك الحديث الآخر "من أتى الغائط فليستتر "كذلك هو ضعيف لا يصح ، لكن الأدلة التي ذكرناها كافية في ذلك ، بالطبع هذا الكلام ينطبق على من كان في الخلاء أما من كان في مكان مغلق فله أن يرفع ثوبه قبل أن يجلس لأنه آمن على نفسه من أن يراه أحد .
ثم قال رحمه الله:(( والبُعد ودخول الكنيف )) أي على المتخلي أيضاً البعد (المراد بالبعد هنا البعد عن الناس) ودخول الكنيف إذا لم يكن بعداً فدخول الكنيف (مكان يكون محافظاً فيه على الستر ) الكنيف أصله الحظيرة التي تُعمل للإبل فتُكنُّها من البرد أي تحفظها ، هذه الحظيرة تحفظ الإبل من البرد ، ثم نقلوا ذلك إلى ما حضّروه وجعلوه موضعاً للحدث (نقلوا هذه التسمية إلى المكان الذي جعلوه لقضاء الحاجة، صار يسمى كنيفاً الذي نسميه نحن اليوم حماماً) الحمام قديماً عند العرب كانوا يطلقونه على الحمام الذي يغتسلون فيه ويتنظفون فيه ولا يطلقونه على مكان قضاء الحاجة يعني الحمامات التي نسميها نحن اليوم الحمامات البخارية هذه كانوا يسمونها حمامات، ومحل قضاء الحاجة كانوا يسمونه كنيفاً أما اليوم فنحن نسمي ذاك حماماً بخارياً وهذا حمام بدون تقييد . أخرج أبو داود وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ذهب المذهب أبعد ، هذا الشاهد في قول المؤلف رحمه الله ((والبُعد)) يعني وعلى المتخلي البعد أي الابتعاد عن أعين الناس شاهده ودليله هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ذهب المذهب أبعد ،أي إذا ذهب لمحل قضاء حاجته أبعد عن أعين الناس وكذلك أخرج أبو داود وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد ،وهذان الحديثان فيهما كلام لكن أحدهما يشهد للآخر ويدعمه فيكون حسناً إن شاء الله ، وجاء عن المغيرة بن شعبة في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بال عند سُباطة قومٍ أي عند مزبلتهم وهذا يكون قريباً من الناس وكذلك رآه ابن عمر على سطح بيت حفصة جالساً على لبنتين يقضي حاجته وهذا قريب أيضاً من الناس فكيف الجمع بين هذه الأحاديث ؟ الجمع بينها أنه إذا دخل كنيفاً أو كان في مكان وإن كان قريباً على الناس إلا أنه يأمن من أن يراه أحد وتكون أيضاً الروائح والأشياء هذه بعيدة عن الناس عندئذ يجوز حتى وإن كان قريباً من الناس أن يقضي حاجته في ذلك المكان أما إذا لم يأمن على نفسه من انكشاف عورته أمام الناس أو كانت الرائحة ستؤذي الناس عندئذ نقول يجب أن يبتعد عن الناس عند قضاء الحاجة ، بهذا نكون قد جمعنا بين جميع الأدلة .
ثم قال رحمه الله:(( وترْك الكلام)) أي عند قضاء الحاجة، على المتخلي ترك الكلام (أي عند قضاء الحاجة يجب على المتخلي ترك الكلام) وهذا لِما أخرجه أبو داود وغيره عن أبي سعيد قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يقول :" لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله عز وجل يمقت على ذلك" هذا الحديث اختُلف في صحته والصحيح أنه ضعيف ومضطرب وفيه راوٍ مجهول، فإذا كان الحديث ضعيفاً ولا يوجد ما يدل على تحريم الكلام عند قضاء الحاجة يبقى الأمر على الإباحة بناء على الأصل ، لأن الأصل في هذه الأشياء الإباحة فنبقى على الأصل إذ لا يوجد ما يدل على خلافه ، ويُكره ذكر الله سبحانه وتعالى أو رد السلام لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع من رد السلام على رجل وهو يبول ، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبول فمر به رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - السلام حتى قضى حاجته ثم تيمم ثم رد عليه السلام بعد ذلك وهذا يدل على كراهية رد السلام أو ذكر الله سبحانه وتعالى على تلك الحالة .
ثم قال :((والملابسة لِما له حُرمة )) أي على المتخلي ترك الملابسة لما له حرمة مثل المصحف مثلاً يكون في جيبه أو الخاتم يكون مكتوباً عليه ذكر الله سبحانه وتعالى أو النبي صلى الله عليه وسلم - فهذه الأشياء لها حرمة ، يقول المؤلف: يجب على المتخلي أن لا تكون هذه الأشياء معه وذلك لحديث أنس أخرجه أبو داود وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه أي نزعه من يده ولم يدخل الخلاء به ولكنه حديث ضعيف أعلّه غير واحد من أهل العلم ومنهم أبو داود الذي أخرج الحديث وبما أن الحديث ضعيف وليس في ملابسة هذه الأشياء إهانة لها أو امتهان لها فيبقى الأمر على الجواز إذ لا يوجد ما يدل على التحريم لكن لا شك أن الخاتم إذا كان في اليد اليسرى يجب أن يُنزع لأن النجاسات ستلاقيه على تلك الحال فيجب أن ينزع إذا كان في اليد اليسرى التي سيستنجي بها الشخص، أما إذا كان المصحف في جيبه محفوظاً بعيداً عن الأذى فلا بأس والله أعلم .
وقال رحمه الله :((وتجنب الأمكنة التي منع عن التخلي فيها شرعٌ أو عرف)) وذلك لأنه صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله :" اتقوا اللاعنين " قالوا : وما اللاعنان يا رسول الله ؟ قال :" الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم"يعني الذي يقضي حاجته في طريق الناس المكان الذي تمشي فيه الناس أو في ظلهم أو في المكان الذي يستظلون به ويجتمعون فيه ،هذا داخل في هذا الحديث ومعرض لنفسه للعن ، يعني اللاعنين أي الموضعين اللذين يستحق الشخص عند قضائه الحاجة فيها يستحق اللعنة من قِبل الناس لذلك سميت هذه الأماكن باللعنة فيجب على الشخص أن ينصرف ويبتعد عن هذه الأماكن ولا يقضي فيها حاجته. ووردت أحاديث أُخَر أيضاً فيها ضعف ولكن هذا الحديث يدل على تحريم قضاء الحاجة في طريق الناس أو في المكان الذي يستظلون به وما كان في معنى هذه الأمكنة كـ حول الأنهار مثلاً وحول الآبار وفي أفنية الناس وكل ما يتأذى الناس من قضاء الحاجة فيه يدخل في هذا الحديث بالمعنى وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يبول أحدنا في مغتسله أي المكان الذي يغتسل فيه ، قال أهل العلم : وإنما نهي عنه إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول ، النهي عن البول في المغتسل نهي عنه إذا لم يكن له مسلك ليسلك فيه البول -يعني يمشي- يعني ما له مجرى يجري فيه البول ، يعني إذا كان المكان البول إذا نزل يثبت فيه فهنا وارد النهي أما إذا كان له مجرى يجري هذا البول ويمشي وينصب عليه الماء ويغير المكان فهذا لا بأس به ، ففصّلوا بهذا التفصيل لأن المكان الذي فيه مجرى يتغير فيذهب البول ويأتي الماء النظيف مكانه وينتهي أمره أما إذا كان البول يتجمع في المكان فسيبقى البول وسيمس شيء منه جسد الإنسان . وكذلك أيضاً نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبال في الماء الراكد وقد تقدم معنا ذلك.
قال رحمه الله:((وعدم الاستقبال والاستدبار للقبلة)) الاستقبال أن تجعل القبلة أمامك عند قضاء الحاجة، والاستدبار أن تجعلها خلفك عند قضاء الحاجة ، ورد في ذلك أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منها حديث أبي أيوب قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :" إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولكن شرّقوا أو غرِّبوا" هذا الخطاب لأهل المدينة ومن كان على نفس المكان إذا شرّق أو غرّب يكون بعيداً عن استقبال القبلة أو استدبارها أما غيرهم فيراعون هذا الأمر ، المهم في القضية أنك لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها . وجاء في حديث سلمان أيضاً "نهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلة بغائط أو بول " وجاء أيضاً في هذا الباب عن ابن عمر أنه قال :" لقد ارتقيت على ظهر البيت -أي بيت حفصة- فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته ،فإذا كان مستقبلاً لبيت المقدس لقضاء حاجته فهو مستدبر للكعبة ، هذا الحديث خالف الأحاديث الأولى ففِعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا خالف نهيه ، وجاء عن جابر أيضاً أنه رآى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبول مستقبلاً القبلة ، فاختلفت أقوال العلماء وآراؤهم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث على أقوال ذكرها أصحاب الكتب المطولة ومنهم الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري لكن أصح هذه الأقوال الذي فيه العمل بجميع الأدلة وليس فيه إهمال لأي دليل منها هو قول الإمام الشافعي والإمام البخاري وابن المنذر وجمهور علماء الإسلام وهو التفريق بين الصحاري والبنيان أي يجوز استقبال القبلة أو استدبارها في البنيان عملاً بحديث ابن عمر رضي الله عنه ولا يجوز في الصحاري عملاً بحديث أبي أيوب وغيره، إذاً فحملنا حديث أبي أيوب على الصحاري وحملنا حديث ابن عمر على البنيان وبذلك نكون قد جمعنا بين الأحاديث وهذا أولى ممن أعمل بعض الأحاديث وأهمل البعض الآخر فلا إشكال بأن الأَوْلى هو العمل بجميع الأدلة وعدم إهمال أحدها ومن أراد المزيد بإمكانه أن يرجع إلى فتح الباري أو غيره من الكتب المطولة .
ثم قال رحمه الله :((وعليه الاستجمار بثلاثة أحجار طاهرة أو ما يقوم مقامها )) الاستجمار استعمال الجِمار وهي الأحجار للتنظف من البول والغائط بعد قضاء الحاجة ، جاء في حديث سلمان قال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار وعن الاستنجاء برجيعٍ أو عظم إذاً نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار ، إذاً يجب أن يكون الاستنجاء أقل ما يكون بثلاثة أحجار لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أقل من ذلك، فالواجب هو التمسح بثلاثة أحجار، وإن حصل الإنقاء بما دونها،وإن حصل الإنقاء والتنظف بما هو أقل من ثلاثة أحجار بحجر أو بحجرين فهنا لا يكتفي بذلك بل يأتي بالحجر الثالث ويتنظف به كي يعمل بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجتنب نهيه، وإن لم يحصل الإنقاء بثلاثة أحجار هل له أن يزيد ؟ نعم له أن يزيد لأن الغاية الأساسية هو التنظف فإذا لم يحصل التنظف بثلاثة أحجار يزيد الرابع ويُستحب له أن يزيد الخامس أيضاً وإن حصل الإنقاء بالرابع لماذا ؟ للحفاظ على الوتر على ماذكره الإمام الشافعي رحمه الله.

وقول المؤلف :((وما يقوم مقامها )) أي ما يقوم مقام الأحجار في التنظيف لأن المطلوب هو الإنقاء والتنظف فبأي شيء حصل جاز، مثل المناديل الورقية الموجودة اليوم تجزئ في الاستنجاء، وإذا استعمل الماء وترك الاستنجاء أجزأه لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى حاجته واستنجى بالماء، ولا يجوز الاستنجاء برجيعٍ وهو الروث ولا بعظم لأنه كما جاء في حديث سلمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار وعن الاستنجاء برجيع أو عظم ، وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضاً أنه نهى عن الاستنجاء باليمين، هذا في حديث في الصحيحين وكذلك نهى - صلى الله عليه وسلم - عن مس الذكر باليمين عند البول ، هذا كله من آداب قضاء الحاجة.
ثم قال رحمه :(( ويُندب الاستعاذة عند الشروع بها )) أي عند البدء بقضاء الحاجة والاستغفار والحمد بعد الفراغ .ويُندب أي يستحب ، الاستعاذة هي أن يقول : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث كما جاء في الحديث عن أنس قال : كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء قال :" اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " وفي رواية قال :" كان إذا أراد أن يدخل " يعني قبل أن يدخل إلى الخلاء وهذا الحديث متفق عليه ، والخبث والخبائث ذُكران الشياطين وإناثهم ، إذا دخل استعاذ بالله قبل أن يدخل كي لا يضروه وتقصير الناس بالسنة في هذا الزمن أدى إلى عواقب سيئة كثرة المتضررين من الجن الموجودين في مثل هذه الأماكن،هذا كثير وكثير جداً صار بين الناس اليوم بسبب تركهم لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه فكم سمعنا من أناس أصيبوا وضُربوا من قِبل الجن عند دخولهم إلى أماكن قضاء الحاجة وذلك لأن أكثر الناس للأسف بعيدين عن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والعمل في مثل هذه الأحاديث . وأما الاستغفار والحمد بعد الخروج فوردا في حديثين ضعيفين أيضاً جاء في حديث عائشة كان - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء قال :"غفرانك " هذا الحديث فيه يوسف بن أبي بردة وهو مجهول كان شيخنا رحمه الله يضعِّفه ، والحمد أخرج ابن ماجة من حديث أنس قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء قال :" الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" وهو أيضاً حديث ضعيف فيه اسماعيل بن مسلم ضعيف ونقل صاحب الزوائد الاتفاق على تضعيفه ، وجاء من حديث أبي ذر ولا يصح أيضاً هو ضعيف رجَّح الدارقطني رحمه الله وقفه على أبي ذر .
ونكتفي بهذا القدر في هذا الدرس والحمد لله
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-12-2012, 07:38   #5
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

[المجلس الخامس]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، هذا المجلس الخامس من مجالس الدرر البهية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى :باب الوضوء
الوضوء لغة مشتق من الوضاءة وهي الحُسن والنظافة والنقاوة،وأما في الشرع فهي التعبد لله بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة، فماهيَّة الوضوء متركبة من هذه الأعضاء الأربعة فهي أركانه وأساساته كما سيأتي،وقيل : إيصال الماء إلى الأعضاء الأربعة مع النية (هذا قول آخر في تعريف الوضوء).
أما حكم الوضوء فالوضوء واجب للصلاة لقول الله تبارك وتعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين }هذه الآية أصل في وجوب الوضوء، والوضوء شرط، لا تصح الصلاة إلا به لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" وقال ابن المنذر رحمه الله : أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وجد المرء إليها السبيل ، إذاً فالوضوء شرط من شروط صحة الصلاة، ووجوب الوضوء على المحدث فقط، أما من لم يحدث كان متوضئاً ولم يحدث فصلاته مقبولة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى يوم الفتح الصلوات كلها بوضوء واحد فقيل له في ذلك قال :" عمداً فعلته " يريد أن يبين النبي - صلى الله عليه وسلم - جواز هذا الأمر . وجاء عن أنس أيضاً أنه قال بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ لكل صلاة فقيل له : وأنتم ؟ قال : نحن كنا نصلي أكثر من صلاة بوضوء واحد (هذه سنة تقريرية) فتقدير الآية على هذا { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم }
إذا أخذنا الآية هكذا على ظاهرها كان واجباً على كل من أراد أن يصلي أن يتوضأ سواء كان متوضئاً أو غير متوضئ لكن لما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا ليس بلازم احتجنا إلى تفسير لهذه الآية وصرف لها عن ظاهرها فقدّر أهل العلم (إذا قمتم إلى الصلاة محْدِثين) { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة -محدثين- فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } وهذا تقدير جمهور علماء الإسلام عملاً بجميع الأدلة الواردة في ذلك فالوضوء واجب على المحدث إذا أراد أن يصلي وهو مستحب للمتوضئ أن يجدد وضوءه ، المتوضئ الذي لم يحدث يستحب له أن يجدد وضوءه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ عند كل صلاة .
قال المؤلف رحمه الله:((يجب على كل مكلَّف أن يسمي إذا ذكر)) يقرر المؤلف رحمه الله هنا وجوب التسمية في الوضوء ، والعلماء تارة يطلقون الوجوب ويريدون الركن (الذي لا يصح العمل إلا به) وتارة يطلقون الوجوب(الذي يصح العمل بغيره بعدم وجوده ولكن تاركه يأثم) ويريدون الواجب ، الواجب الذي هو بمعنى ما أمر به الشارع أمراً جازماً وتارة يطلقون الواجب بمعنى الركن .يقول المؤلف هنا:((يجب على كل مكلف أن يسمي إذا ذكر)) كما هو معلوم في الأحكام الشرعية ، الأحكام الشرعية واجبة على المكلفين، وغير المكلف لا تجب عليه لأن القلم مرفوع عنه، والمكلف هو البالغ العاقل، وأما التسمية في الوضوء فقد اختلف أهل العلم في حكمها فالبعض قال بالوجوب والبعض قال بالاستحباب والبعض قال بالبدعية والخلاف فيها حاصل وشديد بين أهل العلم وسبب الخلاف صحة الأحاديث التي وردت فيها وفهمها ، جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :" لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " أخرجه الترمذي وغيره، ووردت أحاديث أخرى بمعنى هذا الحديث ، هذا الحديث يدل على أن التسمية ركن في الوضوء لا يصح الوضوء إلا بها ، استثنى المؤلف رحمه الله الناسي، للأدلة الواردة التي تدل على أن الناسي غير مؤاخذ لكن هذا الحديث ضعيف ضعّفه جمع من أهل العلم من علماء العلل المتقدمين بل قال الإمام أحمد رحمه الله:لا أعلم في هذا الباب حديثاً له إسناد جيد ، وفي رواية عنه : ليس فيه حديث يَثبت-أي هذا الباب- فضعّف جميع الأحاديث التي في هذا الباب التي تدل على وجوب التسمية في الوضوء فإذا لم يصح فيه شيء فلا معنى لإبطال عبادة المسلم بغير دليل صحيح، بل لو كانت البسملة مستحبة في هذا الموضع لنُقل لنا ، دقائق مسائل الوضوء نُقلت لنا في أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما منها حديث عثمان وحديث علي بن أبي طالب وحديث عبدالله بن زيد وحديث ابن عمرو وحديث أبي هريرة وغيرها من الأحاديث نُقلت لنا ونقلت هذه الأحاديث دقائق مسائل الوضوء وأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - لها وكان الوضوء يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مرات في اليوم ورآه جمع من الصحابة ونقلوا وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينقل أحد منهم بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسمي في الوضوء ، هذا كله يدل على أن التسمية في هذا الموضع لا محل لها .
ثم قال رحمه الله:(( ويتمضمض ويستنشق)) أي يجب على كل مكلف أن يتمضمض ويستنشق ، ذهب المؤلف إلى وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء ، نحن اتفقنا في البداية أن أركان الوضوء التي يكون منها ماهية الوضوء وحقيقته هي الأربعة (الوجه واليدان والرأس والرجلان) هذه هي الأركان الأربعة ، الآن المضمضة والاستنشاق حصل خلاف بين أهل العلم فيها أهي أيضاً من واجبات الوضوء أم لا ؟ المؤلف يذهب إلى هذا ، يقول: يجب على المكلف أن يتمضمض ويستنشق ، المضمضة معروفة وهي أن يجعل الماء في فمه ثم يديره ثم يمجُّه ، والاستنشاق : إدخال الماء في الأنف (سحبه بالريح ) والاستنثار : إخراج الماء من الأنف بالريح ، واستدل مَن قال بالوجوب بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر" حديث متفق عليه ، وكذلك حديث لَقيط بن صَبِرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :" وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" وكذلك قالوا : أمَر الله سبحانه وتعالى في كتابه في آية الوضوء بغسل الوجه ، والمضمضة والاستنشاق من الوجه قالوا : إذاً فالمضمضة والاستنشاق واجبة كما أن الوجه غسله واجب والصحيح أن المضمضة والاستنشاق سُنتان في الوضوء وفي الغسل لقول الله تبارك وتعالى(فاغسلوا وجوهكم) هذه الآية التي وردت آية الوضوء مبيَّنة واضحة ليس فيها إجمال فذَكر الله سبحانه وتعالى فرائض الوضوء فيها ولم يذكر المضمضة والاستنشاق ، قالوا: المضمضة والاستنشاق من الوجه قلنا :لانسلِّم لماذا؟ لأن الوجه عند العرب ما حصلت به المواجهة والفم والأنف إدخال الماء فيهما ليس مما هو مواجه ، الأنف من الخارج من الوجه والفم من الخارج من الوجه أما من الداخل ليس من الوجه فلا نسلِّم بهذا ، أما الأحاديث التي وردت فيها الأمر فهي مصروفة بهذه الآية إذ لو كانت واجبة لذُكِرت في هذه الآية ، وقال بهذا الذي قلناه الإمام الشافعي رحمه الله ، الشافعية على هذا وقال به أيضاً الحسن البصري والزهري والحكم وقتادة ومالك والأوزاعي والليث بن سعد وهو رواية عن الإمام أحمد ، هؤلاء قالوا بسنية المضمضة والاستنشاق .
قال المؤلف رحمه الله : ((ثم يَغسل جميع وجهه)) غسل الوجه ركن من أركان الوضوء لا إشكال في ذلك ، لا يصح الوضوء إلا به، نقلوا الاتفاق على أن غسل الوجه من واجبات الوضوء فهو مذكور في الآية التي تقدمت ، والوجه في اللغة ما حصلت به المواجهة وحَدُّه من أعلى الجبهة،من منبت الشعر (أعلى الجبهة: منبت الشعر ،أول ما يبدأ معك الشعر في الجبهة وأنت طالع فوق ، أول ما يبدأ معك الشعر هذا بداية الوجه ) إلى منتهى الذقن ، كله هذا في الواجهة -هذا من ناحية الطول- ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن، هذا أيضاً الوجه ، إذاً هذا حدُّه، هذا الوجه الذي يجب غسله لكن كما هو معلوم ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، لن تتمكن من غسل جميع الوجه الذي أُمرت بغسله إلا بغسل شيء من الشعر وقليل من أسفل الذقن .
قال المؤلف رحمه الله :((ثم يديه مع مرفقيه)) أي يجب على كل مكلف أن يغسل يديه مع مرفقيه ، المرفقان هما المفصلان بين العضد والذراع، يعني المنطقة التي تلتوي عندك في نصف اليد تقريباً والتي تسهل عليك كسر اليد هذه تسمى المرفق ، فيجب غسل اليدين مع المرفقين ، الوارد في الآية {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ) إلى المرافق ، كلمة (إلى)في اللغة تدل على غاية الشيء لكن هل هذا الشيء الذي انتهينا إليه يدخل فيما أُمرنا به أم لا يدخل ؟ فيه احتمال لكن وردت السنة ببيان أنه داخل، فالمرفق إذاً داخلٌ في الغسل ، ما هي السنة التي وردت في ذلك ؟ ورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه، جاء عن نُعيم قال : رأيت أبا هريرة يتوضأ قال : فغسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، يعني حتى بدأ بغسل العضد ، إذاً دخل المرفق أو ما دخل ؟ دخل ، وغسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد ، كذلك دخل المرفق ، إذاً هنا تبين لنا أن غسل اليدين يكون مع المرفقين، والمهم أيضاً أن ننبِّه عليه في غسل اليدين أن غسل اليدين يبدأ من الأصابع من البداية إلى المرفقين وليس من الرسغ ، كثير من الناس يبدأ بالرسغ ويُكمل إما لجهله بوجوب غسل اليدين أو اعتماداً على غسل الكفين في بداية الوضوء وهذا خطأ ، اليد التي ذُكرت في الآية تشمل الكف، إذاً الغسل يجب أن يبدأ من رؤوس الأصابع إلى المرافق .
ثم قال رحمه الله :((ثم يمسح رأسه )) وهذا أيضاً من أركان الوضوء لا خلاف في وجوبه لكن الخلاف حاصل في مسحه كله أم يكفي بعضه ؟ الآن الرأس ما هو ؟ ما اشتملت عليه منابت الشعر المعتاد ، هذا هو الرأس، هذه التعريفات دقيقة توصلك إلى معرفة الواجب بسهولة . هل الواجب مسح جميع الرأس أم مسح بعضه ؟ اختلف أهل العلم في ذلك وسبب الاختلاف هو اختلافهم في فهم الآية { وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ } هل الباء هذه باء زائدة أم تبعيضية أم باء للإلصاق خلاف ونزاع بين أهل العلم كثير وحصل النزاع بسبب فهم هذه الآية هل الواجب مسح جميع الرأس أم بعضه؟ والصحيح أن الواجب هو مسح جميع الرأس لماذا ؟ لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث واحد أنه مسح بعض رأسه إلا في حديثٍ مسح ناصيته مع العمامة ، مسَح الناصية أي ما كان ظاهراً من رأسه ثم أكمل على العمامة وهذا لا يعد تبعيضاً إذاً والذي ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن زيد أنه - صلى الله عليه وسلم - مسح رأسه بالكامل بدأ بمقدم رأسه وذهب بيديه إلى قفاه ثم رجع بهما إلى مقدم رأسه، هذا الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذاً هذه هي الكيفية الواجبة فالبيان جاء من النبي - صلى الله عليه وسلم - فنقف عنده .
طبعاً بالنسبة للرأس المرأة كالرجل تمسح كالرجل وإذا كان لها ذيل فلا يجب عليها أن تمسح ذيلها .
ثم قال رحمه الله:((مع أذنيه)) أي يمسح أذنيه مع رأسه ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثبت عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه كان يمسح أذنيه مع رأسه ، كان يمسح ظاهرهما وباطنهما ، كيف طريقة المسح ؟ تضع إبهام اليد خلف الأذن والسبابة في داخلها وتبدأ من الأسفل وترتقي إلى الأعلى ثم ترجع إلى الأسفل ، هذه الكيفية التي أخذناها عن علمائنا .
وهل مسح الأذنين واجب كوجوب مسح الرأس أم لا ؟ أيضاً هذا حصل فيه نزاع بين أهل العلم ، سبب النزاع هل مسح بعض الرأس يكفي أم لا ؟ الذي قال بأن مسح بعض الرأس يكفي لم يقل بوجوب مسح الأذنين وكذلك حديث "الأذنان من الرأس" أيضاً كان سبباً في هذا الخلاف والخلاف شديد جداً في صحة حديث "الأذنان من الرأس ".
قال المؤلف رحمه الله : ((ويجزئ مسح بعضه)) يجزئ مسح بعض ماذا؟ مسح بعض الرأس ، إذاً المؤلف رحمه الله يذهب إلى جواز مسح بعض الرأس ، لكن كما ذكرنا لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح بعض رأسه إذاً نتقيد بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح رأسه كاملاً وورد عنه أنه مسح على العمامة وورد عنه أنه مسح على الناصية مع العمامة ، هذه هي الصور التي وردت عنه - صلى الله عليه وسلم - .
ثم قال:((والمسح على العمامة))أي ويجزئ المسح على العمامة، العمامة ما يُلَفُّ على الرأس ، ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على العمامة وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على ناصيته مع العمامة .
ثم قال رحمه الله :((ثم يغسل رجليه مع الكعبين ))غسل الرجلين وارد في الآية وهو ركن من أركان الوضوء وقد اتفقوا على وجوب غسل الرجلين ، وغسل الرجلين مع الكعبين هو الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال ابن عمر: تخلف عنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في سَفرة فأدرَكَنا وقد أرهقْنا العصر فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا مسحاً فنادى بأعلى صوته :"ويلٌ للأعقاب من النار " مرتين أو ثلاث ، العقِب: مؤخِّر القدم ،والكعبان: العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم ،العظمان الناتئان يعني البارزان ، فيه عظمين بارزين عند الوصلة ما بين الساق والقدم ، هذا يسمى كعباً ، هذا الحديث يدل على وجوب غسل القدمين، وأما دليل غسل الكعبين مع الرجلين فحديث أبي هريرة الذي تقدم معنا ، قال نعيم :( رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق)، هذا الشاهد ، غسل رجله اليمنى حتى بدأ بغسل الساق ، إذاً فغَسَل الكعبين معه ، (ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق) ثم قال :-هذا فعل أبي هريرة - ثم قال : (هكذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يتوضأ ).
قال رحمه الله :((وله المسح على الخُّفَّين )) أي ويجوز للمكلف أن يمسح على الخفين، والخُف هو ما يُلبس في الرجل من جلد رقيق وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على خُفَّيه، فيه أحاديث كثيرة منها حديث المغيرة في الصحيحين ، والمسح يكون أعلى الخف، يعني المسح يكون على الجهة العالية من الخف التي فوق، جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه ولكنني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ظهر الخف .
والمسح على الخفين شرطه أن تلبسهما على طهارة، أي وأنت متوضئ، دليل ذلك حديث المغيرة، أراد المغيرة أن يصب الماء على قدمي النبي - صلى الله عليه وسلم -كي يغسلهما فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :"دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما" والأحاديث في المسح على الخفين كثيرة. وإذا كنت مقيماً فلك أن تمسح عليهما يوماً وليلة وأما المسافر فثلاثة أيام ، قال شُرَيْح بن هانئ : سألت عائشة عن المسح على الخفين فقالت : سَلْ علياً فهو أعلم مني، هو كان يسافر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فسألتُ علياً فقال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :" للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليَهُنّ" هذه مدة المسح على الخِفاف .
قال رحمه الله ((ولا يكون وضوءاً شرعياً إلا بالنية لاستباحة الصلاة )) أي لا بد من النية كي يكون الوضوء صحيحاً، فالنية شرط في صحة الوضوء وذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " الحديث.. والوضوء عبادة يُقصد بها التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وليست هي فقط وسيلة بل يُقصد بها أيضاً التقرب إلى الله سبحانه وتعالى فتُشتَرط لها النية .
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-12-2012, 14:20   #6
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس السادس]

[المجلس السادس]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، هذا الدرس السادس من دروس الدرر البهية.

انتهينا في الدرس الماضي من أركان وواجبات الوضوء.

قال المؤلف رحمه الله :فصلٌ
((ويستحب التثليث)) , التثليث هو غسل الأعضاء ثلاثا,وهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عثمان وغيره, أنه عليه الصلاة والسلام غسل أعضاء الوضوء ثلاثاً ثلاثا, وصح عنه أيضاً أنه توضأ مرتين مرتين، وصح عنه أنه توضأ مرة مرة ، وكلها في صحيح البخاري موجودة. فالواجب غسلة واحدة, والمستحب والأكمل ثلاث غسلات.

قال رحمه الله:(( في غير الرأس)) أي جميع الأعضاء تغسل ثلاثاً ثلاثاً على الإستحباب و الواجب واحدإلا الرأس فواحدة دائماً، مسحة واحدة دائماً لا يُمسح مرتين و لا ثلاث، و جاءت روايات أن النبي صلى الله عليه و سلم مسح على رأسه ثلاثاً لكن لا يصح منها شيء، كلها ضعيفة و الصحيح الأحاديث الصحيحة حديث عثمان وعلي و عبد الله و أبي هريرة و غيرهم كلها ليس فيها إلا مسحة واحدة على الرأس.
قال رحمه الله:(( و إطالة الغرة و التحجيل
)) الغرة بياض الوجه، و التحجيل بياض في اليدين و الرجلين، أصلها بياض غرة الفرس و بياض قوائم الفرس، بياض غرة الفرس كان يسمى غرة و بياض القوائم يسمى تحجيلاً، فالغرة المقصودة هنا بياض الوجه و التحجيل بياض في اليدين و الرجلين ، قال المؤلف باستحباب ذلك، استحباب إطالة الغرة و التحجيل يعني بأن تزيد من غسل الوجه و أن تزيد غسل اليدين و الرجلين، تزيد فيها، تطلع في اليدين تغسل أيضاً العضدين و في الرجلين تغسل أيضاً الساقين و أيضا تزيد في الوجه، هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله تبعا لأبي هريرة، قال: جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال:" إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء" قال أبو هريرة: فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل، هذه اللفظة جاءت مرفوعة لكنها لا تصح، الصحيح أنها من كلام أبي هريرة و من اجتهاده، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: هذه اللفظةلا يمكن أن تكون من كلامه صلى الله عليه وسلمفإن الغرة لا تكون في اليدلا تكون إلا في الوجهوإطالته غير ممكنةإذ تدخل في الرأس فلا يسمى ذلك غرة" ا.هـ.

وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزيد عما ذكر أبو هريرة رضي الله عنه من وضوء النبي صلى الله عليه و سلم ، عندما وصف أبو هريرة وضوء النبي صلى الله عليه و سلم لم يذكر إلا أن النبي صلى الله عليه و سلم شرع في العضد وأشرع أيضاً في الساقين، فأشرع يعني بدأ بشيء يسير منها بحيث أنه يستوعب الواجب من غسل اليدين والرجلين، إذاً فالإطالة التي ذكرها أبو هريرة هي من اجتهاده، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعلها، إذاً نقتصر على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والبياض الذي يأتي على الإنسان يوم القيامة هو مواضع الوضوء التي شرعها الله سبحانه وتعالىمن غير زيادة ، ويخشى على من زاد أن يدخل في حديث" هذا وضوئي فمن زاد على ذلك فقد تعدّى وأساء وظَلم".

قال رحمه الله:(( وتقديم السواك)) تقديم السواك على أعضاء الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم :"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء".
وقال:((وغسل اليدين إلى الرسغين ثلاثاً قبل الشروع في غسل الأعضاء المتقدمة))أيويستحب غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثاً،الرسغ هو هذا المكان الذي يفصل ما بين الكف والساعد، الذي يفصل ما بين الكف والساعدهذا يسمى رسغاًسواء كان في اليد أو في الرجل، لكن كلامنا الآن مختص بما كان في اليد، غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثاً هذا مستحب بإجماع علماء الإسلام،وجاء في حديث عثمان أنه عندما توضأ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخذ كفاً من ماء ثم غسل يديه ثلاثاً ثم أدخل يده في الإناء فمضمض و استنشق ثلاثاً, إذاً كان أول ما بدأ به في وضوئه هو أن أفرغ على يديه و غسلهما ثلاثاً، أي غسل كفيه، هذا الغسل بعض الناس يظن أن غسل اليدين إلى المرفقين عندما يريد أن يغسلهما، هذا يكفي و يغني عن غسل الكفين مرة أخرى، و هذا خطأ، اليد تبدأ من رؤوس الأصابع إلى المرفقين، إذاً لا بد أن تغسل كاملة عند غسل اليدين بعد غسل الوجه.
ثم قال رحمه الله : فصلٌ
((وينتقض الوضوء بما خرج من الفرجين من عين أو ريح
)) بدأ المصنف رحمه الله بنواقض الوضوءأي مبطلات الوضوءفذكر أولاً ما خرج من الفرجين من عين أو ريح، الفرجان: القبل و الدبر، مخرج البول و الغائط، إذا خرج منهما شيء يُرى بالعين المبصرة، هذا الذي يسمى العين، شيء يرى بالعين المبصرة، يقال: من عين أو ريح، عين إيش هو؟ الشيء الذي يرى بالعين المبصرة, كالبول و الغائط و الدم و الدود، هذا كله ينقض الوضوء عند المؤلف، ما خرج من القبل و الدبر، و يعبِّر العلماء عن ذلك : بما خرج من السبيلين، الخارج من السبيلين نوعان : نوع معتاد و نوع غير معتاد، النوع المعتاد و هو الغائط و البول و الريح والمني والمذي و الودي،هذهستة.
و نوع غير معتاد مثل: الدود و الحصى و الدم و الشعر ، هذا مثال (تمثيل) و ليس حصراً، لكن هذه الأشياء لا تخرج في العادة،أما الأولى ففي العادة تخرج، أما دليل خروج الغائطو أنه ناقض للوضوء فقول الله تبارك و تعالى:{ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط} هذا الشاهد {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا} إذاً قوله: (أو جاء أحد منكم من الغائط) يدل على أن الذهاب إلى الغائط وإخراج الخارج من البطن ينقض الطهارة ويحتاج إلى استعمال الماء فإن لم توجد الماء فالتيمم.

وأما البول فدليله حديث صفوان ابن عسّال وهو دليل أيضا على أن الغائط ينقض الوضوء، الذي أخرجه الترمذي وغيره، قال زر بن حبيش: أتيت صفوان ابن عسّال أسأله عن المسح - أي المسح على الخفين- فقال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا -أي إذا كنا مسافرين -ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم" أي أمرنا أن لا ننزع خفافنا إذا انتقض وضوؤنا من هذه الثلاث واحتجنا أن نتوضأ، فلا ننزع خفافنا ونتوضأ ونمسح عليها، لكن من الجنابة ننزع خفافنا.

الشاهد قوله:" ولكن من غائط وبول ونوم" فهذا يدل على أن هذه الثلاث نواقض للوضوء ، الغائط والبول والنوم، الغائط والبول نحن نستدل عليها الآن، والنوم سيأتي الحديث عنه إن شاء الله .

ودليل الريح
قول النبي صلى الله عليه وسلم
:" إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً " إذا شعر بخروج الريح أو سمع الصوت فهنا يخرج ليتوضأ، هذا دليل على أن خروج الريح ناقض للوضوء، وكذلك خروج المني ناقض للوضوء بالإجماع فيما نقله ابن المنذر وإن حصل الخلاف بعد ذلك، قال ابن المنذر رحمه الله في كتابه الإجماع : (وأجمعوا على أن خروج الغائط من الدبروخروج البول من الذكروكذلك المرأةوخروج المنيوخروج الريح من الدبروزوال العقل بأي وجه زال العقلأحداث ينقض كل واحد منها الطهارة ويوجب الوضوء) .

كم حدث عدّ ابن المنذر مجمَع على أنها ناقضة الوضوء؟ خمسة :
الغائط والبول وخروج المني وخروج الريح من الدبروزوال العقل بأي وجه زال العقل( إغماء أو بنج أو غير ذلك )زوال العقل ينقض الوضوءبالإجماع كما نقل ابن المنذر، هذه كلها نواقض للوضوء متفق عليها.
إذاً ذكرنا الآن من الخارج من السبيلين المعتاد: الغائط والبول والريح والمني ، بقي معنا المذي والودي ، أما المذي قد تقدم تعريفه في الدروس الماضية، فالدليل على أنه ناقض للوضوء قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي تقدم أيضاً معنا الذي قال فيه علي:" كنت رجلا مذاءا وكنت أستحي من النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته منه ، فأرسل المغيرة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال عليه الصلاة والسلام "يغسل ذكره ويتوضأ " ، إذاً يفيد ذلك أن المذي ناقض للوضوءيحتاج إلى وضوء .

وأما الوَدي فهو ماءٌ يخرج من الذكر بعد البول، اختلف أهل العلم هل هو ناقض للوضوء أم لا؟قال ابن المنذر وقوله إن شاء الله هو الصواب ،قال :( والوضوء يجب بخروج البول وليس يوجب بخروجه شيءإلا الوضوء الذي وجب بخروج البول)، فجعل ابن المنذر رحمه الله نقض الوضوء بالبول الذي خرج متقدماً على الوديوليس بالودي.

والظاهر من كلامه أن هذا الوديأو الماء الذي يتبع البول , هو دائماً ملاصق للبول ملازم له لا ينفك عنه ، إذا خرج إنما يخرج بعد البول، فإذا كان هذا هو الحال فالنقض يكون بالبول ولا إشكال.

هذا من ما يتعلق بالخارج من السبيلين المعتاد.
أما غير المعتاد مثل الحصى والدم والشعر الذي مثلنا به،فالصحيح فيه أنه إن خرج معه بول أو غائط انتقض الوضوء بالبول والغائط، إن خرج معه ما ينقض الوضوء أصلاً كالبول والغائط أو الريحفهنا يكون ناقضاً للوضوء لا إشكال،ليس به ولكن بما خرج معه.

بعض أهل العلم كابن قدامه رحمه الله في المغني يقول :( لا يخرج شيء من البول أو من الغائط إلا وقد خرجت معه بَلة من البول أو من الغائط) فإذا كان الحال كما ذكرفلا إشكال في أنه ناقض للوضوء، لأن الغائط أو البول إذا خرج ينقض الوضوء، لكن إذا خرج الشيء جافاً وقلنا بخروجه وأنه يوجد ما يخرج بمثل هذه الصورةفهل ينقض الوضوء؟ هنا محل الإشكال،الشيء الذي يخرج على غير العادة، مثل الحصى والشعر والدم وهذه الأشياء، فإذاًإذا خرجت من غير وجود بول أو غائط أو ريح معهافمثل هذه الصحيح أنها لا تنقض الوضوء،لعدم وجود الدليل على ذلك . بعض أهل العلم ذهب إلى أنها أيضاً نواقض للوضوءواحتجوا بالقياس، ونحن نقول: القياس هاهنا لا محل له ، القياس في هذا الباب لا محل له،وكون الشيء ناقضاً للوضوء أمر تعبدي لا يمكن الوقوف على علته،وأحياناً بعض الفقهاء تجده يتكلف في استنباط واستخراج العلة مما يجعلهم يبتعدون عن الصواب.فالطهارات عبادات تعبَّد الله بها خلقهغير معقولة عللها، وقد يخرج من المخرج الواحد ما يوجب الوضوء وما يوجب الغسل وما لا يوجب شيئاً،من المخرج الواحد ممكن أن يخرج شيء يجب بخروجه الوضوء، وجائز أن يخرج شيء يجب بخروجه الغسل، ويخرج شيء لا يجب بخروجه شيء، فإذاً المخارج ليست علة لتعليق الحكم بها.

ثم قال المصنف رحمه الله:(( وبما يوجب الغسل)) , أي وينتقض الوضوء بما يوجب الغسل ،أي في الجماع ،وهو ماذا؟ ما يوجب الغسل في الجماع التقاء الختانين أو نزول المني، نزول المني قد تقدم الحديث عنه ، أما التقاء الختانين فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل" وفي رواية أخرى "إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل " هذا ما يوجب الغسل إذاً فهو ناقض على ما ذكر المؤلف وقال: لا خلاف في انتقاضه به ، إذاً فإذا كان لا خلاف فلا جدال.

قال رحمه الله:((ونوم المضطجع)) أي أن نوم المضطجع أيضاً يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء،النوم: الصحيح من أقوال أهل العلم أنه مظنة لنقض الوضوء وليس هو ناقض بذاته،ليس النوم ناقضاً من نواقض الوضوء ولكنه مظنة لنقض الوضوء،ما يعني هذا الكلام؟ يعني أن النوم ليس كخروج البول مثلاً وليس كخروج الغائط ، هو نفسه إذا خرج نقض الوضوء،ولكن احتمالية نقض الوضوء مع النوم واردة،فمن الممكن أن يخرج ريح من النائمأم لا يمكن؟ ممكن جائز ربما خرج من النائم ريحفينتقض وضوؤه وهو لا يشعر ، إذاً فلما كان النوم مظنة لنقض الوضوءصار لا بد من الوضوء به،دليل كون النوم ناقضاً للوضوء أو مظنة لنقض الوضوء، أنه جاءت أحاديث في النوم فيها بعض التعارض ، فاختلفت وجهات نظر العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث،الحديث المتقدم حديث صفوان بن عسال قال:"ولكن من غائط وبول ونوم "إذاً يدل هذا على أن النوم ناقض للوضوء،لكن صح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال :" إنهم - أي الصحابةكانوا ينامون فتَخْفِق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون"تخفق رؤوسهم يعني النائم عندما يكون الشخص منتبه ثم ينام ينزل رأسه تلقائياً، هذا خفق الرأس , قال :"كانوا ينامون فتخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون"هذا يدل على ماذا ؟ على أن النوم ليس ناقضاً للوضوء فمن هنا اختلفت وجهات نظر العلماء في الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك ، فذهب بعضهم إلى ما ذهب إليه المصنف , ففرّقوا ما بين أن يكون النائم جالساً وبين أن يكون مضطجعاً، قالوا: إذا كان جالساً يكون متمكناً فلا يخرج منه شيء، أما إذا كان مضطجعاً فيخرج منه الشيء وهو لا يشعر لنومه،لكن حصلت قصة طريفة مع أحد العلماء الذين كانوا يتبنون هذا القول،كان في مجلسوكان بجانبه أحد الطلبة نائماً فأخرج هذا الرجل ريحاً وهو جالس ، فجاء موعد الصلاة فقال هذا العالم لذاك الرجل: قم فتوضأ،قال له:- وهذا يدرس عندهيعني أخذ مذهبه- فقال له لقد كنت جالساً متمكناً،قال له: قُم فقد سمعت وشممتوإني أُشهدكم أني رجعت عن قولي،انتهى الأمر فما بقي له قول بعد ذلك،إذاً من الجائز وربما يحصل هذا الشيء،أن يكون الشخص جالساً ويخرج منه الريح فلا فرق ما بين الجالس والمضطجع،طيب إذاً كيف الجمع بين هذه الأحاديث؟نقول في الجمع بينها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللهوغيره من أهل العلم ، قالوا : (وبما أن النوم مظنة الحدث فإذا نام بحيث لو انتقض وضوؤه أحس بنفسه ، فإن وضوءه باق،وإذا نام بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه فقد انتقض وضوءه ) بمعنى كلامه رحمه الله(الكلام لشيخ الإسلام رحمه الله)

بما أن النوم مظنة للحدث فإذا نام بحيث لو انتقض وضوؤه أحس بنفسهوشعر بخروج الريح مثلاًفإن وضوءه باقٍ لأن شعوره موجود وباق ويعلم متى ينتقض وضوءه ومتى لا ينتقض ، أما إذا نام بحيث لا يشعر إن خرج منه شيء،فهنا يجب عليه أن يتوضأ،وبهذا الجمع يُعمل بجميع الأدلة.


قال المصنف رحمه الله:(( وأكل لحم الإبل)) أي ومن نواقض الوضوء أكل لحم الإبل،لحديث جابر بن سمرة أن رجلاً سأل رسول الله صلى عليه وسلم:" أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ،قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم،قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا" هذا الحديث فرّق فيه النبي صلى الله عليه وسلم بين أكل لحم الغنم وأكل لحم الإبل، مما يدل على أن هذا الحديث جاء بعد نسخ الوضوء مما مسَّت النار ،بعض أهل العلم يقول: طبعاً الوضوء مما مست النار كانت فيه مرحلتان : المرحلة الأولى كان واجب عليهم أن يتوضئوا إذا أكلوا ما مسته النار، كاللحم مثلاً والمرق وغيره ،ما مسته النار إذا أكلوه وجب عليهم الغسل ،ثم بعد ذلك نسخ هذا الحكم،فجاء في الحديث أنه كان آخر الأمرين عدم الوضوء مما مسته النار، فنسخ الحكم ذاك،فبعض أهل العلم قال هذا الأمر بالوضوء من لحم الإبل من المنسوخ ،فرد عليهم أهل العلم بماذا؟ قالوا: لقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الأكل من لحم الغنم والأكل من لحم الإبل،فلو كان الأمر كما قلتم وذكرتم فكيف أباح النبي صلى الله عليه وسلم الأكل من لحم الغنم وهو أيضا مما مست النار،إذاً هذا القول مردود عليهم، وأسعد الناس بهذا الحديث هم أهل الحديث،أهل الحديث هم الذين يُفتون بما يقتضيه هذا الحديث ، والإمام الشافعي رحمه الله قال :( إن صح الحديث بذلك قلت به) وقد صح ، الحديث في صحيح مسلم .

قال رحمه الله:(( والقيء ونحوه))القيء ما قذفته المعدة ، يسمى عندنا هنا مراجعةويسمى في بعض بلاد المغرب العربي طراشة .

قوله:(( ونحوه)) كالقلَص،وهو ما خرج من الجوف ملء الفم أو ما دونه،تشعرون به أحياناً يعني عصارة المعدة تخرج وترجع ولا تكمل طريقها هذا يسمى قلَص ،وكالرعاف أيضاً وهو الدم يخرج من الأنف،فالقيء والقلص والرعاف عند المصنف نواقض للوضوء،احتج المؤلف رحمه الله بما أخرجه الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ،وبحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من أصابه قيء أو رعاف أو قلص أو مذي فلينصرف فليتوضأ" أخرجه ابن ماجة وغيره والحديثان ضعيفانلا يصحان وبناءً على ذلك فالقيء والرعاف والقلص ليست من نواقض الوضوء.

قال:(( ومس الذكر )) ورد في مس الذكر أحاديث متعارضة منها حديث بسرى بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من مس ذكره فليتوضأ" ومنها حديث طلق بن علي "إنما هو بضعة منك " فالصحيح أن هذه الأحاديث لم ترد بأسانيد تطمئن النفس إليها وتبنى عليها أحكام شرعية،فالصحيح عندي أنها كلها ضعيفةلا يصح منها شيءلذلك يبقى الأمر على أصلهوأن مس الذكر ليس ناقضاً للوضوء، وكذلك مس المرأة ليس ناقضاً للوضوء،لأن قول الله تبارك وتعالى :{أو لامستم النساء } يراد به الجماع على الصحيح ، فإن الله سبحانه وتعالى يكني عن الجماع بما شاء،وقد كنّى عن الجماع بالمس في مواضع أخرى،فنقول بما قاله ابن عباس رضي الله عنه في هذاأن الملامسة هنا بمعنى الجماعوبناءً على ذلك فمس المرأة لا يكون ناقضاً للوضوء،ويبنى على ذلك أن المرأة إذا غيَّرت لابنها ومست ذكره أو مست دبره لا يعتبر هذا ناقضاً لوضوئهاويجوز لها أن تصلي بعد أن تغسل يديها من النجاسات .
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
نتوقف إلى هنا
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-12-2012, 14:22   #7
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس السابع]

[المجلس السابع]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فهذا المجلس السابع من مجالس شرح الدرر البهية ونبدأ إن شاء الله بـِ باب الغسل
قال المؤلف رحمه الله: باب الغسل
الغَسل جريان الماء على العضو ، وأما الغُسل اسمٌ للاغتسال، والاغتسال اصطلاحاً هو إفاضة الماء على جميع البدن مع النية.

مسألة الدلك حصل فيها خلاف بين أهل العلم سيأتي الكلام فيه، بعض أهل العلم أضاف إلى التعريف مسألة الدلك، لكن الصحيح أن الدلك ليس شرطاً في الغسل كما سيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى.

قال المؤلف رحمه الله:(( يجب:)) أي الغسل ،((بخروج المني بشهوةٍ ولو بتفكرٍ))

بدأ المؤلف رحمه الله بذكر موجبات الغسل أي الأشياء التي إن حصلت ووقعت أوجبت عليك أن تغتسل، هذه تسمى موجبات الغسل، أول شيء ذكره المؤلف رحمه الله هو نزول المني بشهوة، ويضيف بعض أهل العلم بشهوةٍ وبتدفقٍ، كما هو معلوم المني ماءٌ غليظٌ دافق يخرج عند اشتداد الشهوة وتمامها، ويكون منه الولد، أظنه بهذا الوصف قد عُلم، ما بقي فيه خفاء ومني الرجل أبيض ومني المرأة أصفر كما جاء وصفه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، خروج المني الدافق بشهوة يوجب الغسل سواء كان خارجاً من الرجل أو خارجاً من المرأة، وفي يقظة أو في منام، يعني إن خرج المني في اليقظة أو خرج في المنام أوجب الغسل، وهذا قول عامة العلماء، قال الترمذي رحمه الله: ولا نعلم فيه خلافاً. وقال - صلى الله عليه وسلم - :" الماء من الماء" أخرجه مسلم في صحيحه، أي الاغتسال من الإنزال، الاغتسال بالماء من إنزال الماء الذي هو المني ، وعن أم سلمة رضي الله عنها أن أم سُليم قالت:" يا رسول الله : إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟، قال: نعم، إذا رأت الماء" متفق عليه، فقيَّد النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه يجب عليها أن تغتسل إذا رأت الماء، إذاً نزول الماء يوجب الغسل.
ثم قال رحمه الله:(( وبالتقاء الختانين))أي ويجب الغسل بالتقاء الختانين، الختان موضع القطع من فرج الذكر والأنثى، موضع القطع: عندما يُقص، القطعة التي تقص من ذكر الرجل أو فرج المرأة هذه تسمى ختاناً، والمراد من الحديث الوارد بذكر الختان فيه تغييب الذكر في فرج المرأة وهذا يوجب الغسل لقول الله تبارك وتعالى { وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ } [ المائدة/6]، الجنابة هي الجماع في كلام العرب، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل " أخرجه مسلم، وفي الصحيحين "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهَدها فقد وجب الغسلالشعب الأربعة اختلف فيها العلماء، قيل: اليدان والقدمان وقيل: القدمان والفخذان، وقيل: غير ذلك، المهم إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل، الإجهاد لا يكون إلا عند الإدخال، فليس المقصود من المس الوارد في بعض الروايات التي قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - :"إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل" ، ليس المراد من المس مجرد اللمس الخارجي، بل المراد تغييب الذكر في الفرج لأن ختان المرأة في أعلى الفرج ولا يمسه الذكر في الجماع، قال النووي رحمه الله: وقد أجمع العلماء على أنه لو وضع ذكره على ختانها ولم يولجه (أي لم يدخله) لم يجب الغسل لا عليه ولا عليها.

إذاً المساس فقط من دون الإدخال لا غسل فيه بالاتفاق، متى يجب الغسل؟ إذا غيَّب الرجل رأس الذكر في فرج المرأة، عندئذ يجب الغسل، فالمراد بالمماسَّة المحاذاة، قال ابن قدامة في المغني: ولو مس الختان الختان من غير إيلاج فلا غسل بالاتفاق.

فهذان إمامان ينقلان الاتفاق على أن مجرد المس الخارجي لا يوجب الغسل.
ثم قال رحمه الله:((وبانقطاع الحيض. والنفاس))أي يجب الغسل أيضاً بانقاع الحيض والنفاس، أي بانتهائه (بانتهاء الحيض وبانتهاء النفاس) الحيض لغة هو السيلان وأما في الشرع فهو دم جِبِلَّة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة (يعني في حالة الصحة) من غير سبب في أوقات معلومة.

هذا التعريف أدق التعاريف التي وقفتُ عليها للحيض، والنفاس دمٌ يخرج من المرأة عند الولادة، ودليل وجوب الغسل بانقطاع الحيض وانقطاع النفاس قول الله تبارك وتعالى { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ } أي النساء {حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} حتى ينقطع الحيض {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فإذا اغتسلن { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} فاتوهن من المكان الذي أمركم الله أن تأتوهنَّ منه ، فقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} دليل على أن الغسل واجب قبل الجماع، ولقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش وهي مستحاضة :" دعي الصلاة قدر الأيام التي كنتِ تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي" متفق عليه، فقال لها ماذا؟ "ثم اغتسلي وصلي" فأمرها بالغسل، وأما النفاس فهو كالحيض بإجماع العلماء، نقل ابن المنذر رحمه الله الإجماع أن النفاس كالحيض لا فرق بينهما، وعلِمنا ما هو النفاس وما هو الحيض ، وقال ابن المنذر رحمه الله في الإجماع: وأجمعوا على أن على النفساء الاغتسال إذا طهرت.

هذا محل إجماع منتهي الكلام فيه.

قال المؤلف رحمه الله:(( وبالاحتلام مع وجود البلل)) أي ويجب الغسل بالاحتلام مع وجود البلل، إذاً لا بد من وجود البلل، من معاني الاحتلام في اللغة رؤيا المباشرة في المنام (مباشرة المرأةويطلق أيضاً على الإدراك وعلى البلوغ، أما في الاصطلاح فهو اسم لما يراه النائم من المباشرة فيحدث معه إنزال المني غالباً وليس دائماً، فالاحتلام يوجب الغسل إذا حصل إنزال لكن شرط إيجابه للغسل هو رؤية الماء بدليل حديث أم سلمة المتقدم، عندما سألت أم سُليم فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - :"نعم، إذا رأت الماء" فعلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وجوب الغسل برؤية الماء.
قال المؤلف رحمه الله:((وبالموت)) أي يجب الغسل أيضاً بالموت، يعني يجب على الميت يغتسل؟ لا طبعاً، يجب على من حضر الميت أن يغسله، وتغسيل الميت واجب وجوب كفائي، ووجوب تغسيل الميت على المسلمين محل إجماع وسيأتي تفصيل الكلام في هذا الموضوع في باب الجنائز إن شاء الله.
قال المؤلف رحمه الله:((وبالإسلام)) أي ويجب الغسل بدخول الكافر في الإسلام، الكافر إذا دخل في الإسلام فيجب عليه أن يغتسل بعد أن يتشهد الشهادتين ويدخل في الإسلام يجب عليه أن يغتسل، دليل ذلك حديث قيس ابن عاصم قال:" أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل بماء وسدر" أخرجه أبو داود وغيره وهو صحيح، والعمدة عليه في إثبات وجوب الغسل على من دخل في الإسلام.
قال المؤلف رحمه الله: فصلٌ
((والغسل الواجب هو: أن يفيض الماء على جميع بدنه، أو ينغمس فيه، مع المضمضة والاستنشاق)) انتهى المؤلف رحمه الله من موجبات الغسل، إذاً الغسل عند المؤلف لا يجب إلا بما ذُكر فقط، والأمر كما قال رحمه الله، وسيأتي في آخر مبحث الغسل ذكر الأغسال المستحبة . هنا الآن يريد أن يبين ما هو الواجب في الغسل، قال: أن يفيض الماء على جميع بدنه، إفاضة الماء على جميع البدن أي صب الماء على جميع الجسم، قال: أو ينغمس فيه مع المضمضة والاستنشاق، أو ينغمس في الماء كأن يكون مثلاً عند البحر ينغمس ينوي الغسل ويغطس في البحر ثم يخرج، يكون قد حصل الغسل مع وجود النية، فسواء انغمس أو صب على نفسه يحصل الغسل . المؤلف رحمه الله أضاف : مع المضمضة والاستنشاق، إشارة منه إلى أنه يرى وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل، المسألة محل خلاف وجمهور علماء الإسلام على خلاف ما ذكر المؤلف، والحق إن شاء الله مع جمهور العلماء لا مع المؤلف رحمه الله، فالصحيح أن المضمضة والاستنشاق ليستا واجبتين لا في الوضوء ولا في الغسل، أما في الوضوء فقد تقدم الكلام في ذلك، وأما في الغسل فقد ورد في حديث أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أم سلمة بإفاضة الماء على نفسها من غير أن يذكر لها المضمضة والاستنشاق، فيدل ذلك على عدم الوجوب، وكذلك جاء في حديث جابر بن عبد الله في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ ثلاثة أكف ويفيضها على رأسه ثم يفيض على سائر جسده، هذا عندما ذكر غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - معلماً أحد من سأله عن ذلك، قال له : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ ثلاثة أكف ويفيضها على رأسه ثم يفيض على سائر جسده، إذاً هذان الحديثان:حديث أم سلمة وحديث جابر يدلان على أن المضمضة والاستنشاق ليستا من واجبات الغسل، حديث أم سلمة في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها:"إنما يكفيكِ أن تَحْثي على رأسك الماء ثلاث حثيات ثم تفيضي عليكِ الماء فإذا أنتِ قد طهرتِفما ذكر لها لا مضمضة ولا استنشاق .

قال المؤلف رحمه الله:((والدَّلْك لمِا يمكن دلكه)) أي أنه هذا من واجبات الغسل، دلك ما يمكن دلكه من الجسم مع إفاضة الماء، اختلف أهل العلم في دلك ما يمكن دلكه من الجسم، هل هو واجب أم تكفي الإفاضة؟ أي يكفي صب الماء ووصول الماء إلى جميع أجزاء الجسم، خلاف بين أهل العلم والراجح أن الدلك ليس شرطاً في الغسل، دليل ذلك: سمعتم حديث أم سلمة وسمعتم حديث جابر، هل سمعتم فيهما دلكاً؟ ما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ذُكر عنه إلا الإفاضة، والإفاضة هي الصب، فإذا حصل الصب فقد حصل الغسل، والدلك ليس شرطاً فيها.

وأكمل الغسل هو ما ورد في حديث عائشة وفي حديث ميمونة وهما في الصحيحين، قالت عائشة رضي الله عنها:" كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ،ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره (حتى يصل الماء إلى جلدة الرأس) ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه ثم يفيض على جلده كله (يفيض الماء)" ، وحديث ميمونة قالت:"وضعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ماءً للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره ثم مسح يده بالأرض ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه ثم أفاض على جسده ثم تحول من مكانه فغسل قدميه في حديث ميمونة هذا كما يفعل في الوضوء بداية ثم بعد ذلك يفيض الماء على رأسه وعلى جسمه، لكن حديث ميمونة ها هنا فيه أنه أخَّر غسل القدمين إلى آخر الغسل، والحديث الذي ذكرته عائشة والذي ذكره غير عائشة أيضاً عن غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكروا فيه هذا الانتقال، فالظاهر أن هذا التأخير(تأخير غسل القدمين عن أعضاء الوضوء) أنه يصح هكذا ويصح هكذا ، هذا من السنة وهذا من السنة، فعل هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - تارة وفعل الآخر تارة، ومن الجائز أن يقال: بأنه على حساب المكان الذي يغتسل فيه الشخص، ربما يكون هذا السبب قولها: ثم تحول من مكانه، فيه إشارة لهذا المعنى وهو أن المكان إذا كان فيه طين أو شيء من هذا أو فيه شيء يُعكِّر نظافة القدمين في حال الغسل، بعد أن ينتهي من غسله يتحول من المكان ويغسل قدميه ويخرج، ربما هذا المعنى يكون وارداً في فهم حديث ميمونة والله أعلم.
قال المؤلف رحمه الله:(( ولا يكون شرعياً إلا بالنية لرفع موجبه)) لا يكون الغسل شرعياً بالتفريق ما بين من اغتسل تعبداً وقربة لله تبارك وتعالى ومن اغتسل تبرداً مثلاً، فمن اغتسل عادة أو تبرداً أو غير ذلك من الأسباب يريد أن يفرق بينه وبين الغسل الشرعي، فبماذا يكون الفرق؟ بالنية ، برفع موجبه، النية لرفع موجب الغسل، ما الذي أوجب الغسل؟ مثلاً الجنابة، فهو يغتسل بنية رفع الجنابة ، فالنية هذه هي التي تفرق ما بين العبادات والعادات.
وقول المؤلف هذا دليله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" .
قال المؤلف رحمه الله:((ونُدب: تقديم غسل أعضاء الوضوء إلا القدمين ))نُدب يعني استُحب، يعني يُستحب أن تقدم غسل أعضاء الوضوء لحديث ميمونة وعائشة المتقدم ، تبدأ بغسل أعضاء الوضوء، لكن هذا على وجه الاستحباب كما ذكر المؤلف وليس وجوباً، اتفق العلماء على أن الغسل يصح من غير وضوء ويغني عن الوضوء، الخلاف حاصل في النية، هل يغني مع عدم النية أم يغني بالنية؟ يعني يجب أن تنوي الوضوء أو لا يجب أن تنوي الوضوء ويحصل الأمر؟ لكن ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"إنما الاعمال بالنيات" أنه يجب أن تنوي رفع الحدثين الأصغر والأكبر كي ينعقد وضوؤك، قال: إلا القدمين ، إلا القدمين لا يستحب أن يقدما على الغسل لحديث ميمونة وذكرنا أن الأمر فيه واسع، يعني ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا وورد هذا، فيُستحب التقديم أحياناً والتأخير أحياناً، ومن فرَّق بالمعنى الذي ذكرناه أيضاً أمره قريب.
قال النووي رحمه الله في المجموع: الوضوء سنة في الغسل وليس بشرط ولا واجب هذا مذهبنا (أي الشافعية) وبه قال العلماء كافة (العلماء كافة أي جميعهم) إلا ما حُكي عن أبي ثور وداود أنهما شَرَطا (أي جعلاه شرطاً) كذا حكاه أصحابنا عنهما ونقل ابن جرير الإجماع على أنه لا يجب، ثم ذكر الأدلة على عدم وجوبه. ومما يدل على عدم الوجوب حديث أم سلمة وحديث جابر المتقدمين.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله في "الأم": فرض الله تعالى الغسل مطلقاً، لم يذكر فيه شيئا يُبدؤ به قبل شيء فكيفما جاء به المغتسل أجزأه إذا أتى بغسل جميع بدنه.ا.هـ

يشير إلى أنه ما ذكر الله سبحانه وتعالى الوضوء في الغسل .

قال المؤلف رحمه الله:(( ثم التيامن)) يعني يستحب أيضاً التيامن في الغسل، أي البدء بالميامن مستحب وذلك لما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يبدأ بشق رأسه الأيمن في الغسل، ثم يغسل شق رأسه الأيسر، وجاء في الصحيح أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت:" كنا إذا أصابت إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثاً فوق رأسها ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن وبيدها على شقها الأيسر"، هذا وإن كان من فعل نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن له حكم الرفع لأن مثل هذا يكون قد اطلع عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أيضاً في عهد التنزيل (في عهد الوحي) فهذا يدل على استحباب البدء بالرأس وبالميامن من الجسم.
نكتفي بهذا القدر
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-12-2012, 14:23   #8
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

[المجلس الثامن ]

انتهينا في الدرس الماضي والدرس السابع من الغسل وبقيت منه بقية نكملها اليوم في درسنا الثامن
قال المؤلف رحمه الله
:فصلٌ
((ويشرع لصلاة الجمعة)) أي ما الذي يشرع؟ الغسل، يشرع لصلاة الجمعة، كلمة "يشرع" أعم من الوجوب والاستحباب، تدل على أن هذا الفعل جائز شرعاً، هذه كلمة يشرع، لكن المراد عندنا هاهنا الاستحباب، غسل الجمعة مستحب لقول النبي
- صلى الله عليه وسلم -:" غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" متفق عليه، وقوله:" إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" وأيضاً متفق عليه، طيب هذه الأحاديث الآن فيها أمر أو لا ؟ أمر، الآن نريد أن ننتبه لتطبيق القواعد الأصولية التي درسناها في الورقات، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"غسل يوم الجمعة واجب"، الوجوب هنا ليس بالمعنى الاصطلاحي، نريد أن نفهم كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على المعنى اللغوي الآن، واجب بمعنى ماذا ؟ لازم، غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، أي لازم، طيب إذاً لازم فمعنى ذلك أنه واجب اصطلاحاً، وقوله:" إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" هذا أمر، والأمر يدل على الوجوب، إذاً كِلا الحديثين يدل على وجوب غسل الجمعة، طيب نحن نقول: غسل يوم الجمعة مستحب، قلنا: الأصل في الأمر يدل على الوجوب، هذه القاعدة التي قررناها ولا نريد أن نخالفها، طيب، قلنا: نعم، الأصل في الأمر أنه يدل على الوجوب ما لم تأتِ قرينة تصرفه عن ذلك، قال الإمام الشافعي رحمه الله في الحديث الأول" غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، قال : احتمل الوجوب هنا معنيين: الظاهر منهما أنه واجب فلا تجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، هذا الظاهر من اللفظ، أن غسل يوم الجمعة واجب، واحتمل أنه واجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة، هذا احتمال وارد أيضاً على الحديث إلا أنه أضعف من الاحتمال الأول، وإذا كان عندنا معنىً ظاهر وآخر أقل منه ظهوراً وجب حمل الكلام على أيهما؟ على الظاهر مباشرة، ولا يجوز العدول عن الظاهر إلا بدليل، قال رحمه الله : واحتمل أنه واجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة ونفي تغيير الريح (يعني الرائحة الكريهه تغيرها) عند اجتماع الناس (مثل ما جاء في أصل مشروعية غسل الجمعة أصلاً) كما يقول الرجل للرجل: وجب حقك عَلَيّ إذا رأيتني موضعاً لحاجتك، لما تأتي تتقابل مع شخص تحبه وتوده تقول له: لو احتجت شغلة مني فأنا جاهز حقَّك واجب عليّ، ما معنى حقَّك واجب علي هنا؟ تكرماً، وجوب تكرُّمي وليس وجوباً إلزامياً، إذاً بما أنه قد جاز في اللغة هذا المعنى وهذا المعنى وكان المعنى الأول هو الظاهر إذاً نحتاج لصرف المعنى عن المعنى الأول إلى الثاني إلى ماذا؟ إلى دليل وقرينة، قال : ثم رجُح المعنى الثاني مع أن الأول هو الظاهر، ولكنه أتى بدليل (كلام الشافعي رحمه الله سيأتي، لكن الشافعي سيأتي بدليل يدل على أن المعنى الثاني هو الظاهر بالدليل وهو المؤول) بعد ما ذكر المؤلف ما ذكره الشافعي رجَّح المعنى الثاني وليس المعنى الأول مع أنه كان اللازم أن يرجح المعنى الأول لأنه هو الظاهر لكنه رجح الثاني لدليل وُجد عنده فصار المعنى الثاني هو المؤول الظاهر بالدليل، ما هو هذا الدليل الذي أتى به ؟ حديث عمر، كان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يخطب الجمعة فدخل عثمان ابن عفان، فأنكر عمر على عثمان تأخره( تأخر إلى وقت أن أذَّن المؤذن وصعد الإمام على المنبر فجاء عثمان، أنكر عليه عمر، لماذا تأخرت ؟) فاعتذر عثمان بأنه انشغل في السوق، ثم جاء لما سمع النداء فقال له عمر : والوضوء أيضاً ؟( يعني مع التأخر أيضاً وضوء؟ لست مغتسل ؟) وقد علمت أن رسول الله كان يأمر بالغسل. قال الإمام الشافعي رحمه الله : لم يترك عثمان الصلاة للغسل ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، دل ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار ، إذاً استدل الإمام الشافعي رحمه الله بفهم صحابيين فاضلين استدل بفهمهما أن الأمر بالغسل هنا ليس على الوجوب بل للاختيار، واستدل بحديثٍ آخر وهو قال: وروت عائشة الأمر بالغسل يوم الجمعة فقالت:" كان الناس عُمّال أنفسهم( يعني يشتغلون ويعملون بأنفسهم بجهدهم) فكانوا يروحون بهيئاتهم (يعني يأتون إلى الصلاة على نفس حاله الذي هو عليه بعرقه وحاله من وراء العمل) فقيل لهم: لو اغتسلتم"ما هو الشاهد هنا؟ وجه الدلالة من الحديث أنّ تقدير الكلام : لو اغتسلتم لكان أفضل وأكمل، وهذا يدل على ماذا؟ على الاستحباب، وجاء في حديثٍ آخر أيضاً (ثالث) دليلٌ ثالث وقرينة ثالثة تصرف الأمر عن الوجوب، جاء في حديثٍ آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" مَن توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غُفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام" أخرجه مسلم، قال الحافض ابن حجر: هذا الحديث من أقوى ما استُدل به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة، وجه الدلالة أين؟ ذكر الوضوء وما معه مرتباً عليه الثواب المقتضي للصحة ، كونه فيه ثواب على الوضوء والإتيان إلى الجمعة وترتب عليه فضيلة، إذاً هذا يدل على أن الجمعة صحيح بهذا الفعل، ويدل على أن الوضوء كافٍ عن الغسل، هذه ثلاثة قرائن تدل على أن الأمر هنا ليس للوجوب بل للاستحباب وهذا هو الصحيح، وتبِع العلماء الإمام الشافعي على ما ذكر ، كثيرٌ منهم تبعوه على ما قال وعلى ما قرَّر.
ووقت غسل الجمعة من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة، والأفضل أن يتصل الغسل بالذهاب إلى المسجد، يعني الأفضل أن يكون الغسل مباشرة تغتسل وتخرج إلى المسجد، هذا من حيث الأفضلية، وأما إذا اغتسل وأحدث فيكفيه أن يجدد وضوءه ثم يخرج إلى المسجد، ويخرج وقت الغسل بالفراغ من صلاة الجمعة لقول النبي
- صلى الله عليه وسلم -:" إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل"، فإذا انتهت الجمعة انتهى غسلها.
قال المؤلف:(( والعيدين)) أي ويشرع أيضاً للعيدين، لم يصح شيءٌ من الأحاديث في ذلك عن النبي
- صلى الله عليه وسلم لم يصح شيءٌ من الأحاديث في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - باستحباب غسل العيدين، قال ابن الملقن رحمه الله: أحاديث غسل العيدين ضعيفة، وفيها آثار عن الصحابة جيدة، ونحن مأمورون بالتأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم لكن النووي قال في المجموع: ومن الغسل المسنون غسل العيدين وهو سنة لكل أحد بالاتفاق سواء الرجال والنساء والصبيان لأنه يراد للزينة وكلهم من أهلها. ونقل هنا النووي رحمه الله الاتفاق على سنية غسل العيدين، فإن صح الاتفاق فهو المعول عليه في ذلك .
قال المؤلف:((ولمن غسّل ميتاً)) أي ويشرع الغسل لمن غسَّل ميتاً، هذا ورد فيه حديث وهو قول النبي
- صلى الله عليه وسلم -:" من غسَّل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ"، قال أبو حاتم الرازي وهو من أئمة العلل الكبار من جهابذة أهل الحديث: هذا خطأ (هذا الحديث خطأ) إنما هو موقوف على أبي هريرة لا يرفعه الثقات، أي أنه من كلام أبي هريرة وليس من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم وقال الإمام أحمد وعلي ابن المديني وغيرهما وكفى بهما علماً ومكانةً في هذا الفن قالا: لا يصح في هذا الباب شيء. نقله عنهما الإمام البخاري والظاهر من نقله رحمه الله أنه يقرهما على ما قالا وكذلك فعل الدارقطني وغيره من أئمة علماء هذا الفن ، إذاً فلا يصح أن هذا الفعل سنة.
قال المؤلف رحمه الله:(( وللإحرام)) أي ويشرع الغسل للإحرام، يستحب للإحرام ورد فيه حديث أخرجه الحاكم وغيره عن ابن عمر قال
: "من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد الإحرام" صححه الشيخ الألباني رحمه الله وشيخنا الوادعي في الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين، ورواه ابن أبي شيبة مرسلا ، هذا أصح ما ورد في هذه المسألة، مسألة الغسل للإحرام.
قال المؤلف رحمه الله
:((ولدخول مكة)) أي ويشرع الاغتسال لدخول مكة وهو مستحب،يستحب لمن أراد دخول مكة أن يغتسل لما روي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:" أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طُوَى حتى يصبح ثم يدخل مكة نهاراً" متفق عليه.
قال ابن المنذر
: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء وليس في تركه فدية، وقال أكثرهم : يجزئ عنه الوضوء. وهذا الاغتسال لأجل الطواف أصلاً ولذلك لا تغتسل الحائض ولا النفساء بدخول مكة لتعذر الطواف عليهما.
بهذا نكون قد انتهينا من أحكام الغسل
قال المؤلف رحمه الله
:باب التيمم
التيمم لغة: القصد، يقال تيمَّمَه بالرمح أي تقصَّده وتعمده دون مَن سواه ومنه قوله تعالى
{ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } [ البقرة/267] أي لا تقصدوا السيء الرديء لتنفقوا منه، والتيمم شرعاً: القصد إلى الصعيد الطيب بمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها، ودليل مشروعيته قول الله تبارك وتعالى{ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً } [ المائدة/6]، وقال - صلى الله عليه وسلم -:" أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليُصلِّ ...إلخ الحديث"، الشاهد فيه قوله:" وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهورا"، كيف تكون الأرض طهوراً؟ بالتيمم بها، وأجمع العلماء على أن التيمم مشروع .
قال المؤلف رحمه الله:(( يُستباح به ما يستباح بالوضوء والغسل لمن لا يجد الماء، أو خشي الضرر من استعماله)) أي أن التيمم يقوم مقام الوضوء ومقام الغسل، فيستباح به ما يستباح بالوضوء أي أنك تصلي به كما تصلي بالوضوء، وتصلي بالتيمم كما تصلي بالغسل أيضاً، والتيمم يبيح للمحدث حدثاً أصغر أو أكبر أن يصلي به، فيُستعمل بدل الوضوء والغسل، ويكون في الحضر وفي السفر، وقد ثبت عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - أنه تيمّم في الحضر وفي السفر.
متى نحتاج إلى التيمم ؟
يحتاج المسلم إلى التيمم إذا لم يجد الماء أو يجد منه ما لا يكفيه للطهارة، لقول الله تبارك وتعالى { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً } [ المائدة/6] إذاً عند عدم وجود الماء أو وجود الشيء القليل الذي لا يكفي بإمكانك أن تتيمم، وأيضاً إذا كان به جراحة أو مرض وخاف من استعمال الماء زيادة المرض أو تأخُّر الشفاء { وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً } [ المائدة/6]وجاء عن عمرو بن العاص أنه كان في سرية في غزوة فأصابته جنابة فتيمم وصلى (خاف من البرد) فجاء إلى النبي
- صلى الله عليه وسلم -فشكى الصحابة عمرو بن عاص إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فراجعه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فقال له: بأن الله سبحانه وتعالى قال: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } [ النساء/29]، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم خاف على نفسه من شدة البرد فتيمم وصلى، الشاهد من هذا أنه من خشي على نفسه الهلاك من مرض أو شدة برد أو غير ذلك أنه يجوز له أن يتيمم ، فإذا كان كذلك الماء شديد البرودة وغلب على ظنه حصول ضررٍ باستعماله وعجز تسخينه فعندئذ يجوز له أن يتيمم، وكذلك إذا كان الماء قريباً منه إلا أنه يخاف على نفسه أو على عرضه أو على ماله أو يخاف فَوْت رِفقة معه، فيجوز له أن يتيمم، لماذا؟ لأن وجود الماء في هذه الحالة كعدمه، لا فائدة منه، لا يتمكن من استخدامه، فإذاً يجوز له أن يتيمم لأن وجوده كعدمه.
وكذلك إن خاف إن اغتسل أن يُرمى بما هو بريءٌ منه ويتضرر بذلك كأن يبيت عند أحدهم مثلاً ويصبح جنباً فيخشى إن هو اغتسل أن يُتهم بالزنى مثلاً ويؤدي ذلك إلى قتله أو رميه بتهمة فعدئذٍ يجوز له أن يتيمم، لكن مجرد الاستحياء ليس عذراً، كثيراً من الناس يسأل يقول: بت عند صديقي وأصبحت جنباً فاستحييت أن أطلب منه الغسل، لا هذا لا يجوز هذا استحياء مذموم، الواجب عليك أن تطلب ماءً لتغتسل وتصلي بغسلٍ،
وإذا احتاج إلى الماء للشرب أو للعجن أو غير ذلك من الضروريات ولم يكن عنده ماء يكفي لأن يشرب أو يعجن عجينه ويتوضأ به، يجوز له عند ذلك أن يتيمم كذلك.
هذه الأمور التي يجوز له أن يتيمم عندها
ثم قال المؤلف رحمه الله:((وأعضاؤه: الوجه. ثم الكفان. يمسحهما مرةً: بضربةٍ واحدة. ناوياً.مسمياً.)) أعضاء التيمم
ما هي؟ الوجه والكفان فقط، يعني اليدان المذكورتان في الآية عند قول الله تبارك وتعالى { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ } [ النساء/43]المقصود باليد هنا هما الكفان فقط، اليد تطلق في اللغة على الكفين وتطلق أيضاً على الكف مع الساعد مع العضد، لكن المقصود هنا الكفان فقط، من أين علمنا ذلك؟ من المبيِّن عن الله وهو النبي - صلى الله عليه وسلم عندما علَّم - صلى الله عليه وسلم - أصحابه كيفية التيمم ضرب بيديه الأرض ثم نفخ فيهما ثم مسح بوجهه ويديه، مسح الكفين فقط، دل ذلك على أن أعضاء الوضوء فقط هذين العضوين ولا يدخل في ذلك لا الساعد ولا غيره من اليدين،جاء في الصحيحين عن عمار بن ياسر قال:" بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حاجةٍ فأجنبت (أصابته جنابة) فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تَمرَّغ الدابة (هذا قبل أن يعلم حكم التيمم، ماذا فعل؟ قاس التراب على الماء، فقال: كما (..) أغتسل بالماء نتمرغ بالتراب، فتمرغ قال: كما تمرغ الدابة، تنظرون بعض الدواب تكون تتقلب أحياناً على التراب فتتمرغ به)، ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال:" إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا (فأراه ذلك) ثم ضرب بيديه إلى الأرض ضربةً واحدة ( إذاً الضربات كم ضربة ؟ واحدة فقط، ليست ضربة للكفين وضربة للوجه، لأ، هي ضربة واحدة) ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه، مسح الشمال على اليمين هكذا، ثم مسح اليمين على الشمال هكذا، هكذا يكون المسح، طبعاً يبدأ بالوجه ثم الكفين وهذا على الاستحباب وليس واجب، إن بدأ بالكفين ثم الوجه جاز، وجاء في بعض الروايات ذلك، في رواية في الصحيح" إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك" نفْخ تنفخ هكذا في اليدين ، وهذا إن فعله فحسن وإن لم يفعله فلا شيء عليه ، وجاء في رواية عند البخاري" فضرب بكفه ضربةً على الأرض ثم نفضها ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بهما وجهه"، هذه الرواية فيها تقديم وتأخير.
قال: ناوياً
النية لحديث" إنما الأعمال بالنيات" وأي عبادة تحتاج إلى نية، وأما التسمية فلم يصح فيها شيء لا في التيمم ولا في الوضوء .
قال المؤلف رحمه الله:((ونواقضه نواقض الوضوء))
نواقض التيمم هي نفسها نواقض الوضوء بالإجماع، وكذلك بوجود الماء ،لأنه هو بديل
عن الماء فإذا وُجد الماء بطل التيمم، نقل ابن المنذر الاتفاق على ذلك أن التيمم يبطل بوجود الماء وإن كان حصل خلاف وهو خلافٌ ضعيف، والنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما جاءه أحدهم قال له بأنه لم يصلِّ بسبب جنابة قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :"عليك بالصعيد فإنه يكفيك" فلما أُتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بماءٍ دفعه إلى الرجل كي يغتسل، دل ذلك على أنه إذا حضر الماء لا بد أن يغتسل أو أن يتوضأ ولا يبقى كما هو، وأما المسح فيكون بالصعيد واختلفوا في الصعيد هذا، بعضهم قال: هو التراب فقط واتفقوا على أن التيمم يكون بالتراب، لكن الخلاف حصل فيما بعد ذلك، فالبعض قال: التراب وكل ما كان من جنس الأرض وصعد عليها لأن الصعيد يطلق على هذا المعنى، كل ما صعد على وجه الأرض وكان منها كالرمل والحجر والحصى وغير ذلك، فالصعيد في اللغة وجه الأرض تراباً كان أو غيره، لكن يكون منها وليس من أمور أخرى مصنَّعة مثلاً أو كذا، هذه ما تدخل مثل الاسمنت أو الأشياء المصنعة الأخرى كالطوب الموجود اليوم هذا كله لا يدخل في هذا .
سائل: والغبار؟
الشيخ : الغبار هو من التراب.
نكتفي بهذا القدر
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-12-2012, 14:25   #9
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

[المجلس التاسع]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
نبدأ بدرس الدرر البهية ولن نطيل في هذا الدرس فما بقي في كتاب الطهارة إلا مسألة الحيض فقط نكملها.

قال المؤلف رحمه الله: باب الحيض
تقدم تعريف الحيض، قلنا: هو لغة: السيلان، وشرعاً : دم جِبِلَّة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها، على سبيل الصحة (أي من غير مرض) من غير سبب في أوقات معلومة (أوقات معلومة عند النساء).

قال المؤلف رحمه الله
:((لم يأتِ في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة. وكذلك الطهر)) بعض العلماء حددوا وقتاً لأول الحيض وآخره، يعني تقديراً لأوله ولآخره، وكذلك لأول الطهر وآخره فمنهم من قال: أقل الحيض يوم، وبعضهم قال: ثلاثة أيام، وقالوا في أكثره: خمسة عشر، وبعضهم قال: عشرة، وقالوا: ما كان أكثر من ذلك فهو استحاضة وليس بحيض، والخلاف في هذا التحديد كثير لأنه لم يصح فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء، وكثير من أقوال أهل العلم اعتمدوا فيها على أحاديث ضعيفة أو على واقع النساء على حسب علمهم، وقال جماعة من العلماء بما قاله الشوكاني رحمه الله، وهو أنه ليس لأقل الحيض بالأيام حدٌ ولا لأكثره وقت، والحيض عندهم إقبال الدم المنفصل عن دم الاستحاضة، والطهر إدباره.

قال المؤلف رحمه الله:((فذات العادة المتقررة: تعمل عليها. وغيرها: تَرجع إلى القرائن. فدم الحيض يتميز من غيره، فتكون: حائضاً إذا رأت دم الحيض. ومستحاضة إذا رأت غيره. وهي كالطاهرة. وتغسل أثر الدم )) المرأة إذا أتتها دورتها منتظمة في وقتها المعلوم عندها وانقطعت في وقتها ، تمسك عن الصلاة والصوم وتثبت لها أحكام الحائض ولا إشكال في ذلك، عادة تأتي هذه الدورة دمٌ فاسد ينزل من الرحم في أوقات معلومة عند كل امرأة بشكلٍ مستمر في غالب حياتها، في كل شهر تنزل عليها أياماً معدودة، ثم تنقطع بعد ذلك، ولكن بعض النساء تصيبها حالة من السيلان المستمر للدم هذا، فهذا يكون قد اختلط فيه دم الحيض بدم الاستحاضة، ودم الاستحاضة دم ينزل من أدنى الرحم وليس من قعره، وهو كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" إنما ذاك عرقٌ وليس بدم حيضفهذا الدم الذي هو دم الاستحاضة ليست له أحكام دم الحيض، لأن دم الاستحاضة ليس دم فساد، دم طبيعي، فعندما ينزل دم الاستحاضة هذا يُشْكِل على النساء، فكيف تفعل؟ متى تتوقف عن الصلاة؟ ومتى تصلي؟، قال المؤلف رحمه الله: (( فذات العادة المتقررة تعمل عليها)) المرأة عادة لها عادة متقررة، عادة مستمرة عليها تعرفها المرأة كأن تكون لها مثلاً سبعة أيام من الشهر تحيض فيهن، ثم تمكث خمساً وعشرين يوماً مثلاً تطهر فيهنّ، وبعد ذلك ترجع الدورة بعد خمس وعشرين يوماً، ترجع الدورة وتمكث معها سبعة أيام أو ثمانية أيام حسب ما تعلم هي، ثم بعد ذلك يأتيها الطهر خمساً وعشرين يوماً وهكذا، وتكون عادة متقررة منتظمة، هذه المرأة إذا أصابتها الاستحاضة هذه واستمر عليها نزول الدم ترجع إلى عادتها المتقررة وتعمل بها، أي تمكث السبعة أيام التي كانت تمكثها حائضاً ثم تغتسل وتصلي وإن استمر نزول الدم، لأن هذا الدم يعتبر دم استحاضة، إذاً التي لها عادة متقررة تعرفها هذه لا إشكال فيها، تنظر عادتها التي كانت عليها وتمشي عليها، دليل هذا الذي ذُكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما ذكرت له المستحاضة حالتها قال لها - صلى الله عليه وسلم - :" إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب قدرُها- أي من الأيام التي كنتِ تجلسين فيها- فاغسلي عنكِ الدم وصَلِّي" أخرجه البخاري، هذا دليل ما ذكرنا من مسألة العادة المتقررة .

ثم قال:(( وغيرها)) أي غير النساء اللاتي لهنَّ عادة متقررة ، أصابتها هذه الحالة التي نذكرها وهي استمرارية نزول الدم وليست لها عادة متقررة، إما لأنها أول ما حاضت حاضت على هذه الحال من صغرها أو لأنها كانت لها عادة متقررة ولكنها نسيتها أو أي سبب من الأسباب المهم أنها ليست لها عادة متقررة، قال :((وغيرها: ترجع إلى القرائن)) يعني تحكم على دم الحيض بأنه دم حيض بالعلامات التي عندها، ما هي هذه العلامات؟ لون الدم، رائحة الدم، الآلام التي تتبع الدورة، هذه كلها قرائن تدل على أن الدم النازل الآن هو دم دورة.

قال:(( فدمُ الحيض يتميز من غيره)) دم الحيض يُعرَف عن غيره، يُعرف بكثافته، يُعرف بلونه، برائحته، النساء تعرف ذلك، ((فتكون : حائضاً: إذا رأت دم الحيض)) بمواصفاته التي تعرفها، ((ومستحاضة: إذا رأت غيره)) إذا رأت أوصاف أخرى ليست الأوصاف التي تعرفها من دم الحيض ، هنا تكون مستحاضة أي تغتسل وتصلي بمجرد أن تغيرت أوصاف الدماء.
قال:((وهي كالطاهرة))أي المستحاضة كالطاهرة في أحكامها، تغتسل وتصلي وتصوم ويجامعها زوجها.
((وتغسل أثر الدم)) تغسل أثر الدم عنها وذلك للحديث الذي جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للمرأة:" اغسلي عنكِ أثر الدم" فإذاً تغسل عنها أثر الدم وتتوضأ لكل صلاة، تتوضأ لكل صلاة، جمهور أهل العلم على ما ذكر المؤلف، أن المستحاضة يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة، يعتمدون في ذلك على رواية عند البخاري في صحيحه من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني امرأة أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :" لا" أي لا تدعي الصلاة ،"إنما ذلك عرقٌ وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدم ثم صلِّي" إلى هنا الحديث في الصحيحين وما فيه إشكال، قال: (أي: هشام) وقال أبي: (أي: عروة)" ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت" هذه الزيادة الآن : قال هشام: قال أبي(عروة) : "ثم توضئي لكل صلاة" هل هذه اللفظة من قول عروة، من فتواه أم أنها من تمام الحديث؟ حصل خلافٌ بين أهل العلم في ذلك ، فبعضهم قال: هي من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والبعض قال: هي مدرجة من قول عروة، لذلك أشار مسلم في صحيحه بعد أن أخرج الحديث، إلى أنه حذفها عمداً من الحديث، لماذا حذفها عمداً؟ لأنه لا يراها من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنا مع مسلم فيما ذهب إليه، فقد روى الحديث جهابذة أصحاب هشام ولم يذكروا هذه الزيادة فيه، والبعض زادها بلفظ: "وتوضئي" ولم يقل:"لكل صلاةفالذي يظهر لي والله أعلم أنها فتوى لـِ عروة كان يفتي بها إحدى النساء، فخاطبها بذكر الحديث ثم أكمل من عنده :" ثم توضئي لكل صلاة " والله أعلم ، وبناءً على ذلك فلا يصح حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إلزام المستحاضة بالوضوء لكل صلاة، فلا يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة على الراجح في هذه المسألة، وإن كان هذا القول مخالفاً لجمهور علماء الإسلام، ولكن قال به ربيعه شيخ مالك وقال به مالك ابن أنس أيضاً وهو الصواب إن شاء الله.

قال المؤلف رحمه الله:(( والحائض لا تصلي ولا تصوم)) وذلك لما ورد في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المرأة :" أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟" ولم يخالف في ذلك غير الخوارج، لأنهم أصحاب غلو وتنطع، وهذا الحديث واضح ، قال:" أليست إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟" .
وقال رحمه الله:((ولا توطأ حتى تغتسل بعد الطهر)) أي ولا توطأ الحائض حتى تغتسل بعد أن تطهر من حيضها، لقول الله تبارك وتعالى { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [ البقرة/222]ولقوله - صلى الله عليه وسلم - :"اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، فمنع النبي - صلى الله عليه وسلم - من إتيان الحائض في حال حيضها.

قال المؤلف رحمه الله:((وتقضي الصيام)) ولا تقضي الصلاة، قال المؤلف : وتقضي الصيام أي ولا تقضي الصلاة لحديث عائشة، سألتها امرأة فقالت: أتُجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت:" أحرورية أنتِ؟ كنا نحيض مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يأمرنا به" يعني قضاء الصلاة، وفي رواية " كان يصيبنا ذلك فنؤمَر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاةوهذا تخفيف من الشارع وذلك لأن الصلاة كثيرة التي تفوت الحائض فخفّف الله تبارك وتعالى عنها ولم يأمرها بالقضاء بخلاف الصوم، فالصوم الذي يفوتها قليل في خلال السنة لذلك أمرها الله تبارك وتعالى بقضائه والله أعلم.

قال المصنف رحمه الله: فصلٌ
((والنفاس: أكثره أربعون يوماً. ولا حد لأقله. وهو كالحيض)) تقدم تعريف النفاس، وهو دم يخرج من المرأة عند الولادة، لا حد لأقله كما قال المؤلف على الصحيح ، وإذا لم ترَ المرأة النفساء الدم أصلاً تغتسل وتصلي، وأما أكثره فقيلكما قال المؤلف أربعون يوماً، وقيل ستون يوماً، فالذين قالوا: أكثره أربعون يوماً قالوا: بعد الأربعين تغتسل وتصلي وإن استمر الدم، والذين قالوا بالستين، قالوا: تغتسل وتصلي بعد الستين إلا إذا صادف وقت حيضها، إذا صادف وقت حيضها فربما تكون النفاس ثم بعد ذلك جاءت الحيضة بعده مباشرة، أما إذا لم يأتِ وقت الحيضة فتغتسل وتصلي، الذين يقولون بالأربعين يقولون: بعد الأربعين تغتسل وتصلي، والذين يقولون بالستين، يقولون: يكون ذلك بعد الستين، وأما إذا انقطع الدم قبل ذلك فتغتسل وتصلي وإن لم تبلغ الأربعين ولا الستين يوماً، حُجة من قال بالأربعين،حديث أم سلمة، قالت:" كانت النفساء على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم - تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً أو أربعين ليلة" وهو حديث ضعيف فيه مُسَّه الأَزْدية، قال فيها الدارقطني: لا يُحتج بها ، وقال الذهبي رحمه الله بعد أن نقل كلام الدارقطني، قلتُ: لا تُعرف إلا في حديث مُكث المرأة في النفاس أربعين يوماً(ليس لها من الرواية إلا هذه)، والذين قالوا بالستين، قالوا: هو أكثر ما وُجد من النساء، أكثر ما وجدنا من النساء أنها تمكث في نفاسها ستين يوماً، ولعل هذا القول أقرب إلى الصواب، فقد رأينا نساءً يمكثنَ في نفاسهنَّ شهرين كاملين، فهذا يدل على أن النفاس يبقى مع المرأة لمدة شهرين، والحديث المذكور الذي يستدلون به ضعيف لا يصح كما ذكرنا وقد حمله بعض أهل العلم على التسليم بصحته على أن هذا هو الذي كان موجوداً في عهدهم ، أن النساء كان النفاس يبقى معهنَّ أربعين يوماً ثم ينقطع، وهذا هو غالب حال النساء أصلاً فلذلك فليس فيه دليل على أن هذا أكثر النفاس، والقول بالستين هو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية عنه، وفي قولٍ عن مالك قال: يُسأل عن ذلك النساء وأهل المعرفة.
وبهذا نكون قد انتهينا من كتاب الطهارة
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-12-2012, 14:26   #10
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس العاشر]

[المجلس العاشر]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد، هذا الدرس العاشر من دروس شرح الدرر البهية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى :كتاب الصلاة
الصلاة لغة هي الدعاء ،قال تعالى { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } [ التوبة/103] أي ادعُ لهم وقال - صلى الله عليه وسلم - :" إذا دعي أحدكم فليجب إن كان مفطراً فليَطعم وإن كان صائماً فليصلِّ "أي فليدعُ.أخرجه مسلم في صحيحه.
وأما في الشرع فهي الأفعال المعلومة التي تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم . هذا تعريف الصلاة لغة وشرعا، والأصل في ذكر الصلاة في الكتاب والسنة أنها بالمعنى الشرعي ،إذا جاء ذكر الصلاة في الكتاب والسنة تُفهم على المعنى الشرعي،هذا هو الأصل فيها،وهذا أصلٌ في كل معنى تختلف فيه المعاني اللغوية عن المعاني الشرعية، الأصل أن تحمل الكلام على المعنى الشرعي في الكتاب والسنة قبل المعنى اللغوي.
وحكمها معلوم، الصلاة ركن من أركان الإسلام الخمسة وجاء في حديث ابن عمر أن النبي
- صلى الله عليه وسلم - قال :" بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام رمضان" وفي رواية "وصيام رمضان وحج البيت" الحديث متفق عليه،فالصلاة ركن من أركان الإسلام بل هي ثاني ركن بعد الشهادتين . قال ابن حزم رحمه الله: لا خلاف من أحد من الأمة في أن الصلوات الخمس فرضٌ ومن خالف ذلك فكافرٌ ،من أنكر صلاةً من الصلوات الخمس أو أنكر الصلوات الخمس كلها فهو كافرٌ خارج من ملة الإسلام، فأدلتها في الكتاب والسنة متواترة وإجماع أهل السنة والجماعة عليها منعقد.
قلنا: دليل الصلوات الخمس من السنة حديث طلحة بن عبيد الله قال:جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :" خمس صلوات في اليوم والليلة" قال: هل علي غيرها؟ قال:"لا إلا أن تطَّوَّع" وهذا متفق عليه. قال ابن المنذر رحمه الله: ولا اختلاف أن الظهر أربع ركعات والعصر أربع ركعات والمغرب ثلاث والعشاء أربع والصبح ركعتان هذا فرض المقيم، وأما المسافر ففرضه ركعتان إلا المغرب فإن فرض المسافر فيه كفرض المقيم(يعني ثلاث) .
هذا ما يتعلق بتعريف الصلاة وبيان حكمها .
أما تاركها فقد اختلف أهل العلم في ذلك ونقل إسحاق بن راهويه وغيره إجماع علماء الإسلام على كفر تاركها، وقال عبد الله بن شقيق : ما كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، والصحيح أن تارك الصلاة كافر خارج من ملة الإسلام بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" ، إذاً هي علامة فارقة بين الإيمان والكفر ، وقال - صلى الله عليه وسلم - :" بين المرء والكفر أو الشرك الصلاة فمن تركها فقد كفر " بينهما فاصل، بين هذا وهذا الصلاة فإذا تركها الشخص فقد كفر، وقد اختلف أهل العلم في حد الصلاة الذي إن تركه الشخص يكفر، أيكفر بترك صلاةٍ فرض أم فرضين أم ثلاث خلاف بين أهل العلم والصحيح أنه لا يكون كافراً إلا بترك الصلاة بالكلية لسببين:الأول:أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" من ترك الصلاة " ولم يقل: من ترك صلاةً، وفرْقٌ بين الأمرين.
السبب الثاني
: أن من تشهَّد بالشهادتين وأتى بأصل الصلاة فقد ثبت إسلامه بيقين ومن ثبت إسلامه بيقين لا يجوز أن نرفع عنه الإسلام بشكٍ.
هذا هو الراجح في هذه المسألة والله أعلم، ومن قال بعدم كفره لم يأتِ بدليل واضح بيِّن يناقض الأدلة التي هي واضحة في هذا الباب .
قال المؤلف رحمه الله:(( أول وقت الظهر الزوال وآخره مصير ظل الشيء مثله سوى فيء الزوال وهو أول وقت العصر . وآخره ما دامت الشمس بيضاء نقية))
بدأ المؤلف رحمه الله ببيان أوقات الصلوات الخمس المفروضة فقال: أول وقت الظهر الزوال ، معلوم أن الصلاة لها وقت محدد من الشارع ودخول وقتها وفعلها في الوقت شرط من شروط صحة الصلاة، قال سبحانه وتعالى{ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً } [ النساء/103] أي مفروضة في أوقاتٍ معينة تؤدى فيها من غير تقديمٍ ولا تأخير، وصلّى جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أوائل الأوقات وفي أواخرها ثم قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - :" هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت فيما بين هذين الوقتين" أخرجه الترمذي .
فهذا كله توقيت من رب العالمين فلا يجوز لأحد أن يصلي الصلاة إلا في وقتها الذي حدده ربنا سبحانه وتعالى لها
. قال ابن رشد في بداية المجتهد : اتفق المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتاً خمساً هي شرط في صحة الصلاة وأن منها أوقات فضيلة وأوقات توسعة واختلفوا في حدود أوقات التوسعة والفضيلة، على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تبارك وتعالى ، شاهدنا في الكلام أن الصلوات الخمس لها أوقات خمس وهي شرط في صحة الصلاة، أي لا تصح الصلاة إلا بأن تؤديها في وقتها الذي عينه الله تبارك وتعالى لها .
وقت الظهر الذي بدأ المؤلف رحمه الله به عُيِّن في الأحاديث الصحيحة وقد اتفق علماء الإسلام على أن أول وقت الظهر الزوال ، الحمد لله أراحونا من الخلافات في هذه المسألة، لماذا المؤلف بدأ بالظهر قبل غيره ؟ لأنه جاء في الصحيح أن جبريل عندما نزل وصلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبيَّن له أوقات الصلوات بدأ بصلاة الظهر لذلك المؤلف رحمه الله بدأ بالظهر ، أول وقت الظهر الزوال ، قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر زوال الشمس . وجاءت في ذلك كما ذكرنا أحاديث كثيرة منها حديث ابن عمرو في صحيح مسلم قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - :" وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله" إذاً هنا بيَّن لنا أن الزوال هو أول وقت الظهر ، ما معنى الزوال؟ الزوال ميل الشمس عن كبد السماء أي عن وسطها إلى جهة المغرب ،سمي زوالاً لأنهم كانوا يقدِّرون أن الشمس تستقر في كبد السماء(في وسطها) ثم تزول أي تنحط عن كبد السماء إلى جانب المغرب ، واستقرارها المظنون في كبد السماء أي في وسطها هذا كان يسمى عندهم استواء، الشمس عندما تخرج(تشرق) تشرق من أين ؟ من جهة المشرق ثم تبدأ بالصعود إلى أن تصل إلى وسط السماء، عندها نقطة تقف فيها أو يظهر لنا أنها وقفت فيها ثم تبدأ تميل إلى جهة المغرب،هذه حركة الشمس،عندما تراقب أنت الظل على الأرض،إذا أوقفت شاخصاً(عموداً) أو وقفت أنت ونظرت إلى ظلك تجد الظل ينقص في أثناء ارتفاعها ،الظل ينقص، هي ترتفع وينقص إلى أن تصل إلى كبد السماء يبقى في الشاخص ظل صغير، العمود الذي تثبته يبقى له ظل صغير يتوقف هذا الظل عن النقصان،وقوفه عن النقصان هذا هو استقرار الشمس في كبد السماء، هذا الوقوف أوله هي لحظة الاستواء،التي تسمى لحظة الاستواء وسيأتي إن شاء الله هو هذا الوقت الذي جاء النهي عن الصلاة فيه، ثم بعد ذلك تبدأ الشمس تتحرك إلى جهة المغرب فماذا يحصل مع الظل؟ يبدأ بالزيادة،بداية الزيادة هذه هي دخول وقت الظهر، هذا الذي يسمى الزوال،زالت الشمس عن كبد السماء بدأ الظل بالزيادة ، هنا يدخل وقت الظهر،إذاً علامة الزوال زيادة الظل بعد تناهي نقصانه، هذه علامة على زوال الشمس.
وأما آخر وقت الظهر فقد بُيِّن في السنة كما ذكر المؤلف ((مصير ظل الشيء مثله سوى فيء الزوال))
ما المقصود بـ فيء الزوال؟
ذكرنا نحن الآن الوصف، عندما نأخذ عموداً نوقفه تبدأ الشمس بالحركة ينقص الظل إلى أن تأتي لحظة ويتوقف، هذا الظل المتبقي عند وقوف النقصان يسمى فيء الزوال، هذا تحفظه عندك فلنقل بأن طوله كان واحد سنتيمتر ، هذا الواحد سم يسمى فيء الزوال ، قلنا عندما تتحرك الشمس من كبد السماء وتميل إلى المغرب يبدأ الظل يزداد، أول زيادته هو دخول وقت الظهر ويبقى الظل يزداد، العمود الذي وضعته أنت في أرض مستوية كي تكشف هذه الأوقات كم طوله؟ فلنقل أن طوله
5سم، عندما يصبح الظل على الأرض 6 سم يكون قد انتهى وقت الظهر ودخل وقت العصر، من أين جاءت الـ6سم؟ الـ5سم هي طول العمود الذي وضعته والـ1 سم هو فيء الزوال، لذلك قال المؤلف :((وآخره مصير ظل الشيء - أي أن يصير ظل الشيء- مثله))العمود هذا أن يصبح ظله مثل العمود من ناحية الطول، طوله 5سم الظل 5سم سوى فيء الزوال، غير فيء الزوال يعني زيادة على فيء الزوال الذي هو الـ1سم ، إذا أصبح 6سم يكون قد خرج وقت الظهر وبدأ وقت العصر مباشرة، واضحة الصورة الآن؟ هذه تحتاج منكم إلى تطبيق عملي غداً .
إذاً فيء الزوال قلنا هو الظل الذي يكون موجوداً عند الزوال وشرحنا الصورة بالتمام وقد ذكرها صاحب عون المعبود وذكرها أيضاً ابن قدامة في المغني وذكرها أيضاً ابن المنذر في الأوسط وأسهلها لفظاً ألفاظ ابن المنذر في الأوسط .
وأما الدليل على أن آخر وقت الظهر ما ذكر المؤلف رحمه الله هو حديث إمامة جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال الراوي: لما كان فيء الرجل مثله صلى جبريل ووقّت هذا وقتاً لبداية العصر وكما ذكرنا يكون هذا أول وقت العصر وكذلك جاء في حديث ابن عمرو قال: قال- صلى الله عليه وسلم - :" ووقتُ صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم تحضر العصر " فجعل آخر وقت الظهر هو بداية وقت العصر وجاء في العصر كما ذكرنا في حديث جبريل أنها كانت عندما كان ظل الرجل مثله ، فدل ذلك على أن آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر وأول وقت العصر هو أن يكون ظل الشيء مثله .
وفي قول المؤلف قال:((وهو أول وقت العصر))أي مصير ظل الشيء مثله هو آخر وقت الظهر وأول وقت العصر قال :((وآخره ما دامت الشمس بيضاء نقية ))
اختلف أهل العلم في آخر وقت العصر، هذا قول من الأقوال أن العصر يبقى وقتها قائماً إلى أن تصفر الشمس، الشمس تكون بيضاء نقية ناصعة ثم بعد ذلك تتحول إلى لون أصفر ولعلكم تلاحظون هذا،ملحوظ بشكل واضح لأن الله سبحانه وتعالى عندما وضع هذه العلامات وضعها علامات واضحة ظاهرة يعرفها العالم والجاهل، يعرفها المدني والبدوي، يعرفها الجميع لا فرق، فهذه علامة تكون واضحة،الشمس تكون بيضاء نقية ثم تتحول للون الأصفر فإذا تحولت إلى اللون الأصفر انتهى وقت العصر على ما ذهب إليه المؤلف وكما ذكرنا أن الخلاف حاصل بين أهل العلم وسبب الخلاف وجود أحاديث مختلفة، فجاء في حديث عبد الله ابن عمرو قال:" ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس "،هذا الذي اعتمد عليه المؤلف رحمه الله في تحديد وقت صلاة العصر لكن ورد في حديث آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" لا تَفُوتُ صلاةٌ حتى يدخل وقت الأخرى" وقال - صلى الله عليه وسلم - أيضاً:"من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" إذاً هذه الأحاديث الآن التي بين أيدينا وأيضاً مع حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى" فهذه الأحاديث تدل على أن العصر لا يخرج وقتها إلا بدخول وقت المغرب، فلذلك لاختلاف هذه الأحاديث اختلف أهل العلم في هذه المسألة والراجح في ذلك أن صلاة العصر لها وقتان: وقت اختيار ووقت ضرورة، وقت الاختيار هو الذي يبدأ من مصير ظل الشيء مثله إلى أن تصفر الشمس ثم بعد ذلك يبدأ وقت الضرورة إلى أن تغرب الشمس، ماذا نعني بوقت الضرورة ؟ نعني أنه لا يجوز للشخص أن يؤخر العصر إلى أن تصفر الشمس إلا إذا كانت به ضرورة إلى ذلك ،كأن تكون المرأة مثلاً حائض فتطهر،كأن يكون الشخص مريضاً مرهقاً لا يستطيع أن يصلي يؤخرها إلى آخر الوقت هذا له عذر، يعني من كان له عذر هو الذي يؤخر إلى هذا الوقت وإلاّ فلا ، هذا معنى وقت الضرورة ووقت الاختيار .
طيب مَن أخَّر العصر إلى أن دخل وقت الضرورة هل يأثم؟ اختلف أهل العلم في ذلك فالبعض قال: يأثم والبعض قال : لا يأثم ولكن يكون فعله هذا مكروهاً وهذا هو الظاهر، الثاني هو الظاهر أنه للكراهة إلا أن يداوم على هذا الفعل ، لماذا اخترنا هذا القول؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" إنما التفريط على من لم يصلِّ صلاة حتى يجيء وقت الأخرى " فجعل المفرِّط هو الذي يترك صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، على دخولها في هذا الحديث، لذلك قلنا بأن الوقت لا يخرج نهائياً إلا إذا غربت الشمس والنبي - صلى الله عليه وسلم - جعله مفرِّطاً إذا غربت الشمس يعني إذا لم تغرب الشمس لم يكن مفرطاً تفريطاً يأثم عليه ، وقلنا بأنه إذا داوم على ذلك يدخل في التحريم لحديث أخرجه أحمد ، قال - صلى الله عليه وسلم - :" ألا أخبركم بصلاة المنافقين؟ يدع العصر حتى إذا كان بين قرني الشيطان أو على قرن الشيطان قام فنقرهن كنقرات الديك لا يذكر الله فيهن إلا قليلا" إذاً فهذه صلاة المنافقين، المداومة على تأخيرها بالشكل هذا هو من فعل المنافقين وليس من فعل المؤمنين فلذلك نقول: لا يجوز المداومة عليها ومن داوم على ذلك يأثم لكن من أراد فعلها في وقتها المستحب لها الوقت الاختياري فيفعلها قبل اصفرار الشمس. هذا هو الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة.
ثم قال المؤلف رحمه الله:(( وأول وقت المغرب غروب الشمس وآخره ذهاب الشفق الأحمر)) وقت المغرب يبدأ بمغيب الشمس أي باختفاء جميع القرص، هذا معنى مغيب الشمس، أن تكون هكذا في ساحة فارغة ليس فيها بنيان وترى قرص الشمس قد غاب، هاهنا تكون الشمس قد غربت، وهذا محل إجماع والأحاديث تدل على ذلك .قلنا آخرها غياب الشفق الأحمر ودليله حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم، قال - صلى الله عليه وسلم - :" ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق" والشفق اختُلف فيه فقيل الشفق يعني البياض وقيل معناه الحُمرة، والثاني هو الراجح الصحيح وإن كان المعنى اللغوي يحتمل هذا وهذا لكن الراجح أنه الحمرة لأنه ثبت عن ابن عمر وهو أعلم باللسان وأفقه بالفقه أنه قال: الشفق الحمرة. وجاء أيضاً في الحديث عن عائشة أنهم كانوا يصلون العشاء من الشفق إلى ثلث الليل الأول، قالوا: والبياض لا يذهب إلا بعد انتهاء ثلث الليل الأول فيدل ذلك على أن الشفق هو الحمرة . إذاً الآن الضابط في خروج وقت المغرب وهو أيضاً وقت دخول صلاة العشاء أن يغيب الاحمرار الموجود في السماء.
قال المؤلف رحمه الله:(( وهو أول العشاء وآخره نصف الليل)) أي غياب الشفق الأحمر يُخرج وقت المغرب ويُدخل وقت العشاء، فأول وقت العشاء هو غياب الشفق، جاء في حديث بريدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علَّم رجلاً أوقات الصلاة بفعله فأمر بالعشاء حين وقع الشفق. وهذا الحديث في الصحيح، أمر بالعشاء حين وقع الشفق أي حين غاب الاحمرار، وأما آخره فورد أيضاً في حديث عبد الله ابن عمرو في صحيح مسلم قال: " ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل" فجعل آخر وقتها إلى نصف الليل، كيف يُحسب نصف الليل؟كيف نعرفه؟ الليل يبدأ من غروب الشمس(وليس من صلاة العشاء) وينتهي بطلوع الفجر الصادق، هذا الوقت تقسمه على اثنين يخرج عندك نصف الليل ، وليس هو الساعة الثانية عشر في الليل كما يفهمه البعض، الذين يفهمون بهذه الطريقة هذا غلط، هذا الوقت يختلف من الشتاء إلى الصيف، تارة يكون الساعة الحادية عشر ونصف ،اثنا عشر إلا ربع ،اثنا عشر ، اثنا عشر ونصف حسبما يكون قصر الليل وطوله، فلنقل بأن المغرب مثلاً يؤذن الساعة الثامنة يعني يغيب القرص الساعة الثامنة ولنقل بأن الفجر الصادق يظهر الساعة الرابعة، كم ساعة الآن عندنا هكذا؟ ثمان ساعات، نصفها أربع ساعات،إذاً نصف الليل يكون الساعة الثانية عشر(على هذه الحسبة) وتختلف أوقات الفجر والمغرب فهي ليست مستقرة .لكن هل نصف الليل هو الوقت النهائي لصلاة العشاء؟ في المسألة خلاف بين أهل العلم ، بعضهم قال: العشاء ليس له وقت اختيار وضرورة ، هو وقت واحد وهو نصف الليل ، والبعض قال: له وقت اختيار وضرورة جمعاً بين الأحاديث ، فالذي قال ليس له إلا وقت واحد ما رآى أن هناك ما يعارض حديث عبد الله ابن عمرو الذي بين أيدينا ، والذي قال بأن هناك وقت للاختيار والضرورة رآى بأن هناك أحاديث عارضت حديث عبد الله بن عمرو والقول الثاني هو الصواب أن وقت العشاء له وقتان كوقت العصر تماماً: وقت اختيار ووقت ضرورة ، ما هي الأحاديث التي عارضت هذا؟ منها حديث" إنما التفريط على من لم يصلِّ صلاة حتى يجيء وقت الأخرى" هذا حديث يشمل جميع الصلوات وتدخل فيه أيضاً صلاة العشاء، خرج من هذا الحديث شيء واحد وهي صلاة الفجر بالإجماع، صلاة الفجر يخرج وقتها بشروق الشمس بالاتفاق أنه لا يخرج وقتها بدخول وقت الظهر،بالإجماع، صلاة الفجر خرجت من هذا الحديث بالاتفاق أما غيرها فلا يوجد إجماع في المسألة، إذاً فهي داخلة في عموم هذا الحديث فلا يُستثنى من هذا إلا الفجر بالاتفاق وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخَّر العشاء إلى شطر الليل، أخر العشاء إلى نصف الليل فإذا خرج عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في نصف الليل فتكون صلاته قد حصلت بعد نصف الليل فهذه الأحاديث وأيضاً جاء في رواية في حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء عندما ذهب عامة الليل، عامة الليل في اللغة يعني أكثره وإن كان بعض أهل العلم تأوَّل هذا الحديث لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في هذا الحديث بعد أن صلّى بعد أن ذهب عامة الليل قال:"إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي" واتفق أهل العلم على أن وقت العشاء المفضل هو ذهاب ثلث الليل الأول لا بعد منتصف الليل أو بعد ذهاب أكثر الليل.
فجمعاً بين هذه الأحاديث نقول بأن للعشاء وقتين
: وقت ضرورة ووقت اختيار، وقت الضرورة كما ذكرنا من التفصيل في وقت العصر .
ثم قال المؤلف رحمه الله:((وأول وقت الفجر إذا انشق الفجر وآخره طلوع الشمس)) أجمع أهل العلم على أن أول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر، كذا قال ابن المنذر رحمه الله والأحاديث في الصحيحين تدل على ذلك، قال رحمه الله(أي ابن المنذر) : وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من صلى الصبح بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس فقد صلاها في وقتها، وقال - صلى الله عليه وسلم - :"من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" متفق عليه، وجاء في حديث عبد الله ابن عمرو في مسلم " ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" إذاً هذا هو وقتها المحدد لها فإذا طلع قرص الشمس عندئذ يكون قد انتهى وقت الفجر وأشرقت الشمس، والفجر فجران: فجرٌ كاذب وفجر صادق، والفجر الذي تنبني عليه الأحكام الشرعية هو الفجر الصادق، الفجر الكاذب لا تنبني عليه أحكام شرعية، لا يبدأ به وقت صلاة ولا يتعلق به صيام إنما الأحكام تتعلق بالفجر الصادق وفرَّق أهل العلم بين الفجرين بثلاثة فروق: الأول: الفجر الكاذب ممتدٌ طولاً من الشرق إلى الغرب، يمتد بشكل طولي وليس بشكل عرضي. الفجر الصادق يمتد بالعرض من الشمال إلى الجنوب، بينما الفجر الكاذب يأخذ بشكل طولي من الشرق إلى الغرب. هذا الفارق الأول
الثاني: الفجر الكاذب تتبعه ظلمة، يضيء مدة قصيرة ثم بعد ذلك يظلم، والفجر الصادق يضيء ويزداد نوراً وإضاءة .
الفرق الثالث: الفجر الصادق متصلٌ بالأفق ليس بينه وبين الأفق ظلمة،والفجر الكاذب بينه وبين الأفق ظلمة. ما معنى الأفق؟ الجزء من السماء الذي يتصل بالأرض في نظرك، عندما تنظر إليه تظن أن هناك نقطة قد اتصلت السماء بالأرض ،هذا الجزء من السماء الذي هو بداية السماء التي أنت تراها هذا هو الأفق، الفجر الكاذب يكون من فوق بادئ وليس من تحت ويمتد غرباً ، أما الفجر الصادق يبدأ من الأفق من تحت ويمتد . هذا الفرق بين الفجر الصادق والفجر الكاذب.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 14:33.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي