Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 14-05-2017, 07:43   #1
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي * متجدد * تفريغات شرح كتاب الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين.


مركز الخليج


تفريغ الدرس الأول

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:

فهذا هو الدرس الأول من دروس كتاب الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين لشيخنا أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله.
أجّلنا دراسة هذا الكتاب إلى هذا الوقت لكي تتمكّنوا في الأوقات الماضية من دراسة العلوم التي يحتاجها طالب العلم كي يفهم مادة هذا الكتاب فهماً جيداً، لأنّ كلّ من يحضر يفهم ويستفيد بعض الفائدة لكنّها ليست الفائدة التامّة التي ينبغي أن تحصل عند دراسة هذا الكتاب، فإذا كان طالب العلم قد تأصّل في المصطلح، في اللغة، في أصول الفقه، في الفقه، في العقيدة، فما سيأتيه من مسائل في هذا الكتاب ستكون سهلة عليه، إذ أننا لن نرجع إلى الخلف ونشرح أصولاً ينبغي على طالب العلم أن يكون مدركاً لها، بل سنشرح الآن على مستوى طلبة علم عندهم أصول، فهذا الكتاب الآن فيه الشريعة بشكل عام ، آلاف الأحاديث التي بين أيدينا تدلنا على مسائل الشرع، لذلك أخرّنا هذا الكتاب إلى هذا الوقت، لن نستعجل في دراسته، سنمشي شيئاً شيئاً، قليلاً قليلاً، لا يهمنا أن ننتهي منه، المهم هو أن يتمكن الطالب من معرفة كيفية فهم هذا الكتاب وكيف يتعامل مع أحاديث رسول الله ﷺ رواية ودراية.
لماذا اخترنا هذا الكتاب دون غيره؟ عادةً كثير من أهل العلم يهتمون بالبخاري ومسلم، الشروح عليهما كثيرة والاهتمام بهما كبير، وهذا واجب الكتابين لمكانتهما، ولمّا كثرت الشروح في ذينك الكتابين، وهذا الكتاب لم يحظَ بشرحٍ وافٍ، وأعتبره أنا أصحّ كتاب بعد البخاري ومسلم، وسترون السبب، ما بنا - الحمد لله - تعصّب ولا شيء، ليس لأنّ شيخنا هو مَن ألَّفَه، لا، ولكن للشيخ مقبل شرطٌ شديد فيه ووفّى بشرطه فلذلك حاز هذه المكانة، سترون ذلك عند الدراسة، نحن لا نتعصب لأحد، نحبّ شيخنا ونعظّمه ونبجّله ونحترمه وله علينا فضل كبير، لو دعونا له في كلّ سجدة من سجودنا ما وفّيناه حقّه، حقيقةً، لأنّ هذا الفضل الذي تفضّل الله به علينا هو من الله تبارك وتعالى، فضلٌ، وشيخنا رحمه الله كان سبباً في هذا الفضل، فمع مكانته رحمه الله في نفسي إلّا أننا لا نتعصب لأحد، سندرس هذا الكتاب كما ذكرت لأنّه لم يحظَ بشرح وافٍ، ووفاءً لحقّ شيخي رحمه الله، فمدارسة كتابه وانتفاع الطلبة منه يزيد الأجر للشيخ رحمه الله، وسندرس إن شاء الله هذا الكتاب دراسة نقد، يعني سننظر في الأحاديث التي وضعها الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب هل هي صحيحة كما ذكر الشيخ أم لا؟ هذه طريقتنا إن شاء الله في شرح هذا الكتاب، الشرح لن يكون مطوَّلاً ولن يكون مختصراً جداً، سنوفيه حقّه إن شاء الله.
شيخنا مقبل مؤلف الكتاب هو مقبل بن هادي بن مقبل الهمداني الوادعي الخِلالي، من قبيلة آل راشد، وقبيلة وادعة من بلاد اليمن والكثير منهم يسكن دمّاج (قرية من قرى صعدة شمال اليمن)، ولد الشيخ رحمه الله تقريباً سنة 1356 هـ وتوفي سنة 1422هـ، يعني لم يصل إلى السبعين من عمره، طلب العلم تقريباً وهو في الخامسة والثلاثين، ودرس على مجموعة من العلماء من الحجاز واليمن ومصر ونجد والصومال والهند والباكستان والسعودية وغيرها من بلاد الله I، واجه صعوبة في بداية الطلب لكنّه طلب العلم وفتح الله I عليه في العلوم وكان متميزاً في علم الحديث، معروفاً به، ففتح الله I عليه في هذا العلم، وكان بحقّ محدثاً نابغة في هذا المجال، له عدة مؤلفات كثيرة في علم الحديث أنفسها حقيقة هذا الكتاب الذي بين أيدينا: "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين"، ونتيجة عمل الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب أنتج كتاباً آخر وهو: "أحاديث معلّة ظاهرها الصحة"، فكان الشيخ رحمه الله يجمع الأحاديث الصحيحة في هذا الكتاب، فما ظنّ أنّه صحيح ثم تبينت له بعد ذلك فيه علّة أفرده في ذاك الكتاب وهو أحاديث معلّة ظاهرها الصّحة، في البداية بدأ الشيخ بتأليف كتاب الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، وفكرة الكتاب من حيث الأحاديث نفس فكرة الجامع الصحيح هذا، فبدأ بداية بكتاب الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، ورتبه على طريقة المسانيد بترتيب الصحابة، وأفرد حديث كلّ صحابي على حدة، لكن رأى الشيخ رحمه الله أنّ هذه الطريقة ينتفع بها خاصة الطلبة من أهل الحديث ولا يكون النفع عاماً فعَدَل عن تلك الطريق إلى هذه الطريق، أو غيّر إلى هذه الطريقة التي هي طريقة السنن، أي جعل الكتاب مرتباً على الأبواب الفقهية، فالجامع عند أهل الحديث هو كتاب يجمع فيه صاحبه أحاديث النبي ﷺ في أمور الإسلام عامة، لا تختص في باب دون باب، ويرتَّب الكتاب على الأبواب الفقهية، يعني تقريباً الجامع هو نفس السنن، البعض يُفرّق بينهما بأنّ السنن خاصة في أحاديث الأحكام والجامع عام، لكنّ هذا لا يظهر من السنن المؤلفة والموجودة، فيها أحاديث الإسلام عامة وليست خاصة بأحاديث الأحكام، لكنّها مرتبة على الأبواب الفقهية، فالجامع الصحيح سُمي جامعاً لأنّه قد جمع الأحاديث التي هي في شريعة الله سبحانه وتعالى ولا تختص بجانب دون جانب، والصحيح لأنّ الشيخ رحمه الله قد اشترط في هذا الكتاب أن يكون صحيحاً، شرط الشيخ في هذا الكتاب أن يكون صحيحاً كما ذكرنا، ومن هنا يأتينا سبب تأليف الشيخ لهذا الكتاب، الشيخ رحمه الله سمع بعض أهل الحديث يقول: الأحاديث الصحيحة خارج الصحيحين قليلة، تعلمون أنتم من خلال ما درستم في علم المصطلح أنّ العلماء في هذا على ثلاثة مذاهب :
· المذهب الأول: أنّ البخاري ومسلماً استوعبا الأحاديث الصحيحة.
· المذهب الثاني: وهو الذي قرره ابن الأخرم أنّه يوجد أحاديث صحيحة خارج الصحيحين لكنّها قليلة.
· المذهب الثالث: وهو ما ذهب إليه ابن الصلاح وغيره، الأحاديث الصحيحة خارج الصحيحين كثيرة.
فسمع الشيخ رحمه الله أحد أهل الحديث يقول: الأحاديث الصحيحة خارج الصحيحين قليلة على مذهب ابن الأخرم، فلذلك عزم رحمه الله على تأليف هذا الكتاب، وشرطه فيه ألّا يضع حديثاً إلّا صحيحاً بشرط أن لايكون هذا الحديث موجوداً في البخاري أو في مسلم، وهو لم يشغل نفسه بالأحاديث الحسنة لغيرها، إنّما اعتنى بتخريج الحديث الحسن لذاته، الصحيح لذاته أو الصحيح لغيره أو الحسن لذاته تجده كلّه في هذا الكتاب، أمّا الأحاديث التي تحتاج إلى بحث وعمل وجمع طرق فهذه لم يضعها في هذا الكتاب لأنّها كانت تحتاج إلى وقت كما نبه على ذلك في مقدمة الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، فهذا الكتاب سمّاه الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين فاسمه يدلّ على مضمونه، ونحن كما ذكرنا إن شاء الله سندرس هذا الكتاب بطريقة ليست بطويلة مملّة ولا مختصرة مخلّة.
هذا الكتاب: "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين" قد طُبِع عدة طبعات، الثلاث الأولى تقريباً كانت في حياة الشيخ رحمه الله وبقي الشيخ في أثناء ذلك يُعدّل على الكتاب فيحذف منه أحاديث تبين له أنّها معلّة ويزيد أحاديث تبيّن له أنّها صحيحة في الكتاب، فهذه الطبعة هي الطبعة الرابعة، قد أُثبِت فيها كلّ ما وصل إليه الشيخ رحمه الله من حذف وإضافة، لذلك تميزت على بقية الطبعات، وهذه الطبعة تجدها مرقمة بينما الطبعات الأخرى أحاديثها غير مرقمة.

قال المؤلف رحمه الله: "كتاب العلم".
كتاب: الكتاب في اللغة هو الجمع، يُقال: كتبت الشيء أي: جمعته، ومنه الكتابة وهي جمع الكلمات والحروف بعضها إلى بعض.
وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب وفصول غالباً.
وأمّا العلم في اللغة فهو ضد الجهل، والمراد هنا: العلم الشرعي وهو علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من البينات والهدى، دائماً عندما يُذكَر العلم وفضل العلم في الكتاب والسّنة فالمراد العلم الشرعي.
قال المؤلف رحمه الله: "فضل أهل العلم":
أي: هذا بابٌ سيذكر فيه الأحاديث التي تبيّن فضل أهل العلم، أي: إثبات خيرية علماء الشريعة ومنزلتهم الرفيعة.
فضل علماء الشريعة ثبت بأدلة كثيرة من الكتاب والسّنة، ذكر شيخنا رحمه الله شيئاً من السّنة في ذلك، ووردت بعض الآيات جمعها العلماء في كتبهم التي أُلّفت في هذا منها قول الله تبارك وتعالى: ﱡﭐﲲﲳ، ومنها قوله تبارك وتعالى: ﳠﳡ، وقال
سبحانه وتعالى: ﳈﳉ، هذه الآيات كلّها تدلّ على فضل أهل العلم، ﳈﳉلا يستوون، فأهل العلم أعلى منزلة من غيرهم، ورفع الله أهل العلم درجات، من هم أهل العلم؟ ذكرنا أنّ العلم المقصود به العلم الشرعي، وأهله هم أصحابه، يعني هم الذين يحملونه.
قال ابن القيم رحمه الله:
العلم معرفة الهدى بدليله *** ما ذاك والتقليد يستويان
وقال الشيخ ابن عثيمين: "فالعالم هو الذي يعرف العلم الحقّ بالدليل" هذا تعريف العالم الذي هو المقصود بأهل العلم، علماء الشريعة، العالم هو الذي يعرف الحقّ بدليله، قال: "والعلم قد يكون علماً واسعاً، يعرف الإنسان غالب المسائل وما لا يعرفه منها فعنده قدرة على معرفتها" هذا هو العالِم، فهؤلاء الذين يُطلق عليهم بأنّهم أهل العلم، لكنّ أهل العلم الذين ينالون الفضائل المذكورة في الآيات المذكورة والأحاديث التي ستأتي هم أهل العلم الرّبانيون الذين يعملون بعلمهم لا أهل البدع ولا أهل الفجور، الناس اليوم في معرفة العلماء يتخبّطون فصاروا يعدّون الخطيب عالماً والقصاص عالماً وصار المتحدث الذي أوتي طلاقة في لسانه صار عند الكثيرين عالماً، عداك عن صاحب العلم الذي هو رأس في الضلالة، عالمٌ يرجع إليه عند الكثير، لماذا؟ لكثرة الجهل، وكلّما كثر الجهل كلّما عزف الناس عن العلماء بحقّ إلى الجهال كما قال النبي ﷺ: "إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يُبقِ عالماً اتّخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
العالم لا يكون عالماً إلّا بأن يتحقق فيه شرط العلم -وذكرنا ضابطه في الكلام الآنف- وتتحقق فيه العدالة، يكون تقياً ورعاً يخاف الله، يُفتي بما يُرضي الله لا بما يهوى أو يهوى الناس، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ، فأمر بسؤال أهل العلم، لكن قال: ﱡﭐ، وأعظم الأنباء الذي يأتي عن الله تبارك وتعالى، وهذا العالم مخبر عن شرع الله، عمّا يريده الله من عباده، فإن كان فاسقاً فلا يُقبل خبره حتى نتبين أهو حقٌّ أم باطل، هذا معنى الباب الذي ذكره الشيخ رحمه الله، وسيبدأ الآن بذكر الأحاديث التي تدلّ على فضل أهل العلم.
قال رحمه الله: "قال الإمام أحمد رحمه الله (ج 5 ص 34): حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني معاوية بن قرّة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولن تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" هذا حديث صحيح، وقد أخرجه الترمذي.
وقال الإمام أحمد رحمه الله (ج 5 ص 35): ثنا يزيد، أنا شعبة به.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله (ج 12 ص 191): حدثنا يزيد بن هارون، عن شعبة، عن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه، قال رسول الله ﷺ: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم"".

قال المؤلف: "والطائفة المنصورة قد قال البخاري رحمه الله: إنّهم أهل العلم، وقال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، والحديث وإن لم يكن نصاً على ما قاله الإمام البخاري -الكلام للشيخ مقبل- والإمام أحمد، فإنّ أهل الحديث داخلون دخولاً أولياً لثباتهم على الحقّ وخدمتهم الإسلام والذّب عنه، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً"، هذا هو الحديث الأول من أحاديث الباب.
"قال الإمام أحمد رحمه الله": الآن نحن لسنا بحاجة إلى أن نعرف من هو الإمام أحمد ولا ما هو كتابه المسند، فهذا كلّه قد درسناه في مصطلح الحديث وعرفنا هناك من هو الإمام أحمد وما هو المسند وكيف أُلِّف المسند وما هو شرط المسند وما هي ميزة مسند الإمام أحمد، يبقى عندنا شيء واحد وهو: لو أراد شخص أن يتعلق برواية الإمام أحمد لهذا الحديث وأراد أن يضعّفه، بماذا ممكن أن يتعلق؟ طبعاً هذا الأمر فرضي، ممكن أن يتعلق بالطعن في مسند الإمام أحمد كلّه، كيف؟ من راوي مسند الإمام أحمد عنه؟ عبدالله بن الإمام أحمد وهو حافظ ثقة لا مجال للطعن فيه أو الدخول على المسند من قِبَلِه، طيب، من الراوي له عن عبدالله بن الإمام أحمد؟ أبو بكر القَطِيعيّ أحمد بن جعفر: هذا طعنوا فيه بأمرين، ومن خلاله تعلّق بعض أهل الضلالة من أجل الطعن في المسند، المسند بارك الله فيكم هو كتاب تجاوز القنطرة، تعرفون معنى هذا؟ أنّ أهل العلم -أهل الحديث- قد اتفقوا على الاحتجاج به، فليس لأحدٍ مُتعلق بهذه العلّة التي يذكرونها في أبي بكر القطيعي، ما الذي ذُكِر في أبي بكر القطيعي؟ قالوا : هو ثقة، ولكن عندنا مشكلتان:
الأولى: قالوا فَقَدَ نُسَخاً من نُسَخِه، بعض نسخه -محفوظاته من الأحاديث- فقدها، وقعت في النهر، فنسخها من أحاديث ليس عليها سماعه، هذه مشكلة عند المحدّثين، لكن قال أهل العلم: أنتم تقرّون بأنّ أبا بكر القطيعي ثقة ومؤتَمَن فلا يُمكن أن ينسخ أحاديثه من غير أن يكون متثبتاً منها، فهذا كلام مردود.
الأمر الثاني: قالوا : أبو بكر القطيعي قد اختلط، فلا يصحّ إذاً روايته للمسند، فردّ عليهم أهل العلم بأنّ راوي المسند عن أبي بكر القطيعي قد تحمّل المسند عنه قبل الاختلاط، فزالت الشبهة.
هذا الأمر وإن كان فرضياً معنا هنا في هذا الإسناد إلّا أنّ بعض أهل البدع أراد أن يتعلق به للطعن في مسند الإمام أحمد واقعياً، موجود هذا الكلام، لذلك أَلَّف الشيخ الألباني رحمه الله كتابه: "الذّب الأحمد عن مسند الإمام أحمد"، وأجاد وأفاد جزاه الله خيراً، وذبَّ عن هذا السِّفر العظيم من أسفار الإسلام، والذّب ليس فيه تكلف فالأمر واضح والحمد لله، لذلك اتفق أهل الحديث على الاحتجاج بالمسند وما في المسند، فلا مجال لأحدٍ أن يتعلق بهذه العلّة، ذكرناها ونحن هنا كما ذكرنا طلبة علم، ينبغي أن نكون على اطّلاع بكلّ ما يتعلق بأحاديثنا التي بين أيدينا حتى غداً إن شاء الله لا تتفاجأ بكلام أحد من أهل الضلال، فهؤلاء يتعلقون بالقشّة، وبمثل هذا يظهر أهل البدع فهم يبحثون عن مثل هذه الفجوات كي يتعلقوا بها ويطعنوا في سنّة رسول الله ﷺ، فإذا لم يتسلح الطالب بسلاح العلم لا يستطيع أن يردّ عليهم، حفظ الشريعة والذّب عنها لا يكون لا بالسّب ولا بالشتم، إنّما يكون بالعلم، فهذه حرب أهل العلم، ونحن في مناسبتها، ولن تزال طائفة من أمتي منصورين، هم في حرب، والنصر يأتيهم من عند الله تبارك وتعالى.
نرجع إلى إسنادنا، "قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد": هو يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ القَطَّان التميميّ أبو سعيد البصريّ الأَحوَل الحافظ: ثقة ثبْت إمام كبير حافظ، كان قريناً لعبدالرحمن بن مهدي وهما إمامان بل إماما الرّجال في عصرهما، يحيى بن سعيد القطان وعبدالرحمن بن مهدي، هذا حافظ كبير، علَمٌ من أعلام أهل الحديث، من رجال الجرح والتعديل، وقالوا فيه لا يروي إلّا عن ثقة، قال الذهبي رحمه الله: "إلّا أنّه مُتعنّت في نقد الرجال" يعني: شديد، عندما يجرح شديد في الجرح ولا يتساهل، "مُتعنّت في نقد الرجال، فإذا رأيته قد وثّق شيخاً فاعتمد عليه" يعني متشدد، شديد، فلا يوثِّق بسهولة فإذا وثَّق، قال: فاعتمد على توثيقه، قال: "أمّا إذا ليّن أحداً فتأنَّ في أمره" اصبر، لا تستعجل، هو متشدد، إذا قدح في شخص فاصبر ولا تستعجل حتى يُنظَرَ في قدحه، يذكر السبب أو تنظر ما قال غيره من علماء الحديث كعبدالرحمن بن مهدي كان معتدلاً لم يكن متشدداً، هما في نفس العصر، يحيى بن سعيد كان متعنتاً كما يقول الذهبي، عبدالرحمن بن مهدي كان معتدلاً في الجرح والتعديل، "أمّا إذا ليّن أحداً فتأنَّ في أمره حتى ترى قول غيره فيه، فقد ليّن مثلَ إسرائيل وهَمَّام وجماعة احتج بهم الشيخان" يعني: ضعَّف بعض الثقات عند أهل العلم، هذا هو يحيى بن سعيد القطان، وأخرج له البخاري ومسلم، فهو من رجال البخاري ومن رجال مسلم، كيف عرفنا أنّه يحيى بن سعيد القطان دون غيره، يوجد أكثر من واحد يحيى بن سعيد، نظرنا في شيوخ الإمام أحمد: يحيى بن سعيد، فوجدنا القطان ونظرنا في تلاميذ شعبة بن الحجاج: يحيى بن سعيد، فوجدنا القطان، فعرفنا أنّه يحيى بن سعيد القطان، وهذا أين تنظر فيه، تنظر فيه في: "تهذيب الكمال".
"عن شعبة": شعبة بن الحجاج بن الورد العَتَكي الأزْديّ، أبو بِسْطام الواسطي البصري، ثقة ثبت، إمام كبير، حافظ، عَلم من أعلام أهل الحديث ومن رجال الجرح والتعديل، أخرج له البخاري ومسلم.
الإمام أحمد ماذا قال؟ قال: "حدثنا يحيى بن سعيد" إذاً عندنا الآن نحن نمشي في معرفة الرجال وأحوالهم وفي نفس الوقت نركز على السَّمَاعات، معرفة الرّجل من هو؟ ومعرفة حاله، ومعرفة هل أخرج له البخاري ومسلم أم لا؟ والأمر الرابع: هل سمع فلان من فلان أم لا؟ هذه أربعة أمور -ركّز عليها الآن- تتعلق بالإسناد، نحن نُركز الآن على شرط الاتصال وشرط العدالة والضبط، هذه الأربع كلّها تتعلق بهذه الشروط الثلاثة.
قال الإمام أحمد رحمه الله: "حدثنا يحيى بن سعيد" إذاً الإمام أحمد سمع من يحيى بن سعيد، لا إشكال، فالإسناد إليه صحيح ما في مشكلة.
"يحيى بن سعيد عن شعبة": يحيى بن سعيد عن شعبة في الصحيحين موجود، رواية يحيى بن سعيد عن شعبة في الصحيحين، وإذا كانت في الصحيحين فلا إشكال إذاً في سماع يحيى بن سعيد من شعبة، لماذا؟ لأنّ البخاري شرطه اللقي، ومسلم شرطه المعاصرة مع إمكان اللقي، وبما أنّ البخاري قد أخرج رواية يحيى بن سعيد عن شعبة إذاً فيحيى بن سعيد قد سمع من شعبة، لا شكّ في ذلك.
"حدثني معاوية بن قرّة" إذاً هنا شعبة يُصرّح بالتحديث فلا إشكال إذاً في سماع شعبة من معاوية بن قرّة، لكن من هو معاوية بن قُرَّة؟ هو معاوية بن قرة بن هلال بن ذِئاب المُزَني أبو إِيَاس البصري، والد إياس بن معاوية، تابعي، روى عن جماعة من الصحابة، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم، رواية شعبة عن معاوية في الصحيحين أيضاً.
"عن أبيه": والد معاوية هو قرّة بن إياس بن هلال بن ذئاب المزني، أبو معاوية، قال الإمام البخاري وابن السَّكَن: "له صحبة"، والد معاوية: قرّة بن إياس هذا من رجال الأربعة لم يخرج له لا البخاري ولا مسلم، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ليس في الصحيح، وأخرج له الأربعة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، صحبته ثابتة بأسانيد صحيحة، فهو صحابي، صحبته ثابتة بأسانيد صحيحة يذكر فيها أنّه رأى النبي ﷺ ويذكر فيها حادثة حصلت وهو في زمن النبي ﷺ، فلقي النبي ﷺ وهو مميز كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، والصحابي إذا أدرك النبي ﷺ مميزاً فروايته محمولة على السماع حتى وإن أرسل، ففي الغالب إرساله عن الصحابة، فمراسيل صغار الصحابة مقبولة إذا كانوا قد أدركوا النبي ﷺ في سن التمييز، هذا التحقيق في المسألة هذه، وهذا الصحابي قرّة بن إياس أدرك النبي ﷺ في سنّ التمييز، إذاً روايته عن النبي ﷺ متصلة، هذا الأصل، حاول البعض متعنّتاً أن يُضعّف هذا الحديث لهذا الأمر، وهو أنّ قرّة بن إياس لم يسمع من النبي ﷺ، فجعله مرسلاً، وبماذا تعلق؟ تعلق بقول معاوية بن قرّة، بقول ابنه: "لا أدري أَسَمِعَ أبي من النبي ﷺ أم لم يسمع"، وتكلّفَ جداً حقيقةً في ردّ بعض الأخبار التي أثبتت صحبة قرّة بتعنت، يعني شعرت أنا عندما قرأت كلامه أنّه رجل قد تبنّى فكرةً وأراد أن يثبتها، فقط، يعني اعتقدَ ثم أراد أن يثبت ما اعتقده، وليس هكذا العلم ولا هكذا الدين، تعنتٌ شديد، صحبته واضحة ما فيها أي خلل، وفي سنّ التمييز، فهي محمولة عند أهل العلم على السماع، ولا يؤثر أبداً شكُّ ابنِه، فالشك ليس بعلم، فلا يُبنى عليه شيء، فهو جعل الشّك علماً وقرّر عليه المسألة، من قرأ كلامه يتبين له بوضوح أنّ الرجل يقول لك: أريد أن أضعف الحديث بأي طريقة، فقط، وقد أثبت الإمام البخاري رحمه الله صحبته وأبو حاتم الرازي وابن السَّكَن وغيرهم من العلماء، والروايات بأسانيد صحيحة عنه تثبت صحبته للنبي ﷺ في سنّ التمييز. فالإسناد كما ترون صحيح لا غبار عليه، ومعاوية سمع من أبيه.
قال الشيخ رحمه الله: "هذا حديث صحيح، قد أخرجه الترمذي، وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد أخبرنا شعبة به".
هذه متابعةٌ تامةٌ ليحيى بن سعيد، فيزيد هذا قد تابع يحيى بن سعيد في روايته عن شعبة، الآن ظاهر ما ذكره الشيخ رحمه الله في هذا الإسناد أنّ مدار الحديث على شعبة، ورواه عن شعبة راويان: يحيى بن سعيد ويزيد، من يزيد هذا؟ هو يزيد بن هارون بن زاذان السُّلَمي مولاهم أبو خالد الواسطي ثقة حافظ متقن عابد، فهنا صار عندنا يزيد ويحيى بن سعيد يرويانه عن شعبة، لكن في الحقيقة شعبة لم يتفرد به عن معاوية، تابعه عليه إياس بن معاوية، فرواه عن أبيه، أخرجه أبو نُعَيم في الحلية وقال: "مشهور من حديث إياس، غريب من حديث مِسعَر"، مسعر يرويه عن إياس فقال: هو مشهور من حديث إياس لكنّه غريب من حديث مسعر، والعجيب أنّك تجد هذا الكاتب الذي كتب وضعّفَ هذا الحديث، أنّه يرد كلام هذا الحافظ الذي ذكر أنّ الحديث مشهور عن إياس، يرد هذه الشهرة بفلسفة بأنّه ما وجد الحديث عن إياس من غير رواية مسعر، أو لم تتحقق عنده هذه الشهرة.
أوردها سعد وسعد مشتمل *** ما هكذا يا سعد تورد الإبل
هذا حافظ وعندما يقول لك هذا الحديث مشهور عن إياس أنت ماذا تقول له؟ تقول له أنت صاحب الحفظ وصاحب العلم، نحن نعلم ونجهل، وقد فاتتنا كثير من الكتب لم تصِلنا أصلاً، ما أدراك أنّ هذه الطرق موجودة في مسند بَقِيّ بن مَخْلَد، وهذا لم نطّلع عليه نحن أو في غيره من المسانيد التي فُقِدَت، هذا حافظ إذا قال لك هو مشهور عن إياس فخلاص تقول له: هو مشهور عن إياس، انتهينا، مقارعة الحفاظ بجهلنا مصيبة، العلم بارك الله فيكم يحكم على الجهل وليس العكس، قال: "مشهور من حديث إياس غريب من حديث مِسعَر".
وأيضاً له متابعة أخرى، تابعه صدقَة بن المنتصر، أبو شعبة الشَّعباني عند الفَسَوي في: "المعرفة والتاريخ" وابن حبان في: "الثقات"، ولكنّ الإسماعيلي في معجم أسامي شيوخه ومن طريقه الخطيب البغدادي في تاريخه رواه عن صدقة بن المنتصر عن شعبة عن معاوية فأدخل شعبة بين صدقة ومعاوية والله أعلم، على كلٍّ هذه الطريق لا تصحّ، وقد ادعى ابن عساكر في تاريخه أنّ شعبة تفرّد به بعد أن ساق له عدة طرق، وهو مردود بكلام أبي نعيم المتقدم، وعلى كلّ حال فالحديث صحيح لا غبار عليه، ولشطره الأول، وهو قوله: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم" له شاهد من حديث ابن عمرو عند ابن عساكر وعند غيره، لكنّه حديث منكر وهذه شهادة لا يُفرَح بها، خرّجه الشيخ الألباني في: "الضعيفة" رقم 6385، تحدث عن هذا الشاهد هناك، وأمّا شطره الثاني وهو قوله: "لن تزال طائفة من أمتي منصورين" له شواهد كثيرة منها ما هو في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة ومن حديث جابر بن عبدالله ومن حديث ثوبان ومن حديث معاوية، بل قال ابن تيمية رحمه الله في الاقتضاء وغيره : إنّه متواتر، وحديث قرّة صححه الترمذي وابن حبان والألباني رحمهم الله، والله أعلم.
بقي معنا متن الحديث، قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم" معنى الفساد هو ضد الصلاح، والمقصود بالفساد إذا ذُكر في الكتاب والسنّة: الفساد في الدين: ارتكاب الشرك بأنواعه، ارتكاب البدع بأنواعها، ارتكاب المعاصي بأنواعها، فإذا كثرت وانتشرت وتفشّت في المجتمع يسمى المجتمع فاسداً.
"إذا فسد أهل الشام"أهل الشام يعني: سكان الشام، الذين يسكنون الشام، ما هي الشام؟ الشام: الأردن كلّها من الشام، فلسطين كلّها من الشام، لبنان كلّها من الشام، سورية بعضها من الشام وبعضها من الجزيرة، من النهر إلى البحر الأبيض المتوسط هذه الأرض كلّها من الشام، من النهر إلى البحر، وما بين النهرين -الدجلة والفرات- هذه تسمى الجزيرة، فإذاً من النهر إلى البحر هذه من الشام وتذهب شمالاً إلى جنوب تركيا، من النهر إلى البحر هذا كلّه من الشام، حتى في جنوب تركيا، أظنة في لواء الاسكندرونة، هذه كلّها من الشام، هي من تركيا اليوم، لكنّها من الشام، هذه حدود بلاد الشام، أرض سيناء كانت تسمى قديماً أرض التيه، هذه ليست من الشام ولا هي من مصر، هذه كانت تسمى أرض التيه، يهمنا أرض الشام الآن، سكان الشام يسمّون أهل الشام، قال عليه الصلاة والسلام: "إذا فسد أهل الشام" يعني: إذا انتشر الشرك والبدع والمعاصي بين سكان الشام "فلا خير فيكم": الكلام في من؟ الكلام في أمّة محمد ﷺ، "فلا خير فيكم": النبي ﷺ يخاطب أمته، والنبي ﷺ يكلم الصحابة، لكن هكذا طريقته عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يخاطب الأمة خاطب الصحابة، فلا يأتينا جاهل ويقول: إنّ النبي ﷺ قال: "ولكنكم يومئذ غثاء كغثاء السيل" فيقول خاطب النبي ﷺ الصحابة، هذه جهل، هذه الغثائية حصلت الآن متأخراً، تكالبت الأمم على أمّة محمد متى؟ في عهد الصحابة؟ لا، في عهدنا، العصور المتأخرة، فالخطاب إذاً لأمّة محمد ﷺ وليس خاصاً بالصحابة y، "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم" لمّا ذكر النبي ﷺ هذا الحديث ما كان هناك أهل شام أصلاً من المسلمين أو من أمّة محمد ﷺ، لذلك سيأتينا أنّ هذا من دلائل نبوة النبي ﷺ.
"إذا فسد أهل الشام" أي بعد أن يسلم أهل الشام ويصلحون ثم يفسدون عندئذ لا خير فيكم، ومتى حصل هذا؟ حصل الآن في العصور المتأخرة فساد أهل الشام، ما كانوا على هذا الحال، في العصور المتأخرة حصل الفساد، انتشر الشرك وانتشرت البدع وانتشرت المعاصي بشكل عظيم، فجعل النبي ﷺ فساد أهل الشام علامة على انتفاء الخيرية من الأمة، هذا يدلّ على أنّ أهل الشام آخر الناس يفسدون، وهذا ما حصل كما أخبر عليه الصلاة والسلام.
"فلا خير فيكم": انتفاء الخيرية هنا عامٌّ مخصوصٌ، مخصوص بما بعده، لا يمكن أن ينتهي الخير من أمّة محمد ﷺ كلّها، لا يمكن، لماذا؟ لأنّه عليه الصلاة والسلام قال: "ولن تزال طائفة من أمتى منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"، إذاً هناك طائفة لا بدّ أن تبقى على الخيرية، ففي الأول عموم مخصوص بما بعده.
فقال: "ولن تزال" يعني: ستبقى على طول موجودة، "طائفة" يعني: جماعة، "من أمتي" من أمّة محمد ﷺ، أمّة الإجابة لا أمّة الدعوة، هما أمتان:

· أمّة الدعوة: كلّ من دعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام.
· أمّة الإجابة: هم من أجابوا إلى الإسلام ودخلوا فيه.

هنا المقصود أمّة الإجابة، "ولن تزال طائفة" يعني: جماعة، "من أمتي منصورين": هم في حرب مع أهل الباطل على طول، لكنّهم منصورون من الله تبارك وتعالى، هذه الحرب حرب بالعلم كما سيأتي من تفسير الإمام البخاري رحمه الله أنّه قال: هم أهل العلم، فالنصر يكون بالحجّة وبعلوّ كلمتهم على كلمة عدوهم، لأنّ العلم هذا مقارعة أهل الباطل به جهاد: ﱡﭐ سمّى الله سبحانه وتعالى مقارعة المنافقين بالقرآن جهاداً، فهو جهاد اللسان، جهاد القلم، والنصرة من الله تبارك وتعالى في ذلك، أنت تتعلم وتعلّم الشريعة الصحيحة، تعلم السّنة وتعلم البدعة كي يحذرها الناس، تعلم التوحيد وتعلم الشرك كي يحذره الناس، ترد على أهل الباطل شبهاتهم، هذا كلّه جهاد في سبيل الله، بل والله إنّه أعظم الجهادين، فالشريعة لا تقوم إلّا بهذا، ولا تُحفَظ إلّا بهذا، إذا بقي أهل العلم بقي الدين، لاحظ قول النبي ﷺ: "إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً من صدور العلماء ولكن يقبض العلم بقبض العلماء" فهما أمران متلازمان، إذا بقي العلماء بقي العلم وإذا انتفى العلماء انتفى العلم، إذاً ذهب الدين، هذه مكانة العالم، مكانة عظيمة، يأخذ دور الأنبياء، الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً ولكن ورّثوا العلم، وتعجب من الناس كيف يزهدون في هذا! واللهِ خيري الدنيا والآخرة في هذا، لكن يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى صبر، متى صبرت ودعوت الله
سبحانه وتعالى أن يجعلك من جنوده لقيت أثر ذلك لكن مع الإخلاص، هذا أمر مهم.
"ولن تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم": لا يضرهم من خذلهم، وفي رواية أخرى: "لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم" طائفتان: طائفة تخالف وتحارب، لا يضرونهم والنصر لأهل الإيمان ولأهل العلم، "ولا من خذلهم": من ترك نصرتهم، لم ينصرهم، تركهم، هذا معنى الخذلان.
"لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة": إلى قيام الساعة، من هم الطائفة المنصورة؟ هم أهل الحديث كما قال الإمام أحمد، وذكره الشيخ رحمه الله، وقاله الإمام البخاري أيضاً، ليس في صحيحه بل في خلق أفعال العباد فقال: هم أصحاب الحديث، وأمّا في صحيحه فقال: هم أهل العلم، والسلف على هذا التفسير جميعاً، الذي ورد عنهم تفسير هذا الكلام فسّروه بهذا، فقالوا: هم أهل الحديث، ذكر ذلك يزيد بن هارون وعبدالله بن المبارك وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهم، قالوا: هم أهل الحديث، ذكرهم الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث، البخاري قال: "هم أهل العلم" في صحيحه، وفي خلق أفعال العباد قال: "هم أهل الحديث"، لا تعارض بين القولين، فالمقصود بأهل الحديث هم الذين يعتقدون عقيدة السلف الصالح رضي الله عنهم وينتهجون نهجهم، فهم الذين كانوا يشتغلون بالحديث، هؤلاء بهذه الصفات، لذلك الإمام البخاري رحمه الله في "خلق أفعال العباد" قال: هم أهل الحديث، ثم ذكر أئمة أهل الحديث الذين يتصفون بعقيدة واحدة وهي عقيدة السلف الصالح رضي الله عنهم، ومنهج واحد، كلّهم على طريق واحد، ويشتغلون جميعاً بحديث رسول الله ﷺ تعلّماً وتعليماً وحفظاً وجرحاً وتعديلاً وتعليلاً وتصحيحاً، هؤلاء هم أهل الحديث، وأهل العلم منهم، هم رؤوسهم، فهم أصل هذه الطائفة، فلا تقوم ولا توجد إلّا بهم، لكنّها ليست مختصة بهم، بل كلّ من كان على طريقهم ومجتمعاً معهم على هذا الطريق فهو منهم، من ضمن هذه الطائفة، وجاء في رواية عن معاذ أنّه قال: "وهم بالشام"، لا يعني ذلك أنّهم محصورون في الشام، لا، ولكن يعني ذلك أنّ الشام لا تفرغ منهم أبداً، هذا المعنى، فهم بالشام، تجدهم في بلاد أخرى، يوجدون في بلاد وينقرضون من بلاد، لكن في الشام لا ينقرضون أبداً، هذا المعنى، وهذا تفسير الصحابي وهو أدرى بما روى، الصحابي إذا فسّر شيئاً هو أدرى بمعنى الحديث الذي فسّره لأنّه هو أعلم كيف قاله النبي ﷺ ومتى قاله وما هو سبب قوله .... إلخ، ففي رواية في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: "لا يزال أهل الغرب" والمراد بأهل الغرب أهل الشام، لذلك فسّرها الصحابي معاذ بأهل الشام، وهذا القول هو قول الإمام أحمد وقول ابن تيمية رحمه الله، هذا معنى الحديث.
بقيت نقطة أخيرة وهي قوله: "حتى تقوم الساعة" أي: إلى قيام الساعة، هذا لا بد له من تأويل فلا يحمل على ظاهره، لماذا؟ لأنّه جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنّه قال في آخر الزمان: "تأتي ريح طيبة فتأخذ نفس كلّ مؤمن، ويبقى فيها شرار الناس، عليهم تقوم الساعة" هذا حديث صحيح، فكيف نجمع بينه وبين قوله هنا: "حتى تقوم الساعة" أي: إلى قيام الساعة؟ نجمع بينهما بأن نقول هنا المراد إلى قرب قيام الساعة، أي إلى أن تأتي تلك الريح الطيبة وتأخذ أنفاسهم جميعهم، وبهذا تجتمع الأدلة.
طيب، هذا الحديث فيه دلائل على نبوة النبي ﷺ:

الدليل الأول: أنّ النبي ﷺ تحدث بهذا الحديث في وقت كان أهل الشام كفاراً، ففيه إشارة إلى أنّهم سيدخلون في دين الله ويصلحون بعد فسادهم، ثم بعد ذلك يحصل الفساد، وحصل ما أخبر به عليه الصلاة والسلام تماماً، وهذا أمر غيبي، والغيبي حصل بعد مدة طويلة من موت النبي ﷺ، لا يمكن لإنسان أن يعرف هذه الحقائق إلّا بوحي من الله.
الدليل الثاني: إخبار النبي ﷺ أنّ أمته ستفسد بعد صلاحها وسيكون آخر الناس فساداً أهل الشام، وقد وقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام تماماً، صلحت هذه الأمة وبقيت في صلاح إلى أن فسدت.
الدليل الثالث: إخباره ﷺ أنّ دين الله الذي أتى به سيبقى قائماً بقيام الطائفة المنصورة به وبالحفاظ عليه والذّب عنه وتنقيته من شوائب الشرك والبدع، وهذا هو الواقع، ففي وقت صلاح الناس كان الدين قوياً منيعاً عند أكثرهم، وبعد فسادهم وكثرة أهل الشقاق والبدع بينهم بقي فيهم طائفة تدافع عن دين الله وتذب عنه وتصفي الشوائب التي تعلق به، ولا أعلم حقيقة طائفة تقوم اليوم بواجب تصفية الدين من الشرك والبدع والخرافات وآراء الرجال البعيدة عن الكتاب والسّنة ونصح المسلمين بالتمسك بهما وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان والبعد عن الحزبية وتفريق الأمة كالعلماء وطلبة العلم الذين هم على منهج أهل الحديث وعقيدتهم وعلى منهج السلف الصالح رضي الله عنهم وعلى رأسهم نبينا ﷺ وصحابته الكرام، ومراد شيخنا رحمه الله من ذكر هذا الحديث في هذا الباب بيان فضيلة أهل العلم من أهل السّنة والجماعة على غيرهم من الناس إذ إنّهم هم أصل الطائفة المنصورة التي بشّر بها النبي ﷺ، وأي فضل خير من التمسك بالدين والحفاظ عليه والقيام بعمل الأنبياء! هذا فضل عظيم، فهذه مناسبة وضع هذا الحديث في هذا الباب كما بيّن الشيخ رحمه الله أو أشار إليه في آخر كلامه، وبهذا نكون قد انتهينا من شرح الحديث الأول، وعلى هذه الطريقة سنمضي بإذن الله تعالى، والحمد لله ونكتفي بهذا القدر، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلّا أنت نستغفرك ونتوب إليك.



مركز الخليج
الملفات المرفقة
نوع الملف: docx 01.docx‏ (47.7 كيلوبايت, المشاهدات 253)

آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 17:31
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-05-2017, 07:42   #2
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

مركز الخليج



تفريغ الدرس الثاني:



الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:

اليوم معنا الدرس الثاني من دروس شرح: "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين"، ونحن كنا قد انتهينا بفضل الله سبحانه وتعالى من مقدمة الشرح ومن الحديث الأول، واليوم معنا الحديث الثاني من الأحاديث التي وضعها شيخنا رحمه الله في هذا الكتاب، وما زلنا في باب فضل أهل العلم.

قال المؤلف رحمه الله: "قال الإمام أحمد رحمه الله في (ج5 ص183): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة، حدثنا عمر بن سليمان، من وَلَد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن عبدالرحمن بن أبان بن عثمان، عن أبيه، أنّ زيد بن ثابت خرج من عند مروان نحواً من نصف النّهار، فقلنا: ما بعث إليه الساعة إلّا لشيء سَأَلَه عنه. فقمت إليه فسألته، فقال: أجل، سَأَلَنَا عن أشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نضّر الله أمرأً سمع منّا حديثاً فحفظه، حتى يبلغه غيرَه، فإنّه ربّ حامل فقه ليس بفقيه، وربّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ثلاث خصالٍ لا يغلّ عليهن قلبُ مسلمٍ أبداً: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم"، وقال: "من كان همّه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا، فرّق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلّا ما كُتب له"، وسألنا عن الصلاة الوسطى وهي: الظهر، هذا حديث صحيح ورجاله ثقات، وأمّا الصلاة الوسطى فالصحيح أنّها العصر".

نبدأ بالإسناد: "قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة": يحيى بن سعيد في هذا الإسناد هو القطان، وقد تقدم في الحديث الذي قبله، خرّج له البخاري ومسلم وهو ثقة ثبت حافظ إمام، من أئمة الجرح والتعديل، وشعبة كذلك تقدم في الإسناد الذي قبله، هو شعبة بن الحجاج الأزدي، أخرج له البخاري ومسلم أيضاً، عمر بن سليمان: هو عمر بن سليمان بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني، ويقال اسمه عمرو، من أتباع التابعين، وهو ثقة، أخرج له الأربعة، يعني لم يخرج له لا البخاري ولا مسلم، أخرج له الأربعة، صرّح عمر بالسماع من عبدالرحمن، هو يروي هنا في هذا الإسناد عن عبدالرحمن بن أبان بن عثمان، سماع الإمام أحمد من يحيى بن سعيد ويحيى بن سعيد من شعبة هذا كلّه لا إشكال فيه، وكذلك سماع شعبة من عمر بن سليمان في هذا الإسناد الصحيح، الإمام أحمد، يحيى بن سعيد، شعبة، إلى هنا الإسناد صحيح، وقد صرّح شعبة بالتحديث إذاً فسماعه من عمر ثابت في هذا الحديث، أمّا سماع عمر من عبدالرحمن فقد صرّح بالسماع من عبدالرحمن في رواية أبي داود وهي من رواية محمد بن جعفر عن شعبة وهي من أصحّ الروايات عن شعبة، رواية محمد بن جعفر، وصرّح البخاري بسماعه من عبدالرحمن في تاريخه أيضاً، إذاً فلا إشكال في سماع عمر بن سليمان من عبدالرحمن بن أبان بن عثمان، وهو ثقة كما ذكرنا، أخرج له الأربعة، وأمّا عبد الرحمن بن أبان بن عثمان فهو عبدالرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان الأموي المدني، من أتباع التابعين، وهو ثقة مُقِلّ عابد، ثقة: عرفنا، مُقلّ: يعني أحاديثه قليلة، عابد: موصوف بالعبادة، رجل صالح، وقولهم ثقة: يعني يعتمد عليه في الحديث وإن كان مقلّاً، هو من أتباع التابعين، يروي عن أبيه في هذا الإسناد، يروي عن أبيه بصيغة العنعنة، وأنا بحثت فيما يثبت سماعه من أبيه فوجدت الإمام الذهبي رحمه الله في: "تاريخ الإسلام" يذكر أنّه سمع من أبيه، وهذا كافٍ عندنا إن شاء الله، الذهبي حافظ ومطَّلع ولعله اطلع على ما يثبت هذا الأمر لذلك أثبتَ له ذلك في كتابه: "تاريخ الإسلام"، ومن منكم وجد غير هذا فليطلعنا عليه، لكنّ هذا كافٍ إن شاء الله، وأمّا أبان بن عثمان فهو أبان بن عثمان بن عفان الأموي، أبو سعيد، ابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو مدني، يعني من أهل المدينة، تابعي ثقة، أخرج له مسلم والأربعة، يروي عن زيد بن ثابت هنا، وسماع أبان من زيد بن ثابت ثابتٌ بهذا الحديث، ففيه التصريح بالسماع منه، وزيد بن ثابت صحابي جليل فقيه من بني النّجار، أنصاري خزرجي، وهو من كتبة الوحي، كان من علماء الصحابة، وهو ممن جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق، قال له أبو بكر: "إنّك شابٌ عاقلٌ لا نتهمك"، هذه تزكية من أبي بكر الصديق له، إنّك شاب عاقل لا نتهمك، مات سنة 45 على قول الأكثر، هؤلاء هم رجال الإسناد، وكما ترون: الإسناد لا غبار عليه، الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في الكبرى، النسائي له كتابان "النسائي الكبرى" و "النسائي الصغرى"، السنن الكبرى والسنن الصغرى، والتي هي من الكتب الستة هي السنن الصغرى، وهي أنظف أحاديثاً من الكبرى وأصحّ لكن مع ذلك ليس كلّ ما فيها صحيح إلّا أنّها أصحّ الكتب الستة بعد الصحيحين، أمّا السنن الكبرى ففيه أحاديث كثيرة صحيحة وحسنة وضعيفة ومُعلَّة، ويبين النسائي نفسه عللها، وأخرجه ابن ماجه والدارِمي وغيرهم عن شعبة به مطولاً ومختصراً، مدار الحديث على شعبة وقد توبع عند ابن ماجه من رواية الليث بن أبي سُلَيم عن يحيى بن عباد عن أبيه عن زيد بن ثابت به دون الفقرة الأخيرة، ولكنّ الليث بن أبي سُليم ضعيف، والحديث له شواهد كثيرة، أجودها حديث ابن مسعود، وقد جمع الشيخ عبدالمحسن العباد طرقه في كتاب سماه: "دراسة حديث: "نضّر الله امرأً سمع مقالتي" رواية ودراية"، استوعب الشيخ حفظه الله الكلام على هذا الحديث في كتابه المذكور، وقرّر أنّ الحديث متواتر، لكنّ الظاهر أنّ التواتر فيه نظر، فكثير من الشواهد التي ذُكِرَت هي منكرات حقيقة، لكن بالجملة الحديث صحيح لا غبار عليه، صححه جمع من العلماء ومنهم: ابن حبان والعراقي والألباني وهذا شيخنا رحمه الله والعباد وغيرهم، هذا ما يتعلق بإسناد الحديث وحاله، قال فيه أبان بن عثمان: قال: "إنّ زيد بن ثابت خرج من عند مروان نحواً من نصف النهار"، مروان: هذا المقصود به هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبو عبدالملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة 64 ومات سنة 65 في رمضان، قال الحافظ ابن حجر: "لا تثبت له صحبة"، تنازِع في صحبته، والذي حققه الحافظ ابن حجر أنّ صحبته لا تثبت، وترجم له الذهبي رحمه الله في السير وجعله من الطبقة الأولى من التابعين، وقال: "قيل له رؤية" ذكره بصيغة التمريض: "قيل له رؤية" أي: أنّه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "وذلك محتمل" يعني: ربّما وربّما لا، قال: "أنّ زيداً خرج من عند مروان نحواً من نصف النهار، فقلنا: ما بعث إليه الساعة إلّا لشيء سأله عنه" الظاهر أنّ مروان بن الحكم كان أميراً في ذلك الوقت، ولا يُرسل إلى مثل زيد بن ثابت في ذاك الوقت إلّا لشيء هام، لذلك ظنّوا هذا الظّن، يريد أن يسأله عنه، "فقمت إليه فسألته" سأل أبانُ زيدَ بن ثابت، يعني سأله: هل سألك مروان عن شيء، وإذا سألك عن شيء فما هو؟ "فقمت إليه فسألته فقال: أجل" يعني: سألَنا، "سألنا عن أشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم " يعني: سأل مروانُ زيداً، وكان عند زيد علم لمّا سئل عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث، "قال عليه الصلاة السلام: "نضر الله امرأً سمع منا حديثاً"" نضر الله: قال أهل العلم الضاد هنا تشدد وتخفف، من النضارة: الحسن والرونق، وهو دعاء والله أعلم، يعني النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لمن فعل هذا الفعل، قال ابن الأثير في: "النهاية": "نضَره ونضَّره وأنضَره: أي: نعّمه، ويورى بالتخفيف والتشديد: من النضارة، وهي في الأصل: حُسن الوجه والبريق، وإنّما أراد حسن خُلُقه وقدره" يعني: يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم بحسن خلقه وقدره، يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، البعض قال: المقصود من ذلك الدعاء له بالمنزلة والرفعة والفضل، والبعض قال: نضارة الوجه وحسن الوجه، "نضّر الله امرأً" أي: شخصاً، "سمع منّا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره" دعاء لمن بلّغ حديث النبي صلى الله عليه وسلم لغيره، هذا الدعاء يدخل فيه أهل الحديث جميعاً سواء كانوا رواة فقط أو رواة وفقهاء في الحديث، فكلّ من روى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصداً بذلك التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذا يشمله هذا الدعاء الذي دعا به عليه الصلاة والسلام، "سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره" سواء سمعه مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم أو سمعه من غيره، ويدخل في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أيضاً، سواء كان قولياً عن النبي صلى الله عليه وسلم أو فعلاً أو تقريراً نقله أصحابه رضي الله عنهم، كلّه داخل، حَفِظَه حِفظَ صدر أو حفظ كتاب وبقي حافظاً له، "إلى أن يبلغه غيره" إلى أن ينقل الشيء المسموع للناس كما سمعه، "فإنّه ربّ حامل فقه ليس بفقيه" ربّ: تستعمل في لغة العرب للتقليل والتكثير، "حامل فقه" أي: حامل أدلة الأحكام الشرعية، فهي التي يستنبط منها الفقه، من غير أن يكون له القدرة على الاستدلال واستنباط الأحكام، "ربّ حامل فقه" ولكنّه ليس بفقيه، لكن هو الذي أوصل الدليل الذي يستخرج منه الفقيه الحكم الشرعي، "وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" يعني: حامل الفقه هذا ربّما لا يكون فقيهاً ويحمله إلى الفقيه، وربّما يكون فقيهاً ولكنه يحمله إلى من هو أفقه منه فيستنبط منه من الأحكام ما لا يستنبطها الأول، قال: "ثلاث خصال"، الخصال: جمع خَصلة -بفتح الخاء- وهي الخُلَّة والفضيلة، تطلق على الرذيلة أيضاً، أو قد غلبت على الفضيلة وهو المراد هنا، "ثلاث خصال لا يَغلّ عليهن قلب امرئ مسلم أبداً" لا يَغِلّ، ويصح أن تقول: لا يُغِلّ، بضم الياء أو فتحها، تروى بهذا وهذا، ومعناها بالضم: الخيانة في كلّ شيء، ومعناها بفتح الياء مع شدّ اللام: الحقد والشحناء، وتروى بفتح الياء مع تخفيف اللام ومعناها: الدخول في الشر، قال ابن عبدالبر في معنى هذه الجملة: "لا يغلّ عليهن قلب امرئ مسلم أبداً"، قال: "لا يكون القلب عليهن ومعهن غليلاً أبداً، يعني لا يقوى فيه مرض ولا نفاق إذا أخلص العمل لله ولزم الجماعة وناصح أولي الأمر" أي: أنّ قلبه يكون فارغاً من الغلّ: من الحقد، ومن النفاق ومن المرض الذي يكون في القلب، فلا يبقى مع هذه الخصال شيء من هذه الأمور في القلب، "لا يغلّ عليهن قلب امرئ مسلم أبداً" قلبه يكون فارغاً من الحقد والشحناء، إذا حقق هذه الخصال: "إخلاص العمل لله" يعني: أن تجعل عملك، عباداتك، طاعاتك لله وحده، لا تريد معها شيئاً من ثناء الناس أو مدحهم، ولا تطلب بها دنيا بل تعمل العمل لله تبارك وتعالى كي يرضى الله سبخانه وتعالى عنك فقط، هذا معنى أن يكون العمل خالصاً، "ومناصحة ولاة الأمر" أي: نصحهم وإرشادهم للخير ومعاونتهم على الحقّ وطاعتهم في الحقّ، قال أهل العلم: النصيحة: كلمة يعبَّر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، يعني: عندما تريد أن تنصح شخصاً لا تنصحه من أجل أن يعود الأمر بالنفع عليك، لا، ولكنك تنصحه كي يعود الأمر بالنفع عليه، فإرادة الخير للمنصوح له، ولي الأمر عندما تريد أن تنصحه تبين له الحق من الباطل كي يتبع الحقّ لأنّ ولي الأمر إذا اتبع الحقّ فاز من وراء ذلك المسلمون ورجع الخير والنفع إلى الإسلام والمسلمين وإلى ولي الأمر نفسه لأنّه ينجو عند الله سبحانه وتعالى بهذا، فأن تدعو له بالصلاح هذا من النصح له، أن تدعو له بالصلاح وبالتوبة وبالحكم بشرع الله، هذا من النصح له، وهذا الوارد عن السلف رضي الله عنهم أنّهم كانوا يدعون للأئمة بالصلاح، ما نعرف عنهم أنّهم كانوا يدعون لولاة الأمر مع فسادهم وطغيانهم في الأرض، يدعون لهم بطول العمر كما يفعل بعض الشباب اليوم، الناس بين إفراط وتفريط في كلّ شيء، هذا منها، البعض تجده حاكماً لا يرفع رأساً بشريعة الله ولا يبالي بدين الله لا من قريب ولا من بعيد، ومع ذلك تجد الشخص يدعو له: اللهم أطل في عمره، على ماذا؟ ادعُ له بالصلاح، هذا يعود بالنفع عليه وعلى غيره، أمّا إطالة العمر ربّما تعود عليه هو نفسه بالضرر، فإذا بقي في فساده، طال عمره وبقي في فساده ماذا يحصل؟ يزيد إثمه ويزيد فساده في الأرض، هذا ليس من النصح له، إذا أردت أن تنصح له فادع له بالصلاح، هذا من النصح له، ندعو لهم لأجل أن يعود الخير عليهم وعلى الإسلام وعلى المسلمين، لا تعصُّباً كما يفعل البعض، أصلح الله العباد، "ولزوم الجماعة" الجماعة: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان على نهجهم وطريقهم، فالحقّ معهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النّار إلّا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة" وفي رواية أخرى: "ما أنا عليه وأصحابي"، إذاً هذه هي الجماعة، الجماعة هو الحقّ ولو كنت وحدك كما قال السلف رضي الله عنهم في تفسيرها، الحق ولو كنت وحدك، تنطق بالحق، تلزم الحق، تلزم هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه، بذلك تكون ملتزماً بالجماعة، قال: "فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم"، ابن القيم له كلام طيب في هذا، نذكره لكم، قال ابن القيم رحمه الله: "هذا من أحسن الكلام وأوجزه وأفخمه معنى" كلام رائع جميل مختصر حسن فخم راقٍ، قال: "شبّه دَعْوَة الْمُسلمين بالسور والسياج الْمُحِيط بهم المَانِع من دُخُول عدوهم عَلَيْهِم" سياج، كالسور يعني تلفّه هكذا وتضعهم في داخله، هذا السور يكون واقياً لهم حامياً لهم، قال: "شبّه دَعْوَة الْمُسلمين بالسور والسياج الْمُحِيط بهم المانِع من دُخُول عدوهم عَلَيْهِم، فَتلك الدعْوَة الَّتِي هِيَ دَعْوَة الإسلام وهم داخلوها لمّا كَانَت سوراً وسياجاً عَلَيْهِم أخبر أنّ من لزم جمَاعَة الْمُسلمين أحاطت بِهِ تِلْكَ الدعْوَة الَّتِي هِيَ دَعْوَة الاسلام كَمَا أحاطت بهم، فالدعوة تجمع شَمل الامة وتلمّ شعثها وتحيط بهَا، فَمن دخل فِي جماعتها أحاطت بِهِ وشملته"، "فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" يعني: تلفهم من خلفهم كما يلف السياج المكان، فيجتمعون في هذا المكان وتحفظهم دعوتهم، دعوة الإسلام، فهو إذا لزم جماعة المسلمين شملته هذه الإحاطة مع بقية المسلمين، "وقال عليه الصلاة والسلام: "من كان همّه الآخرة"" أي: من كان حريصاً عليها وهي نيته وقصده وشغله الشاغل هي الآخرة، لا يشتغل في الدنيا إلّا بقدر ما يبلّغه الآخرة، فليست هي همّه وليست هي شغله ولا يبالي بها ولا يريد منها إلّا ما يوصله إلى ربّه تبارك وتعالى، من كان هذا وصفه "جمع الله شمله"يعني: جمع الله أموره المتفرقة بأن جعله مجموع الخاطر بتهيئة أسبابه من حيث لا يشعر هو، فييسر الله تبارك وتعالى له جميع شؤونه ويجمع همومه فلا يبقى له إلّا همٌ واحد وهو أن يصل إلى الله سبحانه وتعالى، فيهوّن الله عليه أمور الدنيا ومشاغلها، فيبقى شغله الشاغل الذي يشغله هو رضا الله سبحانه وتعالى، قال: "وجعل غناه في قلبه"يعني: يجعله قانعاً بالكفاف والكفاية كي لا يتعب في طلب الزيادة، هذا أعظم الغنى بارك الله فيكم، الغنى الحقيقي هو غنى القلب، أن يكون القلب قنوعاً راضياً بما يأتيه من عند الله سبحانه وتعالى فلا يطمع بزيادة كي يتوسع في أمر الدنيا، بل شغله الشاغل آخرته، ويطلب من الدنيا ما يريحه من أجل أن يتفرغ لطاعة الله سبحانه وتعالى، ويعينه على ذلك، "وأتته الدنيا راغمة"، يعني: بعد هذا كلّه تأتيه الدنيا راغمة ذليلة حقيرة تابعة له، يأتيه ما قسم الله له من الرزق لكن تفتح عليه الدنيا بعد أن يكون قد ألقى بها من ورائه وزهد فيها، تأتيه هي راغمة خاضعة ذليلة، تأتيه هيّنة ليّنة على رغم أنفها، فلا يحتاج أن يطلبها بسعي كثير وعمل شاق، لا، بينما انظروا إلى الصنف الثاني من الناس: "ومن كانت نيته الدنيا"همّه وقصده الدنيا، وشغله الشاغل الدنيا، وهذا حال كثيرين اليوم وللأسف، كثير من المسلمين بل أكثر المسلمين هذا شغلهم، الدنيا، صارت الآخرة عندهم أمراً ثانوياً لمن يهتم بها، السلف رضي الله عنهم كانت الأمور عندهم مقلوبة عمّا هي عندنا اليوم، فكانت هي الميزان الصحيح والقلب بالعكس حصل عندنا، كان همّهم وشغلهم هي الآخرة، يعملون لأجلها، ويأخذون من الدنيا قدر ما يبلغهم الآخرة، أمّا عندنا اليوم لا، حصل العكس، صار شغل الناس الشاغل هي الدنيا، الركض خلفها والاشتغال بها، وأمور الدين صارت ثانوية، إذا بقي عنده وقت إضافي عن الدنيا انشغل بالدين وإلّا فلا، انظروا إلى حال خاصة كبار السّن، متى يأتي إلى المسجد ويصبح من روّاد المسجد؟ عندما يتقاعد عن العمل، خلاص، يصبح هناك مكان عنده للدين، قبل ذلك لا تكاد تجده يدخل المسجد، لماذا؟ لأنّ الدنيا غالبة، هم صنفان كما وردا في هذا الحديث، والفائز عند الله هو الصنف الأول، والصنف الثاني إذا أراد الله له الهداية نجّاه، "ومن كانت نيته الدنيا فرّق الله عليه ضيعته"الضيعة: ما يكون منه معاش الرجل كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك، أي جعل الله صنعته وحرفته وما يعيش منه متفرقاً، فلمّا يتفرق ماذا يحصل؟ كثرة التعب واللهث خلفها فيصير قد تشعبت الهموم في قلبه وتوزعت أفكاره، فيبقى متحيّراً مشغولاً ضائعاً، هذا حاله، "وجعل فقره بين عينيه"أنظر، بالضد، بالعكس، أنظر الأول كيف وهذا ضده، "وجعل فقره بين عينيه"يعني: جعله دائماً طالباً للدنيا محتاجاً إليها، فإنّ حاجة الرّاغب فيها لا تنقضي كلمّا حصّل على بعضها طلب أكثر، "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً ويتوب الله على من تاب"، إذا فُقِد الغنى من القلب بقيت فقيراً طيلة عمرك حتى لو كنت صاحب قصور وملايين تبقى فقيراً، لماذا؟ لأنّ الغنى في القلب والفقر في القلب -الحقيقي-، فإذا بقي قلبك معلقاً بالدنيا راغباً بها يريد الاستكثار منها فلن يستقر لك مستقر وكلمّا جاءك من الدنيا كلمّا طلبت أكثر، هذا فقر القلب وذاك غناه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علينا وعليكم بغنى القلب، هذه نعمة عظيمة يمتن الله بها على من يشاء من عباده، ومع كلّ ذلك: مع حرصه على الدنيا وفقر قلبه وشغله بها ولهثه خلفها، "ولم يأته من الدنيا إلّا ما كُتب له" يعني: ما قسم الله لك في النهاية هو الذي سيأتيك وغير ذلك إنّما هو شغل وتعب وركض خلفها من غير فائدة، تضييع للوقت.

قال زيد: "وسألنا مروان عن الصلاة الوسطى" يعني: التي ورد ذكرها في القرآن: "حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وقوموا لله قانتين"، ما المقصود بالصلاة الوسطى؟ قال: "وهي الظهر" هذا تفسير زيد بن ثابت، قال: "وسألنا" يدلّ على أنّ المسؤولين أكثر من زيد ليس زيداً وحده، الظاهر أنّه أكثر من صحابي كان، ونبّه شيخنا رحمه الله على أنّ هذا القول وهو اختيار الصلاة الوسطى بأنّها صلاة الظهر قول ضعيف، والراجح: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وسيأتي إن شاء الله تحرير المسألة في موضعها بإذن الله تعالى.
فوائد هذا الحديث: قال ابن القيم رحمه الله في: "مفتاح دار السعادة" بعد أن ذكر هذا الحديث قال: "وَلَو لم يكن فِي فضل الْعلم إلّا هَذَا الحديث وَحده لكفى بِهِ شرفاً" لذلك ساقه شيخنا في هذا الموطن، لاحظ ماذا يقول: "وَلَو لم يكن فِي فضل الْعلم إلّا هَذَا الحديث وَحده لكفى بِهِ شرفاً فَإِن النَّبِي صلى الله عليه وسلم دَعَا لمن سمع كَلَامه ووعاه وَحفظه وبلّغه وَهَذِه هِيَ مَرَاتِب الْعلم" السماع والفهم والحفظ والإبلاغ، قال: "أولها وَثَانِيها" وهو: السماع والفهم، "سَمَاعه وعقله" يعني: فهمه، "فَإِذا سَمعه وعاه بِقَلْبِه أَي: عقله وَاسْتقر فِي قلبه" وعاه بقلبه يعني: وعاه بعقله، "أي: عَقِلَه واستقر في قلبه كَمَا يسْتَقرّ الشَّيْء الَّذِي يوعى فِي وعائه وَلَا يخرج مِنْهُ وَكَذَلِكَ عقله هُوَ بِمَنْزِلَة عقل الْبَعِير وَالدَّابَّة وَنَحْوهَا" يعني: ربطها، "حَتَّى لَا تشرد وَتذهب" حتى لا تشرد يعني: لا تهرب، ما زالت هذه الكلمة عندنا مستعملة هنا، شرد: هرب، "وَلِهَذَا كَانَ الوعي وَالْعقل قدراً زَائِداً على مُجَرّد إِدْرَاك الْمَعْلُوم، الْمرتبَة الثَّالِثَة: تعاهده وَحفظه حَتَّى لا ينساه فَيذْهب، الْمرتبَة الرَّابِعَة: تبليغه وبثّه فِي الأمّة ليحصل بِهِ ثَمَرَته ومقصوده، وَهُوَ بثّه فِي الأمّة فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْكَنْز المدفون فِي الأرض الَّذِي لَا ينْفق مِنْهُ وَهُوَ معرض لذهابه فَإِنّ الْعلم مَا لم ينْفق مِنْهُ وَيعلم فَإِنَّهُ يُوشك أن يذهب فَإِذا أنفق مِنْهُ نما وزكا على الإنفاق" كلمّا أعطيت منه كلمّا زاد، وهذه فضيلة في العلم، إذا أردت أن تتقن العلم وأن تزداد به خيراً وتزداد علماً فدرِّس، ما وجدت طريقة في تثبيت العلم أفضل من هذه الطريقة، إذا درّستَ مع التحضير طبعاً تزداد علماً إلى علمك، وكلمّا أعطيت كلمّا ازددت علماً، قال: "فَمن قَامَ بِهَذِهِ الْمَرَاتِب الأربع دخل تَحت هَذِه الدعْوَة النَّبَوِيَّة المتضمنة لجمال الظَّاهِر وَالْبَاطِن فَإِنّ النضرة هِيَ الْبَهْجَة وَالْحسن الَّذِي يكساه الْوَجْه من آثَار الإيمان وابتهاج الْبَاطِن بِهِ وَفَرح الْقلب وسروره والتذاذه بِهِ فتظهر هَذِه الْبَهْجَة وَالسُّرُور والفرحة نضارة على الْوَجْه وَلِهَذَا يجمع لَهُ سُبْحَانَهُ بَين الْبَهْجَة وَالسُّرُور والنضرة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: "فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً" فالنضرة فِي وُجُوههم وَالسُّرُور فِي قُلُوبهم، فالنعيم وَطيب الْقلب يظْهر نضارة فِي الْوَجْه كَمَا قَالَ تَعَالَى: "تعرف في وجوههم نضرة النعيم" وَالْمَقْصُود أنّ هَذِه النضرة فِي وَجه من سمع سنة رَسُول الله ووعاها وحفظها وَبَلغهَا هِيَ أثر تِلْكَ الْحَلَاوَة والبهجة وَالسُّرُور الَّذِي فِي قلبه وباطنه، وَقَوله صلى الله عليه وسلم: ربّ حَامِل فقه إلى من هُوَ أفقه مِنْه:تَنْبِيه على فَائِدَة التَّبْلِيغ وإنّ الْمبلَّغ قد يكون أفهم من الْمبلِّغ فَيحصل لَهُ فِي تِلْكَ الْمقَالة مَا لم يحصل للمبلِّغ أَوْ يكون الْمَعْنى أن الْمبلَّغ قد يكون أفقه من الْمبلغ فَإِذا سمع تِلْكَ الْمقَالة حملهَا على أحسن وجوهها واستنبط فقهها وَعلم المُرَاد مِنْهَا، وَقَوله ﷺ: ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم ... إِلَى آخِره: أي لا يحمل الغلّ وَلَا يبْقى فِيهِ مَعَ هَذِه الثَّلَاثَة فَإِنَّهَا تنفي الغلّ والغشّ وَفَسَاد الْقلب وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصه يمْنَع غلّ قلبه ويخرجه ويزيله جملَة لأنّه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إِلَى مرضاة ربّه فَلم يبْق فِيهِ مَوضِع للغلّ والغشّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: "كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين"، فَلَمَّا أخلص لرَبه صرف عَنهُ دواعي السوء والفحشاء وَلِهَذَا لمّا علم إبليس أنّه لَا سَبِيل لَهُ على أهل الإخلاص استثناهم من شرطته الَّتِي اشترطها للغواية والإهلاك فَقَالَ: "قال فبعزتك لأغوينهم اجمعين إلّا عبادك منهم المخلصين"، قَالَ تَعَالَى: "إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلّا من اتبعك من الغاوين"، فالإخلاص هُوَ سَبِيل الْخَلَاص وَالْإِسْلَام هُوَ مركب السَّلامَة والإيمان خَاتم الأمان، قَوله: ومناصحة أئمة الْمُسلمين هَذَا أيضاً منَافٍ للغلّ والغشّ فَإِنّ النَّصِيحَة لَا تجامع الغلّ إِذْ هِيَ ضِدّه فَمن نصح الأئمة والأمّة فقد برِئ من الغلّ، وَقَوله: وَلُزُوم جَمَاعَتهمْ هَذَا أيضاً مِمَّا يطهر الْقلب من الغلّ والغشّ فَإِنّ صَاحبه للزومه جمَاعَة الْمُسلمين يحبّ لَهُم مَا يحبّ لنَفسِهِ وَيكرهُ لَهُم مَا يكره لَهَا ويسوؤه مَا يسوؤهم ويسرّه مَا يسرّهم وَهَذَا بِخِلَاف من انحاز عَنْهُم واشتغل بالطعن عَلَيْهِم وَالْعَيْب والذم، كَفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وَغَيرهم فَإِنّ قُلُوبهم ممتلئة غلاً وغشاً، وَلِهَذَا تَجِد الرافضة أبعد النَّاس من الاخلاص وأغشهم للأئمة والأمّة وأشدّهم بعداً عَن جمَاعَة الْمُسلمين فَهَؤُلَاءِ أشد النَّاس غلاً وغشاً بِشَهَادَة الرَّسُول والأمة عَلَيْهِم وشهادتهم على أنفسهم بذلك فإنّهم لا يكونون قطّ إلّا أعواناً وظهراً على أهل الإسلام فأي عَدو قَامَ للْمُسلمين كَانُوا أعوان ذَلِك الْعَدو وبطانته وَهَذَا أمْر قد شاهدته الأمة مِنْهُم وَمن لم يُشَاهده فقد سمع مِنْهُ مَا يصم الآذان ويشجي الْقُلُوب، وَقَوله: فَإِن دعوتهم تحيط من ورائهم هَذَا من أحسن الْكَلَام وأوجزه وأفخمه معنى، شبه دَعْوَة الْمُسلمين بالسور والسياج الْمُحِيط بهم الْمَانِع من دُخُول عدوهم عَلَيْهِم .... " إلى آخر ما ذكر، وقد كنا قرأنا هذا الكلام، قلت: في هذا الحديث: الحث على الرغبة في الآخرة وجعلها أكبر همّ العبد والحثّ على طلبها بالتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بأنواع العبادات التي شرعها، والتقليل من طلب الدنيا، والرضا بما قسمه الله للعبد من الرزق والله أعلم، هذا آخر ما يتعلق بهذا الحديث.


أمّا الحديث الثالث: قال المؤلف رحمه الله: "قال الإمام أحمد رحمه الله (8257): حدثنا أبو عبدالرحمن، حدثنا سعيد، حدثنا محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "لا يزال لهذا الأمر -أو على هذا الأمر- عصابة على الحقّ، ولا يضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله".
هذا حديث حسن، وسعيد هو ابن أبي أيوب، وأبو عبدالرحمن هو عبدالله بن يزيد المقرئ.
وقال الإمام أحمد رحمه الله (8465): ثنا يونس، ثنا ليث، عن محمد وهو ابن عجلان ... به.
وقال الإمام أحمد رحمه الله (ج2 ص379): ح" ح هذه تذكر لتحويل الإسناد، قد مرّ معنا ذلك في كتب المصطلح، "حدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن ابن عجلان ... به.
وأخرجه البزار كما في: "كشف الأستار" (ج4 ص 111)".
هذا الحديث الثالث، ذكر الإمام أحمد رحمه الله شيخه بكنيته ولم يزد على ذلك وذكر شيخ شيخه بكلمة سعيد، وهذا النوع الذي يسمى بالمهمل: وهذا بإمكانك أن تعرفه عن طريق جمع طرق الحديث فربّما تجده قد ذُكِرَ بما يُعرَف به في إسناد آخر، يعني ربّما تجده في إسناد آخر يقول: حدثنا سعيد بن أبي أيوب حدثنا محمد بن عجلان، فيبين لك من هو سعيد هذا، هذه طريقة من طرق معرفة المهمل، بجمع طرق الحديث يتبين معك، والطريقة الأخرى بالنظر في الشيوخ والتلاميذ، هنا مثلاً (سعيد حدثنا محمد بن عجلان) ترجع إلى ترجمة محمد بن عجلان في تهذيب الكمال وتنظر من الذي يروي عنه واسمه سعيد؟ كذلك تفعل مع أبي عبدالرحمن، وبهذا يظهر لك، والشيخ رحمه الله قد سهّل عليك هذا الأمر فبيَّن لك المقصود من سعيد ومن أبي عبدالرحمن فقال: "سعيد هو ابن أبي أيوب وأبو عبدالرحمن هو عبدالله بن يزيد المقرئ" وعرفت أنت كيف تقف على مثل هذه الأسماء، أمّا رجال الإسناد فأبو عبدالرحمن هذا هو عبدالله بن يزيد المقرئ القرشي، أبو عبدالرحمن القصير، قال الحافظ ابن حجر: "ثقة فاضل"، وقد أخرج له الجماعة، لا إشكال فيه، وصرّح الإمام أحمد بالسماع منه، وأمّا سعيد فهو سعيد بن أبي أيوب الخزاعي مولاهم المصري، أبو يحيى، ابن مقلاص ثقة ثبت، أخرج له الجماعة، وقد صرّح أبو عبدالرحمن بالسماع من سعيد وصرّح سعيد بالسماع من محمد بن عجلان، أمّا محمد بن عجلان فهو المدني، أخرج له البخاري تعليقاً، وأخرج له مسلم في المتابعات، قال الحافظ ابن حجر: "صدوق إلّا أنّه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة"، هذا ما ذكره في التقريب، طيب نحن نقرأ ترجمته من تهذيب التهذيب لأنّ هذا سيمرّ معنا كثيراً، بما أنّ الشيخ رحمه الله قد أدخله في هذا الكتاب محتجاً به وليس في الشواهد والمتابعات، بل احتج به، أخرج له في الأصول، إذاً سيمرّ معنا فيما هو آت، فنقرأ ترجمته ونحرر القول فيه كي ننهي الأمر هنا، قال في تهذيب التهذيب: "خت م 4" يعني أخرج له البخاري تعليقاً، في المعلقات، وأخرج له مسلم في صحيحه، هنا طبعاً أنتم علمتم أنّ الحافظ ابن حجر هنا في هذه الفقرة الأولى من الكتاب يذكر ما ذكره المزّي في تهذيب الكمال ويختصره فقط ثم بعد ذلك يُعقب بكلامه عند قوله قلت، هذا الكلام الآن الذي معنا كلام المِزِّي، فالمزي قال إنّ مسلماً قد أخرج له، لم يُفصّل، هل أخرج له في الأصول أم في المتابعات، يعني: أخرج له محتجاً به أم أخرج له في الشواهد والمتابعات، أمّا البخاري فأخرج له تعليقاً فلا إشكال، هو ليس من شرط الكتاب أصلاً، لكنّ مسلماً أخرج له في صحيحه كيف؟ الآن ظاهر ما فعله المزّي أنّه أخرج له في الأصول أو أنّه على الأقل أبهم ولم يبين لنا كيف أخرج له، وسيأتي الآن مزيد بيان من الحافظ ابن حجر، قال: والأربعة يعني وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، قال: "محمد بن عجلان المدني القرشي مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة أبو عبد الله أحد العلماء العاملين" هو عالم، كان فقيهاً رحمه الله، وكان معروفاً بالزهد، إذاً من هذا نعرف أنّ عدالة الرّجل لا إشكال فيها وأنّ علمه لا إشكال فيه، لكن عندنا إشكال في شيء آخر سيأتي إن شاء الله، قال: "روى عن أبيه وأنس بن مالك وسلمان بن أبي حازم الأشجعي ..... " إلى آخر ما ذكر، ثم قال: "وعنه:" يعني: روى عنه، "صالح بن كَيسان وهو أكبر منه" عندما المحدث يروي عنه من هو أكبر منه سناً يدلّ ذلك على أنّ حديثه يُحتاج إليه، لذلك يروي عنه من هو أكبر سناً منه، "وعبد الوهاب بن بخت ومات قبله وإبراهيم بن أبي عبلة وهو من أقرانه ومالك ومنصور وشعبة وزياد بن سعد والسفيانان" سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، "والليث" والليث بن سعد، "وسليمان بن بلال وابن لهيعة وبكر بن مضر وداود بن قيس الفراء والدراوردي وحاتم بن إسماعيل وأبو خالد الأحمر والوليد بن مسلم ويحيى القطان والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي وعبد الله بن إدريس وأبو عاصم الضحّاك بن مَخلَد النبيل وآخرون" "آخرون" هذه من عند الحافظ ابن حجر، اختصر، لأنّ المزي يذكر جميع ما يقع له من شيوخ الراوي ومن تلاميذه من الرواة عنه لكنّ الحافظ يختصر هذا، طيب نأتي الآن على كلام في الجرح والتعديل: "قال صالح بن أحمد عن أبيه" يعني: أحمد بن حنبل، قال: "ثقة" جميل، "وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا محمد بن عجلان وكان ثقة" الآن توثيق من سفيان بن عيينة وتوثيق أيضاً من الإمام أحمد، سجل عندك هذه كي تخرج بخلاصة في النهاية إذاً الآن تذكر مثلاً وثّقه أحمد وابن عيينة، "وقال أيضا سألت أبي عن محمد بن عجلان وموسى بن عقبة فقال جميعاً ثقة وما أقربهما" يعني: هما قريبان في الحفظ، وكلاهما ثقة، وهذا توثيق آخر من الإمام أحمد، "وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين ثقة وقدّمه على داود بن قيس الفرّاء" إذاً الآن صار عندنا وثّقه أحمد وابن عيينة وابن معين، "وقال الدوري عن ابن معين: ثقة أوثق من محمد بن عمرو وما يشكّ في هذا أحد كان داود بن قيس يجلس إلى ابن عجلان يتحفظ عنه وكان يقول إنّها اختلطت على ابن عجلان يعني أحاديث سعيد المَقبُري" جميل، هذا أول مأخذ، تسجل عندك ملاحظة: اختلطت عليه أحاديث سعيد المقبري، ثم قال: "وقال يعقوب بن شيبة: صدوق وسط" لم يجعله في مرتبة الثقة، أنزله فقال: صدوق، جيد، يعقوب بن شيبة يقول: صدوق، جيد، "وقال أبو زرعة: ابن عجلان من الثقات وقال أبو حاتم والنسائي: ثقة" جميل، كم عندنا واحد الآن؟ أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي، هؤلاء كلّهم توثيق: ثقة، ثقة، ثقة، "وقال الواقدي سمعت عبد الله بن محمد بن عجلان يقول: حُمِل بأبي أكثر من ثلاث سنين قال وقد رأيته وسمعت منه ومات سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة وكان ثقة كثير الحديث" كلّ هذا ما في من ورائه فائدة، لماذا؟ لأنّ الراوي لهذا الخبر كلّه من؟ الواقدي، وهو متروك، لا يُعتَمَد على ما قال، "وقال ابن يونس" وابن يونس من العلماء المصريين، له تاريخ في أهل مصر، وهو خبير بهم، "قدم مصر وصار إلى الإسكندرية فتزوج بها امرأة فأتاها في دبرها فشكته إلى أهلها فشاع ذلك فصاحوا به فخرج منها وتوفي بالمدينة سنة ثمان وأربعين" هذا إن صحّ فهو محمول على أنّه كان له فقه في هذه المسألة، لم يصحّ عنده اتفاق في تحريمها، أو لم يطلع على الاتفاق وكان يحلّ ذلك، هذا المظنون به لماذا؟ لأنّهم قد أثنوا على دينه، "قلت:" الآن انتهى كلام المزّي وسيبدأ كلام الحافظ ابن حجر: "إنّما أخرج له مسلم في المتابعات ولم يحتج به" تمام، أنظر الآن انتقد ما ذكره المزّي، انتقده، فقال أخرج له مسلم في المتابعات ولم يحتج به، يعني سواء كان قد قرر المزي أنّه احتج به أو أبهم الكلام كان ينبغي أن يبين، لذلك اعترض مباشرة الحافظ ابن حجر بهذا، إذاً مسلم لم يحتج به، إنّما أخرج له في المتابعات، "وقال يحيى القطان عن ابن عجلان كان سعيد المقبري يُحدث عن أبي هريرة وعن أبيه عن أبي هريرة وعن رجل عن أبي هريرة فاختلطت عليه فجعلها كلّها عن أبي هريرة" جميل، إذاً: الملاحظة التي ذكرناها سابقاً أُكِّدَت هنا، أنّ أحاديث سعيد المقبري قد اختلطت عليه، أحاديث سعيد المقبري في السابق، هنا ليست فقط أحاديث سعيد المقبري بل وأحاديث أبي هريرة أيضاً، قال فجعلها كلّها عن أبي هريرة، مع أنّ بعضها سعيد المقبري عن أبي هريرة وبعضها عن أبيه عن أبي هريرة وبعضها عن رجل عن أبي هريرة، إذاً أحاديث أبي هريرة اختلطت عليه، قال: "ولمّا ذكر ابن حبان في كتاب الثقات هذه القصة قال ليس هذا بوهن يوهن الإنسان به لأنّ الصحيفة كلّها في نفسها صحيحة فربّما قال ابن عجلان عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة فهذا مما حُمل عنه قديماً قبل اختلاط صحيفته فلا يجب الاحتجاج إلّا بما يروي عنه الثقات" هذا كلّه توجيه من ابن حبان لما قيل في روايته لأحاديث أبي هريرة، "وقال ابن سعد: كان عابداً ناسكاً فقيهاً" أنظر كيف يثنون على عبادته وعلى تديّنه وعلى علمه، "وكانت له حلقة في المسجد وكان يفتي، وقال العِجْلِي: مدني ثقة، وقال الساجي: هو من أهل الصدق لم يحدث عنه مالك إلّا يسيراً، وقال ابن عيينة: كان ثقة عالماً، وقال العقيلي: يضطرب في حديث نافع" زيادة أخرى: "قال العقيلي: يضطرب في حديث نافع" ما الخلاصة التي تخرج بها من خلال هذا الكلام كلّه، الخلاصة التي ذكرها الحافظ قال: "صدوق إلّا أنّه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة" الآن، اختلطت عليه أحاديث نافع في كلام العقيلي إذاً انتهينا، إذاً مع توثيق الذين وثّقوه وهم أئمة كثر نقول الأصل فيه ماذا؟ أنّه ثقة، إلّا في حديث نافع اعتماداً على ما ذكره العقيلي، هذا استثناء، وحديث المقبري، وهل أحاديث أبي هريرة كلّها قد اضطرب فيها أم خاصة بحديث سعيد المقبري، الآن الكلام السابق فيه هذا وهذا، طيب، لمّا بحثنا زيادة وجدنا إضافة، قال المرّوذي: "سألته -يعني أحمد بن حنبل رحمه الله الذي كان أحد الذين وثقوه- عن ابن عجلان، فقال: ثقة، قلت: إنّ يحيى قد ضعفه" ذكرنا فيما سبق من وثقوه، فقال: "قلت: إنّ يحيى قد ضعفه" هل المقصود يحيى بن معين أم يحيى بن سعيد؟ قد مرّ معنا في السابق بأنّ يحيى بن معين قد وثقه لكن يحيى بن معين أحياناً يكون له أكثر من قول في الرجل، على كلٍّ، يهمنا الآن ماذا علّق الإمام أحمد رحمه الله على هذا، "قال: كان ثقة، إنّما اضطرب عليه حديث المقبري، كان عن رجل، جعل يصيره عن أبي هريرة" أنظر التفصيل الآن، هذا التفصيل يحلّ لك الإشكال السابق، فالظاهر أنّ الاختلاط حصل في حديث سعيد المقبري خاصة، على كلٍّ، من قال أنا أتوقف في أحاديث أبي هريرة كلّها لأننا لا ندري ما هو من حديث سعيد وما هو من حديث غيره فالكلام قريب، وهذا مذكور الكلام في شرح علل الترمذي لابن رجب وفي الثقات لابن حبان، وقال يحيى بن سعيد: "مضطرب الحديث في حديث نافع" إذاً صار عندنا العقيلي، والظاهر أنّ العقيلي أخذها عن يحيى بن سعيد الذي قرّر أنّه مضطرب في حديث نافع، طيب، خلاص، انتهينا الآن من موضوع ابن عجلان، وفهمنا الخلاصة، هو مضطرب في حديث أبي هريرة وحديث نافع، طيب، إذاً هذه خلاصة ابن عجلان، هل هذا الحديث الذي معنا من حديث نافع؟ لا، هل هو من حديث سعيد المقبري؟ لا، هو من حديث أبي هريرة، لكن كما ذكرنا وكما نصّ عليه الإمام أحمد أنّ الروايات المضطربة هي روايات سعيد المقبري، فتارة كان يجعلها عن أبي هريرة وتارة يجعلها عن رجل، طيب، فإذاً المقصود ليست جميع أحاديث أبي هريرة، وإنّما هي التي من طريق سعيد المقبري، وكما ذكرنا، الأمر يبقى فيه إشكال من حيث رواياته لحديث أبي هريرة، هذا الحديث الذي معنا منها، "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "لا يزال لهذا الأمر -أو على هذا الأمر- عصابة على الحق"" يعني: جماعة على الحقّ، "ولا يضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله" هذا قد تقدم شرحه وبيانه بالتفصيل في الحديث الأول وسيأتي إن شاء الله الحديث الذي بعده أيضاً حول هذا الأمر.


بالنسبة للسماع: صرّح ابن عجلان بالسماع من القعقاع في أسانيد صحيحة، فلا غبار على هذا، أمّا القعقاع فهو القعقاع بن حكيم الكناني المدني، وثّقه أحمد وابن معين، وقال أبو حاتم: "ليس بحديثه بأس"، وذكره ابن حبان في الثقات، فهو ثقة، روايته عن أبي صالح في صحيح مسلم، صرّح بالتحديث في أسانيد صحيحة، أخرج له مسلم والأربعة، أمّا أبو صالح فهو ذَكوان السّمَّان الزيّات المدني، قال الحافظ: "ثقة ثبت"، وروايته عن أبي هريرة في الصحيحين، أخرج له الجماعة، وأمّا أبو هريرة فهو الدوسي الصحابي الجليل اختلفوا في اسمه، أجمع أهل الحديث على أنّه أكثر الصحابة حديثاً، لذلك فمن طعن فيه فإنّما أراد الطعن في الإسلام، قال الإمام الشافعي والإمام البخاري: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره" من مناقبه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا له ولأمّه، قال: "اللهم حبّب عُبيدك هذا -يعني أبا هريرة- وأمّه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين" قال أبو هريرة: "فما خُلِق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلّا أحبني" أخرجه مسلم في صحيحه، أمّا رجال الإسناد الثاني: فيونس: هو يونس بن محمد بن مسلم البغدادي أبو محمد المؤدِّب: ثقة ثبت، أخرج له الجماعة، والليث: هو الليث بن سعد بن عبدالرحمن الفهمي أبو الحارث المصري الإمام المشهور، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور حافظ، رجال الإسناد الثالث: قتيبة: هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني، قال الحافظ: "ثقة ثبت"، أخرج له الجماعة، ثم قال شيخنا رحمه الله: "هذا حديث حسن" أي: لذاته، وإلّا فالحديث صحيح متواتر ولكنّ الشيخ رحمه الله اقتصر على ذات الحديث دون النظر إلى شواهده وهو عمل كثير من المحدثين، يعرف ذلك من مارس علم الحديث، وأمّا من اقتصر على دراسة كتب المصطلح ربّما أنكر هذا الفعل والله المستعان، تخريج الحديث: الحديث أخرجه الطبري في تهذيب الآثار وابن حبان في صحيحه وغيرهما عن محمد بن عجلان به وروي عن أبي هريرة من أوجه أخرى بزيادات فيه، توسع ابن عساكر في ذكرها في: "تاريخ دمشق" وله شواهد كثيرة ذكر بعضها شيخنا الوادعي في هذا الكتاب، وذكر مجموعة منها في: "الصحيح المسند من دلائل النبوة"، وكذا فعل ابن عساكر في: "تاريخ دمشق"، والطبري في: "تهذيب الآثار"، والألباني في: "الصحيحة" طيب، إلى هنا نكتفي بهذا القدر اليوم، والحمد لله ربّ العالمين.



مركز الخليج


آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 17:42
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-05-2017, 07:08   #3
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي


مركز الخليج


تفريغ الدرس الثالث:


الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:
فقبل أن نبدأ بدرس جديد أو بحديث جديد نعطي خلاصة بعد أن طلبنا من بعض الطلبة إعداد بحث حول محمد بن عجلان، وشارك في البحث أخونا خليل الراوي السوري وأخونا أبو زيد رياض عصنوني جزاهم الله خيراً، وشارك البعض أيضاً ببعض المشاركات، وأذكر لكم الآن الخلاصة التي أعتقدها وأدين الله بها في موضوع محمد بن عجلان، خلاصة القول في محمد بن عجلان عندي أنّه ثقة إلّا في حديثه عن نافع وسعيد المقبري فمضطرب، ولا يصحّ وصفه بالتدليس، هذا ما عندي في محمد بن عجلان، الحفاظ السابقون، أئمة هذا الشأن الوارد عنهم في ذلك توثيق محمد بن عجلان، ممن نصّ على توثيقه: يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي وأبو زرعة الرازي والدارقطني والنسائي وغيره، هؤلاء أئمة هذا الشأن، وقال يحيى بن سعيد القطان: "مضطرب في حديث نافع وحديث سعيد المقبري"، وما فعله الحافظ ابن حجر من جعل اضطرابه في أحاديث أبي هريرة هكذا على العموم خطأ، فلم أجد أحداً من الأئمة السابقين عمّم الحكم في أحاديث أبي هريرة كلّها، والصواب تقييد ذلك في أحاديث سعيد المقبري وهذا الوارد عنهم نصاً، وأنكر الإمام مالك على محمد بن عجلان بعض الأحاديث منها حديث الصورة وتعقبه الذهبي بأنّ ابن عجلان لم يتفرد به، وهذا لا يضرّ فالذي تبين من تعقّب الذهبي في هذا الحديث خاصة أنّ ابن عجلان لم يتفرد به، أي: توبع عليه، حتى لو فيه نكارة فلا يتحملها ابن عجلان، ثم لو كان منه هذا الوهم فلا أحد لا أوهام له ولكن نسبة الوهم عندما تكثر عندئذ تؤثر في حفظ الراوي، أمّا وجود أصل الوهم هذا موجود في حديث الثقات كلّهم، كلّ ثقة يهِمُ، لكن لما تكثر الأوهام عندئذ تؤثر في قوة حديثه وتنزل رتبته، فهذا الأمر غير قادح في محمد بن عجلان، وخصوصاً أنّ مالكاً رحمه الله قد ورد عنه توثيقه، ومما ذكروه أيضاً في تضعيفه أنّ البخاري ذكره في الضعفاء، لكنّ البخاري بين السبب، والسبب هو اضطرابه في حديث سعيد المقبري فلا إشكال، ونحن استثنينا أحاديثه عن سعيد المقبري من التوثيق، وذكروا أيضاً ما قاله الحاكم النيسابوري، قال: "قد تكلم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه" تكلموا في ماذا؟ في سوء حفظه، هذا جرح مفسَّر أم غير مفسر؟ جرح مفسر، لكن ليس كلّ جرح -وحتى لو كان مفسراً- يكون قادحاً، إذاً: الجرح المفسر مقدم على التعديل، هذا ليس على إطلاقه، نعم هو مقدم على التعديل لكن ليس دائماً، مثل هذا الموطن -الآن- الذي معنا، هذا جرح مفسر هل يُقدَّم على تعديل الأئمة السابق؟ لا، لماذا؟ لأنّ هؤلاء الذين ذكر عنهم الحاكم رحمهم الله، قال هم من أئمتهم المتأخرون، لكن من هم؟ هم مبهمون، ما أدرانا ما هي مرتبتهم في هذا الشأن، هذا الشأن لا يؤخذ من أي أحد، له أهله، حتى وإن كان الشخص عالماً ورعاً تقياً لكن لا يحسنه كلّ أحد، ثم ما أدرانا أنّ سوء حفظه هذا الذي ذكروه عنه حكمهم عليه بذلك كان بسبب رواياته عن سعيد المقبري واضطرابه فيها أو اضطرابه في أحاديث نافع، ما بُيِّنَ لنا هذا كلّه، فلا يُردّ تعديل أولئك الأئمة الجهابذة الكبار الذين هم أئمة هذا الشأن ونُقّاده بمثل هذا، الطعن بسوء حفظه من قِبَل مبهمين، الأئمة السابقون ما قالوا هذا وما وجدوا في أحاديثه ما يقتضي أن يصفوه بهذا الوصف، قالوا: هو ثقة، توثيق، فإذاً هؤلاء قد خالفهم من هو أعلم منهم وأحفظ في هذا الشأن مع كونهم مبهمين، كيف عرفنا أنّهم أعلم وأحفظ منهم وأولئك أصلاً هم غير معلومين لنا؟ الذين وثّقوه هم أعلم الناس في الجرح والتعديل وأحفظ الناس في هذا الباب، فلن يأتي من بعدهم من هو أحفظ منهم، والعلم كما هو معلوم في تناقص لا في تزايد، ولا يبعد عندي حقيقة أن يكون سبب كلامهم هذا في حفظه هو ما استثناه الأئمة، أي: اضطرابه في رواية سعيد المقبري وفي رواية نافع، الخلاصة: أنّ هذا النقد الذي ذُكر في الرّجل غير مقبول في غير سعيد المقبري ونافع، ما يستخلص من كلام الأئمة الحفاظ الأكابر -أئمة هذا الشأن- هو ما ذكرناه، أنّه ثقة إلّا في روايته عن سعيد المقبري وعن نافع، بقي عندنا أمر التدليس، رماه بعضهم بالتدليس، أول من عُرِف عنه أنّه رماه بالتدليس هو الطحاوي وأمّا الأئمة المتقدمون لم يرمه أحد منهم بذلك، طيب ما هو السبب الذي دفع الطحاوي ومن تبعه على رميه بالتدليس؟ ما السبب الذي دعاهم إلى رميه بالتدليس؟ السبب ما وقع في حديث: "المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف"، هذا الحديث رواه ابن عجلان، تارة يرويه عن الأعرج مباشرة وتارة يرويه بواسطة، فقالوا: هو قد سمع من الأعرج أساساً لكنّ هذا الحديث لم يسمعه من الأعرج، رواه بواسطة لكنّه دلَّسه فأسقط الواسطة وجعله عن الأعرج مباشرة، الحافظ ابن حجر ذكره في مراتب المدلسين، وضعه في المدلسين في الطبقة الثالثة وهي: طبقة الذين لا يُقبل حديثهم إلّا إذا صرّحوا بالتحديث ونسب وصفه بالتدليس لابن حبان، مع أنّك لو راجعت كلام ابن حبان فيه كلّه فيه توثيق، وثّقه صراحة في كتابه: "مشاهير علماء الأمصار"، ووضعه في كتاب: "الثقات"، ودافع حتى عن رواياته عن سعيد المقبري، وفي هذا الحديث حمله ابن حبّان على أنّ ابن عجلان سمعه من الرّجُلين، من الأعرج ومن الآخر، إذاً لم يعدَّه أصلاً تدليساً، هو محتمل أنّه قد سمعه من الأعرج وسمعه من الآخر وهو ربيعة، إذاً لم يعدّ هذا تدليساً نهائياً، وأمّا الدارقطني فعدّ هذا من اختلاف الرواة على ابن عجلان وليس هو من التدليس، إنّما وهم بعض الرواة فأسقط الواسطة والآخرون حفظوا فزادوها، هذا ما قرّره الدارقطني رحمه الله في: "العلل"، وهو نفسه الذي فعله الحافظ ابن حجر في فتح الباري، فعدّه من اختلاف الرواة لا من قبيل التدليس، والذين أدخلوه في كتب التدليس اعتمدوا على هذا فقد نصوا عليه، منهم العلائي في: "جامع التحصيل" وابن العراقي، فهذا ما تراه مما اعتمدوا عليه في رميه بالتدليس، فالظاهر والله أعلم أنّ الصواب أنّه غير مدلس، وعلى هذا الأئمة السابقون فقد وثّقوه ولم يصفه أحد منهم بالتدليس، وما اعتمد عليه العلائي والطحاوي وغيره من وصفه بالتدليس عدّه الدارقطني وغيره من باب اختلاف الرواة لا من التدليس، فالصحيح أنّه غير مدلِّس، يعني: وضعه في كتاب: "مراتب المدلسين" لابن حجر خطأ، وإن سلّمنا تسليماً جدلياً بأنّه مدلس فحقّه أن يكون في المرتبة الأولى أو المرتبة الثانية على أقل تقدير، الذين دلّسوا وكان تدليسهم قليلاً فلم يضرّ في رواياتهم، هذا خلاصة موضوع محمد بن عجلان.
الخلاصة عندنا: أنّه ثقة في غير روايته عن سعيد المقبري وعن نافع فقط، والظاهر أنّ شيخنا رحمه الله يذهب إلى أنّه صدوق في غير روايته عن سعيد وعن نافع لأنّه قال في هذا الحديث: هذا حديث حسن، حسّن إسناده، على كلٍّ: أنا هذا ما عندي، أنّ محمد بن عجلان ثقة إلّا في روايته عن سعيد المقبري وعن نافع.
ننتقل الآن إلى الحديث الرابع، نحاول أن ننتهي اليوم إن شاء الله من الباب الأول.
















قال المؤلف رحمه الله وغفر له ورفع درجته عنده: "قال أبو داود رحمه الله (ج7 ص162):" أبو داود السِّجستاني صاحب كتاب السنن، إمام حافظ توفي سنة 275 هـ، وكتابه السنن يعتبر مرجعاً في أحاديث الأحكام لا يفوقه كتاب في السنن غير سنن البيهقي الكبرى، قال: "حدثنا موسى بن إسماعيل" المنقري، أبو سلمة التبوذكي البصري، ثقة ثبت أخرج له الجماعة، وصرّح بالتحديث عن حمّاد بن سلمة في غير هذا الموطن وفيه أيضاً، صرّح بالتحديث عن حمّاد بن سلمة في هذا الموطن وفي غيره، فسماعه منه لا شكّ فيه، قال: "أخبرنا حمّاد" هذا تصريح منه بالسماع، وحمّاد هو ابن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، ابن أخت حميد الطويل، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت البُناني، وتغيّرَ حفظه بأخرة، أخرج له مسلم وأخرج له البخاري تعليقاً ولم يُخرج له في الأحاديث الموصولة، صرّح بالسماع من قتادة في أسانيد صحيحة، حمّاد بن سلمة هذا الكلام فيه كثير، نقرأ ترجمته من: "تهذيب التهذيب" حتى نعرف ما فيه، قال: "خت م4" يعني أخرج له البخاري تعليقاً، هذا معنى: "خت" وهذه الرموز مفسرة في بداية الكتاب، "م" أخرج له مسلم، "4" أخرج له أصحاب السنن الأربعة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، "حمّاد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة مولى تميم ويُقال مولى قريش وقيل غير ذلك، روى عن: ثابت البناني وقتادة وخاله حميد الطويل ...." إلى آخر ما ذكر من شيوخه، "وروى عنه: ابن جريج والثوري وشعبة وهم أكبر منه وابن المبارك وابن مهدي والقطان ... " إلى آخر من روى عنه، "قال أحمد: حمّاد بن سلمة أثبت في ثابت من معمر" هو أثبت الناس في ثابت، "أثبت في ثابت من مَعمَر وقال أيضاً في الحمّادين" المقصود بالحمادين: حمّاد بن سلمة وحمّاد بن زيد، حماد بن زيد بن درهم، بصري أيضاً أبو إسماعيل، ذاك ثقة حافظ، قال: "ما منهما إلّا ثقة" وهذا توثيق من الإمام أحمد لحمّاد بن سلمة، "وقال أبو طالب عنه حمّاد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد وأصحّ حديثاً" حميد الطويل، "وقال في موضع آخر هو أثبت الناس في حميد الطويل سمع منه قديماً يخالف الناس في حديثه" يعني: هو مقدم في حميد الطويل كما أنّه مقدم في ثابت، عند الاختلاف هذا ينفعك بارك الله فيك، "وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة" إذاً الإمام أحمد قال: ثقة ويحيى بن معين قال: ثقة، "وقال الدوري عن ابن معين من خالف حمّاد بن سلمة في ثابت فالقول قول حمّاد" لأنّه أثبت الناس في ثابت، هذه شهادة الإمام أحمد وشهادة يحيى بن معين، "وقال جعفر الطيالسي عنه من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف ومن سمع منه نُسَخاً فهو صحيح، وقال ابن المديني: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حمّاد بن سلمة" هذا علي بن المديني -حية الوادي-، "وقال الأصمعي عن عبد الرحمن بن مهدي: حمّاد بن سلمة صحيح السماع حسن اللقي، أدرك الناس لم يُتَّهَم بلون من الألوان ولم يلتبس بشيء، أحسن ملكة نفسه ولسانه ولم يطلقه على أحد فسلم حتى مات، وقال ابن المبارك: دخلت البصرة فما رأيت أحدا أشبه بمسالك الأُوَل من حمّاد بن سلمة، وقال أبو عمر الجرمي: ما رأيت فقيهاً أفصح من عبد الوارث وكان حمّاد بن سلمة أفصح منه، وقال شهاب بن المُعَمَّر البلخي: كان حمّاد بن سلمة يُعدّ من الأبدال، وعلامة الأبدال أن لا يُولد لهم، تزوج سبعين امرأة فلم يُولد له" أحاديث الأبدال كلّها ضعيفة لا تصحّ، "وقال عفّان: قد رأيت من هو أعبد من حمّاد بن سلمة ولكن ما رأيت أشدّ مواظبة على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حمّاد بن سلمة" هذا كلّه ثناء عليه في دينه رحمه الله، "وقال ابن مهدي: لو قيل لحمّاد بن سلمة إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً" من شدّة عبادته رحمه الله، "وقال ابن حبان: كان من العبّاد المجابين الدعوة في الأوقات ولم ينصف من جانب حديثه" يعني: من ترك حديثه ولم يحتج به، "واحتج في كتابه بأبي بكر بن عياش" يعني: لم ينصف من ترك حديث حمّاد بن سلمة واحتج بحديث أبي بكر بن عياش، "فإن كان تَركُهُ إياه لما كان يخطئ فغيره من أقرانه مثل الثوري وشعبة كانوا يخطئون فإن زعم أنّ خطأه قد كثر حتى تغير فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجوداً ولم يكن من أقران حمّاد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل والدين والنسك والعلم والكِتبة والجمع والصلابة في السّنة والقمع لأهل البدع" أنظر هذا عند السلف كان منقبة، منقبة عظيمة تُعرف لصاحبها، أن يكون صلباً في السّنة وأن يكون شديداً على أهل البدع، هذه منقبة له يُشهَد له بها، على أهل البدع وليس على أهل السّنة، فرق بين أن تكون شديداً على أهل البدع وأن تكون شديداً على إخوانك من أهل السّنة، فرقٌ بين هذا وهذا، الخلط حاصل عند البعض للأسف والله المستعان، الصلابة في السّنة أن تتمسك بها وأن تدعو إليها وأن تعلّمَها وتتعلمها وتعلِّمَها وأن تدافع عنها، هذه الصلابة في السّنة، والشّدة على أهل البدع أن يُعرَف الشخص ببدعة، ضلالة، وتشدّ عليه وتحذّر منه وتنبه الناس، هذه صلابة في السّنة، أي نعم، أمّا أن تفرّغ نفسك لأهل السّنة وتطعن على ذاك وتغمز في ذاك وليس لك إلّا هذا الشغل، لا والله هذه ما هي صلابة في السّنة هذا صاحب فتنة، هذا الفرق بارك الله فيكم، ينبغي أن تحذروا وأن تنتبهوا للفرق بين هذا وهذا، من جلس فقط للطعن في فلان -من أهل السّنة أتكلم، لا أتكلم عن أهل البدع- الطعن في أهل السّنة، في إخوانه من أهل السّنة وغمزهم وإثارة الفتن بين السلفيين ولا يُعرف عنه لا تعليم ولا تدريس ولا تعلُّم ولا شيء من هذا القبيل، هذا صاحب فتنة، صاحب السّنة يشغل نفسه بطاعة الله، يتعلم، يُعلّم، يدافع، يحذّر من أهل البدع، نعم، يحذّر من أهل البدع ويبيّن حالهم للناس، هذا شيء طيب، جميل، هذه صلابة في السّنة، لكن ما يشتغل في إخوانه من أهل السّنة ويجلس لهم ويشغلهم حتى عن دعوتهم وعن عملهم، أنا لا أقول لا تردّ الباطل ولا تبين الباطل، هذا خلط في الأمور، لا، ما هكذا الأمر، عندما ترى باطلاً نبِّه عليه وبيِّن إذا كان أخوك سنّيّاً فارفق به وبيِّن برفق، أي نعم، وانشر ذلك، هذا ليس خطأ، هذا طيب، لكن إثارة الفتن شيء آخر، "قال سليمان بن حرب وغيره: مات سنة: 167، زاد ابن حبان: في ذي الحجة، استشهد به البخاري وقيل أنّه روى له حديثاً واحداً عن أبي الوليد عن ثابت، قلت:" عادة الحافظ ابن حجر يذكر كلام المزّي أولاً ثم بعد ذلك يبدأ بذكر ما عنده هو زيادة، أو تعقُّب أو غير ذلك، "الحديث المذكور في مسند أبي بن كعب من رواية ثابت عن أنس عنه وقد ذكره المزّي في الأطراف ولفظه قال لنا أبو الوليد فذكره وقد عرّض ابن حبان بالبخاري" يعني: هنا الحافظ ابن حجر يقول: كلام ابن حبان السابق كان المقصود منه البخاري رحمه الله، "وقد عرّض ابن حبان بالبخاري لمجانبته حديث حمّاد بن سلمة حيث يقول: لم ينصف من عدل عن الاحتجاج به إلى الاحتجاج بفُلَيح وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، واعتذر أبو الفضل بن طاهر عن ذلك لمّا ذكر أنّ مسلماً أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم، قال: وكذلك حمّاد بن سلمة إمام كبير يمدحه الأئمة وأطنبوا لمّا تكلم بعض منتحلي المعرفة أنّ بعض الكذبة أدخل في حديثه ما ليس منه" هذه مما ذكروه في الطعن في حديث حمّاد بن سلمة، أنّ بعض الكذبة أدخلوا في حديثه ما ليس منه، قالوا: "لم يخرج عنه البخاري معتمداً عليه بل استشهد به في مواضع ليبين أنّه ثقة وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه كشعبة وحمّاد بن زيد وأبي عوانة وغيرهم، ومسلم اعتمد عليه لأنّه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا وشاهد مسلم منهم جماعة وأخذ عنهم ثم عدالة الرجل في نفسه وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته انتهى، وقال الحاكم لم يخرّج مسلم لحمّاد بن سلمة في الأصول إلّا من حديثه عن ثابت وقد خرّج له في الشواهد عن طائفة" هكذا قال البعض، لكن ردّ البيهقي هذا، "وقال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين إلّا أنّه لمّا كبر ساء حفظه فلذا تركه البخاري وأمّا مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثاً أخرجها في الشواهد"، هذا ماذكره البيهقي، إذن أخرج له في غير رواية ثابت لكن في الشواهد، أمّا في رواية ثابت فأخرج له في الأصول، "وقال عفّان: اختلف أصحابنا في سعيد بن أبي عَروبة وحمّاد بن سلمة فصرنا إلى خالد بن الحارث فسألناه فقال: حمّاد أحسنهما حديثا وأثبتهما لزوماً للسّنة فرجعنا إلى يحيى القطان فقال: أقال لكم وأحفظها، قلنا: لا" يعني: يغمز في هذا الجانب، أنّه من حيث الحفظ ليس أحفظ من سعيد، "وقال القطان: حمّاد عن زياد الأعلم وقيس بن سعد ليس بذاك، وقال عبد الله عن أبيه أو يحيى عن القطان: إن كان ما يروي حمّاد عن قيس بن سعد فهو كذا، قال عبد الله قلت لأبي: لأي شيء، قال: لأنّه روى عنه أحاديث رفعها، وقال أحمد بن حنبل: أثبتهم في ثابت حمّاد بن سلمة، وقال الدولابي: حدثنا محمد بن شجاع البلخي حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: كان حمّاد بن سلمة لا يُعرَف بهذه الأحاديث التي في الصّفات حتى خرج مرّة إلى عبادان فجاء وهو يرويها فسمعت عبّاد بن صهيب يقول: إنّ حمّاداً كان لا يحفظ وكانوا يقولون: أنّها دُسَّت في كتبه، وقد قيل: إنّ ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدسّ في كتبه قرأت بخط الذهبي ابن البلخي ليس بمصدَّق على حمّاد وأمثاله وقد اتُّهم، قلت: وعبّاد أيضاً ليس بشيء" يعني: الرواية كلّها هذه لا تصحّ، "وقد قال أبو داود: لم يكن لحمّاد بن سلمة كتاب غير كتاب قيس بن سعد، يعني: كان يحفظ علمه، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ضاع كتاب حمّاد عن قيس بن سعد وكان يحدثهم من حفظه وأورد له ابن عدي في الكامل عدّة أحاديث مما ينفرد به متناً أو إسناداً، وقال: وحمّاد من أجلّة المسلمين وهو مفتي البصرة وقد حدّث عنه من هو أكبر منه سناً وله أحاديث كثيرة وأصناف كثيرة ومشايخ وهو كما قال ابن المديني: من تكلم في حمّاد بن سلمة فاتهموه في الدين، وقال الساجي كان حافظاً ثقة مأموناً، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وربّما حدّث بالحديث المنكر، وقال العجلي: ثقة رجلٌ صالح حسن الحديث، وقال: إنّ عنده ألف حديث حسن ليس عند غيره" الحسن هنا لا تفهموه على المعنى الحسن الاصطلاحي، لا، الأحاديث الحسان أحياناً كثيرة يعنون بها الأحاديث الغرائب، وتارة يطلقون هذا على الحديث الغريب المنكر أيضاً، "وحكى أبو الوليد الباجي في رجال البخاري أنّ النسائي سُئل عنه فقال: ثقة، قال الحاكم بن مسعدة فكلمته فيه فقال: ومن يجترئ يتكلم فيه، لم يكن عند القطان هناك ثم جعل النسائي يذكر الأحاديث التي انفرد بها في الصفات كأنّه خاف أن يقول الناس تكلم في حمّاد من طريقها، وقال ابن المديني: أثبت أصحاب ثابت حماد ثم سليمان ثم حمّاد بن زيد وهي صحاح"، هذا ما ذُكِر في حمّاد بن سلمة، والذي يثبت من هذا الكلام أنّ الرّجل قد تغير حفظه في آخر وقته بخلاف حاله في السابق، والظاهر والله أعلم أنّ حديثه يُمشَّى ما لم يظهر فيه نكارة، والله أعلم، وأمّا في روايته عن ثابت فكما سمعتم: هو أثبت الناس في ثابت وكذلك في روايته عن حميد الطويل، طبعاً هو صرّح بالسماع من قتادة في أسانيد صحيحة، فسماعه من قتادة لا غبار عليه، عندنا بعد ذلك قال: "عن قتادة" قتادة هذا هو ابن دِعامة السّدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة حافظ ثبت، كان قدرياً، يرى القدر، وأهل الحديث يروون عن مثله ويجتنبون ما يرويه مما يشدّ البدعة التي وقع فيها، يعني: يقويها، فيتركونه، لكن إذا لم يكن الحديث متعلقاً بتلك البدعة فيمشُّونه، روايته عن مطرّف موجودة في صحيح مسلم، وصرّح بالسماع عنه هناك، قد سمع منه، أخرج له الجماعة، لكن قتادة مدلس وهو مشهور بالتدليس وهذا ثابت عنه، وصفه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل بذلك، وضعه الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة، يعني: ممن لا يُقبَل حديثه إلّا إذا صرح بالتحديث، ولكنّ الحاكم النيسابوري في: "معرفة علوم الحديث" ذكر أنّ قتادة لا يُدلس إلّا عمّن يُحتَجُّ به، بناءاً على ذلك حقّه أن يوضع في المرتبة الثانية لا في المرتبة الثالثة، يعني: ممن يُمَشَّى حديثه لأنّه لا يدلّس إلّا عن ثقة، كغيره ممن وضعهم الحافظ في المرتبة الثانية، وقال الشيخ الألباني رحمه الله: "عنعنة قتادة معتبرة لقلّتها بالنسبة لحفظه وكثرة حديثه، وقد أشار إلى ذلك الحافظ في ترجمته من مقدمة الفتح بقوله: "ربّما دلّس"" لاحظ كلمة: "ربّما دلّس" يريد أن يقلل نسبة التدليس في حديثه، قال الشيخ الألباني: "وكأنّه لذلك لم يذكره في التقريب بتدليس" في تقريب التهذيب لو ترجع إلى ترجمة قتادة، الحافظ ابن حجر قال: ثقة ثبت ولم يذكر أنّه مدلس، قال الشيخ الألباني رحمه الله: "وكأنه لذلك -يعني: لقلة تدليسه- لم يذكره في التقريب بتدليس وكذلك الذهبي في: "الكاشف"" وقال الشيخ الألباني أيضاً في موضع آخر -هذا الكلام الذي سقته في السابق في كتابه "النصيحة"، أمّا التتمة هذه في: "الصحيحة"- قال: "ولذلك مشّاه الشيخان واحتجّا به مطلقاً كما أفاده الذهبي" هذا هو الصحيح إن شاء الله، فتُمشَّى عنعنة قتادة إذا ثبت سماعه ممّن روى عنه، تُمشّى عنعنته إلّا إذا شعرنا بوجود نكارة في الحديث عندئذ نتوقف فيها، قال: "عن مطرّف": هذا مطرّف هو ابن عبدالله بن الشَّخَّير العامري، أبو عبدالله البصري، ثقة عابد فاضل، أخرج له الجماعة، وروايته عن عمران في الصحيحين، "عن عمران بن حصين" هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نُجَيد، أسلم عام خيبر وصحب النبي صلى الله عليه وسلم وكان فاضلاً، مات بالبصرة، أخرج له الجماعة، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحقّ" لا تزال باقية هذه الطائفة، وقد تقدّم شرح هذا الحديث، جماعة من أمّة محمد تبقى قائمة على الحقّ مع كثرة الباطل وكثرة أهله في أمّة محمد وفي غيرها، لكن هذه الجماعة تبقى متمسكة بالحقّ، تدافع عنه، ترفع رايته، تذب عنه، تقاتل كلّ من يحاول أن يبطل الحقّ أو أن يطمس الحقّ أو أن يغطي الحقّ، تقاتله، باللسان وبالبيان وبالسيف متى وجد لهذا مجال، المقاتلة تطلق على الدفع، فهم يدفعون الباطل ويدفعون أهله كما في الحديث، "ظاهرين على من ناوأهم" يعني: هم المنتصرون، الغلبة لهم والظهور لهم على كلّ من ناوأهم، يعني من عاداهم، فهم ظاهرون وهم متغلبون، بالكلمة وببيان الحقّ، لا يستطيع أهل الباطل أن يقفوا أمامهم أبداً، هم منصورون من عند الله سبحانه وتعالى، وقد فسّر السلف جميعاً هذا الحديث على أهل الحديث، وقالوا: هم أهل الحديث، هم الذين يتمسكون بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدافعون عن الكتاب وعن السّنة ويذبّون عن الحقّ ويردون على أهل الباطل باطلهم، قال: "حتى يُقاتل آخرهم المسيح الدجال" يبقون على ذلك حتى يظهر المسيح الدجال في الأخير ويردون عليه شبهاته ويبينون الحقّ ويقاتلونه بالسيف مع المهدي وعيسى عليه السلام، المسيح الدجال: من الدّجَل: وهو الكذب والتمويه وخلط الحقّ بالباطل، سمّي مسيحاً: قيل لأنّه ممسوح العين وقيل لأنّه يمسح الأرض ويقطعها، هو شخص يظهر آخر الزمان يدّعي الربوبية، أعور العين مكتوب بين عينيه كافر، معه جنّة ونار، فجنته نار وناره جنّة، وتكون له فتنة عظيمة حذّر منها الأنبياء جميعاً، تقاتله الطائفة المنصورة مع عيسى عليه السلام فيقتله عيسى بباب لدّ -مدينة في فلسطين-، هذا بعض ما وردت به الأحاديث النبوية عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، قال شيخنا رحمه الله: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم" رجاله هنا رجال مسلم جميعاً كما مرّ معنا، البخاري لم يخرّج لحمّاد بن سلمة منهم، قال: "الحديث رواه الإمام أحمد (ج4 ص429) فقال: ثنا بَهْزٌ، ثنا حمّاد بن سلمة، عن قتادة به" الحديث مداره على قتادة هنا معنا في هذا الإسناد الثاني، الجديد معنا في هذا الإسناد هو بهز، راويه عن حمّاد بن سلمة، بهز: هو بهز بن أسد العَمِّيّ، أبو الأسود البصري، ثقة ثبت حجّة، الإسنادان مدارهما على حمّاد بن سلمة، حمّاد بن سلمة يرويه عن قتادة في هذا الموطن، لكن قتادة نفسه متابَع، الحديث هذا أخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرّجه، وأخرجه الطبري في: "تهذيب الآثار" والطبراني والبزار وغيرهم عن قتادة به، مدار الحديث على قتادة، وتابع قتادة أبو العلاء بن الشخير وعبدالرحمن بن المورِّق، أخرجه أحمد والطبري في تهذيب الآثار والطبراني وغيره، وانظر الصحيحة للشيخ الألباني رحمه الله حديث (270) وحديث (1584) وحديث (1959)، الحديث صحيح لا غبار عليه، وشواهده كثيرة مرّ معنا بعضها، والبعض الآخر موجود في الصحيحين، ومهم جداً قبل أن ننتهي أن تعلموا أنّ التفريق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية هو تفريق مبتدَع، ابتدعه بعض أهل البدع لمّا رأوا أنّ أهل العلم هم أئمة الناس من أهل السّنة، أهل العلم من أهل السّنة هم أئمة الناس في هذا الزمن، ما استطاعوا أن يردّوا عليهم منهجهم وأرادوا أن يوهموا الناس أنّهم هم أهل الحقّ وأهل النّصرة وأهل القوّة والقتال جعلوا أهل الحقّ صنفين: فرقة ناجية وطائفة منصورة، لا يمكنهم أن يواجهوا الناس ويقولوا لهم مثل الشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمهم الله والألباني والوادعي هؤلاء أهل بدع أو ليسوا من الفرقة الناجية، قالوا: لا، هؤلاء من الفرقة الناجية، لأنّها كانت الساحة في ذاك الوقت تعظّم هذه الأسماء فقالوا: هؤلاء من الفرقة الناجية، لكن من أجل أن يلبسوا على الشباب ويخدعوهم قالوا لهم: نحن الطائفة المنصورة، لأننا نحن الذين ننادي بالجهاد ونحن الذين نقاتل، فجعلوا الفرقة الناجية شيء والطائفة المنصورة شيئاً آخر، وهذه بدعة جديدة ابتدعوها من أجل التلبيس والكذب والخداع والغش، وهذا حالهم من قديم، السلف على أنّ الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وأهل السّنة والجماعة كلّها مسميات لمعنى واحد، كلّها فرقة واحدة لا تختلف، والله أعلم.
نكتفي بهذا القدر وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلّا أنت نستغفرك ونتوب إليك.


مركز الخليج

آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 18:16
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2017, 21:37   #4
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي


مركز الخليج


تفريغ الدرس الرابع:


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
وصلنا عند الحديث الخامس وهو آخر أحاديث الباب: "قال الإمام الترمذي رحمه الله (ج9 ص 517): حدثنا ابن أبي عمر، أخبرنا سفيان، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن زِرٍّ بن حبيش، قال: أتيت صفوان بن عسّال المرادي أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاءَ العلم، فقال: إنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب ... " إلى آخر ما ذكر في هذا الحديث، نبدأ أولاً بالإسناد، الحديث يرويه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله والترمذي وغيرهما وسيأتي تخريجه إن شاء الله، الإسناد الذي ذكره المؤلف ذكر إسناد الترمذي، وكتاب الترمذي كما تقدّم معنا في كتب المصطلح بأنّه أحد الكتب الستة وهو من حيث الصّحة يأتي بعد الصحيحين وسنن النسائي وأبي داود ثم يأتي كتاب الترمذي، هذا ترتيبها من حيث الصّحة، وهو كتاب فيه أحاديث صحيحة وفيه أحاديث حسنة وأحاديث ضعيفة، وفيه أحاديث موضوعة أيضاً لكنّها قليلة، قال: "حدثنا ابن أبي عمر" هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، نُسِبَ إلى جدّه، أبو عبدالله الحافظ، نزيل مكّة، له مصنّف اسمه المسند، وهو صدوق، قال أبو حاتم الرازي: "فيه غفلة"، وهو من رجال مسلم، قال: "أخبرنا سفيان" هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكّي، ثقة حافظ فقيه إمامٌ حجةٌ، وهو فقيه أهل مكّة في زمنه وحافظ إلّا أنّه تغير حفظه بأخرة، وكان ربّما دلّس لكن عن الثقات، يدلّس لكن تدليسه عن الثقات، وهو أثبت الناس في عمرو بن دينار، من رجال الجماعة، أخرج له الجماعة، ومنهم البخاري ومسلم، وضعه الحافظ ابن حجر في المرتبة الثانية من مراتب الموصوفين بالتدليس وهي مرتبة من احتمل الأئمة تدليسهم لأنّهم لا يدلّسون إلّا عن ثقة أو لقلّة ما دلّسوا في مقابل ما رووا، والترمذي هنا يصرّح بالتحديث من ابن أبي عمر وابن أبي عمر يصرح بالسماع من سفيان، قال: "عن عاصم بن أبي النَّجود" هو عاصم بن بهدلة الكوفي، أبو بكر المقرئ، صاحب القراءة المعروف، قراءة عاصم، وهو حجّة في القراءة مشهور بإتقانها وأمّا في الحديث فقد اختلف العلماء فيه اختلافاً كثيراً بسبب شيء في حفظه، ولكنّ البزّار قال: "لم يكن بالحافظ، ولا نعلم أحداً ترك حديثه على ذلك" يعني: مع أنّه لم يكن بالحافظ إلّا أنّهم لم يتركوا حديثه، وهو مشهور، أخرج له الشيخان مقروناً بغيره، عندما نقول لك: أخرج له الشيخان مقروناً بغيره يعني أنّهما لم يخرجا له احتجاجاً إلّا إذا توبع، لكنّ الظاهر أنّ أمره كما لخّصه الحافظ ابن حجر رحمه الله، قال: "هو صدوق له أوهام"، وعاصم هذا يروي عن زر بن حبيش وقد أخذ عاصم عن زر القراءة وثبت عنه بأسانيد صحيحة أنّه أدركه وأخذ عنه، وزر هذا هو كما جاء في الحديث زر بن حبيش، أبو مريم الأسَدي الكوفي، ويُكنّى أبا مطرّف كذلك، له كنيتان، أدرك الجاهلية، إمام، قدوة، جليل، أدرك الجاهلية والإسلام فهو مخضرم، هؤلاء هم المخضرمون، الذين أدركوا زمنين: زمن الجاهلية وزمن الإسلام، يسمَّون مخضرمين، كان مقرئ الكوفة مع السُّلَمي، وفد إلى المدينة في خلافة عثمان ولقي صفوان بن عسّال وهو من كبار أصحاب عبدالله بن مسعود، وأمّا صفوان بن عسّال المرادي فصحابي، غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة غزوة، هذا الإسناد الأول، وأمّا في الإسناد الثاني الذي ذكره الشيخ أيضاً والذي هو من طريق الإمام أحمد، قال الشيخ بعد أن أخرج الحديث، قال: "هذا حديث حسن صحيح، قال أبو عبدالرحمن: هو حديث حسن" لماذا قال هو حديث حسن؟ لحال عاصم، الرواة الذين ذُكِروا غير عاصم ثقات لكنّ الإشكال في عاصم، نعم ابن أبي عمر أيضاً صدوق لكنّه متابَع، لكنّ الحديث تفرّد به عاصم، وعاصم صدوق له أوهام فيحسَّن حديثه، لذلك حسّن الحديث شيخنا رحمه الله، "قال أبو عبدالرحمن: هو حديث حسن" الترمذي قال: هذا حديث حسن صحيح، قد علمنا الخلاف بين أهل العلم في كلام الترمذي هذا، قال: "الحديث أخرج النسائي ما يتعلق بالمسح بالخفين" يعني: ما أخرجه كاملاً، أخرج جزءاً منه، "وابن ماجه ما يتعلق بالتوبة" أخرج جزءاً منه، "وقال الإمام أحمد رحمه الله (ج4 ص239): حدثنا عفّان حدثنا حمّاد بن سلمة أخبرنا عاصم بن بهدلة" الحديث مداره على عاصم، هنا سفيان قد توبع، تابعه حمّاد بن سلمة في هذه الرواية، أمّا عفّان فهو عفّان بن مسلم الصفّار البصري، ثقة ثبت، قال ابن المديني: "كان إذا شكَّ في حرفٍ من الحديث تركه"، أنظر الورع، هذا لا يقدر عليه أي أحد بسهولة، صعب على المحدّث هذا لكن ورعه كان يدفعه إلى هذا التصرف، قال: "وربّما وهم"، وقال ابن معين: "أنكرناه في صفر سنة 19 ومات بعدها بيسير" يعني: ما طالت المدة التي لاحظوا عليه التغيّر، أخرج له الجماعة، وهو مشهور بالرواية عن حمّاد بن سلمة، وأمّا حمّاد بن سلمة فقد تقدمت ترجمته، ثقة عابد تغير حفظه بأخرة وهو أثبت الناس في ثابت، ثم ذكر الحديثَ الشيخُ، ذكر الحديث مختصراً قال: "وقال: ص 240" في موضع آخر -الإمام أحمد- "حدثنا يونس، حدثنا حمّاد -يعني: ابن سلمة- عن عاصم، عن زرّ، عن صفوان بن عسّال، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما طلب" هذا حديث حسن" هذه الطريق هي متابعة لطريق عفّان التي سبقت عندنا، إذاً الإمام أحمد يرويه من طريق عفّان ومن طريق يونس كلاهما عن حمّاد بن سلمة، وحمّاد بن سلمة يتابع سفيان في رواية الترمذي، يوجد هنا بعد ذلك، موجود في الطبعات السابقة إسناد آخر وقد حذفه شيخنا رحمه الله من الطبعة الأخيرة هذه، وهو من طريق عبدالرزاق: وهو عبدالرزاق بن همَّام الصنعاني، صاحب المصنَّف، ثقة حافظ، عَمِيَ في آخر عمره فتغير وكان يتشيع، كيف دخل عليه التشيع -عبدالرزاق- وهو إمام حافظ كبير، ومع ذلك دخل عليه التشيع، من علماء أهل اليمن، كان المحدثون يشدون الرّحال إليه ليسمعوا منه، سأله يحيى بن معين فقال له متعجباً: شيوخك كلّهم من السّنة ومن أهل السّنة فمن أين دخل عليك هذا التشيع؟ لاحظ الإجابة، قال: "من جعفر بن سليمان الضُّبَعي، اغتررت بسمته وهديه" لاحظ أنت بماذا اغتر ولاحظ أثر مجالسة صاحب الشبهات، هذا عبدالرزاق، يعني: ماذا سيأتي أنت علمك أمام علمه؟ ومع ذلك وقعت الشبهة في قلبه عندما جالس صاحب شبهة، فهذا ينبغي أن يكون درساً لكلّ مغترٍّ بنفسه، إمّا غرّه علمه أو غرّه إيمانه، فذهب وجالس أهل البدع، هذا مصيره إلّا أن يشاء الله أمراً، حتى تعلموا خطورة مجالسة أهل الأهواء وأصحاب الشبهات، ومن نصحك بمجالستهم فقد غشّك، لا والله ما هو بناصح بل هو غاشٌّ خائن مخادع أيّاً كان، لكنّ التشيّع هذا الذي كان عليه عبدالرزاق ليس هو التشيع الموجود اليوم، تشيع الرافضة الشركي، الشيعة الأُوَل لم يكن فيهم غلو الرافضة الموجود اليوم، ابن تيمية رحمه الله يقول: "وَلَمْ تَكُنْ الشِّيعَةُ الَّتِي كَانَتْ مَعَ عَلِيٍّ يَظْهَرُ مِنْهَا تَنَقُّصٌ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَلَا فِيهَا مَنْ يُقَدِّمُ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَلَا كَانَ سَبُّ عُثْمَانَ شَائِعًا فِيهَا وَإِنَّمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ بَعْضُهُمْ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ آخَرُ، وَكَذَلِكَ تَفْضِيلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ -على عثمان يعني- لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فِيهَا" كان النزاع في تفضيل علي على عثمان وهذا كان مشهوراً عند الكوفيّين، فأنت عندما تسمع التشيع عن هؤلاء لا تظن أنّه غلو الرافضة وعبادة الرافضة لآل البيت، لا، يختلف الأمر، عبدالرزاق هذا أخرج له الجماعة، عبدالرزاق يرويه عن مَعْمَر، هو معمر بن راشد أبو عروة البصري، ثقة ثبت فاضل إلّا أنّ في روايته عن ثابت والأعمش وعاصم بن أبي النَّجود وهشام بن عروة شيئاً، نصّص العلماء على هؤلاء، لاحظ، ثابت والأعمش وعاصم وهشام بن عروة، هنا روايتنا عن من؟ عن عاصم، قالوا: وكذا فيما حدّث به بالبصرة، أيضاً فيه شيء، أخرج له الجماعة، ابن معين قال: "وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطربٌ كثير الأوهام"، والله أعلم لهذا السبب أخرج شيخنا رحمه الله هذا الإسناد من هذا الكتاب وأودعه في أحاديث معلَّة ظاهرها الصحة، لهذه العلّة، من هذا نعلم أنّ شيخنا رحمه الله حتى في المتابعات التي يذكرها لا يقبل أن تكون مُعلَّة كي يضعها في هذا الكتاب إلّا أن تكون صحيحة، وسننظر إن شاء الله في بقية الأحاديث التي ستأتي معنا، نسينا أن نترجم ليونس، يونس هو يونس بن محمد بن مسلم البغدادي، أبو محمد المؤدِّب، وهذا ثقة ثبت أخرج له الجماعة، طيب، خلاصة الأمر: الحديث مداره على من؟ على عاصم بن بهدلة، وهو مشهور عنه، رواه عنه جمع من الحفّاظ والرواة، تفرّد به عاصم، له متابعات على بعض فقراته في: "التاريخ الكبير" للبخاري و "المعجم الأوسط" للطبراني ومعجم ابن الأعرابي وغيرها ولكنّها متابعات منكرة، أنت لاحظ الكتب: "التاريخ الكبير" و "المعجم الأوسط" هذه تذكر المنكرات غالباً، الحديث صحّحه جمعٌ من أهل الحديث منهم الترمذي وابن خزيمة وابن حبان، وقال الترمذي في: "العلل الكبير": "وسألت محمداً -يعني البخاري- فقلت: أي الحديث عندك أصح في التوقيت في المسح على الخفين" هذا تجده عند الحفاظ كثيراً يعني مثلاً يقول لك: الحديث في التشهد: أصحّ حديث ورد في التشهد حديث ابن مسعود، أصحّ حديث ورد في الصلاة الإبراهيمية حديث كعب بن عجرة، أصحّ حديث في المسح على الخفين حديث كذا، أصح حديث في .....، هذا تجده عند المحدّثين، انظر هنا يسأله، الترمذي يسأل شيخه البخاري: "أي الحديث عندك أصحّ في التوقيت في المسح على الخفين؟ قال: حديث صفوان بن عسّال وحديث أبي بكرة حسن" أصحّ حديث عند الإمام البخاري في التوقيت في المسح على الخفين حديث صفوان، هو هذا الحديث الذي معنا، وقال العقيلي في: "الضعفاء" الكبير": "وفي فضل الخروج في طلب العلم أحاديث أسانيدها مختلفة بعضها أصلح من بعض فيها أحاديث جيدة الإسناد عن صفوان بن عسّال وأبي الدرداء وغيرها"، أنت ترى إذاً أنّ المحدثين يصححون مثل هذا الحديث، فالحديث صحيح، وعاصم يمشَّى حديثه ويُصحَّح، أو على قول من يفرّق بين التصحيح والتحسين: يُحسَّن ما لم يكن في حديثه نكارة، هذا ما يتعلق بإسناد الحديث وتخريجه وصحته من ضعفه.
نأتي الآن إلى المتن ومحلّ الشاهد منه، "قال زرّ بن حبيش: "أتيت صفوان بن عسّال المرادي أسأله عن المسح على الخفين" أخرج ابن سعد في الطبقات والطبراني في الكبير عن زر بن حبيش أنّه قال: "وفدت إلى المدينة في خلافة عثمان وإنّما حملني على ذلك الحرص على لُقيّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" أنظر طريقة السلف رضي الله عنهم، طلبة العلم يسافرون إلى المدن كي يحرصوا على ملاقاة أهل العلم، يسافرون من مدينة إلى المدينة مع ما في سفرهم من مشقة وتعب، السفر ليس كسفرنا اليوم، سفرهم كان شاقاً وصعباً لكن مع ذلك كانوا يتحملون المشاق والصعاب من أجل أن يلقوا العلماء ويأخذوا عنهم ويتعلموا منهم الأخلاق، يتعلموا منهم الأدب، يتعلموا منهم العلم، هذا مهم -بارك الله فيكم- لطالب العلم أن يُجالس أهل العلم وأن يستفيد من سمتهم، من هديهم، طريقة كلامهم، تربية، العالم مدرسة كاملة، يفيدك في كلّ شيء، قال: "فلقيت صفوان بن عسّال فقلت له: هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، وغزوت معه اثنتي عشرة غزوة" والمراد من السؤال عن المسح على الخفين السؤال عن مشروعيته بعد الغائط والبول، هل يُشرَع أم لا يشرع؟ هذا الأمر الآن عندكم من المقررات، لا إشكال فيه، لكن هذا العلم جاءنا وصار من المقررات بفضل الله أولاً ثم بفضل تعب هؤلاء وجهدهم فحُقَّ لهم أن ندعو لهم وأن نستغفر لهم، فلولا الله أولاً ثم هؤلاء القوم لما بلغكم هذا العلم، انظروا إلى فضلهم عليكم، فهذا فيه فائدة الرجوع إلى العلماء في العلم عند ورود الشُّبه على القلوب ولو أدى ذلك إلى شدّ الرحال إليهم في التعلم، قال: "أتيت صفوان بن عسّال المرادي أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زرّ؟" يسأله، "فقلت: ابتغاءَ العلم" الله أكبر! جئت أريد العلم، ما أعظم هذه الرحلة! يبحث عن ميراث الأنبياء، فالأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً إنّما ورّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، أخذ بنعيم، وإذا وفقه الله للعمل بذلك أو وفقه الله إلى نشره فقد فاز هذا الرجل بخيري الدنيا والآخرة، واللهِ خير ما تُبذَل فيه الأوقات والأموال والجهود هذا العلم، هذا العلم الشريف، علم الكتاب والسّنة، تعلُّمُه ونشره بين الناس أعظم أنواع الجهاد اليوم لأنّ الناس بحاجة إلى هذا بكثرة، بشدة، حتى وإن لم يظهروا لك أنّهم بحاجة، حتى وإن نفر الكثير من الناس عن دين الله وعن تعلُّمِه، الناس يبقون بحاجة إلى هذا، تدخل اليوم إلى قرى بل والله إلى مدن لا تجد فيها عالم سنّة، انظروا إلى البلاء، وكما قال أحد العلماء الأجلّاء، قال: "مدينة لا عالم فيها لا يحلّ سكناها" لماذا؟ لأنّك إذا احتجت إلى أمر دينك ومعرفة أمر دينك من أين ستأتي به؟ ولماذا خُلِقت أنت؟ خلقت لعبادة الله، لطاعة الله، كيف تعبده؟ بلا علم، لا يصلح، هذه منزلة العلم وهذه منزلة العلماء، يحفظون على الناس دينهم، وينصحون لهم ويرشدونهم إلى ما فيه خير لهم في الدنيا وفي الآخرة، لذلك رفعهم الله تبارك وتعالى درجات وكان لهم من الفضائل ما لم يكن لأحد من الخلق بعد الأنبياء، قال: "ابتغاء العلم، فقال:" يعني صفوان: "إنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب" الله أكبر! أول ما بدأ معه بالحديث بشّره بشارة، خرجت لطلب العلم فخذ هذه البشارة، ما هي؟ "إنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب" قال البغوي رحمه الله في: "شرح السّنة": "قِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّهَا تَتَوَاضَعُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ تَوْقِيرًا لِعِلْمِهِ، كَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى: "واخفض لهما جناح الذل من الرّحمة"، وَقَالَ اللَّهُ عزّ وجلّ: "واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين" أَيْ: تَوَاضَعْ لَهُمْ، وَقِيلَ: وَضْعِ الْجَنَاحِ: هُوَ الْكَفُّ عَنِ الطَّيَرَانِ، وَالنُّزُولُ لِلذِّكْرِ، كَمَا ذَكَرَه فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ: "إِلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَحَفَّتْهمُ الْمَلائِكَةُ"، وَكَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمَلائِكَةَ يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ الذِّكْرَ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلمُوا إِلَى حَاجَتِكُمْ"، قَالَ: "فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا" -هذا المعنى الثاني، المعنى الثالث الذي قيل في هذه الجملة- وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: بَسْطُ الْجَنَاحِ، وَفَرْشُهَما لِطَالِبِ الْعِلْمِ لِتَحْمِلَهُ عَلَيْهَا، فَيبلغَهُ حَيْثُ يَقْصِدُهُ مِنَ الْبِلادِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: الْمَعُونَةُ، وَتَيْسِيرُ السَّعْيِ لَهُ فِي طَلَبِهِ"، وبعضهم قال: "تضع أجنحتها وتدعو لطالب العلم"، هذه أقوال، وكلّ هذه الأقوال تدلّ على فضيلة هذا العمل، إذ في الحديث: "رضاً بما يطلب"، والمراد بطالب العلم طالب العلم الشرعي للعمل به وتعليمه لمن لا يعلمه ويكون لوجه الله تبارك وتعالى، فإذا كان على هذه الصفة كان ممدوحاً ودخل صاحبه في الفضيلة، "فقلت:" الآن هذه الفقرة التي هي محلّ الشاهد ترون أنّها ماذا؟ موقوفة من كلام صفوان بن عسّال المرادي، ما فيه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إنّ الملائكة لتضع ..." إلى آخره، لذلك شيخنا رحمه الله ذكر رواية الإمام أحمد، قال: "غدوت على صفوان بن عسّال المرادي أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك؟ قلت: ابتغاء العلم، قال: ألا أبشرك؟ -بشارة- ورفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" إذاً الحديث مرفوع من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكره، وفي الرواية الأخرى رواية يونس أيضاً جاء مرفوعاً أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، حتى ولو لم يُصرَّح برفعه فله حكم الرفع لأنّه ما أدراه صفوان بوضع الأجنحة من الملائكة؟ هذا أمر غيبي، وصفوان لا يُعرَف عنه أنّه يحدث عن الإسرائيليات، وهذا محلّ الشاهد، قال: "فقلت إنّه حكّ في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول" حكّ في صدري: أي لم ينشرح صدري له، قال ابن الأثير في النهاية: "يُقال حكّ الشيء في نفسي إذا لم تكن منشرح الصدر به وكان في قلبك منه شيء من الشكّ والريب وأوهمك أنّه ذنب وخطيئة" هذا معنى حكّ في صدري من ذلك، يعني تشكَّكَ في هذا الأمر هل هو مشروع أم ليس بمشروع، "وكنت امرءاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" أي: لذلك اخترتك وجئت أسألك أنت بالذات لأنّك من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فغالب على ظنّي أنّ عندك من ذلك علم، فجاء يطلب العلم، "فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً" أنظر ماذا يطلب؟ يطلب علم بأدلة، لا يريد رأياً، لا يريد اجتهاداً محضاً خالياً عن الدليل، يريد دليلاً، هكذا يكون العلم كلّه، ديننا مبني على العلم في جميع جوانبه، في الفقه، في العقيدة، في الجرح والتعديل، في كلّ شيء، الدليل هو القاضي، هو الحاكم على أيّ مسألة، فهو ضالّتك التي تبحث عنها يا طالب العلم، الناس بَشَر، كلّهم مهما كبروا ومهما صغروا هم بَشَر، يخطئون ويصيبون إلّا من عصم اللهُ كالأنبياء، فلا تتعصب لأحد، اطلب الدليل وتعلَّم كي تعرفه، لاحظ هنا ماذا يقول؟ أنظر الآن أول شيء فعله؟ إلى من جاء؟ جاء إلى عالم، لم يأتِ إلى جاهل، ورحل إليه رحلة ثم سأله عن الدليل قال: "فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً" أي: النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "نعم" فوجد عنده علماً والحمد لله، "كان يأمرنا إذا كنا سَفْراً أو مسافرين" سفْراً بسكون الفاء جمع سافر، كصحب جمع صاحب، أي: إذا كنا مسافرين، "ألّا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن" هنا جاء التوقيت في المسح على الخفين، "ألّا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلّا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم" الخفاف: جمع خف، وهو ما يُلبَس في الرِّجل من جلدٍ رقيق، أي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا لبسنا خفافنا على طهر ونحن مسافرون ألّا نخلع خفافنا إذا أصبحنا للوضوء بسبب قضاء حاجة أو نوم لمدة ثلاثة أيام ولياليهن، وأمّا إذا احتجنا للغسل من الجنابة فأمَرَنا بخلع الخفاف، "ألّا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلّا من جنابة" يعني: إذا أصابتنا جنابة عندئذ نخلع الخفاف ونغتسل، أمّا إذا لم تصبنا جنابة وانتقض وضوؤنا إمّا بسبب الغائط أو البول أو النوم فلا ننزع خفافنا ونتوضأ ونمسح على الخفين لمدة ثلاثة أيام بلياليهن، هذا للمسافر، أمّا المقيم فيوم وليلة، 24 ساعة، قال الصنعاني رحمه الله: "وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَوْقِيتِ إبَاحَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْوُضُوءِ دُونَ الْغُسْلِ" يعني: يجوز لك أن تمسح على الخفين إذا أردت الوضوء، أمّا إذا أردت الغسل فلا، قال: "وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ"، مسألة المسح على الخفين متفق عليها من الوضوء لا من الغسل، قال: "وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: "يَأْمُرُنَا" لِلْوُجُوبِ، وَلَكِنَّ الْإِجْمَاعَ صَرَفَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ فَبَقِيَ لِلْإِبَاحَةِ وَلِلنَّدْبِ" يعني: هل يجب عليك إذا كنت قد لبست الخفين على طهارة وتوضأت ثم انتقض وضوؤك وأردت أن تتوضأ هل يجب عليك أن تمسح على الخفين أم يجوز خلعهما؟ يجوز خلعهما بالاتفاق وغسل القدمين، يعني: لا يجب عليك أن تمسح على الخفين، ثم صارت مسألة المسح على الخفين شعاراً لأهل السّنة لأنّ الرافضة ينازعونهم في ذلك، قال: "فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئاً؟" الهوى: هو الحب، الآن يريد أن يستغل الموقف -زرّ بن حبيش- سأل عمّا يريد لكن فرصة، عالم موجود ويسمع له ومزاجه طيب لكي يعطي علماً وبعض المسائل لن تشقَّ عليه، هذا كلّه من أدب السؤال، إذا كان العالم متفرغاً لك ورأيت منه نشاطاً أن يعطيك وليس على عجل ولا مزاجه معكر لأيّ سبب من الأسباب ففرصة اغتنمها، لكن لا تشقّ عليه، لا تكثر من الأسئلة، سؤال خلف سؤال خلف سؤال خلف سؤال، ثم اطلب العلم وتعلَّم حتى تخفف من الأسئلة، الآن الأسئلة التي تأتينا بحر، بحر حقيقة لا ساحل له، لماذا؟ الكثير منها ناتج عن الجهل، عدم التعلم، للأسف حتى الشباب المستقيم عندما يستقيم يعرض عن العلم ويبقى مشغولاً بأمور الدنيا، لذلك تجده يصبّ عليك الأسئلة صبّاً، لو أنّه طلب العلم وطلب أساساته لخفّف كثيراً لأنّه يتعلم أشياء كثيرة، فلا يحتاج أن يسأل عنها، نعم، العلماء قليل، المشايخ الذين يستطيعون الإفتاء قليل لكن ليس هذا السبب الوحيد، أعظم سبب لكثرة الأسئلة هو جهل الناس الشديد، أمور تكون من المسلَّمات ينبغي أن يكون المسلم يعلمها تأتيك أسئلة فيها، لماذا؟ تقصير شديد في طلب العلم، اطلب أساسات العلم يا أخي، جاهد نفسك قليلاً، حتى لو أنّك تضع شريطاً في العلم في تعلم الطهارة والصلاة والأمور هذه وأنت ذاهب إلى العمل وأنت راجع من العمل، يحصل خير كثير، ما نجد من الشباب إلّا أنّهم مقبلون على الوُعّاظ، على القُصَّاص، لماذا؟ لماذا لا تضع لك شريطاً لعالم من العلماء يعلم الطهارة ويعلم الصلاة يعلم العقيدة حتى لا تحتاج إلى الإكثار من السؤال، آداب لطالب العلم ينبغي أن يحرص عليها عند سؤاله التي ذكرناها هذه، انظروا إلى زر الآن وتعلّموا من هذه الآداب، تعلّموا من أدب جبريل عليه السلام عندما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، هذه الأحاديث هي التي تعلّمنا هذه الآداب، جاء زر هنا يسأل سؤالاً حول المسح على الخفين لكن لمّا رأى من صفوان أنّه يعطي علماً وأنّه نشطٌ لذلك -في بشارته في بداية الحديث إشارة إلى ذلك- أكملَ كي يستفيد من وقته، فجاء السؤال الثاني: "هل سمعته يذكر في الهوى شيئاً؟" ما هو الهوى؟ الهوى: هو الحب، قال أبو بكر بن الأنباري في: "الزاهر": "قال اللغويون: الهوى: محبّة الإنسان الشيء، وغلبته على قلبه. قال الله عزّ وجلّ: "ونهى النفس عن الهوى"، معناها: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله عزّ وجلّ"، "قال : نعم، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جَهوَريّ" بتقديم الهاء على الواو، ليس جوهري، جهوري، قال ابن الأثير: "أي شديدٌ عالٍ، والواو زائدة" "بصوت له جهوري: يا محمد -ينادي- فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً من صوته: هاؤم" بمعنى: تعال، "هاؤم اقرءوا كتابيه" يعني: خذوا اقرؤوا كتابيه، يعني: تأتي بمعنى تعال، وبمعنى: خذ، قال الخطّابي: "يشبه أن يكون رفع النبي صلى الله عليه وسلم صوته في جواب الأعرابي، وقوله: هاؤم يمد به صوته من ناحية الشفقة عليه لئلا يحبط عمله من الوعيد في قوله: "لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي" فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم لجهله" هذا حال الأعراب الذين كانوا يأتون من بعيد، بخلاف خاصة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكان عندهم أدب رباني قد علمهم الله سبحانه وتعالى إيّاه، وهذا الرجل ما زال عنده جهل، "ورفع صوته حتى كان فوق صوته أو مثله" يعني النبي صلى الله عليه وسلم، احتاج في مثل هذا الموطن أن يرفع صوته كي لا يكون صوت الأعرابي أعلى من صوت النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل في النهي فيُحبَط عمله، وهذا من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وشفقته على أمته، "فقلنا له: اغضض من صوتك فإنّك عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد نهيت عن هذا" الغض من الصوت: يعني: خفضه، وقوله: "قد نهيت عن هذا" إشارة إلى قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط اعمالكم وأنتم لا تشعرون" فقال: "والله لا أغضض" ما سمع الكلام، "قال الأعرابي: المرء يحبّ القوم ولمّا يلحق بهم" سأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤاله، هو يحبّ القوم ولمّا يلحق بهم، يعني في العمل والمنزلة، يعني نحن نحبّ النبي صلى الله عليه وسلم لكن مهما عملنا لا نستطيع أن نصل إليه، نحب أبا بكر وعمر وعثمان وعلي لكن لا نستطيع أن نصل إلى أعمالهم وإلى منزلتهم، فقال: "المرء يحبّ القوم ولمّا يلحق بهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحبّ يوم القيامة"، لمّا كان المحبّ للصالحين إنّما أحبّهم من أجل طاعتهم لله وكانت المحبّة عملاً من أعمال القلوب واعتقاداً لها أثاب الله معتقد ذلك ثواب الصالحين إذ النية هي الأصل والعمل تابع لها والله يؤتي فضله من يشاء، يحبّ القوم محبّة قلبية ويعمل لكن عمله لا يصل إلى أعمالهم إذ لا بد من العمل، المحبّة وحدها هكذا لا تنفع، لكن عمله لا يستطيع أن يصل به إلى عمل أولئك الأئمة الأكابر، "قال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحبّ يوم القيامة" أي: أنّك تحشر معهم، فهم من أهل الجنّة أنت تكون معهم في الجنّة ولا يلزم من ذلك أن تكون منزلتك -درجتك- في الجنّة نفس الدرجة، فالناس تتفاوت في الجنّة في درجاتها بأعمالها، أعمالها القلبية وأعمالها بأركانها، "فما زال يحدثنا" هذا قول زرّ بن حبيش، "فما زال يحدثنا -يعني صفوان- حتى ذكر باباً من قِبَل المغرب مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاماً، قال سفيان: قِبَل الشام، خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً يعني للتوبة لا يُغلَق حتى تطلع الشمس منه" من قِبَل المغرب، يعني: من جانبه، "مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه": هو شكٌّ من الراوي، "أربعين أو سبعين عاماً": شكّ من الراوي أيضاً، وفي رواية أخرى: "سبعين" دون شك، فهذا يدلّ على سعة باب التوبة وعِظَم رحمة الله بخلقه، "قال سفيان" هو ابن عيينة، "قِبَل الشام" أي: من جانب الشام، وهي فلسطين والأردن وسوريا ولبنان اليوم، وقد فصّلناها في أول حديث، "خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً" يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً يعني التوبة، "لا يُغلَق حتى تطلع الشمس منه" أي: من المغرب، معناه أنّ باب التوبة مفتوح على الناس وهم في فسحة منها، في سعة، تتوب في أي لحظة يُقبَل منك ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت انسد عليهم فلم يقبل منهم إيمان ولا توبة لأنّهم إذا عاينوا ذلك اضطروا إلى الإيمان والتوبة، خلاص، انتهى الأمر، ما عندهم إلّا هذا، هو السبيل الوحيد للنجاة، فلا ينفعهم ذلك كما لا ينفع المحتضَر الذي حضره الموت إذا وصل إلى درجة الغرغرة لا يقبل منه توبة، فلمّا رأى أنّ سدّ الباب من قِبَل المغرب، جعل فتح الباب أيضاً من ذلك الجانب، الشاهد من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب"، قال ابن القيم رحمه الله في: "مفتاح دار السعادة": "وَوضع الْمَلَائِكَة أجنحتها لَهُ تواضعاً لَهُ وتوقيراً وإكراماً لما يحملهُ من مِيرَاث النُّبُوَّة ويطلبه، وَهُوَ يدلّ على الْمحبَّة والتعظيم، فَمن محبَّة الْمَلَائِكَة لَهُ وتعظيمه تضع أجنحتها لَهُ لِأَنَّهُ طَالب لما بِهِ حَيَاة الْعَالَم ونجاته فَفِيهِ شبه من الْمَلَائِكَة وَبَينه وَبينهمْ تناسب فإنّ الْمَلَائِكَة أنصح خلق الله وأنفعهم لبني آدم وعَلى أيديهم حصل لَهُم كلّ سَعَادَة وَعلم وَهدى وَمن نفعهم لبني آدم ونصحهم أنّهم يَسْتَغْفِرُونَ لمسيئهم ويثنون على مؤمنيهم ويعينونهم على أعدائهم من الشيطان ويحرصون على مصَالح العَبْد أضعاف حرصه على مصلحَة نَفسه" إلى أن قال: "فَأَيُّ نصح للعباد مثل هَذَا إلّا نصح الأنبياء فَإِذا طلب العَبْد الْعلم فقد سعى فِي أعظم مَا ينصح بِهِ عباد الله فَلذَلِك تحبّه الْمَلَائِكَة وتعظمه حَتَّى تضع أجنحتها لَهُ رضَاً ومحبّة وتعظيماً، قَالَ أبو حَاتِم الرَّازِيّ: سَمِعت ابْن أبي أويس يَقُول سَمِعت مَالك بن أنس يَقُول معنى قَول رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تضع أجنحتها يَعْنِي تبسطها بِالدُّعَاءِ لطَالب الْعلم بَدَلاً من الأيدي، وَفِي السّنَن وَالْمَسَانِيد من حَدِيث صَفْوَان بْن عَسَّال قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِنِّي جِئْت أطلب الْعلم، قَالَ: مرْحَبًا بطالب الْعلم، إِنّ طَالب الْعلم لتحفّ بِهِ الْمَلَائِكَة وتظله بأجنحتها فيركب بَعضهم بَعْضًا حَتَّى تبلغ السَّمَاء الدنيا من حبّهم لما يطْلب وَذكر حَدِيث الْمسْح على الْخُفَّيْنِ" هذه فضيلة عظيمة ومقام رفيع لمن أخلص لله في طلب العلم وكلّل ذلك بالعمل، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أولئك القوم وأن يمنّ ويتفضل علينا بفضله تبارك وتعالى.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلّا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

مركز الخليج


آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 23-05-2017 الساعة 18:22
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-05-2017, 21:41   #5
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي


مركز الخليج

تفريغ الدرس الخامس

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:
فنبدأ اليوم بإذن الله تعالى بالباب الثاني، قال المؤلف رحمه الله: "فضل الفقه في الدين: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا رَوحٌ حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنّه سمع جابر بن عبدالله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خيار الناس في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقِهوا"، وقال رحمه الله: حدثنا أبو أحمد حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"".
قال شيخنا الوادعي رحمه الله وغفر له: "فضل الفقه في الدين" أي: مَزِيَّتُه، ما يناله من فَقُه في الدين من رفعة وقدر، والفقه في الدين فهمه، أي: العلم بالشريعة كاملة فيدخل في ذلك علم العقيدة والفقه والتفسير وغير ذلك من علوم الشريعة مع العمل به فلا تُنال فضيلته إلّا بالعمل، فالعلم الذي لا عمل معه لا فائدة منه، ولا يَنال فضيلته إلّا العالم العامل به، فيذكر في هذا الباب أحاديث تدلّ على فضيلة من تفقه في الدين، بدأ بالحديث الأول وهو حديث جابر بن عبدالله، أخرجه الإمام أحمد في مسنده، قال: "حدثنا رَوْحٌ" هو روح بن عبادة بن العلاء القيسي، أبو محمد البصري، ثقة فاضل أخرج له الشيخان والجماعة، صرّح الإمام أحمد بالسماع منه وصرّح هو بالسماع من ابن جريج وروايته عنه في الصحيحين، قال: "حدثنا ابن جريج" هو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج الأموي المكي، ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل، يدلس: يعني يروي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، ويرسل: يروي عن أناس لم يسمع منهم، تكلَّمَ في روايته عن بعض المحدثين، بعضُ أهل العلم من علماء الجرح والتعديل طعنوا في روايته عن بعض شيوخه ليس منهم أبو الزبير، الذي يروي عنه هاهنا، إذاً فموضوعهم الآن لا يهمنا، وكما ذكرنا كان فقيهاً وله زلَّةٌ عُرِف بها، كان يرى نكاح المتعة الذي هو اليوم شعار على الرافضة، لم يكن رافضياً، كان سنياً، لكن هذه كانت منه زلّة رحمه الله، قال الإمام الشافعي: "استمتع بسبعين امرأة" رحمه الله وغفر له، قال: "أخبرني أبو الزبير" قد أمِنَّا من تدليسه فقد صرّح بالسماع، ابن جريج أخرج له الجماعة، قيل إنّ البخاري أخرج له مقروناً، صرّح بالتحديث هنا من أبي الزبير فأَمِنَّا من تدليسه وعلمنا أنّه قد سمع من أبي الزبير وهو مشهور بالرواية عنه، أبو الزبير هذا هو محمد بن مسلم بن تَدرُس، أبو الزبير المكِّيّ، صدوق إلّا أنّه يدلس أيضاً، ورواية الليث بن سعد عنه عن جابر محمولة على السماع، طبعاً هذا الكلام لا علاقة له الآن بهذا الإسناد، نتحدث بشكل عام، رواية الليث بن سعد عنه محمولة على السماع حتى لو عنعنها فالليث لا يروي عنه إلّا ما صرّح فيه بالسماع في رواياته عن جابر، أي ما علم أنّه قد سمعه من جابر، وصرّح أبو الزبير بالتحديث في هذا الحديث من جابر بن عبدالله فلا إشكال عندنا، علّة تدليسه انتهت بتصريحه بالسماع، هذا الإسناد ليس من رواية الليث ولكنّه قد صرح بالتحديث فيه، أبو الزبير أخرج له الجماعة، "جابر بن عبدالله": هو جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السَّلَميّ المدني الفقيه، أحد المكثرين من رواية الحديث من الصحابة، صغار الصحابة، وروى عنه جماعة من الصحابة، وكان مفتي المدينة في زمنه، مفتي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمنه، قارَبَ التسعين، هو وأبوه من الصحابة، شهدا العقبة، هؤلاء هم رجال الإسناد الأول، وأمّا رجال الإسناد الثاني الذين لم يُذكَروا في الإسناد الأول فأبو أحمد: هو محمد بن عبدالله بن الزبير الأسَديّ، أبو أحمد الزبيري الكوفي، صدوق قد يخطئ في حديث سفيان الثوري إلّا أنّ خطأه هذا لم يبلغ إلى درجة ضعفه فيه بل يُحتَجُّ به وقد سمع من سفيان الثوري، أخرج له الجماعة، وهذا الحديث من روايته عن سفيان، وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبدالله الكوفي، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، فقيه العراق في عهد أتباع التابعين، كان إماماً كبيراً، كان ربما دلّس، ربّما: للتقليل، قال البخاري رحمه الله: "ما أقلّ تدليسه" لذلك وضعه الحافظ ابن حجر في المرتبة الثانية من مراتب الموصوفين بالتدليس، وهي مرتبة من احتمل الأئمة تدليسهم لقلة تدليسه كالثوري أو لأنّه لا يدلس إلّا عن ثقة كابن عيينة، هذه المرتبة الثانية، وقد أدخله الحافظ ابن حجر في المرتبة الثانية، إذاً سفيان الثوري وسفيان بن عيينة لا تضر عنعنتهما، تُمشَّى، فتدليسهما لا يضر، وسفيان هنا متابَع، كما في الرواية الأولى تابعه ابن جريج، قال شيخنا بعد ذلك: "هذا حديث حسن على شرط مسلم" خلاص انتهينا من الرجال، أبو الزبير وجابر قد ذُكِروا في الإسناد الأول، قال شيخنا: "هذا حديث حسن على شرط مسلم" حسّنه الشيخ رحمه الله لأنّ أبا الزبير محمد بن مسلم تقدم معنا أنّه صدوق، فلذلك يكون الإسناد حسناً، والإسنادان اللذان ذكرهما الشيخ يدوران عليه فلذلك حسّنه، وقال على شرط مسلم أيضاً لأنّ أبا الزبير قال الذهبي والحافظ: أخرج له البخاري مقروناً وتعليقاً فهذا لا يعتبر على شرط البخاري، مقروناً بغيره يعني: لم يخرج له حديثاً يحتج به من روايته إنّما أخرج له مقروناً بغيره، يعني: معه شخص آخر قد تابعه على الرواية، فهذا لا يُعتبَر أنّ البخاري قد أخرج له في الأصول استدلالاً بروايته واعتماداً عليها، لا، تعليقاً: المعلقات ليست من شرط الصحيح، لكنّ البخاري أخرج له زيادة لا توجد عند البخاري إلّا من طريقه في حديث جابر في كتاب المغازي، غزوة سيف البحر، هذه الزيادة تفرد بها أبو الزبير ومع ذلك اعتمدها البخاري في صحيحه، وهذا الظاهر والله أعلم أنّه احتج به لكن هذا ما وجدناه عن الحفّاظ يقولون بأنّ البخاري أخرج له مقروناً وتعليقاً، والله أعلم.
أمّا عن تخريج الحديث: فحديث جابر هذا مداره على أبي الزبير، أخرجه أحمد في: "فضائل الصحابة"، والطحاوي في: "مشكل الآثار"، والخطيب في: "الفقيه والمتفقه"، وابن عبدالبر في: "جامع بيان العلم وفضله"، فهو من الأحاديث التي أعرض عنها أصحاب الصحاح والسنن، ولكن في المقابل أيضاً لم يذكره أيضاً في كتبهم من اعتنى بإخراج مناكير الرواة، وله شواهد أقواها وأشهرها حديث أبي هريرة في الصحيحين، وله شاهد من حديث معاوية عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم سلمة في المستدرك للحاكم، ومن مرسل زيد بن أسلم في جامع ابن وهب، والله أعلم، الحديث صحيح لا إشكال فيه إن شاء الله.

وأمّا معناه فقال في الحديث الأول: "خيار الناس في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" خيار الناس يعني: أفضلهم مروءة وأخلاقاً وشرفاً، في الجاهلية: وهو الزمان الذي قبل البعثة، سُمّي جاهلية من الجهل لأنّ الجهل كان منتشراً في ذاك الزمن فكانوا يعبدون الأوثان وبعيدين كلّ البعد عن الله تبارك وتعالى، وهذا أعظم الجهل، العلم بالأمور الدنيوية ليس هو الأصل، هذا علم زائل، منفعته زائلة، هي منفعة آنية، لكنّ العلم الأعظم هو العلم بالشرع، بدين الله، بما خلقك الله تبارك وتعالى لأجله، هذا العلم الأشرف والأعظم والأنفس، وكلّ ما جاء من آيات وأحاديث في الكتاب أو في السّنة يذكر فضل العلم فهذا لا يُقصَد به العلم الدنيوي، الله سبحانه وتعالى ذكر العلم الدنيوي أنّ الكفار قد علموه ومع ذلك لم ينفعهم عند الله سبحانه وتعالى: "يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا"، إنّما العلم النافع هو علم الشرع، بخلاف ما يحاول بعض الدعاة، دعاة الضلال، أن يلبّسوا به على الناس فيأتون بآيات وأحاديث في فضل العلم وينزّلونها على العلوم الدنيوية لأنّ الدنيا قد تمكّنت من قلوبهم فصارت هي المقدّمَة على كلّ شيء، قال: "خيار الناس في الجاهلية خيارهم في الإسلام" أي: هم أنفسهم أفاضل الناس في زمن الإسلام أي بعد البعثة هم أنفسهم الذين كانوا مفضّلين ومقدّمين في الجاهلية لكن بشرط وهو: "إذا فقِهوا" أو: "إذا فقُهوا" يجوز ضم القاف ويجوز كسرها، أي: صاروا فقهاء وعلماء بدين الله، وعلمٌ ينتج عنه عمل، دائماً نحن نركّز على هذا الأمر، فلا يظنّنّ أحد منكم أنّ المقصود بالعلم هنا العلمَ المجرّد، لا، أبداً، دعاة الضلالة قد اكتسب الكثير منهم علماً لكن ماذا نفعهم؟ وكذلك أول من تُسعَّر بهم النّار يوم القيامة كما جاء في الحديث، الذي تعلم القرآن وعلّمه وقال إنّي تعلمت القرآن وعلمته فيك، قال: كذبت، تعلمتَ ليُقال عالم، خذوه إلى النّار، فهلكَ، نسأل الله العافية، لم ينفعه علمه، العلم الذي يُذكر هنا وتُذكَر فضائله هو العلم الذي يؤدي إلى خشية الله، يؤدي إلى العمل بما يرضي الله، يؤدي إلى تحقيق إخلاص العمل لله، هذا هو العلم النافع الذي تترتب عليه الفضائل والأجور، فإذا اجتمعت خصاله الحميدة في الجاهلية، إذا اجتمعت خصال الشخص الحميدة في الجاهلية مع الفقه في الدين جعلَتْه مقدماً في الإسلام وزاده الإسلام شرفاً ورفعة وعزاً، وأمّا إذا خسر الفقه في الدين فقد هدم شرفه وضيّعه فلم ينفعه، الشاهد من هذا أنّ الفقه في الدين كان سبباً في شرفه ورفعته في الإسلام، فهذه فضيلة التفقه في الدين، وفي اللفظ الثاني قال: "الناس معادن" هذه زيادة، "فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" كما ذكرنا لكم هذا الحديث بهذا اللفظ موجود في الصحيحين: "الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم لكنّه من حديث أبي هريرة، كي لا يُشكل عليك لماذا أدخل الشيخ هذا الحديث في هذا الكتاب لأنّ هذا الحديث الآن معنا من حديث من؟ من حديث جابر بن عبدالله، بينما الذي في الصحيحين من حديث من؟ من حديث أبي هريرة، فذاك حديث وهذا حديث آخر صار وإن كان اللفظ واحداً، "الناس معادن" المعادن هي الأصول، إذا كانت الأصول شريفة كانت الفروع كذلك شريفة، فعن معادن العرب تسألون؟ يعني عن أصول العرب؟ أيهم أكثر شرفاً من الآخر؟ الناس معادن: الناس أصول مختلفة، "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"، هذا ما يتعلق بالحديث الأول.
ثم قال شيخنا رحمه الله: "قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا وكيع قال حدثنا حمّاد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيركم في الإسلام أحاسنكم أخلاقاً إذا فقهوا" هذا حديث صحيح رجاله رجال الصحيح، وقال رحمه الله: حدثنا وكيع حدثنا حمّاد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيركم إسلاماً أحاسنكم أخلاقاً إذا فقهوا"، الحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد".
الحديث الثاني في هذا الباب: قال المؤلف رحمه الله: "قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا وكيع" وكيع هو وكيع بن الجراح بن مَليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد فقيه، رحمه الله، الإنسان الكبير كبير، انظروا عندما تقرؤون ثناء أهل العلم على هذا الرّجل، كذلك على سفيان الثوري سفيان بن عيينة وغيرهم من الأئمة تعرف المكانة التي وضعهم الله تبارك وتعالى فيها، قال الإمام أحمد: "كان وكيع إمام المسلمين في وقته"، انظر إلى هذه الكلمات، وأثنى على حفظه وزهده، هذا ثناء عليه في دينه، في علمه، في تقواه، وفي حفظه أيضاً، قال ابن عمار: "ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه منه، ولا أعلم بالحديث، كان جِهبِذاً" يعني: إمام كبير، جِهبِذ، عظيم، وقيل لأحمد: "إنّ أبا قتادة يتكلم في وكيع" لاحظ هنا، "إن أبا قتادة يتكلم في وكيع"، قال: "من كذّب أهل الصدق فهو الكذّاب" ربّما يصل الإنسان في نفسك إلى مكانة عظيمة لا تعصّباً له ولكن لعلمك بدينه وتقواه وصلاحه وعلمه، فلا تقبل فيه طعناً لأنّك تعرفه وتعرفه جيّداً، فإذا جاءك شخص وقال: فلان كذّاب، ماذا تردّ عليه؟ تقول له: "من كذّب أهل الصدق فهو الكذّاب"، الإمام أحمد يشير هنا إلى أنّ أهل الفضل إذا عُرفوا بالفضل وعُرفوا بالمكانة من قدح فيهم فقد عرّض نفسه للقدح، ولا يُقبل فيهم قول كلّ من هبّ ودبّ، وليس كلّ من هبّ ودبّ يتكلم في مثل هذه المسائل، هذا بسبب كلامه في وكيع جرّحه أحمد رحمه الله، هذا علم الجرح والتعديل، المقصود بارك الله فيكم من الجرح والتعديل الوصول إلى حفظ الدين بحقٍّ وعدلٍ وإنصاف لا بتهور واندفاع، فمن الضرر بالدين أن تهدم حملته من أهل الصدق والعدل والأمانة وأهل المنهج المستقيم، ضرر كبير بدين الله أن تهدم حملة الدين لأنّ ذلك سيعود بالضرر على دعوة الإسلام، المسألة بارك الله فيكم لا إفراط ولا تفريط، لذلك لا يُقبَل الكلام في الشخص إلّا بماذا؟ بالدليل، وعندما يتكلم المجرّح ننظر في جرحه، هل هو حقٌّ أم باطل؟ هذا الذي نريد أن نصل إليه، والقواعد والأصول التي توضع والضوابط التي وضعها أهل العلم لكي نصل إلى هذه الحقيقة، عندما جاء أبو قتادة وتكلم في وكيع لم يقبل الإمام أحمد، لماذا؟ لأنّ الحقيقة موجودة عنده فيما يعلم هو من حال وكيع، فمنتهي الأمر، لا يُقبل فيه كلام، هذا حال وكيع وإمامة وكيع، ووكيع صرّح بسماع الحديث من حمّاد بن سلمة، والإمام أحمد صرّح بالسماع من وكيع، وكيع أخرج له الجماعة، وأمّا حمّاد بن سلمة فأخرج له مسلم والأربعة وهو حمّاد بن سلمة بن دينار البصري، تقدمت ترجمته، ثقة عابد فقيه، كان صلباً في السّنة وشديداً على أهل البدع، وهو أثبت الناس في ثابت وحُميد الطويل، ولا يُحتَجّ بحديثه عن زيد الأعلم وقيس بن سعد، تغيّر حفظه بأخرة، هذه خلاصة حاله رحمه الله، "عن محمد بن زياد" هو محمد بن زياد القرشي الجُمَحي مولاهم، أبو الحارث المدني، نزيل البصرة، وثقه أحمد وابن معين والترمذي والنسائي وأثنى عليه أبو داود وقال أبو حاتم: "محله الصدق، وهو أحبّ إلينا من محمد بن زياد الألهاني" انظر توثيق هؤلاء الأئمة جميعاً، وثّقه أحمد وابن معين والترمذي والنسائي وأثنى عليه أبو داود، بينما أبو حاتم الرازي ماذا قال؟ محله الصدق، وستجد مثل هذا لأبي حاتم موجود بالنسبة للا بأس به، ولذلك وصفه أهل العلم بالشدّة، كان شديداً رحمه الله، انظر إلى الأئمة كيف يوثّقون، هو ينزل مرتبته عن منزلة الثقة لشدّته رحمه الله، والذي يُعرَف بالشدة في الجرح هذا عندما يجرح تتأنى في جرحه وتعرض كلامه على كلام غيره من أهل العلم، أو تنظر في حجّته وبناءً على ذلك تحكم على تجريحه، أمّا إذا عدّل فخلاص، لأنّه لا يُعدّل بسهولة، محمد بن زياد الأَلْهاني هذا في نفس طبقته، في نفس الطبقة من التابعين، وقال الإمام أحمد: "من الثقات"، يعني: محمد بن زياد الجُمَحي الذي معنا، قال: "من الثقات وليس أحد أروى عنه من حمّاد بن سلمة ولا أحسن حديثاً" وإسنادنا هنا من رواية حمّاد بن سلمة عنه، فهي رواية مميزة، أخرج له الجماعة، وروايته عن أبي هريرة في الصحيحين بالتصريح بالسماع، قد سمع من أبي هريرة، كان شيخنا الوادعي رحمه الله في دروسه يعلّمنا فرقاً مفيداً بين محمد بن زياد الجُمَحي ومحمد بن زياد الأَلْهاني، فكان يقول رحمه الله: "إذا رأيت محمد بن زياد عن أبي أمامة فهو الألهاني وإذا رأيت محمد ين زياد عن أبي هريرة فهو الجمحي" لأنّ محمد بن زياد هذا من المتفق والمفترق، كيف تفرّق بينهما في روايتهما عن الصحابي؟ إذا رأيت عن أبي هريرة فهو الجمحي لأنّ محمد بن زياد الجمحي عندما يروي يروي عن أبي هريرة، وإذا رأيت محمد بن زياد عن أبي أمامة فهو الألهاني، والجمحي أعلى درجة من الألهاني وكلاهما ثقة، هذه الفائدة سمعتها بكثرة من شيخنا رحمه الله في دروسه مباشرة، فغفر الله له وجزاه الله عنا وعن أمّة محمد صلى الله عليه وسلم خيراً، وأمّا أبو هريرة فهو الدَّوْسي الصحابي الجليل الحافظ، تقدَّمت ترجمته أيضاً، أخرج له الجماعة، هذا الإسناد الأول، وأمّا بالنسبة للإسناد الثاني فرجاله نفس رجال الإسناد الأول لكن هناك فرقٌ طفيف في اللفظ لذلك ذكره الشيخ رحمه الله، وباللفظ الثاني أخرجه أحمد عن عبدالرحمن بن مهدي عن حمّاد به، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، وابن حبان في صحيحه، وابن عبدالبر في: "التمهيد" من طرق عن حمّاد بن سلمة، وفي: "أطراف الغرائب" للمقدسي قال: غريب من حديث محمد بن زياد عنه وغريب من حديث حمّاد بن زيد عنه، تفرّد به أسد بن موسى عنه، هذه رواية أخرى، الظاهر في هذا الإسناد أنّ حمّاد بن زيد يرويه عن محمد بن زياد، لكن واضح أنّها رواية غير معتبرة ذكرها الدارقطني في الغرائب، والصحيح أنّ هذا الحديث لحمّاد بن سلمة، والحديث كما قال شيخنا رحمه الله صحيح، وأمّا عن شرح المتن: ففي المتن لفظان: الأول: "خيركم في الإسلام"، والثاني: "خيركم إسلاماً"، "خيركم في الإسلام": أي أفضلكم، والخطاب للمسلمين، أفضلكم بعد البعثة، و: "خيركم إسلاماً": أي أفضلكم ديناً، والمقصود واحد أنّ أفضل هذه الأمة أحسنها أخلاقاً بشرط الفقه في الدين، ففيه فضيلة التفقه في الدين كما تقدم، وفي صحيح البخاري من حديث عبدالله بن عمرو أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ من أخيركم أحسنكم خلقاً" وفي لفظ: "خياركم أحاسنكم أخلاقاً" وفي حديثنا زيادة: "إذا فقهوا" ولا بد منها، فلا يفضل الشخص إلّا بالفقه في الدين الذي يؤدي إلى العمل، والحثّ على الخلق الحسن ورد في أحاديث كثيرة، ذكر جملة منها ابن رجب الحنبلي في: "جامع العلوم والحكم" عند شرح الحديث الثامن عشر الذي فيه قوله صلى الله عليه وسلم: "وخالق الناس بخلق حسن"، قال ابن رجب: "وَقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ تَفْسِيرُ حُسْنِ الْخُلُقِ فَعَنِ الْحَسَنِ -يعني البصري- قَالَ: حُسْنُ الْخُلُقِ: الْكَرَمُ وَالْبِذْلَةُ وَالِاحْتِمَالُ" الكرم معروف، والاحتمال معروف: الصبر، وأمّا البِذلة -بكسر الباء- تعني الامتهان والمَهنة: يعني الصنعة، يعني يريد التواضع، لأنّ البذلة كما جاء في الحديث: "خرجت أم الدرداء متبذلة"، يعني: ترتدي لباس الذي يلبس لأجل العمل في البيت، هذا فيه إشارة إلى التواضع وعدم الكبر، "وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حُسْنُ الْخُلُقِ: الْبِذْلَةُ وَالْعَطِيَّةُ وَالْبِشْرُ الْحَسَنُ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ كَذَلِكَ" أي: يتصف بهذه الصفات، "وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: هُوَ بَسْطُ الْوَجْهِ، وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ، وَكَفُّ الْأَذَى" وهذا الذي ذُكر عن ابن المبارك أصلاً ورد عن الحسن البصري كذلك، قال في تعريف حسن الخلق وهو من التعاريف الجامعة حقيقةً، وتفاسير السّلف هذه لا تعارض بينها، فكلّها هذه من الأخلاق الحسنة: بذل الندى: يعني إعطاء المعروف وإيصال المعروف للناس، وكفّ الأذى: إمساك شرّك عن الناس، وطلاقة الوجه: الابتسامة في وجه أخيك صدقة، الابتسامة مفتاح القلوب، هذا معنى الخلق الحسن وهو ممدوح مُرغَّبٌ فيه، وقد حثّ عليه الشرع كثيراً وفقده اليوم الكثير وللأسف، "وَسُئِلَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ عَنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، فَأَنْشَدَ:
تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا *** كَأَنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهُ
إذا جئت إلى الشخص تراه متهلّل الوجه فرحاً بمجيئك عندما تريد أن تسأله ما تجده عبوساً كاشّاً مشمئزاً من مجيئك لأنّك تريد أن تطلب منه شيئاً، لا بالعكس، تجده متهللاً فرحاً بمجيئك وكأنّك تريد أن تعطيه ما تريد أخذه منه.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كَفِّهِ غَيْرُ رُوحِهِ *** لَجَادَ بِهَا فَلْيَتَّقِ اللَّهَ سَائِلُهُ
لو ما كان عنده إلّا روحه فقط وجئت تسأله لأعطاك إياها، فأيها السائل: اتق الله فيه ولا تكثر عليه في المسألة لأنّه لن يردّك من خُلقه الحسن.
هُوَ الْبَحْرُ مِنْ أَيِّ النَّوَاحِي أَتَيْتَهُ *** فَلُجَّتُهُ الْمَعْرُوفُ وَالْجُودُ سَاحِلُهُ
وصفه بالبحر من الجود، "من أيّ النواحي أتيته": من أي جهة أتيته وجدت عنده العطاء، "فلُجّته المعروف" يعني: عمق البحر وداخله المعروف، فتجد منه كلّ خير هذا الشخص، "والجود ساحله" تصور أنّ الجود هو الساحل، كرمه هو أول ما تجد منه لكن إذا غُصت وجدت كلّ المعروف، هذا الوصف لو تتأمل ما ورد من وصف النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث لصحّ أن يطبَّق عملياً عليه صلى الله عليه وسلم ، كان أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان عليه الصلاة والسلام، "وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حُسْنُ الْخُلُقِ أَنْ لَا تَغْضَبَ وَلَا تَحْتَدَّ" من الحدّة، الشدّة، "وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: حُسْنُ الْخُلُقِ أَنْ تَحْتَمِلَ مَا يَكُونُ مِنَ النَّاسِ" كلّ ما جاءتك من أذية من الناس تحتملها، تصبّر نفسك وتحتسب عند الله سبحنه وتعالى، خاصة إذا كنت داعية تدعو إلى الله سبحانه وتعالى فبصبرك هذا تكسب ودّ الناس، "وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: هُوَ بَسْطُ الْوَجْهِ، وَأَنْ لَا تَغْضَبَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ"، طبعاً الغضب هو باب الشّر، عندما تغضب تُخرج أشياء تنافي حسن الخلق تماماً بل فيها سوء الخلق، لذلك حثوا على عدم الغضب، وهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً، قال: "لا تغضب" فنهاك النبي صلى الله عليه وسلم عن الغضب، إذاً ينبغي عليك أن تمسك نفسك عند الغضب، تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، تصبر، تسكت، تكظم غيظك، "وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: حُسْنُ الْخُلُقِ كَظْمُ الْغَيْظِ لِلَّهِ، وَإِظْهَارُ الطَّلَاقَةِ - طلاقة الوجه، الابتسامة- وَالْبِشْرُ إِلَّا لِلْمُبْتَدِعِ وَالْفَاجِرِ، وَالْعَفْوُ عَنِ الزَّالِّينَ إِلَّا تَأْدِيبًا أو إِقَامَةُ حَدٍّ وَكَفُّ الْأَذَى عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَو مُعَاهَدٍ إِلَّا تَغْيِيرَ مُنْكَرٍ أو أَخْذًا بِمَظْلَمَةٍ لِمَظْلُومٍ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ" انتهى، هذه نصيحة جامعة، كظم الغيظ، أمسك غيظك، إظهار الطلاقة والبِشر، ابتسامة، إظهار الفرح بمجيء الزائر أو بإقبال أخيك عليك "إلّا لمبتدع أو فاجر"، المبتدع الذي يدعو إلى بدعته هذا يُهجَر ويكشّر في وجهه ويُظهر له إنكار ما هو عليه من منكر، وكذلك الفاجر إذا كان هذا ينفع معه، أمّا إذا كان لا ينفع فلا، معاملته بالخلق الحسن أفضل لعلّها تردّه، وهذا ما نرجوه اليوم، اليوم الفجور قد انتشر وكثر وصار في أكثر الناس، فمعاملة الفاجر بهذه الطريقة تزيده فجوراً، فالآن نتلطف معه ونعامله بحسن الخلق لعله يرجع، "والعفو عن الزالّين" الزلات والأخطاء تعفو عنها، "ما زاد الله عبداً بعفو إلّا عزاً" كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، "إلّا تأديباً" لا تعفو عن خطأ من أجل التأديب، إذا كرر الشخص الخطأ تؤدبه حتى يستقيم، التأديب مطلوب، "أو إقامة حدّ" إمّا للتأديب أو لإقامة حدّ، إقامة الحدّ واجب، إذا رفع الحدّ إلى الإمام يجب عليه أن يقيمه، "وكفّ الأذى عن كلّ مسلم أو معاهد" لا تروح تفجر فيه وتقتله، معاهَد، من الغدر والخيانة أن تذهب وتقتله وهو ساهٍ وهو آخذ عهد من المسلمين يعيش بينهم بناءً على ذلك، "إلّا تغيير منكر" تغير المنكر، عند تغيير المنكر له حكم خاص، "أو أخذاً بمظلمة لمظلوم" عندما تريد أن تأخذ حقاً لصاحبه تحتاج إلى شيء من الشدّة والغلظة على الظالم، "من غير تعدٍّ" لا تتجاوز الحدّ، وما روي عن ابن المبارك كما ذكرنا قد روي أيضاً عن الحسن البصري وهو أجمع ما ذُكر في حسن الخلق، وحكى الطبري الخلاف بين السلف في حسن الخلق، هل هو غريزة أم يُكتسَب اكتساباً؟ والصواب ما رجحه بعض أهل العلم أنّ منه ما هو غريزة يمتن الله تبارك وتعالى بها على بعض عباده ومنه ما يُكتسب بالتخلق والاقتداء بغيره، يعني: أنت تتكلفه حتى تعتاد عليه فتتعلمه وتعمل به إلى أن تكتسب الخلق الحسن، صاحب الخلق الحسن كثير الإحسان فإذا تفقه جعل إحسانه في سبيل الله فعَظُم دينه وصار من خيار الناس وأفاضلهم، وهذا الشاهد من الحديث، والله أعلم، نكتفي بهذا القدر والحمد لله.

مركز الخليج

آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 26-05-2017 الساعة 09:43
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 08:56.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي