Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
العودة   منتديات شبكة الدين القيم > :: منـبـر الـمـشـرف العــام أبي الحسـن عـلـي الـرمــلي - حفظه الله - :: > منبر الدروس المفرغة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 19-12-2012, 08:59   #1
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي * مكتمل * تفريغات شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر العسقلاني رحمه الله.

[الدرس الأول]

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد :
فتعلمون بارك الله فيكم أن العلم الشرعي ينقسم إلى واجب عيني وواجب كِفائي ، وعلم الصيام من الواجب العَيني على كل مسلم وجب عليه الصيام ، لذلك ولأن الصيام أو شهر الصيام وهو شهر رمضان قد اقترب على الأبواب عزمت على شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام ، وقبل أن أبدأ بمادة الكتاب أحببت أن يكون درسنا اليوم مقدمة بين يدي شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام ، سأذكر في هذه المقدمة تعريف الصيام وحكمه وفضله وكيف بدأ ، وعلى من يجب ، وأول ما فُرِض مِن الصيام .
فأبدأبحول الله تبارك وتعالى
الصيام لغة : هو الإمساك .
يقال : صام النهار إذا وقف سير الشمس ، ويقال : صامت الخيل إذا وقفت .
قال أهل العلم : ويُستعمل في كل إمساك ؛ أي إمساك عن الطعام، إمساك عن الكلام ، إمساك عن السير.
يستعمل الصيام في جميع أنواع الإمساك ، ومنه ما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى (( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً )) أي إمساكاً عن الكلام .
الصيام شرعاً : التعبد لله بالإمساك عن المفطِّرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس .
هذا تعريف الصيام من الناحية الشرعية .
التعبد لله بالإمساك أي أنه لا بد من نية التقرب إلى الله تبارك وتعالى بماذا ؟بالإمساك
عن ماذا ؟ عن المفطِّرات ، والمفطرات سيأتي ذكرها إن شاء الله في دروسنا القادمة ، منها الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر الصادق ، أي الفجر الأبيض الذي ينتشر شمالاً وجنوباً ويكون فجراً أبيض ولا تلحقه ظلمة هذا الفجريسمى الفجر الصادق ، فيبدأ الإمساك من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس ، أي إلى أن يغرب قرص الشمس تماماً .
هذا هو الصيام الشرعي .
أما حكمه : فصيام شهر رمضان واجب بالكتاب والسنة والإجماع ، دليل واحد في إثبات الحكم الشرعي يكفينا ولكن تعدُّد الأدلة واختلافها يقوي ويمكِّن حكم المسألة فوجوب صيام شهر رمضان دلت عليه أدلة ( أدلة الكتاب والسنة والإجماع ) قال الله تبارك وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَاكُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .
كُتب عليكم : أي فُرض عليكم الصيام .
وقال سبحانه : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِالْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
هذا أمر من الله تبارك وتعالى لمن شهدشهر رمضان أن يصومه فهذا يدل على وجوب صيام شهر رمضان .
وأما السُّنة فقال - صلى الله عليه وسلم - :" بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان " متفق عليه من حديث ابن عمر .
ففي هذا الحديث جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - صيام رمضان ركناً من أركان الإسلام وجاء في حديث الأعرابي الذي سأل عن الإسلام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له :" وصيام رمضان " جاء أعرابي وسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام فذكر له خصال الإسلام وذكر منها " وصيام رمضان " قال : هل علي غيرها ؟ قال - صلى الله عليه وسلم - :" لا ، إلا أن تَطَوَّع " متفق عليه من حديث طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه .
هذا أيضاً دليل على وجوب صيام رمضان .
وأما الإجماع فقال ابن قدامة رحمه الله في المغني : وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان .
وذكرالنووي رحمه الله في المجموع أن صوم رمضان ركن وفرض بالإجماع . وقال : ودلائل الكتاب والسنة والإجماع متظاهرة عليه وأجمعوا على أنه لا يجب غيره ( أي صيام شهر رمضان ).
بهذا تبين لنا أن صيام شهر رمضان واجب بالإجماع وواجب بدليل الكتاب وواجب بدليل السنة .
وأول ما فُرض من الصيام صيام يوم عاشوراء ، بداية عندما فرض الصيام لم يُفرض شهر رمضان مباشرة ، وإنما فرض على المسلمين من الصيام صيام يوم عاشوراء ، وهو اليوم العاشر من شهر محرم وكان واجباً على الصحيح - عندما نقول على الصحيح إشارة إلى أن في المسألة خلافا - لكن الصحيح أن صيام يوم عاشوراء كان واجباً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صامه وأمر بصيامه وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة النبوية ، كان الأمر بصيام يوم عاشوراء في السنة الثانية من الهجرة النبوية أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يُفرض رمضان ، كانوا : أي المسلمين يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان ، وكان يوماً تُستر فيه الكعبة ( أي يوم عاشوراء ) فلما فرض الله رمضان قال - صلى الله عليه وسلم" : من شاء أن يصومه فليصمه ومن شاء أن يتركه فليتركه " .
أي كان بداية هو المطلوب من المسلمين فقط ، ثم بعد ذلك نُسخ فرضه وصار الفرض صيام شهر رمضان ، ونسخت فرضية ووجوب صيام عاشوراء ، وصار المسلمون مخيرين في صيامه أو تركه .
فقال عليه الصلاة والسلام :" من شاء أن يصومه فليصمه ومن شاء أن يتركه فليتركه " وصيامه بعد ذلك أصبح مستحباً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنه يكفر سنة ماضية.
جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صامه وأمر بصيامه جاء من حديث ابن عمر ، ومن حديث عائشة ، ومن حديث ابن عباس وغيرهم .
قالت عائشة رضي الله عنها : إن قريشاً كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصيامه حتى فُرض رمضان وقال - صلى الله عليه وسلم - :" من شاء فليصمه ومن شاء أفطره " .
وقال جابر بن سمرة : كان رسول الله يأمرنا بصيام يوم عاشوراءويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده - هذه كلها ألفاظ تدل على أنه كان واجباً - فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده .
يتعاهدنا عنده أي يتفقدنا هل صمنا أم لا ؟ وهذه الأحاديث التي ذكرناها منها ما هو في الصحيحين ومنها ما هو في أحدهما .
*فائدة : قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يصم رمضان إلا تسع مرات ؛ فإنه فُرض في العام الثاني من الهجرة بعد أن صام يوم عاشوراء وأمر الناس بصيامه مرة واحدة ، فإنه قدم المدينة في شهر ربيع الأول من السنة الأولى وقد تقدم عاشوراء فلم يأمر ذلك العام بصيامه - أي لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم في العام الأول بصيام عاشوراء - فلما أهلّ العام الثاني أمر الناس بصيامه ، وهل كان - الكلام لشيخ الإسلام - وهل كان أمر إيجاب أو أمر استحباب ؟
على قولين - أي في المسألة قولان لأصحاب أحمد - قال : على قولين لأصحابنا -أي الحنابلة-وغيرهم .
والصحيح أنه كان أمر إيجاب وهذا هو الصحيح لأن الأدلة تدعمه ، أُبتُدئ في أثناء النهار لم يؤمروا به من الليل أي لم يتقدم الأمر من ليلة يوم العاشر من محرم، لا ، أوجبه النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم في أثناء النهار ، فلما كان في أثناء الحول رجب أو غيره فُرض شهر رمضان .
هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
نذكر لكم الآن ما كان عليه الحال من الصيام ، حال التخيير بين الصوم والإطعام أي بعد أن فُرِض شهر رمضان لم يُفرَض على الصورة التي عليه الآن ، أول مافرض صيام شهر رمضان كان المسلمون مخيرين بين أن يصوموا أو يفطروا ويطعموا عن كل يوم مسكينا ، هذا الحال كان بداية ثم بعد ذلك نسخ الله سبحانه وتعالى هذا الحكم وفرض الصيام على جميع المسلمين ونسخ التخيير .
قال سلمة بن الأكوع : كنا في رمضان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بطعام مسكين حتى نزلت { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } أي عندما نزلت هذه الآية نسخت التخيير .
وفي رواية لما نزلت { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي حتى نزلت هذه الآية التي بعدها فنسختها . والحديث متفق عليه .
فالآية { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } أي على الذين يقدرون على صيامه {فدية طعام مسكين } أي من كان قادراً على الصيام ولم يرد أن يصوم وأراد أن يفطر فله ذلك ، ولكن يجب عليه أن يطعم مسكيناً ، ثم نسخت هذه الآية بآية { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.
فالآية هذه منسوخة كما قال سلمة بن الأكوع ، وكذلك جاء عن ابن عمر .
حديث سلمة بن الأكوع في الصحيحين ، وحديث ابن عمر عند البخاري في صحيحه .
وصورة ثانية : ما كان عليه حال الصيام من تحريم الأكل والشرب والجماع بعدما ينام الصائم ،الصائم بعدما يأتي وقت الإفطار إذا نام وجب عليه أن يمسك إلى اليوم الثاني ، هذاحكم كان سابقاً .
قال البراء بن عازب رضي الله عنه : كان الرجل من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا كان صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولايومه حتى يمسي .
إذا نام وجب عليه أن يمسك لا يأكل ولا يشرب إلى أن تغرب شمس اليوم التالي - وإن قيس بن صرمة كان صائماً فلما حضر الإفطار أتى امرأته ( أي جاء عندها ) قال : هل عندكِ طعام ؟ قالت : لا ، ولكن أَنطلق فأطلب ( أي أبحث وأنظر كي آتِ لك بالطعام ) وكان يومه يعمل فيه بأرضه ( يعني كان رجلا يتعب في عمله)فغلبته عيناه ( يعني نام ) فجاءت امرأته فلما رأته قالت : خيبة لك ، (أي لقد أصبتَ بالحرمان ، حرماناً لك ؛ حزناً وشفقة عليه ) ، فأصبح فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه (أغمي عليه لم يتحمل هذا الجهد والتعب ) فذَكَرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } ففرحوا بها فرحاً شديدا ، خفف الله عنهم { وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ } فخفف الله عنهم وأذن لهم في الأكل والشرب حتى يطلع الفجر الصادق .
هذا ما كان عليه الصيام في بداية ما شرعه الله سبحانه وتعالى .
و أما فضل صيام شهر رمضان فقد جاءت فيه أحاديث كثيرة نذكر منها حديثين : الأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه أنه قال : " الصوم لي وأنا أجزي به يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي والصوم جنة ( أي وقاية ) وللصائم فرحتان ؛ فرحة حين يفطر ، وفرحة حين يلقى ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " متفق عليه .
فهذه فضيلة عظيمة في هذا الحديث للصائم .
وقال - صلى الله عليه وسلم - :" من صام رمضان إيماناً واحتسابا ( أي صامه خالصاً لوجه الله سبحانه وتعالى ) غُفر له ما تقدم من ذنبه " .
هذه فضيلة عظيمة جدا أن يُغفر لك ما تقدم من ذنبك .
وهو حديث متفق عليه .
الآن نبدأ بذكر من يجب عليه الصيام : يجب الصيام على المسلم كذا قال أهل العلم قالوا : يجب الصيام على المسلم ، أخرجوا بذلك الكافر ومعنى عدم وجوب الصيام على الكافر هنا أنه لا يُطلب منه فعله في حال كفره ، الصيام لا يُطلب من الكافر في حال كفره أن يصوم لكن لا يعني ذلك أنه لا يعاقب عليه ، لا ، الصحيح من أقوال أهل العلم أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أي أنه يجب عليهم أن يأتوا بها ، ولكنها لا تُقبل منهم إلا بعد الإسلام.
والدليل على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة قول الله تبارك وتعالى { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ } فعدّدوا أشياء كانت سبباً في دخولهم نارجهنم ، من هذه الأشياء : الصلاة ، ومنها عدم إطعام المسكين ، ومنها أنهم كانوا يخوضون في الباطل مع الخائضين .
دل ذلك على أنهم يعذبون في نار جهنم لتركهم ما أوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين ، ولكن كما ذكرنا لا تُقبل منهم إلا بعد الإسلام .
ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ } لم تقبل نفقاتهم لماذا ؟ لكفرهم ، إذاً فلا بد أن يسلموا كي يُقبل منهم العمل .
وإذا أسلموا لا يجب عليهم قضاء ما فاتهم في حال الكفر ؛ لقول الله تبارك وتعالى { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ } أي ينتهوا عن كفرهم ويسلموا يُغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم .
وقال - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص": أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ؟ " وهو حديث متفق عليه .
وهذا يدل على أن من دخل في الإسلام ؛ تهدم كل ذنوبه الماضية ، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على الناس .
إذاً المسلم هو الذي يجب عليه أن يصوم وهو الذي يؤجر على صيامه ، أما الكافر كما ذكرنا لا يُطلب منه الصيام في حال كفره ولكنه يعذب على تركه إذا لم يسلم .
الشرط الثاني : من شروط وجوب الصوم : البلوغ .
البالغ هو الذي أكمل خمس عشرة سنة قمرية ، أو نبت شعر عانته الخشن أو أنزل المني .
أي علامة من هذه العلامات ظهرت في الشخص ، دلت على بلوغه ، إن نبت شعر العانة أو أنزل المني أو بلغ خمس عشرة سنة قمرية أكملها يعتبر بالغاً يؤاخذ على تركه الصيام ويجب عليه أن يصوم .
هذه علامات البلوغ عند الذكر والأنثى ، وتزيدالأنثى ؛ في الحيض ، الحيض أيضاً علامة من علامات البلوغ عند الأنثى ، فإذاتوفرت عند المرأة واحدة من هذه العلامات الأربعة التي ذكرناها فإنها تكون بالغة ،وإذا توفر عند الرجل واحدة من العلامات الثلاثة التي ذكرناها يكون بالغاً .
ومن بلغ وجب عليه أن يصوم فقد أصبح مكلفاً ، وأخرجوا بشرط البلوغ الصبي غير البالغ فهذا غير مكلف أي أنه لا يأثم إن لم يصم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم الصبي حتى يحتلم أي إلى أن يبلغ " أخرجه أبو داوود وغيره ، قال أهل العلم : فلا يجب صوم رمضان على الصبي ولا يجب عليه قضاء ما فات قبل البلوغ بلا خلاف، إذاً المسألة محل إجماع ومتى ما أجمعوا أراحونا والحمد لله.
وإذا أطاق الصوم وجب على الولي أن يأمره به ، إذا قدر الصبي على تحمل مشقة الصيام وجب على وليه أن يأمره به لماذا ؟ كي يعتاد الصغير على الصيام لكن متى ذلك ؟ إذا بلغ سبع سنين بشرط أن يكون مميزاً يعقل ، يميز بين الأشياء ويفهم ويضربه على ترك الصيام لعشر ( لعشر سنين)يُعلمه ويُعوده في سن السابعة فإذا بلغ العاشرة يضربه إذا لم يصم ، إذا بلغ العاشرة يكون قدبلغ سن الضرب ، وهذا قياساًعلى الصلاة.
وهذا يبين لنا أن الضرب طريقة صحيحة في التربية لكن لا بد أن تُضبط بضوابط :
الضابط الأول : أن لا تكون أول العلاج ، أن لا تكون أول طرق التربية .
الضابط الثاني : أن يكون الضرب ضرب تأديب وليس ضرباً وحشياً يُراد منه الأذية ، لا ، أن يكون الضرب ضرب تأديب فقط ، تربية .
أخرج البخاري ومسلم عن الرُّبَيّع بنت مُعَوِّذ قالت : أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة " من كان أصبح صائماً فليتم صومه ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه فكنا - تقول الربيع - فكنا بعد ذلك نصومه - أي يوم عاشوراء - ونُصوِّم صبياننا الصغار منه إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العِهن - أي الصوف - فإذا بكى أحدهم على طعام أعطيناها إياه عند الإفطار - أي يلعب ويلهو بها إلى أن يأتي موعد الإفطار " .
هذا دليل على أن السلف رضي الله عنهم كانوا يُصومون صبيانهم وهذا كان متى ؟ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه ماذا تسمى عند أهل الحديث ؟ سنة تقريرية أي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدأقرهم على هذا الفعل فهذه سنة تقريرية .
فتصويم الصبيان سنة .
هل يؤجرالصبي على صيامه ؟ نعم يؤجر .
ما الدليل ؟ ما ورد عن ابن عباس أنه قال : رفعت امرأة صبياً فقالت : يا رسول الله ألهذا حج ؟ قال : نعم ولكِ أجره .
أي أن الصبي له حج يؤجرعليه وأنتِ لك أجر أي لأمه وأبيه اللذين أعانوه على ذلك وربوه عليه .
فيجب أن نحرص على أن نربي أبنائنا تربية شرعية دينية صحيحة .
الثالث من شروط وجوب صوم رمضان : العقل
؛ أي يجب أن يكون الشخص الذي يريد أن يصوم رمضان أو الذي يجب عليه أن يصوم رمضان عاقلاً .
أخرج بذلك المجنون،فالمجنون لا يجب عليه أن يصوم رمضان ؛ لأنه غير مكلف وما الدليل على أنه غير مكلف ؟
قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديثالمتقدم " رفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ".
إذاً فالمجنون الذي لا عقل له غير مكلف ؛ لأن العقل أصلاً هو مناط التكليف ، العبدلا يكلف إلا إذا كان له عقل يدرك به ويعرف المصلحة من المفسدة ويعرف ما يجب عليهم ما لا يجب عليه .
ولا قضاء عليه إن عَقِلْ ؛ لأنه لم يكن مكلفاً في حال الجنون ، هوغير مكلف بأحكام الشريعة .
فإذا عقل ( رجع إليه عقله ) فهو غير مكلف بقضاء ما فاته ، كالصبي عندما يحتلم لا يكلف بقضاء ما لم يصمه في حال الصبا ، كذلك المجنون لا يكلف بقضاء ما لم يصمه في حال الجنون .
قال أهل العلم : والمغمى عليه لا يلزمه الصوم في حال الإغماء بلا خلاف ، بالاتفاق أن المغمى عليه لا يلزمه الصوم ؛ إذ لا عقل له هو غير متحكم بأفعاله لا عقل له فهو غير مكلف بصيام رمضان.
وهل يلزمه القضاء ؟ حصل خلاف بين أهل العلم في ذلك كثير وجمهورهم يوجبون عليه القضاء .
الشرط الآخر : القدرةعلى الصيام من غير مشقة كبيرة .
ويجب صيام شهر رمضان على القادر على الصيام من غير مشقة كبيرة .
أخرجوا بذلك المريض .
المريض لا يجب عليه الصيام في شهر رمضان في حال مرضه والمسافر والشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصيام والحامل والمرضع التي تلحقها أو تلحق ولدها مشقة شديدة أو يلحق بهما ضرر .
كل هؤلاء لا يجب عليهم أن يصوموا شهر رمضان .
منهم من يجب عليه أن يقضي ، ومنهم من لا يجب عليه أن يقضي سيأتي تفصيل ذلك كله في موضعه إن شاء الله لشرح الكتاب الذي نحن بصدد شرحه .
ولا يجب صيام شهر رمضان على الحائض والنفساء ولا يصح منهما .
أخرج البخاري في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما سئل عن نقصان دين المرأة قال عليه الصلاة والسلام :" أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم ؟ " نعم إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم دل ذلك على أن المرأة في حال الحيض لا تصلي ولا تصوم .
وعندما سئلت عائشة رضي الله عنها ما بال المرأة تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ ( المرأة الحائض ) فقالت عائشة رضي الله عنها : كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة .
ونقل أهل العلم الاتفاق على أن حكم النفساء كحكم الحائض ، أيضاً النفساء لا يجب عليها أن تصلي ولا يجب عليها أن تصوم أيضاً وهذا محل اتفاق بين أهل العلم بحمد الله .
هذا ما أردنا أن نقدمه بين يدي شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام . والله أعلم

آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 20-12-2012 الساعة 06:20
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 09:01   #2
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الثاني]

[الدرس الثاني]

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ؛
فنكمل ما كنا بدأنا به من شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في أول كتاب الصيام : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - : " لا تقدموا رمضانبصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه " متفق عليه .
بداية وقبل كل شيءنحتاج عندما يمر بنا حديث نبوي إلى معرفة من خرَّجه وما هو حاله ، أي من ذكر هذاالحديث بإسناده في كتابه ، وما هو حال هذا الحديث من حيث الصحة والضعف .
الحافظ ابن حجر رحمه الله في كل حديث يذكره في بلوغ المرام يذكر من خرجه .
فقال في هذا الحديث :متفق عليه ، هذا تخريج الحديث ، لا يحتاج هنا أن يذكر ما حال الحديث ؛ لأن معنى المتفق عليه ؛ الذي أخرجه البخاري و مسلم ، الحديث الذي أخرجه البخاري وأخرجه مسلم في صحيحيهما وعن صحابي واحد يقال له حديث متفق عليه كهذا الذي بين أيدينا.
والحديث إذا أخرجه البخاري أو مسلم يكون صحيحاً تلقائياً ؛ لأن البخاري ومسلماًاشترطا الصحة في كتابيهما ، أي أن البخاري اشترط أن لا يضع في كتابه الصحيح إلا ما صح من الحديث ، وكذلك مسلم اشترط أن لا يضع في كتابه من الحديث إلا ما صح ، فيكون الحديث الذي أخرجه البخاري أو أخرجه مسلم صحيحاً .
فبمجرد أن يقول لك الحديث متفق عليه؛ تلقائياً تعلم أن الحديث صحيح ، وأحاديث الصحيحين اتفق علماء الأمة على صحة مافيهما ؛ إلا القليل النادر الذي انتقده بعض أهل العلم وتم فيه الانتقاد وهو قليل جداً ، وإلا فالأصل في الحديث الذي يخرجه البخاري أو مسلم أنه صحيح .فهنا قال الحافظ ابن حجر : متفق عليه أي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فأغنانا ذلك عن الكلام في صحته .
ولا يجوز لأحد أن يتجاوز الحد وينتقد أحاديث أخرجها البخاري أو مسلم ولم ينتقدها أحد من قبله ، لماذا ؟ لأنه مسبوق بالإجماع ؛ فقد نقل أهل العلم اتفاق العلماء على صحة ما في الكتابين إلا بعض الأحاديث التي انتقدت .
وفَتْح هذا الباب يؤدي إلى مفسدة ، وهي : تطاول أهل البدع على الصحيحين فينبغي إغلاق هذا الباب ودرء هذه المفسدة .
أما الحديث فهو من رواية أبي هريرة ، وأبو هريرة - على أصح الأقوال - اسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، روى الكثير من الأحاديث ، وروى عنه خلائق من الصحابة والتابعين وكان إسلامه رحمه الله عام خيبر مات سنة سبعٍ وخمسين .
وقال الشافعي رحمهالله : أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره - رحم الله الجميع - أما بالنسبة للحديث : فقوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تقدموا " ، ( لا ) هنا ناهية أي هذا نهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - " وتقدموا " أصلها تتقدموا ، حذفت منها التاء ، أي لا تتقدموا " رمضان بصوم يوم أو يومين " ومعنى الحديث : أن الشارع الحكيم أراد منا أن نتقيد بما شرعه ، وأن لا نتجاوز ذلك .
فما و قت الله له وقتاً من العبادات ، وما قيّده بعدد ؛ وجب علينا أن نفعله في الوقت الذي شرعه ، فلا يحق لنا أن نتجاوز ذلك لا بتقديم ولا بتأخير، ولابزيادة ولا بنقصان .
فشرع الشارع وجوب الصيام بدخول شهر رمضان وذلك برؤية الهلال ، قال عليه الصلاة والسلام :" صوموالرؤيته وأفطروا لرؤيته "، دخول شهر رمضان يكون برؤية الهلال ؛ برؤية هلال رمضان .
فلا يجوز لأحد أن يتجاوز ذلك ويصوم قبل رؤية هلال رمضان أو إتمام شعبان ثلاثين يوماً.
ويصوم يوماً أو يومين بنية الاحتياط لرمضان ، لا يجوز له ذلك لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك .
علّمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف يبدأ رمضان إما برؤية الهلال ( هلال رمضان)أو بإكمال شعبان ثلاثين يوماً . انتهى
إذاً نقف عند ذلك ولا يجوز لنا أن نحتاط من عندنا ، لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك .
وأما من اعتاد صياماً ووافقت عادته آخر يومين من شعبان فيجوز له صيامهما لموافقة عادته لذلك ، لا احتياطاً لرمضان ولكن لأنه اعتاد الصيام على صورة معينة فله أن يكمل وأن يصوم آخر يومين من شعبان قبل رمضان موافقة لعادته لا بنية الاحتياط لرمضان ؛ كمن اعتاد أن يصوم الاثنين والخميس مثلاً ، أو اعتاد صيام ثلاثة أيام من كل شهر ولم يكن قد صامها ، أو اعتاد صيام يوم وترك يوم ؛ ووافقت عادته آخر يومين من شعبان جاز له أن يصومهما لماذا؟ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه " .
إذاً دلنا هذا الحديث على عدم جواز صيام يوم أو يومين قبل رمضان احتياطاً لرمضان ، وأماالصيام من أجل عادة اعتادها كالذي اعتاد أن يصوم الاثنين والخميس وجاء اليوم الذي قبل رمضان يوم اثنين أو يوم خميس ، جاز له أن يصومه بنية صيام يوم الاثنين ، أو بنية صيام يوم الخميس .
أما بنية الاحتياط لرمضان فلا يجوز له أن يصومه لذلك ، وكما ذكرنا صيام يوم أو يومين قبل رمضان بنية الاحتياط لرمضان محرّم على الصحيح .
وقلنا من قبل إذا قلنا محرم على الصحيح ؛ فمعنى ذلك أن في
المسألة خلافاً .
لماذا قلنا بالتحريم؟
لأن الصيغة التي معنا في الحديث وهي قوله - صلى الله عليه وسلم - :" لا تقدموا "صيغة نهي ، وصيغة النهي عند الأصوليين تقتضي تحريم المنهي عنه كما هو مقرر في كتب الأصول ، فبناءً على ذلك يكون صيام يوم أو يومين قبل رمضان بنية الاحتياط لرمضان محرم، وللعلماء أقوال في ذلك .
قال الترمذي رحمه الله بعد أن أخرج هذا الحديث : والعمل على هذا عند أهل العلم ، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول شهر رمضان لمعنى رمضان ( أي بنية الاحتياط لرمضان ) ، وإن كان رجل يصوم صوماًفوافق صيامه ذلك فلا بأس به عندهم .انتهى
والمراد بالكراهة عند السلف التحريم .
وصح عن ابن عباس أنه كان يأمر بفصل بينهما أي بين شعبان ورمضان ، كان ابن عباس يأمر بفصل بينهما ، وكان يأمر من صام بالإفطار . وهذاأخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عباس وهو صحيح عنه .
وقد نص على تحريم صيام هذين اليومين أكثر من واحدمن علماء المسلمين.
ومقتضى هذا الحديث أنه لو تقدم صيام شهر رمضان بصوم ثلاثة أيام أو أربعة أو أكثر ؛ جاز .
بمعنى أنه لايصوم اليوم الذي قبل رمضان مباشرة أو الذي قبله ولكن أكثر من ذلك . هذا مفهوم هذاالحديث أنه يجوز مثل هذا ، ويدعم هذا المفهوم قول عائشة رضي الله عنها لم أره ( أي النبي - صلى الله عليه وسلم - ) صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان ، كان يصوم شعبان كله ، كان يصوم شعبان إلا قليلا فدلّ ذلك على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم بعد أن ينتصف الشهر ، فهذا يدل على أن الصيام في شعبان جائز إلا أن تصوم آخر يوم أو يومين بنية الاحتياط لرمضان .
وهذا الحديث الذي ذكرناه عن عائشة أخرجه مسلم بهذا اللفظ وأصله في الصحيحين .
وقد خالف هذين الحديثين حديث أبي هريرة مرفوعاً " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا " هذا الحديث الآن يخالف مادل عليه الحديثان المتقدمان ، فإنهما يدلان على أنه يجوز الصيام بعد منتصف شعبان ، وهذا الحديث يدل على عدم جواز الصيام بعد منتصف شعبان .
ننظر إلى صحة الحديث وضعفه هذابداية ، من أخرج هذا الحديث ؟ أخرجه أصحاب السنن ، ماذا نعني بأصحاب السنن ؟ إذاقلنا أخرجه أصحاب السنن فنعني بذلك أبا داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة هؤلاء هم أصحاب السنن .
هذا الحديث يرويه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ، تفردبه من ؟
العلاء وعدّه العلماء من مناكيره .
هذه كلها فوائد حديثية كما ذكرنا في شرحنا للمصطلح أن الشخص إذا لم يتعلم علم المصطلح ولم يتقنه سيبقى مقلداً حتى لو وصل إلى أن يكون فقيهاً إذا لم يتقن علم الحديث سيبقى مقلدا ؛ً لأن المسألة إذا توقفت على صحة الحديث وضعفه لن يستطيع أن يرجح القول الصحيح إلا برجوعه إلى أحدعلماء الحديث ، فلذلك من المهم جداً على طالب العلم أن يكون متقناً لعلم الحديث كي يستطيع أن يصل إلى الصواب باجتهاده .
الآن ذكرنا أن هذا الحديث من رواية العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة تفرد به العلاء بن عبد الرحمن ،و العلاء بن عبدالرحمن في أصله محتج به ، لكن عَدوا هذا الحديث من مناكيره .
قال أحمد بن حنبل : والعلاء ثقة لا يُنكَر من حديثه إلا هذا ، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به ، أي هذا الحديث .
وقال ابن معين : منكر ( أي هذا الحديث ) .
قال أبو داود في سننه : وكان عبد الرحمن لا يحدث به ( عبد الرحمن بن مهدي إمام من أئمة الحديث وناقد من نقاده ) قلت لأحمد - الآن أبو داود السجستاني تلميذ أحمد وهو صاحب السنن ينقل عن عبد الرحمن بن مهدي أنه لا يحدث بهذا الحديث - فقال أبو داود : قلت لأحمد : لما؟ ( لماذا لم يكن يحدث بهذا الحديث ؟) قال ( أي أحمد ): لأنه كان عنده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصل شعبان برمضان كما جاء في حديث عائشة ، وقال ( أي العلاء)عن النبي - صلى الله عليه وسلم – خلافه . أي روى حديثا يخالف الحديث الذي أخرجه الشيخان ، الحديث متفق على صحته ؛ أي أنه في القوة قوي صلب .
هذا الحديث رواه العلاء وخالف ذاك الحديث مع مخالفته لمفهوم حديث أبي هريرة ؛ لذلك حكموا على حديثه هذا بماذا ؟ بالنَّكَارة ، هذا يفيدنا أن السلف كانوا يحكمون على الحديث بالنكارة حتى وإن كان المخالف ثقة وهذا يقوي ما ذهب إليه ابن الصلاح من أن المنكر يطلق على معنى الشاذ عند السلف ، هذا صحيح ، ولكن ليس هذا وقفاً على هذه الصورة ، المنكر عند السلف يطلقونه على مخالفة الثقة وعلى مخالفة الضعيف ويطلقونه على كل حديث لا يمكن تصحيحه كما قال المعلمي .
قال أبو داود الآن هناك اختلاف في الاجتهادات : " وليس هذا عندي خلافه " ، أبو داود لم يسلم بأن هذا يخالف ذاك .
ولكن الصواب مع عبد الرحمن بن مهدي ولم يأت به غير العلاء عن أبيه.
والذين صححوه من السلف اختلفوا في فهمه وبكيفية الجمع بينه وبين الأحاديث التي خالفها .
والصحيح أنه منكر كما قال غير واحد من السلف وذهب إليه عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وابن معين وغيرهم رحم الله الجميع .
قال الحافظ ابن حجر : وقال جمهور العلماء يجوز الصوم تطوعاً بعد النصف من شعبان وضعّفوا الحديث الوارد فيه ( أي في النهي عن الصوم بعد منتصف شعبان ؛ الحديث الذي تقدم ) والله أعلم .
إذاً جمهور أهل العلم يجوِّزون الصيام بعد منتصف شعبان بناءعلى ضعف الحديث الوارد في ذلك وبناء على ما دل عليه حديث أبي هريرة وحديث عائشة رضي الله عنهما.

*فائدة أخيرة في هذا الحديث وهي جوازقول (رمضان ) كلمة (رمضان ) دون إضافة شهر إليها .
قال بعض أهل العلم: لا يجوز لك أن تقول رمضان دون أن تقول : شهر رمضان ، أي من غير إضافة شهر إليها .
واستدلوا لذلك بحديث أخرجه ابن عدي في الكامل بإسناده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم الله ولكن قولوا شهر رمضان "هذا الحديث استدلوا به على عدم جواز قول ( رمضان ) دون إضافته إلى ( شهر ) وبعدأن أخرجه ابن عدي في الكامل ضعفه بأبي معشر نجيح السِّندي ، أي في سنده راوٍ اسمهنجيح السندي وكنيته أبو معشر وهو ضعيف .
وقال ابن معين : إسناده ليس بشيء .
وقال أبوحاتم الرازي : هذا خطأ ، إنما هو قول أبي هريرة . وقال البيهقي : وقد رُوي عن أبي معشرعن محمد بن كعب وهو أشبه ( أي هذا الحديث روي عن أبي معشر عن محمد بن كعب من قوله.
قال البيهقي : وهو أشبه أي أشبه بالصواب وأقرب إلى الصواب من رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه : باب هل يقال(رمضان ) أو (شهر رمضان ) ؟ ومن رأى كله واسعاً.
يعني أن بعض أهل العلم ذهب إلى أن الأمر واسع ، لك أن تقول رمضان ولك أن تقول شهر رمضان وهذا هو الصحيح ، بما أنه لم يثبت النهي في ذلك إذاً يبقى الأمر على الجواز .
بل ساق البخاري رحمه الله بعد أن ذكر ذلك ثلاثة أحاديث جاءت بلفظ (رمضان ) ، وبلفظ ( شهر رمضان ) ؛ بالإضافة وبدون إضافة .
مما دل على جواز الجميع .
وقال بعد ذلك : ولا تقدموا رمضان .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" من صام رمضان " وقال : "لا تقدموا رمضان " هذا كله من كلام البخاري في بداية كلامه بعدما قال : ومن رأى كله واسعاً ؛ وقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - :" من صام رمضان " وقال :" لا تقدموا رمضان " .
هذا يسمى معلقاً قد مر بنا .
البخاري إذا حَذف الإسناد وقال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" من صام رمضان " أو وقال : لا تقدموا رمضان ، هذا يسمى معلقا .
ولا يلزم أن يكون صحيحا ؛ لأن المعلقات ليست من شرط الصحيح ممكن أن تكون صحيحة وممكن أن تكون ضعيفة .
هذا ما يتعلق بالحديث الأول من كتاب الصيام .
وأما الحديث الثاني فهو حديث عمار بن ياسر قال : من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم .
قال ابن حجر في تخريجه : ذكره البخاري تعليقا .
أي أن البخاري ذكره في صحيحه وحذف منه الإسناد بالكامل أو حذف بعضه ؛ لأنه ليس من أصل الكتاب .
ووصله الخمسة .
إذا الحديث يوجد مذكورا بالإسناد كاملا عند أحمد في مسنده ، و أبي داود في سننه ، والترمذي في جامعه ، والنسائي في سننه الصغرى ، وابن ماجه في سننه .
هؤلاء هم الخمسة الذين عناهم الحافظ ابن حجر في تخريجه .
ثم قال : وصححه ابن خزيمة وابن حبان .
احتاج هنا أن يقول : صححه ابن خزيمة وابن حبان ، لماذا ؟ لأن البخاري لم يشترط الصحة في المعلقات ، الأحاديث التي يذكرها معلقة .
فإذاً تخريج هذاالحديث كما ذكر الحافظ أخرجه البخاري في صحيحه ولكن معلقاً ، فلا يلزم أن يكون صحيحاً.
ووصله من ؟ أصحاب الكتب الخمسة ، فتحتاج أن ترجع إلى أسانيده في الكتب الخمسة وغيرها كي تحكم عليه بمايستحقه .
قال الدارقطني بعد أن أخرجه في سننه : إسناده حسن صحيح ، ورجاله كلهم ثقات.
وجمعَ طرقَه الحافظ ابن حجر في الفتح فأحسن رحمه الله ، وانظر أيضاً - إذا أردت المزيد- ؛ إرواء الغليل للشيخ الألباني رحمه الله .
وبالجملة الحديث حسن .
ما المقصود بيوم الشك ؟
يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان ، إذا لم يُرَ الهلال في ليلته بسبب غيم أو نحوه .
فيجوز أن يكون من رمضان وأن يكون من شعبان ، هذا يسمى يوم الشك .
إذا وُجد في السماء غيم أو تراب أو غير ذلك حجب الرؤية في ليلة الثلاثين وأنت تراقب ولم تتمكن من معرفة ظهور الهلال أو عدم ظهوره ؟ هذا يسمى يوم الشك .
صيام هذا اليوم محرّم ؛ لقول عمار بن ياسر هنا : من صام اليوم الذي يُشَك فيه فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - ، أبو القاسم من هو ؟
هو النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كنيته أبو القاسم .
طيب حكم صيام يوم الشك ؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم كثير ، فمن أهل العلم من قال بالتحريم ، ومنهم من قال بالكراهة ، ومنهم من قال بالاستحباب .. الأقوال كثيرة .
ولكن الراجح منها أنه لا يجوز صوم يوم الشك لا فرضاً ولا نفلاً مطلقاً ، ولكن يجوز قضاءًوكفارة ونذراً ونفلاً يوافق عادة .
نفلاً يوافق عادة كالذي يصوم يوم الاثنين والخميس .
والدليل على ذلك حديث أبي هريرة : " إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً فليصمه" .
إذاً جاز له أن يصوم إذا وافقت ذاك اليوم عادة من عاداته ؛ كصيام يوم الاثنين والخميس مثلاً .
وهذا القول هو قول الإمام الشافعي ، وهو قول للإمام أحمد رحمه الله .
وأماالإمام مالك فذهب إلى أنه لا يجوز عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك . وهو قول للإمام أحمد .
يعني لا يجوز لك أن تصوم يوم الشك بنية رمضان أو احتياطاً لرمضان ، أما غير هذه النية فجائز عند مالك وفي قول للإمام أحمد.
ونقل ابن حزم عن جمع من الصحابة أنهم كانوا ينهون عن صيامه ، أي عن صيام يوم الشك .
هذا ما يتعلق بالحديث الثاني .
وأما الحديث الثالث ؛ فقال الحافظ ابن حجر وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا رأيتموه فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ،
فإن غم عليكم فاقدروا له " . متفق عليه .
ولمسلم – أي في رواية لمسلم - : " فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين " .
وللبخاري : " فأكملوا العدة ثلاثين " .
لا نحتاج في هذا الحديث أن تكلم على تخريجه وحاله ؛ فقد كفانا ذلك الحافظ ابن حجر بقوله : متفق عليه .
أي أخرجه البخاري ومسلم ، وإذا أخرجه البخاري أو مسلم فهو صحيح إذا لم يكن منتقدا .
قوله : " إذا رأيتموه فصوموا"الخطاب لمن ؟
لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - والضمير في قوله " إذا رأيتموه "؛ يعود على الهلال ، أي إذا رأيتم هلال رمضان فصوموا ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت دخول شهر رمضان رؤية الهلال ، هذا توقيت نبوي .
وقوله " وإذا رأيتموه فأفطروا " ، أي وإذا رأيتم هلال شوال فأفطروا ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم وقت خروج شهر رمضان رؤية هلال شوال .
ثم قال : " فإن غم عليكم " ، أي إنْ حال بينكم وبينه غيم أو نحوه ، أي شيء منع رؤية الهلال .
يقال : غمَمَتُ الشيء إذاغطَّيته .
وفي رواية مسلم " أغمي " بنفس المعنى المتقدم . قال في لسان العرب : أغمي يومنا : دام غيمه ، يقال : أغمي علينا الهلال ؛ إذا حال دون رؤيته غيم أو قتر ، يعني غبار . هذا معنى أغمي عليه.
وفي رواية : " غَبِيَ " ، بفتح الغين وتخفيف الباء ، مأخوذة من ماذا ؟ من الغباوة ، وهي عدم الفطنة .
والمعنى الإجمالي واحد، أي إن لم تروا الهلال بسبب حائل حال دون رؤيته ؛ فاقدُروا له .
إذاً الواجب علينا أن نصوم برؤية هلال رمضان ، إذا ما تمكّنا من رؤيته وحال دون رؤيته حائل قال : "فاقدروا له " ماذا يعني بقوله : فاقدروا له ؟
قيل معناه : ضيِّقوا عليه ، وكيف يكون هذا التضييق ؟ قالوا يكون بأن تجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً ،تأخذ بالأقل ؛ لأن الشهر إما أن يكون تسعة وعشرين أو أن يكون ثلاثين يوماً.
وقيل هو من التقدير ، أي ارجعوا إلى الحساب .
وقيل : أي أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ، وهذا هو القول الصحيح الذي دلت عليه الأدلة ؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم – في رواية عند مسلم : " فاقدروا له ثلاثين " .
ورواية البخاري : " فأكملوا العدة ثلاثين " .
وفي رواية عند أحمد : " فعدوا ثلاثين يوما " .
روايات واضحة وصريحة في أن المراد أن تكملوا شعبان ثلاثين يوما .
وهذه الرواية التي عند أحمد صححها شيخنا الوادعي رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح .
وفي رواية عند البخاري من حديث أبي هريرة وهو الحديث الآتي : " أكملوا عدة شعبان ثلاثين " .
لذلك – والله أعلم – ذكر الحافظ ابن حجر روايات هذا الحديث الحديث .
قال الصنعاني رحمه الله : الحديث دليل على وجوب صوم رمضان لرؤية هلاله ، وإفطار أول يوم من شوال لرؤية هلاله .
وظاهره اشتراط رؤية الجميع له من المخاطبين ؛ لكن قام الإجماع على عدم وجوب ذلك ، بل المراد ما يثبت به الحكم الشرعي من إخبار الواحد العدل أو الاثنين على خلاف في ذلك .
والصحيح أنه يثبت رمضان برؤية واحد عدل كما سيأتي إن شاء الله .
قال ابن بطال : في الحديث دفع لمراعاة المنجمين ، وإنما المعول عليه رؤية الأهلة ، وقد نهينا عن التكلف . وقد قال الباجي في الرد على من قال : إنه يجوز للحاسب والمنجم وغيرهما الصوم والإفطار اعتمادا على النجوم ، قال : إن إجماع السلف حجة عليهم .
وقال ابن بزيزة : هو مذهب باطل قد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم ؛ لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع .
قال الصنعاني رحمه الله قال الشارح : قلت : والجواب الواضح عليهم ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال :" إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ،الشهر هكذا وهكذا " - يعني تسعة وعشرين مرة ، وثلاثين مرة - . والحديث متفق عليه .
هذا ما يتعلق بالحديث الثالث .
أما الحديث الرابع فقال الحافظ :
وله – أي للبخاري – في حديث أبي هريرة رضي الله عنه " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " .
وهذه الأحاديث نصوص في وجوب الصيام إما برؤية الهلال أو بإكمال شعبان ثلاثين يوما . والله أعلم.
الحديث الخامس والأخير، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : تراءى الناس الهلال ، فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته ؛ فصام وأمر الناس بصيامه .
رواه أبو داود ، وصححه الحاكم وابن حبان .
هذا الحديث أخرجه أبو داود في سننه ، وأخرجه الدارمي وغيرهما ، قال الدارقطني : تفرّد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة .
وقدتابعه هارون بن سعيد الأَيْلي عن ابن وهب ، ولم يتفرد به مروان كما قال الدارقطني.
وقد صححه غير واحد من أهل العلم آخرهم الشيخ الألباني رحمه الله ، وشيخنا الوادعي في الجامع الصحيح - رحم الله الجميع - قال شيخنا رحمه الله بعد أن ذكره في الجامع الصحيح : هذا حديث حسن على شرط مسلم.
وقوله في الحديث :" تراءى الناس الهلال " أي اجتمعوا لرؤية الهلال فلم يره غير ابن عمر رضي الله عنه ، فاعتمد النبي - صلى الله عليه وسلم - رؤية ابن عمر فصام وأمر الناس بالصيام بناء عليها .
ففي هذا الحديث أنه يُكتفى برؤية عدل واحد للهلال ، إذا رأى الهلال عدل واحد نُثبت بذلك دخول شهر رمضان .
وقد اختلف أهل العلم في ذلك .
قال الإمام البغوي رحمه الله في شرح السنة : واختلف أهل العلم في وجوب الصوم بشهادة واحد .
فذهب أكثرهم إلى أنه يجب بشهادة الواحد ، وبه قال ابن المبارك وأحمد وهو أحد قولي الشافعي .
قلت : والدليل معهم ، هذا الدليل بين أيدينا أمامنا .
والذين خالفوهم اعتمدوا على القياس وأنتم تعلمون بارك الله فيكم أن القياس إذا خالف النص فهو باطل مردود ، إذا وُجد عندنا نص في المسألة فنكتفي بالنص ونترك القياس .
طيب نكتفي بهذا القدر ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم .


آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 20-12-2012 الساعة 06:21
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 09:22   #3
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الثالث]

[الدرس الثالث]
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تقدم معنا في شرح بلوغ المرام حديث ابن عمر الذي قال فيه : تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته ، فصام وأمر الناس بصيامه .
وهو حديث صحيح كما تقدم معنا وأخذنا منه جواز الصوم بشهادة الواحد العدل .
ومعنا اليوم حديث ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه أن أعرابياً جاءإلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني رأيت الهلال ، فقال : أي النبي - صلى الله عليه وسلم - :" أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ " قال : نعم ، قال :" أتشهد أنمحمداً رسول الله ؟ " ، قال : نعم ، قال :" فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غداً " .
رواهالخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح النسائي إرساله .
قول الحافظ رحمه الله : رواه الخمسة ؛ أي أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .
وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح النسائي إرساله ؛ أي أن هذا الحديث روي موصولا ، وروي مرسلاً .
رواه سِماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواه جماعة عن سِماك عن عكرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
المرسل ما أضافه التابعي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث روي بوجهين ، روي عن سِماك عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أي متصلاً ، مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وروي مرسلاً ؛ أي من رواية عكرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يُذكر فيه ابن عباس .
وهذا الخلاف مثله في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلمكثير .
وطريقة النقاد في الحكم على حديث كهذا النظر إلى القرائن ، فنظرنا هاهنا وجدنا أن جماعة يروونه عن سماك عن عكرمة مرسلا ، فالجماعة الأكثر والأحفظ هم الذين يروونه مرسلا ، والأقل حفظاً وعدداً يروونه ماذا ؟ متصلاً ؛ لذلك وجدنا أن النسائي رحمه الله قال فيه : إنه مرسل ، فصوَّب رحمه الله المرسل ؛ لأن الذين رووه مرسلاً أكثر عدداً وأقوى حفظاً .
فإذاً الصحيح في هذا الحديث أنه مرسل وليس متصلاً هذه العلة الأولى .
والعلة الثانية : أننا لو نظرنا إلى رواية سِماك عن عكرمة لوجدناهارواية ضعيفة لماذا ؟
لاضطرابها ، أي أن سِماك عندما يروي عن عكرمة يضطرب في الأحاديث التي يرويها ، يرويها على أوجه مختلفة مما يدل على أنه لا يحفظ الأحاديث التي يرويها عن عكرمة حفظاً جيداً .
قال يعقوب ابن شيبة رحمه الله : قلت لعلي بن المديني : رواية سِماك عن عكرمة ؟ فقال : مضطربة .
وقال يعقوب ابن شيبة : روايته عن عكرمة خاصة مضطربة ، وهو في غير عكرمة صالح وليس من المتثبتين . والتحقيق في رواية سِماك عن عكرمة أنها مضطربة وضعيفة مطلقاً كما نص على ذلك غير واحد من الحُفاظ النقاد المتقدمين .
فهذا الحديث له علتان :
الأولى : اضطراب رواية سِماك عن عكرمة.
والثانية : أنه رُوِيَ متصلاً وروي مرسلاً والصواب فيه الإرسال .
فالحديث ضعيف .
أما من الناحية الفقهية فقد استدل به أهل العلم على مسألتين :
الأولى : ما تقدم في حديث ابن عمر أن شهادة العدل الواحد على رؤية الهلال يثبت بها دخول شهر رمضان .
وهذه المسألةصحيحة ، ولكننا لسنا بحاجة إلى الاستدلال بهذا الحديث لأنه حديث ضعيف ، ويكفينا في هذاحديث ابن عمر .
والمسألة الثانية التي استدلوا بهذا الحديث عليها : أن الأصل في المسلم العدالة لماذا ؟ قالوا : لأن هذا الأعرابي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام عن الشهادتين فأقر بهما فقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - خبره قالوا : إذاً الأصل في المسلم العدالة .
فرد عليهم أهل العلم قالوا : على التسليم بصحة هذا الحديث فهذا الحديث يحتمل أن يكون خبر ذلك الأعرابي قد وقع قرب إسلامه وهو في ذلك الوقت طاهر من كل ذنب ؛ لأن الإسلام يجب ماقبله ، فكان عدلاً ، لا بناء على أن أصل المسلم العدالة .
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله : ولا نعلم الصحابة قبلوا خبر أحد إلا بعد اختبار حاله والعلم بسداده واستقامة مذهبه وصلاح طرائقه ؛ وهذه صفة جميع أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهن من النسوة اللاتي روينَ عنه ( أي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ) وكل مُتَحَمِّل للحديث عنه صبياً ثم رواه كبيرا ، وكل عبد قُبِلَ خبره في أحكام الدين .
( أي كل هؤلاءعُلِمَتْ عدالتهم لذلك قُبِلَتْ أخبارهم عند صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) إذاً لا يصح أن يقال : إن الأصل في المسلم العدالة ؛ بل الأصل فيه أنه مجهول الحال حتى نعلم حاله .
هذا ما يتعلق بهذا الحديث ، وعلى كل المسألة المرادة منه هاهناأن خبر العدل الواحد مقبول في إثبات دخول شهر رمضان ، وهذا مستفاد من حديث ابن عمرالمتقدم وهذا الحديث ضعيف . والله أعلم
الحديث الذي بعده حديث حفصة أم المؤمنين ، قالت : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من لم يُبَيِّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له "أي من لم ينوِ الصيام قبل الفجر فصيامه غير صحيح .
رواه الخمسة ، ومال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه ، وصححه مرفوعاً ابن خزيمة وابن حبان .
وللدارقطني ( أي في رواية الدارقطني التي رواها في سننه ) " لا صيام لمن لم يفرضه من الليل " .
الحافظ ابن حجر رحمه الله يقول في تخريج هذا الحديث : رواه الخمسة ، أي أحمد وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجة ، قال : ومال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه ،ماذا نفهم من هذا ؟ نفهم من هذا أن الحديث روي موقوفاً وروي مرفوعاً ، قلنا ما معنى الموقوف ؟ الذي هو من كلام الصحابي من قول الصحابي ، وليس من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وروي مرفوعاً أي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أي روي على صورتين
على صورة ؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلاصيام له " ، وروي أن حفصة هي التي قالت :" من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له "فما الصواب في هذا الحديث ؟
روي هكذا وروي هكذا ، الترمذي رحمه الله والنسائي مالا إلى ترجيح الوقف ، أي أنه عندهما موقوف وليس مرفوعا ، والرفع خطأ .
وابن خزيمة وابن حبان صححا المرفوع .
رواه عن الزهري جماعة ووقفوه ، رواه الجماعة عن الزهري عن سالم عن حفصة من قولها .
ورواه راوٍ عن الزهري مرفوعاً ، طيب حصل فيه خلاف وروي عن الزهري بأوجهٍ أخرى ( خرَّجها النسائي في الكبرى) ورجح الحفّاظ النقّاد وقفه ، قال الإمام البخاري رحمه الله فيه : هو خطأ ، وهو حديث فيه اضطراب ، والصحيح أنه موقوف على ابن عمر .
وقال الإمام أحمد: ماله عندي ذلك الإسناد.
ورجح الوقف أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم .
قال أبو داود أوقفه معمر والزَّبيدي وابن عيينة ويونس الأَيلي على حفصة .
فبما أن الذين رووه موقوفاً جماعة عن الزهري فالراجح هو قول الجماعة هؤلاء ، وهم أئمة جهابذة كما ترى فإذاً الصحيح أن هذاالحديث ليس حديثاً نبوياً ، وأن هذا الكلام من كلام حفصة .
وقد صح عن حفصة وصح عن ابن عمر أنهما قالا " من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له " .
قال شيخنا الوادعي رحمه الله : هذا حديث ضعيف مضطرب أي المرفوع .
هذا ما يتعلق بتخريج هذا الحديث والحكم عليه .
وسيأتي الكلام على فقهه بعد أن نذكر حديث عائشة لأن بينهما ارتباط فيهذه المسألة وهي مسألة النية في الصيام .
قال الحافظ : وعن عائشة رضي الله عنها ، قالت : دخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ( يوم من الأيام ) فقال : هل عندكم شيء ؟ قلنا : لا ( أي عندكم شيء يؤكل ؟ فقالت عائشة : لا ) قال : فإني إذاً صائم". ( بعض الأيام كانت تمر على بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس فيه طعام ، فمرة سأل عن طعام ، فقيل له لا يوجد في البيت طعام ، فقال : فإني إذاً صائم، أي أنه لم يعقد النية على الصيام من الليل ، نوى الصيام في هذه اللحضة ) .
ثم أتانا يوماً آخر ( تقول عائشة : ثم أتانا النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم آخر) فقلنا : أُهدي لنا حَيس ( طعام من تمر وأقِط وسمن ، جاءهم هدية ) فقال (أي النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة ) :" أرنيه فلقد أصبحت صائماً "، فأكل .
( كان قدعقد العزم وعقد النية على الصيام فأكل ) . رواه مسلم في صحيحه .
حديث حفصة وحديث عائشة ذكرهما الحافظ ابن حجر رحمه الله هنا لتقرير مسألة النية في الصيام .
واعلم أن الصيام لا يصح إلا بالنية ، اتفق أهل العلم على ذلك ؛ إلا من شذّ وجميع الأعمال الشرعية التعبدية لا تصح إلا بالنية ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " إنماالأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " الحديث .
واختلف أهل العلم في تبييت النية- أي عقد النية على الصيام من الليل قبل طلوع الفجر - هل هو شرط في صحة الصيام أم يجوز لك أن تعقد النية في أثناء النهار ؟
في المسألة أقوال : منها: أنه يجزئ كل صوم فرضاً كان نفلا بنية قبل الزوال ، قبل زوال الشمس ،يعني قبل وقت الظهر كما دل عليه حديث عاشوراء وحديث عائشة ، الذين قالوا بهذا القول استدلوا بحديث عائشة ؛ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل فلم يجد طعاماً فقال : إني إذاً صائم ، أي عقد النية في أثناء النهار .
واستدلوا أيضاً بحديث عاشوراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقد النية في النهار وأمر بصيامه في النهار ، فقالوا : هذا يدل على أن عقد النية في أثناء النهار صحيح ولا يُشترط عقدها قبل الفجر .
وقالت طائفةأخرى ، ومنهم الإمام مالك رحمه الله : لا يُجزئ الصوم إلا مبيتاً من الليل فرضاً كان أو نفلا ، على ظاهر حديث حفصة الذي تقدم معنا فأخذوا بظاهر حديث حفصة وتركوا دلالة حديث عائشة .
والقول الثالث وهو قول الشافعي وأحمد: التفريق بين الفرض والنفل ، قالوا : الفرض لا يُجزئ إلا بتبييت النية ، أي يجب أن تعقد النية على الصيام قبل فجر اليوم الذي تريد أن تصومه ، هذا في الفريضة ، أما في النافلة فقالوا : يُجزئ.
فجمعوا بين حديث حفصة وحديث عائشة فحملوا حديث عائشة على النفل كما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وحديث حفصة على الفريضة ، واستدلوا أيضاً بأن جميع الزمان ( أيمن أول اليوم إلى آخره ) يجب فيه الصوم.
والنية يجب أن تكون قبل البدء بالعمل كما في جميع العبادات ، قالوا : والنية لا تنعطف على الماضي .
فإذا صمت من أثناء النهار لم تنوِ من الليل ؛ ما تكون قد صمت هذه الفترة الزمنية التي لم تعقد النية فيها ، قالوا : لذلك لا يصح صيام الفريضة ؛ إلا إذا عقدت النية من الليل كي تكون صمت اليوم كاملاً.
هذه أدلة هذا الفريق قالوا : وأما النفل فيجزئ بنية النهار ويكون أجرك وثوابك من الفترة التي نويت فيها الصيام .
والبعض قال : لا ، يأخذالأجر كاملا .
واستدلوا بحديث عائشة على أنه تصح في النفل عقد النية في أثناءالنهار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وهذا أوسط الأقوال ،أوسط الأقوال وأعدلها وفيه الجمع بين جميع الأحاديث وعدم إهمال أي حديث منها .
وكمايقول أهل العلم عندما تريد أن تنظر في مسألة ينبغي أن تُعمل جميع الأدلة وأن لا تُهمل منها شيئاً .
وبهذا القول نكون قد عملنا بجميع الأدلة العامة والخاصة ، وهو كماتقدم قول الشافعي و أحمد رحمهما الله .
واختلف قولهما هل يجزئ التطوع بنية بعد الزوال؟ أي أنهما اتفقا على جواز عقد نية صيام النفل قبل الزوال ؛ لكن إن نويت الصيام بعد الزوال ( بعد دخول وقت الظهر ) قال أي شيخ الإسلام : والأظهر صحته كما نُقل عن الصحابة .
بما أنه نقل عن الصحابة أنهم أفتوا بذلك فهم أعلم بهذا ، فيجوز حتى ولو عقد النية بعد الزوال لكن بشرط أن لا يكون قد أكل أو شرب في أثناءالنهار .
قال الترمذي رحمه الله بعد أن ذكر حديث حفصة قال : وإنما معنى هذا عند أهل العلم لا صيام لمن لم يُجمِع الصيام قبل طلوع الفجر - أي لمن لم ينوِ الصيام قبل طلوع الفجر - في رمضان أو في قضاء رمضان أو في صيام نذر- أي في صيام واجب -إذا لم ينوه من الليل لم يجزه .
وأما صيام التطوع فمباح له أن ينويه بعدما أصبح وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق .
هذا كلام الترمذي رحمه الله - هذا ما يتعلق بمسألة النية .
إذاً الخلاصة أنه يجب عليك أن تنوي الصيام قبل طلوع الفجر ، تنوي صيام ماذا؟ صيام رمضان قبل طلوع الفجر من غير كثرة وسوسة ، الإنسان بطبيعة حاله عندما يستيقظ كي يتسحر مثلاً أو عندما يعلم أن غداً رمضان يكون قد انعقد في نفسه أنه يريد أن يصوم ، فالمسألة لا تحتاج إلى وسوسة وإلى تصرفات غير مشروعة ، لا، مجرد أنه انعقد قلبك على أن تصوم غداً انتهى الأمر هذا المقصود بالنية .
ومحل النية هو القلب ولايُشترط نطق اللسان بلا خلاف كما قال النووي رحمه الله ، قال : لا يُشترط نطق اللسان بلاخلاف .
قلت : بل لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل عليه ، إذاً فهو غير مشروع أصلاً أن تنوي بلسانك ، نيتك في قلبك كافية وهو المطلوب .
وهل يجب لكل يوم من أيام رمضان نية مستقلة أم يكفي الشخص أن ينوي نية واحدة لصيام الشهر بالكامل ؟ اختلف أهل العلم فيذلك فمنهم من قال : يجب لكل يوم نية مستقلة ، قالوا: لأن أيام رمضان عبادات مستقلة وليست كلها عبادة واحدة ، لا كل يوم عبادة مستقلة ، والدليل على ذلك أن فساد أحد هذه الأيام لا يفسد اليوم الآخر ؛ دل ذلك على أن كل يوم عبادة مستقلة بحاجة إلى نية مستقلة .
وقالت الطائفة الثانية : النية من أول الشهر تكفي للشهر كله ، إذا عقد الشخص النية من أول الشهرعلى أن يصوم الشهر بالكامل كفته هذه النية ولا يلزمه أن ينوي لكل يوم نية ما لم يفطر في يوم من الأيام عندئذ يحتاج أن يجدد النية .
أما إذا لم يفطر في أي يوم من الأيام فيكفيه أن ينوي أول الشهر ولا يحتاج أن يجدد لكل يوم نية .
واحتجوا بماذا ؟ قالوا : الحجة في ذلك أن الشهر كله عبادة واحدة فيكفي لها نية واحدة ؛ لقول الله تبارك وتعالى (( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )) قالوا : والشهر هنا اسم زمان واحد ، فكان الصوم من أوله إلى آخره عبادة واحدة كالصلاة والحج ،وهذا القول هو الصواب .
ويظهر أثر الخلاف أين ؟
في رجل نام بعدصلاة عصر يوم من أيام رمضان ، ولم يستيقظ إلا في اليوم الثاني في نهاره ( الليل كله ذهب وهو نائم ) فلم يعقد النية على صيام اليوم الثاني واستيقظ في أثناء النهار، هل صيامه صحيح أم لا ؟
الذين يقولون : يجب أن ينوي لكل يوم نية مستقلة يقولون : صيامه غير صحيح ؛ لأنه لم يعقد النية .
والذين يقولون لا يجب أن ينوي لكل يوم نية مستقلة ، وأن نيته من أول الشهر تكفي؛ يقولون صيامه صحيح ، وهذا هو الصحيح .
وحديث عائشة يدل أيضاً على أن الصائم المتطوع أمير نفسه ،إن شاء أكمل صيامه وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه .
ودليل ذلك في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أتى في اليوم الآخر ووجد عندهم طعاماً ؛ قال " فلقد أصبحت صائما " ثم أكل ، دل ذلك على ماذا ؟ على أنه يجوز له أن يفطر فهو أميرنفسه، الأمر إليه إن شاء أكمل وإن شاء قطعه ، وبهذا القول قال سفيان الثوري وأحمدبن حنبل وإسحاق بن راهويه والإمام الشافعي رحم الله الجميع .
هذا ما يتعلق بحديث حفصة وحديث عائشة .
الحديث التاسع : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : وعن سهل ابن سعد رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يزال الناس بخيرما عجلوا الفطر " متفق عليه .
وللترمذي ( أي في رواية للترمذي أو في رواية الترمذي)من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قال الله عزوجل : أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً " وهذا الحديث العاشر ، هذان الحديثان ساقهما الحافظ ابن حجر رحمه الله كي يدلنا على سُنّيةِ تعجيل الفطر ففي هذين الحديثين أن تعجيل الفطر سنة مستحبة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" لا يزال الناس بخيرما عجلوا الفطر " الحديث الأول حديث سهل بن سعد متفق عليه .
الحديث الثاني حديث الترمذي حديث أبي هريرة الذي قال الله عز وجل فيه " أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا " حديث قدسي لكن ما حاله ؟ أخرجه الترمذي من حديث قرة ابن عبدالرحمن المعاشري عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرة هذا الذي يرويه عن الزهري ضعيف لسوء حفظه، ومع ضعفه أسقطه بعضهم من الإسنادأصلاً ؛ لكن الصحيح أنه مثبت في الإسناد، وهو ضعيف لسوء حفظه .
فعلّة الحديث هي ضعف قرة بن عبد الرحمن هذا الذي يرويه عن الزهري .
ووجدنا له متابعاً عند الطبراني ، فرواه الطبراني عن مسلمة ابن علي عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري .
ولكن مسلمة بن علي هذا متروك الحديث ، أي أنه شديد الضعف، لا يصلح في المتابعات .
فالحديث ضعيف ، بما أن الشخص الذي تابع الضعيف متروك أي شديد الضعف فلا ينجبر الإسناد الأول به فيبقى الحديث على ضعفه فالحديث ضعيف .
ضعفه ابن القطان الفاسي والعلامة الألباني رحمهم الله .
لكن حديث سهل بن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :" لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " يكفينا ، وهو حديث متفق عليه.
ويدل الحديث على استحباب تعجيل الفطر بعد غروب الشمس .
قال الترمذي رحمه الله بعد أن أخرج الحديث : وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم استحبوا تعجيل الفطر ، وباستحباب تعجيل الفطر يقول الشافعي وأحمدوإسحاق .
إسحاق هو ابن راهويه .
وأحمدهو الإمام ابن حنبل .
والشافعي الإمام محمد بن إدريس .
وقوله في الحديث " لا يزال الناس بخير " أي بخير في دينهم لتمسكهم بالسنة ما عجلوا الفطر، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: أي مدة فعلهم ذلك ، امتثالاً للسنة ، واقفين عند حدها،غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدهم .
أي أنهم يتمسكون بالسنة ويعملون بالسنة لايعملون بما دلتهم عليه عقولهم وآراؤهم .
واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس .
يعني لا يعجل الفطر قبل أن تغرب الشمس ، لا ، المقصود من هذاالحديث إذا تحقق من غروب الشمس يبادر ويعجل إلى الفطر .
وفي هذا الحديث رد على الشيعة الذين يؤخرون الفطر إلى ظهور النجوم .
قال الحافظ : وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" تسحروا فإن في السَّحور بركة " متفق عليه ، السَّحور : بفتح السين ( السَّحور)ما يُتسحر به وقت السَّحر من طعام أو شراب .
وقت السحر الذي هو آخر الليل قبيل الصبح .
الطعام الذي يأكله الشخص في ذاك الوقت يسمى سَحوراً .
والبركة كثرة الخير ، أي أن الله سبحانه وتعالى يجعل خيراًكثيراً في الأكل الذي يؤكل في ذاك الوقت.
والبركة تحصل بأشياء كثيرة .
منها : اتباع السنة . ومنها : التقوي بالسحور على العبادة والزيادة في النشاط وغير ذلك .
وهل الأمر هنا بالتسحر للوجوب أم للاستحباب ؟
الأمر هاهنا للاستحباب وليس للوجوب ، من المقررفي أصول الفقه أن الأصل في الأمر لماذا ؟ للوجوب وهذا صحيح ، ما الذي صرف الأمرهنا عن الوجوب إلى الاستحباب ؟ استدل الإمام البخاري رحمه الله على عدم الوجوب بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه واصلوا ولم يُذكر أنهم تسحروا ، جاء في الحديث الذي سيأتي إن شاء الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه واصلوا في الصيام.
أي صاموا يوماً وبعده يوم آخر من غير أن يفطروا ، هذا هو الوصال فكونهم واصلوا إذاً ماذا ؟ لم يتسحروا فكونهم تركوا السحور فمعنى ذلك أن السحور ليس بواجب.
وهذا الاستدلال صحيح ، وهو في محله .
ونقل ابن المنذر الإجماع على نُدبية السحور ، أي على استحبابه .
وقال ابن قدامة في المغني : ولا نعلم فيه خلافاً ، أي على استحباب السحور وعدم وجوبه .
تقول السَّحور بفتح السين لِما يؤكل في وقت السحر .
والسُّحور بضم السين تطلقه على الفعل ( على فعلك أنت ) ، هذا الفرق بين السَّحور والسُّحور.
ويحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكل أو مشرب ؛ إذ لم يشترط في كميته أو قدره أي شيء.
ووقته ( أي وقت السّحور ) آخر الليل ، وذلك لأنه مشتق من السَّحر ، والسَّحَر هو آخر الليل ، وجمعه أسحار ، قال الله تعالى (( وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ )) .
ويبقى وقته إلى طلوع الفجر ، وقت الإمساك إلى طلوع الفجر فإذا طلع الفجر انتهى وقت السحور .
ويستحب تأخيره لماذا ؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤخره كما جاء في الصحيحين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : تسحرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قام إلى الصلاة ، قلت : ( أي القائل أنس الذي يروي عن زيد بن ثابت ) كم كان بين الآذان والسحور ؟ قال : قدر خمسين آية .
قال الشيخ ابن باز رحمه الله خمسون آية بتلاوة متأنية مرتلة ؛ نحو خمس أو سبع دقائق إلى عشر دقائق بتوقيتنا الزمني اليوم .
من خمس إلى عشر دقائق كان بين سحور النبي - صلى الله عليه وسلم – وصلاته ،إذاً يُستحب تأخير السحور .
وعن سلمان بن عامر الظبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :" إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر ، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور " رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم .
الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة هؤلاء الخمسة من حديث حفصة بنت سيرين عن الرباب بنت صُلَيع عن عمها سلمان به .
والرباب هذه مجهولة الحال ؛ فالحديث ضعيف .
وقد ورد بنحوه من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أنس بن مالك .
في حديث سليمان بن عامر أمرٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر ، فإن لم يجد فليفطر على ماء " .
وهذا الحديث كما ذكرنا ضعيف في سنده الرباب بنت صليع وهي مجهولة الحال .
وورد من حديث أنس من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كان رسولالله - صلى الله عليه وسلم - يفطر على رطبات قبل أن يصلي ، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات ، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء " أخرجه أبو داوود وغيره .
نسمع كلام النقاد فيه ، قال فيه أبو حاتم الرازي وأبوزرعة الرازي : لم يرفع إلا من حديث عبد الرزاق ، ولا ندري من أين جاء به .
يعني من أين جاء به مرفوعاً، ما يدلك على أنهم قد وقفوا عليه غير مرفوع .
وقال النسائي رحمه الله : هو خطأ ، والصواب حديث سلمان .
أي أن بعض الرواة وهم فيه ، فغير إسناده وغير لفظه .
قلت : الحديث يرويه عبد الرزاق الصنعاني ، عن جعفر بن سليمان الضبعي ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك .
وجعفر بن سليمان هذا كان يتشيع ، وهو وإن كان صدوقا إلا أن له مناكير ، وتكلم فيه ، وخاصة في روايته عن ثابت ، وهذه منها .
وبما أن علماء العلل انتقدوا حديثه هذا ، وهو من روايته عن ثابت التي هي في أصلها منتقدة ؛ فيكون هذا الحديث من مناكيره التي لا تقبل ، فالحديث ضعيف .
واستطرادا أذكر لكم هذه القصة .
هذه القصة يرويها ابن معين .
قال يحيى بن معين رحمه الله : سمعت من عبد الرزاق كلاما يوما ، فاستدللت به على ما ذكر عنه من المذهب – أي التشيع - ، فقلت له : إن أستاذيك الذين أخذت عنهم ثقات ، كلهم أصحاب سنة ؛ معمر ومالك بن أنس وابن جريج وسفيان والأوزاعي .
فعمن أخذت هذا المذهب ؟
فقال : قدم علينا جعفر بن سليمان الضبعي فرأيته فاضلا حسن الهدي فأخذت هذا عنه .
أعجب كل العجب من شخص يقول لك : اترك بدعة المبتدع ، وخذ منه الشيء الآخر .
انظر إلى هذا ، أعجب بحسن هديه فاخذ عنه .
أمر معروف التلميذ يتأثر بشيخه ، يعجب بهديه وسمته وأخلاقه .
فإذا رأى منه ذلك مال إليه ، فصدقه وأخذ عنه ، وترك ما يعرف لاغتراره به .
فيقول رأيت فيه صلاحا وخيرا فكيف يكون ضالا ؟ !!
هذا القول خطير جدا ، وخطأ لا يجوز أن يعول عليه ، المبتدع مبتدع ، لا يأخذ عنه شيء .
عندنا علماء وطلبة علم من أهل السنة نأخذ عنهم ونكتفي بهم ، ونحفظ ديننا . والله أعلم



آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 20-12-2012 الساعة 06:22
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 09:33   #4
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [الدرس الرابع]

[الدرس الرابع]

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد :
فنكمل إن شاء الله تبارك وتعالى في درسنا هذا شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام وهو الدرس الرابع من دروس هذا الشرح .
قال المؤلف رحمه الله : وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال،فقال رجل من المسلمين : فإنك تواصل يا رسول الله ؟ فقال : وأيكم مثلي ؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني .
فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماًثم يوماً ثم رؤوا الهلال ، فقال : لو تأخر الهلال لزدتكم كالمُنَكِّل لهم حين أبوا أن ينتهوا " متفق عليه
هذا الحديث متفق عليه كما قال المؤلف رحمه الله أي أخرجه البخاري و مسلم من حديث أبي هريرة
والوصال هو صوم يومين فصاعداً من غير أكل وشرب بينهما .
أي عندما تغرب الشمس لا تفطر تبقى صائما إلى اليوم الثاني هذايسمى وصالاً .
هذا الوصال نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه أصحابه ، فقال رجل من المسلمين : فإنك تواصل يا رسول الله ؟ وأفعاله عليه الصلاة والسلام كانوا يتأسون بها فقال عليه الصلاة والسلام : " وأيكم مثلي ؟ أي هذا الوصال خاص بي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " دل بهذا على أن هذا الفعل خاص به - صلى الله عليه وسلم –
عندنا قاعدة أصولية أن الأصل في أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها للتأسي أي يشرع لنا أن نتأسى به بها لقول الله تبارك وتعالى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }.
دل ذلك على أن التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مطلوب ومرغب به لكن هناك أفعال خاصة به - صلى الله عليه وسلم - هذه الأفعال تبيَّن في أدلة خاصة ، فإن جاء دليل يدل على أن الفعل خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فيجب أن يُستثنى من التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ، كما في هذا الحديث الذي معنا ، كان عليه الصلاة والسلام يواصل في الصيام أي يصوم يوماً ثم يتبعه بيوم آخردون أن يفطر ففعل ذلك الصحابة فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الفعل.
وقال لهم : " أيكم مثلي ؟ " أي لا أحد مثلي ، في ماذا ؟ في كون الله تبارك وتعالى يطعمه ويسقيه .
ما معنى الإطعام والسقيا هنا ؟
معناه أن الله يجعل له قوة الطاعِم الشارب وليس معناه أنه يطعَم ويسقى حقيقة لأننا إذا قلنا إنه يطعم ويسقى حقيقة لايكون مواصلاً .
ففي هذا الحديث نهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وهو يتعدى لأمته عن الوصال فأبى الصحابة قطع الوصال فواصل بهم - صلى الله عليه وسلم - يوماً ثم يوماً وكان هذا في آخر الشهر فلما انتهى الشهر توقف عن الوصال .
وهذا فعله كالمنكل لهم أي عقاباً لهم على عدم استجابتهم لنهيهم عن هذا الفعل عاقبهم وأراد أن يواصل أكثر من يومين ، فلولا أنهم رؤوا الهلال لواصل بهم أكثر عقاباً لهم على فعلهم هذا .
فدل هذا الحديث على عدم جواز الوصال .
وقد اختلف أهل العلم في حكم الوصال ؛ فقال جمهور العلماء : إنه حرام ، الوصال حرام ، واستدلوا بهذا الحديث ( بهذاالنهي ) وكذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - :" إذا أقبل الليل من هاهنا - وأشارعليه الصلاة والسلام قِبَل المشرق - وأدبر الليل من هاهنا - أي من جهة المغرب - وغربت الشمس فقد أفطر الصائم " .
قالوا : فقد أفطر الصائم أي يجب عليه أن يفطر ، ولا يجوز أن يواصل .
القول الثاني لأهل العلم : أنه جائز ( أن الوصال جائز)، واستدلوا بمواصلة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه قالوا : لو كان حراماً لماواصل بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فكونه واصل بهم بعد النهي دل ذلك على أنه جائز وليس محرماً ، وإنما النهي كان رفقاً بأمته ورحمة بهم فقط .
القول الثالث في المسألة : أنه جائز إلى السَّحر فقط ، علمنا أن وقت السحر آخر الليل .
فقالوا يجوز الوصال إلى وقت السحر.
قالوا : مع أن الأولى ترك ذلك أصلاً واستدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر " وهذا حديث أخرجه البخاري في صحيحه وهو صحيح .
هذا القول الثالث وهو الأخير أنه يجوز الوصال إلى السحر فقط هو قول أحمد وإسحاق وابن المنذر ( أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي بكر بن المنذر وابن خزيمة ) يعني بعض أهل الحديث ، هؤلاء كلهم من أهل الحديث ، وجماعة من المالكية وهذا القول أصح الأقوال لماذا ؟
لأن به نجمَع بين جميع الأحاديث ، ولا نهمل شيئا منها ، والعمل بجميع الأحاديث أولى من ترك بعضها .
قالوا : وأما إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على الوصال بعدالنهي ( الوصال أصبح عندنا الآن كم معنى له ؟ له معنيان : الوصال : بمعنى أن تربط صيام اليوم الأول باليوم الثاني وأكثر .
والوصال : بمعنى أن تبقى صائماً إلى السحر .
الوصال بالمعنى الأول منهي عنه فهو محرم .
والوصال بالمعنى الثاني جائز وتركه أفضل .
وقالوا : وأما إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على الوصال بعد النهي فأراد به التنكيل أي العقاب ولم يرد به التقرير حتى نقول إنه جائز ؛ لأن الصحابة واصلوا معالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأقرهم عليه ، هو لم يقرهم على ذلك ولكن تابع معهم هذا الفعل كي يعاقبهم على عدم الالتزام بالنهي لذلك واصل بهم ، فهذا الفعل منه - صلى الله عليه وسلم - ليس إقراراً لهم كي نقول هو جائز بل هو عقاب لهم .
وبما أنه عقاب إذاً يدل على عدم الجواز لا يدل على الجواز ، وهذا المعنى مبين في نفس الحديث .
وكونه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الوصال إلى اليوم التالي رحمة بهم لا يمنع أن يكون النهي للتحريم ، بل يؤكده ؛ فإن من رحمته بهم أن حرمه عليهم فكونه نهاهم رحمة بهم لايدل على أن ذلك جائزاً بل يدل على أنه محرم لا يجوز حتى وإن كان النهي رحمة بهم ورأفة بل من كمال رحمته بهم أن نهاهم عن هذا الفعل نهائياً .
ومن واصل إلى السحر لايكون مواصلاً بالمعنى المنهي عنه وهو متابعة الصيام إلى اليوم التالي .
هذا خلاصة القول في هذا الموضوع ( أي موضوع الوصال ) ؛ أنه لا يجوز - يَحرم - الوصال الذي بمعنى متابعة الصيام من اليوم الأول إلى اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع هذا يحرم ، أماالوصال بأن تتابع الصيام إلى السحر فهذا جائز وإن كان تركه هو الأفضل والأحسن والمستحب أن تعجل في الفطر .
وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " رواه البخاري وأبو داود واللفظ له ( أي لأبي داود ) .
هذه المسألة الأولى من المسائل التي اختلف أهل العلم في كونها تبطل الصيام أم لا تبطله ، وهي قول الزور والعمل به والجهل والغيبة وما شابه ذلك ، هل هذه الأشياء تبطل الصيام أم لا تبطله ؟
قال هنا عليه الصلاة والسلام " من لم يدع قول الزور " قول الزور هو الكذب ، وقال بعض أهل العلم : هو كل قول محرم ؛ تدخل فيه الغيبة ، والنميمة ، والبهتان ، ويدخل فيهالكذب إلى آخر هذه الأقوال المحرمة .
والجهل الذي هو السفه بمعنى رفع الأصوات في الأسواق وسب الناس وشتمهم وما شابه ذلك ؛ فهذه محرمة في الصيام وفي غير الصيام لكن تحريمها في الصيام أشد تأكيدا .
قال " من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " أي أن المقصود الأعظم من الصيام هو ماذا ؟ هو تقوى الله سبحانه وتعالى وصلاح النفس وليس هو مجرد التجويع والتعطيش ، يؤكد هذاالمعنى قول الله تبارك وتعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ}ماذا ؟ {لعلكم تتقون } هذه هي الحكمة من شرعية الصيام .
والذي مارس الصيام وتعود عليه يعلم من نفسه كم يجلب له الصيام من تقوى ؟ وكم يجلب له من زيادة في الإيمان ؟ هذا هو المقصود من الصيام .
فالصيام سبب من أسباب زيادة الإيمان في القلب .
قال : " فليس لله حاجة " الله سبحانه وتعالى لا يحتاج لأحد لكمال ملكه وكمال قدرته سبحانه وتعالى ، وكمال قوته ؛ فهو لا يحتاج لأحد .
والمقصود بقوله " فليس لله حاجة " أي لا يريد الله تبارك وتعالى منكم صياماً فيه جهل وقول زور ، بل يريد منكم صياماً يؤدي بكم إلى التقوى وإلى الصلاح وإلى ترك كل ما نهاكم عنه .
في هذا الحديث تأكيد تحريم قول الزور على الصائم وأنه ينقص أجره بفعل الزور والجهل ، وهل يفطر الصائم إن وقع منه ذلك ؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة ؛ والصحيح أنه لا يفسد الصوم ، ولكنه ينقص الأجر ؛ لأن النهي عن قول الزوروالجهل ليس خاصاً بالصيام بل هو عام ويتأكد في الصيام . والله أعلم .
فلو كان خاصاًبالصيام لقلنا إنه يبطل الصيام ، ولكن بما أنه حكم عام محرم في الصيام وفي غير الصيام فلا يبطل الصيام . والله أعلم .
ثم قال المؤلف رحمه الله : وعن عائشة رضي الله عنهاقالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبِّل وهو صائم ويباشر وهو صائم ، ولكنه كان أملككم لأَرَبه " متفق عليه واللفظ لمسلم وزاد في رواية له " في رمضان "
أي كان يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم في رمضان ، القُبلة معروفة .
والمباشرة : مباشرة الرجل أهله أن يُلصق بشرته ببشرتها ، أي يلمسها ويقبلها ونحو ذلك دون جماع ،هذا المراد هنا بالمباشرة .
وتطلق أحياناً المباشرة ويراد بها الجماع كما في قول الله تبارك وتعالى { فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}.
لكن المباشرة هنا المراد بها ما ذكرنا ، غير الجماع ، لا يقصد بها المجامعة في هذا الموضع ؛ لذلك قالت عائشة رضي الله عنها : "ولكنه كان أملككم لِأَرَبِه " هذه الرواية رويت " الإِرْب " ورويت " الأَرَب " .
رويت الإِربُ بكسر الهمزة وسكون الراء ،ورويت بفتح الهمزة وفتح الراء .
روايتان في هذا الحديث .
الأَرَب تعني أنه كان قادراً على منع نفسه من الجماع ، الأَرَب : بمعنى الحاجة ، وتعني عائشة رضي الله عنها أنه كان قادراًعلى منع نفسه من الجماع .
والرواية الثانية : الإِرْبُ بكسر الهمزة وسكون الراء ، لهامعنيان :
الأول : بنفس معنى الرواية الأولى ( الحاجة ) .
والمعنى الثاني : العضو ، والمقصود هنا الذكر خاصة .
وبالجملة المعنى واحد أي أنه كان قادراً على ضبط نفسه عند المباشرة ،كان قادراً على منع نفسه من الجماع ، وعن الإنزال .
فهذا الحديث يدل على جواز التقبيل والمباشرة في الصيام ( جواز التقبيل والمباشرة بالعضو التناسلي وغيره).
ولا حرج في ذلك لمن كان قادراً على أن يملك نفسه .
وأما من لم يكن قادراً على ذلك فلا يجوز له أن يباشر سداً للذريعة .
وكذلك من كان يعلم من نفسه أنه يُنزِل المني لأن إنزال المني يفطر على الصحيح ، وإن كان في المسألة خلاف لكن على الصحيح أنه يفطر .
فمن كان قادراً على أن يضبط نفسه عن الجماع وعن الإنزال فيجوز له أن يقبل وأن يباشر وهوصائم ، ومن لم يكن قادراً على ضبط نفسه فلا يجوز له أن يفعل ذلك خشية أن يقع في المحظور .
وفي الرواية التي ذكرها مسلم في قوله : " في رمضان " دليل على أنه لا فرقبين صيام الفرض وصيام النفل في المباشرة والتقبيل .
وقد اختُلِف في القبلة والمباشرة للصائم اختلف العلماء في حكم هذه المسألة ؛ فكرهها قوم مطلقاً في الصيام ، وهو مشهور عند المالكية .
وقال آخرون بالتحريم واحتجوا بقوله تعالى { فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْحَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرَ } فقالوا هنا أَذِن بالمباشرة فقط قبل طلوع الفجر الصادق ، أما إذا طلُع الفجر فلا تجوز المباشرة .
لكن الصحيح أن المباشرة المراد هنا في الآية الجماع، وليست المباشرة التي فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم .
وبعض أهل العلم أباح القبلة مطلقاً ، وبالغ البعض فاستحبها بناء على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها ، لكن الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها لبيان الجواز .
وفرّق آخرون بين الشاب والشيخ فكرهوها للشاب وأباحوها للشيخ .
وجاء في هذا حديث عند أبي داود عن أبي هريرة أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المباشرة للصائم فرخص له،وأتاه آخر فسأله فنهاه .
فإذا الذي رخص له شيخ ، والذي نهاه شاب .
شيخ أي رجل كبير .
والرجل عندما يكبر تضعف شهوته ، أما الشاب فشهوته تبقى قوية ؛ لذلك فرقوا بين الشيخ والشاب ، قالوا : الشيخ يستطيع أن يضبط نفسه كون شهوته ضعيفة ، بخلاف الشاب شهوته قوية فلا يستطيع أن يضبط نفسه .
لكن هذا الحديث ضعيف لا يصح ، هذا الحديث في سنده راوٍمجهول الحال .
والذي يدل على أنه لا فرق بين الشيخ والشاب أنه جاء في صحيح مسلم من طريق عمر بن أبي سلمة وهو ربيب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيقبل الصائم ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام – "سَل هذه " لأم سلمة ، فأخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع ذلك أي يقبل وهو صائم فقال : يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : " أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له " .
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - بيّن له أن أفعاله يُتأسّى بها ، وإذا كان هو أتقانا لله وأخشانا له وكان يقبل ويباشر وهو صائم إذاً فيجوزلنا أن نقبل ونباشر ونحن صيام والشاهد هنا - رداً على الذين قالوا بالتفريق بين الشيخ والشاب - أن عمر بن أبي سلمة حينئذ كان شاباً وكان صغيراً فهذا دليل على أن الشاب داخل في هذا الحكم ( أي في جواز التقبيل ) والمباشرة .
وقال الترمذي رحمه الله : ورأى بعض أهل العلم أن للصائم إذا ملك نفسه أن يقبل وإلاّ فلا ليسلم له صومه ، وهو قول سفيان والشافعي .
وهذا هو الصحيح في هذه المسألة أنه يجوز للشاب وللشيخ أن يقبل وأن يباشر إذا استطاع أن يملك نفسه أو إذا علم من نفسه أنه قادر على أن يملك نفسه عن الجماع وعن الإنزال .
وقال المؤلف رحمه الله : وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم " رواه البخاري
الحجامة هل تفطر أم لا تفطر ؟ هل تفسد الصيام أم لا تفسدالصيام ؟
ذكر المؤلف الحديث الأول عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهوصائم وهو محرم واحتجم وهو صائم . رواه البخاري
والحديث الثاني
وعن شداد بن أوس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم في رمضان فقال : أفطرالحاجم والمحجوم " رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه أحمد وابن خزيمة وابن حبان
والحديث الثالث
وعن أنس بن مالك قال : أول ما كُرِهَت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهوصائم فمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " أفطر هذان " أي الحاجم والمحجوم ثم رخّص النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد في الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهوصائم . رواه الدارقطني وقواه .
هذه ثلاثة أحاديث ، الحديث الأول والحديث الأخير يدلان على أن الحجامة لا تفسد الصيام ، والحديث الثاني يدل على أن الحجامة تفسد الصيام.
أولاً نبدأ بحال هذه الأحاديث .
أما الحديث الأول فأخرجه البخاري فهو صحيح ، وإن كان منتقداً فبعض أهل العلم ضعفه لكن الصحيح أنه صحيح كما على ما ذهب إليه الإمام البخاري رحمه الله .
والحديث الثاني حديث شداد بن أوس أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال" : أفطر الحاجم والمحجوم " هذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة .
وجاءعن جماعة من الصحابة ، وليس فقط عن شداد ابن أوس ؛ لكن أصح ما ورد فيه حديث شداد وحديث ثوبان .
وصحح حديث " أفطر الحاجم والمحجوم " الإمام أحمد وعلي بن المديني وغيرهماوأدخله شيخنا الوادعي رحمه الله في الجامع الصحيح من حديث شداد ومن حديث ثوبان وقوّى أحدهما بالآخر .
الحديث صحيح بمجموع طرقه .
وأما حديث أنس بن مالك الأخيرالذي أخرجه الدارقطني فهو من حديث خالد بن مخلد عن عبد الله بن المثنى .
وخالد بن مَخلد وإن كان محتجاً به إلا أن له مناكير ، وعبد الله بن المثنى ضعيف لا يُحتج به .
قال ابن عبد الهادي في كتابه التنقيح بعد أن حكم على هذا الحديث بالنكارة قال : هذاحديث منكر لا يصح الاحتجاج به لأنه شاذ الإسناد والمتن .
وكيف يكون هذا الحديث صحيحاًسالماً من الشذوذ والعلة ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، ولا هو في المصنفات المشهورة ، ولا في السنن المأثورة ، ولا في المسانيد المعروفة ، وهم يحتاجون إليه أشداحتياج ولا نعرف أحداً رواه في الدنيا إلا الدارقطني ، رواه عن البغوي عن عثمان بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد به ، قال : وكل من رواه بعد الدارقطني إنما رواه من طريقه قال : ولو كان معروفاً لرواه الناس في كتبهم وخصوصاً الأمهات كمسند أحمدومصنف ابن أبي شيبة ومعجم الطبراني وغيرهم إلى آخر كلامه رحمه الله .
مرادي من ذكركلام ابن عبد الهادي التنبيه على قاعدة يذكرها أهل العلم أشار إليها ابن عبدالهادي هاهنا : أن الحديث إذا لم يكن في الصحاح ولا في السنن المشهورة المعروفة ولافي المسانيد المعتبرة وجاء في كتاب عرف برواية الغرائب والمناكير أو في جزء من الأجزاء أو في كتاب من الفوائد ؛ فلا يعني ذلك أن تعول على هذا الحديث فما أعرض عنه هؤلاء الأئمة الكبار أصحاب الصحاح وأصحاح السنن وأصحاب المسانيد ما أعرضوا عنه إلا لأنه من المنكرات الواهيات لذلك تركوه .
ومن عجيب ما نرى من بعض طلبة العلم أنه يأتي بحديث وجده في جزء فلان في جزء هلال الحفار أو في جزء ابن عرفة أو في فوائدفلان أو في الكامل لابن عدي الذي عُرف بتخريج مناكير الرواة ، ويقول لك : هذا حديث صحيح !!
يا أخي لو كان الحديث صحيحاً لما أعرض عنه أئمة هذا الفن ولما جعلوهمن مناكير فلان ، كونهم جعلوه من مناكير فلان إذاً فهو منكر ، حديث واهٍ ،لذلك أعرضوا عنه وتركوه وجعلوه من مناكير فلان وأنكروه على فلان ، فلا يصح مثل هذاالتصرف .
فمثل هذا الحديث الذي بين أيدينا تفرد بتخريجه الدارقطني ، والدارقطني في سننه معروف بأنه يخرج الأحاديث الغرائب والمنكرة فعندما يتفرد الدارقطني بتخريج حديث كهذا مع وجود راويين من الرواة الذين عرفوا برواية المناكير والأحاديث الضعيفة .
فنعلم من ذلك أن هذا الحديث منكر لا يعول عليه ولا يُنظر إليه .
فهذا الحديث حديث ضعيف وهو منكر كما قال ابن عبد الهادي رحمه الله .
أما معنى الحجامة فالحجامة هي مص الدم من الجرح بعد الشرط .
هذا تعريفها بعد شرط الجلد ومص الدم منه هذا يسمى حجامة إما أن يكون المص بالفم أو بآلة كالكأس .
واحتجم أي طلب الحجامة .
والحجّام من احترف هذه المهنة .
والبقيع مكان في المدينة .
وأما حكم الحجامة فقد اختلف العلماء فيها بناء على اختلاف الروايات التي وردت في هذه المسألة .
فالحديث الأول الذي معنا يدل على أن الحجامة لا تفطر الصائم .
والحديث الثاني وهو " أفطر الحاجم والمحجوم " يدل على أن الحجامة تفطر .
فقال بعض أهل العلم : الحجامة تفطر واستدلوا بحديث شداد وضعفوا حديث ابن عباس ، الحديث الأول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم ( ضعّفوه ) وبهذا القول قال عبد الله ابن المبارك والإمام أحمد وغيرهم .
وقال بعضهم : الحجامة لا تفطر ومنهم الإمام الشافعي واستدلوا بحديث ابن عباس أي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم ، وذكروا أنه ناسخ لحديث أفطرالحاجة والمحجوم وبهذا القول قال مالك ابن أنس والثوري وجمهور أهل العلم .
والصحيح في هذه المسألة أن الحجامة لا تفطر لحديث ابن عباس احتجم وهو صائم وورد عن جماعة من الصحابة أنهم احتجموا وهم صيام أو رخصوا في ذلك .
جماعة من الصحابة أفتوا بذلك وأخرج البخاري في صحيحه أن أنس بن مالك سئل أكنتم تكرهون الحجامة للصائم ؟ قال : لا إلا من أجل الضعف ، وفي رواية " أكنتم تكرهون الحجامة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - " .
إذا قلنا بأن الحجامة لا تفطر فمامعنى أفطر الحاجم والمحجوم ؟
قال البغوي رحمه الله : أي تعرضا للإفطار ، أما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه ؛ لأنه عندما يحجم يمص بفمه ، فإذا مص بفمه لايأمن أن ينزل الدم إلى جوفه فيفطر في هذه الحالة .
وأما المحجوم فلأنه لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم فيؤول أمره إلى أن يفطر .
وهذا أصح ما قيل في هذه المسألة وحديث أنس يدل على ذلك ( حديث أنس الذي أخرجه البخاري ) يدل على ذلك دلالة واضحة .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إلي احتياطاً ، قال : والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة والله أعلم.
وبناء على مسألة الحجامة تنبني عندنا مسألة التبرع بالدم هل التبرع بالدم يفطر أملا يفطر ؟ الصحيح أنه لا يفطر حملاً له على مسألة الحجامة فإذا قلنا بأن الحجامة تفطر قلنا بأن التبرع بالدم يفطر ، وإذا قلنا بأن الحجامة لا تفطر وهو الصحيح قلنابأن التبرع بالدم لا يفطر .
ومع ذلك نقول : الأحوط توقي ذلك فهو أفضل لكن بالنسبة للتبرع بالدم أحياناً الإنسان يضطر إلى ذلك .
المسألة الأخيرة في يومنا هذا مسألة الكحل
قال المؤلف رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتحل في رمضان وهو صائم " رواه ابن ماجة بإسناد ضعيف
وقال الترمذي لا يصح في هذا الباب شيء .
في مسألة الاكتحال ، هل الكحل يفطر أو لا يفطر ؟ لا يصح فيه شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال الترمذي رحمه الله .
فقد ضعّف أهل الحديث الأحاديث الواردة في ذلك ، واختلف أهل العلم في الكحل ؛
فقال الحنفية والشافعية لا يفطر ولو وجدطعمه في الحلق ، فإن العبرة ليست بوجود طعم الشيء في الحلق ولكن العبرة بوصول الشيء إلى الجوف ، فإذا وصل الشيء إلى الجوف فطّر ، أما مجرد أن يجد طعمه في الحلق الصحيح أن هذاغير معتبر كما قالت الشافعية والحنفية .
واحتجوا بالأحاديث الضعيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكتحل في رمضان .
وقال مالك وهو قول الحنابلة أيضاً : إن اكتحل وتحقق من وصول الكحل إلى الحلق فعليه القضاء يعني إذا وجد طعم الكحل في حلقه فعليه القضاء وإن تحقق عدم وصوله للحلق لا شيء عليه واستدلوا بالقياس على الاستنشاق .
قالشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر الكحل والتقطير وغيرها ( تقطير القطرةفي العين ) : والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك ؛ فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام ، فلو كانت هذه الأمور من ما حرمه الله ورسوله في الصيام ويفسد الصيام بها ؛ لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ، ولو ذكر ذلك لَعَلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه ، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك لا حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلا عُلِم أنه لم يذكر شيئاً من ذلك - أي النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ثم أخذ يبين ضعف الأحاديث الواردة في ذلك .
وقال رداً على الذين يحتجون بالقياس : إن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بياناً عاماً ولا بد أن تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا عُلِم أن هذا ليس من دينه وهذا كما يُعلم أنه لم يُفرَض صيام شهر غير رمضان ولا حج بيت غير البيت الحرام .
والخلاصة أننا لسنا بحاجة إلى القياس في مثل هذه المسائل والقياس لا يُصار إليه إلا عندالضرورة والله أعلم .
هذا ونكتفي بهذا القدر وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلاأنت أستغفرك وأتوب إليك.

أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 09:51   #5
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

[الدرس الخامس]

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ؛
فهذا المجلس الخامس من مجالس شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام.
قال المؤلف رحمه الله : وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " . متفق عليه .

وللحاكم ( أي رواية الحاكم ) " من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة ".
قال الحافظ : وهو صحيح .
أما عن حال الحديث ؛ فالرواية الأولى صحيحة ؛ لأنها في الصحيحين .
وأما الرواية الثانية - وهي رواية الحاكم - فهي من رواية محمد بن عمر بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة به .

ومحمد بن عمر ضعيف لايُحتج به على الصحيح من أقوال أهل العلم وخصوصاً روايته عن أبي سلمة ، قال يحيى بن معين : ما زال الناس يتقون حديثه ، قيل له : وما علة ذلك ؟ قال : كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته ( أي من رواية أبي سلمة ) ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة .
وهذا من قِبل سوء حفظه ، وهو جرح مفسر واضح فمحمد بن عمر هذا لا يُعتمد عليه فروايته هذه ضعيفة .

والصحيح في هذا الحديث هو ما جاء في الصحيحين .
وأما فقه الحديث ؛ فقال الترمذي رحمه الله بعد أن أخرج هذا الحديث : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال مالك : إذا أكل في رمضان ناسياً فعليه القضاء .
فالإمام مالك خالف في هذه المسألة ، فقال : إذا أكل في رمضان ناسياً فعليه القضاء ، قال الترمذي رحمه الله : والقول الأول أصح . انتهى
لماذا رجح الترمذي رحمه الله القول الأول ؟

لدلالة هذا الحديث الذي معنا على أن من أكل أو شرب وهو صائم ناسياً فصيامه صحيح ويتم صيامه وليس عليه لا قضاء ولا كفارة .
وزاد بعض العلماء على ذلك الجماع أيضاً فقالوا كذلك من جامع وهو ناسٍ فيُتم صيامه وما عليه شيء ، فالأكل والشرب والجماع لا يبطل الصيام إذا فعله الصائم وهو ناسِ .
وأما مالك ومن تبعه فاعتمدوا في هذا على القياس ، والقياس لا يُعتمد عليه إذا وُجِد النص فالعمدة على النص ، والقياس لا يعارض النص ، النص أقوى فبما أن عندنا نص في هذه المسألة إذاً ينتهي الأمر .
هذا بالنسبة للأكل والشرب .
قال المؤلف رحمه الله : وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" من ذرعه القيء فلا قضاء عليه " ومن استقاء فعليه القضاء " رواه الخمسة وأعله أحمد وقواه الدارقطني
رواه الخمسة ؛ أي
أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .
وذرعه ؛ أي
غلبه وسبقه .

القيء :
خروج ما في الجوف .

فقوله : من ذرعه القيء أي
من خرج ما في جوفه من غير إرادته .
واستقاء ؛ أي تكلف القيء وأخرجه بإرادته .
هذا معنى الكلمات الواردة في هذا الحديث.

فقوله : من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ؛ أي من غلبه القيء وتقيأ وأخرج ما في بطنه من غير إرادته وغلبه القيء فلا قضاء عليه وصيامه صحيح.
وقوله : " ومن استقاء فعليه القضاء "أي من أخرج ما في جوفه بإرادته وهو صائم فقد أفطر وعليه القضاء ، هذا ما دل عليه هذا الحديث.
ولكن الحديث ضعيف ذكره شيخنا الوادعي رحمه الله في كتابه أحاديث معلة ضاهرها الصحة ، وذكر هناك أن البخاري قال فيه : لا أُراه محفوظاً .
وقال أحمد بن حنبل : ليس من ذا شيء ، أي يريد أن الحديث غير محفوظ .
وقال الدارمي : زعم أهل البصرة أن هشاماً وَهِم فيه .

فهذا الحديث ضعيف كما ترى ، ولكن من الناحية الفقهية ما دل عليه صحيح بأدلة أخرى منها الإجماع ، نقل ابن المنذر رحمه الله في كتابه الإجماع أنه لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء أي إذا غلبه القيء وخرج ما في بطنه من غير إرادته فلا شيء عليه وصيامه صحيح ، وذكر قولين للحسن البصري أي أن الحسن البصري في قول عنه أنه خالف وقال بأنه يفطر ، وفي قول آخر وافق بقية الأمة .
وقال ابن المنذر رحمه الله : وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عمداً ففي المسألة إجماع ، فالعمل بالإجماع لا بالحديث ، فالحديث كما ذكرنا ضعيف لا يصح ولكن الإجماع منعقد على صحة معناه .
وخرّج شيخنا رحمه الله الإمام الوادعي في كتابه الجامع الصحيح عن أبي الدرداء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر ، هذا الحديث أخرجه أبو داود وغيره وذكره شيخنا رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح فالحديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر .
إذاً خلاصة الموضوع أن من غلبه القيء وخرج ما في جوفه من غير إرادته فصيامه صحيح ، وأما من تعمد إخراج ما في جوفه وأراد ذلك وفعل ذلك فصيامه غير صحيح ويجب عليه أن يقضي.
ثم قال رحمه الله وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان ، فصام حتى بلغ كُراع الغميم
الغميم :
وادٍ، والكراع : جبل أسود متصل بالوادي وهو موضع بين مكة والمدينة .

فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح إلى مكة وهو في الطريق ( فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه ) أي رفعه كي يراه الناس ) حتى نظر الناس إليه فشرب ، ثم قيل له بعد ذلك : إن بعض الناس قد صام ( أي لم يقتدوا بك ) فقال : " أولئك العصاة أولئك العصاة " .
وفي لفظ " فقيل له إن الناس قد شق عليهم الصيام ، وإنما ينتظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب "
.
رواه مسلم ثم قال الحافظ ابن حجر:
وعن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله! إني أجد فيّ قوة على الصيام في السفر ، فهل عليّ جناح ؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " . أي فلا إثم عليه رواه مسلم .
وأصله متفق عليه من حديث عائشة أن حمزة بن عمرو سأل .
والحديث الأول حديث جابر يدل على عدم جواز الصيام في السفر لمن شق عليه الصوم لقول النبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أولئك العصاة أولئك العصاة " .
والحديث الثاني وهو حديث حمزة بن عمرو يدل على جواز الصيام في السفر لمن لم يشق عليه .
وقد اختلف أهل العلم في حكم صوم رمضان في السفر ؛ فقالت طائفة من العلماء : لا يجزئ الصوم عن الفرض في السفر ، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر ؛ أي أبطلوا صوم الفرض في حال السفر مطلقا ، واحتجوا بقول الله تعالى { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَو ْعَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}.
قالوا : فالواجب عليه أيام أُخَر غير أيام السفر والمرض .
واحتجوا بالحديث الأول أيضا الذي معنا ( حديث جابر ) .
وكذلك احتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " ليس من البر الصيام في السفر " هذا قول .
وقال جمهور علماء الإسلام - وهو الصواب - بأن صيام رمضان في السفر جائز وهو صحيح ، ولا يجب على من صام رمضان وهو مسافر لا يجب عليه أن يقضي .
ومعنى الآية عندهم { فمن كان منكم مريضاً أو على سفر } فأفطر { فعدة من أيام أخر} .
وإن لم يفطر وصام فصيامه صحيح ، واستدلوا بالأحاديث الكثيرة التي تدل على صحة الصيام في السفر منها حديث حمزة بن عمرو الذي تقدم معنا فقد قال له النبي - صلى الله عليه وسلم :" هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - لحمزة هاهنا بالصيام في السفر ؛ دل ذلك على جوازه .
ومنها أيضاً حديث أنس " كنا نسافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم " .
ومنها حديث أبي الدرداء قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر ، وما فينا صائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعبد الله بن رواحة .
فهذا كله يدل على جواز الصيام في السفر .
فيكون معنى الآية غير ما ذهب إليه الأولون .

وأما قوله - صلى الله عليه وسل "أولئك العصاة " ؛ فهي واقعة عين ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أولئك القوم الذين تركوا الإقتداء به مع أنه فعله كي يقتدوا به ، فأفطر هو عليه الصلاة والسلام ليقتدوا به فلم يفعلوا فقال : " أولئك العصاة " لعدم اقتدائهم به عليه الصلاة والسلام .
وأما حديث " ليس من البر الصيام في السفر " فمعناه أن الصيام في السفر ليس من البر الذي يُتسابق إليه ويُتنافس فيه ؛ فقد يكون الفطر أفضل من الصيام في السفر إذا كان هناك مشقة أو كان الفطر يساعد على الجهاد مثلا ، والله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه وكما يكره أن تؤتى معاصيه .
وسبب هذا الحديث ، حديث " ليس من البر الصيام في السفر " ؛ سببه يدل على ذلك .
فسببه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في أحد أسفاره فرآى الناس متزاحمين ورجل قد ضُلّل عليه فسألهم عن أمره ؟ فقالوا : إنه صائم وبلغ به الظمأ هذا الحد فقال - عليه الصلاة والسلام - :" ليس من البر الصيام في السفر " ، أي الصيام الذي يؤدي بالشخص إلى هذه الحال ، هذا ليس من البر.
واختلف أهل العلم في مسألة أخرى ، وهي هل الأفضل الصيام أما الفطر في السفر ؟
الذين يقولون بأن صيام رمضان صحيح في السفر اختلفوا فمنهم من قال : الصيام أفضل .
ومنهم من قال : بل الفطر أفضل .

ومنهم من قال : هما سواء .
فذهب مالك والشافعي إلى أن الصوم أفضل لمن لا يلحقه مشقة .
وذهب الإمام أحمد إلى أن الفطر أفضل ولو لم يلحق الصائم مشقة .
والظاهر - والله أعلم - أن الشخص يختار ما هو أخف عليه وأبعد عن المشقة هذا الأفضل . والله أعلم
وأما متى يفطر المسافر الذي عزم على السفر ؟

المسافر الذي عزم على السفر له أن يفطر متى استعد للسفر وعزم عليه وجهز أموره وقارب على الانطلاق ، لحديث ابن عباس في البخاري خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم – في رمضان إلى حُنين ، والناس مختلفون ؛ فصائم ومفطر ، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته أو على راحته ثم نظر الناس المفطرون أفطروا .
وعن أنس أنه رُحِّلت له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقيل له سنة ؟ قال : سنة ، ثم ركب .
أي أنه أكل قبل أن يركب بعد أن عزم على السفر واستعد له هذا هو وقت الإفطار بالنسبة لمن عزم على السفر .
قال الترمذي رحمه الله : وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا : للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج ، وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية . وهو قول إسحاق بن راهويه رحمه الله .
ثم قال المؤلف رحمه الله : وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : رُخّص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه " رواه الدارقطني والحاكم وصححه .
هذا صحيح عن ابن عباس رحمه الله ورضي الله عنه ، وأصله ما أخرجه البخاري عن ابن عباس أنه قال : في قول الله تعالى { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة ٌطَعَامُ مِسْكِينٍ}قال ابن عباس : ليست منسوخة ، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا . رواه البخاري .
وخالفه في هذا سلمة بن الأكوع وعبد الله بن عمر فقالا : إن الآية منسوخة بقول الله تبارك وتعالى { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أي كان في بداية فرض الصيام من أراد أن يفطر وهو قادر على الصيام ؛ فله أن يفطر إذا أطعم .
فله أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا هذا ما فُرض بداية ، ثم نُسخ ذلك بقول الله تبارك وتعالى { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} .
وهذا القول أصح وأقوى من قول ابن عباس ؛ لأن ظاهر الآية يُسنده فمعني قول الله تبارك وتعالى{ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} على الذين يستطيعون عليه ويقدرون عليه .
فقول سلمة بن الأكوع وابن عمر أصح وأقوى إن شاء الله .

واختلف أهل العلم فيمن لا يقدر على الصيام مطلقا سواء كان لمرض أو لكبر سن لا يقدر على الصيام ماذا عليه ؟
ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا .
واستدلوا بقول ابن عباس .

وذهب المالكية وبعض الشافعية وأبو ثور وابن المنذر وربيعة ومكحول وغيرهم إلى عدم وجوب الإطعام ، فقالوا : يفطر وما عليه شيء ؛ إذ لم يكلفه الله سبحانه وتعالى إلا بالصيام ولم يستطع عليه ؛ فسقط عنه الصيام ولا يوجد دليل يدل على وجوب الإطعام .
واختلفوا في الاستحباب .

فاستحب المالكية الإطعام ، ولم يستحبه البقية والراجح معهم ، إذ لا دليل من الكتاب والسنة يدل على استحباب الإطعام على هؤلاء ؛ لكن من أطعم للخروج من الخلاف حسن .
وكذلك الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على أولادهما فلهما أن يفطرا ويقضيا ولا فدية عليهما ؛ إذ لا دليل يدل على وجوب الفدية عليهما ، إنما هي أقوال لبعض أهل العلم .
والحامل والمرضع حالهما كحال المريض ، والمريض يجب عليه القضاء ولا يجب عليه الإطعام ؛ كذلك الحامل والمرضع يجب عليهما القضاء إن أفطرتا ولا يجب عليهما الإطعام لعدم وجود دليل صحيح مرفوع على ذلك .
ثم قال المؤلف رحمه الله : وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " هلكت يا رسول الله ، قال : وما أهلكك ؟! قال : وقعت على امرأتي في رمضان ، فقال : هل تجد ما تعتق رقبة ؟ قال : لا، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ فقال : لا ، فقال : فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا ؟ قال : لا ، ثم جلس فأُتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعَرَق فيه تمر فقال : تصدق بهذا ، فقال الرجل : أعلى أفقر مني ؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا ، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه ثم قال : اذهب فأطعمه أهلك " رواه السبعة واللفظ لمسلم .
السبعة هم
أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة هؤلاء سبعة ، وهذا اللفظ الذي ذكره الحافظ هو لفظ مسلم
أما العرق
الذي ورد في الحديث ؛ فهو الزِّنبيل ، وهو مثل السطل إلا أنه كبير يُصنع من سعف النخل ، قدّروا ما فيه بخمسة عشر صاعاً ، والصاع أربعة أمداد ؛ أي حفناة بمُدّ الرجل المتوسط اليدين .
أما اللابة
في قوله " ما بين لابتيها " هي الحَرَّة ، وهي الأرض التي تعلوها حجارة سود ، ويريد بهذا أنه ليس في المدينة من هو أفقر حالاً منه ومن أهل بيته .
أما معنى الحديث
بالجملة جاء سلمة بن صخر وهو أحد الصحابة إلى النبي – صلى الله عليه وسلم - خائفاً ، فقال : هلكتُ ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - له : ما أهلكك؟ قال : إنه جامع زوجته في نهار رمضان وهو صائم ، فلم يعنِّفه النبي – صلى الله عليه وسلم - وقال : هل تجد رقبة تعتقها ؟ أي رقيقاً عبداً ، هل تجد رقيقاً تعتقه ؟ تحرره ؟ كفارة لك عما وقعت فيه ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع صيام شهرين متتابعين كفارة لهذا الفعل ؟ قال : لا ، قال : وهل أصابني ما أصابني إلا من الصيام؟ لأنه لا يقدر على ترك الجماع ، قال : فهل تجد طعام ستين مسكيناً ، لكل مسكين مُدٌ من بر أو من طعام أهل البلد كالأرز مثلاً ؟ قال : لا ، فسكت عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بزنبيل من تمر يسع خمسة عشر صاعاً ليتصدق به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عليه الصلاة والسلام :" أين السائل ؟ فقال أنا ، فقال : خذ هذا التمر فتصدق به ليكون كفارة على ما فعلت ، فأقسم الرجل أنه ليس بالمدينة أحد أفقر منه ، فأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - بإنفاقه على أهله .
في هذا الحديث أنه يجب على من جامع في نهار رمضان وهو صائم يجب عليه كفارة ، ما هي هذه الكفارة ؟ هي ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، الأمر الأول : عتق رقبة ( أن يحرر عبداً إن وُجد ).
فإذا لم يجد أو ما استطاع ؛ ينتقل إلى الثانية وهي صيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع ولم يقدر على ذلك انتقل إلى الثالثة ؛ وهي إطعام ستين مسكيناً .
فمن جامع في نهار رمضان وهو صائم هذه كفارة فعله .
وهل يجب هذا الترتيب الذي ذكرناه ؟ أي يبدأ أولاً بعتق الرقبة ، فإن لم يجد فبصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يجد فبإطعام ستين مسكيناً ؟
الصحيح أنه يجب أن يسلك هذا المسلك وهذا الترتيب ؛ أي لا يجوز له أن يصوم شهرين متتابعين إذا كان يقدر على العتق ، ولا يجوز له أن يطعم ستين مسكينا إذا كان قادراً على صيام شهرين متتابعين، وهذا الحديث يدل على ذلك ، وما ورد في بعض الروايات من غير ترتيب فهو مجمل يدل عليه هذا المفصّل .
فإن لم يجد لا هذا ولا ذاك ولا استطاع على الثالث فماذا يفعل ؟ هل تسقط عنه أم تبقى في ذمته ؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم .
والصحيح أنها تسقط عنه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخّص للرجل أن يطعم التمر أهله ، ولو كان ما أعطاه إياه كفارة عنه ما جاز له أن يأكل منه ، هذا هو الصحيح .
وهذا كله في المتعمِّد ؛ أما من جامع ناسياً فكما تقدم معنا ، من جامع ناسياً فليس عليه شيء وصيامه صحيح قياساً على الأكل والشرب .
وهل يجب عليه أن يقضي يوماً مكانه ؟
اختلف أيضاً أهل العلم في هذا فقال بعضهم : يجب عليه أن يقضي يوماً مكانه ، واستدلوا أنه ورد في بعض الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : وَصُم يوماً مكانه ، ولو صحت هذه الرواية لكانت دليلاً قوياً ، ولكنها رواية ضعيفة لا تصح .
فالصحيح أنه لا يجب عليه القضاء إذ لم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم – بذلك. والله أعلم
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله علي بداني ، 20-12-2012 الساعة 06:22
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-07-2013, 17:05   #6
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

يرفع رفع الله قدر شيخنا وكذلك من قام بتفريغ الدروس.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-06-2014, 17:39   #7
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

يرفع رفع الله قدر شيخنا وكذلك من قام بتفريغ الدروس.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 14:38.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي