Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-05-2015, 21:39   #1
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي * مكتمل * تفريغات شرح كتاب التوحيد

تفريغ شرح كتاب التوحيد
لشيخنا علي الرملي حفظه الله


تفريغ الدرس الأول:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد :

فسنبدأ إن شاء الله بحول الله وقوته بشرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله . هذا الكتاب هو كتابٌ يقرّر فيه صاحبه عقيدة التوحيد , خصوصاً توحيد الألوهية _ توحيد العبادة _ يسمّى توحيد الألوهية ويسمّى توحيد العبادة هذا التوحيد حصل فيه خللٌ كبيرٌ في زمن المؤلف رحمه الله وانتشر الشرك بين الناس لذلك ألّف المؤلّف هذا الكتاب ليبيّن الحق من الباطل ويبيّن التوحيد الذي بُعثت به الرسل ويبيّن أيضاً ما يضادّه وما يفسده من الشرك , فألّف هذا الكتاب فتلقّاه العلماء بالقبول ووجد انتشاراً واسعاً ونفع الله تعالى به . هذا التوحيد _ توحيد الألوهية _ هو أحد أقسام التوحيد الثلاثة , فالتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام : توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات , وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله .
مهمٌّ جداً لطالب العلم أن يعلم أن العلم لا يُنال جملة _ مرة واحدة _ بل يُنال بالتدرّج شيئاً فشيئاً , كما قال أحد السلف رضي الله عنهم : ( من رام العلم جملة ذهب عنه جملة ) لذلك العلم ينال شيئاً فشيئاً , وكل فنٍّ من فنون علم الشريعة له طريقته في التدرج , هذا العلم هو علم العقيدة , وعقيدة التوحيد بالذات , له طريقته أيضاً في التدرج , فتوحيد العبادة _ الألوهية _ يُنصَح بأن يبدأ طالب العلم بثلاثة الأصول فيه , فإذا أتقن هذا الكتاب أتقن جانباً لا بأس به من هذا التوحيد _ توحيد الألوهية _ ثم بعد ذلك ينتقل إلى كتاب التوحيد , وبعض أهل العلم ينصح بالقواعد الأربع قبل ذلك , وأنا أفضّل أن ينتقل إلى كتاب التوحيد , فكتاب التوحيد فيه كل ما يحتاج إليه في هذا العلم , بالتحديد علم توحيد الألوهية , كتابٌ جامعٌ ونافعٌ وفيه خير كثير والحمد لله , ثم بعد ذلك يدرس " كشف الشبهات " وهو كتاب أيضاً نافع في كشف شبهات الصوفية عبدةِ القبور وكذلك الشيعة , وهم أكثر الطوائف عرفت بعبادة القبور فكشف الشبهات هذي , فهذا فيه رد على شبهات القوم , لكن ينفع للشخص أن يدرسه بعد كتاب التوحيد , والصواب أن يعرف الشخص التوحيد أولاً ثم بعد ذلك يعرف الشبهات التي يوردها أهل الضلال عليه , ثم بعد ذلك يدرس " نواقض الإسلام " فهذا أيضاً أمرٌ نافع بالنسبة لطالب العلم , هكذا يكون التدرج في هذا العلم وهو توحيد الألوهية . أما العقيدة بصفة عامة فيدرس طالب العلم في _ أيضاً - " لمعة الاعتقاد " : هذا فيه _ يعني _ تطرّقٌ لعقيدة أهل السنة والجماعة بطريقة مختصرة تناسب طالب العلم المبتدئ , ثم بعد ذلك ينتقل إلى الواسطية ويدرسها بإتقان , ثم بعد ذلك ينتقل إلى الطحّاوية فيكون قد تحصّل على خير كبير في علم الاعتقاد , ومن أراد أن يستزيد فكتبُ العلم كثيرة كالتدمرية وكالحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
فنحن الآن بصدد شرح كتاب التوحيد وهو يعتبر الكتاب الثاني من الكتب التي يتدرج بدراستها طالب العلم , وكما ذكرنا : هذا الكتاب من أنفس الكتب التي بيّنت مسائل توحيد الألوهية بل لعلّه أنفس كتاب أُفرِد لهذا المبحث وهو توحيد الألوهية مادّة الكتاب التي معنا _ قبل أن نبدأ بها _ نشرح كلمة " كتاب " وكلمة " التوحيد ".
كلمة كتاب : هذه مادتها مأخوذة من كَتَبَ وهذه المادة _ مادة كتب _ موضوعة في لغة العرب للجمع والضمّ , فلما جمع مؤلف الكتاب , جمعَ مباحث ومسائل متعلّقة بموضوع واحد سمّى كتابه كتاباً , وهو موضوع التوحيد , والكتاب سُمّي كتاباً لأنه تُجمع فيه الكلمات والحروف , كما أن كتيبة الجيش تسمّى كتيبة لأنها تجمع أفراداً من الجيش . كذلك عندنا هنا الكتاب يسمّى كتاباً لأنه يجمع كلمات وحروف _ يعني _ متناسقة مع بعضها تدلّ على موضوع واحد , وهذا هو المقصود من الكتاب .
كتاب التوحيد : التوحيد : وحّدَ يوحِّد توحيداً , فهو مصدر _ يعني _ معناه أن تجعل الشيء واحداً فتقول : وحد القوم كلمتهم , أي : جعلوا كلمتهم واحدة وليست متفرقة , هذا معنى التوحيد , هذا من حيث اللغة.
أما المقصود بالتوحيد _ هنا _ من الناحية الشرعية : فهو إفراد الله تبارك وتعالى بكل ما يختص به , إفراد الله بكل ما يختصّ به , وهذا على سبيل الإجمال.
على سبيل التفصيل تقول : توحيد الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى ثلاثة أقسام : توحيد ربوبية , توحيد ألوهية , توحيد أسماء وصفات .
فتوحيد الربوبية : إفراد الله تبارك وتعالى بما يختصّ به من الخلق والملك والتدبير.
توحيد الألوهية : إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة , فعبادتك تكون لله وحده لأن هذا أمرٌ مختصٌّ بالله تبارك وتعالى , توحيد الربوبية : أن تعتقد أن الله هو الخالق , هو الرازق , هو المدبّر , هذه كلها الأشياء هو مختصٌّ بها , هي خاصّة بالله سبحانه وتعالى لا يشاركه فيها أحد فإذا اعتقدت أن أحداً يشارك الله سبحانه وتعالى في الخلق مثلاً هنا تكون قد أشركت , نقضتَ التوحيد _ يعني أفسدت التوحيد _ لأن الخلق خاصٌّ بالله سبحانه وتعالى , خلقُ الخلق , يعني من الذي خلق السماوات ؟ من الذي خلق الأرض ؟ من الذي خلق البشر ؟ الله سبحانه وتعالى , هل هناك خالق آخر ؟ لا يمكن لا يوجد , هذا الفعل خاصٌّ بالله تبارك وتعالى , هذا معنى أن يكون الشيء خاصّا بالله سبحانه وتعالى , من أين تعرف أن الشيء خاصٌّ بالله سبحانه وتعالى ؟
تعرفه من أدلة الكتاب والسنة التي ستأتي معنا إن شاء الله , ستبيّن لك أن الخلق مثلاً خاصٌّ بالله تبارك وتعالى , لا يخلقُ معه غيرُه , كذلك أيضاً التدبير , تدبير هذا الكون والتصرّف فيه , هذا خاص بالله سبحانه وتعالى. أيضاً كذلك , نعم , الخلق , الملك , مالك ما في هذه السماوات وما في هذه الأرض الملك التام هذا لله سبحانه وتعالى خاصٌّ به حتى ما نملك , نحن وما نملك ملكٌ لله سبحانه وتعالى , هذا الملك التام , هذا خاص بالله سبحانه وتعالى , فلا يجوز لك أن تعتقد أن مالكاً مع الله سبحانه وتعالى أو أن خالقاً مع الله سبحانه وتعالى أو أن مدبراً مع الله سبحانه وتعالى , أنه يوجد مدبّر أو يوجد خالق أو يوجد مالك لهذا الكون مع الله سبحانه وتعالى , إذا اعتقدت ذلك فقد أشركت معه غيره , كذلك في مسألة العبادة , هذا في توحيد الربوبية , إفراد الله سبحانه وتعالى بالخلق والملك والتدبير , توحيد الألوهية الذي هو توحيد العبادة : أن تعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو الذي فقط يستحق منك العبادة , يعني عبادتك تكون لله خاصة , لا تعبد معه غيره , فإذا عبدت معه غيره فقد أشركت معه غيره في عبادتك , في شيء خاصٍّ بالله سبحانه وتعالى , ما هو هذا الشيء بالله سبحانه وتعالى ؟ هي عبادتك , أنت تعبّدك يجب أن يكون لله وحده وألا يكون لغيره معه , فلذلك تكون موحداً إذا عبدت الله وحده , أما تكون مشركاً إذا عبدت غيره معه وهذا الذي يسمى بتوحيد العبادة .
التوحيد الثالث : هو توحيد الأسماء والصفات , يعني أن تؤمن بالأسماء التي سمى الله سبحانه وتعالى بها نفسه في كتابه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم , أن تؤمن بها وتصدق أنها لله سبحانه وتعالى , بما أنه سمى نفسه بها فتسميه بها , وصف نفسه بها : تصفه بها ولا تنكرها , لا تجحدها , لا تكذب بها , هذا يسمى توحيد الأسماء والصفات .
إذاً التوحيد ثلاث أقسام : توحيد الربوبية , توحيد الألوهية , توحيد الأسماء والصفات , هذه كلها أشياء _ يعني _ يجب أن تخصّ الله سبحانه وتعالى بها وألا تشرك معه غيره فيها , نعم , هنا , هذه الكلمات هي تفسيرٌ لكلمة التوحيد , فخلاصة الأمر أن التوحيد هو إفراد الله تبارك وتعالى بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات , أو قل : هو إفراد الله تبارك وتعالى بكل ما يختصّ به , لكن على سبيل التفصيل أفضل , إفراد الله تبارك وتعالى بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
فالتوحيد ثلاثة أقسام : توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات , هذا كله , حصر التوحيد بهذه الأنواع الثلاثة أخذناه من استقراء أدلة الكتاب والسنة , يعني بعدما استقرأ العلماء أدلة الكتاب والسنة وجدوا أن ما ورد في الكتاب والسنة من توحيد هو _ يعني _ ورد بهذه الأقسام الثلاثة , وكلها تجدها في سورة الفاتحة , الأقسام الثلاثة موجودة في سورة الفاتحة وفي غيرها من السور , هذا معنى كتاب التوحيد الذي سنبدأ به بإذن الله تبارك وتعالى , بشرحه , خلاصة ما يريد المؤلف من هذا الكتاب هو أن تفهم شيء , ما هو الشيء ؟ أن تعرف أن الناس عندما أنزل الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام إلى الأرض كانوا جميعاً على التوحيد , يعني أنهم كانوا يعبدون الله سبحانه وتعالى ولا يعبدون معه غيره , تمام ؟ بقي الناس على هذا الحال إلى عشرة قرون تقريباً , ثم بعد ذلك بدأ الشرك في قوم نوح , كيف بدأ ؟ كان في قوم نوح قومٌ صالحون , وهذا كله سيأتي معنا إن شاء الله , عندما ماتوا جاءهم الشيطان وقال لهم اصنعوا لهم تماثيل كي تتذكروا عباداتهم وطاعاتهم وتعبدون الله تبارك وتعالى كما كانوا يعبدون , ففعلوا , صنعوا لهم تماثيل وجعلوها في نادي القوم , يعني في _ زي ما تقول _ المكان الذي يجتمعون فيه , ثم بعد ذلك ذهب هذا الجيل وجاء جيل غيره , جاءهم الشيطان بأن آباءكم كانوا يعبدون هذه التماثيل فعبدوها , فبدأ الشرك في العبادة مع الله سبحانه وتعالى , ثم بعد ذلك انتشر وأخذ يزيد فأرسل الله سبحانه وتعالى الرسل فكانت دعوة الرسل وأصله هي التوحيد , النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء لقومه , قال لهم : يا قوم , قولوا لا إله إلا الله تفلحوا , يا قوم , قولوا لا إله إلا الله تفلحوا , إذاً جاءهم التوحيد , قال الله سبحانه وتعالى :[ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ] إذاً , كل رسول جاء إلى أمّته جاء يدعوهم إلى توحيد الله تبارك وتعالى فأصل دعوة الأنبياء هي التوحيد , إخراج الناس من عبادة الأوثان , عبادة القبور , عبادة الأولياء إلى عبادة الله تبارك وتعالى وحده لا شريك له وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
هذا ما أراده المؤلف رحمه الله بعد أن انتشر الشرك في زمنه , الشرك الذي هو ناقض للتوحيد , انتشرت عبادة القبور في زمنه , أراد أن يبيّن للناس دعوة التوحيد التي جاء بها الرسل بعد أن نُسِيَت _ يعني _ وانحرف الناس عنها , أراد أن يبيّن لهم ماهي الدعوة التي جاء بها النبيّ صلى الله عليه وسلم , فكان _ يعني _ تنوير أبصار الناس على يديه بفضل الله تبارك وتعالى , وأخرج الناس من الشرك إلى التوحيد ونفع الله به نفعاً عظيماً , إذاً : دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الأساس هي لنشر التوحيد , ما هو التوحيد ؟ عبادة الله تبارك وتعالى وحده وترك عبادة غيره , هذا ما كان يريده من الناس , وهذا ما دعا الناس إليه , ولهذا ألّف هذا الكتاب , هذا المقصود من التوحيد وهذا ما أردنا بيانه من معنى كلمة " كتاب التوحيد "، نعم.
قال المصنّف رحمه الله تعالى : " بسم الله الرحمن الرحيم " يبدأ عادة المؤلفون مؤلفاتهم بالبسملة اقتداءاً بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان عليه الصلاة والسلام يبدأ رسائله بها , كان عليه الصلاة والسلام يبدأ رسائله بها , لذلك يبدأ المؤلفون بها.
و " بسم الله الرحمن الرحيم " معناها : أبدأ كتابتي بذكر اسم الله تبارك وتعالى , الرحمن : وهو اسمٌ لله تبارك وتعالى يتضمن صفة الرحمة , الرحيم كذلك , إلا أن صفة الرحمة , أو اسم الله الرحمن أوسع معنىً من اسم الله الرحيم , يعني الصفة , صفة الله الرحمن عامة وصفة الله الرحيم خاصة بالمؤمنين .
قال المؤلف رحمه الله , طبعاً قبل ذلك , ما يذكره العلماء هنا من أحاديث لا يصح منها شيء , " كل أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " أو " كل أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع " وما شابه من هذه الأحاديث لا يصح منها شيء .
قال المؤلف رحمه الله :" الحمد لله "
الحمد : قالوا معناه : وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيماً _ يعني _ أن تصف الله سبحانه وتعالى بصفات الكمال محبة له وتعظيماً له , هذا معنى الحمد لله .
قال المؤلف رحمه الله :" وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم " :
صلاة الله على نبيه كما قال أبو العالية الرياحي هي ثناؤه عليه عند الملائكة المقربين , هذا معنى , هو قال : ثناؤه عليه في الملأ الأعلى , ومعنى الملأ الأعلى : الملائكة المقربون , صلى الله عليه ( على محمد صلى الله عليه وسلم ) , " وعلى آله " , على آله : هنا الآل تطلق على الأقارب وتطلق على الأتباع , فإذا ذكر الصحب مع الآل : فيكون المراد بالآل : أهل بيته ( أقرباؤه من المؤمنين ) وإذا لم يُذكر الأصحاب فيكون المراد بالآل : أتباعه على دينه , ليشمل الأصحاب والأقارب وغيرهم , هنا المؤلف لم يذكر الأصحاب فيكون معنى الآل : أتباعه على دينه . قال :" وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم " : يعني السلامة , يسلّمه من النقائص ومن العيوب , والكلام هنا , صلى الله : فعل ماضٍ لكن المراد منه الدعاء .
قال المؤلف رحمه الله :" كتاب التوحيد " وقد شرحنا معنى " كتاب التوحيد " فيما تقدّم . قال رحمه الله : " وقول الله تعالى :[ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ] ": الآن المؤلف رحمه الله سيبيّن لنا في هذه المقدمة معنى التوحيد , فبدأ بهذه الآية : [ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ] , الله سبحانه وتعالى لم يخلق الجن والإنس إلا لعبادته , فهنا يبيّن لنا ربنا تبارك وتعالى الحكمة التي من أجلها خلقنا , لماذا أوجدنا ؟ أوجدنا لعبادته , فما معنى العبادة ؟
العبادة في لغة العرب تأتي بمعنى الخضوع والتذلل , لذلك يسمى الطريق المعبّد طريقاً معبّداً لأنه مذلّل تدوسه بأريحية , الخضوع والتذلل , وأيضاً تطلق العبادة في اللغة على الطاعة وغير ذلك من المعاني , لذلك قال بعض العلماء بأن معنى العبادة هي الطاعة مع الخضوع والتذلّل , ليست طاعة مجردة , طاعةٌ مع خضوعٍ وتذلّل , فأنت إذا أطعت الله سبحانه وتعالى بأداء الصلاة تطيعه وأنت خاضع متذلل له , هذا معنى العبادة , وقال بعض العلماء , تعريفها : هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
كلمة العبادة : اسم يجمع كل ما ذكره هنا , كل ما يحبه الله ويرضاه , أين تجد هذا الذي يحبه الله ويرضاه ؟ كل ما شرعه الله في الكتاب والسنة أمرنا به أمر إيجاب أو أمر استحباب أو نهانا عنه ففِعلُنا له إذا أمرنا به , فعلنا له طاعة لأن الله سبحانه وتعالى ما أمرنا به إلا وهو يحبه ويرضاه , وما نهانا عن الشيء إلا لأنه يحب لنا أن نتركه , كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة , هذه عبادات , فعلك للصلاة عبادة , لأن الله سبحانه وتعالى قد أمرك بها , أمرك بها في الكتاب والسنة , إذاً فهو يحبه ويرضاه , هذه عبادة , الصيام عبادة , الزكاة عبادة , لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بها , أمرنا بها معنى ذلك أنه يحبها ويرضاها , فكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال كقولنا مثلاً سبحان الله عبادة , الحمد لله عبادة يحبها الله ويرضاها , كيف عرفنا أنه يحبها ويرضاها ؟ لأنه أمرنا بها في القرآن أو في السنة , من الأقوال والأعمال كالصلاة , الظاهرة : عمل ظاهر , الصلاة عمل ظاهر , الحج عمل ظاهر , الزكاة عمل ظاهر , والباطنة ( الأعمال الباطنة ) كالحب والخوف والرجاء والتوكّل , هذه أعمال باطنة , أعمال قلبية , لا نراها من الشخص , هي في قلبه , في داخله , فهي أعمال باطنة , يحبها الله ويرضاها لأنه أمرنا بها , أمرنا بمحبته , أمرنا بالخوف منه , أمرنا بالتوكل عليه , إذاً هذه أعمال يحبها الله ويرضاها , إذاً فهي كلها أيش ؟ عبادات , اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة , إذاً نَعرف العبادة بأمر الله تبارك وتعالى لنا بها في القرآن وفي السنة , نعرف أنها عبادة بماذا ؟ لأنه أمرنا بها في القرآن أو في السنة , بما أنه أمرنا بها فهي عبادة , قربة , طاعة لله سبحانه وتعالى , طاعة لله تبارك وتعالى , الطاعة مع الخضوع والتذلل هذه عبادة , وقال بعض أهل العلم في تعريف العبادة : هي كمال الخضوع والتذلل مع كمال المحبة والتعظيم , كمالُه , أقصاه , الخضوع والتذلل , أنت عندما تكون بين يدي الله تبارك وتعالى ساجدا , تكون في كمال الخضوع والتذلل لله سبحانه وتعالى محبة له وتعظيماً , إذاً أنت في عبادة , هذا معنى كمال الخضوع والتذلل مع كمال المحبة والتعظيم , هذا معنى العبادة , إذاً خلقنا الله تبارك وتعالى لنعبده , نعبده بماذا ؟ بما شرع , نطيعه خضوعاً وتذللاً ومحبة وتعظيماً له تبارك وتعالى , فإذا قام في نفوسنا كمال الحب والتعظيم مع كمال الخضوع والتذلل له بطاعته فقد عبدناه , وإذا فعلنا ذلك لغيره فقد أشركنا معه غيره , هذا المعنى الذي يجب أن تفهمه , باختصار , ما أمرك الله تبارك وتعالى في كتابه أو في السنة أن تتعبد له به فهو عبادة , فإذا جعلته لله وحده فقد وحّدته وإذا صرفته لغير الله فقد أشركت به , فقد أشركت معه غيره , هذا معنى العبادة ومعنى التوحيد ومعنى الشرك .
[ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ] : إذاً أراد الله سبحانه وتعالى أن نعبده وأن نعبده وحده , وذلك لأن ابن عباس رضي الله عنه فسّر العبادة هنا بالتوحيد , وقال : [ إلا ليعبدون ] إلا ليوحّدون , يعني لا أن يعبدوه فقط , بل يعبدوه وحده أيضاً , وألا يعبدوا معه غيره , إذاً خلقَنا الله سبحانه وتعالى كي نعبده , ونعبده وحده وألا نعبد معه غيره , فبذلك يكون قد فسّر لنا المؤلف بذكره لهذه الآية الحكمة التي أرادها الله تبارك وتعالى أن تكون من خلقه للإنس والجن وفسّر لنا التوحيد , وهو أن تعبد الله وحده وألا تعبد معه غيره , نعم.
قال المصنف رحمه الله : " وقوله : [ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ]"
[ ولقد بعثنا ] : أي أرسلنا، [ في كل أمة ] : أخرجنا في كل أمة.
الأمّة تطلق في الشرع على معانٍ :
المعنى الأول : الطائفة من الناس _ كما في هذه الآية _ [ ولقد بعثنا في كل أمة ] يعني في كل طائفة من الناس.
المعنى الثاني : الزمن [ وادّكر بعد أمّة ] يعني بعد زمن , بعد وقت .
المعنى الثالث : الإمام , كما في قول الله تبارك وتعالى [ إن إبراهيم كان أمّة ].
والمعنى الرابع : الملة , يعني الدِّين :[ إنا وجدنا آباءنا على أمّة ] أي على دين.
هذه المعاني التي تأتي الأمّة عليها في كتاب الله تبارك وتعالى , يهمّنا الآن _ هذه فائدة زائدة _ يهمّنا الآن أن تعرف أن معنى الأمة في هذا الموطن في هذه الآية : الطائفة من الناس , [ ولقد بعثنا في كل أمة ] يعني أخرجنا في كل طائفة من الناس .
[ رسولاً ] : الرسول من أوحي إليه بشرع , يعني من أوحى الله تبارك وتعالى إليه بشرع وأمره بتبليغه , من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه , أُمِر بإيصال هذا الشرع لأمّة لطائفة من الناس , هذا هو الرسول , والنبي : من بُعث بشريعة من قبله , هذا هو الصحيح في التفريق بين الرسول والنبي , فالرسول من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه والنبي : من بُعث بشريعة من قبله , والعلماء يعرّفون الرسول ويذكرون الفرق بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عند قول الله تبارك وتعالى :[ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيّته ] الآية , فقوله هنا [ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ] يعني أخرجنا وأرسلنا في كل طائفة من الناس , أو لكل طائفة من الناس رسولاً , بماذا أرسل هذا الرسول ؟ يأتيك الآن التفسير , فقال : [ أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ] إذاً الرسل كانوا يأتون للناس بدعوة التوحيد , ما هي ؟ قال : [ أن اعبدوا الله ] هذا أمرٌ من الله تبارك وتعالى بعبادته , كما عرفنا العبادة فيما تقدم , لكن هل اكتفى ؟ لا , قال أيش ؟ [ واجتنبوا الطاغوت ] إذاً عبادة الله تبارك وتعالى وحدها لا تكفي , يجب أن تعبد الله تبارك وتعالى وأن تترك عبادة غيره , هذا معنى :[ واجتنبوا الطاغوت ] , الاجتناب أبلغ من الترك , يعني كان بإمكانه أن يقول واتركوا الطاغوت واتركوا عبادة الطواغيت , لأن هنا أتى واجتنبوا أشد بلاغة من الترك , فإن الاجتناب : ترك الشيء وترك الأسباب الموصلة إليه أيضاً , شفت الآن كيف ؟ الاجتناب أبلغ من الترك لأنه تركٌ وزيادة , الاجتناب تركٌ وزيادة , ترك الشيء وزيادة على ذلك أن تترك الأسباب الموصلة إليه , هذا هو معنى الاجتناب , اجتنبوا الطاغوت : يعني اجتنبوا كل ما يعبد من دون الله , من غير الله , قال الإمام مالك :" الطاغوت : كل ما عُبد من دون الله " , اجتنبوه اتركوه , هذا معنى الطاغوت , بعض العلماء يفسّر بجزء من معناه وهو الشيطان , قالوا : الطاغوت : الشيطان وما زيّنه من عبادة غير الله , كله اتركوه , والإمام مالك كما ذكرنا لكم فسّر الطاغوت بكل ما عبد من دون الله , يعني : اتركوا عبادة كل ما سوى الله سبحانه وتعالى , فالمعنى المراد هنا _ بارك الله فيكم _ هو تحقيق التوحيد بعبادة الله وحده وترك عبادة غيره , هذا المعنى المراد هنا . [ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ] هذه الآية تدلنا على أن دعوة الرسل جميعاً واحدة , دعوة التوحيد , كلهم كانوا يأتون لأقوامهم بهذه الدعوة وهي أصل دعوة الأنبياء [ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ] ماذا يفعلون ؟ إلامَ يدعون ؟ قال :[ أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ] لا تعبدوا الله فقط لأنه حتى كفار قريش كانوا يعبدون الله , لكن يعبدون معه غيره , هذه مشكلة , هذه المشكلة , الله سبحانه وتعالى لا يقبل شريكاً أن تعبده وأن معه غيره , لا , يريد أن تعبده وحده وأن تترك عبادة ما سواه , وهذا المعنى الذي دلت هذه الآية هنا , وهو معنى التوحيد وبيان أن هذه الدعوة هي دعوة الرسل جميعاً , هذا الذي أراده المؤلف هنا , أن يبيّن لنا ما أراد الله تبارك وتعالى منا , وهو التوحيد , وأن يبين لنا معنى التوحيد .
ثم قال المصنف رحمه الله : " وقوله :[ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ] "
هذا الشاهد هنا معَنا , [ وقضى ] : يعني أمر أو وصّى , معنى واحد , وأمر ربك ألا تعبدوا إلا إياه , يعني أن تعبدوه وألا تعبدوا معه غيره [ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ] يعني أمر ألا تعبدوا شيئاً , لا حجر ولا شجر ولا مخلوق , لا ولي ولا شيطان ولا غير ذلك , اتركوا عبادة كل شيء إلا عبادة الله سبحانه وتعالى فقط.
وأمر أيضاً : [ وبالوالدين إحساناً ] وأمر أيضاً بالإحسان إلى الوالدين , الإحسان إلى الوالدين كيف يكون ؟ ببرّهما وحفظهما وأنت توصل إليهما كل ما تستطيع من خير , وأن تصرف عنهما كل ما تستطيع من سوء , وأن تطيعهما فيما فيه طاعة الله تبارك وتعالى , هكذا يكون برّهما , لا يكون بأن تطيعهما بمعصية الله , لا , هذا ليس برّاً لهما الواجب عليك عندما يأمرانك بمعصية ألا تطيعهما , ولكن أيضاً تقول لهما قولاً هيّناً ليّناً , [ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ] يعني عندما يكبر بهما السن عادة , عندما الإنسان يكبر في السن _ يعني يصبح _ قليل الصبر عصبيّ المزاج , فأنت مطلوب منك صبرٌ زائدٌ في هذا الوقت بالذات [ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ] إما واحد : الأب أو الأم أو الأب مع الأم [ فلا تقل لهما أفٍّ ] أحياناً تكون يعني عندما يبلغان من الكبر مبلغاً يكون عندهم طلبات زائدة , عندهم يعني يكون فيهم شيء من الأقوال الشديدة التي تنفّر الابن وتزعجه , فالله سبحانه وتعالى أمرك في هذا الموطن بالذات في هذا الوقت بالذات ألا تقل لهما أفٍّ , لا تتضجّر منهما في وجههما [ فلا تقل لهما أف ] فلا تُسمعهما قولاً سيئاً حتى التأفّف ( أف ) لا يجوز لك أن تقوله لهما , لما قدّماه لك فيما مضى , [ ولا تنهرهما ] لا يصدر منك إليهما فعل قبيح ( نهر ) , اجلس , لا تقم , لا تقل كذا , هذا النهر , بهذه الطريقة , لا تخاطبهما بهذا الأسلوب [ وقل لهما قولاً كريماً ] : نهاه عن الإساءة وأمره بالإحسان [ وقل لهما قولاً كريماً ] قولاً طيّباً [ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ] يعني كن رحيماً لهما , تواضع , كن رحيماً بهما , وتواضع لهما [ وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ] شوف أيش السبب ؟ ادع لهما بالرحمة مقابل تربيتهما لك , وسهرهما عليك وتعبهما من أجلك , الشاهد قوه تبارك وتعالى : [ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ] هذا معنى التوحيد , أمرك الله بالتوحيد , أن تعبده وحده وأن تترك عبادة ما سواه .
قال المصنف رحمه الله تعالى :" وقوله :[ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ]":
الآيات التي يأتي بها المصنف كلها بمعنى واحد , معنى التوحيد , تفسير التوحيد , إذا قال لك شخص : فسّر لي التوحيد فاذكر له هذه الآيات : [ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ] , [ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ] , [ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ] , [ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ] هذا معنى التوحيد , أمرٌ من الله بعبادته , [ واعبدوا الله ] هذا أمر , فأمرَ الله بعبادته وليس هذا فحسب , التوحيد لا يكون بهذا فحسب , لا , ولكن لا بدّ من الجزء الثاني [ ولا تشركوا به شيئاً ] أيش معنى الشرك به ؟ يعني أن تجعل معه شريكاً في عبادتك , فأن تعبده وأن تعبد غيره , جعلت له شريكاً في عبادتك , إذا سجدت له وسجدت لغيره فقد عبدت معه غيره , إذا ذبحت له وذبحت لغيره قربة فقد عبدت معه غيره , وهذه الشراكة , تجعل له شريكاً في عبادتك هي التي حرمها الله عليك ولم يردها منك ونهاك عنها , ما معنى أن تجعل لله شريكاً ؟ يعني : أن تعبد آخرَ معه , " سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك " ند : مثيل , مساوٍ له في عبادتك , فإذا عبدت غيره معه قد جعلت هذا الغير مساوياً لله في عبادتك , وهو خلقك : يعني الذي يستحق منك العبادة مَن ؟ هو الذي خلقك , أنعم الله عليك بأنواع النعم , خلقك رزقك أكرمك رحمك , ثم تذهب وتعبد غيره , ما يجوز هذا , كما أنه هو الذي خلقك إذاً فهو الذي يستحق منك العبادة , طيب : هل هناك غيره من خلقك ؟ لا يوجد , إذاً فلا يستحق أحد أن تعبده مع الله سبحانه وتعالى , هذا معنى الكلام وهذا معنى التوحيد , أن تعبد الله وحده وألا تعبد معه غيره .
قال المصنف رحمه الله تعالى :" وقوله :[ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً ] " : هذا الشاهد من الآية : قل يا محمد تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم , تعالوا أذكر لكم ما حرم الله سبحانه وتعالى عليكم , يعني : ما أمركم الله باجتنابه ما هو ؟ ألا تشركوا به شيئاً , هنا في تقدير عندنا في الكلام , يعني : وصاكم ألا تشركوا به شيئاً , إذاً حرم علينا الشرك , ما هو الشرك ؟ أن تعبد مع الله غيره فقد أشركت به , أن تجعل لله نداً وهو خلقك , كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم , لا تجعل لله مثيلاً في أي شيء يختص الله سبحانه وتعالى به ومن ذلك عبادتك له [ ألا تشركوا به شيئاً ] أي شيء , حجر شجر ملك نبي جن إنس كل شيء , ما يرضى , لا يرضى الله سبحانه وتعالى شريكاً أبداً من أي نوع . [ وبالوالدين إحساناً ] : فسرنا ذلك , نفس المعنى الذي تقدّم . [ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ] : الإملاق هو الفقر , كانوا قديماً في الجاهلية إذا كان الشخص عنده قلة ذات يد , فقير ما عنده ما ينفق على أبنائه , دفن ابنه حياً في التراب وقتله لكي يتخلّص منه , ما عنده ما ينفق عليه , فنهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك [ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ] : من فقر [ نحن نرزقكم وإياهم ] : تكفل الله سبحانه وتعالى برزق كل عبد , كل عبد سيأخذ ما كتب الله له من الرزق [ولا تقربوا الفواحش ] : الفواحش التي هي المعاصي , فهذا نهي من الله تبارك وتعالى عن إتيان المعاصي , أي معصية , بما أنه ثبت في الكتاب والسنة أنها معصية فهي من الفواحش , [ ما ظهر منها وما بطن ] : هذا يشمل جميع المعاصي . [ ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ] : نفس المسلم محرمة , لا يجوز قتلها إلا بالحق وكذلك نفس المعاهد الذمي , هؤلاء كلها نفوس محرمة حرمها الله سبحانه وتعالى [ إلا بالحق ] : من ذلك الحق : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث " من هذا الحق " الثيب الزاني " الثيب : يعني المتزوج أو المتزوجة إذا زنى يقتل رجماً , حده في الشرع , " والنفس بالنفس " القاتل يقتل , " والتارك لدينه المفارق للجماعة " المرتد , المرتد يقتل , فحد المرتد القتل إذا لم يتب , يستتاب فإن لم يتب يقتل , إذاً لا يجوز قتل النفس إلا بالحق , بما شرع الله سبحانه وتعالى وبما أذِن به , [ ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ] : يعني : ما تقدم هذا أمركم به أمراً مؤكداً [ لعلكم تعقلون ] يعني : أوصانا بهذه لنعقلها , لنفهمها ونعمل بها [ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ] يعني لا تأخذوا من مال اليتيم إلا بما أجاز لنا ربنا تبارك وتعالى , اليتيم : هو من مات أبوه ولم يبلغ , يعني : من ماتت أمه هذا لا يسمى يتيماً , يسمى يتيماً عندما يموت أبوه فقط ولم يصل إلى سن البلوغ , إذا بلغ لا يسمى يتيماً , إذاً لا بد أن يموت أبوه وأن يكون دون سن البلوغ كي يسمى يتيماً , هذا إذا كان له مال , فيوصينا الله سبحانه وتعالى بماله خيراً أن نصونه وأن نحفظه وألا نمسّه إلا بما شرع الله سبحانه وتعالى لنا وأجاز , [ إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ] يبقى ماله عندنا ولا نمسه إلا بما شرع الله إلى أن يبلغ الولد اليتيم أشدّه , يعني : الرشد وزوال السفه , يعني : مع البلوغ يكون عاقلاً قادراً أن يتصرف بماله , عندئذ نعطيه ماله , إذا بلغ ولم يكن عاقلاً لا نعطيه , إذا كان عاقلاً ولم يبلغ لا يعطى حتى يبلغ ويزول عنه السفه , ويصبح رشيداً عاقلاً , عندئذ يعطى هذا المال [ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ] يعني : اعدلوا في الأخذ والإعطاء والبيع والشراء , [ لا نكلف نفساً إلا وسعها ] : هذا من رحمة الله تبارك وتعالى بنا أن الله سبحانه وتعالى ما كلفنا إلا بما نطيق وما نقدر عليه , [ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ] هذا أمر بالعدل في القول وفي الفعل عالقريب والبعيد , فالواجب هو العدل , والواجب شهادة الحق عالقريب والبعيد [ وبعهد الله أوفوا ] يعني : وصية الله سبحانه وتعالى التي وصاكم بها أوفوا بها , يعني : اعملوا بها والتزموا بها , [ ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ] [ وأن هذا صراطي مستقيماً ] هذه شريعة الله ودينه الذي أمركم به وهو طريق الله المستقيم , [ صراطي ] : الصراط هو الطريق , طريق مستقيم لا اعوجاج فيه , [ فاتبعوه ] هذه شريعة الله تبارك وتعالى أوجب الله عليكم اتباعها , وطريق الحق واحد , يبين لنا هذا , طريق الحق واحد , هنا النبي صلى الله عليه وسلم خطّ خطاً مستقيماً ثم خط على جانبيه خطوطاً ثم قال : " على كل خط من هذه الخطوط _ التي على جانبيه _ شيطان يدعو إليه , وهذا طريق الله المستقيم , واقرؤوا إن شئتم : [ وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ] إذاً : اتبعوا طريق الحق ولا تتبعوا طرق الضلال [ فتفرّق بكم عن سبيله ] يعني : تضيعكم عن طريق الحق , فطريق الحق واحد وطرق الضلال كثير , طريق الحق هو ما كان عليه الصحابة [ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ] ديننا دين اتباع , نمشي خلف من قبلنا , من قبلنا من هم ؟ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه , لا تخترع , لا تبتدع , لا تبتكر , ما في شيء في ديننا من اختراعاتك وابتكاراتك الحديثة , لا تغترّ بعقلك , اتبع بس , هذا المطلوب منك , الحمد لله , السلف قد بينوا لنا كل شيء , كل شيء قد بُيّن لنا وما تركونا إلا دين صافٍ نقي واضح وضوح الشمس , بس نحن علينا أن نقرأ كلامهم وأن نفهم وأن نبلغ بس , نجمع , نحن كلامنا الذي نعطيكم إياه الآن كله جمع من كلام العلماء , ليس من عندنا شيء , لسنا أهلاً لأن نجتهد الآن , نحن أهلٌ فقط لأن نبلغ , فنحن نحمل كلام العلماء ونبغلكم إياه , هذا ديننا دين اتباع , مازال السلف رضي الله عنهم أئمتهم ينقل بعضهم عن بعض , الإمام أحمد يقول : " لا تقل بقول ليس لك فيه إمام " هذا ديننا , دين اتباع , وليس دين ابتداع , افهموها جيداً هذه , كلمة ابن مسعود رضي الله عنه :" اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " خلاص كفاكم السلف بيان كل شيء , إيضاح كل شيء , ما عليكم إلا أن تأخذوا وأن تعملوا وأن تبلغوا بس , فدين الله دين اتباع , منهجنا منهج واحد هو المنهج الحق , ما في عدة مناهج حق وطرق كثيرة توصلك إلى الله , لا , الطريق الذي يوصلك إلى الله هو طريق واحد وهو الطريق الذي سلكه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ ] هؤلاء قد اتبعوا طريقأ وصلوا به إلى ماذا ؟ إلى مرضاة الله وإلى الجنة فنحن طريقنا خلفهم , فمن أراد النجاة فليلزم الاتباع ويترك الابتداع , لا يعمِل فكره وعقله في دين الله سبحانه وتعالى , اتركك من هذا , ابق فقط متبعاً لأئمة الإسلام , إذا وجدت لك سلفاً في مسألة فقل بها وإذا سكتوا عن شيء فاسكت عنه , بس , هذا هو ديننا , وهذا منهجنا , [ ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ] لعلكم تصلون إلى تقوى الله سبحانه وتعالى بالأخذ بشريعته وأن تمشوا على ما أمركم به ثم قال المؤلف رحمه الله : " قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- التي عليها خاتَمُه فليقرأ قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} الآية " هذا الأثر ذكره من كلام ابن مسعود ثم ذكر الآيات التي تقدمت : [ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً ] وهذا الشاهد : [ ألا تشركوا به شيئاً ] هذا الأثر الذي ذكره عن ابن مسعود أراد أن يبين من قوله : من أراد أن ينظر إلى وصية محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- التي عليها خاتَمُه , من قوله : وصية محمد صلى الله عليه وسلم : يعني وصيته قبل موته ممّا يدل على أنهنّ آيات ثابتات غير منسوخات , هذا ما أراده من ذكر هذا الأثر , وهو تأكيد لما تقدّم , لكن هذا الأثر ضعيف لا يصحّ , لا نعتمد عليه , نعتمد على ما تقدّم مِن شرحٍ وهو كافٍ الحمد لله , هذا الأثر في سنده داود الأودي مُختلَفٌ فيه : هل هو داود بن عبد الله الأودي الثقة ؟ أم هو داود بن يزيد الأودي الضعيف ؟ هما اثنان , داود بن عبد الله الأودي وداود بن يزيد الأودي , جاء في الإسناد داود الأودي , أيهما ؟ أحدهما ثقة والثاني ضعيف فلَم نعرف , فلهذا توقفنا في هذا الخبر , فلا يُصحَّحُ هذا الخبر ويبقى ضعيفاً نظراً لأننا لم نعرف داود هذا الذي روى الأثر أهو الثقة أم الضعيف ؟
ثم قال المصنف رحمه الله : " وعن معاذ بن جبل قال: كنت رديف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على حمار _ يعني كنت أجلس خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حمار _ فقال لي: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً" قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" أخرجاه في الصحيحين "
هنا معاذ كان خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الحمار فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلّمه علماً فقال , فأتاه بصيغة السؤال لأن هذا يعني يثير الانتباه والاهتمام , فقال : يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد ؟ وما حق العباد على الله ؟ , إذاً تبين من هذا أن للعباد حقٌّ على الله وأن لله حقاً على العباد , من هذا السؤال , لكن معاذ قال : الله ورسوله أعلم , لأنه لا يدري , الله ورسوله أعلم , هذه يصح أن تقولها في المسائل الشرعية لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالشريعة التي آتاه الله سبحانه وتعالى كلَّها , لكن , أمورٌ غيبيّةٌ لا يصحّ أن تقول : الله ورسوله أعلم , فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم من الغيب إلا ما علّمه الله سبحانه وتعالى , إذاً أمرٌ من الشرع , نعم , تقول الله ورسوله أعلم , لا بأس , لكن أمر من غير الشرع وأمر غيبي فهنا تقول : الله أعلم فقط . قال :" حق الله على العباد " : الآن حق الله على العباد , يعني ما الذي يجب على العباد لله سبحانه وتعالى , حقٌّ ثابت , قال :" أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً " وهذا الشاهد عندنا , تفسير التوحيد , أن يعبدوا الله وحده ولا يعبدوا معه غيره , هذا معناه , عبادة الله فسّرناها والشرك قد فسّرناه . قال :" وحق العباد على الله " : هل هناك أحد يجعل على الله حقاً ؟ لا , لكن هو يجعل على نفسه حقاً , ما في بأس , إذاً , هذا حقٌّ للعباد جعله الله على نفسه , لا محذور في هذا أبداً , لا يوجد أحد يُلزم الله سبحانه وتعالى بشيء ويجعل حقاً عليه أبداً , لكن الله سبحانه وتعالى يجعل حقاً على نفسه , هذا جائز , ما في بأس , حق العباد على الله الذي جعله الله على نفسه إذا هم وحّدوه , ماذا لهم من حق ؟ قال : ألا يعذّب من لا يشرك به شيئاً , هذا حقّهم , فمن مات على التوحيد لا يعذبه الله سبحانه وتعالى , من مات على التوحيد محقّقاً للتوحيد حق التحقيق هذا لا يعذبه الله سبحانه وتعالى , إذاً هذه من فضيلة تحقيق التوحيد وترك الشرك ألا يعذبك الله سبحانه وتعالى . " قلت : يا رسول الله , أفلا أبشّر الناس " بهذه البشرى , وهذا فيه استحباب أن تبشّر أهل الخير بالخير , وأن تبشر الناس بالخير , قال :" لا تبشرهم فيتّكلوا " يعني ربما يفهم بعض الناس من هذا أنه يعتمد على توحيده ويترك العمل , فيتركون التنافس في الأعمال , وهذا فهمٌ خاطئ , لذلك خشية أن يفهم هذا بعض الناس خطأً وأن يترك العمل قال له : " لا تبشرهم فيتّكلوا " , لكن معاذاً كان يخبر به تأثّماً وأخبر بهذا الحديث تأثماً أن يكون قد كتم العلم , لذلك أخبر بهذا الحديث , الشاهد من ذلك قوله : " أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً " هذا هو تفسير التوحيد , ثم قال :" أخرجاه في الصحيحين " يعني أخرجه البخاري ومسلم وهما أصح كتابين بعد كتاب الله تبارك وتعالى وكل ما في صحيح البخاري صحيح وكل ما في صحيح مسلم صحيح ماعدا أحاديث قليلة حصل فيها خلاف بين العلماء , وإلا أكثر الأحاديث التي فيهما قد أجمع العلماء على صحة ما فيهما , وهذا الحديث مما فيهما , وقد اتفق العلماء على صحته فهو حديث صحيح , وبهذا نكون قد فسرنا التوحيد وفهمنا معناه وأكملنا بدايته والله الموفِّق والحمد لله رب العالمين , والدرس القادم نكمل إن شاء الله.


قام بتفريغ هذه المادة الصوتية إخوانكم في معهد البصرة العلمي . جزاهم الله خيرا

آخر تعديل بواسطة أبو زيد رياض الجزائري ، 12-05-2015 الساعة 23:42
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-05-2015, 15:22   #2
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

تفريغ الدرس الثاني :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, أما بعد : كنا قد بدأنا في الدرس الماضي بشرح كتاب التوحيد , وبدأ المؤلف رحمه الله بتفسير التوحيد , فعرفنا في الدرس الماضي ما هو التوحيد وما هو الشرك . التوحيد باختصار هو إفراد الله تبارك وتعالى بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات , فهو أنواع ثلاث :
توحيد الربوبية : وهو إفراد الله تبارك وتعالى بالخلق والملك والتدبير , يعني إفراد الله سبحانه وتعالى بأفعاله الخاصة به.
توحيد الألوهية : هو إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة , بمعنى أننا لا نتعبد لأحد إلا لله تبارك وتعالى , فلا نتقرب لأحد إلا لله تبارك وتعالى , وما ثبت أنه عبادة في الكتاب أو في السنة فلا يجوز صرفه لغير الله , كالصلاة والصيام والذبح والنذر , وسيأتي إن شاء الله تفصيله.
توحيد الأسماء والصفات : أن نثبت لله ما أثبت لنفسه من أسماء وصفات وأن ننفي عنه ما نفى عن نفسه , وأن نسكت عما سكت.
ولكل واحد من هذه الأنواع تفصيل.
وأما الشرك فهو أن تجعل لله نداً وهو خلقك , يعني أن تجعل لله مثيلاً , فإذا عبدت غيره معه فقد جعلت هذا الغير مثيلاً لله تبارك وتعالى , إذا اعتقدت أنه يخلق مع الله سبحانه وتعالى فقد جعلته ندّاً لله , جعلته شريكاً مع الله في الخلق , وهكذا , هذا معنى التوحيد ومعنى الشرك . اليوم معنا الباب الأول :
قال المؤلف رحمه الله :" باب بيان فضل التوحيد وما يكفّر من الذنوب " :
هذا الباب معقود لبيان فضل التوحيد.
الباب في اللغة : هو ما يُدخَل ويُخرَج منه.
وفي الاصطلاح : ما يجمع أنواعاً مختصّة من العلم هي أخصّ من موضوع الكتاب العام، هذا بالمعنى , فالباب هو فصلٌ من فصول الكتاب , هنا عندنا : باب بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب , يعني هذا الفصل الذي معنا اليوم , سنتحدّث فيه عن فضل التوحيد , فضل التوحيد : يعني ميّزة التوحيد ( الخير الذي تحصل عليه من وراء تحقيق التوحيد ) , فضل التوحيد : إذا حقّقت التوحيد ما هي الخيرات التي تحصل عليها ؟ هذا معنى فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب , يعني هذا الباب معقود لبيان فضل التوحيد ولبيان ما يكفّره من الذنوب, " باب بيان فضل التوحيد وما يكفّره من الذنوب " فيبيّن لنا هذا الباب فضل التوحيد ويبيّن لنا ما يكفّره من الذنوب , يعني أن التوحيد يكفّر الذنوب , طيب , تكفير التوحيد للذنوب هذه فضيلة وفضل له , طيب , لماذا ما قال : باب فضل التوحيد وخلاص , وتكلم بعد ذلك عن تكفير الذنوب ؟ قالوا : لأن تكفير الذنوب هي أعظم فضيلة للتوحيد , فلذلك خصّها بالذكر, فعطفها على فضل التوحيد , هذا هو السبب , فتكفير الذنوب هي من فضائل التوحيد , وفضائله كثيرة , ولو لم يكن للتوحيد فضيلة إلا أنه ينجيك من النار وتخلّد به في الجنة , لكفت , ولو لم يكن في الشرك الذي هو ضده إلا أنه يخلدك في نار جهنم ويحرمك من دخول الجنة لكفى . لماذا المؤلف بدأ بفضل التوحيد بعدما عرّف لنا التوحيد ؟ بدأ بفضل التوحيد بعد تعريفه ليرغّب فيه ويحثّ عليه لأن معرفته أو معرفة فضله تجعل النفوس ترغب به وتتعلّق به وتشتاق إليه , فلذلك يذكر لنا الفضائل كي يرغّبنا بالتوحيد.
قال المؤلف رحمه الله :" وقول الله تعالى : [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ] "
[ الذين آمنوا ] : يعني المؤمنين خاصة , والمؤمنون المقصودة هنا هم أهل الإسلام لا غير.
[الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ] [وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ] أي ولم يخلطوا إيمانهم بظلم , اللَبس هو الخلط , بظلم : يعني بشرك كما سيأتي إن شاء الله , ما يدل على هذا التفسير بأن الظلم أنواع :
  • ظلم النفس : يعني يظلم المرء نفسه بالمعاصي والذنوب , يعمل المعاصي والذنوب فيظلم نفسه .
  • ظلم الغير : يضرب الغير بغير وجه حق , يأخذ ماله , يسفك دمه , هذا ظلم للغير .
  • والظلم الثالث هو المقصود : هو ظلم الشرك , الشرك ظلم فالظلم وضع الشيء في غير موضعه , والشرك : أن تعبد غير الله سبحانه وتعالى , هذا شرك , فوضعك للعبادة في غير محلّها هذا ظلم , فإذاً الشرك ظلم , وهو المقصود هنا , وليس المقصود الأول ولا الثاني .
من أين قلنا هو المقصود هنا ؟ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : لما نزلت : [ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ...] قلنا : يا رسول الله أيُّنا لا يظلم نفسه , قال : ليس كما تقولون - هم الآن عندما فهموا الآية فهموها على عمومها ومن ضمن الظلم الذي فهموه هنا : ظلم المرء نفسه , فنفى النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى - قال : ليس كما تقولون - أي ليس معنى الظلم هنا ما ذهبتم إليه - [ لم يلبسوا إيمانهم بظلم ] بشركٍ , ففسّر الظلم هنا بالشرك , فهذا اللفظ لفظ عام ولكن المراد به الخصوص ( خصوص الشرك ) قال النبي صلى الله عليه وسلم : أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه :[ يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ] إذاً الشرك ظلم , وظلمٌ عظيمٌ لذلك فسّرنا الظلم هنا بالشرك لأنه جاء في الحديث , خلاص , بعد الحديث ما في قول , [ أولئك ] : يعني : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم , فهذا الاسم , اسم الإشارة يرجع إلى المذكورين , [ لهم الأمن وهم مهتدون ] إذاً الأمن لمن ؟ لمن آمن ولم يلبس إيمانه بشرك , [ لهم الأمن وهم مهتدون ] فلهم الأمن ولهم الهداية , قال ابن كثير رحمه الله تعالى : " هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده ولم يشركوا به شيئاً وهم المسلمون الإسلام العام , بالمعنى العام , الذين أخلصوا العبادة لله وحده , أخلصوا العبادة لله , يعني جعلوا عبادتهم لله فقط , ولم يعبدوا معه غيره , وحده لا ثاني معه , ولم يشركوا به شيئاً , أي شيء , لا حجر ولا شجر ولا إنس ولا جن ولا ملك ولا شيء , ما عبدوا مع الله غيره , أولئك هم الآمنون يوم القيامة _ الكلام لابن كثير _ الآمنون يوم القيامة , آمنون من الخوف يوم القيامة لما حققوا أمنوا عند الله تبارك وتعالى ولا يخافون , المهتدون في الدنيا والآخرة , مهتدون في الدنيا : يهديهم الله سبحانه وتعالى في الدنيا , يهديهم إلى العلم النافع , علم الشرع الذي ينفعه وللعمل أيضاً , العمل الصالح , فالهداية المقصودة هنا هداية التوفيق وهداية البيان , فالهداية في الشرع حفظكم الله تنقسم إلى قسمين : هداية توفيق وهداية بيان , إحداهما نفاها الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم فهي خاصة بالله , والثانية أثبتها لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال جل في علاه :[ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ] , تمام ؟ نفى عنه الهداية هنا , والمنفية هنا هداية التوفيق , التوفيق بيد الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء والهداية المثبتة للنبي صلى الله عليه وسلم قال :[ إنك لتهدي إلى صراط مستقيم ] يعني : ترشد الناس إلى طريق الحق , هداية الإرشاد وهداية التوفيق , هداية الإرشاد والبيان : تبيّن لك الحق ترشدك إلى طريق الحق , هذه الهداية المثبتة للنبي صلى الله عليه وسلم , الهداية المنفية هي هداية التوفيق : هذه بيد الله وخاصّةٌ بالله , الله سبحانه وتعالى يوفّق من يشاء ويضل من يشاء , هذه خاصّة بالله لذلك نفاها عن نبيّه صلى الله عليه وسلم فالهداية هدايتان , والمؤمنون يعطيهم الله سبحانه وتعالى الهدايتين هنا فيهديهم طريق الحق ربنا تبارك وتعالى ويبيّن لهم طريق الرشاد , ويوفّقهم إلى العمل بطاعته تبارك وتعالى , فهم مهتدون في الدنيا , هذا معنى هداية الدنيا , ومهتدون في الآخرة , يهديهم الله تبارك وتعالى إلى الجنة فيفوزون بالجنة , هذا معنى ما ذُكِر في هذا الموطن , إذاً الذين آمنوا , أهل الإيمان خاصة , ولم يلبسوا إيمانهم بظلم , هذا شرط , يؤمن , يحقق التوحيد , يخلص فيه , ولا يشرك مع الله أحداً , [ ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ] : هل لهم الأمن التام ؟ أم لهم أصل الأمن ؟ هنا إذا حققوا التوحيد تحقيقاً تامّاً فلهم الأمن التامّ , وإذا أتوا بأصل التوحيد ووقعوا في الذنوب والمعاصي فهؤلاء أمرُهم إلى الله , ربّما يعذبهم وربما يعفوا عنهم , فهؤلاء لهم الأمن على قدر ما حققوا من توحيد , وكذلك يُقال في الهداية , الشاهد أن فضيلة التوحيد هنا : من حققه فله الأمن والهداية بالمعنى الذي وصفنا , فهذه فضيلة عظيمة , وخلاصة القول : أن الفضيلة التي أراد أن يبيّنها المؤلف هنا , فضيلة التوحيد , أن الموحد له الأمن يوم القيامة , فلا يخاف من عذاب الله تبارك وتعالى , وله الهداية في الدنيا والآخرة , فهو ينعم بنعمة الأمن ونعمة الهداية , نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله.
ثم قال المؤلف رحمه الله : " وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» . أخرجاه. " عن عبادة بن الصامت الخزرجي أبو الوليد صحابيّ مات بالرملة في فلسطين , مدينة كبيرة في فلسطين , كانت عاصمة فلسطين لأربعة قرون في عهد الدولة الأموية , قال رحمه الله :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له " من شهد أن لا إله إلا الله . ما معنى شهادة أن لا إله إلا الله ؟ الشهادة _ بارك الله فيكم _ هي إقرار باللسان عما يصدّقه القلب ويؤمن به , عندما تذهب أنت وتشهد أمام القاضي , يشهّدك على ماذا ؟ تشهد على ماذا ؟ تشهد على أمرٍ رأيتَه وأنت موقن به تعتقده , هذا معنى الشهادة , الشهادة إقرار باللسان بما يُكِنُّه القلب , فعندما تقول : أشهد أن لا إله إلا الله أنت تقرّ وتعترف بهذه الكلمة وتؤمن بها , " أن لا إله إلا الله " : لا إله: يعني لا معبود , الإله هو المعبود , لا معبود بحقٍّ إلا الله , هنا لا إله إلا الله , لا نريد أن ندخلكم في قضايا الإعراب , لا : اسمها إله وتحتاج إلى خبر , فلا بدّ من تقديرٍ هنا , باختصار , الذي فهم هذا فهم , ما فهم ما في مشكلة إن شاء الله , ما نريد أن ندخلكم في هذه القضايا , لكن المهم : لا بد من تقدير ها هنا , فماذا نقدّر ؟ نقدّر : لا إله حق , لماذا قدّرنا هذه ؟ لقول الله تبارك وتعالى :[ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ ] إذاً معنى لا إله إلا الله : لا معبود حقٌّ إلا الله , لا يصح أن تقول لا معبود إلا الله فقط , لأن المعبودات كثر , لكن المعبود بحق الذي عُبد ويستحق أن يُعبد هو الله سبحانه وتعالى وحده لذلك نقدّر هنا : لا معبود حقٌّ إلا الله سبحانه وتعالى , إذاً هنا عندما تقول : أشهد أن لا إله إلا الله تقول : أُقرّ بلساني وأعترف بما أؤمن به وأعتقده من أنه لا معبود بحق إلا الله , " وحده " : هذه تأكيد للإثبات أن الله هو المعبود , " لا شريك له " : تأكيد للنفي بأنه لا يُعبد إلا الله سبحانه وتعالى , لا إله إلا الله وحده لا شريك له : هذا هو معنى لا إله إلا الله , فمن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , " وأن محمداً عبده ورسوله ": أيضاً يقرّ ويعترف بأن محمد بن عبد الله الهاشمي عبدٌ لله تبارك وتعالى ورسول له , لماذا قال :" عبده ورسوله "؟ لماذا لم يقل رسوله واكتفى ؟ أو قال عبده واكتفى ؟ هذا نفي للإفراط والتفريط , بعض الناس يُفرِط : يغلو يتجاوز الحد في النبي صلى الله عليه وسلم فيعطيه أكبر من مكانته ويعبده مع الله سبحانه وتعالى , وهذا مذموم , لذلك قال : عندما تشهد بأنه عبد لله تنفي عنه العبادة , فلا تعبدُه لأنه عبدٌ لله تبارك وتعالى , وبعض الناس يفرّط فيكفر به ولا يؤمن به لذلك أنت تقول : عبده ورسوله , تؤمن به وتخالف هذا المفرّط فأنت بذلك تكون معتدلاً نفيتَ الإفراط والتفريط , شهدت أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسولٌ لله تبارك وتعالى وهو بشرٌ , عبدٌ خاضع متذلل لله تبارك وتعالى , هذا نفيٌ للإفراط وللتفريط , " وأن عيسى عبد الله ورسوله ": يشهد بهذا أيضاً , في الأول كان الردّ على المشركين وفي الثاني ها هنا الرد على اليهود والنصارى , فأنت تتبرأ من دين هؤلاء كلهم عندما تشهد بهذه الشهادة , " وأن عيسى " : المقصود عيسى بن مريم عليه السلام , نبيّ الله تبارك وتعالى , تشهد أيضاً بأنه عبدٌ لله خلافاً لمن ؟ خلافاً لمن غلا فيه وأفرط ممن ؟ من النصارى الذين قالوا : هو ابن الله وهو ثالث ثلاثة , فأنت نفيت هذا بقولك وأن عيسى عبد الله , وهو أيضاً رسولهم , هذا رد على من ؟ ردٌّ على من فرّطوا , وهم اليهود كفروا به وقالوا : هو ابن زنا , عياذاً بالله من قولهم , فأنت هنا تؤمن به وتصدّق بأنه رسول من عند الله تبارك وتعالى وردّاً على اليهود , وتؤمن بأنه عبدٌ لله تبارك وتعالى : ردٌّ على النصارى , وفي البداية شهدتَ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ردّاً على المشركين , " وكلمته ألقاها إلى مريم " : ما هي كلمة الله ؟ ( كن ) قال له : كن فكان , " ألقاها إلى مريم " : لأن عيسى عليه السلام لا أب له , إنما أتى بكلمة من الله : كن فكان , " وروحٌ منه " : يلبّس بعض الكفرة على المسلمين في بلاد الغرب بهذا , وأنت متقولون في قرآنكم وفي سنة نبيّكم بأن عيسى روحٌ من الله إذاً فهو جزء من الله , فهو ابنه , فهو ابنه , هذا كذبٌ وهذا من التعلّق بالمتشابهات وترك المحكمات , عندنا آيات محكمات تدل على أن عيسى مخلوق من تراب , [إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ , الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ] لماذا نترك هذه الآية الصريحة ونأتي إلى آية مشتبهة ؟ متشابهة ؟ لأنه الهوى , نعوذ بالله , عندما تقول , نأتي إلى المعنى اللغوي الآن , عندما تقول : يدي قطعة مني , هنا ( من ) ماذا ؟ تبعيضية , أي : يدي جزء مني , هذه واحدة , وعندما تقول لشخص : هذا دينار مني تمام ؟ هذا دينار مني , هل الدينار جزء مني ؟ لا إذاً لا يصح أن تقول ( من ) هنا تبعيضية ولكنها بدائية , بداية الغاية بدأت من عندي , خرجت مني وهذا المعنى هو المقصود هنا " وروح من الله " : أي خلقٌ من خلقه تبارك وتعالى , طيب , لو قال لك قائل : فكلُّ الأرواح من الله فلماذا خص عيسى ؟ خصّ عيسى تكريماً له ولأنه لا أب له , فخصّه بهذا كما خصّ البيت , قال : بيت الله , وكما خصّ الناقة : ناقة الله , " والجنة حقٌّ , والنار حقٌّ " : لا بد أن تشهد أن الجنة حقٌّ , والحق ضد الباطل , فهو بمعنى الثابت , أي الجنة مخلوقة , موجودة , ولا شك فيها , والنار كذلك . والنار حقٌّ ثابتة , موجودة , وأنت إذا آمنت بالجنة والنار فقد آمنت بماذا ؟ بيوم القيامة , الذي كفر به المشركون , فيدفعك ذلك إيمانك باليوم الآخر إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى وإلى العمل بما أمرك الله سبحانه وتعالى , " أدخله الله _ من فعل هذا كلّه _ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " يعني لا بدَّ له من دخول الجنة ( من شهد بهذه الشهادة التي ذُكرت ) , من قصّر وارتكب الذنوب والمعاصي يُعذّب على قدرها ثم يدخل الجنة , فلا بدّ له من دخول الجنة , إن شاء الله أن يعاقبه , ومن لم يقصّر دخل الجنة مباشرة , هذا قولٌ من أقوال أهل العلم في تفسير هذا المعنى للحديث , والبعض قال : أدخله الله الجنة على ما كان من العمل , يعني يدخله الجنة ثم يكون مرتبته في الجنة , على حسب عمله , لأن مراتب الجنة متفاوتة , فهي مئة درجة , فكل شخص يكون في الدرجة التي تناسب عمله , " أخرجاه في الصحيحين ": الشاهد : فضيلة التوحيد , هي ماذا ؟ أن يدخلك الله الجنة على ما كان من العمل , " أخرجاه في الصحيحين " يعني أخرجه البخاري وأخرجه مسلم.
قال المؤلف رحمه الله : " ولهما في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» ." ولهما : يعني للبخاري ومسلم , " في حديث عتبان " هو عتبان بن مالك الأنصاري , صحابي , يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " فإن الله حرم على النار من قال : لا إله إلا الله , يبتغي بذلك وجه الله " حديث طويل , هذا جزءٌ منه , وهو المراد , فأراد المؤلف أن يبيّن هنا فضيلة التوحيد , وأن من حقق التوحيد حرم الله عليه النار , وهذه فضيلة عظيمة , لكن , لا يحصل على هذه الفضيلة إلا من حقق التوحيد بحق , لا يكفي منه أن يقول : لا إله إلا الله بلسانه فقط , لا , لا بد مع ذلك من العلم بمعناها , لا بد من العلم بمعناها [ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ] إذاً , لا بد من العلم , أما إذا لم تعلم معناها , فلا تنفعك شيئاً , وتكون كذاك الرجل الذي يأتيه المكان في قبره , فيقولان له : من ربك ؟ وما دينك ؟ وماذا تقول في هذا النبي الذي بعث فيكم ؟ فيقول : ها ..ها .. لا أدري , سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته , ما نفعه شيء , سمع الناس يرددون كلاماً فردده خلفهم , والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " الحديث في صحيح مسلم , إذاً لا بد من العلم بمعناها , وأن تعمل بمقتضاها , ليس فقط العلم بمعناها , تصدق بها , تؤمن بذلك , أن العبادة يستحقها الله ولا يستحقها غيره , فلا تشرك معه غيره , وتخضع وتتعبد لله تبارك وتعالى , هذا معنى العمل بمقتضاها , تؤمن بذلك وتعمل به , عندئذٍ تكون نافعة لك , وإلا لا تكون نافعة بمجرّد أن تتلفّظ بالكلام هكذا , دون أن تعرف معناه , أو دون أن تعمل به , أو أن تؤمن به , أبداً , قوله هنا :" يبتغي بذلك وجه الله " فيه ردٌّ على المرجئة الذين لا يشترطون مع قولك لا إله إلا الله شيئاً فهنا , فيه عندنا أمرٌ زائدٌ , قال :" يبتغي بذلك وجه الله " , يعني يقولها مخلصاً بها , مؤمناً بها , وفي رواية أخرى لحديثٍ آخر قال : " خالصاً من قلبه " يقولها , إذا قالها خالصاً من قلبه دفعته إلى العمل ولا بد , وكذلك في رواية أخرى :" غير شاكٍّ فيها " موقن , مصدق , موقن , صادق في قولها , هذا الذي ينفعك من قول لا إله إلا الله , إذاً الشاهد من هذا الحديث : أن من قال كلمة " لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " أنه يحرّمه الله سبحانه وتعالى على النار , عندنا إشكال , ثبت عندنا في الأحاديث الصحيحة الكثيرة أن أناساً ممّن معهم هذه الكلمة يدخلون النار ويُعَذّبون فيها ثم يُخرَجون منها , فكيف يقول هنا : " حرّم على النار من قال لا إله إلا الله " , وهؤلاء معهم كلمة لا إله إلا الله , ومسلمون , وجاء أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " وجاء عنه أيضاً أن من غلَّ الشملة يُعذّب بها في نار جهنم , وأن ما أسفل من الإزار ففي النار , ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار , أحاديث كثيرة مثل هذي تدل أن أصحاب الذنوب بعضهم سيدخل النار وسيعذَّب بالنار , مع أنهم مسلمون ومعهم كلمة لا إله إلا الله , وأحاديث الشفاعة كثيرة في ذلك ومتواترة , إذاً ما الفعل ؟ نقول : هذه الكلمة , من قالها خالصاً من قلبه _ كما جاء في رواية _ لا بد أن تدفعه إلى العمل والطاعة والقربة إلى الله والتوبة الصادقة , هذا يدخل الجنة ولا يُعذب , لأنه هذا لا يكون صاحب ذنوب وإذا كان صاحب ذنوب يتوب إلى الله سبحانه وتعالى , فهي يقينية في قلبه دفعته إلى العمل , أما بعض الناس فتكون ضعيفة في قلبه , فهذا يرتكب الذنوب , هذا كما صحّت الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنه يُعذَّب على قدر ذنبه , ثم يُخرَج , وأمره إلى الله , ربّما يعفو عنه ولا يعذبه , فصاحب الذنب الموحد إذا مات على ذنبه أمره إلى الله , إن شاء عذّبه , وإن شاء عفا عنه , وسيأتي هذا إن شاء الله , هذا المبحث بإذن الله , لكن المهم عندنا هو أن نفهم أنه ليس كل من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة وانتهى الأمر , لا , دين الله يجب أن يُفهم كاملاً مع بعضه , تجمع جميع الأحاديث , جميع الآيات في المسألة , ثم تخرج بنتيجة واحدة صحيحة , وهذا ما كان يفعله السلف , والحمد لله , والأمر كما قال ابن مسعود رضي الله عنه : " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم " بينوا لنا كل شيء بفضل الله وهذا مما استقرؤوا به نصوص الشريعة وبينوها لنا , فقالوا لنا : أن من قال : لا إله إلا الله , وحقق شروطها دخل الجنة , فإذا كان مذنباً , فأمره إلى الله , إذا شاء عفا عنه وأدخله الجنة , وإذا شاء عذبه على قدر ذنوبه ثم أخرجه من النار , وردّوا على الخوارج وعلى المرجئة بنصوص , منها هذه النصوص التي يستدل بها المرجئة , يُردُّ عليهم بالنصوص الأخرى ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن , وما شابه ) الخوارج يستدلّون بمثل : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) يُردُّ عليهم بمثل هذه الأدلة , أي نعم , والجمع بين كل الأدلة هو ما عليه أهل السنة والجماعة , المهم , الشاهد : عندنا الآن من هذا الحديث , هو أن من حقق التوحيد بحقٍّ , حرّم الله عليه النار , فإذا حقق التوحيد تحقيقاً تامّاً ( ابتعد عن المعاصي والذنوب , وجدّد توبة صادقة في كل مرة , وحتى يلاقي الله سبحانه وتعالى وهو محقق للتوحيد ) فيكون قد حرّم الله عليه النار مطلقاً , أما صاحب الذنوب , فكما ذكرنا , لكن في النهاية , من حقّق التوحيد , لا يُخلّد في نار جهنّم وهذه فضيلة عظيمة .
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى : " وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال موسى عليه السلام: يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله» . رواه ابن حبان والحاكم وصححه." أبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك , أنصاري , صحابي جليل , مشهور , معروف بالعلم , رضي الله عنه وأرضاه , يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : قال موسى , موسى بن عمران , النبي عليه السلام , قال : يا رب علّمني شيئاً أذكرك وأدعوك به , ممكن أن نستخرج أشياء من هذا الحديث لكن لأنه ضعيف لا نريد أن نطيل , قال : قل يا موسى لا إله إلا الله , قال : كل عبادك يقولون هذا , يعني الجميع يشتركون بهذا الذكر وأنا أريد شيئاً خاصّاً بي , " قال : يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري " , يعني كالملائكة , يعني السماوات السبع والملائكة وكل من في السماوات غير الله سبحانه وتعالى , " والأرضين السبع في كفة " يعني كفة ميزان , " ولا إله إلا الله في كفة " , في الكفة الثانية للميزان , " مالت بهن لا إله إلا الله " لعظم هذه الكلمة , " رواه ابن حبّان والحاكم وصحّحه " , يعني أجرها عظيم , على قدر عظمها , فهذا من فضلها , لكن لا نريد أن نطيل كما ذكرنا فالحديث هذا ضعيف , فهو من رواية درّاج عن أب الهيثم , ودرّاج هذا ضعيف وروايته عن أبي الهيثم أشد ضعفاً , فلا يصحّ , والذي تقدّم معنا يغني عنه والحمد لله . ثم قال المؤلف رحمه الله :" وللترمذي - وحسنه - عن أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا: لأتيتك بقرابها مغفرة» . " " أنس " : هو أنس بن مالك , صحابي , كان خادم الرسول صلى الله عليه وسلم لمدّة عشر سنين , وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم :" اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة " " وللترمذي وحسنه " : يعني هذا الحديث مخرّج عند الترمذي في جامعه , وحكم عليه بالحسن , وهي درجة يُقبل بها الحديث , الحديث منه صحيح ومنه حسن ومنه ضعيف , الصحيح والحسن مقبول , والضعيف مردود , يُعمل بالصحيح والحسن , أما الضعيف فلا يُعمل به , لكن هذا الحديث أخرجه الترمذي وفي سنده كثير بن فائد , قال الحافظ في التقريب : مقبول , أي إذا توبع , وإذا لم يُتابع فهو ضعيف , وقد توبع حقيقةً عند المقدسي في " المختارة " , فالحديث إن شاء الله حسن , كما ينقلون عن الترمذي , ومخرّج في " جامع العلوم والحكم " لابن رجب , وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر في الحديث القدسي , قال الله :( ومن أتاني يمشي أتيته هرولة , ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً , لقيته بمثلها مغفرة ) ووددتُ لو أن المؤلف وضع هذا الحديث بدل حديث الترمذي , لكن على كل حال : حديث الترمذي حسنٌ أيضاً إن شاء الله , والشاهد منه أنه إذا جاء ابن آدم بقراب الأرض خطايا , " بقراب الأرض " يعني ملؤها , أو ما يقارب ذلك , " خطايا " : أي ذنوب , ثم جاء إلى الله سبحانه وتعالى لا يُشرك به شيئاً , يعني : موحّد , موحّدٌ خالصٌ في توحيده , قال :" لأتيتك بقرابها مغفرة " يعني أن الله سبحانه وتعالى يغفر له إذا لقي الله موحّداً , قال أهل العلم: )) التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك , لا يبقى معه ذنب , لأنه يتضمن _ يعني التوحيد هذا _ يكون فيه محبة الله وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجاؤه وحده , ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قراب الأرض , فالنجاسة عارضة والرافع لها قوي )) انتهى كلامهم , يعني : إذا كان الإنسان حقق التوحيد تحقيقاً كاملاً لا يبقى مع هذا التوحيد ذنبٌ إلا ذهب , لأن المرء يكون في تحقيقه لهذا التوحيد , قد _ يعني _ امتلأ قلبه بالإيمان , وانتفت هذه الذنوب وحقّق توبة صادقة , وذهبت والله أعلم . على كلٍّ الأصل الذي ذكرناه سابقاً هو الذي نعتمد عليه في التفصيل في هذه الأحاديث , نعم , مهمٌّ جداً , يعني : خلاصة هذا الباب هو ما ذكرناه , من بيان فضائل التوحيد وأنه يكفّر الذنوب إذا كان توحيداً خالصاً , وأيضاً أعظم فضيلة له أنه ينجيك من نار جهنم , إما من الخلود فيها , أو من دخولها أصلاً , وأنه أيضاً _ يعني _ يدخلك الجنة ويُخلّدك فيها , فهذه فضائل عظيمة تجعل المرء _ يعني _ همته , تجعل همّة المرء عالية ليحقق التوحيد ويحرص عليه , وهنا حاشية مفيدة لأحد العلماء أحبّ أن أذكرها لكم , قال : (( كثير من الناس يخطئون في فهم أحاديث: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" فيظنون بأن التلفظ بها يكفي وحده للنجاة من النار ودخول الجنة، وليس كذلك ( يعني : مجرد التلفظ بها فقط لا يكفي في النجاة من النار ودخول الجنة )، فإن من يظن ذلك من المغرورين لم يفهم "لا إله إلا الله" لأنه لم يتدبرها _ يعني : لم يتأمل فيها _ إذ أن حقيقة معناها: البراءة من كل معبود، والتعهد بتجريد كل أنواع العبادة لله سبحانه وحده يعني تجعل العبادة خالصة لله فقط _ والقيام بها على الوجه الذي يحبه ويرضاه _ يعني : كما يحب الله سبحانه وتعالى أن تكون العبادة , وإذا أردت أن تقوم بالعبادة كما يحبها الله ويرضاها , إذاً لا بد أن تتعلّم كيف هي ؟ كيف فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ؟ كيف علّمنا إياها ؟ وتقوم بها على ذلك ( فمن لم يقم بحقها من العبادة، أو قام ببعض أنواع العبادة، ثم عبد مع الله غيره فدعا الأولياء والصالحين ونذر لهم وطاف بقبورهم , هذه عبادات _ لاحظ _ الدعاء , النذر , الطواف , وطاف بقبورهم واعتقد لهم السّرّ والبركة ونحو ذلك , اعتقد لهم السر والبركة : أي أنهم قادرين على أن يفعلوا أشياء _ يعني _ لا يقدر عليها الناس العاديين , وإنما يعملها الله سبحانه وتعالى , وعندهم بركة نافعة بأنفسهم ) قال : فإنه يكون هادماً لها ( يعني أنه قد أخل بها , ليست العبرة أن تقول الكلمة ثم تذهب تنقضها , ما ينفعك , تقول : أنا مؤمن ثم تذهب تسب الله سبحانه وتعالى , لا تبالي بالعبادة نهائياً , تذهب تعبد غير الله سبحانه وتعالى , إذاً أين ذهبت لا إله إلا الله ؟ أنت ما حققت منها شيئاً , القضية ليست قضية دعاوى وكلام فقط , لا ) قال : فلا تنفعه دعواه ولا تغني عنه شيئا، ولو كان مجرد قولها كافياً ما وقع من المشركين ما وقع من محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعاداته. ( يعني : يقول لك : إذا كانت مجرد أن تتلفّظ بها كافٍ , ليش يحارب أهل الشرك الذين هم كفار قريش ؟ لماذا يحاربون النبي صلى الله عليه وسلم ؟ لقالوها وخلاص , وبقيوا على تفاهُم وتواؤم , وما في حروب ولا قتال ولا شيء , لكن لما فهموا الآن ماذا يريد قالوا : [ أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيءٌ عُجابٌ ] أراد منهم أن يتركوا عبادة الأصنام , لذلك ما تركوا , وحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم ) قال الله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) - وقال - (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) , ( يعني لا إله إلا الله لا تنفعك إلا مع العلم ) فمن لم يوف بها ويعمل بمقتضاها لا ينفعه التلفظ. وكل من صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله فهو إما جاهل بمعناها، أو كاذب في ادعائه الإيمان، وأولئك هم المغرورون [ الأخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ] هذا ما قاله الشيخ الفقي , وهو تعليق نفيس طيب , يوضح خلاصة معنى لا إله إلا الله , ومتى تكون نافعة للعبد , والباب _ كما ذكرنا _ معقود لبيان فضائل هذه الكلمة , وقد تبيّن لنا الأمر والحمد لله رب العالمين . - تفريغ إخوانكم في معهد أورفا العلمي ( البصيرة ) "تركيا" جزاهم الله خيرا

آخر تعديل بواسطة أبو زيد رياض الجزائري ، 13-05-2015 الساعة 15:25
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-05-2015, 15:27   #3
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

تفريغ الدرس الثالث :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد :
فمعنا اليوم الباب الثاني من أبواب كتاب التوحيد .
قال المؤلف رحمه الله : " باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب " , هذا الباب كالمتمّم للذي قبله فدخول الجنة بغير حساب من فضل التوحيد , ذكر في البداية باب فضل التوحيد ثم ذكر لنا فضائل مَن حقّق التوحيد , الفضائل التي يحصل عليها من حقّق التوحيد , ثم ذكر لنا بعد ذلك هذا الباب وهي منزلة عالية , منزلة من حقق التوحيد , هذه يعني , تحقيق التوحيد تحقيقاً كاملاً , هذا دخل الجنة بغير حساب , وهذه المنزلة منزلة لا ينالها إلا مَن _ يعني _ اصطفاهم الله سبحانه وتعالى , ومعنى تحقيق التوحيد هنا : تصفيته وتخليصه من الشرك والبدع والمعاصي , فهذا معنى تحقيق التوحيد , تخليصه وتصفيته من الشرك والبدع والمعاصي , فمَن حققه بهذه الطريقة دخل الجنة بغير حساب , لا يُحاسب على المعاصي ولا على غيرها , وتحقيقه لا يكون إلا بالعلم , بالعلم بمعنى لا إله إلا الله ومعنى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والانقياد والاعتقاد والانقياد , الاعتقاد : أن تعتقد معناها , والانقياد لها بأن تعمل بما تقتضيه وتدلُّ عليه , فمجرّد العلم والاعتقاد لا ينفع , لا بد معهما من عملٍ , العمل والاعتقاد والانقياد إذا تحقق عند العبد وأخلص في توحيده إخلاصاً تامّاً بحيث انتفى عنه الشرك وانتفت عنه البدع وانتفت عنه المعاصي : دخل الجنة بغير حساب , بدأ المؤلف رحمه الله في هذا الباب بآية وهي قول لله تبارك وتعالى : [ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِين َ ] " إبراهيم " النبيّ , معروف , " كان أمة " : يعني كان إماماً , ونحن قدّمنا أن الأمة في القرآن تأتي على أربعة أوجه , تأتي بمعنى إمام , وبمعنى دهر , زمن , وبمعنى جماعة , وبمعنى دين " إن إبراهيم كان أمة " : يعني كان إماماً , إماماً يُقتدى به فقد كان قدوة إماماً معلّماً للخير ," قانتاً " : القنوت هو دوام الطاعة , كان دائم الطاعة لله سبحانه وتعالى ," قانتاً لله حنيفاً ": الحنيف : هو المائل عن الشرك , المائل عن الشرك يعني كان محقّقاً للتوحيد كان مائلاً عن الشرك إلى التوحيد ," ولم يك من المشركين ": ما كان على طريقة المشركين فلم يكن يعبد غير الله تبارك وتعالى بل كان يعبد الله سبحانه وتعالى وحده , وما كان يبتدع في دين الله وما كان يفعل المعاصي والذنوب التي يفعلها المشركون , فقد كان إبراهيم عليه السلام محقّقاً للتوحيد كمال التوحيد وقد صفّى وخلّص توحيدَه من الشرك ومن البدع ومن المعاصي التي كان عليها المشركون فهذه الآية فيها ثناء من الله تبارك وتعالى على إبراهيم , لماذا استحقّ إبراهيم هذا الثناء , استحقّه لأنه حقّق التوحيد بماذكره الله سبحانه وتعالى :[ إن إبراهيم كان أمة ] كان إماماً , إماماً يُقتدى به , ولا يصير الشخص إماماً إلا إذا حقّق التوحيد وحقق الخير [ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ] فإبراهيم كان صابراً , كان موقناً , ابتلاه الله سبحانه وتعالى بأنواع من الابتلاءات , ابتلي , حارب قومه على التوحيد , حارب قومه , ويعني دعاهم إلى الخير فآذوه وأرادوا أن يحرقوه في النار فصبر , وابتلاه الله سبحانه وتعالى بأن يذبح ابنه فصبر وأطاع الله سبحانه وتعالى , فكان صابراً , صابراً على الطاعة , صابراً عن المعصية , صابراً على أقدار الله سبحانه وتعالى , هكذا يكون الإنسان صابراً , ولا بد من أن يؤذى الإنسان في طريق الدعوة ولا بد له من الصبر , فكان إبراهيم صابراً وكان موقناً بالله سبحانه وتعالى , محقّقاً للتوحيد تحقيقاً تامّاً , عليه الصلاة والسلام , فإبراهيم كان إماماً , لماذا ؟ لأنه كان قانتاً لله , يعني كان مطيعاً له سبحانه وتعالى ودائم الطاعة وهذا من تحقيق التوحيد أنه كان مطيعاً لله سبحانه وتعالى وكان حنيفاً : مائلاً عن الشرك , مائلاً عن البدع , مائلاً عن المعاصي [ ولم يك من المشركين ] : ما كان على طريقة المشركين , هذا كله يبيّن لنا أن إبراهيم كان محقّقاً للتوحيد , لذلك استحقّ الثناء من الله سبحانه وتعالى , وعندما يثني ربنا تبارك وتعالى على شخصٍ بهذه الطريقة فيريد منا أمرين : الأمر الأول : أن نحبه وأن نتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بحبّه لأن أوثق عُرى الإيمان : الحب في الله والبغض في الله , فبما أنه كان على هذه الدرجة من تحقيق التوحيد والإخلاص لله سبحانه وتعالى , كان مؤمناً إذاً يجب علينا أن نحبّه ونتولّاه والأمر الثاني : الذي يجب علينا فيمن أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم كإبراهيم عليه السلام : أن نقتدي به فيما أُثنيَ عليه فيه , أثنى الله سبحانه وتعالى عليه بدوام الطاعة , أثنى عليه بتحقيق التوحيد , إذاً نحن نقتدي به في التوحيد , والله سبحانه وتعالى قال لنا في كتابه الكريم : [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ] التأسّي بإبراهيم فيما كان عليه من تحقيق التوحيد ماذا كان يقول إبراهيم لقومه ؟ [إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ] هكذا كان إبراهيم وكان قومه يتبرّؤون من الكفر والمشركين , يتبرّؤون من الكَفرة ويتبرؤون من الكفر ويتبرؤون من المشركين ويتبرؤون من الشرك , أي نعم , يحقّقون التوحيد تحقيقاً تامّاً , تحقيق التوحيد يكون بما ذكرنا , أسأل الله أن يوفّقنا وإياكم لطاعته , هذه بالنسبة للآية الأولى ثم بعد ذلك ينتقل المؤلف إلى الآية الثانية
قال المصنف رحمه الله :" وقال الله تعالى :[ والذين هم بربّهم لا يُشركون ] " : قال الشُّرّاح هنا : وصف الله تبارك وتعالى المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهم بالصفات التي أعظمها أنهم بربهم لا يُشركون , هذه الآيات التي قبل هذه الآية قد ذكر الله سبحانه وتعالى من صفات المؤمنين , الصفات الطيّبة , ومن هذه الصفات التي هي أعظمها أنهم بربهم لا يشركون , قالوا : ولما كان المرء قد يعرض له ما يقدح في إسلامه من شركٍ جليٍّ أو خفيٍّ , وسيأتي إن شاء الله تفصيل في بيان الفرق بين الشرك الجليِّ والشرك الخفيِّ , نفى ذلك عنه , فهم غير واقعين لا في الشرك الجلي ولا في الشرك الخفي , شركٌ جلي : شرك واضح , يعبدون غير _ عبادة غير _ الله سبحانه وتعالى , شركٌ خفي : كالرياء , وسيأتي تفصيله إن شاء الله , قالوا وهذا هو تحقيق التوحيد الذي صحّت به أعمالهم وكملت ونفعتهم , فهذه الآية تدلّ على أن من حقّق التوحيد _ يعني _ له فضيلة , فضيلة الثناء عليه من الله تبارك وتعالى . ثم قال المصنف رحمه الله تعالى : " عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير " هذا الحديث الذي سيبدأ به هو الذي فيه الدلالة الصريحة الواضحة على ما أراد المؤلف رحمه الله من هذا الباب , قال المصنف رحمه الله : " عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ " حصين بن عبد الرحمن : هو السُّلَميّ توفّي سنة مئة وست وثلاثين , يقول " كنت عند سعيد بن جبير " وسعيد بن جبير أحد علماء التابعين , وهو فقيه من أصحاب ابن عبّاس رضي الله عنه , يقول حصين : " كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ " يسأل سعيد بن جبير جلساءه , فقال لهم : أيكم رأى الكوكب _ أي النجم _ الذي انقض البارحة؟ يعني سقط البارحة , البارحة : هي أقرب ليلة مضت , " فقلت " ( والكلام لحصين بن عبد الرحمن ) , " فقلت : أنا , ثم قلت " الآن حصين ما زال يتكلّم " أما إني لم أكن في صلاة , ولكنّي لُدغتُ " : شوفوا الآن , عندما تكون في مجلس كهذا , ويُقال : مَن منكم في الساعة الفلانية من الليل رأى الشيء الفلاني ؟ وتلك الساعة التي ينام فيها الناس , وأهل طاعة الله يقومون يصلون , عندما تقول أنت بأنك كنت مستيقظاً ورأيت ذاك الكوكب , ماذا يُظن بك ؟ يُظن بك أنك كنت قائماً تصلي , ومن ورع السلف رضي الله عنهم ومن دينهم وتقواهم أنهم ما كانوا يحبّون أن يتشبّعوا بما لم يُعطَوا فخشي على نفسه , حصين , أن يدخل في حديث :" من تشبّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبَي زور " نفى عن نفسه المباشرة كي لا يُظن فيه أمرٌ حسنٌ طيب وطاعة ليست هي موجودة فيه , فنفى هذا الأمر عن نفسه وهذا من صلاحه ومن خيره جزاه الله خيراً , قال :" أما إني لم أكن في صلاة " فلا تظنّوا أني كنت أصلي ولكن لُدِغتُ , لكن الذي أيقظني في تلك الساعة أنني لُدغت لدغة عقرب , فقال سعيد بن جبير رضي الله عنه ورحمه : " فماذا صنعت ؟ " عندما لدغت ماذا فعلت ؟ , " قلت " : والكلام لحصين :" ارتقيت " وعند مسلم , قال : " استرقيت " يعني : طلبت الرقية , يعني : طلب من أحدٍ أن يرقيه رقية , يقرأ عليه آيات أو يذكر أحاديث فيها ذكر ودعاء كي يبرأ , قال :" فما حملك على ذلك ؟ " لاحظ هنا بعد أن قال له :" ارتقيت " أو " استرقيت " , طلب منه ماذا ؟ طلب منه الدليل , حجّة , هكذا كان السلف يطلبون الأدلة على الأفعال التعبّدية , فقال له : " ما حملك على ذلك ؟ " , ما الذي دفعك أن تطلب الرقية في أمرٍ كهذا ؟ " قلت : " والكلام لحصين , " حديث حدثَناه الشعبي " هو عامر بن شُراحيل الشعبي , أحد الحفّاظ الثقات من التابعين " قال : وما حدثكم ؟ " الآن يريد أن يسمع ما هو الدليل ؟ " قلت : حدثنا بريدة بن الحصيب " بريدة بن الحصيب هذا صحابي " أنه قال : لا رقية إلا من عينٍ أو حُمَة " بريدة بن الحصيب يذكر الخبر من عنده ليس مرفوعاً , لكن هذا الخبر جاء مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحّ عنه : لا رقية إلا من عين , يعني : إذا أُصيب الشخص بعين , فالرقية جائزة في هذا الموضع , " أو حمة " : قالوا : معنى الحُمَة : هو السّمّ , فإذا أصاب الإنسان سُمّ , يعني : لدغته عقرب أو ثعبان أو ما شابه فيرتقي , ما في بأس , وقوله هنا : لا رقية إلا من عين أو حمة , الحديث في ظاهره يدلّ على أن الرقية _ يعني _ لا تصحّ إلا في هذين الأمرين , وهذا غير صحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رقى وارتقى في أمور ليست هي من هذين الأمرين , فلذلك حمل العلماء معنى هذا الحديث أنه لا رقية أنفع من الرقية في هذين الأمرين , " لا رقية إلا من عين أو حمة " قلنا : معنى العين : يعني الحسد , " أو حمة " يعني سم , " قال : قد أحسن من انتهى إلى ما سمع " الكلام لسعيد بن جبير , قال : لقد أحسن من انتهى إلى ما سمع , يعني : من سمع بحديث ودليل وعمل به ووقف عنده , قد أحسن , ولكن قد أساء من عمل في الأمور التعبّدية بعمل ليس عليه دليل , وقد أساء من سمع بالدليل ولم يعمل به , أما من انتهى إلى ما سمع فقد أحسن , يعني : جزاه الله خيراً أنه وقف عند الدليل الشرعي , سواء كان أصاب أو أخطأ , لكنه وقف عند الدليل الشرعي فيُشكر على ذلك , " ولكن " : لكن عندي أنا قولٌ آخر , الآن الكلام لسعيد بن جبير , عندي قولٌ آخر في المسألة , وسيبدأ يبيّن له القول الثاني الذي عنده , نعم
فقال سعيد بن جبير :" ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ابن عباس : هو عبد الله بن عباس بن عبد المطّلب , ابن عمّ النبي صلى الله عليه وسلم , كان عالماً فقيهاً , فقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل ) ونفع الله به نفعاً عظيماً , يقول ابن عباس _ ناقلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم _ أنه قال :" عُرضت عليَّ الأمم " عُرِضَت على النبي صلى الله عليه وسلم الأمم , يعني : رآها , وقد _ يعني _ صُوِّروا له , ورآهم النبي صلى الله عليه وسلم , بعض أهل العلم قال : كان ذلك في ليلة الإسراء , لكن هذا لا يصحّ لأن هذا الكلام كان في المدينة , على كلٍّ هذا لا يهم , المهم أنهم عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم حقيقةً , كما قال عليه الصلاة والسلام , " فرأيت النبي ومعه الرهط " رأى النبيّ ومعه الرهط , لما عرضت عليه الأمم , أمةُ _ مثلاً _ بني إسرائيل , أمة موسى , أمة _ مثلاً _ إبراهيم , وأمة النبي صلى الله عليه وسلم , هذه الأمم , تُعرَض عليه كل أمةٍ ومعها نبيُّها , فقال عليه الصلاة والسلام : " فرأيت النبي ومعه الهط " الرهط : يعني الجماعة , " والنبي ومعه الرجل والرجلان " يعني : والنبي ومعه الرجل , والنبي ومعه الرجلان , تَصوّر , أمةٌ ربما تُعَدُّ بالآلاف يأتيهم النبي يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى فلا يؤمن معه إلا رجلٌ أو رجلان , هذا يدلك على أن الداعية إذا لم يسمع الناس له ولم يستجيبوا , لا يدل ذلك على فشله في دعوته ولا بد , لا , فربّما يكون ذلك سببه فساد الناس _ كما الحال عندنا هنا _ يأتي النبي وليس معه إلا رجل , ونبيٌّ وليس معه إلا رجلان , فيدلّنا هذا على أن الحق لا يُعرَف بالكثرة , الحق لا يُعرف بالكثرة , فهؤلاء الأمم , كانت أمة كاملة على طريق , ونبيّها كان على طريقٍ آخر , والحق كان مع النبي , قال : " والنبي وليس معه أحد " يأتي نبيّ إلى أمة فلا يستجيب له أحد , هذا دليل واضح وقوي على أن الحق لا يُعرَف بالكثرة , قال : " إذ رُفع لي سواد عظيم " : سواد : الأشخاص من بعيد إذا رأيتهم تقول رأيت سواداً , رأيت أناساً يعني , فرُفع له سواد عظيم , يعني : أشخاص كُثُر , بجمعٍ كبير , حتى ظنّهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أمّته , وهو يعلم أن أمّته كُثُر , فقال : " فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه " هذا يدلنا على أن بني إسرائيل الذين آمنوا مع موسى كُثُر , قال :" فنظرت فإذا سواد عظيم " سواد آخر , أشخاصٌ كُثُر غير الأُوَل , " فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب " مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب , لا يحاسبهم الله سبحانه وتعالى على أعمالهم , ولا يُعذَّبون ,, يدخلون الجنة مباشرةً , ومن فضل الله أنه قد جاءت في رواية ثانية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فاستزدت ربي ( يعني : طلب الزيادة من الله سبحانه وتعالى ) فزادني مع كل ألفٍ سبعين ألفاً , هذه الرواية صحيحة , أما " مع كل واحد سبعين ألفاً " لا تصحّ , وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة , لكن : ما وصف هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب , وهو محل الشاهد الذي أراده المؤلف رحمه الله مِن سَوقِ هذا الحديث في هذا الموطن , " ثم نهض " أي النبي صلى الله عليه وسلم , " فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك " يعني : بدأ الناس يفكّرون في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب , من هم ؟ فكلُّ واحد منهم يطرح فكرة , ظنّاً منه أنهم هم , " فخاض الناس في أولئك. فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا يدلك على معرفة الصحابة بمنزلة مَن صحب النبي صلى الله عليه وسلم , لذلك كان ظنّهم أنّهم هم الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب , " وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئا " يعني لم يعبدوا صنماً ولم يعبدوا حجراً ولا أشركوا بالله أبداً نشؤوا على التوحيد وبقوا على التوحيد , " وذكروا أشياء " لكن هذه كلّها ظنون منهم , " فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه." فأخبروه بما يفكّرون به , وبما اختلفوا فيه , " فقال: هم الذين لا يسترقون " : هذا الوصف الأول , لا يسترقون , يعني لا يطلبون الرقية , لا يطلبون الرقية من غيرهم , إذا أصابهم شيء لا يذهب إلى شخص يقول له : ارقيني , هذا معنى لا يسترقون , فلا يطلبون الرقية , جاء في رواية " لا يرقون " أي : _ يعني _ لا يرقوا غيرهم , لا تحصل منهم الرقية لغيرهم , وهذه الرواية خطأ , فقد رَقى النبي صلى الله عليه وسلم , ورُقي عليه الصلاة والسلام , وقال : " لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً " فهذا كلّه يدل على أن هذا لا ينافي كمال التوحيد , كمال الإخلاص وكمال الاعتماد على الله سبحانه وتعالى فلذلك كانت هذه الرواية رواية خاطئة , والصواب : " لا يسترقون " يعني : لا يطلبون الرقية , لماذا ؟ لكمال الاعتماد على الله تبارك وتعالى , أحياناً , وهذا نراه في زمننا هذا , نجد الناس إذا علِموا من شخصٍ أنه يرقي , وأن كثيراً من الناس شفاهم الله على يديه , تعلّقت قلوبهم به بعضَ التعلّق , قأخلَّ ذلك في كمال الاعتماد على الله , تبارك وتعالى , فلذلك قال : " الذين لا يسترقون " فلا يطلبون الرقية من أي أحد اعتماداً على الله تبارك وتعالى , لا يعني ذلك ألا نأخذ بالأسباب المشروعة التي هي ليس فيها إخلال بالاعتماد على الله تبارك وتعالى كالتداوي مثلاً , لا , من ظنّ ذلك من أهل العلم فهو خاطئ , لقد تداوى النبي صلى الله عليه وسلم وداوى عليه الصلاة والسلام , فلا يُخلّ هذا بالتوحيد أبداً , ولا في كماله إذا صدق الاعتماد , إذا صدق الإنسان في اعتماد قلبه على الله تبارك وتعالى وعَلِم واستيقن أن هذه الأشياء هي مجرّد أسباب , والله سبحانه وتعالى قد أمرَنا بالأخذ بالأسباب , فنحن نأخذ بها لأن الله سبحانه وتعالى أمرَنا بها , ولأنه علّق الأشياء بأسبابها , أما الاعتماد فيكون على الله , نوقن بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحقق لا ما نريد مِن شفاءٍ وغيره , قال :" هم الذين لا يسترقون " لا يسترقون : لا يطلبون الرقية , " ولا يكتوون " لا يطلبون الكيّ , لا يطلبون من أحدٍ أن يكويهم , الكي معروف , الحرق بالنار , وهذا كانوا يستعملون للعلاج كثيراً وما زال إلى يومنا هذا يستعملونه للعلاج , وقد اختلف العلماء في مشروعية الكي , جاء في صحيح البخاري عن ابن عبّاس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الشفاء في ثلاث : شربة عسل وشرطة مِحجَم وكيّة بنار , وأنا أنهى عن الكيّ " وفي رواية :" وما أحب أن أكتوي " قال ابن القيّم رحمه الله : قد تضمّنت أحاديث الكي أربعة أنواع _ يعني جاءت أحاديث في الكي , خلاصتها والذي تدل عليه أربع أشياء _ يعني : جاء من فِعلِه صلى الله عليه وسلم , وجاء فيها : عدم محبّته للكي , وجاء فيها الثناء على من ترك الكي , وجاء فيها النهي عن الكي , قال : ولا تعارض بينها بحمد الله فجمع ابن القيّم بين هذه الأحاديث جميعاً فقال : إنّ فعله له يدل على جوازه _ على جواز الكي _ , وعدم محبّته :" لا يدلّ على المنع منه , كونه لا يحبّه لا يدلّ على أنه محرّم وأما الثناء على تاركه فيدلّ على أن تركه أولى وأفضل , يعني : ليس محرّماً بس الأحسن أن تترك , وأما النهي : فعلى سبيل الاختيار والكراهة , يعني نهى عنه كرامة له , يعني : خلاصة الموضوع أن الكي مكروه وليس محرّماً , هذا إذا ما اكتويت بنفسك مثلاً أو كواك أحد وأنت لم تطلب منه , فهو مكروه , لكن لا تطلب الرقية , لا تطلب الكي عفواً , لأنك إذا طلبته خرجت من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب , قال : " هم الذين لا يسترقون " : لا يطلبون الرقية , " ولا يكتوون " : لا يطلبون الكي , " ولا يتطيّرون " التطيّر هو التشاؤم , وهو محرّم , ومن الشرك _ كما سيأتي إن شاء الله باب مستقل لهذا الأمر _ أصله : كان الناس في الجاهلية إذا أرادوا أن يفعلوا شيئاً طيّروا طيراً , فإذا طار هذا الطائر يميناً تفاءلوا خيراً ومضوا في أمرهم , وإذا مضى هذا الطير شمالاً , تشاءموا شرّاً وتركوا الطريق وما مضوا في أمرهم , هذا أصل التسمية , الطيرة , وهي التشاؤم , وهي شرك كما قال عليه الصلاة والسلام : " الطيرة شرك " ومن فعلها لم يعتمد على الله سبحانه وتعالى في أمره , وقد أبدلنا الله تبارك وتعالى خيراً منها , أبدلنا الاستخارة , أصلي ركعتين غير الفريضة , ركعتي نافلة , المهم من غير الفريضة وتدعو بدعاء الاستخارة , فأنت بذلك تعتمد على الله اعتماداً تامّاً وتكل الأمر إليه , فيفعل لك ما فيه خير , قال في النهاية : " وعلى ربهم يتوكّلون " هذه خلاصة الموضوع , المراد أصلاً أنهم يعتمدون على ربهم تبارك وتعالى في تحقيق مآربهم , وغاياتهم فيما يريدونه , تعلّق قلوبهم يكون على الله سبحانه وتعالى لا على غيره , لا على الأسباب , فهم بذلك لا يطلبون من أحدٍ الرقية , ولا الكي , ولا يتطيّرون , لكمال اعتمادهم على الله تبارك وتعالى , هذا المعنى المقصود فمَن تحقق منه ذلك فقد حقّق التوحيد تحقيقاً تامّاً , لذلك يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب , وقد وصل إلى هذه المرتبة , وصل إلى تحقيق التوحيد بكلّ معانيه , من ترك الشرك كبيره وصغيره , ظاهره وخفيّه , ومن ترك البدع والمحدثات , وترك المعاصي والذنوب , لا يعني ذلك أنه لا تقع منه معصية , ربّما تقع المعصية من جميع الناس , لكنه يستغفر ويتوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويعتمد على الله اعتماداً كاملاً , قال : " فقام عكاشة بن محصن فقال: " أحد الصحابة كانوا جالسين يسمعون " فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم " من السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب , " قال: أنت منهم " هذه بشرى طيبة لعكّاشة , فنحن نشهد لعكّاشة بن محصن بأنه من أهل الجنة , لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا فقال : أنت منهم , ونحن من عقيدتنا : ألا نشهد بالجنة إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم , وإلّا بشكل عام نرجو للمحسن ونخاف على المسيء , نحكم للمؤمن بالجنة ونحكم للكافر بالنار , ولكن بشكلٍ عامٍّ , أما كتحديد للمؤمن بأنه ( أنت ستدخل الجنة ) هذا أمره إلى الله سبحانه وتعالى وليس لنا , لكن هنا نشهد لعكّاشة بأنه من أهل الجنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد له بذلك , " ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: سبقك بها عكاشة " سبقك بها عكّاشة , لماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم ؟ هؤلاء سبعون ألفاً ومع كل ألفٍ سبعون ألفاً , يعني : ممكن أن يكون هذا الآخر والذي بعده والذي بعده لكن هنا قال بعض أهل العلم : هذا الرجل كان منافقاً , لذلك ما قال له النبي صلى الله عليه وسلم , ما دعا له النبي صلى الله عليه وسلم , وقال له : سبقك بها عكّاشة , كي يغلق الباب _ عليه الصلاة والسلام _ عليه , وبعضهم قال : لا , وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغلق الباب , لأنه لو قال لهذا سيقوم الذي بعده , ويقوم الذي بعده , فلا ينتهي الأمر , فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغلق الباب فقال : " سبقك بها عكّاشة " فهو _ يعني _ ردّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان لإغلاق الباب , وهذا الظاهر _ والله أعلم _ أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يُنهيَ الأمر , فقال : " سبقك بها عكّاشة " . خلاصة الأمر : الشاهد : أن من حقق التوحيد تحقيقاً تامّاً , صفّاه ونقّاه من كل أنواع الشرك , ومن البدع ومن المعاصي واتبع النبي صلى الله عليه وسلم اتباعاً حقيقياً , فهذا مقتضى كلمة : أشهد أن محمداً رسول الله , وبترك البدع وترك المعاصي , والتعبّد لله سبحانه وتعالى بما شرع , فعندئذ يكون المرء ممن يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب , نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيّاكم من أهل ذلك , وهذا يدلّ على فضيلة تحقيق التوحيد , الفضيلة العظيمة , والناس في ذلك مراتب ودرجات , نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل هذه الدرجة التي يدخل أهلها الجنة بغير حساب ولا عذاب , وفقنا الله وإيّاكم لطاعته , ونكتفي بهذا القدر اليوم , والحمد لله .

قام بتفريغه : إخوانكم في معهد أورفا العلمي (البصيرة ) وفقهم الله
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-05-2015, 15:32   #4
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

تفريغ الدرس الرابع :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد : فاليوم معنا باب جديد من أبواب شرح كتاب التوحيد أو من أبواب كتاب التوحيد , قال المؤلف رحمه الله تعالى :" باب الخوف من الشرك " : هذا الباب معقود ليبيّن فيه المؤلف خطر الشرك , وإذا عُرِف خطره وجب الخوف منه واجتنابه , فبعد أن يبيّن في الأبواب السابقة : التوحيد , وبيّن فضله , أراد أن يبيّن هنا : ما يُضادّ التوحيد , وهو الشرك , ويبيّن خطره , فإذا عُرف خطر الشرك وجب الخوف منه , والحذر منه والابتعاد , لذلك عقد لنا هذا الباب _ رحمه الله _ فقال :" باب الخوف من الشرك " : والشرك تقدّم معنا تعريفه , وخير ما يُعرّف به : قول النبي صلى الله عليه وسلم :" أن تجعل لله نِدّاً وهو خلقك " فأن تجعل لله نداً , يعني : مثيلاً , شريكاً له , فيما هو من خصائصه يُعتبَر شركاً , فيدخل في ذلك الشرك في الربوبية , والألوهية , والأسماء الصفات , وكما ذكرنا , بيّنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم :" أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك " وكذلك الحديث القدسي الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : بأن الله عز وجلّ قال :" أنا أغنى الشركاء عن الشرك , من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري , تركته وشركَه " هذا يبيّن لنا معنى الشرك " من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري , تركته وشركَه " تعمله تتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى به , ثم تذهب وتتقرّب به إلى غير الله سبحانه وتعالى , هذا هو معنى الشرك , لأن العبادة _ عبادتك _ يجب أن تكون لله وحده , فإذا عبدت غير الله معه فقد أشركت معه غيره فيما يختص به سبحانه وتعالى , فتَعبُّدُك وتقرّبك يجب أن يكون لله وحده , وألا يكون لغيره معه منه شيء وكذلك أيضاً , أن تعتقد أنّ الله هو الخالق , الرازق المدبّر , فإذا اعتقدت أن غيره خالقاً معه , فقد أشركت , إذا اعتقدت أن غيره مدبّرٌ معه فقد أشركت , وهكذا , فتعرف ما هو خاصٌّ بالله سبحانه وتعالى وتجعله خاصّاً بالله سبحانه وتعالى ولا تجعل لغيره فيه شيء , هذا معنى التوحيد , وهذا معنى الشرك , الآن , يقول المؤلف رحمه الله : " وقوله تعالى : [ إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ] " هذه الآية ساقها المؤلف كي يبيّن لنا خطورة الشرك , وخطورته تتبيّن في هذه الآية من أي وجه ؟ من وجه أن الشرك لا يغفره الله سبحانه وتعالى فالأمر خطير , الذنوب , بقية الذنوب التي هي أدنى من الشرك ( أقل من الشرك ) يغفرها الله سبحانه وتعالى تحت مشيئته , والمقصود من هذه الآية : عندما يلقى العبد ربه يوم القيامة , هذا المقصود بها , وليس في الدنيا , في الدنيا : جاء قول الله سبحانه وتعالى : [ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ] فيشمل ذلك الشرك والذنوب والمعاصي , كلها يغفرها الله سبحانه وتعالى إذا تاب العبد ورجع إلى الله قبل أن يموت , قبل أن يغرغر , يعني قبل أن تخرج الروح من الجسد , في الدنيا : إذا تاب تاب الله عليه مِن الشرك فما دون , لكن بعد الموت إذا لقي الله سبحانه وتعالى بالذنوب , هو تحت مشيئة الله , إن شاء الله عفا عنه وغفر له تلك الذنوب , ولم يعذّبه عليها وأدخله الجنة , وإذا شاء عذّبه على ذنوبه , على قدرها , ثمّ أخرجه الله من النار إلى الجنة , أما الشرك , فلا يغفره الله , إذا مات الإنسان مشركاً , فهو معذّبٌ في نار جهنّم قولاً واحداً , لا يغفر الله سبحانه وتعالى الشرك هذا إذا كان الشرك , والشرك قسمان , الشرك قسمان : شركٌ أصغر وشركٌ أكبر , أما الشرك الأكبر : فينطبق عليه ما ذكرنا لأن الشخص إذا لقي الله سبحانه وتعالى بالشرك الأكبر فهو مخلّد في نار جهنّم , يدخل نار جهنّم ولا بدّ , ويُخلّد فيها ولا يخرج منها أبداً , أما الشرك الأصغر فلا يُخلّد فيها , ولكن , هل لا بدّ أن يدخلها ؟ أم يغفر الله سبحانه وتعالى له إذا شاء ؟ يعني : هل هو تحت المشيئة كصاحب الذنوب ؟ إن شاء الله أن يعفو عنه عفا عنه , ولا يدخله النار أصلاً ؟ أم أنه لا بد أن يُعّذب في نار جهنم على قدر ذنبه ثم يخرج ؟ صاحب الشرك الأصغر لا يُخلّد في نار جهنّم , هذه يجب أن تعلمها , هذا الأمر الأول , الأمر الثاني : هل تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى إذا لي الله على ذاك الشرك ( يعني : الشرك الأصغر ) , هل هو تحت المشيئة , إذا شاء الله عذبه ؟ أو إذا شاء غفر له كبقية الذنوب والمعاصي ؟ أم أنه لا يكون تحت المشيئة ؟ بل لا بد أن يُعذّب في نار جهنم , ثم يخرج منها ؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين : البعض قال : لا بدّ أن يدخل نار جهنم , ويُعذّب على قدر ذنبه ثم يخرج منها , والبعض قال : لا , هو كبقية الذنوب ( إذا شاء الله سبحانه وتعالى عفا عنه وإذا شاء عذّبه ) , قولان لأهل السنة والجماعة , وسبب الخلاف في نفس الآية , مَن فهمها على ظاهرها اللغوي قال : لا يدخل تحت المشيئة صاحب الشرك الأصغر , لا بد أن يُعذَّب لأن الله سبحانه وتعالى قال : [ إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ] وهذه الصيغة في أصول الفقه تعني العموم , إن الله لا يغفر إشراكاً به , لا أريد أن أدخل معكم في هذه التفصيلات , كثير منكم لم يدرس الأصول , ولم يدرس الدلالات اللغوية , فلا أريد أن أدخل في هذه القضايا , المهم في الموضوع : أن تفهم بالدلالة اللغوية هنا والأصولية , يدلّ , تدلّ هذه الآية على العموم , عموم الشرك , فيشمل الأكبر والأصغر , لكن سياق الآية ( موضوعها وما سيقت لأجله ) يدلّ على أن المقصود الشرك الأكبر , فمن نظر إلى الناحية اللغوية قال : أي صاحب الشرك الأصغر لا بدّ أن يُعذَّب ولا يغفر الله سبحانه وتعالى له , لا بد أن يعذَّب على قدر ذنبه ثم يخرج , ومن نظر إلى سياق الآية قال : لا , المقصود بالآية الشرك الأكبر , فهو الذي لا يغفره الله سبحانه وتعالى , وأما غيره , فالشرك الأصغر كبقية الذنوب والمعاصي , يغفرها الله سبحانه وتعالى إذا شاء , وإذا شاء أن يعذّب صاحبها عذّبه عليها , وهذا القول الثاني : هو الصحيح عندي , أن الآية المقصود بها الشرك الأكبر ولا يدخل فيها الشرك الأصغر , لكن المقصود على كل حال خطورة الشرك , فالشرك أمره خطير , حيث إن الله سبحانه وتعالى لا يغفره , لا بد لصاحبه أن يُعذّب في نار جهنم , وصاحب الشرك الأكبر يًخلّد في نار جهنّم قولاً واحداً , وأما صاحب الشرك الأصغر لا يخلّد في نار جهنم , يُعذّب على قدر ذنبه , إن عذّبه الله سبحانه وتعالى ثم يخرج إلى الجنة , لكن ذنبه عظيم , أكبر حتى من بقية المعاصي , فهو شرك في النهاية , سواء , المهم في الموضوع أنه يسمّى شركاً في شرع الله سبحانه وتعالى إذا كان من الشرك فهو أعظم من الذنوب , إذاً , خلاصة الموضوع : أن الشرك عندنا خطير , وخطورته أن الله سبحانه وتعالى لا يغفره , وذكرنا أن الشرك ينقسم إلى قسمين : شركٌ أكبر وشرك أصغر , الشرك الأكبر مُخرج من الملّة , صاحبه مُخلّد في نار جهنم , أما الشرك الأصغر فهو غير مُخرِج من الملّة , وصاحبه لا يُخلَّد في نار جهنّم , يُعذَّب على قدر ذنوبه ثم يخرج , وهو _ على الصحيح _ داخل تحت المشيئة , إذا شاء الله عذّبه وإذا شاء غفر له , كيف تعرف تميّز بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر ؟ الشرك الأصغر : ومنه الرياء , ومنه قول : [ ما شاء الله وشئت ] ومنه الحلف بغير الله في بعض الأحوال , هذا من الشرك الأصغر , ضابطه : كل ما دل الدليل على أنه شرك ( ورد في الدليل في الكتاب أو في السنة على أنه شرك ) وكان ذريعة إلى الشرك الأكبر , يعني : يوصل , وسيلة توصلك إلى الشرك الأكبر , كالحلف بغير الله مثلاً وسيأتي إن شاء الله تفصيل هذا كله , الحلف بغير الله شركٌ أصغر , لماذا ؟ لأنك عندما تحلف بشخص , تحلف بمُعظّم , والتعظيم هذا , أن تحلف بالمعظّم , لا يليق إلا بالله سبحانه وتعالى , فتعظيمك لهذا الشخص ربما يوصلك إلى تعظيمه كتعظيم الله سبحانه وتعالى , فتنتقل من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر , فهو ذريعة إلى الشرك الأكبر , هذا معنى أن يكون ذريعة إلى الشرك الأكبر , يعني : يوصلك إلى الشرك الأكبر , كأن تقول مثلاً : ما شاء الله وشئت , شركٌ من حيث اللفظ , أن ت تجعل مشيئة الشخص كمشيئة الله سبحانه وتعالى لأنك عطفتها عليها بحرف العطف " واو " الذي لا يفيد ترتيباً وهذا ربما يوصل إلى الشرك مع الله سبحانه وتعالى , أن تجعل مشيئة الشخص كمشيئة الله سبحانه وتعالى , الشرك الأكبر , فلذلك حُرِّم , فهو من الشرك الأصغر , وهكذا , فهذا هو الضابط في التفريق ما بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر , الشرك الأكبر هو : أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك , هذا تعريفٌ شاملٌ له , إذاً الشاهد من الآية أننا يجب أن نخاف من الشرك , لماذا ؟ لأن الشرك لا يغفره الله سبحاه وتعالى أبداً , بل صاحبه إذا لقي الله سبحانه وتعالى فهو خالد مخلّد في نار جهنم فمن دخلها مشركاً الشرك الأكبر لا يخرج منها ( من النار ) أبداً ,[ فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواهم النار ] وحرّم الله عليهم الجنة , هؤلاء المشركون الكفار , إذا لقوا الله سبحانه وتعالى , وهذا أخطر ما يمكن في الشرك أن تُخَلَّد في نار جهنم وألا تدخل الجنة أبداً , تُحرّم عليك , هذا المراد والمقصود من هذه الآية , إذاً : خلاصة الموضوع , لا بدّ أن نفرّق ما بين أن يكون الشخص مشركاً في الدنيا وأن يكون أيضاً مشركاً في , يلقى الله سبحانه وتعالى على الشرك , إذا أشرك في الدنيا تاب ورجع إلى الله سبحانه وتعالى قبل الغرغرة , قبل أن تنقطع التوبة , هذا يتوب الله سبحانه وتعالى عليه , وهذا المقصود من قول الله سبحانه وتعالى : [ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ] , أما إذا مات ولقي الله سبحانه وتعالى بهذا الشرك الأكبر , فهذا يدخل النار ولا بدّ , وهو مخلّدٌ في نار جهنم لا يخرج منها أبداً , نعم .
ثم قال المصنّف رحمه الله تعالى :" وقال الخليل عليه السلام :[ واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام ]" : الخليل هو إبراهيم عليه السلام , النبي , قال : [ واجنبني ] : يعني : اجعلني وبَنيَّ , واجنبني وبنيَّ , يعني : أبناءي , يعني , اجعلني واجعل أبناءي بعيدين عن عبادة الأصنام , [ واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ] : دعاءٌ من إبراهيم عليه السلام أن يجنبه الله سبحانه وتعالى وأن يجنّب أبناءه عبادة الأصنام , فإبراهيم عليه السلام وهو مَن هو في تحقيق التوحيد , كان يخاف على نفسه ويخاف على أبنائه من الشرك عبادة الأوثان , الأصنام , فكان يدعو الله سبحانه وتعالى بأن يجنّبه الله سبحانه وتعالى عبادة الأصنام , وكذلك كان يدعو لأبنائه بذلك , وقد استجاب الله سبحانه وتعالى له , يقول أحد أئمة السلف : " ومَن يأمن البلاء بعد إبراهيم ؟ " يعني : إذا كان إبراهيم عليه السلام _ وهو مَن هو _ كان يخاف على نفسه من عبادة الأصنام , فمَن يأمن من ذلك بعد ذلك ؟ إذاً نحن أولى بالخوف من عبادة الأصنام ومن الشرك من إبراهيم عليه السلام فنحن أقل علماً وأضعف إيماناً من إبراهيم , فنحن أحرى أن نخاف من الشرك , لذلك يجب علينا أن نحرص على العلم , فبالعلم تستطيع أن تجتنب الشرك , فأنت إذا ما كنت تعرف ما هو التوحيد وما هو الشرك , لن تستطيع أن تحرص على التوحيد , وأن تفرّ من الشرك , فلا بد من العلم , تتعلّم التوحيد كي تعمل به وتعرف الشرك كي تفرّ منه وتجتنبه , كما قال : " كان حذيفة رضي الله عنه يسأل عن الشرّ ويسأل عن الفتن , لا لأنه حريصٌ عليها , بل لأنه يريد أن يفرّ منها , وهكذا نحن نتعلم التوحيد كي نعمل به , ونتعلم الشرك كي نفرّ منه ونُحذّر منه , فإذاً , لا بد من العلم ولا بد أيضاً من العمل بعد العلم , تتعلم , تعتقد , تعرف ما الذي جاء به نبيّك صلى الله عليه وسلم , وما هي دعوته , وما الذي كان عليه كفار قريش , حتى تفرّ من ذلك ولا تقع فيه , فلا بد من العلم ومن الإخلاص ومن الدعاء , كما كان إبراهيم عليه السلام يفعل , إبراهيم نبيُّ الله سبحانه وتعالى كان يدعو بهذا الدعاء , فنحن أولى أن ندعو به وأن نحرص عليه , النبيّ صلى الله عليه وسلم أيضاً كان يدعو يقول :" يا مقلب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك " وهو نبيّ الله عليه الصلاة والسلام , فنحن أولى وأحرى بأن نجتهد في الدعاء كي يُثبّتنا الله سبحانه وتعالى على الحق ويجنبنا الباطل والضلال والشرك اقتداءاً بأنبيائه , الشاهد من هذه الآية أن إبراهيم يخاف الشرك على نفسه وعلى أبنائه فكان يدعو بهذا الدعاء , فنحن أولى بذلك , بقي أن نفسّر معنى الأصنام , الأصنام : ما كان منحوتاً على صورة , منقوش نقش , حجر تنقشه وتجعله على صورة إنسان , على صورة حيوان , هذا يسمّى صنماً , كانوا قديماً يعبدون هذه الأحجار , وكانوا أيضاً يعملون أصناماً من التمر , يعجنون تمراً ويجعلونه صنماً , وإذا جاع الشخص منهم أكله , والوثن : أعم من الصنم , فكلُّ ما عُبدَ من دون الله فهو وثن سواء كان على صورة أو على غير صورة , أما الصنم فهو خاصٌّ بالصورة فقط , هذا هو الصحيح في الفرق بين الأصنام والأوثان , فالقبور أوثان , الأشجار التي تُعبَد أوثان , وهكذا . ثم قال المصنف رحمه الله تعالى :" وفي الحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء" : أشدُّ ما أخاف عليكم , والنبي صلى الله عليه وسلم يخاطب أمّته , " الشرك الأصغر " : وقد فسّرناه ومنه الرياء " فسئل عنه فقال الرياء " : هذا أكثر ما يخافه النبي صلى الله عليه وسلم علينا , ليش ؟ لأنه دقيق , والناس لا ينتبهون إليه فيقعون فيه , إما بجهلٍ أو بغفلة , فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يخافه علينا كثيراً , من هنا جاء قول بعض السلف : " ما جاهدت شيئاً أشدّ عليّ من الإخلاص " , أيش يعني الإخلاص ؟ يعني : أن يعمل العبادة لا يريد بها إلا وجه الله سبحانه وتعالى , فالرياء يفسد الإخلاص , أيش معنى الرياء أصلاً ؟ مأخوذ من الرؤية , أن تعمل العبادة وتريد من الناس أن يروك كي يُثنوا عليك ويمدحوك , وهذا ليس خاصّاً بالرؤية , ربما حتى بالسماع , ترفع صوتك بالذكر مثلاً كي يسمعك الناس , يقولون : ما شاء الله , الرجل ذاكر , ترفع صوتك بقراءة القرآن , يقولون : ما شاء الله يقرأ القرآن وصوته حسنٌ بالقرآن أو بالفعل ترى فقيراً أمام الناس فتأتي وتعطيه مالاً من أجل أن يراك الناس , يقولون : متصدّق , هذا رياء , هذا معنى الرياء , المنافقون كانوا يُظهرون للناس الإسلام كي يراهم الناس أنهم مسلمون وهم في الحقيقة كفار , هذا أعظم أنواع الرياء , وهذا كفر , والرياء هذا من الشرك الأصغر , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم , ويُفسد الأعمال , العمل إذا بدأ أساساً بالرياء فهو فاسد , بدأتَ صلاتك كي يراك الناس ويقولون مُصلٍّ , صلاتك هذه باطلة , أما إذا دخل عليك الرياء في أثناء الصلاة , أنت دخلت في الصلاة لا تريد من وراء ذلك إلا وجه الله سبحانه وتعالى فقط , وكبرت :" الله أكبر " تكبيرة الإحرام , وبدأت بصلاتك , فرأيت أناساً ينظرون إليك , فحسّنت صلاتك من أجل أن يمدحوك , ودخل الرياء عليك , هنا يُقال : إما أن يطرده الشخص في هذه الحالة , يطرد الرياء , يطرأ على قلبه فيطرده , لا يستمرُّ معه , يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم , وينصرف عن هذا , ويُخلص عمله لله سبحانه وتعالى , فهذا لا يؤثّر في صلاته , وصلاته صحيحة , وإما أن يستمرّ معه , يعجبه الحال , يدخل عليه الرياء ويعجبه الحال , ويستمرّ معه , يرى أناساً ينظرون إليه فيدخل في قلبه شيء أنه يريد ثناءهم فبدل أن يصرفه استمرّ معه , هذا تبطل صلاته التي يصليها في لحظتها , مش كل صلاة من أولها إلى آخرها في حياته كلها , لا , الصلاة التي يصليها , لأن الصلاة مرتبط بعضها ببعض , فقط الصلاة التي يصلّيها مرتبطٌ بعضها ببعض , من تكبيرة الإحرام إلى التسليم , هذه كلها تبطل إذا استمر مع الرياء , هذا هو التفصيل لحكم المُرائي , وكما ذكرنا لكم , هذا الرياء من الشرك الأصغر فأمرُهُ خطير , والنبي صلى الله عليه وسلم خافه علينا لشدة خطورته , فنحن أولى أن نخاف على أنفسنا من الشرك , والواجب أن نخلص العمل لله سبحانه وتعالى , كيف تتخلص من الرياء ؟ وتجعل عبادتك خالصة لله سبحانه وتعالى ؟ أول الأسباب : الدعاء , أكثِر من دعاء الله سبحانه وتعالى أن يجنبك الرياء وأن يجنبك الشرك الأًصغر والأكبر , أكثِر من الدعاء كثيراً , فإذا كان الأنبياء كانوا يدعون كما تقدّم , فنحن أولى بالدعاء بارك الله فيكم , الأمر الثاني : تستحضر في كل عبادة أن تعمل العبادة لا تريد فيها إلا وجه الله , لا تريد فيها أي مقابل آخر من أي إنسان , وكلما استطعت أن تكون عبادتك بينك وبين الله فافعل , يعني : إذا تمكّنت أن تصلي قيام الليل وحدك في مكان لا يراك فيه أحد فهو الأفضل , إذا تمكنت من أن تتصدق بصدقة ولا يراك فيها أحد فهو الأفضل , لأن ذلك يكون أكثر إخلاصاً , فعندما لا يراك أحد , لا تكون تريد من ذلك إلا وجه الله سبحانه وتعالى , بس , لكن أحياناً تحتاج أن تعمل عبادات لا بد أن يراك الناس فيها , فهنا تحتاج أن تجاهد نفسك , " ما جاهدت شيئاً أشد عليّ من الإخلاص " , ولا يزال العبد في معارك مع نفسه في هذه القضية ويجب أن يتغلب عليها بكثرة الدعاء لله سبحانه وتعالى , ربّنا سبحانه وتعالى يعينه على هذا , وفقنا الله وإياكم إلى إخلاص العمل له وحده تبارك وتعالى , ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنّبنا الشرك الأصغر والأكبر
هذا الحديث الذي تقدّم : " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " أخرجه أحمد في مسنده , وهو صحيح , ثم قال المصنّف رحمه الله تعالى :" وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار" رواه البخاري " أي في صحيحه :" من مات " أي شخصٍ يموت " وهو يدعو " يعني : وهو يعبد غير الله سبحانه وتعالى , " وهو يدعو من دون الله " يعني : وهو يدعو , وهو يعبد من غير الله ندّاً مثيلاً لله تبارك وتعالى , لأنك إذا عبدت شخصاً فقد جعلته مثيلاً لله سبحانه وتعالى فالند هو الشبيه , النظير , المثيل , نفس المعنى , " من مات وهو يدعو من دون الله نداً " يعني : جعله لله نداً فعبده مع الله , لأن الدعاء هو العبادة كما جاء في حديث النعمان بن بشير قال : " الدعاء هو العبادة " , النبي صلى الله عليه وسلم , وهو في السنن الأربعة وهو صحيح , فهنا , من مات وهو يعبد غير الله سبحانه وتعالى دخل النار , من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار إذاً , ينبغي عليك أيش ؟ أن تخاف من الشرك أن تكون من أهل النار , وليس الدخول هنا فقط دخول مؤقت ثم تخرج , لا , هنا الدخول دخول مؤبد , لا تخرج منها أبداً , لأنه أيش ؟ لأنه قد دخل مشركاً , مات وهو مشرك , يدخل النار ولا يخرج منها أبداً , كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : [ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ] آية واضحة وصريحة , من مات مشركاً لا يدخل الجنة أبداً ومأواه النار , المأوى والمستقر له : هو , هي النار , لا يخرج منها أبداً , هذا معنى الحديث , هنا , أنه يدخل النار ولا يخرج منها , فهذا يقتضي أن تخاف من الشرك خوفاً شديداً وأن تفرّ منه , " رواه البخاري في صحيحه " قال المصنف رحمه الله " ولمسلم _ يعني في صحيح مسلم _ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" " من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة , هذي فضيلة التوحيد , أن من لا يشرك بالله سبحانه وتعالى لا بد له أن يدخل الجنة , بالتوحيد تدخل الجنة , وبالشرك تدخل النار , بالتوحيد تخلَّد في الجنة وبالشرك تخلَّد في النار , من مات لا يشرك بالله شيئاً , لا يشرك بالله سبحانه وتعالى شيئاً , يعني : لا يعبد مع الله أي شيء , لا حجر ولا شجر ولا نبي ولا ملك , لا إنس ولا جن , ولا أي شيء , نهائياُ , دخل الجنة , مأواه في النهاية واستقراره يكون في الجنة , ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار ولا بد , من أشرك مع الله سبحانه وتعالى غيره دخل النار , وهو مخلّد في نار جهنم بالشرك الأكبر , والشرك الأصغر على تفصيل كما ذكرنا سابقاً , إذاً الشاهد من هذا الحديث أنه من لقي الله سبحانه وتعالى , يعني مات على التوحيد فهو من أهل الجنة , ومن مات على الشرك فهو من أهل النار ويقتضي ذلك أن تخاف من الشرك وأن تفرّ منه , وأن تأخذ في الأسباب في ذلك , التي ذكرناها آنفاً , وبهذا نكون قد بيّنّا مراد المؤلف من سَوقه لهذه الآيات والأحاديث في هذا الباب , وخلاصته : أن المؤمن ينبغي أن يخاف من الشرك , ويحتاج لذلك أن يتعلم ما هو التوحيد وما هو الشرك كي يعمل بالتوحيد وكي يفر من الشرك , فإذا تعلّم وعرف , عمل بعد ذلك واجتنب ما علم أنه من الشرك , فما كان خاصاً بالله سبحانه وتعالى يفرده به ولا يشرك معه غيره , نسأل الله أن يوفّقنا وإياكم إلى توحيده وإخلاص العمل له وأن يجنبنا الشرك ما ظهر منه وما بطن , وفّقنا الله إياكم لطاعته , وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-05-2015, 15:35   #5
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

تفريغ الدرس الخامس :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله :

معنا اليوم الباب الرابع من أبواب شرح كتاب التوحيد ,

قال المؤلف رحمه الله تعالى : " باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله " ذكر المؤلف في بداية الكتاب تفسير التوحيد , وعرفنا ما هو التوحيد ؟ ثم ذكر فضل التوحيد كي يرغّبنا به , وذكر التخويف من الشرك الذي يُضادّ التوحيد , فأنت علمت _ فيما تقدّم _ أنه يجب عليك أن تتعلم التوحيد , وأن تعتقد معناه وأن تعمل بمقتضاه , بعد ذلك , لا تكتفي بنفسك , بل يجب عليك أيضاً أن تدعو الناس إلى التوحيد , لذلك أتى المؤلف رحمه الله بهذا الباب , وقال : " باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله " , شهادة أن لا إله إلا الله عرفنا معناها فيما تقدّم , وهي التوحيد ." الدعاء " : يعني : دعوة الناس إلى توحيد الله تبارك وتعالى , فهذا الباب معقود ليبيّن لك المؤلف وجوب دعوة الناس إلى التوحيد , كل مسلم يجب عليه أن يدعو الناس إلى التوحيد , وإلى طاعة الله سبحانه وتعالى وإلى شرعه , بحسب قدرته , وحسب ما يمرّ به من أناس , يبدأ بأهل بيته ومن حوله , أي نعم , فيدعو الناس إلى توحيد الله سبحانه وتعالى ولا يبقى ساكتاً , كل إنسان يجب عليه أن يدعو إلى دين الله سبحانه وتعالى بقدره , بالقدر الذي عنده من العلم , والقدر الذي يستطيعه . قال المصنّف رحمه الله تعالى : " وقول الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} " " قل " : يا محمد " هذه سبيلي " : هذه , التي هي , الطاعة التي أتيت بها , والدين الذي جئت به , دين التوحيد , والسنة , والطاعة . " هذه سبيلي " : أي : هذه الدعوة التي أدعو إليها هي طريقي , طريقتي , ودعوتي , فالسبيل هو الطريق , فهذا الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو طريقه , هو هديه . " أدعو إلى الله " : إذاً من طريقة النبي صلى الله عليه وسلم ومن هديه الدعوة إلى الله , ماذا يعني أن تدعو إلى الله ؟ يعني : أن تدعو الناس أن يوحّدوا الله سبحانه وتعالى وأن يدخلوا في دين الإسلام , وأن يطيعوا ربّهم تبارك وتعالى ويتّبعوا نبيّهم , هكذا تكون الدعوة إلى الله , تدعو الناس إلى أن يرجعوا إلى ربهم بالتوحيد وبالطاعة وباتّباع هدي النبي صلى الله عليه وسلّم , هذا معنى أن تدعو الناس إلى الله سبحانه وتعالى , لأن الذي يدعو كثير , اليوم خاصّةً نراهم كُثُر يدعون , وكلٌّ يدّعي أنه يدعو إلى الله لكن في الحقيقة , البعض يدعو إلى الله , والبعض يدعو إلى غير الله سبحانه وتعالى , الدعوة واحدة , كلّهم يقولون , يدّعون أنهم يدعون إلى الله , لكن الحقيقة خلاف ذلك . البعض يدعو إلى الله سبحانه وتعالى على الوجه الذي ذكرنا , والبعض يدعو إلى نفسه , وهذا كثير , واليوم كثيرٌ جدّاً , الذين يدعون الناس إلى تعظيمهم ومحبّتهم والتعلّق بهم , هكذا يكون المرء داعياً إلى نفسه , يدعو الناس أن يعظموه وأن يحبّوه وأن يطيعوه ولا يخالفوا أمره , ولا يذهبوا إلى غيره , هذا موجود , وموجودٌ بكثرة كما قلت لكم , هذا يدعو إلى نفسه , لا يدعو إلى الله , يغضب إذا سمع أن أحداً من الطلبة ذهب إلى غيره , حتى لو كان الذي ذهب إليه من أهل السنة , وربّما يكون أعلم منه , لكنه يغضب , يغضب إذا سمع أن شخصاً ترك أمره وذهب وأخذ بأمر غيره , حبّ الرياسة , حبّ الصدارة , حبّ المشيخة , هؤلاء هم الذين يدعون إلى أنفسهم , همّه أن يكثّر الناس من حوله _ الذين يحبّونه ويعظّمونه ويسمعون أوامره _ هذا هو الذي يدعو إلى نفسه , لا يدعو إلى الله سبحانه وتعالى هذا حقيقة , وإنِ ادّعى أنه يدعو إلى الله , لكنّه كاذب . ومن الناس من يدعو إلى حزبه , كجماعة التبليغ مثلاً , هؤلاء لا يدعون إلى الله , يدعون إلى حزبهم , عندهم نقاط يوالون ويعادون عليها ويدعون الناس إليها , هذه طريقة جماعة التبليغ , أصلهم العظيم : هو الخروج , افعل ما شئت من الشرك , من الضلالات , بما أنّك تخرج معهم , توافقهم في نقاطهم , تعظّم رئيسهم , فأنت منهم , حبيبهم , من جماعتهم , يوالونك ويحبونك , إذا لم تفعل ذلك يبغضونك , وإن أظهروا لك الوجه الحسن , هذا الوجه الحسن مؤقتاً ريثما يسحب قدمك , إن استطاعوا , فهؤلاء حقيقة يدعون إلى حزبهم , إلى جماعتهم , إلى طائفتهم , كذلك جماعة الإخوان المسلمين , يقف في المسجد ويتكلم , وقال الله , قال رسول الله , ولمّا تركّز في كلامه تجده في النهاية يدعوك إلى حزبه , إلى طائفته , هذا يدعو إلى حزب , لا يدعو إلى الله سبحانه وتعالى , معنى أن تدعو إلى الله : أن تعلّق الناس بكتاب الله , وبسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وبمنهج أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم , منهج السلف الصالح , الأئمة الأربعة , أبو بكر , عمر , عثمان , علي , ومن انتهج نهجهم من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين , تُعلِّق الناس بهذا وتعلق الناس بالأئمة الذين ساروا على نهج هؤلاء , هذا معنى أن تدعو إلى الله سبحانه وتعالى لا أن تدعو إلى حزبية وطائفية , منحرفة عن الجادّة , هذه صور من الدعوة إلى غير الله سبحانه وتعالى , وانتبه , ستميّز أنت في دعوات الناس , هناك دعوات كثيرة مختلفة في الساحة , الذي يدعوك إلى الله هو من دعاك إلى كتاب الله , تتمسّك به , تعمل بما فيه من صغير وكبير , دعاك إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وإلى منهج السلف الصالح , وإلى الأخذ بكلام الأئمة الربّانيين الذين ساروا على ذاك المنهج , هؤلاء هم الذين يدعون إلى الله , واحذر ممن يدعون إلى غير الله بدعوى أنهم يدعون إلى الله , إذا رأيته يدعوك إلى نفسه , إلى محبّته , إلى تعظيمه , إلى الأخذ بأقواله , وعدم الخروج عن أقواله , هذا يدعو إلى نفسه , محبٌّ للرياسة والصدارة , هؤلاء كُثُر كما ذكرنا , إذا رأيته يدعوك إلى حزبه , إلى جماعته , إلى نقاطه التي يوالي ويعادي عليها , فاحذره فهو حزبي . " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله " : هذا الواجب , وهذه طريقة النبي صلى الله عليه وسلم , يدعو إلى الله , وأعظم الدعوة إلى الله أن تدعو الناس إلى توحيده . " على بصيرة " : الدعوة إلى الله يجب أن تكون على علم , البصيرة هي العلم , العلم بثلاثة أمور : العلم بشرع الله تبارك وتعالى وهذا الذي يفتقده أكثر الدعاة في هذا الزمان , جُهّال , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من صدور العلماء , ولكن ينتزع العلم بقبض العلماء , فإذا لم يُبقِ الله عالماً , اتّخذ الناس رؤوساً جهّالاً , فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلوا " هذا زماننا الذي نعيشه , وليس معنى هذا الحديث أن العلماء ينتفون تماماً , لا , لأن الطائفة المنصورة باقية , وأسُّ الطائفة المنصورة وأصلها هم العلماء , لكن يقلّون جدّاً , ويصيرون مغمورين بين الناس , وهذا الواقع الذي نعيشه تماماً , هؤلاء أصحاب الحزبيّات المختلفة , هم ممّن يدعون إلى الله بجهل , وبعضهم يدعو إلى غير الله أصلاً , فأنت تحذر , لا بد من العلم , العلم بشرع الله سبحانه وتعالى ولا تدع إلى الله بجهل , ما تعلّمته بلّغه وما جهلته فاسكت عنه , العلم بشرع الله , والعلم بحال المدعوّ : وهذا أمرٌ مهمٌّ جدّاً أيضاً , ويدلّنا عليه الحديث الآتي إن شاء الله في حديث معاذ قال له النبي الله صلى الله عليه وسلم : إنك ستأتي قوماً أهل كتاب فبين له حال الذين يريد أن يأتي عليهم حتى يعدّ نفسه لدعوتهم بالطريقة التي يفهمونها , ويعدّ نفسه لشبهاتهم ... الأمر الثالث : العلم بكيفية إيصال الدعوة , يعني , الطريقة الموصلة , الطريقة الصحيحة الموصلة إلى الثمرة التي تبتغيها من الدعوة , كيف تدعو الناس ؟ يحتاجون إلى رفق , يحتاجون إلى حكمة في التعامل , يحتاجون إلى أدب , إلى أخلاق منك فتنظر إلى الطريقة الصحيحة في الدعوة الناس , لا تتنازل عن دين الله وشرعه من أجل أن تدعو الناس , لا....لكن لابد أن تراعي أحوال الناس وأن تدعوهم بحكمة , رفق , لين , بأدب , بخلق , حتى يقبلوا منك ..{ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } ربَّنا – سبحانه وتعالى – يقولها لنبيه عليه الصلاة والسلام , ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه)) , ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفّر الناس , فامتنع عن قتل المنافقين , حكمة في الدعوة , وبابها عظيم , تعرفها وتتمرس بها من خلال العلم , تحتاج أن تتعلم , يوم على يوم تأتيك , تتمكن منها إن شاء الله , { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } أي : هذا هو هديِ , وهذه طريقتي : أدعوا إلى الله على بصيرة , أنا أدعو إلى الله على بصيرة , ومن اتبعني - كذلك – يدعو إلى الله على بصيرة , فمن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم صار على نهجه , وأخذ سنته في ذلك , فيدعو الناس على علم ٍ , { وَسُبْحَانَ اللَّه } ينزّه الله – سبحانه وتعالى – عن النقائص , سبحان الله تنزييه الله – سبحانه وتعالى – عن النقائص , { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } من النقائص لله – سبحانه وتعالى – أن تجعل لله نداً تدعوه ُ وتعبده , فنزّه الله – سبحانه وتعالى – عن النقائص ومنها هذه , وقال { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } لستُ من المشركين , بل أنا من الموحدين , وأدعو الناس إلى توحيد الله – سبحانه وتعالى - , الشاهد من هذه الآية : أن هديَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلى التوحيد , وكذلك يجبُ أن يكون هديُ من اتبع النبي صلى الله وسلم , لأنه يسير على هدي النبي صلى الله عليه وسلم , فواجب – أذاً – علينا أن ندعو الناس إلى توحيد الله – تبارك وتعالى – بعد أن نتعلّم ونعمل , نعم ثم قال المصنف –رحمه الله تعالى - : ((عن ابن عباس رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن ....)) النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن ليدعو الناس إلى دين الله – سبحانه وتعالى – ولم يكن أهلُ اليمن ,- وقتها – قد دخلوا في الإسلام , نلاحظ – أولاً – من الذي أرسلهُ النبي صلى الله عليه وسلم ؟ أرسل معاذاً , ومعاذ هذا , هو معاذ بن جبل , أحد علماء الصحابة الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يأتي يوم القيامة , يتقدم العلماء بركب (بخطوة) , فهو عالم , فلم يُخرج النبي صلى الله عليه وسلم جاهلاً يدعو الناس إلى الله (كما يفعل جماعة التبليغ , وغيرهم من الجماعات ) إنما أرسل عالماً وبهذا نعلم أن الذي يخرج إلى دعوة الناس إلى الله هم أهل العلم , لأن عندهم علمٌ يستطيعون أن يُبلغوه , أما الجاهل ماذا عنده ؟ فاقد ُ الشيء لا يعطيه , هذا واجبهُ , أن يجلس ويتعلّم عند العلماء , لا يخرج ويقوم في المساجد ويتكلم بجهل ,فَيَضِلّ ويُضلّ , هذه طريقة أهل الضلال , أهل البدع الذين يخترعون في دين الله ما ليس منه , ما كان هذا حال الذي عليه جماعة التبليغ موجود على زمن النبي صلى الله عليه وسلم , ولا على زمن الصحابة , كان يتولى الدعوة العلماء , يخرجون و يبلغون الناس , ولا يخرجون على طريقة جماعة التبليغ , يخرجون كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج , كما كان الصحابة من العلماء يخرجون و يبلغون الناس, و يعلمونهم , ((لما بعث معاذا ً إلى اليمن قال له : إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب )) لاحظ هنا ماذا أخبره ؟ قال له : إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب , أخبره ُ بحال ِ القومِ الذين سيذهبُ إليهم , هو عالم سيدعو إلى الله ِ على علمٍ (على بصيرةٍ) عالم بشرع علّمه حال المدعو (وهم أهل الكتاب) فيعرف كيف سيناظرهم ويتكلّم معهم , قال : (( فليكن أوّلُ ما تدعوهم إليه )) يصحّ أن تقول : أوّلُ أو أوّلَ , الأمر سهل – إن شاء الله – قولان للعلماء , وأمر في هذا واسع ((فليكن أولُ ما تدعوهم إليه شهادةَ أن لا إله إلا الله )) شهادة أن لا إله إلا الله , يصحّ أن تقول : شهادةُ... إذا قلت في الأولى : فليكن أولُ , تقول : شهادةَ , و إذا قلت : فليكن أولَ , تقول : شهادةُ , لأنها اسم كان و خبرها , هذا من أجل الحفظ فقط ..... فليكن أولُ ما تدعوهم إليه شهادةَ أن لا إله إلا الله , إذاً , أولُ دعوتك عندما تصل إلى أهل الكتاب تُكلّمهم في ماذا؟ في التوحيد , هي أولُ دعوة الأنبياء , وإلى هذا كانوا يُرسلون أصحابهم , إلى دعوة التوحيد, وقد شرحنا معنى شهادة أن لا إله إلا الله , والشاهد : أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذاً ليدعو أهل اليمن إلى توحيد الله – تبارك وتعالى – وهي أولُ دعوةٍ , قال : ((وفي رواية إلى أن يوحدوا الله )), المعنى واحد , شهادة أن لا إله إلا الله , و يوحدوا الله , واحد , ((فإن هم أطاعوك لذلك )) شوف الآن كيف الانتقال في المراحل ؟ تبدأ بالأهم فالمهم بعد ذلك , تقدم الأهم , ثم المهم .... أهم شيء التوحيد .... فإن يطيعوا فلا داعي لأن تكمل معهم ... لأنه من غير التوحيد لا ينفع شيء , لا ينفع عمل , وإن هم جابوا (( فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يومٍ وليلة )) أركان الإسلام الخمسة تدرّج فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – (بني الإسلام على خمس : خمس أن لا إله إلا الله , وأن محمد رسول الله , واقام الصلاة , و إيتاء الزكاة , و صوم رمضان , والحج ), هذه أركان الإسلام الخمسة , أول شيء التوحيد , لأن هو أعظمها , ثم الصلاة , أعظم , الأعمال , و أول ُ ما يحاسب عليه العبد من العبادات , ((فإن هم أطاعوك لذلك)) تنتقل للتي بعدها (( فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة ً تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم )) وهي الزكاة ((فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم )) يعني : إذا أطاعوك , أعطوا الزكاة , فأحذر أن تأخذ أنفس ما عندهم من أموال ((واتق دعوة المظلوم)) وإياك أن تظلم عبداً بأن تأخذ منه ما ليس بحقٍّ , و إياك ودعوة الظلوم واتق دعوة المظلوم , لماذا؟ قال : (( فإنه ليس بينها وبين الله حجاب )) أخرجاه , يعني : تصل إلى الله مباشرةً , ويستجيب الله - سبحانه وتعالى – لها مباشرة فأحذر من دعوة المظلوم .... ما من ظالم إلا وسينالُ عاقبة ظلمه , أخرجاه , يعني : في الصحيحين , الشاهد : أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذاً لكي يدعو أهل اليمن إلى توحيد الله – سبحانه وتعالى – فبعد أن تعلم معاذٌ , وعمل , دعا إلى الله – سبحانه وتعالى – وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك , فلا بدّ – إذاً من دعوة الناس إلى التوحيد , وإلا كيف ينتشر الإسلام ؟ وكيف تنتشر دعوة التوحيد ؟ إذا لم ينشط كل واحدٍ منا بالدعوة إلى ما تعلمه من ذلك . قال المصنف رحمه الله تعالى "ولهما" يعني : البخاري ومسلم عن سهل بن سعد بن مالك الخزرجي , صحابي مشهور ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر )) يوم خيبر , يعني يوم غزوة خيبر , وخيبر مدينة بالقرب من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسكنها اليهود , قال صلى الله عليه وسلم : ((لأعطينّ الراية غداً , رجلاً يحب اللهَ ورسولهُ , ويحبه اللهُ ورسولهُ , يفتح الله على يديه)) لأعطينّ الراية غداً يعني وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سيفتح على يديه , وهذا من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيفتح على يديه , وقد فُتح على يديه – كما أخبر عليه الصلاة والسلام – قال : لأعطينّ الراية , الراية هو الذي نسميه اليوم : العلم , نفس الصورة , يكون هذا العَلَم مع الجيش , يدل على – يعني – جماعتهم , وعلى – يعني - انفصالهم عن غيرهم , فمن كان تحت هذه الراية , فهو يكون منهم واختلف العلماء في الفرق بين الراية واللواء , ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا فرق بين الراية واللواء , كلاهما واحد , والبعض قال : الراية هي التي نسميها اليوم بالعَلَم , و أما اللواء فهو الذي يكون عبارة عن عصا ملفوف في أعلاها خرقة لفّ , هذا يسمى لواءٌ , يعني العَلَم يكون يرفرف , أما اللواء يكون ملفوف لف على عصا , هذا الفرق بينهما , ولا يصح – عندي – حديث لون راية النبي صلى الله عليه وسلم , ما جاء من روايات بأنها كانت سوداء لا يصح منها شيء , قال: لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله , وهذه منقبة لهذا الرجل الذي سيُعطى هذه الراية فقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يحبه , وأن النبي صلى الله عليه وسلم – أيضاً – يحبه , ويحب الله ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم , فهذه شهادة بالإيمان , وهذه الشهادة لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه , فنحن نحبه لأن الله يحبه , ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم يحبه , لكننا لا نغلو فيه كما غلت فيه الشيعة , - أيضاً- نجفو فيه كما جفت فيه الناصبة , والخوارج , كفروه ... الخوارج كفرته , والنواصب فسقته ,لا هكذا ولا هكذا , نحن معتدلون في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم , نحبّهم و نتولّاهم , ولا نغلو فيهم , لا نعطيهم أكثر من حقهم , هم بشر , قال : يفتح الله على يديه , يعني : أن الله – سبحانه وتعالى – سينصره وسيفتح خيبر , وقد فُتحت ((فبات الناس يدوكون ليلتهم )) بات الناس في الليل يدوكون , يعني : يخوضون , يتناقشون , من هو هذا الشخص الذي سيأخذ هذه الراية وسيحصل على المنقبة المذكورة هذا المهم عندهم , هؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , كانوا أصحاب دين وإيمان , ما كان يهمهم الرياسة , الصدارة , والإمارة , إنما كانوا يريدون المنقبة التي ذُكرت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم , يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله , فأخذوا يدوكون في ذلك , يتناقشون مَن الذي سيكون أهلاً لأخذ الراية هذه ؟ أو من الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ((فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها )) كل واحد منهم يتمنى أن يعطاها لأجل أن يحصل على هذه المنقبة ((فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم )) غدوا , يعني: ذهبوا مبكرين , فالغدوة هي الذهاب في الصباح الباكر , فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الصباح الباكر((كل يرجو أن يعطاها )) لماذا ؟ للمنقبة , لا حرصاً على الإمارة , ((فقال : أين عليُّ بن أبي طالب ؟ فقيل هو يشتكي عينيه )) – مريض – به مرض في عينيه , يسمى داء الرَّمَد ((فأرسَلوا إليه فأُتي به , فبصق في عينه ودعا لهُ , فبرأ كأن لم يكن به وجعٌ )) من أدلّة نبوّة النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً , فهذا الحديث فيه دليلان على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم , الأول : أنه أخبر بفتح خيبر على يد عليّ وقد فتحت , والثاني : هذا , بصق في عيني عليّ ودعا لهُ فبرأ , كأن لم يكن به وجع , يعني : عاد صحيحاً تماماً ((فأعطاهُ الراية )) , إذاً من كان صاحب تلك المنقبة ؟ هو عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه , فقال : (يعني : النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ ) (( انفذ على رسلك )) يعني : انطلق واذهب , على مهلك , كما نقول اليوم – شوي شوي - , ((حتى نزل بساحتهم )) يعني : إلى أن تصل إلى ما يقرب منهم , وما حولهم , هذه تسمى ساحتهم , بحيث تتمكن من الكلام معهم – يعني : ((ثم أدعهم إلى الإسلام )) هذا الشاهد , النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عليّاً – معه الجيش – وأوصاه أن يدعو الناس إلى الإسلام , وأصل الإسلام التوحيد , إذاً , لابد أن يدعو الناس للتوحيد , يدلنا هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل أصحابه لدعوة الناس إلى التوحيد , لكن في أُناس عندهم عناد , تدعوهم إلى التوحيد ولا يقبلون , يعاندون , لهم مصالح , مآرب , التوحيد هذا سيفسد مصالحهم , كالجاه , الرياسة , ذهاب الأموال .... أي شيء من هذه الأمور ...., فذلك ما كانوا يستجيبون لدعوة التوحيد , هؤلاء لابد من إزالتهم من طريق نشر الدين , لأنهم يمنعون إيصال الدين إلى الناس , هؤلاء رؤوس يكونون في أقوامهم فلا بد من إزالة هذه العقبات أمام نشر الإسلام , الناس – أصلاً – خلقوا من أجل التوحيد , من أجل عبادة الله – سبحانه وتعالى – ما خلقوا للهو واللعب وتضييع الأوقات , لأ , خلقوا لعبادة الله , إذاً , لابد من أنم نبلغ الناس هذه الدعوة , و أن ندعوهم إلى دعوة التوحيد فإذا كان هناك عقبات , فلابد من إزالتها , فلذلك شُرع الجهاد , القتال , قتال الكفار , ليس هدف الإسلام القتل , القتل ليس غاية في دين الله – سبحانه وتعالى - , القتال وسيلة فإذا احتجنا إليه فعلناه , وإذا لم نحتج إليه ابتعدنا عنها , القتل ليس غاية كما هو الحال عند الخوارج , الخوارج عندهم القتل غاية , يريدون أن يقتلوا , يسفكوا الدماء , كداعش وغيرها , أما في الإسلام , لا .... لاحظ قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يتحدّث الناس محمد يقتل أصحابه ) امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل من كانوا يستحقون القتل , لأجل ألا يكون ذلك عقبة في طريق الدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى – وهؤلاء يقتلون من لا يستحق القتل , ينفرون الناس عن دين الله – سبحانه وتعالى – لا والله ما هم على هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا على طريقته , قال ((ثم ادعهم إلى الإسلام )) , إذاً , قبل القتال لابد من دعوة الناس إلى الإسلام , مَن لم تبلغه الدعوة , من بلغته الدعوة لا يجب على المقاتل قبل أن يقاتل أن يدعوهم إلى الإسلام , لأن الدعوة قد بلغتهم , لذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سمع الأذان في قرية لم يغر عليها , وإذا لم يسمع الأذان أغار , هذا محمول على أنه يغير على من الأقوام الذين يعلم أن الدعوة قد بلغتهم , وهذا الحديث – الذي معنا – على أقوام لم تبلغهم الدعوة , لابد من بلاغ الدعوة أولاً .. فقال : ثم ادعهم إلى الإسلام الشاهد هو هنا , دعوة الناس إلى التوحيد , ((وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه )) يعني : من حق الله تعالى , في الإسلام , يعني : لابد أن يعلموا أنه يجب عليهم إقامة الصلوات والزكاة , والصيام وما شابه من أحكام , قال ((فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمُر النّعم )) , لأن يهدي الله بك رجلاً واحد , شوف فضيلة الدعوة إلى التوحيد , هذه فضيلة عظيمة ينبغي على كل مسلم أن يحرص عليها , تدعو الناس إلى التوحيد , تدعوا الناس إلى السنة , تدعو إلى الطاعة , لأنه إذا هُدي إنسان على يديك , إذا هداه الله – سبحانه وتعالى – وفقه إلى الحق على يديك يكون لك فضل عظيم حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير لك من حُمر النّعم ... حمر جمع أحمر , والنّعم هي الإبل , والإبل الحمراء هذه هي أنفس أموال العرب التي كانت عندهم , وكانوا يحرصون جداً عليها لنفاستها , فهذه الأموال النفيسة لا تساوي شيئاً أمام أن يهدي الله – سبحانه وتعالى – على يديك رجلاً واحد , شخص واحد أن يهُدى على يديك وتكون أنت سبباً في هدايته , تحصل على خير عظيم عند الله – سبحانه وتعالى – لا يقارن به خير الدنيا , هذا الزائل , الفرق بين الحُمْر و الحُمُر , حُمْر (الميم ساكنة ) حمُر (الميم مضمومة ) عندما تقول : حُمُر : هذا جمع حمار , والحُمْر : جمع أحمر .... فإذاً , هذا الحديث فيه الدعوة إلى التوحيد , وفيه فضيلة من يهدي الله – سبحانه وتعالى – على يديه رجلاً واحداً , وفضيلة الدعوة إلى التوحيد .... قال : ((يدوكون أي يخوضون )) .. هذه تفسيرية , تفسر معنى الكلمة التي تقدمت في الحديث ... هذا ما أردنا أن نبيّنه في يومنا هذا , والحمد لله وخلاصته : أنه يجبُ على من تعلّم التوحيد وعمل به , أن يدعوا الناس إليه , كلٌّ على حسب علمه , وعلى حسب قدرته { لا يكلف الله نفساً } ... وفقنا الله وإياكم لطاعته , وسبحانك اللهم وبحمدك , أشهد أن لا إله إلا أنت , أستغفرك وأتوب إليك
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-05-2015, 15:39   #6
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

تفريغ الدرس السادس :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله :

اليوم معنا مجلس جديد من مجالس شرح كتاب التوحيد , وصلنا عند الباب الخامس , قال المؤلف رحمه الله :" باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله " يعني : هذا الباب معقود لبيان معنى التوحيد , هذا معنى التفسير , التفسير : الكشف والبيان والإيضاح , فهو باب معقود لتفسير معنى التوحيد , التوحيد تقدّم معنا تفسيره , وشهادة أن لا إله إلا الله تدلّ على التوحيد , شهادة أن لا إله إلا الله , كذلك تقدّم معنا تفسيرها وبيان معناها , وهذا العطف : عطف مترادفين , المعنى واحد , معنى التوحيد ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله واحد , إلا أن الشهادة هي تدلّ على التوحيد , على كلٍّ المراد واحد , وهو : تفسير .. المراد من هذا الباب , هو : تفسير معنى كلمة التوحيد , ربّما يقول قائل : قد تقدّم معنا تفسير التوحيد , وذكر آيات في بداية الكتاب فسّر فيها التوحيد , وإنما قال أهل العلم : أراد بهذا _ يعني _ الباب : زيادة إيضاح , وزيادة بيان , وذكر من الأدلة ما _ يعني _ يوضّح الطريقة _ يعني _ تجعله أكثر كشفاً , أكثر إيضاحاً , خصوصاً في المسائل التي _ يعني _ حصل فيها الشرك أكثر في الزمن الذي نزلت فيه رسالة النبي صلة الله عليه وعلى آله وسلم , فالمقصود في النهاية من هذا الباب هو : تفسير معنى التوحيد , قال المصنّف رحمه الله تعالى :" {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} " : هذه الآية , المقصود منها _ عند قوله :{ أولئك الذين يدعون } _ يعني : القوم الذين يعبدون بعض الناس أو بعض الخلق ويرغبون إليهم بالدعاء , ويخضعون ويتذلّلون لهم , هم أنفسهم الذين يخضعون لهم _ أي المخضوع لهم _ يعني لو قلنا مثلاً : الذين يعبدون عيسى عليه السلام , الذين يعبدون مريم , الذين يعبدون عزيراً , أو الذين يعبدون الجنّ الذين كانوا في فترة نزول الوحي , كان بعض العرب يعبدون أقواماً من الجن والبعض كانوا يعبدون الملائكة , الملائكة والجن وعيسى ومريم , هؤلاء الذين يعبدونهم هم أنفسهم يخضعون ويتضرّعون إلى الله { ويبتغون إلى ربّهم الوسيلة } يعني : يطلبون إلى الله القربة سبحانه وتعالى , الوسيلة : الشيء الذي يوصل إلى الله , وهذا الشيء الذي يوصلهم إلى الله هو القربة , فهم أنفسهم يخضعون ويتذلّلون لله سبحانه وتعالى ويتقربون إليه , فكيف بعد ذلك تذهبون أنتم وتخضعون وتتذلّلون إليهم ؟ وهم أصلاً بحاجة إلى معونة الله سبحانه وتعالى وإلى القربة إلى الله سبحانه وتعالى , يعني : فاقد الشيء لا يعطيه , هم أنفسهم بحاجة إلى الله سبحانه وتعالى وبحاجة إلى القربة إلى الله سبحانه وتعالى , فكيف أنت تذهبون وتخضعون وتتذلّلون إليهم وتطلبون وتدعونهم من دون الله سبحانه وتعالى ؟ هذا باطل , هذا معنى الآية , لكن : ما المقصود منها في هذا الموطن بالذات ؟ المقصود من هذا , قال أهل العلم , أن التوحيد لا يتمّ حتى تترك عبادة غير الله سبحانه وتعالى , أن تترك دعاء غير الله سبحانه وتعالى لأن دعاء غير الله هو شرك , والله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية منكراً على الذين كانوا يدعون غيره فأنكر عليهم ذلك , وهذا هو الشرك , دعاء غير الله هو الشرك , والأشياء بضدّها تُعرف , والأشياء بضدّها تُعرَف , وتعرف الأشياء بضدّها , فإذا ذكرت الضدّ عُرِف الشيء , يعني : الآن ضد التوحيد هو الشرك , دعاء غير الله شرك , إذاً المقصود هو أيش ؟ التوحيد , فإذا تركنا دعاء غير الله سبحانه وتعالى وجعلنا الدعاء لله سبحانه وتعالى فقط , عندئذٍ نكون موحّدين , فهذا هو المقصود بالتوحيد , فالتوحيد لا يتمّ إلا بالبراءة من الشرك , هذا معنى التوحيد , معنى التوحيد : أن تدعو الله سبحانه وتعالى , أن تعبد الله وحده وألا تشرك معه غيره من الخلق الذين هم بحاجة إلى الله سبحانه وتعالى , وهم بحاجة إلى القربة إلى الله سبحانه وتعالى , هذا معنى الآية وهو المقصود منها , والله سبحانه وتعالى أعلم .
ثم قال المؤلف رحمه الله : " وقوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ - وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} " هنا هذه الكلمة _ كلمة إبراهيم الخليل عليه السلام _ هي مُفسّرةٌ تماماً لمعنى كلمة التوحيد ( لا إله إلا الله ) , مطابَقةٌ واضحة , { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه } : أبوه وقومه كانوا يعبدون الأصنام , ويعبدون الكواكب , فقال لهم إبراهيم , وكانوا يعبدون الله أيضاً ويعبدون أشياء متعددة , فقال لهم إبراهيم : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ } : أنا متبرّئٌ من كل الذين تعبدونهم , أيش معنى البراءة ؟ البراءة هي التخلية , يعني أنا مُتَخَلٍّ عن كل ما عبدتم , والبراء : عندما تتبرّأ من الشيء , معناه : أنك تتركه وأنك تعاديه وأنك تبغضه , ها معنى البراء , فهنا هو يقول : أنا بريء من كل ما تعبدون , يعني أنا تخلّيت عنها , تركتها , هذه الأشياء التي تعبدونها , من أصنامٍ وكواكبٍ وغيرها , كلها قد تركتُها وعاديتها وأُبغضها , ثم قال بعد ذلك : { إلا الذي فطرني } , إذاً تبرّأ إبراهيم عليه السلام من جميع المعبودات التي كانوا يعبدونها ما عدا الذي فطره , ومن الذي فطره ؟ هو الله , معنى الذي فطره : يعني الذي خلقه , إذاً تبرّأ من جميع المعبودات إلا الله سبحانه وتعالى لم يتبرّأ منه , وهذا معنى كلمة التوحيد , أن تترك عبادة كل شيء إلا الله سبحانه وتعالى فقط , لا إله إلا الله : لا معبود بحقٍّ إلا الله , { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ } كلها كلمات بنفس المعنى , { إلا الذي فطرني } يعني : أترك عبادة كل شيء إلا عبادة الله سبحانه وتعالى فقط , ولم يقل ( إلا الله ) لأنه أراد أن يشير إلى إشارة واضحة يفهمها أولئك القوم , أراد أن يقول لهم بأن الذي يستحقّ عبادتي هو الذي خلقنني , فما قال لهم ( إلا الله ) قال : { إلا الذي فطرني } وبذلك يبيّن لهم العلة التي من أجلها لا تستحق أصنامهم وكواكبهم وغيرها العبادة مع الله سبحانه وتعالى لأنها لم تخلقه , ومن لم يخلق لا حق له في العبادة , فهذا إذاً معنى كلمة لا إله إلا الله , أي لا معبود بحقّ إلا الله , أترك عبادة كل شيء إلا عبادة الذي خلقني فهو الذي يستحق عبادتي وهو الذي سيهدينِ , سيوفّقني وسيبيّن لي طريق الحق من طريق الضلال , { وجعلها كلمة باقية في عقبه } كلمة التوحيد بقيت في ذريته , { لعلهم يرجعون } إلى الله سبحانه وتعالى ويتوبون , نعم .
ثم قال المؤلف رحمه الله :" وقوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ والمسيح بن مريم } " هنا هذه الآية يقول فيها : { اتخذوا أحبارهم } الحَبر : هو العالم , يعني أهل الكتاب اتخذوا علماءهم ورهبانهم , الراهب : هو العابد , فاتخذوا علماءهم وعُبّادهم أرباباً من دون الله , فتنة الناس تكون في هذين الصنفين من الناس , في العلماء وفي العُبّاد , لأنهم يعظّمون العلماء ويعظّمون العباد , فيطيعونهم مع الله سبحانه وتعالى إذا غيّروا لهم شرع الله ودينه أطاعوهم وغيروا الشرع والدين , إذا أمروهم بمعصية أن يفعلوها أطاعوهم , وإذا نهوهم عن واجب من واجبات الشرع انتهوا , فعبدوهم مع الله سبحانه وتعالى , فهذه فتنة الناس , تكون في العلماء وتكون في العباد , فالواجب الحذر من ذلك والاعتدال مع العلماء ومع العباد , نحبّهم , نحترمهم , إذا كانوا من أهل الحق , نحبهم نحترمهم , نواليهم , لكن لا نتجاوز الحدّ فيهم , لا إفراط ولا تفريط في حقهم , قال هنا : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } يعني : عبدوهم مع الله سبحانه وتعالى , والرب هنا بمعنى المعبود , { أرباباً من دون الله } يعني من غير الله سبحانه وتعالى , { والمسيح بن مريم } كذلك عبدوه مع الله سبحانه وتعالى , وقالوا هو ثالث ثلاثة , فلما عبدوا أحبارهم ورهبانهم وخضعوا وتذلّلوا لهم وأطاعوهم في معصية الله سبحانه وتعالى , فقد عبدوهم مع الله سبحانه وتعالى فأشركوا به فلم يحقّقوا معنى التوحيد , فالتوحيد هو ألا تتخذ رباّ مع الله سبحانه وتعالى , هذا معنى التوحيد , وسيأتي إن شاء الله مزيدُ تفصيلٍ وبيان لهذه الآية , وسيعقد لها المصنف إن شاء الله باباً مستقلّاً وسنشرحها إن شاء الله هناك شرحاً وافياً , نعم .
ثم قال المصنف رحمه الله : " وقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} " { من الناس } يعني : بعض الناس , { يتخذ من دون الله } يعني : من غير الله سبحانه وتعالى , سواء كان هذا الذي اتّخذه نبيّاً أو وليّاً أو ملكاً أو حجراً أو شجراً , هذا كله يشمل من الناس من يتخذ , هذه , هؤلاء الأشخاص أنداداً من دون الله { من يتخذ من دون الله أنداداً } يعني : أمثالاً , يجعلهم مماثلين لله تبارك وتعالى , فيُحبّ مثلاً الحسين بن علي محبة مثل محبته لله تبارك وتعالى , يحب عيسى عليه السلام , يحب علي بن أبي طالب كمحبّته لله سبحانه وتعالى , قد اتّخذ هذا عيسى أو الحسين أو علي ندّاً لله تبارك وتعالى , جعل مثل الله سبحانه وتعالى في محبّته { يحبونهم كحبّ الله } كما أنهم يحبّون الله , يحبّون هؤلاء الأنداد , يجعلونهم مماثلين لله سبحانه وتعالى في محبّتهم , خضوعهم وتذلّلهم لهم , وإذا أحببته كمحبة الله , أطعته كطاعتك لله , خضعت وتذلّلت له كخضوعك وتذلّلك لله , عبدته مع الله كعبادتك لله تبارك وتعالى , فما بالك بمن يحب أولياء الله أو من هو معظّمٌ في نفسه أعظم أو أكثر من محبّته لله تبارك وتعالى , شركُ ذاك أعظم من شرك هذا , فما بالك بمن لا يحب الله أصلاً , وإنما محبته لمعبوده , هذا معنى الشرك وهذا معنى التوحيد , فمن يفعل هذا يتخذ من دون الله أنداداً يحبهم كحب الله , هذا مشرك , والتوحيد أن تحب الله سبحانه وتعالى محبة خالصة ولا تشاركه فيها أحد , هذا معنى التوحيد , وإذا أحببت الله محبة تامّة كنا ينبغي ستحبّ كل من يحبه الله سبحانه وتعالى وكل ما يحبه الله سبحانه وتعالى , الطاعات , القُرب , البعد عن المعاصي والذنوب , الأولياء , الصالحين , الأنبياء , تحبهم لمحبة الله سبحانه وتعالى , هذا معنى المراد من هذه الآية , فمعناها : تحقيقٌ لكلمة التوحيد , فمن كان موحّداً , لا يتّخذ من غير الله ندّاً يحبه كمحبة الله سبحانه وتعالى
قال المؤلف رحمه الله :" وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل» " من قال : لا إله إلا الله : أي لا معبود بحق إلا الله , " وكفر بما يُعبد من دون الله " يعني : جحده وأنكره وتبرّأ منه , هذا معنى " كفر بما يعبد من دون الله " , بما يعبد : يشمل كل شيء من ملكٍ مقرّبٍ ونبيّ مرسل ووليّ صالح وحجر وشجر معظّم , كل شيء , يكفر به : يكذّب بعبادته ولا يقبله أن يكون معبوداً مع الله سبحانه وتعالى , " وكفر بما يُعبد من دون الله " من غير الله سبحانه وتعالى , فيؤمن فقط بعبادة الله وحده لا غير , المؤلف ساق الحديث هذا هنا كي يبيّن لنا أن التوحيد لا يتمّ إلا بالبراءة من الشرك وهذا حق , فالذين يعبدون الله كُثُر , من المشركين , حتى المشركون كانوا يعبدون الله سبحانه وتعالى لكنهم كانوا يشركون معه غيره , يعني : يعبدونه ويعبدون معه غيره , فلا يصحّ هذا , " من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه " فالله سبحانه وتعالى لا يقبل منا أن نعبده وأن نعبد معه غيره , يريد منا أن نعبده وحده فقط , لذلك ساق المؤلف هذا الحديث لأن فيه " من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله " هذه تفسير معنى كلمة التوحيد , أنه لا معبود بحق إلا الله , ولا ينفع أن تعبد الله فقط وتعبد معه غيره , لا , لا بد أن تعبد الله وأن تعبد معه غيره وأن تتبرّأ من كل معبود سواه , ومن فعل ذلك حَرُم ماله ودمه وحسابه على الله , يعني في الدنيا : من أظهر هذا في الدنيا فهو مسلم , وإذا حصل منه تقصير حسابه على الله سبحانه وتعالى وإن كان , يعني : ما في قلبه ليس كما هو ظاهره , فحسابه على الله سبحانه وتعالى , نحن ليس لنا من الناس إلا ما أظهروا لنا , الظاهر فقط , الباطن هذا لا علاقة لنا به , هذا الله سبحانه وتعالى الذي يحاسب عليه فمن أظهر لنا خيراً عاملناه بناءاً على ذلك ومن أظهر لنا شراً عاملناه بناءاً على ذلك , أما ما في باطنه فهذا أمره إلى الله سبحانه وتعالى , ثم قال المؤلف رحمه الله : " وشرح هذه الترجمة: ما بعدها من الأبواب " : شرح هذه الترجمة : يعني تفسيرها وبيانها , أيضاً كل ما سيأتي من الأبواب القادمة إن شاء الله له تعلّقٌ بتفسير كلمة لا إله إلا الله في هذا الكتاب , كتاب التوحيد , فيوضّح معنى لا إله إلا الله , ففيه بيان أشياء كثيرة من الشرك الأكبر ومن الشرك الأصغر ومن مكمّلات التوحيد ستأتي إن شاء الله بعد هذا الباب , فكل ما سيأتي الآن من الأبواب التي بعد هذا لها تعلّقٌ بشرح كلمة لا إله إلا الله , هذا ما أراده المؤلف من هذا المعنى , فمن فهم معنى كلمة التوحيد وعرف الشرك , حقّق التوحيد , وتبيّن له المراد من هذا الكتاب , ومن عرف الشرك الأصغر والشرك الأكبر تبينت له الأمور واتّضحت وبقي عليه العمل فقط , فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا وإياكم لطاعته , وأن يمنّ علينا بالعلم النافع والعمل الصالح , وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك . تفريغ إخوانكم في معهد أورفا العلمي( البصيرة ) وفقهم الله
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-05-2015, 08:29   #7
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

تفريغ السابع من شرح كتاب التوحيد

الحمد لله والصلاة على رسول الله فهذا هو الدرس السابع :

وقفنا عند الباب السادس من أبواب كتاب التوحيد عند قول المؤلف رحمه الله : " باب من الشرك لُبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه "

بابٌ من الشرك : ذكر لنا المؤلف رحمه الله في الدرس الماضي أن ما سيأتي في هذا الكتاب كله له علاقة بتفسير التوحيد وبيان معناه ، والشيء يعرف بضده ، فإذا عرفت الشرك عرفت التوحيد ، فإذا كان هذا من الشرك فضده توحيد ، فإذا تركته لله سبحانه وتعالى فتكون موحداً ، وإذا اعتقدت أن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده النفع والضر ، تكون موحداً . هذا الباب ذكر فيه نوعاً من أنواع الشرك الذي يقع الناس فيه كثيراً ، فقال : " بابٌ من الشرك " ونحن عرفنا فيما تقدم أن الشرك قسمان ، نوعان ، شرك أكبر ، وشرك أصغر ، فهل يعني المؤلف هنا الأكبر أم الأصغر ؟ يعني الاثنين ، الأكبر والأصغر ، لأن هذا الذي سيذكره في هذا الباب من تعليق أو لبس الحلقة والخيط إلى آخره ، تارة ما يكون من الشرك الأصغر ، وتارة يكون من الشرك الأكبر ، على حسب ما يقوم في قلب العبد من اعتقاد ، فإن اعتقد أن الخيط والحلقة تنفع وتضر بنفسها ، يعني أن الله سبحانه وتعالى ليس هو الذي جعلها نافعة وضارة ، وإنما اعتقد أنها هي التي تنفع وتضر استقلالاً ، وليست مجرد سبب ، لا ، فمثل هذا يعتبر شركه شركاً أكبر ، لأن الذي بيده النفع والضر هو الله سبحانه وتعالى ، وهذا أمر خاص به تبارك وتعالى ، فإذا اعتقد أن شيئاً معه ينفع ويضر ، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر . فإذا قام بقلبه هذا المعنى وقع في الشرك الأكبر ، أما إذا اعتقدها سبب ، مجرد سبب فقط ، وأن الذي بيده النفع والضر هو الله سبحانه وتعالى ، لكن اعتقد أن هذا الخيط وهذه الحلقة سبب لرفع البلاء أو دفعه ، فهذا يعتبر من الشرك الأصغر لا الشرك الأكبر ، لأنه جعل شيئاً سبباً ، لم يجعله الله سبحانه وتعالى سبباً ، جعل شيئاً سبباً لرفع البلاء أو دفعه ، والله سبحانه وتعالى لم يجعله سبباً لذلك ، فالله سبحانه وتعالى يجعل أشياء أسباباً لأشياء ، وهذا الأمر بيده سبحانه وتعالى ، وليس لك أن تجعل أسباب لم يجعلها الله سبحانه وتعالى ، يعني مثلاً ، الله سبحانه وتعالى جعل العسل فيه شفاء ، جعل في العسل شفاء ، وذكر هذا ، أن العسل فيه شفاء للناس ، إذاً قد جعل الله سبحانه وتعالى العسل سبباً في الشفاء من بعض الأمراض ، إذاً هنا نقول أن العسل سببٌ لشفاء المرض ، ليش ؟ لأنه ثبت في الشرع بأنه سبب ، أو يثبت من خلال تجربة الأطباء ، ليس أي أحد من الناس يقول جربت ونفع ، لا ما يصلح ، لأن كثير من الناس انتفاعهم من بعض الطرق هو عبارة عن أمر نفسي فقط وليس له منفعة حقيقية ، ليس سبباً حقيقةً . أما كالأدوية التي يصنعها الأطباء اليوم ، يقولون هذا الدواء نافع لهذا المرض ، فهو سبب لإزالة المرض ، وفي الغالب هو نافع ، فإذا شربت مثلاً دواء السعال خف السعال وذهب ، فمثل هذا بالتجربة ، بالتجربة التي ذكرنا مثالها ، قد ثبت أنه سبب ، إذاً يجوز أن تقول بأنه سبب ، لأن قدر الله سبحانه وتعالى ، الله سبحانه وتعالى جعله سبباً بقدره ، فالله إذا جعل الشيء سبباً بالشرع أو بالقدر ، جاز أن تقول أنه سبب ، أو أن تعتمده سبباً ، أما إذا لم يثبت لا في الشرع ولا في القدر ، فجعلك له سبباً ، هذا يعتبر من الشرك الأصغر . هنا معنا قال : " باب من الشرك لبس الخيط والحلقة ونحوهما " : الحلقة معروفة ، قطعة من حديد من نحاس من ذهب ، تلبسها في يدك ، مثل السوار ، ويكون مقصودك منها رفع البلاء أو دفعه . كذلك الخيط : وهذا مما نراه بيننا ، أناس يفعلون هذا ، يلبس حلقة أو يلبس خيط ، من أجل إيش ؟ من أجل أن يرفع البلاء أو يدفعه عن نفسه ، هذا كما ذكرنا ‘ إذا اعتقد أن هذه الحلقة أو هذا الخيط ينفع ويضر بنفسه فهذا هو شرك أكبر ، أما إذا اعتقد أن النفع والضر بيد الله سبحانه وتعالى ، وأن هذه سبب ، فهذا من الشرك الأصغر لأن الله سبحانه وتعالى لم يجعله سبباً ، هذا هو تفصيل هذا الباب . " ونحوهما " : وكل ما كان مثل الحلقة أو الخيط ، كحذوة الحصان ، يفعلها الناس اليوم كثير ، حذوة الحصان ، أعزكم الله ، بعض الأشياء التي امتهان ، كحذاء مثلاً ، أو أحياناً خرزة زرقاء أو كف ، خميسة يسمونها فيها عين أو ما شابه ، أو الصدف الذي يكون على شواطىء البحار ، أو ما شابه ، من هذه الأشياء التي لم يثبت أنها سبب ، لا بشرع الله ولا بقدره ، إنما اعتقاد من الناس فقط ، هذا معنى " ونحوهما " . " لرفع البلاء ودفعه " : البلاء : الضرر الذي ينزل بالإنسان من مرض أو عين أو ما شابه . " لرفعه ودفعه " : ما الفرق بين رفع البلاء ودفع البلاء ؟ رفع البلاء بعد أن ينزل عليك البلاء ، تريد أن تتخلص منه ، وترفعه . هذا معنى رفع البلاء . ينزل بك الشيء ، يعني تشعر أنك مثلا ضربت بعين ، حسدت ، تريد ان تعالج نفسك ، فتذهب مثلاً تأخذ حلقة وتضعها في يدك من أجل أن تشفى ، مثل هذا يقال : وضع الحلقة لرفع البلاء ، وأما لدفعه ، فأنت سليم ، مافيك شي ، وتعرف من نفسك أنك سليم ، ولكنك تخاف من العين ، فلأجل دفع العين ، وتحمي نفسك ، نذهب وتلبس الحلقة ، هذا لدفع العين قبل وقوعها ، والأول لرفع العين بعد وقوعها ، وسواء علقت الحلقة أو لبست الخيط أو علقت على رقبتك خرزة زرقاء أو خميسة أو ما شابه ، أو علقت حذوة حصان أو ما شابه ، من أجل أن تبرئ نفسك من مرض ، أي تشفي نفسك من مرض ، أو من أجل أن تحمي نفسك ، فكلاهما واحد ، إن اعتقدت أنها تنفع وتضر بنفسها فقد أشركت الشرك الأكبر ، وإذا اعتقدت أنها سبب ، وبالطبيعي ، يعني الذي نراه الآن ، بالطبع لم يجعلها الله سبحانه وتعالى سبب ، هذه الأشياء المذكورات لم يجعلها سبباً لا شرعياً ولا قدرياً ، فإذاً تكون أنت قد جعلتها سبباً من عندك فتكون قد وقعت في الشرك الأصغر ، هذا معنى قول المؤلف : " باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه " . خلاصة الموضوع : أنك إذا اتخذت شيئاً سبباً لرفع بلاء أو دفعه ، واعتقدت أنه سبب ، وأن الله سبحانه وتعالى بيده النفع والضر ، فقد وقعت في الشرك الأصغر ، مالم يثبت بهذا الشيء بأنه نافع بشرع الله أو قدره ، كما ثبت في الشرع بأن قراءة سورة الفاتحة فيها شفاء ، وتصلح رقية ، فإذا قرأت سورة الفاتحة على شخص فيه داء ، ملدوغ مثلاً أو شيء من هذا القبيل ، فهنا أنت جعلت قراءة سورة الفاتحة سبباً للشفاء ، طيب ، نقول لك هل ورد هذا في الشرع ؟ نعم ورد في الشرع ، إذاً فعلك صحيح واعتقادك صحيح . كذلك دواء السعال الذي يشربه الناس اليوم ، تذهب إلى الصيدلية وتأخذ دواء سعال وتشربه ، تقول عندي سعال ، فتشرب فيخف عنك السعال ، فأنت أخذت هذا الدواء وجعلته سبباً للشفاء من هذا الداء ، نقول لك هل ثبت هذا في الشرع أو في القدر ؟ في الشرع لا ما ثبت ، لكن في القدر ثبت ، لأن تجربة الأطباء والناس بأن هذا نافع في إزالة السعال ، نقول إذاَ فعلك صحيح واعتقادك صحيح ، جائز هذا الشيء . أما إذا لم يثبت فهنا يكون اعتقادك فاسداً ، ماذا تريد بلبس الحلقة أو لبس الخيط أو ما شابه من هذه الأمور التي لم يجعلها الله سبباً لا في الشرع ، ولا في القدر ، تقول هي تنفع وتضر بنفسها ، بيدها الأمر ، فهنا شرك أكبر ، تقول لا أنا أعتقد أنها لا تنفع وتضر بنفسها ، وأن الذي بيده النفع والضر هو الله سبحانه وتعالى ، لكن هذه سبب ، كما أنك تشرب الدواء أنا أقول هذه تنفع ، نقول لك : شرب الدواء قد ثبت في القدر أنه نافع ، أما هذه لم يثبت ، فأنت اتخذت سبباً لم يجعله الله سبحانه وتعالى سبباً ، فهذا يعتبر من الشرك الأصغر ، وسيأتي ما يدل على أنه من الشرك . هذا خلاصة هذا الباب وهذا تفصيله
قال المصنّف رحمه الله تعالى :" وقول الله تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} " { قل } : يا محمد للمشركين الذين كان صلى الله عليه وسلم يخاطبهم بالأدلة والبراهين على التوحيد , قال : قل لهم : { أفرأيتم ما تدعون من دون الله } يعني : ما رأيكم في هذه الأصنام التي تدعونها من دون الله , كل شيء , سواء صنم حجر شجر نبي ملك , أي شيء , تدعونهم وتتقرّبون إليهم سواء كان بدعاء المسألة أو بدعاء العبادة , دعاء المسألة : ترجونهم : ( يا سيدي فلان أعطني كذا , ارزقني كذا , ادفع عني الضر الفلاني أيها الصنم أيها الحجر , افعل لي , ارفع عني الضرر الفلاني , ادفع عني الضرر الفلاني , ارزقني , احفظني , إلى آخره ) , هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله , يعني من غير الله { إن أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ } : هل يستطيع الولي هذا الذي أنت تتضرّع إليه وتدعوه وترجوه وهو ميّت في قبره , هل يستطيع أن يرفع عني الضرر إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يُنزله بي ؟ الإجابة : لا , { هل هن كاشفات ضره } : لا { أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ } يعني : لو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُزل بي رحمة , أراد أن يرزقني , أراد أن يشفيني من مرض , أراد أن يدفع عني بلاء , أي شيء , رحمة من الله سبحانه وتعالى , هل يستطيع الولي هذا الذي تدعوه أنت وتتقرّب إليه , هل يستطيع أن يدفع هذه الرحمة ويمنعها من الوصول إليّ ؟ إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يُنزلها بي ؟ الجواب : لا , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن عباس , قال : [وَاعْلَمْ أَنَّ الناس لَوِ اجْتَمَعَوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْء لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأقلام وجفَّت الصُّحُف ] فكل الأمور بيد الله سبحانه وتعالى , وما يصلك من رحمة فمن الله , وما يُدفع عنك من ضرر أو ينزل بك من ضرر فمن الله سبحانه وتعالى , كلّه هو بيد الله تبارك وتعالى , فاعتمادك وتعلُّق قلبك يكون على الله سبحانه وتعالى لا على غيره , فلا تمِل بقلبك إلى أحد من البشر أو المخلوقين , واجعل اعتماد قلبك على الله سبحانه وتعالى فقط , توجَّه بقلبك إلى الله في كل ذلك , وبما أن هذه الأصنام لا تستطيع أن تفعل ما ذُكِر , إذاً فليست أهلاً لأن تُدعى , وأن تُعبد مع الله سبحانه وتعالى لأن النفع والضرّ بيد الله سبحانه وتعالى , وهذا الذي يريد أن يؤكده المؤلف هنا بسَوقه لهذه الآية , أن النفع والضر بيد الله تبارك وتعالى , ومن الشرك أن تتوجّه إلى غيره لرفع البلاء أو دفعه , { أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } قل حسبي الله , الحسب : هو الكافي , يعني : الله سبحانه وتعالى كافيني , لا أحتاج معه إلى أي أحد آخر , { عليه يتوكل } يعني : عليه يعتمد المعتمدون , في كل شأنك اعتمد على الله سبحانه وتعالى , تريد خيراً ؟ الجأ إلى الله سبحانه وتعالى , فالأمور كلها بيده تبارك وتعالى فاجعل قلبك معتمداً على الله , خصوصاً في أمر قد حصل فيه الخلل كثيراً في هذا الزمن , في مسألة الرزق , الاعتماد في الرزق يكون على الله سبحانه وتعالى , نحن نأخذ بالأسباب لأننا أُمِرنا بالأخذ بالأسباب , والله سبحانه وتعالى علّق الأشياء بأسبابها , لكننا لا نعتمدعلى الأسباب , ولا نعتمد على البشر في الرزق , وإنما نعتمد على الله سبحانه وتعالى , الشاهد من هذه الآية : أن النفع والضر بيد الله سبحانه وتعالى لا بيد غيره , فهو النافع , وهو الذي ينزل بك ما يشاء من ضرر , فالجأ إليه تبارك وتعالى لا إلى غيره , وادعه وحده , وتضرّع إليه وحده واخضع وذلّ إليه تبارك وتعالى , فلا تتخذ شيئاً سبباً في رفع الضر أو دفعه لم يجعله الله سبحانه وتعالى سبباً , سواء اتخذ هؤلاء القوم الأصنام أنها هي النافعة والضارّة بنفسها أو أنها أسباب , كلّه من الشرك , إذا جعلوها أسباباً : هو من الشرك وإذا جعلوها هي النافعة الضارة أيضاً من الشرك , الشاهد كما ذكرنا أن النفع والضرّ بيد الله سبحانه وتعالى لا بيد غيره وهو يجعل ما يشاء من الأسباب أسباباً ويمنع ما يشاء , نعم .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : " عن عمران بن حصين رضي الله عنه: أن «النبي صلى الله عليه وسلم: رأى رجلا في يده حلقة من صفر، فقال: " ما هذه "؟ قال: من الواهنة، فقال: " انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» . رواه أحمد بسند لا بأس به. " هذا حديث عمران بن حصين , قال : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً , جاء في بعض الروايات : أنه هو نفسه عمران , في يده حلقة من صُفر , عرفنا أيش معنى الحلقة : مثل السوار , مثل الخاتم , حلقة دائرية , وهكذا , " من صفر " : يعني : من نحاس , حلقة من نحاس وضعها في يده , فقال : ما هذه ؟ قال : من الواهنة , يعني : ما السبب الذي جعلك تلبس مثل هذه ؟ قال : السبب : من الواهنة , ما هي الواهنة ؟ الواهنة مرض , ألم , يأخذ في اليد , يعني : يضرب اليد , فيضعون هذا من أجل أن يخفّ هذا الألم , فهو لرفع البلاء , فقال : " انزعها " أمَرَه بنزعها , وهذا أمرٌ واجبٌ , فإنها لا تزيدك إلا وهناً , هذا يدل على تحريم مثل هذا الفعل , وأنه لا ينفع بل يضرّ , " لا تزيدك إلا وهناً " : إلا ضعفاً , يضعف في نفسه , فاعتماده لا يكون على الله , على غير الله , فيضعف في نفسه , فلا تؤتي ثمارها , بل تؤتي عكس الثمار , " فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبداً " وهذا الشاهد , فلو مِتّ وهي موجودة عليك ما أفلحت أبداً , يعني : ما فُزتَ , يوم القيامة عند الله سبحانه وتعالى لا تفوز إذا متّ على هذا الحال , أي نعم , وهل الفلاح فلاح كلّيّ أو فلاح جزئي ؟ على حسب تعلق القلب بهذا الأمر , إذا كان تعلّق بها , واعتمد عليها وأنها هي النافعة الضارّة , فهذا يكون نفيُ الفلاح نفياً كاملاً , وإذا كان تعلّقه بها من باب الأسباب , وأنها سبب , ولم يجعلها الله سبحانه وتعالى سبباً , فهذا الفلاح _ يعني _ المنفي هو الفلاح الكامل , ولكن أصل الفلاح يبقى موجوداً , هذا كله بناءً على صحة الحديث , يقول المؤلف : " رواه أحمد في مسنده _ يعني _ بسندٍ لا بأس به " والصحيح : أن السند ضعيف وليس كما قال المؤلف رحمه الله , ففي سنده المبارك , والمبارك هذا يُدلّس تدليس تسوية , ويقول عن الحسن أخبرني عمران , وأصحاب الحسن يخالفونه , معروف الحسن البصري أيضاً مدلّس , فإذا قال أخبرني عمران , معنى ذلك : انتفى التدليس , لكن هو يقول : أخبرني عمران , والصحيح : , يعني , أصحاب الحسن يروونه عن عمران بالعنعنة , على كل حال , مَن فهم هذا مِمَّن درس المصطلح , الحمد لله , ومن لم يفهم فيكفيه أن يعلم أن الإسناد ليس بصحيح , وأن هذا الحديث ضعيف لا يُعتمد عليه . قال المؤلف رحمه الله تعالى :" وله عن عقبة بن عامر " له : يعني للإمام أحمد , لأنه هو آخر مُخرِّج ذكره عندنا , قال : روى أحمد بسند لا بأس به , ثم قال : " وله " أي لأحمد رحمه الله : " عن عقبة بن عامر مرفوعاً " مرفوعاً يعني أيش ؟ يعني : يضيفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم , بدل أن يقول : عن النبي صلى الله عليه وسلم , يقول : مرفوعاً , فهذا معروف في اصطلاح المحدّثين , قال : " من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له " من تعلّق : يعني علّقها وتعلّق قلبه بها , " من تعلّق تميمة " ما هي التميمة ؟ التميمة : هي خرزات كانت العرب تعلّقها على أولادها , وما زالت إلى اليوم , يتّقون بها العين في زعمهم , يتعلّقون خرزة زرقاء على الولد , أو حذوة حصان على الدابّة , اليوم ما زال بعضهم يضعون حذوة حصان في السيارة , أو في ... أو حذاء في السيارة , أو ما شابه , هذه كلها تُسمّى تمائم , هذه أيضاً الخميسة , خمسة , خرزة زرقاء , أيّ شيء من هذه الأمور التي يصنعونها لرفع ... ليتّقون بها العين _ عادة _ لدفع العين , كي لا تصيبهم العين , فيضعون مثل هذه الأشياء , خرزة زرقاء وما شابه , هذه تسمّى : تمائم . قال : " من تعلق تميمة فلا أتم الله له " هذا دعاء عليه ألا يُتمّ الله سبحانه وتعالى له ما أراد من ذلك , قال :" ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له " نفس الشيء " من تعلق " يعني : من علقها وعلق قلبه بها , الودعة : قالوا : هو شيء يُخرج من البحر , مثل : الصدف , يشبهه , عبارة عن أحجار , كذا , يخرجونها من البحار ويعلّقونها على الأولاد وعلى أنفسهم , من أجل دفع العين ودفع البلاء , قال : " ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له " يعني : دعاءٌ عليه أيضاً ألا يجعله الله سبحانه وتعالى في دَعةٍ وسكون وراحة واطمئنان , " فلا ودع الله له " لكن هذا الحديث , بهذه الرواية هكذا ضعيف , في سنده خالد بن عبيد المعافري : مجهول , ولكن في الرواية التي بعدها , قال :" وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك» " عرفنا ما معنى " تعلق تميمة " , نفس اللفظ المتقدّم " من تعلّق تميمة " يعني من علّق التميمة وعلّق قلبه بها بأنها نافعة أو ضارّة , أو بأنها سبب , إذا كان تعلّق قلبه بها على أنها نافعة وضارة بنفسها فهذا شرك أكبر , وإذا تعلق قلبه بها على أنها سبب فهذا من الشرك الأصغر , " من تعلق تميمة فقد أشرك " فقد أشرك : هذا تحقيق , وقع في الشرك ولا بُدّ , تمام ؟ وقع في الشرك ولا بدّ , حصل منه الشرك , إما شرك أكبر , إن اعتقد أنها تنفع وتضرّ بنفسها , أو شرك أصغر , إن اعتقد أنها سبب , فهذه ... فهذا الحديث بهذه الرواية صحيح , " من تعلق تميمة فقد أشرك " وهذا الشاه الذي نريد للباب , هذا الدليل الذي نريده للباب , " من تعلق تميمة فقد أشرك " إذاً , يدل ذلك على أن تعليق التمائم من الشرك , وعرفنا التمائم , وصورها كثيرة موجودة بين الناس اليوم , من أشهرها : الخميسة , الخمسة التي فيها خرز أزرق , أو الخرزة الزرقاء في حد ذاتها , أو حذوة الحصان , وما شابه من هذه الأشياء , كلها هذه تسمى تمائم ,هذه لم يجعلها الله سبحانه وتعالى شيئاً , سبباً لدفع العين ولا لرفعها , أما دفع العين فقد جعل لنا النبي صلى الله عليه وسلم سبباً وهو الدعاء , فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يضع يده على الحسن والحسين ويقول :[ أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ ] هذا الدعاء سبب لدفع البلاء , والرقية بالفاتحة والمعوّذات جعلها الله سبحانه وتعالى سبباً لرفع البلاء , فنحن نأخذ بهذه الأسباب الشرعية ونترك الأسباب التي لا تشرع , نعم .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : " ولابن أبي حاتم " هو عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي , الإمام الشهير الحافظ المعروف , صاحب " العلل " أو المعروف بعلم العلل , أما صاحب كتاب العلل هو نفسه : عبد الرحمن وهذا ابن أبي عبد الرحمن .. ابن أبي حاتم , عفواً , عبد الرحمن بن أبي حاتم له تفسير , هذا الأثر ساقه في تفسيره , قال " ولابن أبي حاتم عن حذيفة " ينقل عن تفسيره : الحافظ ابن كثير رحمه الله كثيراً في تفسيره , وأحياناً يسوق الآثار بأسانيدها , قال : عن حذيفة : هو حذيفة بن اليمان , الصحابي الشهير , " أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمّى " يعني أصابته حرارة , سخونة , فعلّق خيطاً كرقية لهذه الحمّى " فقطعه " : يعني عمران , قطع هذا الخيط , وهذا أنكر بيده رحمه الله , أنكر هذا المنكر بيده , " فقطعه وتلا قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}" هذه الآية أصلاً نزلت في المشركين , ومعناها : وما يؤمن أكثرهم بالله , في ربوبية , أي : يؤمنون بربوبيته , تسألهم : مَن خلق السماوات والأرض ؟ مَن خلقكم ؟ يقولون : الله سبحانه وتعالى , وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ _ من هذه الحيثية _ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ من حيثية أخرى , وهي في عبادة الله سبحانه وتعالى , فيؤمنون بربوبيته , ويكفرون بألوهيته تبارك وتعالى : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } هنا , استدل هذا الصحابي بهذه الآية التي نزلت في المشركين أصلاً , استدلّ بها على ما فعله المسلم , حيث إن هذا المسلم قد آمن بالله تارك وتعالى ولكنه أشرك بفعله هذا الذي هو لبس الخيط من الحمّى , وهذا الحديث كما ذَكَر هو عند ابن أبي حاتم , إن سلم إسناده من الانقطاع بين عروة بن الزبير وحذيفة فهو صحيح , هذا الإشكال الوحيد الذي يوقفني حقيقة في تصحيحه , وهو : هل سمع عروة من حذيفة ؟ من حيث _ يعني _ السن , السماع ممكن , لكن من حيث البلد أو التصريح من بعض أئمة الحديث , لا يوجد , فعروة بن الزبير وُلِد في أوّل خلافة عثمان ومات سنة أربع وتسعين على الصحيح , وحذيفة مات في أول خلافة عليّ سنة ستٍّ وثلاثين , يعني : من حيث السّنّ : قريب الأمر , ممكن السماع , بعد بيعة علي بأربعين يوماً كان في المدائن في العراق , وعروة كان في المدينة وهل ثبت رحيل أحدهما إلى الآخر ؟ أو مروره به ؟ هذا , الله أعلم به , على كل حال , المسألة موقوفة هنا , إذا ثبت سماع عروة من حذيفة , فالحديث صحيح , وإذا لم يثبت , فهذا يكون منقطعاً , والله أعلم , وعلى كل حال , الباب قد علمنا حكمه وعلمنا خلاصة ما ذُكر فيه والمراد منه , والله أعلم , والحمد لله , وسبحانك الله وبحمدك , أشهد ألا إله إلا أنت , أستغفرك وأتوب إليك .
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-05-2015, 08:37   #8
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

تفريغ الدرس الثامن من شرح كتاب التوحيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
معنا اليوم الباب السابع من أبواب كتاب التوحيد ، قال المؤلف رحمه الله : " باب ما جاء في الرقى والتمائم "
الرقى : جمع رقية ، والرقية هي التعويذة التي يرقى بها صاحب الآفة ، وتسمى العزائم أيضاً . والتمائم : جمع تميمة ، وهي ما يعلق لدفع العين أو رفعها من خرزات و عظام وما شابه . تقدم الحديث عن التمائم ، لكن هنا سيذكر أنواعاً لها وكذلك الرقى لها أنواع ، لذلك المؤلف لم يجزم بحكمها ، فما قال : ( باب من الشرك الرقى والتمائم ) لأن فيها تفصيل ، ليست كل الرقى والتمائم من الشرك . الرقية قسمان : رقية شركية ، ورقية غير شركية . الرقية الشركية محرمة ، وغير الشركية غير محرمة . الرقية الشركية : ما فيها استعانة أو استغاثة أو استعاذة بغير الله تبارك وتعالى ، فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى ، أو بأموات ، أو فيها ذكر أسماء الشياطين أو الجن ، وما شابه . أو رقية يعتقد صاحبها أنها تؤثر بنفسها ، هذا نوع الرقية الشركية ، وهذه محرمة . أما النوع الثاني : وهو النوع الجائز الذي لا يكون من قبيل النوع الأول ، وقد نقل السيوطي إجماع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط : الأول : أن تكون بكلام الله ، أو بأسمائه وصفاته ، هذا الشرط الأول . الشرط الثاني : أن تكون باللسان العربي ، وما يعرف معناه . الشرط الثالث : أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها ، بل بتقدير الله تبارك وتعالى . هذا الشرط الأخير متفق عليه ، أما الشرط الأول والثاني فاختلفوا في شرطيته ، فهم متفقون على أنه إذا توفر فالرقية جائزة ، لكنهم اختلفوا إذا كانت الرقية بغير اللغة العربية ، لكنها كلام مفهوم ليس فيها أسماء جن وما شابه ، هنا اختلفوا فيه ، البعض جوز ، والبعض منع ، وكذلك اختلفوا إذا كانت الرقية بغير كلام الله وأسمائه وصفاته ، لكنها ليس فيها أي شيء من الاستعاذة بالجن ، أو غيرهم أو الاستغاثة بهم ، ولا شيء من هذا القبيل من أنواع الشركيات ، لكنها ليست بكلام الله ولا بأسمائه وصفاته ، هذه أيضاً حصل فيها نزاع . لكن اتفقوا كما ذكرنا على أنه إذا توفرت هذه الشروط فالرقية جائزة . إذاً خلاصة الأمر أن الرقية قسمان : رقية شركية وغير شركية . الشركية محرمة ، وغير الشركية جائزة ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه قوله : لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً . هذه عندنا قاعدة ، هذا الحديث قاعدة في هذا الباب ، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً . إذا كانت الرقية ما فيها شرك ، وليس فيها معنى من معاني الشرك فهي جائزة . والتمائم : فصلنا القول في التمائم الشركية ، وذكرنا تعريفها وحكمها ، ومنها أن تعليق التميمة إما أن يكون شركاً أكبر أو شركاً أصغر ، هذا تقدم الكلام في هذا كله . لكن يبقى الحديث عن التميمة التي هي من القرآن . هذه ليست شرك ، لكن هل هي جائزة أو غير جائزة ، سيأتي بإذن الله الحديث عنها في موضعه . هذه خلاصة هذا الباب الذي ذكره المؤلف رحمه الله . سيذكر بعد ذلك الأدلة التي تدل على الأقسام التي ذكرنا . قال المؤلف رحمه الله : في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، أبو بشير الأنصاري صحابي ، كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرها ، وسفرات النبي صلى الله عليه وسلم كانت كثيرة ، وأكثرها كانت للغزو ، فأرسل رسولاً : يعني النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رجلاً إلى الجيش وإلى المسلمين يخبرهم . أن لا يبقينّ في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة ، إلا قطعت : إذاً الرسول ذهب إلى الناس يخبرهم ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم إياه ، ما هو ؟ قال : أمرهم بأن لا يبقين في رقبة بعير ، يعني جمل ، قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت . أهل الجاهلية كانوا يضعون في رقاب الإبل خيوط من وتر . الوتر هذا ، لعل الكثير منكم رأى القوس الذي ترمى به السهام ، هذا القوس مشدود بوتر ، سلك ، خيط قوي ، هذا معنى الوتر . كانوا يلفون هذا الوتر على رقبة البعير ، لماذا ؟ لئلا تصيبها العين ، خشية الحسد يعني ، لدفع العين عنها ، وهذا ما قاله شراح الأحاديث ، هذا ليس من عندنا ، هذا قول أئمة الإسلام ، وعبيد ، القاسم بن سلام له كتاب في تفسير غريب الحديث ، يعتمد عليه الإمام البخاري كثيراً ، وهو من العلماء المتقدمين ، قال : كانوا يقلدون الإبل الأوتار ، يعني كانوا في الجاهلية يقلدون الإبل الأوتار ، وبقوا على ذلك حتى نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لئلا تصيبهم العين ، هذا هو السبب ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإزالتها ، إعلاماً لهم بأن الأوتار لا ترد شيئاً ، هذا كلام أبي عبيد رحمه الله . إذاً هنا ، الوتر هذا كانوا يستعملونه تميمة ، يردون به العين عن الإبل ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الفعل ، فأرسل رسولاً أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر ، حدد نوع القلادة ، من وتر ، أو قلادة : يعني شك الراوي في ذلك ، هل قال قلادة من وتر أو قال قلادة . إلا قطعت : إذاً لا بد ، هذا أمر من النبي صلى الله عليه وسلم ، والأمر يفيد الوجوب ، فلا يجوز ، يحرم تعليق مثل هذه التمائم لدفع العين ، محرم ، قد أبدلنا الله سبحانه وتعالى بما هو خير منها بحمد الله ، الرقية التي علمناها النبي صلى الله عليه وسلم . ثم قال المؤلف رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " إن الرقى والتمائم والتولة شرك ، كما ذكرنا في التفصيل السابق ، هل كل رقية تكون شركاً ؟ لا . لكن الرقية التي تكون شركاً هي التي يستعان فيها بغير الله ، أو فيها استغاثة بغير الله ، فيها أسماء الشياطين ، أو يعتقد صاحبها أنها تنفع وتضر بنفسها ، هذه رقية تكون شركية . لماذ فصلنا هذا التفصيل ؟ ربما يقول لنا قائل والله الحديث عام يا أخي ، النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الرقى شرك ، فأنت كيف خصصت وفصلت ؟ من أين أتيت بهذا كله ؟ معه حق بهذا الاعتراض ، بداية ، لأن ظاهر الحديث معه ، قال : إن الرقى شرك ، وهذا يشمل جميع أنواع الرقى ، لكن نحن فصلنا ، قلنا لا ، يوجد نوع من الرقية جائز ، لماذا ؟ للحديث الآخر : " لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً " . إذاً صار عندنا نوعان من الرقى ، ما يصح من طالب العلم أن يتمسك بحديث واحد وأن يبني عليه حكماً ، دون أن يكون له نظرة عامة بأدلة الكتاب والسنة ، خشية أن يقع في الزلل . مثل هذا ، يأخذ الحديث هذا ، ويبني عليه حكماً ، ويقول إن الرقى والتمائم والتولة شرك ، إذاً خلاص ، كل رقية شرك ، بناء على ظاهر هذا الحديث ، هذا خطأ ، لماذا ؟ يقال له : فاتك أحاديث أخرى كثيرة ، لم تعمل بها وتركتها ، ولم توفق بين أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، والشريعة كلها خارجة من مشكاة واحدة ، ولا تتعارض ابداً ، إذاً فهمك سقيم وجاء ذلك من قلة علمك وخبرتك في مجال الشرع ، لذلك لا يتسرع طالب العلم ، لا يتسرع طالب العلم ويعترض على المشايخ بأقوالهم ، حتى تراجع المسألة ، راجع المسألة وانظر كلام أهل العلم فيها ، بعدها إذا أشكل عليك شيء ، فبادر إلى المراجعة ، إلى سؤال أهل العلم ، لا تتعجل ، لا تعترض ، تثير فوضى ومشاكل وفتن ، على لا شيء ، مجرد جهلك فقط . راجع المسألة ، وانظر كلام العلماء ، وانظر إلى الأدلة التي يذكرونها ، ثم بعد ذلك تخرج بنتيجة صحيحة . انظر هنا ، لو جاء شخص ، وأخذ بظاهر هذا الحديث فقط ، إن الرقى والتمائم والتولة شرك ، ومشى على هذا ، يصبح يدندن الرقى حرام ، شرك ، باطل ، وقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم ، وحث على الرقية ، وقال في الحديث الذي ذكرناه سابقاً : لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً ، ماذا تفعل بكل هذا ؟ لذلك العلماء قالوا الجمع بين الأحاديث بما ذكرنا ، أن الرقية منها ما هو شركي ، ومنها ما هو ليس بشركي ، على التفصي الذي تقدم . والتمائم : قال إن الرقى والتمائم شرك ، إذاً التمائم الأصل فيها أنها شرك ، وبينا السبب في ذلك ،وسيأتي الحديث عن تميمة القرآن . والتولة شرك : التولة شيء كانوا يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها ، والرجل إلى امرأته ، ولا زال موجوداً إلى يومنا هذا ، هذه هي التولة ، وهي نوع من أنواع السحر ، نوع من أنواع السحر ، هذا شرك ، والسحر كفر ، سيأتي تفصيله إن شاء الله في باب مستقل . هذه التولة وهي نوع من أنواع السحر ، خاص بما ذكرنا ، شركٌ . رواه أحمد وأبو داود : رواه أحمد في مسنده ، وأبو داود في سننه ، والحديث صحيح . إن الرقى والتمائم والتولة شرك : الشاهد منه : أن بعض الرقى ، وبعض التمائم ، شرك ، هذا هو الشاهد . نعم ننتقل للذي بعده إن شاء الله. ثم قال المؤلف رحمه الله : " وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: «من تعلق شيئا وكل إليه» . رواه أحمد والترمذي " , عبد الله بن عكيم الجُهني الكوفي , قال الإمام البخاري رحمه الله : أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يُعرَف له سماعٌ صحيحٌ , يعني : من النبي صلى الله عليه وسلم , وكذا قال أبو حاتم الرازي , وقوله : " مرفوعاً " أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فيكون هذا الحديث مرسلاً , " من تعلق شيئاً وُكِل إليه " يعني : من علق شيئاً على جسمه وتعلّق قلبه به , " وُكل إليه " يعني : تركه ربُّنا تبارك وتعالى لهذا الشيء الذي علّقه على نفسه , وتعلّق قلبه به , وهذا الشيء معروف أنه لا ينفع ولا يضر , فإذا تخلّى الله سبحانه وتعالى عن حفظ شخصٍ هلك , هذا تحذير شديد . رواه أحمد والترمذي . وقد سُئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله عن تعليق التمائم والخرز , فقال : ذلك شركٌ , إلى آخر ما ذكر , وهذا ذكره عن الإمام مالك : صاحب جامع التحصيل , وربما يكون في الموطأ , يحتاج إلى مراجعة , على كلاً ... ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى : " وروى أحمد عن رُويفع، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا رُويفع، لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمداً بريء منه» " رُويفع بن ثابت , صحابي يُخبر ما أخبره به النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا رويفع : لعل الحياة ستطول بك , يعني : ستعيش فترة من الزمن , فأخبر الناس - من أدركته منهم - أن من عقد لحيته , عقد اللحية اليوم يسمّونه : تجذيل , يجذّل اللحية ويلفّها هكذا , كانوا يفعلونها للكبر , كانوا يفعلونها في الحروب كبراً وتعاظماً وعُجباً , فلذلك نُهوا عن ذلك , " أو تقلّد وتراً " يعني : ارتدى الوتر على شكل قلادة , إما في نفسه أو في بعيره , على معنى الحديث المتقدّم , يفعلون ذلك لدفع العين , وهو الشاهد من الحديث , ساقه المؤلف هنا لذلك , " أو استنجى برجيع دابّةٍ أو عظمٍ " , الاستنجاء : تنّظف بعد دخول الخلاء من قضاء الحاجة يتنظف , نُهي عن أن يستنجي برجيع دابة , الرجيع للدابّة : هو الروث الذي يخرج منها , عند قضاء حاجتها , والعظم معروف , وجاء في رواية بأنه : زاد إخوانكم من الجن , لذلك نُهوا عن الاستنجاء بالعظم , والروث لا ينظّف , قال :" فإن محمداً بريء منه " أي : من الفاعل ومن الفعل , النبي صلى الله عليه وسلم بريء منه , وبراءة النبي صلى الله عليه وسلم هذه تدلّ على أن الفعل كبيرة من الكبائر , ثم قال المؤلف رحمه الله :" وعن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة. رواه وكيع " سعيد بن جبير : صاحب ابن عباس , من تلاميذه , من طلبته , وهو تابعي , قال : " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة " , " من قطع تميمة من إنسان " هذا الشاهد , أنه لا تترك التميمة , ينكرها , ومن الإنكار أن يقطعها عنه , وأجرها : قال : " كان كعدل رقبة " يعني : كأنه أعتق رقبة , أعتق عبداً أو أَمَةً , وهذا أجره عظيم , قال : " كان كعدل رقبة " لكن هذا الأجر , أمرٌ لا بدَّ فيه من توقيف , يعني : خبر عن المعصوم بأن من فعل كذا فله أجر كذا , هذا يحتاج إلى وحي , فمن أين أتى به سعيد بن جبير ؟ هذا له حكم الرفع , وإذا قلنا له حكم الرفع فيكون مرسلاً , لأن سعيد بن جبير تابعي , والمرسل من قسم الضعيف , فلا يصحّ , " رواه وكيع " وهو موجود عند ابن أبي شيبة في المصنف , قال المؤلف رحمه الله تعالى :" وله " أي لوكيع أيضاً " عن إبراهيم " : هذا إبراهيم هو ابن يزيد النخعي الكوفي " قال : كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن " : هنا جاءت مسألة : تميمة القرآن , إبراهيم بن يزيد النخعي هذا فقيه كبير من الفقهاء , وهو تابعي , ينقل عن أصحاب ابن مسعود , " كانوا يكرهون " كانوا , من هم ؟ هم أصحاب ابن مسعود , لأنه يطلق هذه الألفاظ ويريدهم هم بالذات , أصحاب ابن مسعود فقهاء كبار , من كبار التابعين , وفقهاء الإسلام في وقتهم , من فقهاء أهل الكوفة , كالأسود بن يزيد النخعي , وعلقمة بن قيس النخعي أيضاً , وشقيق بن سلمة , وغيرهم , قال : كانوا يكرهون التمائم كلها , السلف عندما يكرهون يعني : يحرّمون , الكراهة عند السلف بمعنى التحريم , كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن , من غير القرآن : لا إشكال , الإشكال في تمائم القرآن , هذه حصل فيها خلاف بين السلف أنفسهم , فبعضهم كان يجيزها والبعض منعها , والذين يجيزون قالوا : هي ليست من الشرك , تميمة القرآن ليست شركية , هذا صحيح , والذين منعوا قالوا : الأدلة عامّة , تشمل ما كان من القرآن ومن غيره , لكن هذا الدليل غير صحيح , لأن الأدلة التي وردت , وردت في التمائم الشركية , وهذه ليست شركاً , لكن الدليل الثاني لهم هو الصحيح , وهو القول بالتحريم لسدّ الذريعة , أيش يعني سدّ الذريعة ؟ يعني أن هذا الفعل ( تعليق التمائم التي هي من القرآن ) تؤدي إلى تعليق التميمة الشركية , فهي طريق إليها , لسدّ هذا الطريق نقول بتحريم أيضاً ما كانت من القرآن , هذا معنى سدّ الذريعة , فمتى كان الفعل يؤدي إلى المحرم , قلنا بتحريمه سدّاً للذريعة , هذا معنى سدّ الذريعة , وهو دليل من الأدلة عند الأصوليّين مُختَلَفٌ فيه , لكنه الصحيح أنه معتبر , وله ضوابط طبعاً ذكرها أهل الأصول , لكن هنا معتبَر , فيقال : يحرُم تعليق التميمة من القرآن ومن غير القرآن , من غير القرآن لأنه شرك , ومن القرآن لأنه ذريعة إلى تعليق التمائم الشركية , هذا هو الصحيح في هذه المسألة , نعم .

ثم قال المؤلف رحمه الله ( في الباب الثامن ) : " باب من تبرك بشجر أو حجر أو نحوهما " : الآن انتقل المؤلف إلى باب جديد , وهذا الباب له تعلّق بالمسائل التي سبقت , لأن التبرّك , عندما يريد الشخص أن يتبرّك بحجر أو بشجر هو يريد المنفعة منه , فيطلب نفعه وخيره فيقع في الشرك , التبرّك أصلاً هو طلب الخير الكثير , طلب ثبوته ولزومه , هذا معنى التبرّك , والتبرّك حكمه , يعني , التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته من الأشياء التي - يعني - كان يفعلها الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم , وهذا حكم خاصٌّ بالنبي صلى الله عليه وسلم , وهذا جائز لا إشكال فيه , لأن الصحابة كانوا يفعلونه بالنبي صلى الله عليه وسلم , لكن ما فعله الصحابة بمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم , لذلك لا يجوز فعله بغير النبي صلى الله عليه وسلم , لأن الصحابة اقتصروا على النبي صلى الله عليه وسلم , لأنهم يعلمون أنه لا يجوز فعله بغيره , يعني لم يفعلوها بأبي بكر أو بعمر رضي الله عنه , أو بعليّ أو بعثمان , لم يفعلوا ذلك , فلذلك نقول : التبرك بغير النبي صلى الله عليه وسلم غير جائز , التبرّك بحجر , التبرك بشجر , التبرك بوليّ , التبرك بقبر , كل هذا محرّم , وإذا اعتقد الشخص أن هذا الشيء الذي سيتبرّك به هو الذي يمنحه البركة فهذا شرك أكبر نعوذ بالله , وإذا اعتقد أنه وسيلة , يعني زيارته وملامسته والتمسّح به هو سبب لحصول البركة من الله سبحانه وتعالى فهذا محرّم , وهو وسيلة إلى الشرك , هذا حكم التبرك , فالتبرك يُعتبر محرّماً وهو من الشرك , كما سيأتي ذكر أدلته إن شاء الله , قال المصنّف رحمه الله : " وقول الله تعالى :{ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } " : هذه الآيات , ذكر الله سبحانه وتعالى فيها أسماء بعض المعبودات التي كان يعبدها الكفّار { أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى } هي ثلاث : اللات والعزّى ومناة , أما اللات : فتُنطَق بتشديد التاء في ( اللاتّ ) , وقرئت أيضاً بتخفيفها , ( اللات ) بتشديد التاء ( اللاتّ ) هذه : قالوا سُمّيت بذلك لأن رجلاً كان يلتُّ السَّويق للحاجّ , يعني كان يخلط لهم أنواع الطعام ويصنع لهم طعام على صخرة , للحجاج , فلما مات عكفوا على قبره , هذه أصل اسم اللات وهي مخفّفة , أما اللات المشددة , عفواً هذه هي المشددة ( اللاتّ ) أما المخففة فهي من الإله , والعُزّى من العزيز , من أسماء الله سبحانه وتعالى أصولها , اشتقوها من أسماء الله سبحانه وتعالى , فبالتخفيف يكون أصلها مأخوذ من الإله , وهي صخرة ملساء , صخرة بيضاء ملساء منقوش عليها نقوش كانوا يعبدونها المشركون , فهما يعني قراءتان , على القراءة ( قراءة التشديد ) يكون هذا المعبود الذي يعبدونه قبر ( قبر ذلك الرجل الصالح الذي كان يلتّ السويق ) وعلى قراءة التخفيف يكون المعبود هذا صخرة , وأما العُزّى فهي من العزيز كما ذكرنا , كانت شجرة عليها بناء وأستار وكانوا يعبدونها , وأما مناة فهي صنم كانوا يعظّمونه , ومشتقة من اسم الله المنّان , فهي معبودات كانوا يتبرّكون بها , ويطلبون منها جلب المنافع ودفع المضار , الشاهد من ذكر المؤلف لهذه الآية هنا , هو أن التبرّك بهذه الأشياء لمنح البركة يُعتبر من الشرك , فهذا ما كان يفعله المشركون عند هذه المعبودات المذكورات في هذه الآية , قال : { أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى } يعني : تجعلون له ولداً وتجعلون ولده أنثى !! وأنتم تختارون لكم الذكور { تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى } قسمة جائرة ظالمة باطلة { إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ } يعني : أنتم سمّيتموها من عندكم ليس عليها دليل ولا أصل لها { مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } من حجة , السلطان في القرآن يأتي بمعنى الحجة والدليل { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ } ليس لهم دليل ولا مستند إلا فقط أنهم يحسنون الظن بآبائهم فيسلكون طريقهم , وأهواؤهم قد اشتهت هذا الشيء وأحبَّتْه فمضوا فيه { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } أرسل الله إليهم الرسل بالحق , المهم , الشاهد : أن عُبّاد هذه الأوثان كانوا يعتقدون حصول البركة منها بتعظيمها ودعائها والاستعانة بها والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها , فالتبرّك بقبور الصالحين هو من هذا القبيل ( كالتبرك باللات والعزى ومناة , إلى آخره ) , نعم.

قال المؤلف رحمه الله تعالى :" عن أبي واقد الليثي " هو الحارث بن عوف , صحابي , " قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين " حنين مكان , وادي في طريقهم " ونحن حدثاء عهدٍ بكفر " : هو الآن يذكر , لماذا قال : ونحن حدثاء عهد , يعني ما زلنا قد دخلنا في إسلام من جديد , ليست لنا فترة طويلة ونحن في الإسلام فتعلّمنا وعرفنا , لا , ما زال - يعني - عهدنا بالجاهلية قريب , قد تركنا الجاهلية ودخلنا في الإسلام من قريب , وهذا يريد يبيّن عذره , لماذا طلبوا الطلب الذي سيذكره بعد ذلك , وإن كان طلباً محرّماً , ولا يجوز لمسلمٍ أن يطلبه , لكن هو قدّم عذره في ذلك أنهم لا يعلمون , قال :" وللمشركين سدرة يعكفون عندها " السدرة اللي هي الشجرة , شجرة سدرٍ , المشركون كانوا يعكفون عندها , يعني أنهم ينزلون عندها , ويستقرّون عندها هناك , يقيمون , لماذا ؟ يتبرّكون بها ويطلبون خيرها وبركتها , يعلّقون عليها أسلحتهم كي تنتقل البركة إلى الأسلحة , " وللمشركين سدرة يعكفون عندها " يقيمون في ذاك المكان " وينوطون بها أسلحتم " يعني : يعلقون أسلحتهم بتلك السدرة كي تنتقل بركتها إلى الأسلحة " يُقال لها : ذات أنواط " يعني : صاحبةُ مُعلّقات يُعلَّق عليها , لأنهم يعلّقون عليها السيوف سُمّيَت بهذا , " ذات أنواط " : ناط الشيء بالشيء , أي علّقه , " فمررنا بسدرة " مررنا : يعني المسلمين , مرُّوا بسدرة , بشجرة ثانية كبيرة , " فقلنا : يا رسول الله اجعل لنا ذاتَ أنواط كما لهم ذاتُ أنواط " يعني : اجعل لنا شجرة نتبرك بها كما لهم شجرة يتبركون بها , " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر " استعظم النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول , فقال : الله أكبر , وفيه أن الشخص إذا استعظم أمراً يكبّر , " إنها السنن " يعني : الطرق , يعني : نفس الطريقة التي سلكها مَن قبلكم , أنتم سلكتموها الآن " قلتم والذي نفسي بيده " من الذي نفسه بيده ؟ هو الله سبحانه وتعالى , يحلف بالله تبارك وتعالى , " قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى " يعني : أنتم سرتم في نفس طريق بني إسرائيل ( اليهود ) , ماذا قال بنو إسرائيل لموسى ؟ " { اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } " اجعل لنا معبود كما لهم معبودات , " { قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } أصل الآية في بدايتها : { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } عاكفون على أيش ؟ على أصنام لهم يعبدونهم , يتبركون بهم , وأنتم فعلتم نفس الشيء , " لتركبُنَّ سنن من كان قبلكم " هذا خبر من النبي صلى الله عليه وسلم , يعني ستسيرون بنفس الطريق التي سار فيه من قبلكم , جاء في رواية : اليهود والنصارى يا رسول الله ؟ قال : فمَن ؟! , يعني : ستسيرون على نفس الطريق التي ساروا , وتقلّدونهم فيما وقعوا فيه , وجاء مفسّراً في أحاديث أخرى " لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقُذّة حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه " وقع فيهم الشرك , يقع الشرك فيكم , وقعت المعاصي وتقع المعاصي , وهكذا , الآن نحن نسير خلفهم , خلف اليهود والنصارى , انظروا الآن لحال المسلمين , ما هذا ؟ الذي يفعله اليهود والنصارى هو الصحيح على طول وخلفهم نحن نسير , والله المستعان , الشاهد هو التبرّك , وأنه من الشرك , طلب البركة من الشجر والحجر وما شابه هو من الشرك , وفي هذا الحديث دليل على العذر بالجهل , لم يكفرهم النبي صلى الله عليه وسلم , ولا قال لهم : ارجعوا إلى الإسلام , عذَرهم بأنهم , وبيّن العذر أبو واقد في بداية كلامه : أنهم كانوا حديثي عهدٍ بكفر , يعني : ما زال , دخلوا في الإسلام جديد , يعني طبيعي الإنسان عندما يدخل في الشيء جديد يكون يجهل أحكامه , فإذاً , العذر بالجهل في المسائل العقائدية مقرر في الكتاب مقرر في السنة , مقرر على ألسنة السلف الصالح رضي الله عنهم , وقد فصلت القول في شرحي على شرح السنة للبربهاري في الشريط الأول أو الثاني , المهم , خلاصة هذا الباب , وهو عدم جواز التبرك بالأحجار والأشجار والأولياء والقبور وغير ذلك , ومن احتجّ بتبرك الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم , نقول له هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لأن الصحابة رضي الله عنهم تبرّكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يتبركوا بغيره , لأنهم علموا أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم , فالتبرك بغيره شركٌ أو وسيلةٌ إليه , فلذلك يُمنَع منه , وبهذا نكون قد انتهينا من بابين , والله أعلم , وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألّا إله إلا أنت , أستغفرك وأتوب إليك , وفي الدرس القادم إن شاء الله ننهي الباب التاسع والعاشر , ثم نبدأ بالاختبار بإذن الله تعالى والله الموفِّق . تفريغ إخوانكم في معهد أورفا العلمي ( البصيرة )
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-05-2015, 08:41   #9
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي


تفريغ الدرس التاسع من شرح كتاب التوحيد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله :
نبدأ اليوم بإذن الله تعالى بشرح الباب التاسع من أبواب كتاب التوحيد , وقبل ذلك ننبّه على خطأ وقع في الدرس , في شرح الدرس الماضي , وهو عند كلمة اللات , قلنا بأن اللام تُشدّد وتُخفّف , فتُقرأ كما هي قراءة الجمهور , القراءة المعروفة عندنا , :{ أفرأيتم اللاتَ والعُزّى } هذه مخفّفة , وتُشدّد فيُقال :{ أفرأيتم اللاتّ والعزّى } فهنا شدّدنا التاء , هذا هو المذكور , وهو الذي مذكور عندكم في الشرح في بدايته , قال : فأما اللات , فقرأ الجمهور بتخفيف التاء , إلى آخره , أي نعم .

قال المؤلف رحمه الله : " باب ما جاء في الذبح لغير الله "

قد تقرّر معنا في الدروس السابقة , بأن العبادات يجب أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى ولا يجوز صرف عبادة من العبادات لغير الله , لأن هذا ناقض لقول لا إله إلا الله , فمعنى ل إله إلا الله : أنه لا معبود بحقٍّ إلا الله , فصرف أي عبادة من العبادات لغير الله نقضٌ لهذه الكلمة وإبطال لها , وبناءً على ذلك , بناءً على ما تقدّم , الآن يذكر لنا المؤلف رحمه الله أنواعاً من العبادات التي كان المشركون يصرفونها لغير الله , فهنا مثلاً معنا الذبح , الذبح , كان الكفار يذبحون لأصنامهم , يذبحون لمعبوداتهم , ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى بتوحيده في هذه العبادة , فقال المؤلف رحمه الله عاقداً باباً خاصّاً بها , قال : باب ما جاء في الذبح لغير الله , يعني : ما جاء من أدلة , تدلّ على أن الذبح لغير الله محرّمٌ , وهو شركٌ , قال رحمه الله :" وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي َنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} " قل : يا محمد , { إن صلاتي } : يعني القول هذا يقوله للمشركين , يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير الله تبارك وتعالى أن يقول لهم : { إن صلاتي } , الصلاة : معروفة عندكم , هي : الأعمال التي تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم , هذه من أعظم العبادات التي نتقرّب بها إلى الله سبحانه وتعالى وهذا أمرٌ معلوم , وأضاف إليها أيضاً النُّسُك , قال : { إن صلاتي ونسكي } فصلاتي لله تبارك وتعالى ونسكي , يعني ذبحي لله تبارك وتعالى , والذي يدلّ على أن النسك معناه الذبح : أنه جاء في الحديث في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي ارتكب يعني محذوراً في الإحرام , قال : [ أو انسُك نسيكة ] يعني : اذبح ذبيحة , فالنسك هنا بمعنى الذبح , والشاهد : أنه يقول هنا : { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } يعني : الله سبحانه وتعالى هو الذي يستحق مني ذلك , الله الذي يستحقّ مني أن أعبده وأن أتقرب إليه بالصلاة وبالذبح , { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي } أي ما أفعله في حياتي من عبادات , { ومماتي } : وما أموت عليه من التوحيد والطاعة كلّه لله تبارك وتعالى خاصٌّ به فلا يستحق غيره أن يُصرف له شيء منه , هذا المقصود من هذه الآية , إذاً فيها يعني أمرٌ بإخلاص الصلاة وإخلاص الذبح لله تبارك وتعالى , فيثبت بذلك أن الذبح عبادة وقربة لله سبحانه وتعالى , فقد عطفها على الصلاة التي هي أيضاً عبادة وقربة لله سبحانه وتعالى , وأمره أن تكون خاصة بالله سبحانه وتعالى , إذاً الذبح عبادة وقربةٌ لله سبحانه وتعالى يجب أن يكون خالصاً لله , ومن صرفه لغير الله فقد أشرك , قال : { لا شريك له } لا شريك له , يعني : صلاتي وذبحي وعبادتي كلّها خاصّة بالله سبحانه وتعالى , لا يُصرَف منها شيء لغير الله تبارك وتعالى , { وبذلك أُمِرْتُ } بهذا أمر الله سبحانه وتعالى , أمر بالتوحيد , وإخلاص العمل لله سبحانه وتعالى , { وأنا أول المسلمين } أي : من هذه الأمة ( من أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم ) هو أوّل المسلمين , الشاهد من الآية : أن الذبح عبادة , وصرفُه لغير الله شرك , والواجب هو أن نخلص هذه العبادة لله سبحانه وتعالى , لكن , هل كل ذبحٍ يكون عبادة ؟ لا , هناك ذبحٌ يكون مثلاً لإكرام الضيف , هناك ذبح يكون من أجل أكل اللحم فقط , مثل هذا الذبح لا يكون ذبحاً تعبّدياً , الذبح المقصود هنا ( الذبح التعبّدي ) هو ذبح القربة , ذبح التعظيم , الذبح الذي يكون لشخص من أجل كمال المحبة والتعظيم له , هذا يكون ذبح قربة , وهذا الذبح يجب أن يكون ذبحاً خالصاً لله سبحانه وتعالى , ولا يجوز صرفه لغير الله , أي نعم . إذاً , الغرور عندنا أن الذبح الذي يكون قربة وتعظيم للمذبوح له , هذا يكون عبادة , أما الذبح الذي لا يكون من هذا القبيل , وإنما هو من أجل أكل اللحم أو من أجل إكرام الضيف وما شابه , فهذا ليس من القربات , لذلك لا يدخل فيما نحن فيه , طيب , لو قال قائل _ الآن _ : هذه الذبائح التي تذبح للرؤساء والملوك عندما يأتون إلى قرية , أو يأتون إلى مدينة , أو شيء . هل هذه الذبائح تُعتبر شركية ؟ أم غير شركية ؟ نقول : إذا كانوا يذبحونها قربة وتعظيماً لهذا الرئيس أو هذا الملك , فهذه ذبائح تعبّدية , وصرفها لغير الله شركٌ , وإذا كانت تُذبح فقط من باب الإكرام والإطعام , فهذه لا تكون ذبائح تعبّدية , وكيف تفرّق بين الأمرين ؟ قال أهل العلم : تفرّق بينهما بأن تنظر إلى اللحم بعد ذلك أين يذهب , إذا طُبِخ وأُطعِم منه هذا الملك , فهذا يكون من باب الإكرام , وإذا لم يُطعم منه أصلاً فهذا يكون من باب القربة والتعظيم , فيكون صرفه لهذا الملك شرك بالله سبحانه وتعالى لأنه صرف عبادة خاصّة بالله سبحانه وتعالى لغيره , هذا هو ضابط هذا الباب , وهذا هو تفصيله , ثم ذكر في الآية التي بعده , قال : " وقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} " : هذه , الدلالة منها نفس الدلالة من الآية التي قبلها , { فصلّ لربك وانحر } , هنا , { فصلِّ } , قال : { إنا أعطيناك الكوثر فصلّ لربك وانحر } , الكوثر : هو نهر في الجنة , أكرم الله سبحانه وتعالى به نبيّه , فشُكراً لله سبحانه وتعالى قال الله سبحانه وتعالى له : { فصلّ لربّك وانحر } أي : شكراً لله تبارك وتعالى , فأمره بالصلاة وأمره بالنحر الذي هو الذبح , فكون الله سبحانه وتعالى قد أمر نبيَّه بالنحر , إذاً دلَّ ذلك على أن النحر عبادة , وقرَنه أيضاً بالصلاة , إذاً فالنحر عبادة , والنحر مثل الذبح , إلا هي طريقة مختلفة عن الذبح في إزهاق الروح , يكون بالطعن في حلق الأضحية أو الذبيحة , بينما الذبح يكون بتمرير الموس على رقبته , وكلاهما جائزان في الشرع وحكمهما واحد , الآن , المقصود من ذلك هو أن يتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى بالذبائح , فقال له :{ فصلّ لربك وانحر } إذاً ثبت بذلك عندنا أن النحر عبادة وقُربةٌ لله سبحانه وتعالى , فصرفها لغير الله على هذا الوجه يُعتبَر شركاً بالله تبارك وتعالى , هنا فائدة مهمّة : هو أن يحرص العبد على شكر الله سبحانه وتعالى كلّما ازدادت نعم الله تبارك وتعالى عليه , أن يحرص على أن يشكر الله سبحانه وتعالى ويكون أكثر شكراً لله تبارك وتعالى ممن لم يحصل على النعم التي امتنّ الله تبارك وتعالى بها عليه , لذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يقوم الليل , كان يقوم حتى تتفطر قدماه , تتشقّق قدماه _ يعني _ من طول القيام , صلى الله عليه وسلم , فقالوا له _ يعني _ : الله سبحانه وتعالى قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر , يعني : ما في داعي تشقّ على نفسك بهذه الدرجة , فقال عليه الصلاة والسلام : أفلا أكون عبداً شكوراً , يعني : وإن غُفرَت لي ذنوبي , وإن كان قد حصل على منزلة لم يحصل عليها غيره في الجنة , إلا أنه مع ذلك أراد أن يكون عبداً شكوراً , وهكذا يكون الأدب مع الله سبحانه وتعالى , إذا أنعم الله تبارك وتعالى عليك بنعم لم ينعمها على غيرك من عباده , فأكثر من طاعة الله تبارك وتعالى لذلك , أهل الطاعة ( من أهل العلم وغيرهم ) أولى بأن يكثروا من طاعة الله تبارك وتعالى ومن التقرّب إليه , شكراً له على ما أنعم عليهم من نعم , وكلنا يعني قد أنعم الله تبارك وتعالى علينا بنعمٍ كثيرة , فنحن بحاجة إلى الإكثار من طاعة الله تبارك وتعالى شكراً له على ما منّ به علينا من النِّعم , نعم .
قال المصنّف رحمه الله تعالى :" عن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض" رواه مسلم " علي بن أبي طالب مشهور معروف , هو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته رضي الله عنه وأرضاه , قال :" حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات " يعني بأربع جمل , الكلمة تطلق في اللغة على الجملة , " لعن الله من ذبح لغير الله " : اللعن في أصل اللغة : هو الطرد والإبعاد , ويقولون في تعريفه : من الله سبحانه وتعالى يكون الطرد والإبعاد , ويكون من المخلوق السّبّ والدعاء , على كلٍّ , هذا الوعيد الذي فيه لعن يدل على أن الفعل كبيرة من الكبائر , كبائر الذنوب , قال " لعن الله من ذبح لغير الله " لأنه مشرك ملعون , لأنه مشرك , أشرك مع الله سبحانه وتعالى غيره , فقد صرف عبادة من العبادات لغير الله تبارك وتعالى , وهذا الشاهد من الحديث , قال :" لعن الله من ذبح لغير الله " يدل على تحريم هذا الفعل وأنه من كبائر الذنوب , " لعن الله من لعن والديه " والمقصود بالوالدين هنا : الأم والأب وإن عليا , يعني حتى الجدّ والجدة , هؤلاء كلهم يدخلون في هذا اللفظ , وفي الصحيح : جاء في حديثٍ في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :[ من الكبائر شتم الرجل والديه ] قالوا يا رسول الله , وهل يشتم الرجل والديه ؟ يعني : مسألة أن يأتي شخص ويلعن أو يسبّ أباه أو يسبّ أمه مباشرة , هذا أمرٌ بعيد , فلذلك استبعده أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , ولو رأوا حالنا اليوم لما استبعدوه لأن الكثير من أهل الفسق والفجور يقعون في ذلك وقد سمعنا الكثير من هذا , نسأل الله العافية والسلامة , فالصحابة كانوا يستبعدون جداً هذا الأمر أن يحصل , لذلك قالوا : يا رسول الله , وهل يشتم الرجل والديه ؟ , يعني ممكن يحصل هذا الشيء ؟ قال : [ نعم , يسبُّ أبا الرجل فيسبّ أباه ويسب أمه فيسب أمه ] يعني يكون بينه وبين رجل خصومة فيسب ذلك الرجل الذي تخاصم معه فيقول مثلاً : يلعن أمك , أمك كذا , أبوك كذا , فذاك يرد له فيقول : يلعن أمك أنت , أبوك أنت كذا , فهنا الآن هو تسبب أصلاً في السب لأمه وأبيه لأنه هو الذي بدأ بالسب للآخر , فهنا كان سبه بطريقة غير مباشرة لهما فما بالك بمن يسب بطريقة مباشرة !!! أي نعم , فهذا الفعل من كبائر الذنوب , أن تقع في والديك وتسبّهما , أو أن تتسبّب في ذلك , قال : " لعن الله من آوى محدثاً " : يعني من عمل حدثاً في الإسلام , قتل وهرب , هرب إلى قبيلة , هرب إلى شخص , فآواه , يعني ضمّه , خبّأه , حماهُ , هذا المعنى , ما يجوز لك أن تحمي شخصاً قد فعل جرماً في الإسلام , فالواجب هو أن تسلّمه وألا تحميه , أي نعم , " لعن الله من غيّر منار الأرض " منار الأرض يعني : علامات الأرض , يعني : يكون لك قطعة أرض لها علامات , إما حجارة تضعها على زوايا الأرض , أو غيرها , تُغيّر منار الأرض , يعني : تدخل هذه العلامات مثلاً في أرض جارك , فتسرق منه قليلاٌ من قطعته , وهنا من فعل ذلك يكون ملعوناً , لعن الله من غيّر منار الأرض , غيّر العلامات التي تدلّ على حدود أرضه ووسّعها مثلاً , هذا ملعون أيضاً , لأنه يعني سارق , مثل هذا قد سرق ما لا يحقّ له , وقد جاء في الحديث التعظيم , تعظيم مثل ها الفعل لشرّه , قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ من ظلم شبراً من الأرض طُوِّقه يوم القيامة من سبع أرضين ] شبرٌ واحد تأخذه ظلماً تُعاقَب عليه هذه العقوبة المذكورة في الحديث , نسأل الله السلامة لنا ولكم , الشاهد من الحديث أنه قال :" لعن الله من ذبح لغير الله " , ثم قال المصنف رحمه الله تعالى :" وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب". قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا لأحدهم : قرب، قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله (، فضربوا عنقه، فدخل الجنة" رواه أحمد " من حيث الإسناد ,هذا الحديث مرسل , طارق بن شهاب هذا البجلي الأحمسيّ , لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون هذا الحديث مرسلاً , والمرسل من قسم الضعيف , كما قال الإمام مسلم رحمه الله :[ والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجّة ] وجاء هذا الحديث موقوفاً على سلمان الفارسي رضي الله عنه , فالخلاصة أن الحديث لا يصحّ , قال في الحديث :" دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب " نفس الفعل واحد , أو الشيء واحد , لكن أحدهما دخل الجنة والآخر النار , قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله ؟" قال: "مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئاً " قوم : جماعة أو قبيلة أو غيرها " لهم صنم " لا يسمحون لأحدٍ أن يمرَّ من جهتهم إلاّ يقرّب , يتقدم بقربة لهذا الصنم , يذبح شاة , يذبح جمل , أي شيء ...... قالوا لأحدهم قرّب قال : ليس عندي شيء أقرِّب لا أملك شيئاً ... قالوا له : قرّب ولو ذباباً , أي شيء تفعله قربة ولو حتى بالذباب فقرَّب ذباباً , فخلّوا سبيله , فدخل النار , لو قال قائل : قد كان مكرهاً , كيف يدخل النار ؟! هذا إشكال على الحديث , لكن تأوّلَه بعض أهل العلم وقالوا – هنا - : قَرّب ولم يكن مكرهاً أصلاً , يعني : هم ألزموه بذلك , وهو كان راضٍ بذلك , لم يكن مكرهاً لذلك دخل النار " وقالوا للآخر : قرّب قال : ما كانت لأقرّب لأحدٍ شيئاً دون الله - عزّ وجلّ - " وهذا الشاهد من الحديث : أنّ القربة بالذبح , هذه لا تكون إلا لله – سبحانه وتعالى – " فضربوا عنقه , فدخل الجنة " رواه احمد , لكن – كما ذكرنا الحديث لا يثبت ... نعم

الباب العاشر: "بابٌ لا يُذبَح لله بمكانٍ يُذبح لغير الله"
ثم قال المؤلف – رحمه الله – "
الباب العاشر: "بابٌ لا يُذبَح لله بمكانٍ يُذبح لغير الله"
هذا الباب تابعٌ للباب الذي قبله بعد أن علمنا أن الذبح لغير الله شركٌ ,لأنه عبادة , والعبادة والقربة إذا صرفتها لغير الله فقد أشركت ... بعد ذلك أراد المؤلف أن يبين لنا أن الشرع جاء – أيضاً – بسدِّ الذريعة التي توصل إلى الذبح لغير الله , يعني : هناك شيء إذا فعلناه , نصل من خلاله إلى الذبح لغير الله فأراد الشارع أن يغلق علينا هذه الطريقة , المؤدية إلى الوقوع في عبادة الله – تبارك وتعالى – وهذا معهود في شرع الله – تبارك وتعالى – , يعني - مثلاً - : لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور ؟ يعني : و إن كنت تصلي لله – سبحانه وتعالى – لكن لا يجوز أن تستقبل القبر , لماذا ؟ لأنه يؤدي إلى عبادته , يؤدي إلى عبادة القبر , لذلك نهينا عن ذلك ... كذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم – مثلاً – عن الصلاة عند غروب الشمس , تكون بين قرني شيطان , وعندها يسجد لها المشركون ,وكي لا نصل إلى تلك الحال التي وصلوا إليها نهينا عن هذا الفعل ... فهذه أفعال , تؤدي إلى ماذا ؟ تؤدي إلى الشرك , فلذلك نهينا عنها , وهذه التي تسمى بـ ( سدّ الذرائع ) سدّ الذرائع : يعني إغلاقه الوسائل التي – ربما – توصلك إلى المحذور , فهذا الباب معقودٌ لأجل هذا الغرض , باب : لا يذبح لله : أي لا يجوز نهي هذا " لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله " إذا عرفنا أن المكان المقيد يذبح فيه لغير الله , و يُتقرّب فيه إلى غير الله , فلا يجوز الذبح فيه بمعنى : مثلاً – اليوم – الناس يذبحون عند القبور للأولياء , فلا يجوز لك أن تذبح عند القبر , و إن ذبحت لله – سبحانه وتعالى – ما ذبحت لصاحب القبر , لكن يحرم عليك أن تذهب وتذبح هناك .... لماذا ؟ لأن ذلك سيفضي إلى عبادة القبر , فلذلك يحرم , وفيه مشابهة للمشركين – أيضاً - , نحن قد نهينا عن التشبه بالمشركين , هذا الباب معقود لبيان هذا الحكم الشرعي ... قال المصنف – رحمه الله تعالى - : " وقول الله تعالى : { لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا } { لَمسجدٌ أُسِّسَ على التقوى من أوّل يومٍ أحقُّ أن تقوم فيه فيه رجالٌ يحبون أن يتطهروا و الله يحب المطّهرين } " هنا الآن هذه الآية نزلت في قصةٍ حصلت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض المنافقين بنو مسجداً في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وغايتهم لم تكن المسجد , كانوا يريدون مكاناً يجتمعون فيه من أجل أن يمكروا ويكيدوا بالإسلام والمسلمين , وجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج إلى غزوة تبوك , قالوا له : نريدك أن تصلّي في مسجدنا كي نتخذه مسجداً للضعاف والذين لا يستطيعون الوصول إلى المساجد , فوعدهم النبي صلى الله عليه وسلم خيراً , عندما يرجع من غزوة تبوك أن يصلي فيه , فأنزل الله – سبحانه وتعالى – هذه الآية ( لا تقم فيه أبداً ) هذا نهيٌ من الله – سبحانه وتعالى – لنبيه أن يذهب ويصلي في ذاك المسجد , قال : ( ولَمسجدٌ أُسِّسَ على التقوى من أول يومٍ أحق أن تقوم فيه ) هنا أختلف العلماء في هذا المسجد الذي أُسس على التقوى , فبعضهم قال : هو قباء , وبعضهم قال : هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم , والثاني هو الصحيح , لأنه ورد في صحيح مسلم ما يدل على ذلك , ( فيه رجالٌ يحبون أن يتطّهروا ) فأثنى الله – سبحانه وتعالى – بعد ذلك على الرجال الذين يصلون في ذاك المسجد لأن هؤلاء الذين يصلون في هذا المسجد ( الذي سمي بعد ذلك المسجد الضرار ) هذا المسجد كان فيه المنافقون , فلذلك .. ولسوء نيتهم وقصدهم , نهى الله – سبحانه وتعالى – نَبيّه أن يقوم في هذا المسجد ... أيش الشاهد الآن ؟ نريد الشاهد من ذكر هذه القصة , قال أهل العلم : المناسبة : أن المواضع المعدّة للذبح لغير الله , يجب اجتناب الذبح فيها لله , كما أن هذا المسجد لما أُعدّ للمعصية , صار محل غضبٍ لأجل ذلك , فلا تجوز الصلاة فيه لله , فلما كان المكان – الذي هو المسجد – مكان أُعدّ للمعصية , نهى الله – تبارك وتعالى – نبيّه عن الصلاة فيه , كذلك هذا المكان الذي أُعدّ للشرك لله - سبحانه وتعالى – لا يجوز لك أن تتقرب إلى – سبحانه وتعالى – فيه , فهذا قياس , قاس المؤلف - رحمه الله – الذبح لله – تبارك وتعالى – في مكان يذبح فيه لغير الله على مسجد الضرار , فكما نُهينا عنه ... كما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المسجد الضرار كذلك يُنهى المسلم الموحّد أن يذبح في مكان يشرك فيه الناس , ويذبحون لغير الله - تبارك وتعالى - , هذا الشاهد من الآية ... ثم قال المؤلف – رحمه الله – " عن ثابت بن الضّحّاك " هذا صحابي " قال : نذر رجلٌ أن ينحر إبلاً ببوانة , فسأل النبيُ صلى الله عليه وسلم , فقال : " لأن السائل هو النبي صلى الله عليه وسلم فيكون فاعلاً مرفوعاً " فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد ) ؟ قالوا : لا , قال : ( فهل كان فيها عيدٌ من أعيادهم )؟ قالوا : لا ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أوفِ بنذرك , فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله , ولا فيما لا يملك ابن آدم ) رواه أبو داود وإسناده على شرطهما " الحديث صحيح ... ثابت ابن ضحاك قال : نذر رجلٌ أن ينحر إبلاً ببوانة ... نذر رجلٌ , النذر : هو أن تلزم نفسك بعبادةٍ لم يلزمك الله – سبحانه وتعالى – بها , فمتى نذرت وقلت : لأذبح شاةً لله – سبحانه وتعالى – هنا يلزمك أن تذبح شاة , مع أن الله – سبحانه وتعالى – ما ألزمك بهذا , لكن أنت ألزمت نفسك بالنذر هذا معنى النذر .. فهذا رجلٌ أن ينحر إبلاً ببوانة , بوانة – هذه – هي موضع في أسفل مكة , مكان يعني , فأراد أن ينحر هذا الرجل الإبل في ذاك المكان , فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ... لا – هنا – الصواب : النصب , فسأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم , هذا الظاهر ... ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم , هذا صحيح .. لأنه - هنا – يكون منصوباً , السائل يكون الرجل , و إذا قلنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سأل القوم , فيقال : أنه ( فسأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم ) فقال – النبي صلى الله عليه وسلم - : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية ؟ حسب المراد , فإذا كان السائل هو الرجل فتكون – النبي – منصوبة , و إذا كان السائل هو النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعاً , إما أن يقال : فسأل الرجلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل كان فيها .... إلى آخره ... أو يقال فسأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم , ما الذي سأله ؟ قال : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ اللفظ يحتمل هذا وهذا .. لعلها تكون توجد رواية تبين المراد طيب , على كلٍّ الأمر سهل , المقصود - هنا – سأل النبي ... قال النبي صلى الله عليه وسلم – سائلاً الصحابة – ( هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد )؟ هل كان فيها ... - يعني – هل كان في تلك ... ذاك المكان ( اللي هو بوانة ) هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ إما صنم او حجر أو شجر كانوا يعبدونه في ذاك المكان , يعني يريد أن يصل النبي صلى الله عليه وسلم لماذا اخترت هذا المكان بالذات ؟ هل فيه معنى من المعاني المذكورة هنا أم لا ؟ قالوا : لا , لم يكن فيها وثن يعبد .. قال : فهل كان فيها عيدٌ من أعيادهم .. العيد : هو الذي يعني يوم يعود في كل اسبوع , أو في كل سنة يعود فيسمى عيداً , فيجتمعون فيه , به و يحتفلون به في ذاك المكان , قالوا : لا , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوفِ بنذرك , طيب ...قال له : أوفِ بنذرك بعد أن علم أنه ليس لهم فيه عيدٌ ولا كان فيه وثن من أوثانهم يعبدونه هناك , ثم قال : فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله , فبين بذلك , أن المكان لو كان فيه وثن من الأوثان , أو كان فيه عيد من أعياد المشركين , لكان ذبحه في ذاك المكان معصية , يعني هنا علّل , فقال : ( فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله ) فلما قال له : أوفِ بنذرك , لماذا أوفِ بنذرك ؟ لأنه علم أنه ليس فيها وثنٌ يعبد , ولا فيها عيد من أعيادهم , لذلك قال له : ( أوفِ بنذرك ) , ولما سأل هذين السؤالين , بيّن لماذا سأل , فقال : ( فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله ) فبين أن الذبح في مكان فيه وثن من الأوثان , معصية ... أو فيه عيد من أعياد المشركين , معصية وهذا دلالته واضحة , وهذا دلالته نصّية , ذاك ... تلك الآية دلالتها للقياس , هذا دلالتها نصّية , إذاً هنا يتبين لنا أن الذبح في مكان فيه وثن , أو أهل الجاهلية يذبحون فيه , فهذا – يعني – يعتبر معصية لله – سبحانه وتعالى – وإثم , يؤدي إلى الشرك , ( ولا فيما لا يملك ابن آدم ) يعني : لا نذر في ما لا يملك ابن آدم يعني - مثلاً – أنت نذرت أن تذبح شاة لزيدٍ من الناس , هذا الشاة ليست لك , ليست مملوكة لك, هي لزيد .. فنذرت أن تذبحها , هذا النذر باطل .. لماذا ؟ لأنك نذرت أن تذبح شيئاً ليس هو من ملكك .. هذا معنى الحديث , إذاً الشاهد عندنا من الحديث , هو قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله) – سبحانه وتعالى - , يعني : النذر , لو كان المكان فيه وثن أو كان فيه عيد لكان النذر بالنحر فيه معصية , هذا الشاهد الذي نريده ... خلاصة البابين أن الذبح قربة وتعظيم لغير الله شرك , والذبح قربة وتعظيم لله – سبحانه وتعالى – توحيد وعبادة , و إذا ثبت أن الذبح عبادة بالنصوص التي ذكرها المؤلف , فلا يجوز صرفها لغير الله – تبارك وتعالى - , ولا يجوز – أيضاً – الذبح في مكان كان يذبح فيه المشركون لأوثانهم , أو يتعبدون لأوثانهم فيه , أو لهم فيه عيدٌ ... لا يجوز لأن ذلك يُفضي ويؤدي إلى الشرك بالله – سبحانه وتعالى - , فيُغلَق هذا الباب تماماً , هذه خلاصة الباب التاسع , والعاشر من أبواب كتاب التوحيد , والله أعلم ... سبحانك اللهم وبحمدك , أشهد أن لا إله إلا أنت , أستغفرك ونتوب إليك نعم , جاء في رواية أخرى : عن ثابت ابن الضحاك قال : ( نذر رجلٌ أن ينحر إبل ببوانة , فسأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم , فقال عليه الصلاة والسلام : هل كان فيها وثن ؟ .... ) إلى آخره , فهنا تبينت , أو تبين بالرواية الثانية أن الرجل هو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فتكون – هنا – النبي منصوبة , فسأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم , والله أعلم , والحمد لله .

أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-05-2015, 09:03   #10
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي


تفريغ الدرس العاشر :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد :
فمعنا اليوم الباب الحادي عشر من أبواب كتاب لتوحيد , قال المؤلف رحمه الله : " باب من الشرك النذر لغير الله " , أولاً قبل أن نتحدث عن صرف النذر لغير الله , ينبغي أن نعرف ما هو النذر ؟ أصل النذر في اللغة بمعنى الإنذار , التخويف والإيجاب , في الشرع : إلزام المكلَّف نفسه عبادة لم يُلزِمه الله تبارك وتعالى بها , هذا تعريفه بشكل ميسّر , إلزام المكلف نفسه بعبادة لم يلزمه الله تبارك وتعالى بها , بمعنى أن تلزم نفسك مثلاً بأن تصوم يوم الأربعاء القادم , أو يوم الخميس القادم , نافلة لله تبارك وتعالى فتقول : نذر عليّ أن أصوم يوم الخميس , هنا تكون أنت قد أوجبت على نفسك صيام يوم الخميس ولم يُلزمك الله سبحانه وتعالى بذلك , ولا أوجب عليك هذا , هذا يسمى نذراً , هذا معنى النذر , تلزم نفسك بعبادة لم يُلزمك الله تبارك وتعالى بها , هذا تعريفه , والنذر عبادة وقربة لله تبارك وتعالى , وسيذكر المؤلف رحمه الله من الأدلة ما يدل على أن النذر عبادة , والقاعدة عندنا أن العمل إذا ثبت أنه عبادة فصرفه لغير الله شرك , لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى قال : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } , { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً } , هذا معنى هذه الآيات , أن العبادات لا تكون إلا لله تبارك وتعالى , هذا الواجب , ومن صرف شيئاً من العبادات لغير الله فقد أشرك , فيكفينا أن الفعل هذا , وهو النذر , عبادة , فإذا أثبتنا ذلك , إذاً نقول : صرفه لغير الله شرك , والواجب أن يكون العمل خالصاً لله في ذلك , لذلك هنا قال المؤلف : " باب من الشرك النذر لغير الله " , من أنواع الشرك أن تنذر لغير الله تبارك وتعالى , كما كان يفعل أهل الجاهلية , فهؤلاء عبّاد الأصنام , عبّاد القبور , وعبّاد الأشجار , ينذرون تقرّباً لهذه الأشياء , يصرفون لهم أنواع النذور تقرباً بها إليهم ليقضوا لهم حوائجهم , أو ليشفعوا لهم , هذا معنى الشرك في عبادة الله تبارك وتعالى . الآن نأتي إلى ما ذكره المؤلف رحمه الله من أدلة تدل على أن النذر عباد , قال رحمه الله تعالى : " وقوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} " يعني : أيّ نفقة تنفقونها لوجه الله تبارك وتعالى , أو أيّ نذر تنذرونه لله تبارك وتعالى فإن الله يعلمه , وإذا علمه أثابكم عليه , وهو يعلمه ولا شك , إذاً , يثيبكم على هذه النفقات وهذه النذور , وإذا أثابنا الله سبحانه وتعالى على عمل فهو طاعة وقربة لله تبارك وتعالى , هذه الآية تدل على أن النذر عبادة وقربة لله تبارك وتعالى , لأن الله يُثيب على هذه القربة , النفقة وقوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} " أي نفقة تنفقها , النفقة على أبنائك , النفقة على زوجك , الصدقات , الزكوات , كلها يعلمها الله سبحانه وتعالى ويأجرك عليها , وكذلك أيضاً النذور , إذاً فالنذر عبادة وقربة لله فلا يجوز صرفه لغيره تبارك وتعالى , قال المؤلف رحمه الله : " وفي الصحيح عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" " لاحظ هنا : " من نذر أن يطيع الله فليطعه " هذا أمر من النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالنذر , إذاً , الوفاء بالنذر قربة , فالنذر طاعة لله تبارك وتعالى , هذا النذر في أمر , في عبادة , في طاعة تنذر نذر صيام , نذر صلاة , مثل : نذر ذبح , هذه النذور نذور طاعة , لكن هناك نذر معاصي , كأن يُنذر الشخص أن يشرب خمراً , أو أن يلعب قماراً , أو أن يتعامل بالربا , هذه النذور نذور معصية , وهذه لا يجوز الوفاء بها " من نذر أن يعصي الله فلا يعصه " , هذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن العصيان بنذر المعصية , فالوفاء يكون لنذر الطاعة لا لنذر المعصية , نذر المعصية لا يوفي به صاحبه , لا يوفي به , لا يجوز أن يفعل , وهل عليه كفارة يمين ؟ في المسألة نزاع بين العلماء , بعضهم يقول : عليه كفارة يمين , والبعض يقول : لا يلزمه , والصحيح أنه لا يلزمه , لأن الدليل الذي استدلوا به على كفارة اليمين ضعيف لا يصح , وهذا الحديث الصحيح لم يُلزمه فيه النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة يمين , ولكن نهاه عن الوفاء به فقط , إذاً , النذر قسمان : نذر طاعة , ونذر معصية , نذر الطاعة : أنت مأمور أن توفي به , ونذر المعصية : أنت منهيٌّ عن الوفاء به , هذا نوعان من أنواع النذور , والنذور كثيرة أنواعها , تعرفون التفصيل فيها في كتب الفقه , وكذلك جاء في الآية , قول الله سبحانه وتعالى : { يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً } أيضاً هذه الآية , نعم , نحن أصلاً قفزنا عنها , هذه أوّل آية ذكرها المؤلف رحمه الله نحن قفزنا عنها , قال المؤلف رحمه الله في البداية : " وقول الله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} " هذه الآية تدلّ بشكل واضح على أن النذر عبادة وطاعة , { يوفون بالنذر } فأثنى الله سبحانه وتعالى ومدح الذين , أهل الإيمان والطاعة مدحهم بأنهم يوفون بالنذر , ودلّت الآية على وجوب الوفاء بالنذر , لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى مدح من فعل ذلك طاعةً لله سبحانه وتعالى ووفاء بما تقرّب به إليه إليه , إذاً , هذه الأدلة التي ذكرت كلها تدلّ على أن النذر طاعة , إذا كان النذر في طاعة من طاعات الل , والنذر طاعة لله سبحانه وتعالى فصرفه لغير الله يُعتبَر شركاً , هذا المراد من هذا الباب , والله أعلم , فكبقية الأبواب , أي شيء , أي عمل يثبت أنه عبادة , فصرفه لغير الله شرك , وبهذا الباب الذي عقده المؤلف هنا ذكر لنا الأدلة التي دلّت على أن النذر عبادة , فصرفه لغير الله شرك , والله أعلم.
ثم قال المؤلف رحمه الله : " باب من الشرك: الاستعاذة بغير الله "
الاستعاذة : هي الالتجاء والاعتصام , الألف والسين والتاء تأتي في لغة العرب أحياناً كثيرة للطلب , الاستعاذة : طلب العوذ , يعني : طلب دفع الشر , هذا معنى الالتجاء والاعتصام , تلتجئ إلى الشيء أو تعتصم بالشيء كي يحميك من الشر , ويدفع عنك الشر , هذا معنى الاستعاذة , فعندما تقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم , معنى ذلك أنك تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى وتعتصم به كي يدفع عنك شر الشيطان , هذا معنى الاستعاذة , والاستعاذة عبادة وقربة , سيأتي من كلام المؤلف ما يدلّ على ذلك , فصرفُها لغير الله شرك , لكن , هل هذا الكلام على إطلاقه ؟ لا , الاستعاذة قسمان : قسمٌ هو , أو القسم الأول : الاستعاذة من أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله : فهذا النوع , صرفه لغير الله شرك , والقسم الثاني : الاستعاذة من أمر يقدر المخلوقون : هنا في هذا القسم الثاني , الاستعاذة بالمخلوق جائزة , أما القسم الأول , فالاستعاذة بالمخلوق تكون شركاً , فعلى ذلك يُقال : الاستعاذة بالمخلوق فيها تفصيل , أهي شركٌ أم لا ؟ فإن كان المخلوق لا يقدر عليه فهي من الشرك , لماذا ؟ لأنه لا يعصمك من الشر الذي لا يقدر عليه إلا الله , إلا الله سبحانه وتعالى فقط , هو الذي يعصمك من هذا , ومن ذلك الاستعاذة بأصحاب القبور , فإنهم لا ينفعون ولا يضرّون , ولا يقدرون على شيء , الاستعاذة بهم شركٌ أكبر , وأنت لو تلاحظ الذي يأتي ويستعيذ بصاحب القبر , لا يستعيذ به إلا وقد اعتقد أن صاحب القبر له تصرف , وله قدرة على أشياء لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى , لذلك يستعيذ به , الاستعاذة بهم شرك أكبر , سواءٌ ذهب الشخص واستعاذ بهم عند قبورهم , أم كان بعيداً عنها , أما الاستعاذة بمخلوق فيما يقدر عليه فهي جائزة , وقد ذكر أهل العلم من الأدلة على جواز ذلك , ما ورد في صحيح مسلم , لمّا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الفتن قال : [ فمن وجد من ذلك ملجأً فليعُذ به ] وكذلك لو كنت في مكان ورأيت أسداً يهاجمك وأمامك رجل عنده – معه – بندقية , وقادرٌ على قتله , فعُذْتَ به , لا يقال هذا شرك , هذا جائز , لأنك عُذت بمخلوق مِن أمرٍ هو قادرٌ عليه , كذلك امرأة سرقت من بني مخزوم , فعاذت بأم سلمة , هذا جاء الحديث في صحيح مسلم , [ فعاذت بأم سلمة ] زوج النبي صلى الله عليه وسلم , فقال عليه الصلاة والسلام : [ والله لو كانت فاطمة سرقت لقطعت يدها ] فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ما حصل من المرأة المخزومية مِن عَوذٍ بأم سلمة , لكن ردّ الشفاعة في حدٍّ من حدود الله , فخلاصة القول : أن الاستعاذة شرك فيما لا يقدر إلا الله , أما فيما يقدر عليه المخلوق , فهذا ليس من الشرك , قال المؤلف رحمه الله تعالى : " وقول الله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} " كان الناس في الجاهلية إذا نزلوا وادياً من الوديان , وخافوا من الجنّ الذين فيه , صرخ أحدهم يعوذ بعظيم ذلك المكان من الجانّ , فيقول : أعوذ بسيّد هذا الوادي من سفهاء قومه , يريد كبير الجن , كي يحميه ممن ؟ من سفهاء قومه , يعني من الجن الآخرين , فأنزل الله تبارك وتعالى : هذه الآية : { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } فماذا كانت النتيجة ؟ قال : { فزادوهم رهقاً } يعني الجن , بدل أن ينفعوهم , زادوهم رهقاً , يعني : ذعراً وخوفاً , فما نفعوهم شيئاً , بالعكس , زادوهم خوفاً وذعراً , لذلك قال أهل العلم : لما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم , زادوهم رهقاً ( أي زادوهم خوفاً وإرهاباً وذعراً ) حتى يبقوا أشدّ منهم مخافة , وأكثر تعويذاً بهم , يبقون دائماً يخضعون ويتذلّلون لهم , هذا ما يريدونه , فهذا يدل على تحريم الاستعاذة بالجن , قال أهل العلم : وجه الاستشهاد بالآية : ذمّ المستعيذين بغير الله , والمستعيذ بالشيء , لا شكّ أنه قد علّق رجاءه به واعتمد عليه , وهذا نوعٌ من الشرك , هذا الشاهد من الآية , قال المصنف رحمه الله تعالى : " وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك "رواه مسلم في صحيحه " , خولة بنت حكيم السلمية , يقال لها أم شريك , كانت صالحة فاضلة , كما قال ابن عبد البر , وهي صحابية , قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" من نزل منزلاً " من نزل منزلاً : أيّ منزل , أيّ مكان , سواء يعني قرية , أو مدينة , أيّ مكان نزلته أو بيت , أو غير ذلك , المهم أنّك نزلت مكاناً , سواء نزلته للإقامة الدائمة أو الطارئة , " فقال : أعوذ بكلمات الله التامّات " هنا عاذ بماذا ؟ عاذ بكلمات الله , وهي صفة لله تبارك وتعالى , كلمات الله هي صفة لله تبارك وتعالى , فلذلك جاز الاستعاذة بها , أي : بكلمات الله تبارك وتعالى , لأنها صفة لله تبارك وتعالى , فالمراد من هذا الكلمات الشرعية والكلمات الكونية , القرآن كله كلام الله سبحانه وتعالى , الكلمات الكونية : يقول الله سبحانه وتعالى للشيء : كن فيكون , هذه صفة لله سبحانه وتعالى , الكلمات , فلذلك فيجوز الاستعاذة بها , ومن ذنا أخذ العلماء أن القرآن صفة لله وليس بمخلوق , لماذا ؟ لأنه لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق , [ أعوذ بكلمات الله التامّات ] قال أهل العلم : تمام الكلام بأمرين : الصدق في الأخبار , والعدل في الأحكام , كما قال الله سبحانه وتعالى : { وتمّت كلمة ربك صدقاً وعدلاً } فإذا كان خبراً , فالله سبحانه وتعالى صادق في أخباره وإذا كان حكماً , فالله سبحانه وتعالى عادل في أحكامه , هذا معنى تمامها , قال : " أعوذ بكلمات الله التامّات من شر ما خلق " من شر ما خلق , فخلقُه فيه خير وفيه شرّ , فأنت تلجأ إلى الله سبحانه وتعالى وتعتصم به كي يدفع عك شرور الخلق , [ لم يضرّه شيء , حتى يرحل من منزله ذلك ] لا تلدغه أفعى , ولا يقرصه عقرب ولا شيء من هذه الأمور , لأن هذه من شر ما خلق فيندفع عنه كل ذلك , [ لم يضرّه شيء حتى يرتحل من منزله ذلك ] رواه مسلم في صحيحه , إذاً , الاستعاذة بصفات الله سبحانه وتعالى استعاذة بالله تبارك وتعالى , فهي عبادة وقربة لله تبارك وتعالى , حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حثّ على هذا القول , فصرف الاستعاذة في أمر لا يقدر عليه إلا الله , صرفه لغير الله يُعتبر شركاً بالله تبارك وتعالى , على ما ذكرنا من تفصيل , وجاء في الحديث أيضاً : [ أعوذ بعزّة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ] الحديث في صحيح مسلم , هذا علّمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم , إذاً : الاستعاذة تكون بالله , والاستعاذة بصفته هي استعاذة به تبارك وتعالى في كل شيء , استعاذة بالله سبحانه وتعالى , أما الاستعاذة بالمخلوق فجائزة , فيما يقدر عليه المخلوق فقط , وفي غيره يُعتبر شركاً , والهأ أعلم , والحمد لله , ثم ننتقل إلى الباب الذي بعده .

قال المؤلف رحمه الله : " باب من الشرك: أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره " الاستغاثة والدعاء , صرفها لغير الله شركٌ أيضاً , لكن في المسألة تفصيل , أولاً : الاستغاثة : هي طلب الغوث , يعني : طلب إزالة الشدة , كأن يكون شخص مثلاً غريق ويرى على الشاطئ شخصاً يقدر على مساعدته , فيناديه , فإذا ناداه تسمى هذه استغاثة , لأنه يناديه كي ينقذه من الغرق أو يزيل عنه الشدة , هذا معنى الاستغاثة , طلب الغوث : يعني إزالة الشدة , وهذه كما ذكرنا في المثال , يعني , لو أن الشخص مثلاً كان غريقاً واستغاث بشخص قادر على إخراجه , هذا لا يسمى شركاً , فالتفصيل في الاستغاثة كالتفصيل الذي تقدّم في الاستعاذة , إذا استغاث بشخص أو بمخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى فهذا يعتبر شركاً , وأما إذا استغاثه في أمر يقدر عليه , فهذا لا يعتبر شركاً , كالتفصيل الذي ذكرناه في , آنفاً تماماً , لذلك لا نطيل , " أو يدعو غيره " الدعاء قسمان : دعاء عبادة ودعاء مسألة , دعاء عبادة : جميع العبادات التي نتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بها هي من دعاء العبادة , ومنها دعاء المسألة , وأما دعاء المسألة : هو الطلب , نطلب من الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا , وأن يغفر لنا , هذا دعاء المسألة ( سؤال ) نسأل الله سبحانه وتعالى , { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } إذاً , الدعاء عبادة , فصرفه لغير الله شرك , { ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن } أيش ؟ { عن عبادتي } إذاً فالدعاء عبادة , فصرفه لغير الله شرك , كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ الدعاء هو العبادة ] لكن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قسّم الدعاء إلى قسمين : الدعاء الذي هو دعاء مسألة , قال : ما يقع عبادة : وهذا صرفه لغير الله شرك , وهو المقرون بالرهبة والرغبة والحب والتضرع , هذا كلامه رحمه الله , ثم ذكر القسم الثاني , قال : ما لا يقع عبادة , فهذا يجوز أن يوجَّه إلى المخلوق , قال النبي صلى الله عليه وسلم [ من دعاكم فأجيبوه ] , وقال : [ وإذا دعاك فأجبه ] وعلى هذا فمراد المؤلف بقوله : " أو يدعو غيره " دعاء العبادة , أو دعاء المسألة فيما لا يمكن للمسؤول إجابته , يعني : ما لا يمكن للمسؤول أن يلبي الطلب الذي طُلب منه , هذا كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وتفصيله في هذه المسألة , قال المؤلف رحمه الله : " وقول الله تعالى : {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ } " ولا تدع من دون الله , هذا أيش ؟ نهي , نهي عن دعاء غير الله سبحانه وتعالى , قال : { ما لا ينفعك ولا يضرك } وحقيقة , النفع يصلك من الله سبحانه وتعالى , والله سبحانه وتعالى بيده كل شيء , يقدر على منفعتك ويقدر على مضرتك هو الله سبحانه وتعالى , أما غيره فلا , إذاً , فيكون التجاؤك في الدعاء لمن ؟ لمن يملك النفع والضر , وهو الله سبحانه وتعالى لذلك قال : {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ } الظلم في القرآن يُطلق على الفسق ويطلق على الشرك أيضاً , إن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك { فإنك إذاً من الظالمين } وهنا المقصود بالظلم هو الشرك , كما في قول الله سبحانه وتعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } الشاهد : أن الدعاء يجب أن يكون لله خالصاً , سواء كان دعاء العبادة أو دعاء المسألة , على التفصيل الذي تقدّم , قال الله سبحانه وتعالى : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } إن يصبك بضر كمرض وفقر وما شابه , من الذي يرفع عنك ذلك ؟ من الذي يرفع عنك المرض ؟ ويشفيك منه ؟ من الذي يغنيك من الفقر ؟ هو الله سبحانه وتعالى { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } لا أحد يستطيع أن يكشف عنك هذا الضر , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس : [ واعلم أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الهل لك , ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك , رفعت الأقلام وجفت الصحف ] إذاً , من الذي يستحق منا العبادة والدعاء والخضوع والتذلل ؟ هو الذي بيده النفع والضر , قال " وقوله { فابتغوا عند الله الرزق } يعني : اطلبوا الرزق ممن ؟ من الله سبحانه وتعالى , فالجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء لطلب الرزق , لأن الرزق لا يكون إلا من الله سبحانه وتعالى , هو الذي يرزقنا , فهو الذي يستحق منا الدعاء , الدعاء يجب أن يكون لله تبارك وتعالى لا لغيره , هذا المقصود من الآية , " وقوله : { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة } من أضل من إنسان أو شخص يدعو من دون الله , كهؤلاء الذين يذهبون ويلجؤون إلى أصحاب القبور , موتى لا ينفعون ولا يضرون , يذهب إلى صاحب القبر ويدعو , ويستغيث ويلجأ إليه , يا سيدي فلان ارزقني الولد , يا سيدي فلان ارزقني تمام , ارفع عني الداء , هكذا يكون حاله , وهو يلجأ إلى من ؟ إلى من لا يستجيب له إلى يوم القيامة , لأنه أيش ؟ ما بيده شيء , لا يسمع , وإن سمع لا يستطيع أن يفعل شيء , هو غير قادر على أن يخرج نفسه من قبره , كيف ينفعك أنت ؟ أناس لا عقول لهم { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة } إذاً الدعاء يجب أن يكون لمن ؟ لله تبارك وتعالى وحده لا لغيره , { ومن أضل } يعني لا يوجد أضل من هذا الإنسان الذي يفعل هذا الفعل , " وقوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } أإله مع الله ؟ { أمن يجيب المضطر } يعني : من هذا الذي يجيب المضطر ؟ المضطر الذي وقع في , أصابه الضرر , وضرر شديد , وصار بحاجة ملحة إلى رفع هذا الضرر وقوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } من هذا الذي يجيب المضطر ؟ الإنسان إذا كان في سفينة في عرض البحر , وكادت السفينة أن تهلكه , وانقطع زاده , يلجأ إلى من ؟ يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى عند الشدائد , والله سبحانه وتعالى هو الذي يكشف عنه السوء , وهو الذي يستجيب له إذا دعاه , كان المشركون في السابق , في مثل هذه المواقف يخلصون الدعاء لله تبارك وتعالى , اليوم , كثير من الناس هم أشد كفراً من أولئك , لأنهم لا يخلصون لله الدعاء , لا في هذه الحالة ولا في غيرها , { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء } , { أإله مع الله } , كيف تعبدون إنساناً ؟ أو تعبدون شيئاً مع الله سبحانه وتعالى لا ينفعكم ولا يضركم ؟ وإذا كنتم في حالة اضطرار لا تلجؤون إليه , بل تلجؤون إلى الله سبحانه وتعالى , إذاً , فالذي يستحق منكم الدعاء , ويستحق منكم العبادة , هو الله سبحانه وتعالى , هذا المقصود من هذا الباب والله تبارك وتعالى أعلم , ونسأل الله أن يوفّقنا وإياكم لطاعته . 🌱تفريغ إخوانكم في معهد أورفا العلمي ( البصيرة )
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 14:19.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي