Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
العودة   منتديات شبكة الدين القيم > :: منـبـر الـمـشـرف العــام أبي الحسـن عـلـي الـرمــلي - حفظه الله - :: > منبر الدروس المفرغة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 22-01-2014, 18:13   #11
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الحادي عشر من شرح متن العقيدة الواسطية

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه اجمعين:
وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: "فَإِنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ كَمَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ العزيز مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلاَ تَمْثِيلٍ".
ثم قال:"بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الأُمَّةِ؛ كَمَا أَنَّ الأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الأُمَمِ".
قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ، فكانت هذه الأمّة أمّة معتدلة جاءت ما بين الأمم الأخرى -أمّة الإسلام-، وكذلك أهل السنة والجماعة هم وسط ما بين فرق الغلوّ وفرق التقصير في عدّة أبواب من أبواب الاعتقاد، فقال المؤلف رحمه الله:
"فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ أسماء اللهِ َتَعَالَى بَيْنَ أهْلِ التَّعْطِيلِ الْجَهْمِيَّةِ، وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ الْمُشَبِّهَة".
فأهل السنة والجماعة في مسألة صفات الله تبارك وتعالى سلكوا فيها مسلك الاعتدال والتوسط ما بين الغلوّ والتقصير وخالفوا بذلك فرقتي الجهمية والمشبهة.
الفرقة الأولى وهي الجهمية تُطلق بمعنيين:
· الجهمية بالمعنى العام.
· والجهمية بالمعنى الخاص.
الجهمية بالمعنى العام يشمل كلّ معطل عطّل صفات الله تبارك وتعالى ولم يثبتها كما أثبتها الله بنفسه في كتابه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فيُقال له جهمي، وهذا يشمل المعتزلة والأشاعرة والجهمية بالمعنى الخاص والماتريدية وغيرهم، فهذا المعنى معنى عام.
والمعنى الخاص: تطلق الجهمية على فرقة خاصة هي فرقة من فرق أهل التعطيل وهم أتباع الجهم بن صفوان وهذا قتله سالم بن أحوز سنة 121 هـ وذلك بتعطيله لأسماء الله وصفاته، فحقيقة قول هؤلاء القوم أنّهم ينفون الله تبارك وتعالى، ينفون وجوده، فلا يثبتون إلّا وجوداً مجرداً عن الأسماء والصفات، وهذا الوجود موجود في الذهن فقط لكن في الحقيقة لا وجود له، فهذه الطائفة من الذين ينفون عن الله تبارك وتعالى الأسماء والصفات فلا يثبتون له اسماً ولا يثبتون له وصفاً، فلذلك كفّرهم العلماء، كفّرهم أكثر من ستين عالماً من علماء الإسلام، فهؤلاء غلوّا في التعطيل حتى وصلوا إلى هذا الحدّ فعطّلوا صفات الله تبارك وتعالى، وعطّلوا أسماء الله تبارك وتعالى، وهذه الفرقة لها عدّة ضلالات، وضلالهم ليس فقط في باب الأسماء والصفات بل وفي القدر أيضاً وفي الإيمان وغيرها من المسائل العقائدية التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة، هؤلاء هم المعطلة، معنى المعطلة أنّهم عطّلوا الله تبارك وتعالى عن أسمائه وصفاته فنفوها عنه فلم يثبتوها له.
والمقصود من كلام المؤلف رحمه الله بالجهمية في هذا الموطن هو المعنى العام الذي يَشمل هذه الطائفة الذين هم أتباع الجهم بن صفوان ويَشمل أيضاً:
المعتزلة: وهم أتباع واصل بن عطاء وكان من تلاميذ الحسن البصري ويُجالسه ثم لمّا مرّت مسألة فُسّاق المسلمين اعتزل مجلس الحسن البصري وقال: هم في منزلة بين المنزلتين وحكم عليهم بالخلود في نار جهنم، وفي مسألة الأسماء والصفات أثبتوا أسماء الله تبارك وتعالى ولكنّهم نفوّا الصّفات، فهم أحسن حالاً من الجهمية الذين هم أتباع الجهم بن صفوان، فأولئك نفوّا الأسماء والصفات، هؤلاء لا، أثبتوا الأسماء ولكنّهم نفوّا الصّفات، وهؤلاء أيضاً لهم أنواع من الضلالات الأخرى في القدر وفي الإيمان وفي غير ذلك.
والفرقة الثالثة التي دخلت في التعطيل وهي داخلة أيضاً في معنى الجهمية بالمعنى العام هم:
الأشاعرة: أتباع أبي الحسن الأشعري، هو في بداية الأمر هو الذي أنشأ هذا المذهب وكان على عقيدة الاعتزال قبل الأربعين، ثم بعد ذلك أعلن توبته من الاعتزال وكوّن مذهباً خاصاً به هو مأخوذ كثير منه من مذهب الماتريدية، فكوّن هذا المذهب وصار أصحابه ينتسبون إليه ويُسمّون بالأشاعرة وهم أيضاً معطلة، ولكنّهم أحسن حالاً من المعتزلة فهم يثبتون الأسماء ويثبتون سبع صفات التي هي:
الحياة والعلم والقدرة والكلام والإرادة والسمع والبصر.
لكنّ الكلام الذي يثبتونه ليس كلام أهل السنة، ولكن يُثبتون الكلام النفسي، يعني هو ليس بكلام ولكن يُثبتون كلاماً نفسياً، فهم يخالفون المعتزلة في ذلك، المعتزلة لا يثبتون كلاماً أصلاً وكذلك الجهمية، لكنّ الأشاعرة يُثبتون كلاماً نفسياً، أمّا أهل السنة والجماعة فيُثبتون كلاماً حقيقياً بحرفٍ وصوتٍ يليق بجلال الله وعظمته.
فهؤلاء كلّهم يُطلق عليهم معطلة، لماذا؟ لأنّهم جميعاً قد عطّلوا إمّا بعض صفات الله أو جميع صفات الله أو جميع الصّفات والأسماء، هذه حقائق القوم، فهم غلاة في مسألة التعطيل.
ويُقابلهم: المشبهة: هؤلاء أهل التمثيل الذين يقولون بأنّ الله تبارك وتعالى له صفات كما ذكر في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وصفاته تُماثل صفاتنا، فيقولون: له يد كأيدينا، له سمع كسمعنا، له بصر كبصرنا، وهؤلاء من الإفراط إلى التفريط.
وأهل السنة والجماعة قد جمعوا بين ما ذكره الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، هؤلاء بعضهم أخذ بجانب وترك جانباً، والبعض الآخر أخذ بالجانب الثاني وترك الجانب الأول من قول الله تبارك وتعالى: ﭢ ﭣ ﭥ ﭦ ﭧ، فالله سبحانه وتعالى نفى المثلية عن نفسه وأثبت لنفسه السمع والبصر، فعندنا نفي وإثبات، فبعضهم من هؤلاء الذين أخذوا بالنفي وهم المعطلة وغلوّا فيه حتى نفوّا عن الله ما أثبت لنفسه وأولئك أخذوا بالإثبات وتركوا النفي حتى أثبتوا لله تبارك وتعالى ما نفاه الله تبارك وتعالى عن نفسه من المثلية، أمّا أهل السنة والجماعة فتوسطوا في هذا الأمر وأخذوا بما نصّ الله تبارك وتعالى عليه في كتابه الكريم من الشطرين: النفي والإثبات، فأثبتوا لله سمعاً وبصراً كما قال في كتابه ونفوّا عنه التمثيل كما قال في كتابه، فكانت هي الطائفة المعتدلة بين هاتين الطائفتين.
ثم قال رحمه الله:"وَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ أَفْعَالِ اللهِ تعالى بَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ وَ الْجَبْرِيَّةِ‏".
هذه المسألة هي مسألة القدر، أهل السنة والجماعة في مسألة قدر الله تبارك وتعالى وسطٌ أيضاً بين فرقتين، بين فرقة القدرية وفرقة الجبرية، فأهل السنة والجماعة في هذا الباب أثبتوا أنّ الله تبارك وتعالى عَلِمَ الأشياء قبل كونها وأنّه خالق كلِّ شيءٍ، وأنّه كتب كلّ شيءٍ وأنّه شاء كلّ شيءٍ، وأيضاً أثبتوا أنّ للعبد فعلاً حقيقياً وله إرادة ومشيئة حقيقية، فهو يشاء ولكنّ مشيئته تابعة لمشيئة الله تبارك وتعالى، ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ، فجمعوا بين هذا وهذا، يعني أنّهم أثبتوا لله تبارك وتعالى فعله وأثبتوا له تقديره وأثبتوا له علمه وخلقه وأثبتوا أيضا في نفس الوقت للعبد قدرة ومشيئة وفعلاً ولكنّهم يقولون بأنّ مشيئة العبد لا تخرج عن مشيئة الله تبارك وتعالى، فأهل السنة وسط ما بين:
القدرية: الذين هم فرقتان:
· فرقة منهم غلاة نفوّا عن الله تبارك وتعالى أن يعلم أفعال العباد قبل كونها أصلاً، فالعبد إذا أراد أن يعصي هؤلاء ينفون عن الله تبارك وتعالى أن يكون قد عَلِمَ بمعصية العبد قبل أن يفعلها، وإذا أراد العبد أن يُطيع ينفون عن الله تبارك وتعالى العلم بطاعة العبد قبل فعله، فهؤلاء ينفون عن الله العلم، وهؤلاء قد حكم بكفرهم علماء الإسلام كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم منهم الإمام الشافعي رحمه الله، قال: جادلوا القدرية بالعلم فإن نفوّا كفروا وإن أثبتوا خُصموا، هذه الفرقة الأولى وهي فرقة الغلاة من القدرية.
· أمّا الفرقة الثانية وهم الذين أثبتوا عِلْمَ الله تبارك وتعالى ولكنّهم قالوا: إنّ الله تبارك وتعالى لم يخلق أفعال العباد، يقولون العبد هو يخلق فعله، ويُوجد فعله، فأثبتوا خالقاً مع الله تبارك وتعالى، أرادوا من ذلك أن يفروا من مسألة الجبر، قالوا: كي لا نقع في أنّ الله سبحانه وتعالى قد ظلم العباد، خلقهم وأمرهم ونهاهم ثم بعد ذلك يُجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم على ذلك، قالوا: لا، إذن هو لا يخلق أفعال العباد، والعبد هو يفعل الفعل باختياره الكامل ومشيئته الكاملة التي ليست لها علاقة بمشيئة الله تبارك وتعالى البتة، وهذا لتصورهم أنّ العبد مُكرّه ومجبور على فعله، فأرادوا أن يفروا من ذلك إلى ذاك، وهذه هي الفرقة الثانية من فرق القدرية.
أمّا الفرقة التي تقابل القدرية وهم:
الجبرية: وهؤلاء قالوا بأنّ العبد مجبور على فعله، ليس له اختيار، ليست له إرادة، هو مجبور على أفعاله وأفعاله هي بمنزلة حركة أوراق الشجر في مهبّ الريح، أوراق الشجر لمّا تأتيها الريح تضربها يمنة ويسرة ليس لها اختيار وإنّما تتحرك على حسب ما يُحرّكها الريح، قالوا كذلك العبد يفعل به الله تبارك وتعالى، فهو ليست له اختيار وليست له إرادة، وقالوا الله سبحانه وتعالى يفعل ما يريد، وهذا باطل وذاك باطل.
عقيدة أهل السنة والجماعة في ذلك أنّ الله سبحانه وتعالى عَلِمَ الأشياء قبل كونها وأنّه أرادها وأنّه سبحانه كتبها وأنّه خلقها، هذا كلّه من عقيدة أهل السنة والجماعة في ذلك، ويثبتون للعبد إرادة وقدرة خلقها الله تبارك وتعالى له، فهو يفعل بإرادته وقدرته التي هي مخلوقة لله تبارك وتعالى، فله اختيار وله مشيئة ويفعل بإرادته، فيستطيع أن يفعل المعصية وأن يمتنع عن المعصية، لكنّ الإرادة والقدرة التي يكون بها الفعل هي من خلق الله تبارك وتعالى، لكنّ العبد يُفرّق في نفسه بين ما هو مضطر له مجبرٌ عليه وبين ما هو مختار فيه، فنحن نعلم الأعمال التي نُضطر إليها ونفعلها من غير اختيارنا، ربّنا سبحانه وتعالى ما يُحاسبنا عليها هذه، بينما يُحاسبنا على ما نفعله باختيارنا، بإرادتنا نفعله، بإرادتنا وقدرتنا، وهذا الذي يُحاسبنا عليه، لكن بينما إذا وقع علينا أمرٌ من غير اختيارنا ومن غير قدرتنا عليه فهذا لا يُعذبنا الله سبحانه وتعالى عليه، يعني الإنسان يُدخل على نفسه ألماً عندما يجوع أو عندما يشبع، أو يُدخل على نفسه مضرّة عندما يقطع يده أو يقطع رجله، يُحاسَب إذا فعل ذلك هو بنفسه، إذا نزل عليه الأمر بقدر الله سبحانه وتعالى وهو لا يُريده لا يُحاسِبه الله سبحانه وتعالى عليه، لماذا حاسبه على هذا ولم يحاسبه على هذا؟ لأنّ المكره عليه هذا ليست له إرادة فيه فلا يعاقبه الله سبحانه وتعالى عليه، أمّا الذي فعله بإرادته وقدرته فهذا يحاسبه الله عليه، دلّ ذلك على أنّه غير مكره على فعل المعصية، هذا هو الذي يقوله أهل السنة والجماعة في ذلك، لا شكّ أنّ الله سبحانه وتعالى إذا أراد العبدُ أن يَعصي قادرٌ على أن يمنعه من المعصية، وإذا أراد أن يُطيع قادرٌ على أن يمنعه من الطاعة، ولكنّ الله سبحانه وتعالى لا يفعل به ذلك، إذا أراد العبد الطاعة لله تبارك وتعالى والقرب لله سبحانه وتعالى أعانه الله على ذلك، هذه مسألة القدرية والجبرية، فأهل السنة وسط في أفعال الله تبارك وتعالى ما بين القدرية والجبرية.
قال رحمه الله:"وَفِي بَابِ وَعِيدِ اللهِ بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ والْوَعِيدِيَّةِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغِيْرِهِمْ".
في باب وعيد الله، يعني هنا: في باب الحكم على الأشخاص، الباب الذي يُسميه العلماء بباب: الإيمان والأسماء والأحكام، هذا في الحكم على الشخص، هذا الجزء في باب الحكم على الشخص، يعني: فاعل الكبيرة أو فاعل الذنب، ما حكمه؟ أهل السنة والجماعة يقولون بما أنّ فعله ليس كفراً فهو فاسق بذنبه مؤمن بإيمانه، فيجمعون له وصف الإيمان ووصف الفسق، أمّا غيرهم من المرجئة والخوارج وغيرهم فهؤلاء يحكمون عليه بحكم آخر.
المرجئة: هم الذين أرجأوا الأعمال عن الإيمان، ومعنى الإرجاء: التأخير، فيجمع جميع فرق المرجئة، فجميع طوائفهم عقيدة أنّ أعمال الجوارح ليست من الإيمان، تجتمع المرجئة كلّها في هذا الجانب، أعمال الجوارح ليست من الإيمان، فيخرجونها عن الإيمان، ثم بعد ذلك يختلفون في تعريف الإيمان:
· بعضهم يقول: هو التصديق فقط.
· وبعضهم يقول: المعرفة.
· وبعضهم يقول: الكلمة.
· وبعضهم يقول: التصديق مع القول.
يختلفون في ذلك إلّا أنّهم كلّهم متفقون على أنّ أعمال الجوارح ليست داخلة في الإيمان، فيعتقدون أنّ من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وصدّق بقلبه أنّه مؤمن كاملُ الإيمان، هذه عقيدة المرجئة، فعندهم من ارتكب ذنباً هذا يبقى مؤمناً كامل الإيمان، من زنا، سرق، هذا يبقى مؤمناً كامل الإيمان لا يستحق دخول النّار لا دخولاً مؤبداً ولا مؤقتاً، فلا يضرّ عندهم مع الإيمان معصية مهما كانت، وأمّا الجانب الآخر وهم:
الوعيدية: غلّبوا جانب الوعيد وقالوا: أيّ كبيرة يفعلها الإنسان ولم يتب منها فإنّه مخلدٌ في النار، إن سرق فهو كافر، إن زنى فهو كافر مخلد في نار جهنم، وذاك مخلد في نار جهنم وهكذا، وهذه طريقة المعتزلة والخوارج، المعتزلة والخوارج يحكمون على صاحب الذنب بالخلود في نار جهنم وفي الدنيا الخوارج يسمونه كافراً والمعتزلة يقولون هو في منزلة بين المنزلتين، المرجئة عندهم هو مؤمن كاملُ الإيمان ولا يدخل النّار أصلاً.
أهل السنة والجماعة يقولون المُذنِب: الزاني والسارق وما شابه هذا مؤمن ناقصُ الإيمان وهو يوم القيامة أمره إلى الله إن شاء عذَّبه بقدر ذنبه وإن شاء عفا عنه، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في الفاسق، أمّا المرجئة والخوارج فقد خالفوا في هذه المسألة، هذا بالنسبة للحكم في الآخرة، معنى الأسماء والأحكام، الأحكام في الآخرة، أهل السنة بالنسبة للفاسق في الآخرة هو تحت مشيئة الله إن شاء عذَّبه وإن شاء عفا عنه وفي النهاية هو من أهل الجنّة لا يُخلّد في نار جهنم، المرجئة يقولون: لا يدخل النّار من أصله، هو يدخل الجنّة مباشرة، الخوارج والمعتزلة يقولون: هو مخلد في نار جهنم، من هم الخوارج؟ الخوارج هم الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب يوم التحكيم، يوم أن حكّم رجالاً بينه وبين معاوية بن أبي سفيان فقالوا: تُحكّم الرجال وتترك القرآن، فخرجوا على عليّ بن أبي طالب في ذاك الوقت وكان منهم من قَتل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، صفتهم التي بها يمتازون أنّهم يُكفّرون المسلمين ويستبيحون دمائهم، هذه صفتهم، تكفير المسلمين واستباحة دمائهم، خطرهم وضررهم وفسادهم في استباحة دماء المسلمين، ففسادهم عريض، من أعظم مقاصد الشريعة حفظ دمّ المسلم، فجاء هؤلاء وهدموا هذا الأصل العظيم من أصول مقاصد الشريعة حفظ دماء المسلمين، فخطرهم عظيم قريب وإن كان أقلّ من خطر الرافضة الذين سيأتي ذكرهم، ومن أعظم فرقهم الموجودة اليوم هؤلاء الذين يُسمّون بـ: جبهة النصرة في سوريا، وكذلك جماعة القاعدة، وجماعة السلفية الجهادية، كلّهم يحملون هذه الأفكار، أفكار تكفير المسلمين واستباحة دماء المسلمين، فلا بدّ من الحذر من هؤلاء القوم فخطرهم عظيم على المسلمين.
قال: "وَفِي بَابِ أَسْمَاءِ الإِيمَانِ والدِّينِ بَيْنَ الْحَرُورِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ".
في باب الأسماء والدين، هذا الأسماء التي تطلق على الفاسق، فعندنا بابين:
· باب الأسماء.
· وباب الأحكام.
هنا صاحب الكبيرة ماذا نسمية؟ أمؤمن أم كافر؟ هناك في الأحكام ماذا نحكم عليه، في النّار أم في الجنّة؟ هذا الفرق بين البابين، فهنا القسمة ثنائية: الحرورية والمعتزلة في جانب والمرجئة والجهمية في جانب آخر، وأهل السنة جاؤوا وسطاً بينهم.
الحرورية: هم الخوارج، سموّا بذلك نسبة إلى حروراء منطقة في العراق أول ما خرجوا خرجوا من ذاك المكان فسموّا بالحرورية، كما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت للمرأة: "أحرورية أنتِ؟"، هل أنتِ من الخوارج، وأعظم صفتهم هي التكفير وسفك الدّم.
والمعتزلة كما ذكرنا في مسألة الأحكام يحكمون على الفاسق -مرتكب الكبيرة- أنّه مخلد في نار جهنم، أمّا من حيث الاسم فيقولون هو في منزلة بين المنزلتين.
"وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ"
الجهمية: هم الذين قالوا بأنّ الإيمان هو المعرفة، هم الذين تقدموا معنا وذكرنا قولهم في باب الأسماء والصفات، أمّا في باب الإيمان فهم من أشد أنواع المرجئة، الذين يقولون: الإيمان المعرفة، مجرد ما عرف صار مؤمنا، انتهى عندهم، لا يشترطون له شرطاً آخر.
والمرجئة: هم الذين يقولون: الإيمان التصديق، وهذا قول جمهور المرجئة، يقولون: الإيمان التصديق، فمن صدّق بقلبه عندهم فهو مؤمن ولو لم ينطق بلسانه ولم يعمل بجوارحه.
والمرجئة الثالثة هم مرجئة الفقهاء وهؤلاء الذين قالوا: الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان.
والمرجئة الرابعة هم مرجئة الكرامية وهم الذين قالوا: الإيمان هو نطق باللسان فقط، يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مؤمن، هذه فرق المرجئة، وكما ترون جميع الفرق هذه تجتمع في كون أعمال الجوارح ليست من الإيمان.
وأهل السنة وسط بين الطرفين، الفاسق -مرتكب الكبيرة- يُسمونه فاسقاً أو مؤمناً بإيمانه فاسقاً بكبيرته، فهو عندهم مؤمن ولكنّه ناقص الإيمان، فأهل السنة والجماعة يعتقدون أنّ الإيمان يتبعض -ينقص ويزيد- ويستدلون بآيات وأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، أمّا الأصل الذي اتفق عليه المرجئة والخوارج هو أنّ الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، فإذا نقص ذهب كلّه، هذا عندهم جميعاً، لكنّ الفرق بينهم: أنّ الخوارج والمعتزلة يُدخلون أعمال الجوارح في الإيمان لكنّهم يقولون إذا ذهب عمل من هذه الأعمال وصار الشخص مرتكباً لكبيرة بذلك فإنّه يكفر أو يكون في منزلة بين المنزلتين، أمّا المرجئة يقولون: لا، الأعمال ليست من الإيمان، ولذلك إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وصدّق بقلبه فهو كامل الإيمان، أتى بالجزء الكامل من الإيمان، هذا الأصل الذي اجتمعوا عليه وبناءً على ذلك وقعوا في أنواع الضلال، أنّ الإيمان شيء واحد لا يتجزأ، فإذا ذهب بعضه ذهب كلّه، هذا أصلهم، أهل السنة والجماعة عندهم الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وكلّنا يجد هذا من نفسه، ما ينكره إلّا جاحد، كلّنا يجد من هذا أنّه في بعض الأوقات يجد من إيمانه الشيء المرتفع، وهو يجد من نفسه أنّه أقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وفي بعض الأوقات يجد في نفسه فتوراً وضعفاً ويشعر بهذا الإيمان في قلبه، فينكرون أمراً حتى اللمس ملموس، ليست فقط الأدلة الشرعية التي دلّت عليه بل حتى اللمس هو أمر ملموس.
قال: "وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الرَّوافِضِ وَ الْخَوَارِجِ‏".
الظاهر أنّ المؤلف هنا يُريد بالأصحاب هم أصحابه من آل بيته صلى الله عليه وسلم، وليس الصحابة عموماً، وذلك لأنّ الروافض والخوارج في غير آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقون على كفر الصحابة، فليس هؤلاء في طرف وأولئك في طرف، كلّهم في طرف واحد، أمّا في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعم، هم على طرفين، طرف يغلون في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنّهم يعبدونهم مع الله تبارك وتعالى كما حصل من الروافض.
والروافض: سموا روافض لأنّهم رفضوا زيداً بن عليّ بن الحسين لمّا امتحنوه بأبي بكر وعمر، فقالوا ماذا تقول فيهما؟ قال: هما وزيرا جدي، فانقسموا إلى قسمين:
· قسم والاه وتمسك به وسموّا: الزيدية وهم الذين في اليمن.
· وقسم آخر رفضوه وهم: الرافضة.
هؤلاء الشيعة، كان يشملهم اسم الشيعة، فلمّا ذهبوا مع زيد امتحنوه هذا الامتحان ثم انقسموا إلى قسمين: منهم من والاه ومنهم من عاداه، وهؤلاء في آل البيت عندهم غلوٌّ، حتى إنّهم يدّعون العصمة لاثني عشر إماماً من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدّعون العصمة يعني: يجعلونه كالأنبياء يُشرّعون لهم شرائع ثم أخذوا يكذبون على ألسنتهم، وأكثر من كذبوا عليه جعفر الصادق، كذبوا عليه كذباً شديداً ثم وضعوه واعتبروه ديناً، الآن عندما جاؤوا عندنا هنا في الأردن في فترة ماضية قبل سنين قليلة أول ما بدأوا مع الناس ماذا يفعلون؟ استغلوا نقطة حبّ الناس لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، من هنا يدخلون، فيبدؤون يذكرون مناقب آل البيت ومكانتهم وكذا، بعد ذلك يدخلون إليهم إلى أنّ آل البيت الاثني عشر معصومون، وإذا كان معصوماً يُشرّع، إذاً الشرع الذي على لسانه حقّ كما نقول نحن في النبي صلى الله عليه وسلم: ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ، الآن لمّا يقرروا لهم ذلك، وهم بماذا يقررونه؟ لمّا حصل مرة موقف معي وهو كان رافضياً في مجلس من المجالس عند الإخوة، فقلت له: هات لي دليلاً على عصمة الأئمة؟ فقال آية: ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ، قلت: هذا فيه تطهيرهم وعدم تنجيسهم، أين دليله في كونهم معصومين؟ التطهير وعدم التنجيس هذا لا يدلّ على العصمة، يدلّ على التطهير، ماله علاقة في مسألة العصمة، وقد طهّر الله سبحانه وتعالى غير واحد من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كانوا معصومين فما حار جواباً، والظاهر أنّه ما كان ملماً بمذهبهم، على كل حال الشاهد عندنا أنّهم كانوا يُركزون على هذه النقطة بتلبيساتهم المنوّعة، ثم بعد أن يُقنعوا الناس بأنّهم معصومون يبدؤون بإدخال كيف يدرسونهم الفقه، ماذا يقولون لهم؟ المذاهب خمسة، الأربعة المعروفة ومذهب جعفر الصادق، تعالوا نُرجّح، كيف نُرجّح؟ يقولون: المسألة فيها أربعة أقوال أو ثلاثة أقوال، قال مالك كذا، قال الشافعي كذا، قال جعفر كذا، قول من نقدم؟ قول جعفر، لماذا جعفر؟ جعفر معصوم، انتهى الأمر، إذن يضربون على جميع المذاهب فيُعلّقون الناس بمذهبهم الفاسد، هذا أسلوبهم الذي كانوا يمشون به في نشر مذهبهم هنا في هذه البلاد، والحمد لله أمرٌ أراده الله سبحانه وتعالى فنبّه السلطات هنا على شرّهم فقمعوهم وأزالوهم بفضل الله سبحانه وتعالى، الشاهد عندنا هنا أنّ عندهم غلوّاً في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنّهم ألّهوهم مع الله تبارك وتعالى، والآن يعبدون عليّاً والحسين صراحة وعلى مرأى ومسمع الجميع، كانوا في البداية، في القديم مالهم شوكة، كانوا يخافون على أنفسهم من إقامة حدود الرّدّة، اليوم ما فيه حدود ردّة ولا شيء، فأخذوا راحتهم وأظهروا ما عندهم من عبادة عليٍّ والحسين، وهذه أشرطتهم وكلامهم منشور ويقرأه ويسمعه الجميع.
في الطرف الثاني في مسألة الصحابة من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الخوارج: هؤلاء يكفرونهم، كانوا يكفرون عليّ بن أبي طالب وكانوا هم السبب في قتل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
وأهل السنة في ذلك وسط يُحبّون آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرفون لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قدرهم ومكانتهم، وفي نفس الوقت يعطونهم قدرهم الذي أعطاهم الله تبارك وتعالى فلا يغلون فيهم، فلم يعطوهم حقّ العصمة ولم يعطوهم حقّ العبودية ولا غير ذلك مما فعله الرافضة، إنّما هو الاحترام والتقدير ومعرفة مكانتهم في دين الله وشرعه وإعطائهم حقوقهم التي اعطاهم الله تبارك وتعالى.
قال المؤلف رحمه الله:"فَصْلٌ‏:‏ وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ الإِيمَانُ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَتَوَاتَرَ عَن رَّسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ؛ مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، عَلَى عَرْشِهِ، عَلِيٌّ عَلَى خَلْقِهِ".
هذا أمرٌ مجمعٌ عليه، وقد تقدم معنا أنّ الله سبحانه وتعالى عالٍّ على عرشه، قد استوى على عرشه، كما قال في كتابه الكريم: ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ، فهذا أمرٌ مقررٌ ومجمعٌ عليه، والأدلة عليه بالآلاف، فلا خلاف ولا إشكال فيه، وقد تقدم وتكلم عليه المؤلف في موضعين، لكن هنا المؤلف يريد أن يبين طريقة الجمع بين: علوّ الله تبارك وتعالى على خلقه ومعيته لخلقه، فقرر القاعدة الأولى وهي علوّ الله سبحانه وتعالى على خلقه وهو أمر مجمع عليه وأدلته يقينية لا شكّ فيها ولا يدخلها الاحتمال أبداً.
قال:"وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا، يَعْلَمُ مَا هُمْ عَامِلُونَ".
وهذا أيضاً قد تقدم معنا مسألة معية الله تبارك وتعالى على خلقه، فالله سبحانه وتعالى مع خلقه أينما كانوا، معهم بعلمه، معهم بسمعه، معهم ببصره، معهم بحفظه.
· معيّة عامة: للخلق بالكامل: العلم والسمع والبصر والحفظ أيضاً.
· ومعية خاصة: معية النصرة والتأييد مع المعيّة العامة وهذه للمؤمنين وهذه أيضاً ثابتة بالأدلة التي ذكرناها.
ولا تعارض بين علوّ الله تبارك وتعالى وأدلة العلوّ والأدلة التي تدلّ على أنّ الله تبارك وتعالى معنا، إذ من تأمل في الأدلة التي وردت يعلم أنّها تدلّ على مسألة العلم ومسألة السمع ومسألة القرب للعباد بهذه الأمور.
قال: "كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ في َقَوْلِهِ".
كما جمع بين المعيّة بالعلم وما بين علوّه على عرشه.
"في َقَوْلِهِ: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ".
الآن: ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ: علوه، ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ: الآن يذكر العلم، ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ: بعلمه الذي يعلمه، ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ.
"وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ‏:‏ ﭮ ﭯأَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالْخَلْقِ".
ليس مختلطاً ومخالطاً للخلق.
"فَإِنَّ هَذَا لاَ تُوجِبُهُ اللُّغَةُ ".
لا تدلّ عليه اللغة العربية أنّه معنا بما ذكر بالآيات أنّه يجب أن يكون مختلطاً معنا، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمّة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، فالخلق طبيعة مباشرة عندما يذكر الله سبحانه وتعالى مباشرة يتوجهون إلى العلوّ.
"بَلِ الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ مِنْ أَصْغَرِ مَخلُوقَاتِهِ وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرُ الْمُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ".
هذا مثال للتقريب، أنظر إلى القمر الآن، القمر هو عالٍ في السماء ومع ذلك يراه المسافر ويراه المقيم، يراه من بالمشرق ومن بالمغرب، إذن هنا قد اجتمع عندنا العلوّ مع المعية، فهو ماشٍ مع المسافر وهو مقيم مع المقيم.
"وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ".
أي مراقباً وحافظاً لهم.
"مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ ".
أي: حاكم ومسيطر على عباده.
"مُطَّلِعٌ عَلَيْهِم إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَّعَانِي رُبُوبِيَّتِهِ".
فهذا هو معنى المعية.
"وَكُلُّ هَذَا الْكَلامِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ مِنْ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ مَعَنَا حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ".
ليس فيه تحريف ولا تأويل ولا شيء.
"لاَ يَحْتَاجُ إَلَى تَحْرِيفٍ، وَلَكِنْ يُصَانُ عَنِ الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ".
لكن يُبتعد عن الظّنون الكاذبة فيه، المهم أن نفهمه فهماً صحيحاً وإلّا فهو على ظاهره.
"مِثْلِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ‏:‏ "‏فِي السَّمَاء"‏ أَنَّ السَّمَاءَ تُظِلُّهُ أَوْ تُقِلُّهُ"
يعني هذا من الظنون الكاذبة أنّك مباشرة عندما تسمع أنّه في السماء أنّ السماء تقلّه، أي: تحمله، أو تظلّه، أي: أنّها تكون كالظّلّ له وتعلوه.
"وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالإِيمَانِ؛ فَإنَّ اللهَ قَدْ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهُوَ الذي يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ، وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إلاَّ بِإِذْنِهِ"
هو الذي يحمل السماء، فهو الذي يرفعها بقدرته تبارك وتعالى، فليس بحاجة إلى سماء كي تقلّه.
"وَمَنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ‏".
فإذن: السماوات والأرض وكلّ ما في السماوات والأرض الله سبحانه وتعالى هو قيومها، فليس بحاجة إلى شيءٍ من خلقه، لا إلى عرشه ولا إلى سماء ولا إلى غير ذلك، فهذه الظّنون التي ممكن أن تطرأ على العبد ينبغي أن يُزيلها من ذهنه، عندئذ سيقبل ما جاء عن الله تبارك وتعالى دون تشويش.
هذا وجه الجمع بين العلوّ والمعيّة.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلّا انت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-03-2014, 07:18   #12
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الثاني عشر من شرح متن العقيدة الواسطية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أمّا بعد:
فوصلنا عند قول المؤلف رحمه الله: "فَصْلٌ‏:‏ وَقَد دَّخَلَ فِي ذَلِكَ الإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ من خلقه مُجِيبٌ؛ كَمَا جَمَعَ بينَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ‏:‏ ﯮﯯﯴﯵ الآيَة".
مازال المؤلف رحمه الله يتحدث عن موضوع الجمع ما بين علوّ الله تبارك وتعالى على خلقه وقربه ومعيته، فقال: "وَقَد دَّخَلَ فِي ذَلِكَأي: فيما وصف به ربّنا تبارك وتعالى نفسه: "الإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ" من خلقه بعلمه وسمعه وبصره، "مُجِيبٌ" أي: يجيب دعاءهم، "كَمَا جَمَعَ بينَ ذَلِكَأي: بين القرب والإجابة، ﯮﯯﯴﯵالآية.
"وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم‏" للصحابة لمّا رفعوا أصواتهم بالذكر: "أيّها الناس أربعوا على أنفسكم فإنّكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً".
"‏إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِّن عُنقِ رَاحِلَتِهِ‏".
فهنا أثبت القرب لله تبارك وتعالى بقوله: "‏أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِّن عُنقِ رَاحِلَتِهِ‏"، وهذا القرب هو قربه بعلمه تبارك وتعالى، وبعض أهل العلم قال: هو قرب ملائكته، والأكثر على الثاني.
"وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتِابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِهِ لاَ يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ".
لا منافاة بين الأمرين، فهو عالٍّ على خلقه بذاته تبارك وتعالى، ، وهو أيضاً قريب من عباده، معهم بعلمه وسمعه وبصره.
"فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ نُعُوتِهِفي جميع صفاته لا يُماثله شيء.
"وَهُوَ عَلِيٌّ فِي دُنُوِّه"، أي: مع دنوّه.
"قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ"، أي: مع علوّه، فهو عليٌّ مع دنوّه قريب مع علوّه تبارك وتعالى، فلا تناقض بين علوّ الله تبارك وتعالى ومعيته لخلقه.


"فصل: وَمِنَ الإِيمَانِ باللهِ وَكُتُبِهِ الإيمانُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللهِ، مُنَزَّلٌ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَأَنَّ اللهَ تعالى تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً".
"وَمِنَ الإِيمَانِ باللهِ وَكُتُبِهِ": الذي ذُكر في حديث جبريل عليه السلام، لمّا ذكر ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وبكتبه"، فمن الإيمان بالله أن تؤمن بأنّه تكلم بالقرآن كلاماً حقيقياً، ومن الإيمان بكتب الله تبارك وتعالى أن تؤمن بأنّ القرآن كلام الله تبارك وتعالى، تكلم به حقيقة، مُنزل غير مخلوق، والدليل على أنّ القرآن كلام الله تبارك وتعالى قوله جلّ وعلا: ، والدليل على أنّه منزل من عند الله قوله تبارك وتعالى: ، فجبريل عليه السلام سمعه من الله تبارك وتعالى، ونزل به على النبي صلى الله عليه وسلم، كلام الله مُنزّل غير مخلوق، فكلام الله تبارك وتعالى هو صفة له وليس بخلقٍ خلقه تبارك وتعالى، بل هو صفة من صفات الله تبارك وتعالى، والدليل على أنّه غير مخلوق قول الله تبارك وتعالى: ، ففرّق الله تبارك وتعالى بين الخلق والأمر، والأمر هذا منه القرآن، القرآن من الأمر، فليس هو بمخلوق.
قال: "مِنْهُ بَدَأَ"، أي بدأ من الله تبارك وتعالى كلاماً تكلم به، فهو صفة من صفاته، وقد تكلم به فبدأ منه، "وَإِلَيْهِ يَعُودُ"، في آخر الزمان يعود إلى الله تبارك وتعالى، كما جاء في أحاديث صحيحة أنّه يسري على المصاحف في ليلة وعلى قلوب العباد فلا يبقى من القرآن شيء فيها، فيرفعه الله تبارك وتعالى إليه، فيعود إلى الله تبارك وتعالى، "وَأَنَّ اللهَ تعالى تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً"، أي: لا كما تقوله الأشاعرة ومن وافقهم من أنّ كلام الله كلام نفسي، لا، الكلام النفسي ليس بكلام لأنّه هو ليس بحرف ولا بصوت، فهو أمرٌ في النفس فقط، هذا معنى كلامهم، لكنّ الصحيح أنّ الله سبحانه وتعالى يتكلم كلاماً حقيقياً بحرف وصوت ويسمعه منه البشر، "وَأَنَّ اللهَ تعالى تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً"، بناء على أصل صفات الله تبارك وتعالى وأنّها كلّها صفات حقيقية، وقد ورد كما مرّ معنا في الدروس السابقة أدلة أنّ كلام الله تبارك وتعالى بحرف وصوت.
قال:"وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم هُوَ كَلامُ اللهِ حَقِيقَةً".
هذا تأكيد للجملة التي قبلها ويريد أن يؤكدّ المؤلف ردّاً على فتنة الأشاعرة التي قد قويت واشتدت في زمن المؤلف رحمه الله، الذين يقولون بأنّ الله يتكلم كلاماً نفسياً لا كلاماً حقيقياً، وذلك أنّ هذه الفتنة قد عظمت في بداية أمرها عندما نفى الجهمية والمعتزلة صفة الكلام عن الله تبارك وتعالى، فقالوا: الله سبحانه وتعالى لا يتكلم، هكذا، تمام، لكنّ الأشاعرة كانوا أحسن حالاً منهم قليلاً مع أنّهم يُوافقونهم في الأصول إلّا أنّهم أفضل حالاً منهم، لمّا واجهتهم أدلة الكتاب والسنة وأنّ القرآن كلام الله تبارك وتعالى وأنّ الله يتكلم كلاماً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته أرادوا أن يجمعوا بين أصولهم الفاسدة وبين الأدلة المتواترة التي رأوها أمامهم فما وجدوا سبيلاً إلّا أن يقولوا بأنّ الله يتكلم كلاماً نفسياً، هذا حقيقة ما أوصل الأشاعرة إلى ما أوصلهم إليه، وكما سيأتي أيضا في قضية الرؤية، فالأشاعرة تخبطوا تخبطاً شديداً في هذه القضايا، وسبب ذلك أنّهم تعلقوا بأصول الجهمية وتمسكوا بها، وما تخلصوا منها، ومع ذلك كان عندهم شيء من النظر إلى الكتاب والسنة خصوصا في الأدلة التي هي قاطعة كالشمس، فما استطاعوا أن يردوها كما تجرأ على ذلك الجهمية والمعتزلة، فأرادوا أن يسلكوا مسلكاً وسطاً بين قواعد وأصول الجهمية والمعتزلة وبين نصوص الشرع فتخبطوا تخبطاً شديداً، فلذلك إذا ركزت في عقيدة الأشاعرة وجدتها أكثر العقائد تخبطاً، أي: من أهل الكلام، بينما لو قست الأمور أو نظرت إليها من حيث الأصول تجد أصول المعتزلة من حيث تطبيق أحكامهم على أصولهم هم يطبقون أحكامهم على أصولهم أكثر إتقانا من الأشاعرة، لأنّ الأشاعرة كانوا قد حاولوا أن يجمعوا بين الأصول العقلية التي كانوا عليها وبين نصوص الكتاب والسنة، أمّا أولئك فما كانوا يبالون بنصوص الشرع وكان عندهم الهم الأعظم في القضية هو أن يحققوا العقائد عن طريق أصولهم العقلية فقط، فلذلك وقع الأشاعرة والماتريدية فيما وقعوا فيه من هذا التخبط.
قال المؤلف رحمه الله:"وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم هُوَ كَلامُ اللهِ حَقِيقَةً، لاَ كَلامَ غَيْرِهِ".
أي: ليس بكلام جبريل ولا كلام محمد صلى الله عليه وسلم ولا شيء من ذلك.
"وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلاَمِ اللهِ، أَوْ عِبَارَةٌ عنه".
هذا القول قول الكلّابية وقول الأشاعرة.
· الكلّابية قالوا: القرآن هو حكاية عن كلام الله وليس هو كلام الله.
· والأشاعرة قالوا: هو عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله.
حكاية عن كلام الله، أي: مماثلة، ليس هو نفسه لكن شيء يماثله، مثيل له.
عبارة عن كلام الله، أي: شيء عبّر عن معنى كلام الله تبارك وتعالى، وهذا كلّه بناءً على أصولهم من أنّ كلام الله سبحانه وتعالى ليس كلاماً حقيقياً وإنّما هذا القرآن الذي بين أيدينا هو شيء خلقه الله سبحانه وتعالى ليعبر أو يحكي كلامه تبارك وتعالى.
وكلّ هذا من الكلام الباطل الفاسد الذي تدلّ أدلة الشرع على بطلانه، وإنّما اعتمدوا كما ذكرنا على أصولهم العقلية.
"بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْكَلاَمَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لاَ إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا".
إذن كلام الله الذي تكلم به تبارك وتعالى حتى لو كُتب في المصاحف أو قرأه الناس لا يخرج عن كونه كلاماً لله تبارك وتعالى، لأنّ المؤلف يقول: لأنّ الكلام يضاف إلى قائله أصلاً، فأنت عندما تأتي وتنقل كلاماً عن شخص تقول: قال فلان كذا وكذا، لأنّ الكلام بتركيبه ذاك هو من قول فلان، فهو الذي قاله أولاً فالكلام يُرّد إلى قائله أولاً لا إلى المتكلم به ثانياً.
"وَهُوَ كَلامُ اللهِ؛ حُرُوفُهُ ومَعَانِيهِ".
فهذا الكلام الذي بين أيدينا الذي هو القرآن كلّه كلام الله تبارك وتعالى: حروفه ومعانيه، كلّه من عند الله تبارك وتعالى لا الحروف فقط والمعاني ليست من الله، ولا المعاني فقط والحروف ليست من الله.
قال:"وَهُوَ كَلامُ اللهِ؛ حُرُوفُهُ ومَعَانِيهِ".
هذا مذهب أهل السنة والجماعة، خالفت في ذلك المعتزلة والجهمية، وهؤلاء قالوا: الكلام ليس معنى يقوم بذات الله تبارك وتعالى بل هو شيء من مخلوقاته كالسموات والأرض والناقة التي أضافها لنفسه والبيت الذي أضافه إلى نفسه، كذلك هذه أضافها إلى نفسه إضافة تشريف كما أضاف الناقة والسماء والأرض وإلخ، وهذا القول تعلق به كما ذكرنا الجهمية والمعتزلة، وهؤلاء لما ذكروه كان الكلام عندهم هو الحروف، لأنّ كلام الله عندهم عبارة عن حروف وأصوات خلقها الله تبارك وتعالى ونسبها إلى نفسه تشريفاً وتعظيماً فقط، فهو مخلوق، أصوات وحروف لكنّها مخلوقة أضافها إلى نفسه تشريفاً وتعظيماً لها فقط، أمّا القول الآخر وهو الذي ذكر فيه المؤلف رحمه الله.
قال "وَلاَ الْمَعَانِيَ دُونَ الْحُرُوفِ".
وهذا مذهب الكلابية والأشعرية، فكلام الله تبارك وتعالى عندهم هو كلام نفسي، معنى في النفس لم يتكلم الله تبارك وتعالى به حقيقة بحرف وصوت، فالحروف والصوت عندهم ليس لله تبارك وتعالى، الذي لله فقط المعنى، أمّا الحرف والصوت فليس لله تبارك وتعالى عند هؤلاء، فالله سبحانه وتعالى خلق أصواتاً وحروفاً تدلّ على المعنى الموجود في النفس، إمّا عبارة وإمّا حكاية، وهذه هي الأقوال التي خرجت عن السنة في هذه المسألة وأمّا أهل السنة والجماعة فمتفقون جميعاً على أنّ القرآن كلام الله تكلم به حقيقة بحرف وصوت.
قال المؤلف رحمه الله: "فصل: وَقَد دَّخَلَ أيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الإِيمَانِ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَبِمَلاَئِكَتَهِ وَبِرُسُلِهِ‏:‏ الإيمَانُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا لَيْسَ بِهَا سَحَابٌ، وَكَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لاَ يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ".
وهذه المسألة هي مسألة رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة، وهذه المسألة قد اتفق أهل السنة والجماعة فيها على أنّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وأدلتهم في ذلك كثيرة وهي متواترة، منها: قول الله تبارك وتعالى: ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ، وكذلك قوله تبارك وتعالى: ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إنّكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته"، وهو حديث متفق عليه، والأحاديث في هذا المعنى متواترة، أي: أنّها أخبار يقينية لا شكّ فيها البتة، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وخالف في ذلك طائفتان:
طائفة الجهمية والمعتزلة: وهؤلاء نفوا أن يُرى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، وحجتهم في ذلك الأصلية وهي الأساس الذي بنوا عليه مذهبهم أنّهم إذا أثبتوا رؤية الله تبارك وتعالى يلزم من ذلك إثبات الجهة، وإثبات الجهة يلزم التجسيم والتشبيه، هذا الذي جعلهم ينفون رؤية الله تبارك وتعالى، هذا قول الجهمية وهذه حجتهم الأصلية، ثم احتجوا بعد ذلك بآيات من كتاب الله تبارك وتعالى هم يعلمون أنّه لا حجة لهم فيها، ولكن أرادوا أن يقووا قولهم بآيات من كتاب الله لأنّهم يعرفون أنّ أهل السنة لا يقنعون بفلسفتهم العقلية ويردونها عليهم، فأرادوا أن يردوا على أهل السنة بأدلة من الكتاب فاستدلوا بقوله تبارك وتعالى: ﯝ ﯞ، هذا قاله لموسى لمّا طلب موسى رؤية الله تبارك وتعالى وهو في الدنيا، قال له ربنا تبارك وتعالى: ﯝ ﯞ، أي: في الدنيا ولكن في الآخرة ستراني، فهناك فرق بين أن يطلب الأمر في الدنيا وأن يطلبه في الآخرة، وكذلك من أدلتهم التي استدلوا بها قوله تبارك وتعالى: ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ، فاستدلوا بهذه أيضاً على أنّه تبارك وتعالى لا يُرى، لأنّه لا تدركه الأبصار، وردّ عليهم أهل السنة في ذلك بأنّ الإدراك شيء والرؤية شيء آخر، لأنّ الإدراك تلزم الإحاطة والله سبحانه وتعالى لا يحيط به شيء، وأنت ترى وتنظر إلى السماء فتراها ولكنك لا تدركها، فإذن هناك فرق بين الرؤية وما بين الإدراك، فليس لهم حجة في هذه الآية أيضاً، فإذن أقوالهم مردودة عليهم والأدلة الصريحة الواضحة تدلّ على أنّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، هذه الفرقة الأولى وهي فرقة: الجهمية والمعتزلة.
والفرقة الثانية التي تناقضت كما ذكرنا وهم أحياناً كثيرة وفي الغالب هم متناقضون في أمر العقيدة وهم:
الأشاعرة: الأشاعرة هؤلاء قالوا بما قاله أهل السنة من إثبات الرؤية لله تبارك وتعالى، إلّا أنّهم أيضاً بناء على أصول الجهمية، والأشاعرة نفوا الجهة، فقالوا: يُرى ربنا تبارك وتعالى ويراه المؤمنون ولكن إلى غير جهة، فقال أهل العلم: أضحكتم العقلاء من قولكم، لماذا؟ لأنّهم جاؤوا بشيء محال، شيء مستحيل لا يمكن أن يحصل أن تَرى الله سبحانه وتعالى وليس في العلوّ أو ليس في جهة، هذا أمرٌ لا يمكن، إذا أردت أن ترى لابد أن تراه وهو في علوّه تبارك وتعالى كما دلت على ذلك النصوص الواضحة والصريحة، أمّا أن تجمع بين أن تراه وأنّه إلى غير جهة فهذا تناقض عجيب، أضحكوا الناس منهم، وهذا من عجائب ما أُخذ على الأشاعرة في عقيدتهم.

فخلاصة الموضوع: أنّ عقيدة أهل السنة والجماعة أنّ المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى يوم القيامة في عرصات القيامة وفي الجنّة أيضا كما ذكر المؤلف رحمه الله هنا.
وقوله هنا: "وهم يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهَ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ".
العرصات هي جمع عرصَة وهو المكان الواسع الفسيح، الذي ليس فيه بناء.
"ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ كَمَا يَشَاءُ اللهُ سبحانه تَعَالَى".
قال أهل العلم: الناس في رؤية الله تبارك وتعالى ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
o مؤمنون خلص ظاهراً وباطناً.
o كافرون خلص ظاهراً وباطناً.
o مؤمنون ظاهراً كافرون باطناً وهؤلاء المنافقون.
· أمّا المؤمنون فيرون ربهم تبارك وتعالى في عرصات القيامة وبعد دخول الجنّة.
· وأمّا الكافرون فلا يرون ربّهم مطلقاً على القول الراجح والبعض قال: يرونه رؤية غضب وعقوبة.
· وأمّا المنافقون فإنّهم يرون الله عز وجل في عرصات القيامة ثم يحتجب عنهم ولا يرونه بعد ذلك.
هذه قسمة الناس في رؤية الله تبارك وتعالى، طبعاً تستحضر في هذه اللحظة أنّ رؤية الله تبارك وتعالى هي عبارة عن نعيم وفضل عظيم من ربّ العالمين ما بعده من نعيم، كلّ نعيم الجنة يهون ويخف أمام نعيم النظر إلى وجهه تبارك وتعالى، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل ذلك.
ونكتفي بهذا القدر والحمد لله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-03-2014, 07:10   #13
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الثالث عشر من شرح العقيدة الواسطية

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أمّا بعد:
فيقول المؤلف رحمه الله تعالى:"فَصْلٌ‏:‏ وَمِنَ الإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الآخِرِ الإيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ".
"وَمِنَ الإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الآخِرِ"، قد تقدم معنا ما ذكره المؤلف رحمه الله وما ورد في حديث جبريل الذي ذَكر فيه تعريف الإيمان للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أن تؤمن باليوم الآخر"، من ضمن ما ذكر، فالإيمان باليوم الآخر هو أن نُصدق بقيام الساعة، وهذه أدلتها واضحة وصريحة ومحكمة لا إشكال فيها، من أنكر هذا اليوم فهو كافر خارج من ملّة الإسلام، ثم بعد ذلك أمورٌ تحصل في هذا اليوم هي داخلة في ضمن الإيمان بهذا اليوم، يريد المؤلف رحمه الله الآن أن يبين لنا هذه الأمور، وقبل ذلك ذكر لنا أنّها داخلة في ضمن الإيمان باليوم الآخر، والأمور التي سيذكرها المؤلف رحمه الله الآن ستُرتب على النحو التالي: سيذكر المؤلف الطريق إلى هذا اليوم وهو القبر، فالمرحلة التي تأتي بعد الموت هي مرحلة القبر، مرحلة البرزخ وهذه المرحلة وما يمرّ به المرء أمورها غيبية، وكذلك ما يحصل بعد البعث من القبر يوم القيامة أموره غيبية كذلك، وما يحصل قبل ذلك من علامات الساعة أمورها أيضاً غيبية، وما يحصل أيضاً من دخول الناس إلى الجنّة وإلى النّار وما فيهما، هذه كلّها من الأمور الغيبية، والنّاس لا يتفاضلون في مسألة الإيمان بالإيمان بالأمور المشاهدة، فالمشاهد الكلّ يؤمن به ولا يُكذّب به، لكن محل التفضيل هو الإيمان بالغيبيات، وهذه الأمور كلّها المذكورة من الغيبيات، من الأمور التي لا تدرك بالفكر والعقل وإنّما تدرك بالخبر، فإذا جاء الخبر عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم لزم الإيمان به والتصديق وعدم ردّه، لا الردّ بالتكذيب ولا الرّد بالتحريف والتأويل، لأنّه لم يُوافق عقلاً من العقول الخربة أو لم يُوافق رأيّاً رآه شخص، فهنا المؤلف رحمه الله الآن يبدأ معنا بتفصيل ما يمرّ به الإنسان بعد موته.
فقال:"وَمِنَ الإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الآخِرِ الإيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ".
إلى دخول الجنّة أو النّار، فنحن مأمورون بالتصديق بقيام الساعة وبما يحدث في هذا اليوم مما جاء ذكره في الكتاب والسنة.
ثم قال بعد ذلك: "فَيُؤْمِنُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ".
الإنسان بعدما يموت يوضع في قبره فإذا وُضع في قبره فهو مُعرض لفتنة هناك، أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً إمّا عذاب وإمّا نعيم على حسب الشخص، فالمؤمنون وأهل السنة عقيدتهم الإيمان بفتنة القبر، وهذه الفتنة معناها الامتحان والاختبار الذي يقع على المرء من قبل ملكين، عندما يُوضع في قبره يأتيه الملكان فيُجلسانه ويقولان له من ربّك؟ وما دينك؟ وماذا تقول في هذا الرّجل الذي بُعث فيكم؟ فإذا كان مؤمنا صالحاً قال: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا كان كافراً قال: هاه هاه لا أدري، هذا بداية الحديث، فدلّ هذا الحديث على وقوع فتنة القبر وأنّ النّاس يُمتحنون في قبورهم على ما جاء في الأحاديث الصحيحة، ومن هذه الأحاديث حديث البراء بن عازب الذي ذكرنا معناه، ففتنة القبر حقٌّ ثابت نؤمن به، وسؤال الملكين أيضاً حقٌّ ثابت نؤمن به، والبعث بعد الموت حقٌّ كذلك، ولكن قبل ذلك لابدّ أيضاً أن نؤمن بعذاب القبر وبنعيمه، عذاب القبر ونعيمه كذلك ورد في أحاديث صحيحة كثيرة، ومنها حديث البراء بن عازب هذا الذي ذكرناه، جاء في أحاديث كثيره ذِكر عذاب القبر، والأحاديث في ذلك متواترة وتواترها تواتر معنوي، ومعنى التواتر المعنوي أن تأتي عدة أحاديث مختلفة في ألفاظها لكنّها بالجملة تدلّ على معنى من المعاني، عندئذ يكون تواترها تواتراً معنوياً كعذاب القبر، الآن إذا جئنا ونظرنا في الأحاديث التي وردت فيه وجدنا مثلاً الحديث الذي فيه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ..." الخ، كذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه مرَّ بقبرين فقال: "إنّهما يعذبان وما يعذبان في كبير"، وكذلك جاء عن عائشة رضي الله عنها أنّها جاءتها يهودية وقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر؟ فالنبيُ صلى الله عليه وسلم أقرَّ بعذاب القبر، وأحاديث كثيرة، جملة هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث تدلّك جميعاً على معنى واحد وهو وقوع عذاب القبر، فالأحاديث الواردة في ذلك متواترة فهو خبر يقيني لا شكّ في وقوع عذاب القبر، أيضاً وجود نعيم في القبر كذلك هو أمر ثابت لا شكّ فيه.
قال: "فَيُؤْمِنُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ".
حديث البراء الذي ذكرناه ذكر فيه النعيم وذكر فيه أيضاً العذاب، ولعلنا نذكره تاماً إن شاء الله بعد أن ننتهي من كلام المؤلف.
قال: "فَأَمَّا الْفِتْنَةُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ".
أي: يُمتحنون في قبورهم.
"فَيُقَالُ للرِّجُلِ‏:‏ مَن رَّبُكَ‏؟‏ وَمَا دِينُكَ‏؟‏ وَمَن نَّبِيُّك‏؟‏ فيُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ".
فهنا يشير المؤلف إلى أنّ هذه الآية فيها إشارة إلى إثبات هذا الامتحان وهذا الاختبار، ، فقالوا من ذلك فتنة القبر.
"فَيَقُولُ الْمؤْمِنُ‏:‏ رَبِّيَ اللهُ، وَالإِسْلاَمُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ ـ صلى الله عليه وسلم نَبِيِّي،‏ وَأَمَّا الْمُرْتَابُ؛ فَيَقُولُ‏:‏ هَاه هَاه؛ لاَ أَدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ".
معنى المرتاب: الشاك الذي يشكّ.
"فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ".
المرزبة هي: المطرقة الكبيرة، نسميها نحن بالمهدّة ويسميها بعض أهل المغرب بالماسة، هذه المرزبة.
"فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصُعِقَ،‏ ثُمَّ بَعْدَ هّذِهِ الْفِتْنَةِ إمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ".
كلّ هذا ورد في أخبار صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم فالواجب الإيمان بها.
حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ
قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ.
خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى جِنازة قال: فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، يعني وصلوا إلى القبر، وَلَمَّا يُلْحَدْ: أي ولم يحفروا اللحد بعد، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، ينتظرون أن يتم الحافر الحفر.
قال: وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْرُ، هدوء وسكوت يسمعون.
وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، أي: النبيُ صلى الله عليه وسلم.
فَقَالَ: "اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ"، وهذا أيضاً من الأحاديث التي تثبت عذاب القبر، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ (هذه النفس الطيبة النفس المؤمنة)، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (يعني رائحة طيبة)، قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ، قال: فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، قال: حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى قَالَ فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ في مكانه فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا عِلْمُك (يعني من أين لك؟)، فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ عز وجل فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ (هذا فيه إثبات نعيم الجنّة في القبر)، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قال: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ رب أقم الساعة حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي.
قَالَ: وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ عز وجل وَغَضَبٍ قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنْ الصُّوفِ (كأنّك تضع شوكاً في صوف ثم تنزع هذا الشوك)، الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ.
ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: .
فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا.
ثُمَّ قَرَأَ: .
فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي.
فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُواَ لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤُكَ هَذَا يَوْمُك الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمْ السَّاعَةَ".
هذا الحديث بطوله هذا فيه كلّ ما ذكر المؤلف رحمه الله من فتنة عذاب القبر ومن نعيمه ومن عذابه.
قال المؤلف رحمه الله: "فصل: إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ الْكُبْرى، فَتُعَادُ الأَرْوَاحُ إِلَى الأجْسَادِ".
أي: يبقى العبد في قبره على هذا الحال إلى أن تقوم القيامة الكبرى، ففرّق المؤلف رحمه الله بين القيامة الكبرى والقيامة الصغرى بقوله هنا: القيامة الكبرى، فالقيامة الصغرى هي موت العبد، ولكلّ عبد قيامته الخاصة، فكلّ عبد يموت تقوم قيامته الصغرى فإنّه إذا وضع في قبره بدأ النعيم أو بدأ العذاب نسأل الله أن يعافينا وإياكم، "إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ الْكُبْرى"، طبعاً ورد حديث في تسمية الموت بأنه الموتة الصغرى التي هي القيامة الصغرى، لكن حديث مرفوع لا يصح، وردت آثار ثابتة عن حذيفة وغيره.
"إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ الْكُبْرى"، وهي التي يقوم الناس فيها من قبورهم ويُبعثون بعد موتهم، فتُعاد الأرواح إلى الأجساد، يعيدها الله تبارك وتعالى ثم يقومون.
"وَتَقُومُ الْقِيَامَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهُ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ‏.‏"
وأدلتها من الكتاب والسنة مشهورة معلومة منها قول الله تبارك وتعالى: ، والأحاديث التي فيها ذكر قيام الساعة كثيرة جداً ومشهورة، والإجماع منعقد على ذلك.
قال المؤلف رحمه الله: "فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً".
يقوم الناس من قبورهم كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكما جاء أيضاً في كتاب الله تبارك وتعالى: حفاة لا يلبسون النّعال، عراة: أي ليس عليهم ثياب، غرلاً: أي ليسوا مختونين، فخلقهم تام لا ينقص منه شيء.
قال:"وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ".
يعني تقترب الشمس منهم في المحشر، عندما تقوم الساعة ويحشر الناس تقترب الشمس من الناس ثم تكوّيهم بحرّها ويعرَق البشر، فمنهم من يصل عرَقه إلى الكعبين ومنهم إلى الركبتين ومنهم ما هو أعلى من ذلك ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، جاء في الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقُرصَة النقي ليس فيها عَلَم لأحدٍ"، كقرصة النقي يعني: كالرغيف المنخول، وقال الله تبارك وتعالى: ، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "إنّكم تحشرون حفاةً عراةً غرلاً"، ثم قرأ: ، وجاء في حديث آخر قال: "يُحشر الناس يوم القيامة عراةً غرلاً بهماً"، قلنا: وما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء".
قال المؤلف: "وَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ ".
أي: يصل منهم إلى موضع اللجام من الفرس، يعني إلى الفم، وهذا أيضاَ وردت فيه الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث مذكور في الصحيحين.
قال:"فَتُنْصَبُ الْمَوَازِينُ، فَتُوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ الْعِبَاد".
ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه أنّه قال: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"، وحديث البطاقة المشهور بأنّ الصحائف توزن فتطيش بهم صحيفة: لا إله إلّا الله، وكذلك جاء في الحديث بأنّ الرجل لا يزن عند الله جناح بعوضة، فهذه كلّها الأحاديث تدلّ على أنّ أعمال العباد توزن وصحائفهم أيضاً توزن ولا تعارض في ذلك فكلّه موزون.
قال:ﯿ.
هذه كلّها تدلّ على أنّ أعمال العباد توزن.
"وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ".
"وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ"، أي: يُعطى الناس صحائفهم في أيديهم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﭿ، فهؤلاء الملائكة يكتبون في الصحف، ثم بعد ذلك جاء في الحديث أنّ الناس يأخذون هذه الصحف بأيديهم، وجاء في الآيات ما يدلّ على ذلك أيضاً، فمن كان من أهل الطاعة أخذ كتابه بيمينه ومن كان من أهل المعصية أخذ كتابه بشماله.
قال:"فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِنْ وَّراءِ ظَهْرِهِ".
قال:"كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى‏:‏‏ﮣﮤ".
وهذا من عدل الله تبارك وتعالى أن يُوكل الحساب إلى الإنسان نفسه، ينظر في عمله ويحاسب نفسه بنفسه.
"وَيُحَاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ"، يحاسب الله سبحانه وتعالى الناس كما في قوله تبارك وتعالى: ﭿ.

"وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ"، هذه طريقة الحساب، يخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، أي يقول له: أنت فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا.
"كَمَا وُصِفَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ"، جاء في الحديث أنّ الله سبحانه وتعالى يخلو بالعبد ويطلعه على أعماله، المؤمن: ثم يقول له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك.
‏"وَأَمَّا الْكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ فَإِنَّهُ لاَ حَسَنَاتَ لَهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ، فَتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا وَيُقَرَّرُونَ بِهَا‏ ويخزون بها".
يعني هذا كلّه إنّما يُفعل بهم نكاية بهم وخزياً لهم، وإلّا هم أعمالهم ليست محلاً للوزن، فأعمالهم كلّها تذهب هباءً منثوراً بكفرهم ولكن يقررون بها ويُطّلعون على أعمالهم من أجل إيقاع الخزي والعار عليهم، وأمّا الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ، هكذا جاء الحديث في الصحيحين، هذه بعض الأمور التي تقع يوم الحساب، يوم القيامة، ومن عادة المؤلفين أن يذكروا أيضاً علامات الساعة قبل أن يدخلوا على ذكر هذه المسائل، فأيضاً من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها علامات الساعة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها ووردت في الأحاديث الصحيحة، كنزول عيسى عليه السلام وخروج الدجال وخروج يأجوج ومأجوج، هذه كلّها أيضاَ أخبار غيبية ذكرت في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكما ذكرنا من عادة أهل العلم أن يضعوا مثل هذه الأمور في كتبهم لأنّها أخبار غيبية يجب الإيمان بها.
طيب نكتفي اليوم بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-03-2014, 07:42   #14
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الرابع عشر من شرح العقيدة الواسطية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين:
كان المؤلف رحمه الله قد بدأ بذكر الأمور الغيبية التي ستحصل قبل قيام الساعة والتي تدخل في ضمن الإيمان باليوم الآخر ووقفنا عند قوله رحمه الله:
"وَفِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ الْحَوضُ الْمَوْرُودُ لِمحمد صلى الله عليه وسلم، ماؤُه أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، طُولُهُ شَهْرٌ وَعَرْضُهُ شَهْرٌ، مَن يَّشْرَبُ مِنْهُ شَرْبَةً لاَ يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا‏".
هنا الآن مما سيحدث بعد البعث ويوم القيامة ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذه الفقرة، ومراده بعرصات القيامة، أي: الساحة، المكان المتسع الذي يُحشر الناس فيه، لأنّ العرصات جمع عَرْصة، وهي المكان المتسع الذي يكون بين البنيان، عرصات القيامة فيها الحوض المورود لمحمد صلى الله عليه وسلم، المورود أي الذي يرده الناس ليشربوا منه، يرده المؤمنون ليشربوا منه، والحوض مجمع الماء، المكان الذي تجتمع المياه فيه، يرده المؤمنون ويشربون منه وهو للنبي صلى الله عليه وسلم، وأحاديث الحوض متواترة، جاء ذكر الحوض عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة متواترة منها ما هو في الصحيحين، منها حديث أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ حوضي أبعد من أيلة من عدن لهو أشدّ بياضاً من الثلج وأحلى من العسل باللبن ولآنيته أكثر من عدد النجوم وإني لأصدّ الناس عنه كما يصدّ الرجل إبل الناس عن حوضه" قالوا يا رسول الله: أتعرفنا يومئذ؟ قال: "نعم، لكم سيما"، يعني: علامة، "ليست لأحدٍّ من الأمم"، ما هي هذه السمة؟ قال: "تردون عليّ غرّاً محجلين من أثر الوضوء"، يعني: بياض يكون في الوجه ويكون في اليدين وفي القدمين، الأماكن التي تغسل بماء الوضوء تكون بيضاء، ويأتي المؤمنون بهذه الصفة فيعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم فيذود عن حوضه من لم يكن من أمته، وجاء في حديث آخر أيضاً في الصحيح عن أبي حازم قال: سمعت سهلاً يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً وليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يُحال بيني وبينهم"، أي: أنّهم لا يشربون من الحوض، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة في الصحيح، وكما ذكرنا هي متواترة وقد جاءت عن بضع عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال المؤلف:"ماؤُه أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ‏"، هذا على ما جاء الوصف في حديث أبي هريرة المتقدم.
"آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ‏"، أي أنّها كثيرة جداً، الآنية التي هي الكؤوس التي يُشرب من الحوض بها.
"طُولُهُ شَهْرٌ وَعَرْضُهُ شَهْرٌ، مَن يَّشْرَبُ مِنْهُ شَرْبَةً لاَ يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا‏"، ثم بعد ذلك شربهم في الجنة ماذا يكون؟ يكون نعيماً، ذاك شرب للنعيم وليس للظمأ لأنّ الظمأ ينتهي هنا في هذا الموطن.
هذه الصفات التي ذكرها المؤلف هي التي ذُكرت في الأحاديث التي ذكرناها وغيرها كذلك، كحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء"، يعني: طوله كعَرضه، "وماؤه أبيض من الوَرِق"، الفضة، "وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبداً".
وفي حديث عقبة بن عامر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال: "إنّي فرط لكم"، يعني: الذي يتقدمنا على الحوض، "وأنا شهيد عليكم وإنّي والله لأنظر إلى حوضي الآن"، هذا يدلّ على أنّ الحوض موجود في الوقت الذي تكلم فيه النبي صلى الله عليه وسلم، "وإنّي قد أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض ..." إلى آخر الحديث.
وقال في طريق أخرى لحديث عقبة بن عامر: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال: "إنّي فرطكم على الحوض وإنّ عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة، إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكنّي أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم"، يحدثكم عما يقع اليوم بالحرف الواحد، وهذا الذي يحصل الآن تنافس وقتال على الدنيا والله المستعان.
الشاهد أنّ هذه الأحاديث وغيرها كثير تدلّ على إثبات الحوض، فأهل السنة والجماعة متفقون على إثبات الحوض وأنّ للنبي صلى الله عليه وسلم حوضاً يشرب منه المؤمنون يوم القيامة.
خالف في ذلك بعض الخوارج وبعض الروافض وبعض المعتزلة، وقالوا: هو خبر ثبت بالآحاد، والعقيدة لا تؤخذ عندهم بالآحاد، فأنكروا ذلك وحرّفوه كما هي العادة على معنى الكرم والعطاء وكلامهم باطل.
فأولاً: الأحاديث يعني التي وردت في الحوض أحاديث متواترة، قد نصّ على أنّها متواترة غير واحد من أهل العلم.
ثانيا: لو كانت آحاداً فالسلف ما كانوا يُفرّقون بين الأحكام والعقائد في القبول، فكلّها مقبولة وكلّها معمول بها إذا ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قال المؤلف رحمه الله:"وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَمُرُّ النَّاسُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالرِّيحِ، ومِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالْفَرَسِ الْجَوَادِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَرِكَابِ الإِبِلِ، ومِنْهُم مَن يَعْدُو عَدْوًا، وَمِنْهُم مَن يَمْشِي مَشْيًا، وَمِنْهُم مَن يَزْحَفُ زَحْفًا، وَمَنْهُم مَن يُخْطَفُ خَطْفًا وَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ؛ فَإِنَّ الْجِسرَ عَلَيْهِ كَلاَلِيبُ تَخْطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِم".
الصراط هو جسر على نفس جهنم يمرّ الناس عليه، وأمّا وصفه فقد جاء في بعض الأحاديث بأنّه: مدحضة مزلة، وأنّه: أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف، هكذا جاء وصف هذا الصراط، وأحاديثه التي تدلّ عليه كثيرة أيضاً في الصحيحين منها: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجمع اللهُ تبارك وتعالى الناسَ فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنّة فيأتون آدم عليه السلام فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنّة إلّا خطيئة أبيكم آدم، لست بصاحب ذلك"، إلى أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: "فيأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقوم ويُؤذن له وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً فيمرّ أولكم كالبرق"، قال: قلت: بأبي أنت وأمي أيّ شيء كمرّ البرق؟ قال: "ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين"، في لحظة، "ثم كمرّ الريح ثم كمرّ الطير وشدّ الرجال"، يعني: الرجل الذي يجري بسرعة، "تجري بهم أعمالهم"، الضابط والفارق بين شخص وآخر هو أعماله ليست سرعته في الدنيا، لا، الضابط في ذلك هي أعماله، "تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول: ربي سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلّا زحفاً"، قال: "وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة تأخذ من أُمرت به، فمخدوش ناجٍّ ومكدوس في النّار"، هذا من الأحاديث التي وردت في ذكر الصراط وهي أيضاً كثيرة.
قال المؤلف:"وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ".
الطريق إلى الجنّةِ النّارُ، فلابدّ أن تمرّ بها كي تصل إلى الجنّة، وهذا الجسر منصوب على جهنّم، فإذا مررت لابدّ أن تمرّ عن طريق هذا الصراط كي تتجاوز إلى الجنّة، وهذا معنى قول الله تبارك وتعالى: ، والورود: هو المرور على الصراط على الصحيح في تفسير هذه الآية.
قال:"يَمُرُّ النَّاسُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ"، أي سرعتهم وتجاوزهم النّار على حسب أعمالهم، كما جاء في الحديث الذي ذكرناه.
"فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالرِّيحِ، ومِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالْفَرَسِ الْجَوَادِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَرِكَابِ الإِبِلِ، ومِنْهُم مَن يَعْدُو عَدْوًا، وَمِنْهُم مَن يَمْشِي مَشْيًا، وَمِنْهُم مَن يَزْحَفُ زَحْفًا".
كلّ على حسب أعماله.
"وَمَنْهُم مَن يُخْطَفُ خَطْفًا"، يعني: يُؤخذ بسرعة، وذلك بالكلاليب التي على الجسر تخطف الناس بأعمالهم، فيُلقى في جهنم، فتأخذه هذه الكلاليب وترمي به في جهنم، والكلاليب حديد معكوف الرأس حادٌّ، جاء وصفها في الحديث في الصحيح مثل شوك السعدان، والسعدان نبت من النباتات له شوك عظيم ومتفرع، هذه الكلاليب يكون لها رؤوس معكوفة تأخذ الناس على قدر أعمالهم.
قال:"وَمَنْهُم مَن يُخْطَفُ خَطْفًا وَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ؛ فَإِنَّ الْجِسرَ عَلَيْهِ كَلاَلِيبُ تَخْطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِم".
بناء على الحديث الذي ذكرناه.
قال:"فَمَنْ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، أي: بأنّه قد نجى وتجاوز النار.
"فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وُقِفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ".
بعد أن يتجاوز الناس الصراط بعد ذلك يوجد مرحلة أخرى، مرحلة القنطرة، هذه القنطرة هي عبارة عن جسر صغير أيضاً، جسر آخر يقفون عنده وهو أيضاً بين الجنّة والنّار، بعد أن يتجاوزوا النّار يقفون عند هذا الجسر.
"فَيُقْتَصَّ لِبَعْضِهِم مِن بَعْضٍ"، فهؤلاء المؤمنون الذين سيدخلون الجنّة لكن هنا في أخذ حقوق، المؤمنون هؤلاء بينهم حقوق: دماء، أموال، أعراض، كلّ هذه لابد أن تُصفى فيقتص لبعضهم من بعض، كلّ واحد يأخذ حقّه من الآخر لكي يذهب الغلّ والحقد الذي بين قلوبهم.
"فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا"، صُفّوا تماماً وما بقي عليهم خطيئة.
"أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ‏"، لحديث أبي سعيد في صحيح البخاري، قال صلى الله عليه وسلم: "يخلص المؤمنون من النّار فيُحبسون على قنطرة بين الجنّة والنّار فيُقصُّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هُذبوا ونُقّوا أُذن لهم في دخول الجنّة فوالذي نفسي بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنّة منه بمنزله كان في الدنيا"، يعني: الواحد منهم عندما يدخل الجنّة يكون عارفاً بمنزله ومكانه في الجنّة أكثر من معرفته بمنزله الذي في الدنيا، هذا الحديث الذي أخرجه البخاري هو الذي دلّ على ما ذكره المؤلف رحمه الله.
قال المؤلف:"وَأَوَّلُ مَن يَسْتَفْتِحُ بَابَ الْجَنَّةِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم".
الدليل ما ثبت في صحيح مسلم، قال: "أنا أول شفيع في الجنّة"، وفي لفظ: "أنا أول من يقرع باب الجنّة"، وفي لفظ: "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحدٍ قبلك"، فهذه كلّها تدلّ على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من يستفتح باب الجنّة.
قال: "وَأَوَّلُ مَن يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنَ الأُمَمِ أُمَّتُهُ‏".
يعني: أمة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة"، نحن آخر الأمم، أمّة محمد صلى الله عليه وسلم آخر الأمم، الأمم السابقة كلّها قبلها، لكن هذا في الدنيا، ولكن عند دخول الجنّة يكونون هم الأمّة الأولى، فنحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنّة، وقال صلى الله عليه وسلم: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة".
"وَلَه صلى الله عليه وسلم فِي الْقِيَامَةِ ثَلاثُ شَفَاعَاتٍ".
الشفاعة هذه ثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم، فله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات، الشفاعة في أصلها في اللغة: جعل الشيء شفعاً، الشيء إذا كان واحداً يكون وتراً، فإذا كان معه ثانٍ يصبح شفعاً، وأمّا في الاصطلاح: فهي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
والشفاعة قسمان:
قسم شفاعة باطلة: وهي التي يتعلق بها المشركون فيعبدون آلهتهم وأصنامهم بدعوى أنّها تشفع لهم عند الله تبارك وتعالى، ، وقال: ، تبارك وتعالى، هذه الشفاعة الباطلة، الشفاعة الباطلة هي الشفاعة التي تكون من غير رضى ولا إذن.
إذ الشفاعة المثبتة هي التي تكون برضى وبإذن من الله سبحانه وتعالى، برضى الله وبإذن منه، رضاه أن يرضى في أن يُشفع في فلانٍ من الناس مثلاً، وبإذن: أن يَأذن لمن أراد أن يَشفع بالشفاعة، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ، إذن لابدّ من الإذن والرضى، ، فلا أحدّ له أن يشفع عند الله إلّا أن يأذن الله تبارك وتعالى له بالشفاعة، وممن أذن الله له بالشفاعة النبيَ صلى الله عليه وسلم، لكن أيضاً عندنا أمر آخر وهو أن يرضى الله سبحانه وتعالى بأن يُشفع في الشخص، مثلاً عندما يطلب النبي صلى الله عليه وسلم أن يَشفع في شخص من الأشخاص لابدّ أن يرضى الله سبحانه وتعالى أن يَشفع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشخص، وإذا لم يرضى فلا يُمكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يَشفع فيه، فلابدّ من تحقق شرطين:
· شرط الرضى.
· وأن يتحقق شرط الإذن.
الفرق بين الشفاعة التي أبطلها الله سبحانه وتعالى وردّها وبين الشفاعة التي أثبتها الله تبارك وتعالى، الشفاعة الباطلة هي التي يتعلق بها المشركون في عبادة الأوثان والأصنام ويعتقدون أنّها ستشفع لهم عند الله تبارك وتعالى، وهذا باطل كما ذكرنا، وهنا المؤلف يقول أنّ النبي صلى الله عليه وسلم له في القيامة ثلاث شفاعات، إذن هو ممن أذن له ربنا تبارك وتعالى بالشفاعة.
قال:"أَمَّا الشَّفَاعَةُ الأُوْلَى: فَيَشفَعُ فَي أَهْلِ الْمَوْقِفِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَنْ يَتَرَاجَعَ الأَنْبِيَاءُ: آدَمُ، وَنُوحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُوسَى، وَعِيسى بنُ مَرْيَمَ عَنِ الشَّفَاعَةِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ".
هذه الشفاعة الأولى التي للنبي صلى الله عليه وسلم، المؤلف ذكر ثلاث شفاعات للنبي صلى الله عليه وسلم، هذه الشفاعة الأولى، وهي الشفاعة في أهل الموقف.
والشفاعة الثانية: التي سيذكرها لك هي الشفاعة في أهل الجنّة أن يدخلوا الجنّة.
والشفاعة الثالثة: الشفاعة فيمن استحق النّار أن يخرجوا منها، وهذه الثالثة ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، هي له ولغيره من الأنبياء، بل ومن المؤمنين أيضاً.
فالأولى والثانية هما خاصتان بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهناك شفاعة أخرى خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهي شفاعته في أبي طالب، قد شفع النبيُ صلى الله عليه وسلم في أبي طالب فأُخرج من قعر النّار إلى ضحضاح من النّار فوُضعت جمرتان في أُخمص قدميه تغلي منهما دماغه، وهذا أهون أهل النّار عذاباً نسأل الله السلامة والعافية.
الآن الشفاعة الأولى التي ذكرها المؤلف وهي الشفاعة لأهل الموقف، نحن نذكر الحديث كاملاً لما فيه من الفوائد ولابدّ لطالب العلم من معرفتها، حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حديث ذكر تفصيلاً طويلاً في مسألة الشفاعة وما يحدث يوم القيامة.
عن أبي سعيد الخدري أنّ ناساً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله؟ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم"، قال: "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة صحواً ليس معها سحاب، وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحّواً ليس فيها سحاب"، قالوا: لا يا رسول الله، قال: "ما تضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلّا كما تضارون في رؤية أحدهما"، أي: إنّكم سترون ربّكم كما ترون القمر والشمس ترونهما بوضوح، سترون ربّكم تبارك وتعالى كذلك، قال:
"إذا كان يوم القيامة أَذَّن مؤذن: ليتبع كلّ أمّة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحدٌ كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلّا يتساقطون في النّار، حتى إذا لم يبق إلّا من كان يعبد الله من برٍّ وفاجرٍ، وغُبَّرِ أهل الكتاب، فيُدعى اليهود، فيُقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير بن الله، فيُقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربّنا، فاسقنا، فيُشار إليهم: ألا ترِدون؟ فيُحشرون إلى النّار كأنّها سراب يَحْطِم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النّار، ثم يُدعى النّصارى، فيُقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح بن الله، فيُقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيُقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا، يا ربّنا فاسقنا، قال: فيُشار إليهم: ألا ترِدون؟ فيُحشرون إلى جهنّم كأنّها سراب، يَحْطِم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النّار، حتى إذا لم يبق إلّا من كان يعبد الله تعالى من برٍّ وفاجرٍ، أتاهم ربّ العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فماذا تنتظرون؟ تتبع كلّ أمّة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربّنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم"، يعني: كنا في غربة الدنيا وبُعدٍ عن الناس وكنا بحاجة إلى مصاحبتهم.
فيقول: "أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئاً (مرتين أو ثلاثاً) حتى إنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟"، (يعني: علامة)، "فيقولون: نعم، فيُكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلّا أَذِن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً"، (يعني المنافقين)، "إلّا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلّما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم، وقد تحوّل في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربُّكم، فيقولون: أنت ربُّنا. ثم يُضرب الجسر على جهنم"، (هذا هو الصراط)، "وتحِلُّ الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم"، قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: "دحض مزلّة"، (يعني: أنّ الأقدام لا تستقر عليه، ولا يستطيع المرء أن يمشي عليه بسهولة)، "فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمرّ المؤمنون كطرف العين، وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناجٍّ مُسَلَّم، ومخدوش مرسل"، (يعني: مخدوش، يُخدش ويُطلق ويذهب يستمر في مشيه)، "ومكدوس في نار جهنم"، (يسقط في جهنم).
"حتى إذا خلص المؤمنون من النّار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشدّ مناشدة لله في استيفاء الحقّ من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النّار، يقولون: ربّنا كانوا يصومون معنا ويُصلون ويحجّون"، (أنظروا الذين في النّار يُصلون ويصُومون ويحجُّون)، "فيُقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتُحرَّم صورهم على النّار فيُخرِجون خلقاً كثيراً قد أخذت النّار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربّنا ما بقي فيها أحدٌ ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيرا، ثم يقولون: ربّنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربّنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربّنا لم نذر فيها خيراً"، وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: ﭿ، "فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون"، (فيه إثبات شفاعة الملائكة وشفاعة النبيين وشفاعة المؤمنين)، "ولم يبق إلّا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النّار فيُخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمماً فيُلقيهم في نهر في أفواه الجنّة يُقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبّة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظّل يكون أبيض"، فقالوا: يا رسول الله كأنّك كنت ترعى بالبادية، قال: "فيَخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنّة، هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنّة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربّنا أعطيتنا ما لم تعطِّ أحداً من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من هذا فيقول رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبداً".

هذا حديث من أحاديث الشفاعة، جاءت أحاديث كثيرة منها أيضاً حديث أبي هريرة وغيره وفيها أنّهم يأتون الأنبياء ويطلبون منهم الشفاعة في أن تقوم الساعة، فيقول كلّ نبيٍّ من الأنبياء: نفسي نفسي، حتى يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب ويشفع فيقبل الله تبارك وتعالى شفاعته، قال في حديث أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجمع الله تعالى الناس يوم القيامة، فيُلهمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا عزّ وجل حتى يُريحنا من مكاننا هذا، قال: فيأتون آدم عليه السلام، فيقولون: أنت آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربّك حتى يُريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربّه منها، ولكن ائتوا نوحاً أول رسول بعثه الله تعالى، قال: فيأتون نوحاً عليه السلام، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربّه تعالى منها، ولكن ائتوا إبراهيم عليه السلام الذي اتخذه الله خليلاً، فيأتون إبراهيم عليه السلام، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي ربه تعالى منها، ولكن ائتوا موسى عليه السلام الذي كلّمه الله وأعطاه التوراة، قال: فيأتون موسى عليه السلام، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى روح الله وكلمته فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم عبداً قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيأتوني، فأستأذن على ربّي تعالى، فيأذن لي، فإذا أنا رأيته ووقعت ساجدا، فيَدَعني ما شاء الله فيُقال: يا محمد ارفع رأسك، قل تُسمع، سل تُعطه، اشفع تُشّفَع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي تعالى بتحميد يعلمنيه ربي عزّ وجل، ثم أشفع، فيَحدّ لي حدّاً، فأخرجهم من النّار، وأدخلهم الجنّة، ثم أعود فأقع ساجداً، فيَدعني ما شاء الله أن يَدعَني، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد، قل تُسمع، سل تُعطَه، اشفع تُشّفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربّي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيَحدّ لي حدّاً، فأُخرجهم من النّار، ويُدخلهم الجنّة"، قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة، قال: "فأقول: يا ربّ، ما بقي في النّار إلّا من حبسه القرآن"، أي: من وجب عليه الخلود.
هذا يدلّ على الشفاعات المذكورة في كلام المؤلف رحمه الله.
"وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ أَن يَدْخُلُوا الْجَنَّة"، هذا كما جاء في الحديث الذي ذُكر آنفاً: "يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تُزلف لهم الجنّة فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنّة"، وذكر الحديث، وفيه: "فيأتون محمداً فيقوم فيُأذن له"، أي: باستفتاح الجنّة، وفي حديث أنس في الصحيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحدٍّ قبلك".
قال:‏"وَهَاتَانَ الشَّفَاعَتَانِ خَاصَّتَانِ لَهُ،‏ وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ؛ فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ، وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ لَهُ وَلِسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ أَن لاَّ يَدْخُلَهَا، وَيَشْفَعُ فِيمَنْ دَخَلَهَا أَن يَخْرُجَ مِنْهَا‏، وَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ النَّارِ أَقْوَامًا بِغِيرِ شَفَاعَةٍ؛ بَلْ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ"، كما تقدم في حديث أبي سعيد.
وَيَبْقَى فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ عَمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، فَيُنْشِئُ اللهُ لَهَا أَقْوَامًا فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ‏".
وهذا كما صحّ أيضاً في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم.
"وَأَصْنَافُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّارُ الآخِرَةُ مِنَ الْحِسَابِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَتَفَاصِيلُ ذَلِكَ مَذْكُورَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ"، التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وغيرها.
"وَالآثَارِ مِنَ الْعِلْمِ الْمَأْثُورِ عَنِ الأَنْبِيَاءِ، وَفِي الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذَلِكَ مَا يَشْفِي وَيَكْفِي، فَمَنِ ابْتَغَاهُ وَجَدَهُ‏"، فمن أراد هذه الأخبار فليبحث عنها في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعتقده وليأخذ به ولا يردّه كما تفعله المبتدعة، فالخوارج والمعتزلة خالفوا في مسألة الشفاعة التي ذكرناها آنفاً، ولم يثبتوا الشفاعة لأهل الكبائر بناءً على أصلهم الذي يؤصلونه من أن مرتكب الكبيرة مُخلّد في نار جهنم، فهم يردون هذه الأحاديث المتواترة الكثيرة التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 31-03-2014, 07:35   #15
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الخامس عشر من شرح العقيدة الواسطية

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:
فدرسنا اليوم في شرح العقيدة الواسطية في مبحث القدر.
قال المؤلف رحمه الله: "فصل: وَتُؤْمِنُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ‏".
أمّا تعريف القدر فهو في اللغة: مصدر قدّرتُ الشيء، أُقدِّره، إذا أحطتُ بمقداره، وأمّا القضاء لغة فهو: الحكم والفصل، وشرعاً هو: ما قضى به الله سبحانه في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، هذا تعريف القضاء والقدر شرعاً ولغة.
وقد اختلف العلماء في ذلك، فبعضهم قال من الناحية الشرعية لا فرق بين القضاء والقدر، والصحيح أنّهما كلمتان إذا اجتمعتا افترقتا وإذا افترقتا اجتمعتا، بمعنى أنّ القضاء والقدر إذا اجتمعتا في الكلام فيفترقان بالمعنى، فيكون معنى القدر غير معنى القضاء على ما بيّنا سابقاً، وإذا افترقا في الكلام اجتمعتا بالمعنى، فيدخل في كلمة القضاء القدر ويدخل في كلمة القدر القضاء، ويكون المعنى شاملاً للخلق والإيجاد والإعدام والتغيير ولتقدير ذلك في الأزل، يكون المعنى شاملاً لهذا وهذا، هذا هو القول الصحيح في المسألة، ونزيد توضيح الفرق بين القضاء والقدر بالمثال ولله المثل الأعلى، لو أنّك أردت أن تبني بيتاً أول أمرٍ تفعله هو أنّك تذهب إلى مهندس كي يرسم لك خريطة البيت: طوله، عرضه، عدد غرفه، أين يقع المطبخ؟ أين يقع الحمام؟ ..الخ، هذا يُسمى تقديراً، ثم تذهب إلى المقاول كي يباشر العمل، فيُطبق الخريطة على الواقع، هذا الذي يسمى القضاء، ولله المثل الأعلى، هذا مثال فقط لتقريب المعنى للأذهان.
ومن أصول أهل السنة والجماعة أن يؤمنوا بالقضاء والقدر، لقول الله تبارك وتعالى: ، ، ، وهذا كلّه وغيره كثيرٌ يدلّ على إثبات القضاء والقدر، وجاء في حديث جبريل في الصحيحين عندما سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال في آخره: "وأن تؤمن بالقدر خيره وشره"، كلّه من عند الله تبارك وتعالى.
الخير: ما يُلائم طبيعة الإنسان.
والشرّ: ما لا يلائم طبيعة الإنسان.
وهل يُقال إنّ في قدر الله شرّ؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الشرّ ليس إليه"، أجاب أهل العلم عن ذلك فقالوا: الشرّ في القدر ليس باعتبار تقدير الله له، لكنّه باعتبار المقدور له، يعني ما قدّره الله سبحانه وتعالى ما هو من فعل الله لا يكون شرّاً أبداً، فعندنا قدر ومقدور، كما عندنا خلق ومخلوق، فباعتبار تقدير الله له ليس بشرٍّ، بل هو خير حتى وإن كان لا يُلائم الإنسان ويؤذيه ويضرّه، لكن باعتبار المقدور فنقول المقدور إمّا خير وإمّا شرٌّ، فالقدر خيّره وشرّه يُراد به المقدور خيّرُه وشرّه، وضرب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرحه على الواسطية مثلاً لهذا الكلام الذي تقدم فقال: ونضرب لهذا مثلاً في قوله تعالى: ﯿ، قال: ففي هذه الآية بيّن الله عزّ وجل ما حدث من الفساد وسببه والغاية منه، فالفساد شرٌّ وسببه عمل الإنسان السيء والغاية منه: ، فكون الفساد يظهر في البرّ والبحر فيه حكمة، فهو نفسه شرٌّ لكن لحكمة عظيمة بها يكون تقديره خيراً، وكذلك المعاصي والكفر شرٌّ وهو من تقدير الله لكن لحكمة عظيمة لولا ذلك لبطلت الشرائع ولولا ذلك لكان خلق الناس عبثاً، هذا ما يتعلق بمبحث الخير والشرّ.
قال المؤلف رحمه الله: "فصل: وَالإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَينِ: كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ:‏ فَالدَّرَجَةُ الأُولَى‏:‏ الإيمَانُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِيمٌ بِالْخَلْق، وَهُمْ عَامِلُونَ بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلاً وَأَبَدًا، وَعَلِمَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِم مِّنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَالأَرْزَاقِ وَالآجَالِ، ثُمَّ كَتَبَ اللهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ‏".
إذن: عندنا للقدر مراتب، من آمن بهذه المراتب فهو مؤمن بالقدر ومن لم يؤمن بها فليس بمؤمن بالقدر، هذه المراتب هي أربع مراتب جعلها المؤلف رحمه الله في درجتين وجعل لكلّ درجة مرتبتين، هي بالجملة أربع مراتب:
الأولى: الإيمان بأنّ الله عَلِم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، أي: العلم، أن تؤمن بعلم الله في كلّ شيء، الله سبحانه وتعالى عَلِم كلّ شيء، فالله سبحانه وتعالى لا يجهل شيئاً لا أفعال العباد ولا غيرها، ، ، ، والآيات في هذا المعنى كثيرة متواترة، الآيات والأحاديث النبوية، ولا يُنكر هذه المرتبة مؤمن، من أنكرها كفر فهو يصف الله تبارك وتعالى بالجهل، وممن أنكرها القدرية القدامى: نُفاة العلم، وهؤلاء كفّرهم السلف، الذين ينفون العلم كفّرهم السلف، بالاتفاق أنّهم كفّار وليسوا بمسلمين، الإيمان بأنّ الله عَلِم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، أي عِلمُه الأول الذي لا ابتداء له، الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً، العلم: عِلم الله تبارك وتعالى، الله سبحانه وتعالى موصوف بالعلم أزلاً، يعني: من القدم، ما في عندنا درجة نستطيع أن نقف عندها ونقول بدأ العلم من تلك الدرجة، لا، ما له بداية، من القديم وهو موصوف بالعلم، وأبداً: وعلمه باقٍّ إلى الأبد، ما فيه درجة ينتهي إليها، نقول سينتهي علمه عند تلك الدرجة، لا.
"وَعَلِمَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِم مِّنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَالأَرْزَاقِ وَالآجَالِ".
كلّ ذلك معلوم كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود: "إنّ أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمّه"، ثم ذكر أطوار الجنين في بطن أمّه، ثم قال: "ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات ويُقال اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد"، كلّ هذا يُكتب بناء على ماذا؟ يُكتب بناءً على عِلم الله تبارك وتعالى بهذا كلّه، هذه المرتبة الأولى، وكما ذكرنا خالفت فيها غلاة القدرية الذين ينفون عِلم الله تبارك وتعالى وهؤلاء كفّار بالاتفاق، وهؤلاء تقريباً لاوجود لهم اليوم.
"ثُمَّ كَتَبَ اللهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ‏".
هذه المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة: كتب الله تبارك وتعالى في اللوح المحفوظ، لوح عند الله تبارك وتعالى، هذا ما وُصف لنا منه، كتب فيه ربنا تبارك وتعالى مقادير كلّ شيء، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الأدلة الصحيحة.
"فَأَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ قَالَ لَهُ‏:‏ اكْتُبْ‏.‏ قَالَ‏:‏ مَا أَكْتُبُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ‏".
هكذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أولّ ما خلق الله القلم قال له: اكتب؟ قال القلم: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة"، إذن فالله سبحانه وتعالى عَلِم ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة وكتبه عنده في اللوح المحفوظ، وهذا يشمل ما الخلق فاعلون من كفرٍ وإيمان وطاعة ومعصية وغير ذلك.
قال: "فَمَا أَصَابَ الإِنْسَانَ لَمْ يَكُن لِّيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُن لِّيُصِيبَهُ".
لأنّ كلّه مكتوب عند الله تبارك وتعالى ومقدّر عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "واعلم أنّ النّاس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلّا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلّا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف"، انتهى كلّ شيء، من آمن بهذه الكلمات حقَّ الإيمان، توكل على الله تبارك وتعالى واعتمد عليه في كلّ أمره بحقٍّ ولم يتعلق قلبه في طلب الرزق والحاجات بالناس والمخلوقين.
قال: "جَفَّتِ الأَقْلاَمُ"،أي: التي أقلام القدر التي كتبت بها المقادير.
"وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ"،التي كتب فيها المقادير.
"كَمَا قَالَ سبحانه تَعَالَى‏:‏ﮩﮪﮮﮯ".
هذه الأدلة يسوقها المؤلف: ‏، إذن: هذا عِلم الله تبارك وتعالى واسع لكلّ شيء: ﮮﮯ، قد كتب كلّ ذلك في كتاب عنده، أي: في اللوح المحفوظ، ، لا يعسر عليه شيء تبارك وتعالى.
"وَقَالَ‏:‏ﯟﯠ".
ﯟﯠ، من قبل أن نخلقها وهي موجودة في الكتاب.
"وَهَذَا التَّقْدِيرُ التَّابِعُ لِعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ"، أي: هذا التقدير من أين جاء؟ هو تابع لعِلم الله، عَلِم الله سبحانه وتعالى فكتب.
"يَكُونُ فِي مَوَاضِعَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً"‏:‏ في بعض المواضع يَكتبه بالتفصيل وبعض المواضع يكتب بالجملة.
"فَقَدْ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا شَاءَ،‏ وَإِذَا خَلَقَ جَسَدَ الْجَنِينِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأْرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُقَالُ لَهُ‏:‏ اكْتُبْ‏:‏ رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ‏.‏‏.‏ وَنَحْوَ ذَلِكَ".‏
إذن كلّ شيء يُكتب لكن في بعض المواضع يُكتب بالتفصيل وفي بعض المواضع يُكتب بالجملة، وهذا الحديث الذي ذكره المؤلف في الصحيحين، حديث عبد الله بن مسعود، حديث الكتابة.
"فَهَذَا التَّقْدِيرُ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلاةُ الْقَدَرِيَّةِ قَدِيمًا وَمُنْكِرُهُ الْيَوْمَ قَلِيلٌ‏"، الذي هو العلم والكتابة.
"وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ"، العلم والكتابة هما مرتبتان في درجة واحدة وضعها المؤلف، مرتبة العلم ثم مرتبة الكتابة وضعهما في درجة واحدة ثم انتقل إلى الدرجة الثانية ووضع فيها مرتبتين وهما مرتبة المشيئة ومرتبة الخلق.
قال: "وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَهِيَ مَشِيئَةُ اللهِ النَّافِذَةُ، وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ، وَهُوَ‏:‏ الإِيمَانُ بِأَنَّ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُن".
هذه الدرجة الثانية: درجة المشيئة، أن تؤمن أنّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ، وقال: ، ﭿ، ، هذه الآيات كلّها وغيرها من الآيات والأحاديث تدلّ على مشيئة الله تبارك وتعالى النافذة.
"وَأَنَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ حَرَكَةٍ وَلاَ سُكُونٍ؛ إلاَّ بِمَشِيئَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ".
لا شيء يخرج عن مشيئة الله تبارك وتعالى في هذا الكون، كلّ شيء يشاؤه الله سبحانه وتعالى، كُفر الكافر يشاؤه الله سبحانه وتعالى، لو ما شاءه الله لما كَفَر، بعض الناس يفهم من هذا الجبر، أنّ الله سبحانه وتعالى جبره وألزمه بالكفر، لا، هذا باطل، هذا الفهم غير صحيح، العبد يفعل بقدرته وإرادته التي أعطاه الله سبحانه وتعالى إياها، فهو يختار ما بين الكفر والإيمان، لكنّه إذا اختار الكفر لا يعني ذلك أنّ الله سبحانه و تعالى إذا أراد الإيمان لا يقدر على أن يجعله مؤمناً، لا، كلّ شيء يحصل في هذا الكون فهو بمشيئة الله تبارك وتعالى.
قال: "لاَ يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لاَ يُرِيدُ".
لا يمكن أن يكون في مُلك الله ما لا يريده الله.
الإرادة قسمان: إرادة شرعية وإرادة كونية.
الإرادة الشرعية: هي ما يحبه الله ويرضاه، فكلّ ما أمر الله تبارك وتعالى به في الكتاب أو في السنة فهو يحبّه ويرضاه، فهو يريده شرعاً أن يكون، لكن لا يلزم أن يكون، فالله سبحانه وتعالى يريد من النّاس جميعاً أن يؤمنوا إرادة شرعية، لكن آمن البعض وكفر البعض.
والإرادة الثانية: الإرادة الكونية: وهذه تتعلق فيما وقع، فكلّ ما يقع في هذا الكون فيريده الله كوناً، لا شيء يخرج عن إرادة الله الكونية، والمشيئة بمعنى الإرادة الكونية، فكلّ شيء واقع أراده الله كوناً، كُفر الكافر أراده الله كوناً ولم يرده شرعاً، بهذا تُفرّق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فالكفر يُبغضه الله، لا يحبه، فليس هو مراداً شرعاً له، ولكن كونه وقع إذن فيريده الله كوناً، لأنّه لا شيء يخرج عن إرادة الله تبارك وتعالى الكونية.
"وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ".
الله سبحانه وتعالى قدرته تامة كاملة، ، سواء كان هذا الشيء موجوداً أو كان معدوماً، الله سبحانه وتعالى قادر على كلّ شيء.
"فمَا مِنْ مَخْلُوقٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ إلاَّ اللهُ خَالِقُهُ سُبْحَانَهُ".
كلّ شيء في هذا الكون من المخلوقات فهو مخلوق لله تبارك وتعالى، ، ، فكل هذا الخلق خلقٌ لله تبارك وتعالى بما في ذلك أفعال العباد، كلّها مخلوقة لله، لكنّ العبد لا يُكره على الكفر، عندما يَكفر يَكفر بإرادته، ومعنى أنّ الله سبحانه وتعالى خلقه، ففعل العبد من كفر وإيمان لا يحصل إلّا بإرادته وقدرته، وإرادته وقدرته مخلوقة لله تبارك وتعالى.
قال: "لا خَالِقَ غَيْرُهُ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ‏.‏ وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ".
هو الذي خلقهم، وهو الذي أمرهم بطاعته، فمنهم من يُطيع ومنهم من لا يُطيع، فالله سبحانه وتعالى خلقهم، خلق لهم إرادة وخلق لهم قدرة ولهم اختيار وأمرهم بالطاعة ونهاهم عن المعصية.
"وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ،‏ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالْمُقْسِطِينَ".
أي: العادلين في أحكامهم، .
"وَيَرْضَى عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَلا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، وَلاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، وَلاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ"، أي: الأفعال القبيحة والسيئة والمنكرة.
"وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهُ الْكُفْرَ، وَلاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَالْعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً وَاللهُ خَلَقَ أفْعَالَهُم".
كيف تجمع بين أنّ الله سبحانه وتعالى قدّر أفعال العباد وأرادها كوناً وبين كون العبد فاعلاً حقيقة، بأن تعلم أنّ العبد لا يفعل أفعاله إلّا بإرادته وقدرته، والإرادة والقدرة مخلوقان لله، فأفعال العبد مخلوقة لله لكنّ العبد يفعل فعلاً حقيقياً، يختار ما بين الكفر والإيمان حقيقة، والله خالق أفعالهم، كما قال الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة وبيّن أنّه خالق كلّ شيء وأنّه خلق العباد وخلق أفعالهم.
قال المؤلف رحمه الله: "وَالْعَبْدُ هُوَ‏:‏ الْمُؤْمِنُ، وَالْكَافِرُ، وَالْبَرُّ، وَالْفَاجِرُ، وَالْمُصَلِّي، وَالصَّائِمُ‏".
أنظر المؤلف يحاول أن يبين لك كيف تفهم هذه الحقيقة وهي: أنّ الله سبحانه وتعالى خالق كلّ شيء، ومن ذلك أفعال العباد، وأنّ العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، قال: "وَالْعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً وَاللهُ خَلَقَ أفْعَالَهُم"،لا يُؤمن العبد بالقدر إيماناً تاماً حتى يؤمن بهاتين الفقرتين:
· الأولى: العباد فاعلون حقيقة.
· الثانية: الله خالق أفعالهم.
لا بد أن تجمع بين هذين الأمرين حتى تُخالف أهل البدع والضلال.
"وَالْعَبْدُ هُوَ‏:‏ الْمُؤْمِنُ، وَالْكَافِرُ"، إذن فهو يفعل حقيقة، يفعل إيمانه، يفعل كفره بيده.
"وَالْبَرُّ، وَالْفَاجِرُ"، البرّ: الصالح المطيع، الفاجر: العاصي.
"وَالْمُصَلِّي، وَالصَّائِمُ"‏.
"وِلِلْعِبَادِ قُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ"،خلقها الله سبحانه وتعالى لهم.
"وَلَهُمْ إِرَادَةٌ"، ويفعلون بقدرتهم وإرادتهم.
"وَاللهُ خَالِقُهُمْ وَقُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَتَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:".
أثبت الله تبارك وتعالى له مشيئة.
"ثم قال:".
لا يمكن للكافر أن يكفر والله سبحانه و تعالى لا يشاء له الكفر أبداً، لأنّه لا شيء في هذا الكون يخرج عن مشيئة الله، لو أراد الله له الإيمان لآمن، لكنّ الله سبحانه وتعالى تركه واختياره.
"وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الْقَدَرِ يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ الْقَدَرِيَّةِ".
هذه الدرجة التي هي درجة المشيئة والخلق، أنّ الله سبحانه وتعالى شاء أفعال العباد التي وقعت من إيمان وكفر وغير ذلك وهو الذي خلقها، هذه الدرجة يُكذب بها عامة القدرية.
"الَّذِينَ سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ‏ صلى الله عليه وسلم ‏مَجُوسِ هَذِهِ الأُمَّةِ".
وهو حديث ضعيف في هذا لا يصحّ، ولكن يشتركون هم مع المجوس في كون المجوس قد أثبتوا خالقين وهؤلاء كذلك قد أثبتوا خالقين، والله سبحانه وتعالى خالقُ الأشياء كلّها والعباد خالقون لأفعالهم، هكذا يقولون، يقولون: أفعال العباد هذه ليست داخلة تحت خلق الله، الله سبحانه وتعالى لم يخلقها ولا داخلة تحت مشيئته، العبد هو يشاء من نفسه ويخلق بنفسه أفعاله، فلو شاء الله سبحانه وتعالى من العبد الإيمان وشاء العبد الكفر يحصل الكفر لا يحصل الإيمان، فجعلوا مشيئة العبد أقوى من مشيئة الله في هذا.
"وَيَغْلُو فِيهَا قَومٌ مِنْ أَهْلِ الإثْبَاتِ، حَتَّى سَلَبُوا الْعَبْدَ قُدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ".
هؤلاء الجبرية الذين خالفوا في هاتين المرتبتين هم: القدرية والجبرية.
القدرية: عامتهم، أكثر القدرية يُخالفون في هذه المسألة وهي المشيئة والخلق، فالقدرية لا يُثبتون أنّ الله سبحانه وتعالى شاء أفعال العباد ولا خلقها.
الجبرية: بالعكس يقولون الله سبحانه وتعالى شاءها وخلقها، والعبد لا قدرة له على شيء وحركاته وتصرفاته في منزلة تحرك ورقة الشجر في مهبّ الريح، لا حول لها ولا قوّة، كذلك بالنسبة للعبد عندهم، فالعبد مجبور على كلّ شيء، وهذا باطل وذاك باطل، وقد ذكرنا طريقة الجمع بين الأمرين، ولكنّ أهل البدع كعادتهم يأخذون ببعض الأدلة ويتركون البعض الآخر.
"وَيُخرِجُونَ عَنْ أَفْعَالِ اللهِ وَأَحْكَامِهِ حِكْمَهَا وَمَصَالِحَهَا‏".
يعني: أنّ الله سبحانه وتعالى لا يفعل لحكمة ولا يفعل لمصلحة، هكذا عندهم الأمر، فهو يفعل ويحكم لمجرد مشيئته، لأنّه شاء فعل فقط، ولهذا يُثيب المطيع وإن كان المطيع مجبراً على فعله، ويعاقب العاصي وإن كان العاصي مجبراً على فعله، ويقولون: هذا ليس بظلم، لأنّ الظلم عندهم: التصرف في ملك الغير، فالله سبحانه وتعال متصرف في ملكه، هكذا عندهم هؤلاء، وهذا ضلال عريض، والحقّ ما ذكرناه من عقيدة أهل السنة والجماعة وبها تجتمع الأدلة.
ونكتفي بهذا القدر والحمد لله ربّ العالمين.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلّا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-05-2014, 07:31   #16
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس السادس عشر من شرح العقيدة الواسطية

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:
فقال المؤلف رحمه الله: "فَصْلٌ‏:‏ وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الدِّينَ وَالإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، قَوْلٌ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ،‏ وَأَنَّ الإيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ".
هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان، الإيمان في اللغة: هو التصديق، وقال بعض أهل العلم: هو الإقرار، المهم الذي يهمنا هو المعنى الشرعي.
الإيمان بالمعنى الشرعي: هو اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان، هذا هو تعريف الإيمان، فالإيمان إذا تحققت هذه الأركان الثلاثة في العبد صار مؤمناً، وإذا لم تتحقق هذه الثلاثة أركان لا يكون مؤمناً، كما قال الإمام الشافعي: لا يجزئ أحد هذه الثلاثة عن الآخر، أي: كلّ واحد لا بدّ أن يكون أصله موجوداً عند المؤمن حتى يُسمى مؤمناً، هذا تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فهو مكوّن من ثلاثة أركان، الاعتقاد والقول والعمل، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"، فجمع هذا الحديث: الاعتقاد والقول والعمل، ودلّت أدلة الكتاب وأدلة السنة المتواترة على أنّ الإيمان يكون بهذه الثلاثة.
قال المؤلف رحمه الله معرفاً للإيمان: "قَوْلٌ وَعَمَلٌ"، أجمَلَ فقال: "قَوْلٌ وَعَمَلٌ"، ثم فصَّل وبيّن ما مراده من القول والعمل، فقال: "قَوْلٌ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ"، فالقول للقلب وللسان والعمل للثلاثة.
المقصود بقول القلب الذي هو التصديق، تصديقه، والمقصود بقول اللسان هو النطق بالشهادتين، والمقصود بعمل القلب هو أعمال القلوب من: الإخلاص ومن الحبّ والبغض وما شابه، هذه أعمال القلوب، تسمى عملاً للقلب، كالإخلاص، الحبّ، الخوف، الرجاء، التوكل، كلّ هذه من أعمال القلوب، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان، عمل اللسان هو: الأذكار، التسبيح، التهليل، الاستغفار، هذا من عمل اللسان، وأمّا عمل الجوارح فمعلومة، كالصلاة والصيام والحجّ وما شابه، فالإيمان يتكون من هذه الثلاثة: اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح والأركان.
"وَأَنَّ الإيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ‏".
الإيمان عند أهل السنة يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، كلّما تعبد العبد زاد إيمانه وكلّما ترك عبادة أو فعل معصية نقص إيمانه، وأدلة ذلك في الكتاب والسنة كثيرة منها قول الله تبارك وتعالى: ، ومنها قوله: ، ومنها قول إبراهيم عليه السلام لمّا قال له ربنا تبارك وتعالى: ، زيادة في الإيمان، إذن: فالإيمان يزيد وينقص، وفيه نقصان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في النساء: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين من أحداكن"، إذن: ففيه نقص، فينقص الإيمان ويزيد، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة.
خالف في ذلك طائفتان:
الطائفة الأولى: الخوارج: وهؤلاء هم الذين يقولون كما يقول أهل السنة والجماعة بأنّ الإيمان اعتقاد وقول وعمل، لكن ما الفرق بينهم وبين أهل السنة؟ أهل السنة يقولون: أعمال الجوارح من الإيمان لكن إذا ذهب بعضها لا يذهب الإيمان بالكلية، يعني إذا كان الشخص تاركاً للصوم لا يذهب إيمانه، إذا زنى لا يذهب إيمانه، أمّا الخوارج فيقولون: يذهب إيمانه، لأنّ عندهم الإيمان لا يتبعض، إذا ذهب بعضه ذهب كلّه، وهذا الأصل هو نفسه الأصل الموجود عند أعدائهم ومن يضادهم في عقيدتهم وهم المرجئة، المرجئة أيضاً قالوا: الإيمان لا يتبعض، ولكن الفرق بين المرجئة والخوارج أنّ الخوارج قالوا: بأنّ الإيمان هو اعتقاد وقول وعمل.
وأمّا المرجئة فقالوا: لا، الأعمال - أعمال الجوارح - لا تدخل في الإيمان، فصار عندهم الإيمان ما هو؟ هو اعتقاد فقط، على خلاف بينهم أنفسهم، فقالوا هو جزء واحد أيضاً لا يتبعض، هؤلاء المرجئة، فصار عندنا طرفان ووسط، الخوارج قالوا: أنّ الإيمان اعتقاد وقول وعمل لكنّ الاعمال كلّها من أصل الإيمان، فإذا زال عمل من الأعمال زال الإيمان، المرجئة: لا، قالوا: الأعمال ليست من الإيمان، إذن فمحل الخلاف هو في أعمال الجوارح، هو محل الخلاف، أهل السنة قالوا: بأنّ أعمال الجوارح من الإيمان، المرجئة قالوا: أعمال الجوارح ليست من الإيمان، جميع طوائف المرجئة تتفق في هذا الأصل، في إخراج أعمال الجوارح عن الإيمان، الخوارج يُدخلون أعمال الجوارح، لكن يقولون إذا ذهب عمل ذهب الإيمان، إذا ذهب عمل كالصوم والصلاة والزكاة وما شابه ذهب الإيمان، إذا ارتكب الشخص معصية كبيرة ذهب إيمانه كالزنى والسرقة وشرب الخمر وما شابه، هذه عقيدة الخوارج وتلك عقيدة المرجئة وأهل السنة وسط بينهما، يقولون: أعمال الجوارح من الإيمان ولكن لا يَكفر الشخص إلّا بأن يترك أعمال الجوارح بالكلية، أمّا إذا ترك عملاً أو عملين أو ارتكب ذنباً أو ذنبين فهنا لا يكفر الشخص، ونعني بالذنوب كشرب الخمر وما شابه.
هنا مسألة مهمة: تقريباً هذه المسائل التي ذكرناها من عقيدة أهل السنة في مسائل الإيمان معلومة عند الجميع وأدلتها أصبحت واضحة لكن لهذا المعنى للإيمان لوازم تلزم على تعريف الإيمان، تعريف الإيمان هذا له لوازم، إذا قلت بتعريف الخوارج لزمك لوازم، وإذا قلت بتعريف المرجئة لزمك لوازم، وإذا قلت بتعريف أهل السنة لزمتك لوازم، ماهي؟
أهم ما نريد أنّ نركز عليه في هذا هو مسألة الكفر.
تعريف الكفر عند أهل السنة والجماعة هو: ما يضاد الإيمان، وعند المرجئة: ما يضاد الإيمان، وعند الخوارج: ما يضاد الإيمان، لماذا؟ لأنّ المسألة لازمة لتعريف الإيمان، فإذا قلت في الإيمان تعريفاً يكون ضدّه الكفر.
مثال ذلك: أهل السنة والجماعة يقولون: الإيمان اعتقاد وقول وعمل، والكفر ضدّه، فيكون الكفر عندهم اعتقاد وقول وعمل، فيكون الكفر عندهم بالاعتقاد والقول والعمل، كما أنّ الإيمان عندهم بالاعتقاد والقول والعمل، كذلك الخوارج يقولون: الكفر يكون بالاعتقاد والقول والعمل، لكن بناء على أصلهم بما أنّ الكفر يكون بالعمل سواء كان مما يُكفّر به أهل السنة أو لا يكفرون به كارتكاب الكبائر، المرجئة يقولون: الكفر لا يكون بالعمل، لماذا؟ لأنّ تعريف الإيمان عندهم ليس فيه عمل، أعمال الجوارح ليست من الإيمان عندهم، يقولون: الإيمان هو التصديق، فإذا قلت الإيمان هو التصديق فماذا يكون عندك الكفر، ضد التصديق: التكذيب، فإذا قلت بأنّ الكفر هو التكذيب فأنت تقول ولابد بأنّ الإيمان هو التصديق، فتخرج أعمال الجوارح من الإيمان، فيلزمك أحد أمرين لا ثالث لهما، إمّا أنّك تقول بهذا القول وهو قول المرجئة الصارخ أو أنّك رجل متناقض لا تعقل ما يخرج من رأسك جاهل بالمسائل العلمية، لا ثالث لهما، لأنّ الكلّ علم أنّ الإيمان والكفر ضدان والتزموا بهذه اللوازم حتى جئت أنت وتخبطت وأتيت بأقوال مشرقاً ومغرباً، فإذا فهمنا هذا فهمنا التخبطات التي تحصل عند بعض المتعالمين في زمننا هذا، يأتي ويقول لك الإيمان اعتقاد وقول وعمل، تفرح، جزاك الله خيراً، ما شاء الله هذا الرجل من أهل السنة، ما شاء الله، وعندما يأتي يعرف لك الكفر يقول لك: الكفر هو التكذيب، وعندما أراد أن يُحسّن الوضع قليلاً فرّق بين الكافر كفراً أصلياً وبين الكافر كفراً مرتداً بذلك، فقال الكفر الأصلي هو أنواع كما يقسّمه أهل السنة، كفر شك، كفر تكذيب، كفر جحود، كفر استكبار ... الخ، لكن كفر الرّدّة هذا لا يكون إلّا بالتكذيب، فلسفة جديدة وبدعة جديدة من هذا الرجل، فلذلك وصفه أهل العلم بماذا؟ بالإرجاء وبأنه قائد المرجئة في المملكة، فهذا الآن التخبط الجديد الذي نتج عن جهل بمسائل الإيمان، لماذا؟ لأنّ الرجل ما أخذ المسائل العقائدية عن العلماء، ما درسها دراسة، إنما هي ثقافة من هنا وهناك، فلذلك وقع في هذا التخبط العجيب، المهم في الموضوع، هذه منها، الآن لمّا علمنا بهذا اللازم، إذن ننضبط فنقول: إذا اعتقدنا بأنّ الإيمان اعتقاد وقول وعمل فيكون الكفر عندنا اعتقاد وقول وعمل، من سبّ الله تبارك وتعالى؟ كَفَر، كفر عملي، من سجد للصنم؟ كفر، كفر عملي، المرجئة ماذا يقولون في مثل هذا؟ الكفر عندهم لا يكون بالعمل، يقولون لمّا حكم الشارع عليه بأنّه كفر علمنا بذلك أنّه دليل على الكفر الذي في القلب، الكفر عندهم لا يكون إلّا بالتكذيب، فبناء على ذلك الأعمال لا تكون كفراً، طيب، أشكل عليهم الأمر، كيف وقد حكم الله على مثل هذه الأفعال بأنّها كفر، قالوا: هو دليل على الكفر الذي في القلب لذلك سُمي كفراً، تحريف، لف ودوران، فهذا ضابطهم في الكلام فيأتي ويقول لك هذا ليس بكفر بل هو دليل على الكفر، لماذا؟ لأنّه يلتزم بهذا، ونحن مشكلتنا اليوم مع المتناقضين، لأنّ دعوة أهل السنة بحمد الله قوية لها شوكتها فلذلك يتلبس بها من ليس من أهلها ومن وجدت في قلوبهم عقيدة أهل البدع فخافوا أن يُصرحوا بهذا فأخذوا يذكرون ما يستنكره صغار أهل السنة قبل كبارهم، يذكرونه بناء على السنة، لكن بعد ذلك يذكرون اللوازم التي في نفوسهم، فنحن نَحذر من هذه المسألة.
قال المؤلف: "وَأَنَّ الإيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ‏".
هذه قد ذكرنا دليلها.
"وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ"، أي: مع قولهم أنّ الإيمان قول وعمل.
"لا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ؛ كَمَا يَفْعَلُهُ الْخَوَارَجُ".
هذا فارق هنا، لماذا قال: "وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لا يُكَفِّرُونَ"؟ لأنّه وإن التقى الخوارج معهم في تعريف الإيمان إلّا أنّهم يختلفون معهم في هذه المسألة، وهي: التكفير بالكبيرة، الخوارج يُكفّرون بالكبيرة، أهل السنة وإن أدخلوا الأعمال في الإيمان إلّا أنّهم لا يُكفّرون صاحب الكبيرة، ومقالة ابن تيمية رحمه الله هنا دقيقة، أدقّ من مقالة صاحب الطحاوية عندما قال: ولا يُكفّرون بذنب مالم يستحله، العبارة هنا هي الدقيقة، قال: "لا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ"، أي: لا يُكفّرون بأي معصية أو أي كبيرة، فمن المعاصي ما هي كفر، ومن الكبائر ما هو كفر، فيُكفّرون به، فيُكفّرون من حكم عليه الشارع بالكفر، ومن لم يحكم عليه بالكفر فلا يُكفّرونه، فمرتكب الزنى أو الرّبا أو غيرها من المعاصي مثل هذا لا يُكفّرونه، مرتكب لكبيرة، والخوارج يُكفّرونه، "لا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ": يعني المسلمين الذين يشهدون الشهادتين ويستقبلون قبلة المسلمين، لا يُكفّرونهم بأي معصية أو أي كبيرة، "كَمَا يَفْعَلُهُ الْخَوَارَجُ"، الخوارج يُكفّرون بأي كبيرة.
"بَلِ الأُخُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ الْمَعَاصِي"؛ يعني صاحب المعصية هو أخ للمؤمن وإن ارتكب معصيته فهو مؤمن مثله، لكن الفرق بينهما في الزيادة والنقصان، لكن أصل الإيمان ثابت في الاثنين.
"كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ".
آية القصاص، القاتل إذا قَتَل فهو مرتكب لكبيرة، صاحب الدم إذا عَفى عن الدّم الذي له، عَفَى عن القاتل، قال: ، فسمّى صاحب الدّم والقاتل إخوة، أثبت لهم الأُخوة، أيّ أُخوة هنا؟ الأخوة الدينية، ليس عندنا في الإسلام إلّا أخوة واحدة هي: أخوة الدين التي يُعقد عليها الولاء والبراء، غير هذا ما عندنا لا وطنية ولا حزبية ولا غير ذلك، نوالي ونعادي على ماذا؟ على الدّين، ، أي: أخيه المؤمن، فلمّا أثبت لهما الأخوة الإيمانية دلّ على أنّ مرتكب الكبيرة ليس بكافر.
"وَقَالَ:ﮟﮠﮭﮮﯕﯖﯡﯢ".
فسمّاهم كلّهم إخوة بالإيمان، ، المتقاتلان، "إذا التقى المسلمان بسيّفيّهما فالقاتل والمقتول في النّار"، فقد ارتكبا كبيرة من الكبائر، لكن مع ذلك أثبت الله تبارك وتعالى لهما الإيمان، إذن فمرتكب الكبيرة مؤمن وليس بكافر، الكبيرة التي لم يثبت بالشرع أنّها كفر.
قال: "ولاَ يَسْلُبُونَ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ اسْمِ الإيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ".
يعني أنّ الفاسق الملّي، الفسق هو: الخروج في أصله، والفاسق في الشرع هو مرتكب الكبيرة أو المصرّ على الصغيرة، هذا الفاسق الملي، أي: الذي هو من ملّة أهل الإسلام فهو فاسق ملّي، يعني من ملّة الإسلام، ولكنّه مرتكب لذنب فَسَقَ به، لا يسلبونه الإسلام بالكلية، يعني: لا يقولون هو كافر، لا يُكفّرونه بما فعل من معصية وذنب، لا يَكفر به.
"وَلاَ يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّار".
فلا يقولون هو كافر ولا يقولون هو مخلد في النّار ، الذين يقولون هو كافر: الخوارج، الذين يقولون هو مخلد في النّار: الخوارج والمعتزلة، المعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، بين الإيمان والكفر، أثبتوا منزلة وسطى ليست في الشرع، ويقولون: هو في الآخرة مخلد في نار جهنم، يعني في النهاية وافقوا الخوارج، أمّا أهل السنة فيقولون: هو فاسق بذنبه –بكبيرته- مؤمن بإيمانه، فيُسمّونه فاسقاً لا يسمونه كافراً.
"وَلاَ يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّار كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ‏.‏ والخوارج أيضاً، ‏بَلِ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإيمَان المطلق".
هنا الإيمان المطلق ليست على المعنى الاصطلاحي المعروف، إذا قلت الإيمان المطلق فالمراد منه الإيمان الكامل وإذا قلت مطلق الإيمان المراد أصل الإيمان، فهنا ليس على هذا الاصطلاح، أطلق المؤلف هذه الكلمة ليس على هذا الاصطلاح، الفاسق يدخل في اسم مطلق الإيمان يدخل في اسم أصل الإيمان، عند إطلاقك للاسم تقول المؤمنون يدخل الفاسق في ضمن هذا، إذا أطلقت الاسم، هذا معنى كلامه.
"كَمَا فِي قَوْلِهِ‏:‏ ".
الآن يدخل الفاسق وإلّا ما يدخل؟ يدخل لأنّه أطلق اسم الإيمان، التمثيل هذا فسر كلام المؤلف الذي يريده منه، يريد من ذلك أنّك إذا أطلقت اسم الإيمان يدخل فيه الفاسق ويدخل فيه كامل الإيمان.
"وَقَدْ لاَ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإِيمَانِ الْمُطْلَقِ".
"كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ".
إنّما المؤمنون: الآن هنا أطلق الإيمان، دخل فيه الفاسق وإلّا لا؟ ما دخل، الفاسق هنا لا يدخل، قال: ، هذا الوصف هو وصف المؤمنين كاملي الإيمان، وليس المؤمن الفاسق داخلاً في مثل هذا، لذلك قال: "وَقَدْ لاَ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإِيمَانِ الْمُطْلَقِ"، يعني: إذا أُطلق اسم الإيمان تارة يدخل الفاسق وتارة لا يدخل.
"وَقَوْلُه صلى الله عليه وسلم: "‏لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ"".
هنا ما المقصود من هذا -الإيمان الكامل-؟ من عنده إيمان كامل لا يزني حين يزني وهو مؤمن، وهنا الآن أطلق الإيمان ولا يدخل فيه الفاسق.
"وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ".
كذلك لا يكون مؤمناً كامل الإيمان ويذهب يسرق، يسرق عندما يكون ناقص الإيمان، كذلك الزاني يزني عندما يكون ناقص الإيمان، لمّا يكون كامل الإيمان لا يزني.
"وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ"، كذلك.
"وَلاَ يَنْتَهِبُ نَهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ"".
كذلك النهبة، النهبة: المقصود بها أخذ المال على وجه الغنيمة، تأخذ المال كأنّك غنمته، هذا نهب، أخذٌ للمال من غير وجه حقٍّ، هذا نهب ومحرم فلا يفعله المؤمن في حال كمال الإيمان عنده وإنّما يفعله وهو ناقص الإيمان.
"وَيَقُولُونَ: هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الإِيمَانِ، أَوْ: مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ، فَلاَ يُعْطَى الاسْمَ الْمُطْلَقَ".
هؤلاء من؟ أهل السنة، لا يعطونه الاسم المطلق، يعني: الاسم الكامل، فلا يقولون: هو مؤمن كامل الإيمان، لكنّه مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
"وَلاَ يُسْلَبُ مُطْلَقَ الاسْمِ‏".
مطلق الاسم يعني: أصل الاسم، يعني: لا يُنفى عنه الإيمان، يسلب أصل الاسم تماماً، لا ينفى عنه الإيمان، يبقى الإيمان موجوداً ولكنّه ناقص الإيمان، هذه عقيدة أهل السنة في مرتكب الكبيرة، أمّا المرجئة فيقولون: هو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان جبريل وكإيمان أبي بكر وعمر، وأمّا الخوارج فيكفرونه، وأهل السنّة وسط بين الطرفين.
قال المؤلف رحمه الله: "فَصْلٌ ‏:‏ وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ سَلاَمَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ لأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم".
هذا أصل عظيم عند أهل السنة والجماعة وهو سلامة قلوبهم، أي: أنّهم يحبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويترضون عنهم ويتولونهم، هذا معنى سلامة قلوبهم لهم، وسلامة ألسنتهم لا يذكرونهم إلّا بخير، ويثنون عليهم.
"لأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم".
الصحابي هو: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك، هؤلاء هم الصحابة، ونحن نَعرِف لهم فضلهم ونعرف لهم مكانتهم لكثرة الأدلة التي وردت في ذلك، منها قوله تبارك وتعالى: ، ومنها قوله تعالى: ، وقال: ، وقال: ﭿ، وقال: ﯿ، والآيات في هذا المعنى كثيرة، والسنن عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍّ ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه"، وقال: "إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا"، هذا كلّه يدلّنا على فضل الصحابة وعلى مكانتهم، من أين حصل الصحابة على هذه الفضيلة وعلى هذه المكانة؟ من نصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن نصرتهم للإسلام، يعني الوقت الذي نصروا فيه الإسلام يختلف عن وقتنا اليوم مثلاً، فنصرتك أنت تختلف عن نصرة الصحابة رضي الله عنهم، في وقت كان الدين في بدايته وكانت الدعوة في أولها، وقد تنكّب لها الكثيرون وقد أدار ظهورهم لها كثيرون أيضاً، هم ضحوا بالغالي والنفيس، ضحوا بأَنفس ما يملكون من أجل حمل راية لا إله إلا الله ومن أجل الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم فحصلوا على المكانة التي حصلوا عليها، لاحظ الحديث الذي ذكرناه: "لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍّ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه"، لماذا؟ لأنّ نفقة الواحد منهم، هذا المُدّ الذي كان في وقتٍ وزمنٍ الحاجة إليه أشدّ وأكبر من إنفاقك لجبل من الذهب، فالمسلمون كانوا يحتاجون لمثل هذه النفقات ويحتاجون للأسلحة يحتاجون للطعام للشراب، فكان الواحد منهم إذا أنفق كانت نفقته أعظم من نفقة من بعدهم، لذلك الصحابة نالوا هذا الشرف العظيم الذي نالوه.

قال المؤلف: "كَمَا وَصَفَهُمُ اللهُ بِهِ فِي قَوْلــــِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏".
هكذا ينبغي أن يكون: المؤمن ، فيدعون لهم بالمغفرة، ، فيدعون الله سبحانه وتعالى أن يُحبّب أولئك القوم إلى قلوبهم وأن لا يكون في قلوبهم غلٌّ عليهم، ، إذن: هذه هي العقيدة التي يجب أن يحملها المسلم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خالف في ذلك الخوارج والرافضة، فالخوارج قالوا: بتكفير الصحابة، والروافض كذلك كفّروا أكثر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بضعة عشر فقط نجوّهم من الكفر، والباقي كلّهم عندهم كفّار، وهذا ما مرادهم من وراءه؟ مرادهم من وراءه هدم الشريعة، لأنّهم ما يستطيعون أن يأتوا للناس مباشرة ويقولون لهم: القرآن مُحرّف، السنة خطأ، لا، لأنّ الناس مباشرة ستدور عليهم، لكن أرادوا أن يهدموا الواسطة بيننا وبين القرآن والسنة، الذين أوصلوا لنا القرآن والسنة وهم الصحابة، فإذا كفّروهم انتهى كلّ شيء، لذلك هم يقولون بتحريف القرآن، لماذا؟ يقولون: لأنّ الذين نقلوا القرآن هم الصحابة، فتلاعب الصحابة بالقرآن، هكذا يقولون، لأنّ هذا الذي يريدونه أصلاً، هذا الذي خططوا له من البداية، فقالوا: هو مُحرّف، السنة من نقلها؟ الصحابة، إذن: الصحابة كفّار يلعبون بالسنة كما يشاؤون، إذن: انتهى ما فيه دين، أين الدين؟ الدين الذي جاء به آل البيت، ما هو الدين الذي جاء به آل البيت؟ أكاذيب خرقوها من رؤوسهم ووضعوها، ما فيه شيء يثبت عن آل البيت، من الذي عندهم وليس عند أهل السنة شيء، الذي ثبت عن آل البيت موجود عند أهل السنة، هذه هي عقيدتهم وهذا هو دينهم، اليوم كما ذكرنا مصيبتنا في التناقض، نفس ما ذكرنا في الإيمان نذكر في الصحابة الآن، الآن تجد شخصاً يأتيك يقول لك ما عقيدتك في الصحابة؟ عقيدتنا في الصحابة نحبهم ونتولاهم وألسنتنا تكون سليمة عليهم وندعو لهم .. الخ، ثم تجده في مجالسه الأخرى يقول لك الصحابة أصابتهم غثائية، غثاء، يعني لا خير فيهم، ما معنى غثاء؟ غثاء مثل هذا الزبد الذي يخرج عند تلاطم المياه، شيء ليس من وراءه منفعة، ليس من وراءه فائدة، وآخر يقول لك: الصحابة أصابهم عُجب، يُخطب بها على المنابر هنا، من أتباع الحلبي، الصحابة أصابهم عُجب، الله المستعان، ويقول لك: نحن نحترم الصحابة، في زمن قد عظمت فيه الفتنة من قبل أعداء الصحابة، يعني: حتى لو كنا نريد أن نتساهل مع البعض حصل منا تقصير وتساهلنا مع هؤلاء القوم في بعض الأزمنة، في زماننا لا يجوز التسامح معهم لأنّ الفتنة قد عظُمت في هذه المسألة بالذات، منذ متى كنا نسمع العامة يأتيك ويتكلم في معاوية ويسبّ معاوية ويلعن معاوية ويلعن أبا سفيان وهند، منذ متى؟ ما سمعنا إلّا في زماننا هذا، لماذا؟ لأنّ فتنة الرافضة قد اشتدت وعظُمت وانتشر مذهبهم، فصاروا يُلَبِّسون على الناس، فيأتي أمثال هؤلاء ممن يَدّعون السنة ومحبة السنّة وحمل عقيدة السنّة ويتكلمون بمثل هذا الكلام الباطل.
قال: "وَطَاعَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: "لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي".
إذن هم يعتقدون أنّ وجوب هذا الأمر ويطيعون النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وأنّهم لا يسبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقول لك غثائية ليست سباً، يا أخي لو جاءك شخص وقال لك: أنت غثائي تفرح؟ تضحك له، لو جاءك وقال لك: أنت رجل مليء بالعُجب، وأصابك العُجب تضحك له، ما تقول له: لماذا تتكلم فيِّ وتطعن فيِّ؟ تتكلم فيهم بما هو أقل من هذا ويقوم ويحتج ويرعد ويزبد ويقول لك غثائية وعُجب وليست فيه سباً.
"فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهُ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ".‏
"وَيَقْبَلُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسَّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ‏"، يُسلّمون بهذا كلّه.
"وَيُفَضِّلُونَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَهُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَاتَلَ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلَ".‏
ﯿ، ما المقصود بالفتح؟ بعضهم قال: المقصود بالفتح فتح مكة، والبعض قالوا: لا، الفتح هو صلح الحديبية، لأنّه كان هو بداية الفتح حقيقة، وهو الذي يذهب إليه المؤلف رحمه الله فقال:
"وَيُفَضِّلُونَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَهُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَاتَلَ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلَ".‏
يعني: من أنفق وقاتل قبل صلح الحديبية أفضل عندهم ممن أنفق وقاتل من بعد صلح الحديبية، الآن هو في صدد الحديث عن التفضيل بين الصحابة، كلّ الصحابة أصحاب فضل وكلّ الصحابة عدول وكلّ الصحابة نحبهم ونتولاهم، لكن هل يتفاضلون في المرتبة، مرتبة الفضل؟ نعم، فمن أفضل ممن؟ يجيبك يقول لك: يُفضلون من أنفق من قبل الفتح وقاتل على من أنفق من بعد الفتح وقاتل استدلالا بالآية التي ذكرناها.
قال: "وَيُقَدِّمُونَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الأَنْصَارِ‏".
مَنِ المهاجرون؟ هم الذين هاجروا إلى المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة، لأنّ الهجرة بعد فتح مكة انتهت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، فمن هاجر قبل الفتح فهؤلاء هم المهاجرون، هاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، الأنصار هم الذين هاجر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ونصروه، هؤلاء هم الأنصار، فيُقدّمون المهاجرين على الأنصار.
"وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ قَالَ لأَهْلِ بَدْرٍ وَكَانُوا ثَلاثَ مِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَر:‏ "‏اعْمَلُوا مَا شِئْتُم‏ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ".
من أين جاءت لأهل بدر هذه الفضيلة؟ هذا حديث معروف في الصحيحين، لمّا عَمِل أحد الصحابة ذنباً واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل هذا الرجل قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعه لعلّ الله اطلع إلى أهل بدر فقال: "اعْمَلُوا مَا شِئْتُم‏‏ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"، إذن: أهل بدر مغفور لهم، أمرٌ مسلمٌ بنصِّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، بماذا نالوا هذا الشرف وهذه المغفرة، بنصرتهم للإسلام وللرسول صلى الله عليه وسلم، في أول معركة وقعت في الإسلام -معركة بدر- وكانت فيها نكاية بالكفّار، وكانوا قلّة وصبروا وجاهدوا حتى فتح الله تبارك وتعالى عليهم.
"وَبِأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَلْ لَقَدْ رَضَيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِ ماِئَة".
أصحاب الشجرة هم أصحاب بيعة الرضوان، الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، هؤلاء جاء ذكر عددهم في حديث في الصحيحين أنّهم كانوا ألفاً وأربعمائة.
قال: "وَيَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَـــهِدَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم".
من عقيدة أهل السنة أن لا يشهدوا لأحدٍ معين بجنّةٍ ولا نار، لماذا؟ لأنّه ما ندري حقيقةَ ما مات عليه الرّجل، فالرّجل يكون عمله من عمل أهل الجنّة حتى يغلب عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النّار فيموت على ذلك، والعكس، فلذلك نحن ما ندري نتيجة هذا الرجل، نهايته على ماذا؟ لذلك لا نشهد لأحدٍ بجنّة ولا نار إلّا من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ومن هؤلاء:
"كَالْعَشَرَةِ".
العشرة المبشرون بالجنّة، وليس المعنى المبشرون بالجنّة أنّهم هم الذين بُشروا بها فقط وغيرهم لم يبشروا، لا، الذين بُشروا بالجنة كثير، لكن هؤلاء الذين جاء ذكرهم مسروداً في حديث واحد وهم:
أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، هؤلاء الخلفاء الأربعة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، هؤلاء عشرة.
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة *** وعامر فهر والزبير الممدح
جمعوا في هذا البيت.
"وَثَابِتِ بْنِ قِيْسِ بنِ شَمَّاسٍ".
هذا أحد خطباء النبي صلى الله عليه وسلم وهو من الأنصار، لمّا نزلت آية: ، جلس في بيته يبكي وظنّ أنّه المقصود بهذه الآية وأنّ عمله قد أُحبط، فلمّا سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، قال للنبي: يا رسول الله أنا في النّار، قال: "وما ذاك؟"، قال: صوتي عالٍّ ويرتفع عليك فأُحبط عملي، قال: "بل أنت في الجنّة"، فشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة.
"وَغَيْرِهِم مِّنَ الصَّحَابَةِ‏".
كالحسن والحسين اللذين قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: "سيدا شباب أهل الجنّة"، وعائشة رآها النبي صلى الله عليه وسلم، قال له جبريل بأنّها زوجتك في الدنيا وفي الآخرة، وخديجة بُشرت ببيت في الجنّة، وأبو الدحداح وبلال وعكاشة بن محصن، كثير شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنّة، فنشهد لهم بذلك، هل هؤلاء فقط الذين يُشهد لهم بالجنّة أم يُشهد أيضا بالجنّة لكلّ من أثنى عليه المؤمنون وذكروه بخير؟ المسألة محلّ خلاف، والراجح أنّه يُشهد بالجنّة أيضاً لمن شهد له المؤمنون بخير، وذلك لحديث الرجل الذي مُرَّ بجنازته فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "وجبت"، ومُرَّ بجنازة ثانية وقال: "وجبت"، قالوا: يا رسول الله وما ذلك؟ قال: "أمّا الأول فأثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنّة، وأمّا الثاني فأثنيتم عليه شراً فوجبت له النّار"، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فهنا لمّا أثنى عليه المؤمنون بخير كان من أهل الجنّة بشهادة المؤمنين، عندما يشهدون له يشهدون له بأعماله وأقواله، يشهدون عليه بهذا، لكن ليس المقصود من ذلك شهادة كلّ من هبّ ودبّ، فالناس اليوم يشهدون حتى على الكافر وتجدهم يثنون عليه ثناء عطراً، لا، أهل الإيمان الذين هم أهله، الذين يعرفون كيف يُفرّقون بين الصالح والطالح.
قال: "وَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهـَا ‏:‏ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ‏.‏ وَيُثَلِّثُونَ بِعُثْمَانَ، وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ؛ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثَارُ، وَكَمَا أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانُ فِي الْبَيْعَةِ‏".
هنا الآن التقديم ما بين الخلفاء الأربعة، تقديمهم في الخلافة كتقديمهم في الفضل، أفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ، هم في الفضل كذلك وفي الخلافة عندما تولوا تولوا بهذا الترتيب، والدليل على الفضل ما ذكره ابن عمر في حديثه، قال: كنا نقول في عهد النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل هذه الأمّة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت"، واتفق العلماء على أنّ عليّاً هو رابعهم، وفي الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ"، وكانت مدّة هذه الخلافة أربعين سنة كما جاء في حديث سفينة، فأبو بكر ثم عمر ثم عثمان ورابعهم عليّ كما دلّت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، فعثمان مقدم على عليّ في الفضل وفي الخلافة أيضاً.
"مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ـ رَضَيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ‏؟".
يعني: عثمان أم علي؟ "فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ‏".
يعني في التفضيل، هنا الآن الكلام في ماذا؟ في التفضيل.
"فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ‏"،من أهل السنة.
"وَسَكَتُوا، أَوْ رَبَّعُوا بِعَلِيٍّ، وَقَدَّم قَوْمٌ عَلِيًّا، وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا‏".
في المقارنة بين عثمان وعليّ في التفضيل، لكن طبعاً هؤلاء مخطئون والصواب مع من قدّم عثمان على عليّ بنص الحديث الذي ذكره ابن عمر.
قال: "لَكِنِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ، ثُمَّ عَلِيٍّ‏".
وإن كان حصل خلاف ولكن هذا الخلاف قديم وانتهى.
"وَإِنْ كَانَتْ هَذِه الْمَسْأَلَةُ، مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، لَيْسَتْ مِنَ الأُصُولِ الَّتِي يُضَلَّلُ الْمُخَالِفُ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ،‏ لَكِنِ المسألة الَّتِي يُضَلَّلُ فِيهَا‏:‏ مَسْأَلَةُ الْخِلاَفَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أَبُو بَكْرٍ، ثم عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ،‏ وَمَنْ طَعَنَ فِي خِلاَفَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلاءِ الأئمة؛ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ‏".
إذن الإجماع منعقد على تقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ في الخلافة، ومن خالف في ذلك فهو أضل من حمار أهله، كما قال المؤلف رحمه الله، الحمار يفهم شيء؟ ما يفهم شيء، هذا أضل منه، أمّا مسألة التفضيل بين عثمان وعلي، فقال: لمّا حصل خلاف بين بعض أهل السنة من المتقدمين، قال: هذه المسألة لا يضلل فيها، إذن أفادنا فائدة هنا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنّ من المسائل ما يضلل بها ومن المسائل ما لا يضلل به، كيف نعرف ذلك؟ نعرفه من خلال الأدلة ومن خلال ما كان عليه السلف رضي الله عنهم، فما حصل فيه إجماع من السلف فمن خالفه يضلل به وما كانت أدلته محكمة معمول بها عند السلف ولم يُخالف في العمل بها أحد من السلف وخالف فيها أحد يضلل بذلك، كما قال نُعيم بن حماد: "من ترك حديثاً معروفاً ولم يعمل به وأراد له علّة فهو مبتدع"، حديث واحد، لا يأتينا شخص يقول لنا: والله الواحد ما يخرج من السلفية بمسألة أو مسألتين أو ثلاث او أربع، طيب، عدّ، كم تقدر تصل؟ خمسة عشرة، عشرين، تقول لي: سبعة، طيب، ما هو الدليل على الستة والثمانية، ما هو الدليل على أنّ صاحب الستة والسبعة لا يخرج وصاحب الثمانية يخرج؟ من أين تأتي بهذه التفصيلات، هذا ما كان عليه السلف رضي الله عنهم، هذا كلام السلف واضح، ولإسحاق بن راهوية كلمة قريبة من معنى كلام نُعيم بن حماد، هذا منهجهم، فليست المسألة تضليل عندهم خاصة بالعقيدة أو متعلقة بعدد المسائل، لا، يعني البعض الآن يقول لك: لا تضلل إلّا إذا خالف في العقيدة، طيب، يُفسد بعد ذلك في المنهج كما يشاء، الأمر واسع، سهل، خرّب الدين كما تحب، بما أنّك مسائل العقيدة ماسك فيها خلاص تمام، هذا الكلام فاسد غير صحيح.
قال: "وَيُحِبُّونَ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ".
يحبون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وآل بيته المقصود بهم أقرباءه من بني هاشم، وزوجاته أيضا يدخلن في آل البيت، لأنّ الله سبحانه وتعالى كان يتحدث عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ، بعد ذِكر نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فنساء النبي صلى الله عليه وسلم داخلات في آل بيته، فيحبّون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيذكر المؤلف الدليل على ذلك.
قال: "وَيَحْفَظُونَ فِيهِمْ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ".
لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بهم خيراً.
"حَيْثُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: "‏أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي"".
يوم غدير خم، خم: منطقة، مكان، يُنسب غدير إلى رجل يسمى خُم، فهو الآن مكان، عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في ذاك المكان ذكر هذا الحديث: "‏أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي"، فهذه وصية النبي صلى الله عليه وسلم في آل بيته، والمقصود بآل بيته هم المؤمنون وليسوا الكافرين، الكافرين هؤلاء لا نتولاهم أبداً، ولا نحبّهم، نبغضهم في الله سبحانه وتعالى، كأبي لهب وما شابه، أمّا المؤمنون فنحبهم ونتولاهم لإيمانهم ولقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم.
"وَقَالَ أَيْضًا لِلْعَبَّاسِ عَمِّه وَقَدِ اشْتَكَى إِلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ يَجْفُو بَنِي هَاشِمٍ".
يعني عندهم جفاء لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
"فَقَالَ: "‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ؛ للهِ وَلِقَرَابَتِي"".
"وَقَالَ‏ صلى الله عليه وسلم: "‏إِنَّ اللهَ اصْطَفَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ"".
أنظر إلى اصطفى .. إلى أن اصطفى النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم، فبنو هاشم هم مصطفون من غيرهم، فهم من حيث الأفضلية من آمن منهم أفضل من غيرهم، لنسبهم.
"وَيَتَوَلَّوْنَ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ".
، فهم يحبون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهن أمهاتهم ويتولونهم، والتولي بمعنى المحبّة والنصرة.
"وَيُؤْمِنُونَ بَأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الآخِرَةِ"، لأحاديث صحت في ذلك.
"خُصُوصًا خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أُمَّ أَكْثَرِ أَوْلاَدِهِ، وَأَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَاَضَدَهُ عَلَى أَمْرِه".
أول من آمن به هي خديجة، وعاضده على أمره، يعني: ساندته وأعانته على دعوته.
"وَكَانَ لَهَا مِنْهُ الْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ‏".
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبّها ولها عنده منزله عالية ومكانة سامية.
"وَالصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وسلم: "‏فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ"".
يعني: لها فضل، وهي مقدمة على بقية النساء، والثريد كان من أجوّد الأطعمة، وهو مقدم على بقية الأطعمة، واختلف العلماء في تفضيل عائشة على خديجة أو خديجة على عائشة، والصحيح التفصيل، من ناحية النصرة والمعونة كانت خديجة لها الفضل على عائشة، ومن ناحية العلم ونشره كان لعائشة فضلاً على خديجة.
"وَيَتَبَرَّؤُونَ مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ‏".
يتبرؤون من الروافض ويتبرؤون من طريقتهم، والروافض سمّوا رافضة لأنّهم رفضوا زيد بن الحسين، رفضوه لمّا كانوا قد وعدوه أن يخرجوا معه وأن يساندوه، امتحنوه بأبي بكر وعمر، فقال: هما وزيرا جدّي، فانقسم الشيعة عليه إلى قسمين، قسم هم الرافضة الذين رفضوه، وقسم هم الزيدية، نسبة إلى زيد، وهؤلاء الذين تولوه بعد أن قال ما قال، لذلك أنت الزيدية ما تجد عندهم الآن حقداً على أبي بكر وعمر بخلاف الرافضة، فأهل السنة يتبرؤون من هؤلاء القوم، وهؤلاء قد نصبوا العداء والبغض لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكفّروهم إلّا قليلاً منهم، وأمّا عائشة فرموها بالزّنا بعد أن برأها الله تبارك وتعالى منه، ومن رمى عائشة بالزّنا بعد أن برأها الله منه فقد كذّب الله في كتابه فهو كافر خارج من ملّة الإسلام بإجماع علماء الإسلام، لذلك كفّرهم العلماء بهذا، وكفّروهم بتكفيرهم للصحابة، وكفّروهم بقولهم بتحريف القرآن، فواحدة من هذه الثلاثة الإجماع منعقد على أنّ من وقع فيها فهو كافر، وهؤلاء ارتكبوا هذه الثلاثة مع ما عندهم من عبادة الحسين وعبادة عليّ واعتقادهم في الحسين مالا يجوز إلّا في الله تبارك وتعالى، أشياء كثيرة جداً، فالقوم كفّار يتزيّون بزيّ الإسلام وليسوا من الإسلام.
"وَطَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ".
يعني أهل السنة يتبرؤون من طريقة النواصب، والنواصب هؤلاء الذين نصبوا العداء لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان بعضهم من أتباع الدولة الأموية.
"وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ".
يعني من نزاع وخلاف، لا يتكلمون في هذا، يعرفون أنّ الصحابة لهم فضل ولهم مكانة وكونهم بشر يخطؤون ويصيبون فيجتهدون ويخطؤون ويصيبون، ومن أخطأ يُكفّر الله سبحانه وتعالى عنه خطأه بما له من حسنات ومن خيرات.
"وَيَقُولُونَ‏:‏ إِنَّ هَذِهِ الآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ"، يعني الآثار التي وردت أنّهم فعلوا أشياء غير مرضية.
"مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ"، وهذا هو الكثير منها، وضعه الرافضة وغيرهم.
"وَمَنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ"،يعني أصل الأثر تجده صحيحاً لكن أثرت فيه زيادة أو نقص بحيث يُصبح مذمّة.
"وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ الصريح، وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ"،الصحيح من هذه الآثار التي وردت الصحابة فيه معذورون.
"إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ"، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر".
"وَهُم مَّعَ ذَلِكَ لاَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ"، يقعون في الأخطاء يعرفون هذا.
"بَلْ تجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَةِ،‏ وَلَهُم مِّنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ ـ إِنْ صَدَرَ ـ".
يعني هذه الذنوب وإن وجدت منهم فهي مغفورة بما لهم من الخيرات والحسنات، .
"حَتَّى إنَّهُمْ يُغْفَرُ لَهُم مِّنَ السَّيِّئَاتِ مَا لاَ يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ"، كما حصل لأهل بدر .
"لأَنَّ لَهُم مِّنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ،‏ وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ".
كما قال صلى الله عليه وسلم: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، وفي رواية: "خير القرون"، وهي تحتاج إلى نظر في صحتها، المهم الحديث في الصحيحين: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم..".
قال: "وَأَنَّ الْمُدَّ مِنْ أَحَدِهِمْ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّن بَعْدَهُمْ،‏ ثُمَّ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ؛ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ، أَوْ أَتَى بَحَسَنَاتٍ تَمْحُوهُ، أَو غُفِرَ لَهُ؛ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ"، فهو على خير على كلّ حال.
"أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ الَّذِين هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ، أَوْ ابْتُلِيَ بِبَلاَءٍ فِي الدُّنْيَا كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ‏"، يعني هذه كلّها أسباب لتكفير الذنب.
"فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ؛ فَكَيْفَ بالأُمُورُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا مُجْتَهِدِينَ‏:‏ إنْ أَصَابُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَالْخَطَأُ مغْفُورٌ".
يعني الأشياء التي صحّت وتُنكر عليهم أو يُنكَر فعلهم لها قليلة جداً، فهي مغمورة في فضائلهم وحسناتهم.
"ثُمَّ إِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ قَلِيلٌ نَزْرٌ مَغْمورٌ فِي جَنْبِ فَضَائِلِ الْقَوْمِ وَمَحَاسِنِهِمْ؛ مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ، وَرَسُولِهِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ‏.‏ وَمَن نَّظَرَ فِي سِيرَةِ الْقَوْمِ بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، وَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم بِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ؛ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خِيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ؛ لاَ كَانَ وَلا يَكُونُ مِثْلُهُمْ، وَأَنَّهُمُ الصَّفْوَةُ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ".
والله أعلم.
ونكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-06-2014, 07:42   #17
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس السابع عشر والأخير من شرح العقيدة الواسطية

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله: "وَمِنْ أُصًولِ أَهْلِ السُّنَّةِ‏ والجماعة:‏ التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتَ الأَوْلِيَاءِ وَمَا يُجْرِي اللهُ عَلَى أَيْدِيهِم مِّنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ فِي أَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَالْمُكَاشَفَاتِ وَأَنْوَاعِ الْقُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرَاتِ".
من أصول أهل السنة والجماعة التي يؤمنون بها ويعتقدونها التصديق بكرامات الأولياء.
الكرامة: هي أمرٌ خارق للعادة يجريه الله تعالى على يدّ وليّ من أوليائه، هذا تعريف الكرامة.
وأمّا الوليّ فقد عرّفه ربنا تبارك وتعالى في قوله: ، إذن: الوليّ هو الذي يؤمن بالله تبارك وتعالى ويتق الله، وهذا يكون مطيعاً لله تبارك وتعالى، كيف تكون التقوى؟ بفعل ما أمر الله تبارك وتعالى به واجتناب ما نهى الله تبارك وتعالى عنه، فإذا كان المرء كذلك كان ولياً لله تبارك وتعالى، وهذا يكون بفعل الواجبات وفعل المستحبات أيضاً، ولايزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فكثرة النوافل تُقرّب العبد إلى الله تبارك وتعالى وتُصيّره ولياً من أولياء الله تبارك وتعالى، فمن يتق الله تبارك وتعالى ويكون مؤمناً يكون وليّاً لله تبارك وتعالى، هؤلاء الأولياء لهم كرامات، يمنّ الله تبارك وتعالى عليهم ببعض الأفعال أو الأشياء التي تُعتبر خارقة للعادة المعروفة كوناً، يعني مثلاً الآن البحر لا يستطيع أحد من الناس أن يمشي على الماء ولكن العلاء بن الحضرمي مشى على الماء بجنده وهذه كرامة من الله تبارك وتعالى للعلاء بن الحضرمي، وهي خارقة للعادة الكونية، فالعادة الكونية أنّ الناس لا يستطيعون المشي على الماء، وكذلك من العادة أنّ الناس إذا خرجوا في ظلمة وليس معهم نور يبقون في الظلمة ولا يرون شيئاً، ولكن اثنان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانا عنده في البيت وعندما انتهوا من مسامرة النبي صلى الله عليه وسلم خرجا في ظلمة دامسة، فذهبا ليرجعا إلى بيوتهما وهما في الطريق أضاءت عصا كلّ واحد منهما، أضاءت عصا واحدة في البداية ثم لمّا تفرقا أضاءت عصا الآخر، والحديث هذا موجود في صحيح البخاري، وهذه كرامة من كرامات الأولياء، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذه الكرامات لورود الأدلة الشرعية في ذلك، والأدلة كثيرة، ذكر المؤلف منها شيئاً وستأتي إن شاء الله، وجمع الكثير منها في كتابه اللالكائي صاحب كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، له كتاب اسمه كرامات الأولياء وقد جمع من ذلك الشيء الكثير من كرامات للأولياء مذكورة أدلتها في الكتاب وفي السنة وآثار عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعن من بعدهم من التابعين ومن اتبعهم بإحسان.
قال المؤلف: "التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتَ الأَوْلِيَاءِ وَمَا يُجْرِي اللهُ عَلَى أَيْدِيهِم مِّنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ".
خوارق العادات: أي الأشياء التي تخرج عن العادة المألوفة والمعلومة، أي: العادة الكونية.
"فِي أَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَالْمُكَاشَفَاتِ".
يعني هذه العادة التي تُخرق إمّا تكون في العلوم أو في المكاشفات فيحصل للإنسان من العلوم مالا يحصل لغيره، ويحصل له أيضاً كشف ورؤية لأشياء لا تحصل لغيره، كما حصل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما رأى جيش سارية، وقال له: يا ساريةُ الجبل: يعني عليك بالجبل، خذ الجيش إلى الجبل كي يحميهم من أذى العدو، فسمعه سارية ومال بالجيش إلى ناحية الجبل، هذه مكاشفة، كشف الله تبارك وتعالى لعمر عن حال ذاك الجيش فصرف عمر لسارية، يا ساريةُ الجبل.
"وَأَنْوَاعِ الْقُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرَاتِ".
يعني أيضاً الكرامة تكون في القدرة على الشيء والتأثير فيه كما وقع لمريم أمّ عيسى عندما أنجبت هزّت بجذع النّخل وتساقط الرّطب عليها، هذه كرامة من كراماتها، يعني: المرأة التي تكون في المخاض أو أنجبت حديثاً تكون في حالة من الضعف شديدة، مع ضعف المرأة أساساً وهي في هذه الحال تكون أشد ضَعفاً، ومع ذلك قال الله تبارك وتعالى لها: ﯿ، فالهزّ بجذع النخلة هذا بالنسبة لها هي كرامة من كراماتها لأنّ هذا الهزّ حقيقة لا يُؤثر شيئاً بسبب ضَعفها ولكن كرامة من الله تبارك وتعالى.
قال المؤلف رحمه الله: "كالْمَأْثُورِ عَنْ سَالِفِ الأُمَمِ"، يعني كما ورد عن سالف الأمم.
"فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَغَيْرِهَا"،أصحاب الكهف وما حصل معهم، هذه أيضا من الأمور الخارقة للعادة.
"وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ"، يعني: عن مقدمة هذه الأمّة.
"مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ قُرُونِ الأُمَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ‏".
أي: هذه الكرامات موجودة في هذه الأمّة إلى يوم القيامة، وقد ذكر اللالكائي رحمه الله في كتابه كرامات الأولياء مجموعة من الكرامات، ومما ذكر قصة مريم: ﯿ، هذه من كراماتها أنّه كان كلّما دخل عندها وجد رزقاً من الله سبحانه وتعالى ومن غير كسب، قال ابن عباس رضي الله عنه: وجد عندها الفاكهة الغضّة حين لا توجد الفاكهة عند أحد، فكان زكرياء يقول: ، وذكر صوراً كثيرة في كتابه ذاك من أراد ان يتوسع يراجعه.
والذين أنكروا الكرامات وخالفوا هذا الأصل من أهل البدع هم: المعتزلة ووافقهم ابن حزم، المعتزلة قالوا: لا تُخرق العادة لأحدٍ إلّا لنبيّ وكذّبوا بما يُذكر من خوارق السحرة والكهّان وبكرامات الصالحين، وحجّتهم العقل، وهذه أمور بما أنّها ثبتت واقعياً وثبتت بأدلة الكتاب والسنّة فلا يُرجع إلى مسائل العقل، والعقل لو أخذت تُشاد وتخاطب شخص بالمسائل العقلية ما تذكر له شيئاً إلّا وهو يرد عليك شيئاً آخر وتذكر شيء آخر هو يرد عليك بشيء ثالث ولا ننتهي، فالقضية مخاطبتهم تكون بالكتاب والسنة وبالواقع الملموس، فنحن عندنا قرآن وعندنا سنة وعندنا واقع ملموس في ذلك، فلا يُنكر مثل هذا الأمر، وخالفت أيضاً في ذلك الصوفية فغلت في مسألة كرامات الأولياء، غلوا في ذلك حتى صاروا يعدّون أفعال أولياء الشياطين من الكرامات، ونحن لا بدّ أن نُفرّق بين خارق العادة الذي يكون على يد ولي الشيطان وخارق العادة الذي يكون على يد ولي الرحمن، وذلك بأن تنظر إلى أفعال الذي صدرت منه هذه الخوارق، فإن وجدته على الكتاب والسنة فاعلم أنّها كرامة، ثم إن صاحب الكرامة من أولياء الرحمن لا يستغل هذه الكرامة لإخضاع الناس له واعتقادهم فيه، بل هو يمنعهم من ذلك ويحثّهم على اتباع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمّا الخوارق التي تحصل على يد أولياء الشياطين فهؤلاء يكونون بعيدين جداً عن كتاب الله وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستغلون هذه الكرامات في إخضاع الناس له وطاعتهم لهم، هذا الفرق بين هؤلاء وهؤلاء.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "فَصْلٌ‏:‏ ثُمَّ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اتِّبَاعُ آثَارِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَاطِنًا وَظَاهِرًا".
هذا منهجهم، منهج أهل السنة والجماعة هو اتباع طريق النبي صلى الله عليه وسلم لايحيدون عنه يمنة ولا يسرة، سواءً كانت في الأعمال الظاهرة كالصلاة والصيام وما شابه أو الأعمال الباطنة كأعمال القلوب، الخوف والرجاء والحب والتعظيم .. الخ، كلّ هذا هم فيه متّبعون لآثار النبي صلى الله عليه وسلم، يحرصون على معرفة السنّة، على تعلمها وعلى معرفة الصحيح من الضعيف منها، وعلى العمل بها واتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به.
"وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ".
القضية عند أهل السنة والجماعة قضية اتباع وليست قضية ابتداع، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"، عندما نأتي ونريد أن نعتقد في مسألة الأسماء والصفات نجد أنّ السلف رضي الله عنهم يثبتون لله تبارك وتعالى ما أثبت لنفسه من أسماء وصفات في الكتاب أو في السنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تمثيل ولا تعطيل، فنحن نتبعهم في ذلك، ولا نخالف، لا يأتيني شخص يقول: والله أنا أثبت هذه الصفة وأنفي هذه الصفة بناء على اجتهاد من عندي، لامجال للاجتهاد، هنا انتهينا، الأمور قد بُيّنت والحقّ قد ظهر فلا داعي لإعمال جهدك في هذا الأمر فقد كُفيت، كفاك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيانَ الحقِّ من الباطلِ وأظهروا لك الأمور فلِمَا تدخل نفسك في أمور ليست مطلوبة منك، فما عليك إلّا اتباع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أصحابه الكرام، قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ، إذن: القضية قضية اتباع، ما معنى الاتباع؟ هم مشوا في طريق تمشي خلفهم، هذا معنى الاتباع، فإذا قالوا قولاً قلنا به، إذا فعلوا فعلاً فعلنا به، هذا معنى الاتباع، "وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ"،للآية التي ذكرنا، فالمسألة مسألة اتباع، آية معنا في ذلك وأيضا معنا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه عليه الصلاة والسلام: "عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ"، وعندنا أيضا في ذلك حديث آخر قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النّار إلّا واحدة"، قالوا: من هي يا رسول الله؟، قال: "الجماعة"، وفي رواية: "ما أنا عليه وأصحابي"، وجاء أثر عن ابن مسعود كما ذكرنا: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"، وكما جاء عن أكثر من واحد من السلف قالوا: "اتبعوا آثار من سلف"، وهذا كثير في كتب أهل السنة والجماعة كشرح أصول السنة للالكائي وكشرح السنة للبربهاري وكالشريعة للآجري وكالإبانة لابن بطة وكأصول السنة للإمام أحمد وغيرها من كتب السنة، كثيرة، فيها من مثل هذا الكلام.
قال: "وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ".
المهاجرين والأنصار: الصحابة المهاجرون: الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهاجروا من بلدانهم إلى المدينة، والأنصار هم: الذين نصروا النبي صلى اله عليه وسلم وآزروه.
"وَاتِّبَاعُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَيثُ قَالَ‏:‏ "‏عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي".
أي: الزموا سنتي، الزموا طريقتي، الزموا ديني، الزموا هديي الذي أنا عليه.
"وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيْينَ مِنْ بَعْدِي"، من هم الخلفاء الراشدون؟ هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
"تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ".
هؤلاء هم الخلفاء الراشدون بدليل أنّ سفينة رضي الله عنه وهو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم روى حديثا أنّ الخلافة من بعده ثلاثون سنة، والخلافة استمرت ثلاثون سنة على عهد هؤلاء الأربعة، فهؤلاء الأربعة هم المقصودون بالخلفاء الراشدين، فحثّ النبي صلى الله عليه وسلم على اتباع سنته وسنة هؤلاء الأئمة، إذن هناك سنة لابد من اتباعها مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهي سنة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعندما لا توجد سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم نأخذ بما فعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما توجد سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ننظر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كيف فهموها وكيف عملوا بها، هكذا يكون الاقتداء في مثل هذا.
قال: "وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ‏".
أي: احذروا من محدثات الأمور، محدثات الأمور: أي المسائل المحدثة الجديدة في دين الله تبارك وتعالى التي لا يدلّ عليها دليل لا من الكتاب ولا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، هذه أمور محدثة، يعني: حصلت بعد أن لم تكن، هذه ما جاءت في كتاب الله ولا جاءت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عُرف دين على عهد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أين جاءت؟ فهي محدثة مبتدعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: "وإياكم"، هذا تحذير، "إياكم": احذروا من الوقوع في مثل هذا، ماذا نحذر؟ قال: "فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة"، وفي رواية: "وكلّ ضلالة في النّار"، أي: الضلالة وصاحب الضلالة في نار جهنم أعاذنا الله وإياكم من ذلك، هذه البدع والمنكرات، ما هي البدعة: أيُّ عبادة تتقرب بها إلى الله وليس عليها دليل من الكتاب والسنة ولم يكن عليها العمل عند السلف الصالح رضي الله عنهم فهي بدعة منكرة يجب عليك أن تحذرها وأن تبتعد عنها، هذا هو دين أهل السنة والجماعة لخّصه المؤلف في هذه الكلمات: اتباع الكتاب والسنة على منهج سلف هذه الأمة، الذين هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعهم بإحسان.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وَيَعْلَمُونَ أَنَّ أَصْدَقَ الْكَلامِ كَلامُ اللهِ".
لا شك أنّهم يعتقدون هذا اعتقاداً جازماً أنّ أصدق الكلام كلام الله تبارك وتعالى ولن تجد كلاما أصدق من كلام الله تبارك وتعالى.
"وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم".
لن تجد طريقاً يوصلك إلى الله تبارك وتعالى، يوصلك إلى الفوز بالدار الآخرة إلّا الطريق الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام بعد أن ذكر الآية: ﭿ، ثم خطّ صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً وخطّ على جنبي هذا الخط خطوطاً ثم قال: "هذا صراط الله"، أي: الصراط المستقيم، والصراط: هو الطريق، "هذا صراط الله"، وعلى جنبتيه طرق وسبل، هنا الآن قال: "صراط"، يعني: واحد، مفرد، والطرق قال: "سبل"،ﭿ، إذن: هناك طرق جاءت بصيغة الجمع، فهناك طرق مختلفة كثيرة تؤدي إلى الهاوية، والطريق الذي يوصل إلى الجنّة هو طريق واحد، طريق مستقيم لاعوجاج فيه، الطريق الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم وتلك الطرق على كلّ منها شيطان يدعو إليها، ولكلّ منها داعٍ من الدعاة يدعو إلى هذا الطريق، فدعاة الضلال كثير وكثير جداً ودعاة الحق قلّة خصوصاً في زمننا، ماذا قال صلى الله عليه وسلم؟ قال: "إنّ الله لا ينتزع العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال ولكن ينتزع العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق الله عالماً اتخذ الناس رؤوسا جهالاً فسُألوا فأفتوا فضلوا وأضلوا"، فإذن: الجهل عندما يعمّ ويطمّ يحصل الضلال والإضلال، وهذا الحديث يُبين لنا قلّة العلماء، طبعاً العلماء لا ينتهون لأنّ الذين يحملون راية الحقّ هم العلماء لا يُمكن لجاهل أن يدعوا إلى حقّ لأنه يجهل الحقّ فكيف يدعو إليه، إذن: لابد والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "لاتزال طائفة من أمتي على الحقّ ظاهرين"، إذن: لابد أن تبقى هذه البقية من العلماء لكنّهم قلّة، والذين يكثرون هم رؤوس الجهل، رؤوس الضلال، فعندما نُحذرك من زيد وعبيد وعمرو وبكر لا تقل: أكثرتم علينا من الكلام في الرجال وما أبقيتم أحداً، والفلسفة الفارغة التي نسمعها اليوم، هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، قد أخبرك أنّ هذا العصر هو عصر الجهل، العصر الذي يكثر فيه دعاة الضلال، فكيف تفعل بعد ذلك؟ وذكر لك أن سُبل الضلال كثير وعلى كلّ سبيل منها شيطان يدعوا إليها وذكر لك صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة عندما سأله عن ذاك الخير: أبعده شر؟ قال: "نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها"، هذه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، أين انت منها؟ لا تحكم على المسائل بهذه الطريقة، أنظر إلى قال الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، تَعلّم منهج السلف رضي الله عنهم ثم بعد ذلك احكم على الناس بنفسك، وانظر من سار على الطريق ومن زاغ عنها، لا تتكلم بمجرد الهوى وبمجرد الجهل، ما أبقيتم أحداً، وما بقي لنا أحد، وكلام فارغ نسمعه من هنا وهناك.
قال: "وَيُؤْثِرُونَ كَلاَمَ اللهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كَلامِ أَصْنَافِ النَّاسِ".
هذه علامتهم التي يتميزون بها، لا يُعظّمون كلام أحدٍّ من الخلق كائناً من كان إلّا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لأنّه وحي من الله تبارك وتعالى، ، إذن هو وحي من عند الله تبارك وتعالى، لذلك يُعظّمونه ولذلك يُقدّمونه على كلّ شيء، يُقدّمون كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول أيّ أحدٍّ وعلى عقل أيّ أحدٍّ، ما عندهم تقديم العقل على النقل، عندهم تقديم النقل، يُعظّمون كلام الله، يُعظّمون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتعظيمهم لربّ العزة تبارك وتعالى، ولتعظيمهم للنبي صلى الله عليه وسلم، يُعظّمون كلام الله ويُعظّمون كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فيُقدمون النقل على العقل لا العكس مع اعتقادهم أنّ النقل الصحيح لا يمكن أن يخالف العقل الصريح، لا يمكن، وهذا التناقض إن حصل إنّما يحصل مع العقول الخربة، العقول المعوجة، هذه التي يحصل معها تناقض مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومع آيات كتاب الله تبارك وتعالى، أمّا العقل الذي نظُف من الهوى وخلُص من شائبة التفكير السقيم فهذا الذي لا يتعارض مع أدلة الشرع.
قال: "وَيُقَدِّمُونَ هَدْيَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عَلَى هَدْيِ كُلِّ أَحَدٍ".‏
لا يسيرون خلف أي أحدٍّ مسيرةً عمياء كما يفعل الإخوان وكما يفعل التبليغ ويفعل غيرهم، لا، ما عندهم إمام إلّا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو الإمام المعصوم، غير هذا ما فيه إمام، ما عندهم ولاء ولا براء إلّا على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك عندهم علماء يسمعون لهم ما وافقوا الحقّ وإذا خالفوا الحقّ قالوا: أخطأتم ورددنا عليكم كلامكم، ما فيه عندهم أحد معصوم من الخطأ.
"وَلِهَذَا سُمُّوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ".
لماذا؟ لأنّهم يُقدّمون كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على كلّ شيء، يُعظّمون كتاب الله ويُعظّمون سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بعد هذا يصحّ أن تسمي أهل البدع والضلال أهل الكتاب والسنة؟ لا والله، ما يستحقون هذا، يصحّ أن تسمي الأشاعرة من أهل السنة والجماعة وهم يصرخون وينادون ليل نهار بأنّ العقل مُقدّم على النقل، لا يصحّ مثل هذا أبداً، لا يصحّ مثل هذا من إنسان منصف عالم بما يقول.
"وَسُمُّوا أَهْلَ الْجَمَاعَةِ؛ لأَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ الاِجْتِمَاعُ، وَضِدُّهَا الْفُرْقَةُ".
سمّوا أهل الجماعة لأنّهم مجتمعون لا يفترقون، لكنّهم لا يُقدّمون الاجتماع على السنّة كما يفعل أهل البدع، وكما ينادي بذلك حتى الجهال من أتباع أهل البدع، يقولون: يا شيخ لا تتكلم في الناس؟ لا تُحذّر من ضلالهم، لا تُحذّر من بدعهم؟ وأبق الدين يضيع كما يحبون هم، واتركهم ينشرون بدعهم وضلالهم كما يريدون من أجل الجمع، أي: نعمل بقاعدة نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، وهذه قاعدة فاسدة مفسدة، هذه القاعدة تأتي على كلّ أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومع ذلك عندما تأتي لأتباع هذا الرجل الذي قعّد هذه القاعدة يُقدّمونها على الكتاب والسنة، انظر هذه الحزبية الخبيثة، هؤلاء يُسمّون أهل سنة وجماعة، لا والله، لا يستحقون ذلك، فنحن ندعو إلى الجماعة، ندعوا الناس إلى أن يجتمعوا وأن يتآلفوا وأن يتحابّوا، لكن على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الاجتماع الذي ندعوا إليه، لأنّ الله سبحانه وتعالى قال: ، الاعتصام بماذا؟ بحبل الله، ما قال: اعتصموا على قواعد حسن البنا، ولا قال: اعتصموا على قواعد محمد إلياس، ولا اعتصموا على قواعد سيد قطب، قال: ، ولاتفرقوا عن ماذا؟ عن كتاب الله وعن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن خالف الحقّ وقعّد قواعد تُخالف الكتاب والسنة وأتى ببدع وضلالات تُخالف الكتاب والسنة فقد فرّق الجمع وشتت جمع المسلمين، فوجب على أهل السنة أن يُبيّنوا عواره وأن يُظهروا ما عنده من ضلال لحماية دين الله تبارك وتعالى، فلو سَكتُ أنا وسَكتَ أنت وسَكتَ الثالث فمتى يَعرف الناس المُحقَّ من المُبطل، ومتى يعرفوا الحقّ من الباطل، ومتى يعرفوا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالاجتماع مطلوب والاتلاف مطلوب، لكن على الحقّ لا على غيره ، كانت كلمة كفار قريش واحدة، كفار قريش كانت كلمتهم واحدة، كانوا مؤتلفين مجتمعين على عبادة الأوثان، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وفرَّق كلمتهم، هذا تفريق ممدوح أم مذموم؟ هذا تفريق ممدوح، لأنّ فيه دعوة إلى التوحيد، والمطلوب منهم جميعاً أن يجتمعوا على التوحيد، فلمّا خَرَج البعض عن هذه الكلمة كان هو المُفرّق لجماعة الناس التي كانوا مجتمعين عليها، فالاجتماع مطلوب ولكن على الحقّ، فإذن الدعوة إلى الحقّ والتمسك بالحقّ مُقدّم على الدعوة للاجتماع، الاجتماع مطلوب ولكن على كتاب الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن ابتدع في دين الله بدعة فقد فرّق الجماعة فوجب التحذير منه وبيان حاله وإن تعصب له من تعصب وإن انحرف معه من انحرف، فهذا ليس تفريقاً مني أنا عندما أبين الحقّ من الباطل، بل التفريق منه عندما ابتدع في دين الله بدعة خرج بها عن جماعة المسلمين، هكذا تُفهم الأمور وهكذا يُعرف الدين.
قال: "وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ قَدْ صَارَ اسْمًا لِنَفْسِ الْقَوْمِ الْمُجْتَمِعِينَ‏".
يعني نفس القوم المجتمعين صاروا أهل جماعة.
"وَالإِجِمَاعُ هُوَ الأَصْلُ الثَّالِثُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالدينِ‏".
هذا أصل عند أهل السنّة والجماعة، الكتاب والسنّة وإجماع علماء الأمّة، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، هذا الحديث فيه خلاف لكن أقوى منه حديث: "لاتزال طائفة من أمتي على الحقّ ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ومن خذلهم حتى يأتي أمر الله"، فإذن لا يمكن أن يخفى الحقّ في زمن من الأزمان، فإذا اجتمعت الأمّة على شيء فهو حقّ ولابد.
قال: "وَهُمْ يَزِنُونَ بِهَذِه الأُصُولِ الثَّلاثَةِ"، التي هي الكتاب والسنة والإجماع.
"جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ بَاطِنَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدِّينِ".‏
أيُّ مسألة لها تعلق بالدين فمقياسهم في معرفة أنّها حقٌّ أم باطل بإرجاعها وردِّها إلى الكتاب والسنّة والإجماع، أيُّ مسألة تعبدية سواءً كانت من العبادات الظاهرة أو العبادات الباطنة، العبادات القولية أو العبادات الفعلية، كلّ العبادات، مقياسهم فيها هو كتب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع سلف هذه الأمة وإجماع الأمّة.
قال: "وَالإِجْمَاعُ الَّذِي يَنْضَبِطُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ؛ إِذْ بَعْدَهُمْ كَثُرَ الاخْتِلاَفُ، وَانْتَشَرَ فِي الأُمَّةِ‏".
يعني: ما هو الإجماع الذي نستطيع أن نقف عليه وأن نعلمه، قال: هو إجماع السلف، إجماع القرون الثلاثة الأولى لأنّه كان من الممكن ضبطه، فالعلماء لم يكثروا للدرجة التي لا يمكن معها من معرفة أقوالهم، بخلاف العصور التي بعد ذلك فقد انتشر العلماء وتفرقوا في الأرض وكثروا جداً بحيث صار من العسير الوقوف على أقوالهم في المسائل، فلذلك قال: الاجماع الذي ينضبط هو إجماع السلف رضي الله عنهم.
"فَصْلٌ‏:‏ ثُمَّ هُم مَّعَ هّذِهِ الأُصُولِ".
مع هذه الأصول التي ذُكرت وهي أصول أهل السنة والجماعة التي من خالف فيها أصل منها صار مبتدعاً ضالاً مفرقاً لجماعة المسلمين.
"يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ‏".
كما أمر الله، أولاً: المعروف: كلّ ما أمر به الشرع فهو معروف، والمنكر: كلّ ما نهى عنه الشرع فهو منكر، وأدلة وجوبه: ، هذا أمرٌ من الله تبارك وتعالى، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لتأمرن بالمعروف ولتنهوّن عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم"، فهنا أمرٌ بماذا؟ أمرٌ بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف، والأدلة على ذلك كثيرة، فهذا من الأصول عند أهل السنة والجماعة، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يُبطله قاعدة: نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، فإذا عذر بعضنا بعضاً في المنكرات التي وقعنا فيها وخالفنا فيها الحقّ، أين يأتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ إذا عذر بعضنا بعضاً في ترك الواجبات التي شرعها الله، من أين يأتي الأمر بالمعروف، إذن: مثل هذه القاعدة تُعتبر مبطلة لأصلٍ من أصول أهل السنة والجماعة.
قال: "وَيَرَوْنَ إِقَامَةَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالْجُمَعِ وَالأَعْيَادِ مَعَ الأُمَرَاءِ أَبْرَارًا كَانُوا أَوْ فُجَّارًا".
لأنّ الله سبحانه وتعالى أمرنا بطاعة الأمراء، فقال: ، حتى وإن كان هؤلاء الأمراء فجرة، يعني أنّهم فساقٌ ظلمةٌ، حتى لو كانوا كذلك فواجب علينا أن نطيعهم وأن لا نخرج عن كلمتهم، لماذا؟ لأنّ الخروج على الحاكم يؤدي إلى مفاسد عظيمة ووخيمة من سفك للدماء وانتهاك للأعراض وتضييع للأموال وتشتيت للأمّة ولقوّتها وجعلها لُقمة سائغة لأعدائها، فهذه مفاسد كبيرة وعريضة، فمع وجود مفسدة ظلم الظالم من الحكام إلّا أنّها لا تعتبر شيئاً أمام تلك المفاسد التي ذكرنا، فلذلك حثّ الشارع على السمع والطاعة له في طاعة الله وعدم الخروج عليهم، ولمّا استشار الصحابة من كان هذا حاله، استشاروا النبيَّ صلى الله عليه وسلم في الخروج عليه فأمر بماذا؟ بالصبر، قال: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض"، وقال في حديث آخر: "لا، ماصلوا"، لمّا استأذنوه في الخروج عليهم، فقال: "لا، ماصلوا"، أي لا تخرجوا عليهم ما أقاموا فيكم الصلاة، وفي حديث آخر قال: "إلّا أن تروا كفراً بواحاً"، يعني: ظاهرا لا يخفى، إذن: هنا لا يجوز الخروج على الحاكم والواجب السمع والطاعة له والواجب أيضا إقامة الحجّ وإقامة الصلاة وإقامة الجهاد معه مادام أن هذا كلّه في طاعة الله تبارك وتعالى وليس في معصيته.
قال: "وَيُحَافِظُونَ عَلَى الْجَمَاعَاتِ‏".
يحافظون على إقامة الصلوات الخمس في جماعة لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، فلمّا جاءه الأعمى قال له: "أتسمع النّداء"، قال: نعم، قال: "إذن فأجب"، وكذلك توّعد الذين لا يحضرون صلاة الجماعات أن يُحرّق عليهم بيوتهم لولا الأطفال والنساء.
"وَيَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ للأُمَّةِ".
لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة"، قالوا: لمن يا رسول الله؟، قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، وما هي النصيحة؟ أن تبين الحقّ وأن توضحه وأن تبين للناس ما يصلحهم ويصلح لهم أمر دينهم، وأن تنصح للدين بأن تُبينه بحقٍّ كما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ومن النصيحة أن تُبين للناس الداعي إلى الخير والداعي إلى الشر، ومن النصيحة لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم أن تذبّ عنها وأن تدافع عنها وأن تظهرها وتنشرها بين الناس، وكذلك من النصيحة لكتاب الله أيضا تعليمه للناس وتبينه لهم وتعمل به، هذه من النصيحة لكتاب الله، ومن النصيحة للأمراء أن تنصحهم بالسر دون أن تُهيّج عليهم الناس وأن تعمل ما يعينهم على طاعة الله تبارك وتعالى.
"وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ؛ يَشُدُّ بَعْضَهُ بَعْضًا"، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ".
يعني أنّه يوالي المؤمنُ المؤمنَ ويُحبّه ويُعينه ويُساعده، قال: "المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيان"، انظر للبنيان، أنظر للحجر كيف يُرص بجانب الحجر ويُبنى بعضه على بعض، فيقوم الحجر بالحجر الآخر، فلا يقوم للجدار قائمة إلّا بمجموع الحجارة، كلّها تتكاتف وتتعاون حتى يقوم هذا الجدار، وكذلك المؤمنون يعين بعضهم بعضاً ويُساعد بعضهم بعضا ويُحب بعضهم بعضاً كما هو حال البنيان.
"وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ"، يعني وجود المودة والمحبّة بينهم.
"وَتَرَاحُمِهِمْ"، وجود الرحمة.
"وَتَعَاطُفِهِمْ"، وجود العطف.
"كَمَثَلِ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بُالْحُمَّى وَالسَّهَرِ"، أنظر إلى جسد الإنسان إذا مَرِض منه عضو من أعضائه كلّ الجسد تصيبه الحمى ويصيبه السهر، عدم القدرة على النوم، فالمؤمنون ينبغي أن يكونوا هكذا، كالجسد الواحد، يُحب بعضهم بعضاً، ويرحم بعضهم بعضاً، ويعطف بعضهم على بعض، فالحبّ والولاء يكون في الإسلام لا في غيره، الولاء والبراء في الإسلام لا في الإنسانية كما تدّعيه العلمانية، لا، الله سبحانه وتعالى لمّا خلق الإنسان ردّه إلى أسفل سافلين، ، فالإنسانية ليست بشيء، الإنسان إذا لم يكن مؤمناً مطيعاً لله تبارك وتعالى فلا قيمة له، فالمحبّة والأخوة تكون بالإيمان، ، ولم يقل: إن الناس إخوة، قال: ، فإذن الحبّ والبغض يكون في الإيمان في دين الله تبارك وتعالى.
قال: "وَيَأْمُرُونَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلاءِ".
كما جاء في كتاب الله وفي سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ، ، فهم يأمر بعضهم بعضا بالصّبر، عندما يموت شخص لآخر تأتيه وتقول له: اصبر واحتسب، تُصبّره، تأمره بالصّبر، ، يُوصي بعضهم بعضا بالصبر.
"وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ".
أي: يوصي بعضهم بعضا بالشكر عند الرخاء، أي: عند المصائب تحتاج إلى الصبر وعند الرخاء تحتاج إلى الشكر، والشكر كيف يكون؟ يكون بالعمل بطاعة الله تبارك وتعالى، فإذا رزقك الله مالاً تشكر الله سبحانه وتعالى بأن تتصدق من هذا المال وأن تنفقه في وجوه الخيرات والطاعات، هكذا يكون شكراً، ومِن شُكر الله تبارك وتعالى أن تطيعه وأن تعبده، تشكر الله على ما أعطاك من عافية ومن صحّة ومن فراغ، فتعبد الله سبحانه وتعالى وتطيعه، هكذا يكون الشكر، ، الشكر يكون بالعمل وليس فقط بالقول.
"وَالرِّضَا بِمُرِّ الْقَضَاءِ‏".
الرضا أعلى من الصّبر، الصّبر واجب عند المصائب، والرِّضا مستحب، درجة عالية رفيعة، ومُرّ القضاء هو ما لا يلائم طبيعة الإنسان، فيكون مريراً عليه، صعباً، فيرضى به ويُسلم، فيكون في المقامات العالية.
قال: "وَيَدْعُونَ إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، وَمَحَاسِنِ الأَعْمَالِ".
يدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، مكارم الأخلاق هذه الطّيب من الخُلق، وحثّ الشارع على الخلق الحسن، التخلق بالأخلاق الحسنة، الأخلاق الحميدة المحبوبة، يتخلق بها الإنسان، ومحاسن الأعمال، أي: الأعمال الحسنة، والأعمال الحسنة هذه تكون حسنة إذا كانت على وفق الكتاب والسنة وما شرع الله تبارك وتعالى.
"وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا""، هذا حثّ على محاسن الأخلاق.
"وَيَنْدُبُونَ إِلَى أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ"، أي يدعون ويحثون على صلة الرحم وإن قطعك صاحب الرحم.
"وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ"، أي من منعك.
"وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ‏"،تعفو عن الظالم الذي اعتدى عليك، لكن هذا ليس دائماً، إذا علمت أنّ الظالم هذا يعني مسترسل في ظلمه ومُكثر من ذلك وليس له رادع يردعه عندئذ لا يُستحسن منك أن تعفوا عنه، لا بد من القضاء على ظلمه، فلذلك لا تعفو عنه، بل يُعاقب علّه يرتدع، لكنّ الأصل بينك وبين المسلمين أن يكون بينكم عفو وتسامح، "ما زاد الله عبدا بعفو إلّا عزاً"، كما قال صلى الله عليه وسلم.
"وَيَأْمُرُونَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ"، كما أمر الله تبارك وتعالى، .
"وصِلَةِ الأَرْحَامِ"، أي: يأمرون أيضاً بصلة الأرحام كما دلّت على ذلك الأدلة الكثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنّة قاطع رحم".
"وَحُسْنِ الْجِوَارِ"، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لازال يوصيني جبريل بالجار حتى ظننت أنّه سيورثه".
"وَالإِحْسِانِ إلَى الْيَتَامَى"، اليتامى: جمع يتيم، واليتيم: هو الذي مات أبوه ولم يبلغ.
"وَالْمَسَاكِينِ"، المساكين إذا ذُكرت وحدها هكذا هي بمعنى الفقير، وهو الذي لا يملك كفايته.
"وَابْنِ السَّبِيلِ"، يعني: المسافر الذي انقطعت به السبل.
"وَالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ‏"، يعني: العبد الذي يُملَك، هذا يوصينا بالرفق به، وذلك بأن تُطعمه إذا طعمت وأن تكسوه إذا اكتسيت ولا تكلفه من العمل مالا يطيق كما جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
"وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْفَخْرِ، وَالْخُيَلاءِ، وَالْبَغْيِ"، الفخر: يعني أن يتفاخر الإنسان على غيره، والخيلاء: أن يتخايل في مشيته وفي وجهه وما شابه، كلّها فيها معنى الكبر، والبغي: يعني التطاول على الغير والعدوان عليهم.
"وَالاسْتِطَالَةِ عَلَى الْخَلْقِ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ"، كذلك التطاول.
"وَيَأْمُرُونَ بِمَعَالِي الأَخْلاَقِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ سَفْسَاِفِهَا‏"، يأمرون بمعالي الأخلاق: يعني الأخلاق العالية الرفيعة كالصدق والعفاف وأداء الأمانة وما شابه، وينهون عن سفاسفها: يعني الدنيء منها.
"وَكُلُّ مَا يَقُولُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّمَا هُمْ فِيهِ مُتَّبِعُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ"، كلّ هذا قد جاء في الكتاب والسنّة.
"وَطَرِيقَتُهُمْ هِيَ دِينُ الإسْلاَمِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، لَكِنْ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أُمَّتُهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ كُلُّهَا فِي النَّار إلاَّ وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ،‏ وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ‏:‏ "‏هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَومَ وَأَصْحَابِي"، صَارَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِالإسْلامِ الْمَحْضِ الْخَالِصِ عَنِ الشَّوْبِ هُمُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ‏".
يعني: لمّا حصل الافتراق والاختلاف صار لابدّ من التميز ما بين أهل السنة وأهل البدع والضلال، وهذا التميز أمره مهم وضروري جداً، لأن بتميز أهل الحقّ من الباطل يبقى الحقّ ظاهراً ويبقى الباطل معروفاً، فلذلك أهل السنة والجماعة تميزوا على أهل الباطل بأن سُمّوا أهل السنة والجماعة، لأنّه عندما خرجت هذه الفرق صارت كلّها تتسمى بالإسلام، فكلّهم من المسلمين، لكن لا بدّ من التميز والاختلاف ما بين الحقّ والباطل، فلذلك سُمي أهل السنّة بأهل السنّة والجماعة، ولمّا صار يدّعي أصحاب تلك الفرق والطوائف بعد ذلك أنّهم من أهل السنّة والجماعة، لماذا هم يدّعون؟ لأنّ الشوّكة عادة والقوّة والظهور تكون لأهل الحقّ، فيُصبح أصحاب الاسم هم الظاهرون ودعوتهم هي المقبولة عند الناس، فيدخل فيها عادة من أهل البدع والضلال من يحاول أن يتلبس بهذا الاسم من أجل أن يسحب الناس إلى ناحيته وهذه عادتهم، فدخل في هذا الاسم من ليس منه فاحتجنا بعد ذلك إلى التسمي بالسلفية، لماذا؟ للتفريق بين من يدعي دعوة في دخوله إلى أهل السنة والجماعة ومن هم بحقّ من أهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة هم الذين كانوا على منهج السلف الصالح رضي الله عنهم، ومن لم يكن كذلك فلا، والآن صار يدخل في السلفية، كما فعلوا في اسم أهل السنة والجماعة، فعلوا الآن في اسم السلفية، وصار يدخل ويدّعي السلفية من ليس من أهلها أصلاً، فلذلك لا بدّ من التميز ولابد من بيان المحقّ من المبطل بتسمية الطوائف والفرق والجماعات بأسمائها الحقيقية.
قال: "وَفِيهِمُ الصِّدِّيقُونَ".
الصِدّيق: هو الذي يصدق في إيمانه وفي طاعته ويكون قريباً من الله تبارك وتعالى، فهو صادق في اعتقاده، صادق في قوله، صادق في فعله، مُخلص لله تبارك وتعالى، وهذه الدرجة درجة الصدّيق هي أعلى درجة بعد درجة النبوة فيأتي الأنبياء ثم الصديقون ثم الشهداء بعد ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالصدق فإنّ الصدق يهدي إلى البرّ وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، ولا يزال الرّجل يصدق ويتحرى الصّدق حتى يُكتب عند الله صديقاً"، الصدق في كلّ شيء.
"وَالشُّهَدَاءِ"، جمع شهيد، وهو قتيل المعركة، قد اختلف العلماء في: هل العلماء أفضل من الشهداء أم الشهداء أفضل من العلماء؟ والظاهر: أنّ العلماء الصديقون أفضل من الشهداء.
"وَالصَّالِحُونَ"، الصالح ضد الفاسد، وهو الذي قام بحقّ الله وحقّ عباده.
"وَمِنْهُمُ أَعْلامُ الْهُدَى"، أصل العَلَم هو الجبل، وسُمي الجبل عَلَماً لأنه يُهتدى به، فإذا أردت أن تصف لشخص طريقاً تقول له: عند الجبل الفلاني، لأنه مرتفع ويراه الجميع، فسُمي عَلَماً، فأعلام الهدى أي: الذين هم منارات للطريق الحق.
"وَمَصَابِيحُ الدُّجَى"، الدّجى: هي الظّلمة، فهم مصابيح يُنوّرون للناس الطريق المظلمة ويبينون لهم طريق الحقّ.
"أُولو الْمَنَاقِبِ الْمَأْثُورَةِ"،أولوا المناقب: يعني أصحاب المناقب، المنقبة: هي المرتبة، والفضائل: من الفضيلة، يعني الصفة الحسنة التي يتصف بها الإنسان كالعلم والزهد وما شابه.
"أُولو الْمَنَاقِبِ الْمَأْثُورَةِ"، يعني التي وجدت منهم.
"والْفَضَائِلِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِيهِمُ الأَبْدَالُ"، الأبدال: هؤلاء هم قوم من العُبّاد، لكن وردت فيهم أحاديث لا يصحّ منها شيءٌ، أناس لهم عبادة عظيمة ولكنّ أحاديثهم ضعيفة كما ذكرنا.
"وَفِيهِمُ أَئِمَّةُ الدِّينِ، الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ".
على هدايتهم: أنّهم على طريق الحقّ، ودرايتهم: معرفتهم بالحقّ كأئمة الإسلام، الإمام مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك، ومن بعدهم كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعليّ بن المديني، ومن بعدهم كابن خزيمة وما شابه كابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن رجب، ومن تبع هؤلاء كمحمد بن عبد الوهاب وكثير من أحفاده وإخوانه من العلماء، ومن بعدهم كأئمة الهدى اليوم: كابن باز رحمه الله والعثيمين والألباني والوادعي والشيخ صالح الفوزان وغيرهم من علماء الأمة، هؤلاء من نظر في عقائدهم وعبادتهم وفي دينهم وجد أنّهم على الطريق وعلى الهدى، لا يمنع ذلك من وجود أخطاء، هم بشرٌ، لكن هم بالجملة على الجادة وعلى الطريق المستقيم.
"وَهُمُ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ".
هذا لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحقّ لا يضرهم من خالفهم أو من خذلهم حتى يأتي أمر الله"، قال الإمام البخاري: هم أهل العلم، وفي كتابه خلق أفعال العباد عندما ذكر من هم أهل العلم ذكر أهل الحديث، الأئمة الذين ذكرنا منهم: مالك والشافعي وأحمد وعليّ بن المديني ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم، كلّهم أئمة الحديث في وقته، أئمة أهل السنة والجماعة في وقتهم، هؤلاء أهل العلم الذين ذكرهم الإمام البخاري رحمه الله، إذن: لابد أن يجتمع فيهم وصفان:
· وصف العلم.
· ووصف السنة.
التمسك بالسنة، أن يُعرفوا بها ويشتهروا بها، هؤلاء هم المقصودون بالطائفة المنصورة ومن اتبعهم، ومن سار على نهجهم هو معهم أيضاً.
"الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظاهرين".
هم باقون على الحقّ ثابتون عليه ظاهرون به مظهرون له.
"لا يضرهم من خذلهم"، إذن: هناك مُخذلون، خاذلون لهم، يخذلونهم، بدل أن يُعينوهم وأن يساعدوهم على الحقّ الذي هم عليه، ولكن لا يضرونهم شيئاً، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يضرهم من خذلهم".
"ولا من خالفهم"، من أهل البدع والضلال الذين يحاربونهم ليل نهار، لا يضرونهم.
"حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ‏".
إلى قرب قيام الساعة، لأنّه جاء في حديث آخر أنّ الساعة لا تقوم إلّا على شرار الخلق، إذن: فهم عند قيام الساعة لا يكونون، والصحيح أنّ قوله: حتى تقوم الساعة، أي: حتى يقرب قيام الساعة، وعندما تأتي تلك الريح الطيبة وتأخذ أرواح المؤمنين جميعاً ينتهي وجودهم في تلك اللحظة، ثم بعد ذلك تقوم الساعة على شرار الخلق كما جاء في الحديث.
"نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْهُمْ"، آمين.
"وَأَنْ لاَ يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا"،يعني أن لا يضلنا عن طريق الحق بعد أن بينه لنا وسيرنا عليه.
"وَأَنْ يَهَبَ لَنَا مِن لَّدُنْهُ رَحْمَةً"، أي: من عِنده، يعطينا رحمة من عنده ويمُنّ علينا بها.
"إِنَّهُ هُوَ الوَهَّابُ‏.‏ وَاللهُ أَعْلَمُ‏، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا".
والحمد لله ربّ العالمين.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-06-2014, 19:51   #18
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

أحسن الله إليك أخي علي ورفع قدرك في الدارين.
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-06-2014, 07:05   #19
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

ولك بالمثل وزيادة أخي رياض.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-08-2014, 20:53   #20
وسام كريم أبو معاذ العراقي
عضو
 
تاريخ التسجيل: 5 / 8 / 2014
المشاركات: 0
افتراضي

بارك الله فيك لو يكون التفريغات على شكل ورد او بي ديف يكون احسن ان شاء الله؟وجزاك الله خيرا على هذا العمل الطيب
وسام كريم أبو معاذ العراقي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 14:47.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي