Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 26-09-2013, 21:06   #21
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس التاسع عشر من شرح كتاب لب الأصول

قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ويكون بشكلٍ وصفةٍ ظاهرةٍ وباعتبار ما يكون قطعاً أو ظنّاً ومضادةٍ ومجاورةٍ وزيادةٍ ونقصٍ وسَبَبٍ لمُسَبَبٍ وكلٍّ لبعضٍ ومتعلِقٍ لمتعلَقٍ والعكوس وما بالفعل على ما بالقوة".
تقدم في الدروس الماضية أنّه يُشترط لصحة المجاز علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ولولا اشتراط هذه العلاقة لجاز إطلاق كلّ لفظ على كل معنى، وذكر المصنف رحمه الله أنواعاً من أنواع العلاقة:
الأولى: علاقة المشابهة في الشكل، كأن ترسم صورة أسدٍ على حائط أو في ورقة وتطلق عليها اسم الأسد، فهنا أنت أطلقت اسم الأسد على هذه الصورة مجازاً لا حقيقة، الآن هذا الأسد المرسوم على الصورة ليس أسداً حقيقياً، لماذا أطلقت عليه اسم الأسد؟ للمشابهة، أطلقت عليه اسم الأسد للمشابهة في الشكل، هذه العلاقة الأولى.
الثانية: المشابهة في الصفة الظاهرة: -الواضحة- عندما تكون الصفة ظاهرة وواضحة في الشيء ينتقل الذهن إليها، كإطلاق الأسد على الرجل الشجاع، الآن صفة الشجاعة في الأسد صفة ظاهرة –واضحة- لا تخفى على أحد، فعندما تُطلق هذا اللفظ على رجل شجاع مباشرة ينتقل الذهن إلى هذا المعنى، بخلاف إطلاق الأسد على الرّجل الأبخر، الرجل الأبخر الذي في فمه رائحة كريهة، الآن معروف عن الأسد بأنّ لفمه رائحة كريهة، لكن هذه الصفة ليست صفة ظاهرة -صفة خفية-، فلا يصحّ أن تُطلق على الرّجل لفظ الأسد لهذا المعنى، هذا معنى كلامه بقوله: "وصفة ظاهرة"،
ثالثاً: قال: "وباعتبار ما يكون قطعاً أو ظنّاً"، هذه العلاقة تُسمى علاقة الاستعداد، وهي تسمية الشيء باعتبار ما يصير إليه، سواء كان سيصير إليه يقيناً أو ظنّاً، سواء كان سيصير إلى ذلك الشيء يقيناً أو ظناًّ، ظنّاً راجحاً أو غالباً، مثال ذلك: قول الله تبارك وتعالى: ، طيب، الآن هو ميت عند نزول هذه الآية؟ أكان ميتاً النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما كان ميتاً، ولا كان أصحابه أيضاً ميتون، ولكن باعتبار ما سيكون يقيناً، لا شكّ فيه، وكقول الله تبارك وتعالى عن الذي رأى الرؤيا قال: ، طيب، الآن سمى العنب خمراً، لماذا؟ على اعتبار ما سيصير إليه في الغالب المظنون، في غلبة الظنّ، كانوا في الغالب يعصرون العنب ويجعلونه خمراً، تمام، أو العصير الذي هو من العنب وما شابه يتحول إلى خمر، فهنا سمّى الشيء بما سيصير إليه في غلبة الظنّ، هذا معنى قوله: "وباعتبار ما يكون قطعاً أو ظناً".
رابعاً: ثم قال: "ومضادة"، أي علاقة مضادة، ماذا تعني المضادة؟ التي نحن نسميها العكس؟ نحن نقول لها العكس، أي الخلاف، هذا بخلاف هذا، أي بضده، كقول الله تبارك وتعالى: ، الآن سمّى القصاص سيئة، مع أنّ القصاص ليس بسيئة، ولكن سُمّي سيئة في مقابلة السيئة الأولى، الذي هو جزاء سيئة سيئة مثلها، هو بضد السيئة، القصاص ضد السيئة فسمّاه بضده.
خامساً: المجاورة: علاقة المجاورة هي تسمية الشيء بما يجاوره، كتسمية قربة الماء راوية، والراوية في اللغة اسم الدّابة التي تحمل القربة، فسُميت القربة راوية مع أنّ الراوية اسم الدّابة، ولكنّ القربة نفسها التي تحملها الدّابة سميت راوية لمجاورتها للدّابة.
سادساً: وعلاقة الزيادة، يمثّلون لذلك بقول الله تبارك وتعالى: ، فيقولون هنا: الكاف زائدة، والتقدير ليس مثله شيء،
سابعاً: وعلاقة النقص يمثّلون لها بقول الله تعالى: ، فيقولون هنا فيه نقص كلمة، وهي: أهل القرية.
ثامناً: علاقة السببية وهي إطلاق اسم السبب على المسبب، كقولهم: سال الوادي، الوادي هو السبب في السيلان لا هو الذي سال، ما الذي سال؟ الماء، سبب السيلان؟ الوادي، فأطلقوا اسم السبب الذي هو الوادي على الماء، ما هي العلاقة بينهما؟ أنّ هذا سبب وهذا مسبب، علاقة السببية، إذا مررت عند آية: ، ماذا تجد الأشاعرة يفسرونها؟ بالنعمة، أو النصرة، يقولون لك هذا من المجاز، مجاز ماذا؟ ماهي العلاقة بين اليد والنعمة؟ السببية، اليد هي السبب في النعمة، فهي التي توصل النعمة، فسمّوا الشيء باسم سببه، واضح، هذا الكلام باطل من أصله، لكن عندنا نحن هذه اليد يد حقيقية ولا يوجد قرينة تدلّ على هذا الصارف، هم عندهم القرينة قرينة ماذا؟ عقلية.
تاسعاً: قال: "وكل لبعض"، يعني علاقة الكلية والبعضية، كأن يُطلَق الكلّ -يشمل كلّ الشيء- وهو يريد بعضه فقط، كقول الله تبارك وتعالى: ، الأصبع هذا كامل من أوله إلى آخره إلى أن تبدأ باليد نفسها، تمام، هذا كلّه أصبع، الآن هم عندما يريدون أن يغلقون آذانهم يجعلون أصابعهم بالكامل في آذانهم؟ لا، وإنّما الأنامل فقط، فهو أطلق الكلّ وأراد البعض، ما هي العلاقة بين الأصبع والأنملة؟ أنّ الأنملة بعض من الأصبع، فالعلاقة علاقة الكلّية والبعضية.
عاشراً: قال: "ومتعلق لمتعلق"، علاقة التعلق، أي تسمية المتعلِق باسم المتعلَق، والمراد التعلق الحاصل بين المصدر واسم الفاعل واسم المفعول، كقوله تعالى: ، مستورا ما هو؟ اسم مفعول، فهو واقع عليه الستر، تمام، لكنّ المراد من الآية، أنّه ساتر، فالمراد اسم الفاعل، فهو من إطلاق المفعول على اسم الفاعل.
احدى عشر: قال: "والعكوس"، أي العكس للثلاثة الأخيرة، يعني: علاقة إطلاق المسبَب على السبب، والبعض للكلّ، ومتعلَق لمتعلِق، عكسنا الثلاثة الأخيرة.
اثنا عشر: قال: "وما بالفعل على ما بالقوة"، أي إطلاق لفظ الشيء المتصف بصفة الفعل على الشيء المتصف بتلك الصفة لكن بالقوة، ما معنى أنّ فلاناً من الناس مثلاً متصف بالصفة بالقوة لا بالفعل، عندما يمرّ بك شخص لم يضرب إنساناً قط، ولم يضرب شيئاً ولكنّه قادر على الضرب، هل تصفه بأنّه ضارب، نعم، تصفه بأنّه ضارب، لكن هذه الصفة ماذا؟ بالقوة لا بالفعل، أي عنده القدرة على الفعل ولكنّه لم يفعل، هذا معنى هذا الكلام، فهنا يقول لك: "وما بالفعل على ما بالقوة"، أي يصحّ إطلاق الشيء المتصف بصفة الفعل على الشيء المتصف بتلك الصفة لكن بالقوة لا بالفعل، مثال ذلك: إطلاق المسكر على الخمر الذي في الجرار، لأنّ في الخمر قوة الإسكار، فيُقال: شرب مسكراً، لأنّ الخمر فيه قوة الإسكار، أطلقنا الإسكار على الخمر، هذا معنى ذلك.
هذه العلاقات التي أراد المؤلف رحمه الله ذكرها.
ثم قال: "والأصحّ أنّه يكون في الإسناد والمشتَق والحرف لا العلم".
يعني قد لا يقع المجاز في المفردات ولكن يقع في التركيب، هذا معنى قوله في الإسناد -في التركيب-، تركيب الجملة كقول الله تبارك وتعالى: ، تأمل هذه الآية: ، كلّ لفظ اُستعمل في معناه، الأرض هي الأرض، وأثقالها هي أثقالها، طيب، أين المجاز في الموضوع؟ قالوا: المجاز هنا في الإسناد، أي في نسبة الإخراج إلى الأرض، الذي أخرج حقيقة هو الله سبحانه وتعالى، فهنا نسبوا الإخراج إلى الأرض، قالوا: هذا مجاز تركيب، مجاز في التركيب -في الإسناد- فيسمى مجازاً إسنادياً، ويقال له مجاز عقلي، إذا كان التجوز في الإسناد فيُسمى مجازاً عقلياً، صار عندنا المجاز قسمان:
· مجاز لغوي: والتجوز فيه تكون في المفردات في الألفاظ.
· ومجاز عقلي: والتجوز فيه يكون في التركيب، كقولهم مثلاً: أنبت الربيع البقل، المنبت حقيقة هو الله سبحانه وتعالى فأسند الإنبات إلى غير صاحبه فهذا يُسمى مجازاً عقلياً.
قال: "والمشتَق"، المشتق كاسم الفاعل واسم المفعول وما شابه، معروفة في كتب النحو تذكر في باب خاص –المشتقات-، ويعني المؤلف أنّ المجاز يكون في الفعل والمشتَق، ومثّلوا للفعل بقوله تعالى: ، المؤلف ذكر الإسناد وذكر المشتّق وزدنا الفعل، قال: ، عند نزول هذه الآية هل حصل النداء من أصحاب الجنة؟ لم يحصل، طيب، هو قال: نادى، فعل ماضي، لكن هنا أطلق الفعل الماضي على المستقبل، نداء أصحاب الجنة سيكون في المستقبل ما كان في الماضي، ولكنّه نزّله منزلة الماضي لتحققه، وهذا أسلوب عربي معروف، مذكور في البلاغة، في كتب البلاغة تجدونه يُطلقون الفعل الماضي على ما هو مستقبل للدلالة على تحقق الوقوع، يعني كأنّه أمرٌ حاصلٌ، منتهي الأمر فيه، ما يحتاج إلى نقاش، فيغيرون الفعل المضارع إلى الماضي.
قال: "والحرف"، أي ويكون المجاز في الحروف أيضاً، ومثّلوا له بقوله تعالى: ، ومعروف أنّ الصلب لا يكون في داخل النخل وإنّما يكون عليها، فالتقدير ولأصلبنكم على جذوع النخل، فقالوا هنا هذا استعمال –في- بمعنى –على- مجاز، والذين يقولون بأنّه لا مجاز في القرآن -وهو الصحيح- يقولون: العرب تستعمل بعض الحروف بمعنى البعض الآخر وهذا معروف عنهم، فتأتي –في- بمعنى –على- في لغة العرب، وفي استعمالاتها يُحدد المعنى المراد السياق والقرائن.
قال: "لا العَلَم"، أي العلم لا يدخله المجاز، فلا تُسمي شخصاً مثلاً علي وتأتي تقول خالد مجازاً، ما يصحّ مثل هذا، خالد، علي، فضل، مبارك، سعاد، كلّ هذه أعلام، لا يدخلها المجاز.
قال المؤلف: "وأنّه يُشترط سمع في نوعه".
الأنواع التي ذُكرت في المجاز أُخذت من استعمال أهل اللغة وباستقراء ذلك، فلا يجوز لك أن تستعمل المجاز في نوع لم يرد عن العرب، فلا بدّ أن يكون نوع المجاز الذي استعملته وارداً عن العرب، هذا معنى كلامه هنا.
قال: "ويُعرف بتبادر غيره لولا القرينة وصحة النفي وعدم لزوم الاطراد".
هذه علامات تعرف بها المجاز، وتفرق بينه وبين الحقيقة.
أولاً:قال: "ويُعرف بتبادر غيره لولا القرينة"، يعني أول ما يخطر على بالك هذا معنى التبادر إلى الذهن، ما هو المعنى الذي يخطر على بالك مباشرة؟ إذا خطر على بالك معنى غير المعنى الذي أراده المتكلم لولا وجود القرينة، يعني لو حذفنا القرينة وخطر على بالك مباشرة معنى آخر فاعلم أنّ هذا المعنى مجاز وليس بحقيقة، مثال ذلك: رأيت أسداً على حصان، أنا ما الذي أريده؟ أريد بذلك الرجل الشجاع، تمام، طيب، لو حذفنا كلمة: على حصان، هذه القرينة التي جعلتنا نفهم أنّ المراد ماذا؟ الرجل الشجاع، لو حذفنا: على حصان، وقلت: رأيت أسداً ما الذي يتبادر إلى ذهنك؟ الحيوان المفترس، قال: كون المعنى الذي تبادر إلى ذهنك اختلف عن المعنى الذي دلّ عليه اللفظ بقرينته دلّ ذلك على أنّ هذا اللفظ مجاز وليس بحقيقة.
"وصحة النفي"، يعني: المجاز يجوز نفيه، وهذه قاعدة متفق عليها، وهي علامة مميزة للمجاز، المجاز يجوز نفيه، ماذا يعني هذا الكلام؟ لو قال لك قائل: زيد حمار، يريد أنّه بليد لا يفهم، يصحّ أن تقول له: لا، ليس بحمار، فالمجاز يجوز نفيه، لكن لو قال لك قائل: حمار زيد، وأراد هذا الحيوان المعروف البليد، تستطيع أن تقول له: هو ليس بحمار؟ لا تستطيع، لأنّ هذا حقيقة وذاك مجاز، هذا معنى كلامه.
"وعدم لزوم الاطراد"، أي عدم وجوب الاطراد، الاطراد: يعني الاستمرار في الشيء، أي لا يجب استعماله دائماً في جميع المحَّال التي وُجد فيه المعنى، لا يجب، عندما تستعمل لفظ الحمار على الشخص البليد لا يجب أن تُطلق لفظة الحمار على كل شخص بليد، وكما في قوله تعالى: مثلاً، تمام، استعملت القرية بمعنى أهل القرية، لا يلزمك بعد ذلك أن تستعمل ذلك في البساط مثلاً، فتقول واسأل البساط، وتعني أهل البساط، طيب.
ثم قال: "وجمعه على خلاف جمع الحقيقة".
يعني جمع المجاز يكون مختلفاً عن جمع الحقيقة، مثّلوا لهذا كالأمر مثلاً، قالوا: الأمر حقيقة يأتي بمعنى القول، هذا يُجمع على أوامر، لكن إذا أطلقت الأمر على الفعل يُجمع على أمور، فالجمع مختلف بين الحقيقة والمجاز، هذا ما ذكره المؤلف.
قال المؤلف: "والتزام تقييده".
يعني لابدّ أن تذكر معه قيداً يبين المعنى الذي تريده منه، بخلاف الحقيقة لا يلزمك أن تُقيّد، كما لو استعملت كلمة جناح وأطلقت هكذا، فيُفهم المعنى الحقيقي للجناح كجناح الطير ولا تحتاج أن تُقيّد بالطير، بخلاف الاستعمال المجازي كجناح الذّل، هنا لا بد أن تُقيّد، إذا ما قيدت ما يُفهم عليك هذا، لا بدّ أن تذكر الذّل معه، هذا معنى قوله "والتزام تقييده"، يعني لا بد أن يكون هناك تقييد، وإن وجد في الحقيقة تقييد لكن ليس بلازم كالمجاز، المجاز لابدّ، الحقيقة يوجد لكن ليس لازماً.


قال المؤلف: "وتوقفه على المسمى الآخر".
أي من علاماته أيضاً أنّ المجاز يتوقف على المسمى الآخر الذي يُذكر معه أحياناً، ومثّلوا لذلك بقول الله تبارك وتعالى: ، هنا قالوا: ومكر الله مجاز والمسمى الآخر مكروا، فهذا المجاز متوقف على ذاك المسمى وهو المكر الأول الحقيقي، هذا على قولهم بالمجاز، لكن نحن نقول هذا حقيقي وهي من صفات المقابلة التي لا تكون كمالاً إلّا بالمقابلة.
قال: "والإطلاق على المستحيل".
كيف يُطلق على المستحيل، مثّلوا لذلك بقوله تعالى: ، فيه عندنا شيء مستحيل هنا؟ نعم، ما هو؟ سؤال الجدران، حملوا معنى القرية هنا على جدران القرية، وقالوا: يستحيل أن تذهب وتسأل جدران القرية فهي لا تجيب، جمادات لا تتكلم، فلمّا كان الأمر مستحيلاً دلّ على أنّ المراد ماذا؟ المجاز لا الحقيقة، هذا معنى قوله.
قال المؤلف: "والمعرّب لفظ غير علمٍ استعملته العرب فيما وُضع له في غير لغتهم والأصحّ أنّه ليس في القرآن".
بدأ أولاً بتعريف المعرّب ثم ذكر هل في القرآن معرّب أم لا، ما هو المعرّب؟ قال المؤلف: "لفظ غير عَلَم"، لفظ من الألفاظ لكنه ليس من الأعلام، لا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى ولا شيء من هذه الأعلام ، لأنّ الكلام في هذه الأعلام مُستثنى في هذا الموضوع، غير داخل فيما نتحدث عنه نحن، وجود هذه الأعلام في القرآن أمرٌ مجمع عليه، لا خلاف فيه، مع أنّها هي ليست عربية أصلاً، موسى وعيسى وإبراهيم ونوح وما شابه هذه كلها ليست عربية، بل قالوا: جميع أسماء الأنبياء ليست عربية إلّا أربعة: محمد وآدم وصالح وشعيب، لكن هذا ليس موضوعنا، لأنّ هذا موجود في القرآن بالاتفاق، وهذا لا يدلّ على أنّ الكلام المذكور ليس عربياً، يعني شخص عربي إذا تكلم ونطق باسم أجنبي لا يُقال بأنّ هذا الشخص قد تكلم بغير لغته، وهذا أمرٌ منتهي، لكن قال: "استعملته العرب فيما وضع له"، إذن هو لفظ ليس عربياً أساساً ولكن أخذه العرب واستعملوه، ثم قال: "والأصحّ أنّه ليس في القرآن"، طيب، عرفنا ما هو المعرّب، هل هو موجود في القرآن مثل هذا أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: قالوا هو موجود، واستدلوا على ذلك ببعض الألفاظ كاستبرق: وهو نوع من الحرير، وكذلك قسطاس: وهو الميزان، ومشكاة: وهي الكوّة التي لا تنفف، هذه الكلمات: استبرق قالوا فارسية، قسطاس قالوا رومية، مشكاة قالوا هندية.
والقول الآخر قالوا: لا يوجد ألفاظٌ غير عربية في القرآن، وماذا ردوا على هذه الدعوى التي ذكرها أصحاب القول الأول، قالوا: لا يمنع وجود اشتراك في بعض الألفاظ بين اللغات فتكون هذه الكلمات من الألفاظ المشتركة، فهي من الألفاظ التي حصل فيها اتفاق ما بين اللغات، فربما تكلم الهنود بهذه الللغة وتكلم العرب بهذه اللغة، من أين لكم أنّها عند الهنود قبل أن تكون عند العرب؟ ما تستطيعون أن تقيموا حجّة على ذلك، طيب، أصحاب القول الأول ماذا يقولون في وصف الله تبارك وتعالى للقرآن كلّه بأنّه عربي: ، ووصَفَ القرآن بأنّه كلّه عربي، قالوا: وجود مثل هذه الألفاظ القليلة لا يمنع من وصف الكلام بالكامل بأنّه عربي، هذا الكلام صحيح لكن القول الثاني هو الصواب أنّه لا يوجد ألفاظ غير عربية في القرآن، أمّا عن الأعلام طبعاً لا نتحدث عنها، فهذه الألفاظ غير موجودة لأنّ دعوى أنّ هذه الكلمات التي ذكروها هندية وفارسية وكذا وليست هي عربية في الأصل هذه دعوى تحتاج إلى بينة ولا بينة على ذلك.
ثم قال المؤلف: "مسألة: اللفظ حقيقة أو مجاز أو هما باعتبارين وهما منتفيان قبل الاستعمال".
يعني بهذا أنّ الألفاظ إمّا أن تكون حقيقة أو أن تكون مجازاً أو لا تكون حقيقة ولا مجازاً أو تكون حقيقة ومجازاً باعتبارين، بالنظر إلى أمرين، هذا معنى كلامه هنا، والحقيقة والمجاز قد بيناه فيما تقدم، الألفاظ التي تكون حقيقية وتكون مجازاً، وأمّا التي تكون حقيقة ومجازاً باعتبارين كالعام المخصوص، كقولنا مثلاً: أكرم الطلبة، وقولنا لا تكرم زيداً، وزيد من الطلبة، هذا لفظ عام، قوله: أكرم الطلبة لفظ عام يشمل زيد، لكن جاء تخصيصه فأخرج زيد، فإذا نظرنا لقوله: أكرم الطلبة، إذا نظرنا للأفراد الذين دخلوا في اللفظ لا في الذين خرجوا نقول: هذا لفظ اُستعمل في الحقيقة، وإذا نظرنا إلى زيد فنقول هذا مجاز لا حقيقة، فاللفظ نفسه باعتبار حقيقة وباعتبار آخر مجاز، هذا معنى كلامه، طيب، وقد يكون أيضاً حقيقة ومجازاً باعتبار آخر، باعتبار الوضع، فكلمة الدّابة مثلاً إذا نظرت إلى اللغة وكان المعنى المراد كلّ ما دبّ على الأرض فهو حقيقي، وإذا نظرت إلى المعنى العرفي كان مجازاً، تمام، فإذن هي حقيقة باعتبار، مجاز باعتبار آخر، هذا المعنى الذي أراده المؤلف رحمه الله، وقد لا يكون حقيقة ولا مجازاً، ما هو هذا الذي لا يكون حقيقة ولا مجازاً؟ هو اللفظ قبل استعماله، اللفظ قبل الاستعمال، وضعته العرب ولم يُستعمل في شيء، هذا لا يُسمى حقيقة ولا مجازاً، نحن قلنا: الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له، المجاز: استعمال اللفظ في غير ما وضع له لقرينة، طيب، هنا ما فيه استعمال أصلاً، إذن لا هو حقيقة ولا هو مجاز، مجرد لفظ، فرّقنا نحن بين الوضع والاستعمال والحمل، طيب.


قال المؤلف رحمه الله: "ثم هو محمول على عرف المخاطِب، ففي الشرع الشرعي فالعرفي فاللغوي في الأصحّ".
هو محمول على عرف المخاطِب، أي الكلام والمعنى المراد منه دائماً يُفهم على حسب المتكلِم، حسب عرفه، فإذا كان المتكلِم هو الشارع فتفهم الألفاظ على المعنى التي أرادها الشارع، هذا الأصل، ففي الشرع: الشرعي هو المقدم، لماذا هو المقدم؟ لأنّ الشرع جاء لبيان الشريعة، لبيان الدين ما جاء لبيان اللغة، فلا يصحّ أن نقول نحمله على المعنى اللغوي، لا، دائما تحميل تلك الألفاظ في القرآن والسنة على المعاني الشرعية، هذا الأصل وهو الأول، ولا تتحول وتنتقل من المعنى الشرعي إلى المعنى الآخر إلّا مع وجود دليل، فإذا أُطلقت الصلاة وكان المتكلِم الشرع، في القرآن أو في السنة، تَفهم الصلاة على المعنى الشرعي لا المعنى اللغوي، قال: "فالعرفي فاللغوي في الأصح"، إذا تعذر حمل المعنى على الشرعي تنتقل إلى العرفي، لماذا قلنا إلى العرفي؟ لتبادر الذهن إليه، مباشرة الذهن أول ما يفهم يفهم منك المعنى العرفي، فإذا لم يكن المعنى شرعي تنتقل إلى المعنى العرفي مباشرة، "فاللغوي" آخر شيء إذا كان ما فيه معنى عرفي خاص تنتقل إلى المعنى اللغوي، "في الأصحّ" أي في المسألة خلاف في ذلك، وهذا الذي ذكره هنا هو الصواب في ذلك.
قال المؤلف: "والأصحّ أنّه إذا تعارض مجاز راجح وحقيقة مرجوحة تساويا".
إذا غلب الاستعمال المجازي على الحقيقي وصار هو المشتهر كالدّابة مثلاً، وهي في اللغة كل ما يدبّ على الأرض ثم انتقلت إلى ذوات الأربع وكثر الاستعمال في ذلك، حتى صارت حقيقة عرفية وصار الوضع الأول مجازاً، بالنسبة إلى أهل العرف، لقلة استعماله فيهم، فإذا تعارضا أي المجاز الراجح والحقيقة المرجوحة يقول المؤلف: "يتساويا" يعني يكون الكلام مجملاً يحتاج إلى بيان، هذا في حال أنّ الحقيقة لم تُهجر كلّياً، ولم يعد الناس يستعملونها عندئذ يتساويا، إذا هجرت يُقدم المجاز بالاتفاق.
قال المؤلف رحمه الله: "وأنّ ثبوت حكم يمكن كونه مراداً من خطابٍ لكن مجازاً لا يدلّ على أنّه المراد منه فيبقى الخطاب على حقيقته".
هذه مسألة مهمة، إذا كان للخطاب حقيقة ومجاز، أي ممكن أن يُفهم على حقيقته وممكن أن يفهم على مجازه، ووجدت حكماً شرعياً، خلاص أترك هذه النقطة على جنب الآن، بعد ذلك تعال ابحث حكماً شرعياً له علاقة بهذا الموضوع وإذا حملت الخطاب على المعنى الحقيقي أو على المعنى المجازي تجده يتوافق مع الحكم الذي وجدته عندك، يعني الحكم إذا حملت الخطاب عليه تقول: والله معنى ذلك أنّ هذا الخطاب معناه كذا وكذا، لماذا؟ لأنّ هذا الحكم دلّ عليه، وضحت الصورة، بالمثال يتضح الأمر، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ، حقيقة اللمس ماهي؟ الجس باليد، طيب، ويطلق اللمس أيضاً على الجماع، تمام، وثبت عندنا حكم شرعي في هذه المسألة، فالإجماع منعقد على جواز التيمم للجماع، الشخص يجوز له أن يتيمم إذا جامع أهله ولم يجد الماء مثلاً، فيجوز له أن يتيمم، هذه المسألة متفق عليها، طيب، إذن عندنا هذا الحكم، إذن يصحّ أن نحمل الآية على معنى الجماع استناداً لهذا الحكم، هذه مسألة المؤلف، ويقول المؤلف: "وأنّ ثبوت حكمٍ"، ما هو الحكم الذي عندنا، مثّلنا به؟ التيمم من الجماع، طيب، "يمكن كونه مراداً من خطاب لكن مجازاً"، يمكن هذا الحكم أن يكون مراداً من قول الله تبارك وتعالى: ، إذا حملنا هذا الخطاب على المجاز لا على الحقيقة، "لا يدلّ على أنّه المراد منه"، لا يدلّ، إذن المؤلف يقول: وإن وجد هذا الحكم، وإن توافق مع الخطاب مجازاً، يقول: لكن لا يدل هذا على أنّه المراد منه، على أنّ المراد من هذا اللفظ هو الجماع لا اللمس، فيبقى الخطاب على حقيقته، يعني لا نعتمد على هذه القرينة البتة، ويبقى الخطاب عندنا على الحقيقة لأنّها مقدمة، وضحت الصورة، تمام.
قال المؤلف: "اللفظ إن اُستعمل في معناه الحقيقي للانتقال إلى لازمه فكناية فهي حقيقة أو مطلقاً للتلويح بغير معناه فتعريض فهو حقيقة ومجاز وكناية".
انتقل المؤلف الآن إلى تعريف الكناية والتعريض، وهل هما من الحقيقة أم من المجاز، فقال في تعريف الكناية: "لفظ استعمل في معناه الحقيقي للانتقال إلى لازمه"، لفظ اُستعمل في معناه الحقيقي، لم يتغير اللفظ، موضوع لمعنى واُستعمل لذاك المعنى، هذه الحقيقة، الحقيقة: استعمال اللفظ فيما وضع له، إذن قلنا هو: لفظ استعمل في معناه الحقيقي، فهو حقيقة وليس بمجاز أي كناية، للانتقال إلى لازمه، ما المراد من هذا اللفظ؟ ليس المراد المعنى نفسه، وإنّما المراد هو لازم المعنى، وإن كان هذا المراد إلّا أنّه استعمل الألفاظ في مواضعها ما تلاعب في الألفاظ، لكن مراده وقصده ليس نفس المعنى، وإنّما شيء لازم للمعنى لا ينفك عنه، مثال ذلك: قول العرب إذا أرادت أن تصف رجلاً بالكرم، والعرب ما كانت عندهم غازات كاليوم، عندهم حطب، طيب، الآن استعمال العرب في وصف الرجل الكريم بكثير الرماد، معروف الرماد؟ الرماد: عندما تحرق الحطب آخر شيء يبقى معك الرماد، كثير الرماد ماذا يريدون من هذا؟ الآن استعمال اللفظ في موضعه وإلّا ليس في موضعه؟ في موضعه، كلّ شيء في موضعه، وفعلاً الرجل يكون كثير الرماد، طيب، عندما تقول في رجل كثير الرماد وأنت ماذا تريد؟ لا تريد أن تخبر الشخص الذي أمامك بأنّ الرماد الذي عنده كثير، هو ما جاء يطلب منك رماداً حتى تخبره بهذا الشيء، ماذا تريد من هذا؟ تريد أن تصف الرجل بالكرم، إذن فيه عندنا تلازم ما بين الكرم وكثرة الرماد، ما هو هذا التلازم؟ من أين جاء؟ الكرم هو الإغداق بالإعطاء، إعطاء المال، إعطاء الطعام، الشراب، طيب، هذا الكرم، إطعام الطعام كيف يكون؟ بالطبخ، الطبخ يحتاج إلى حطب ونار، تمام، الحطب عندما يحترق يصبح رماداً، كثرة الحطب دليل على كثرة الطبخ، كثرة الطبخ دليل على الكرم، إذن هو هذا المعنى الذي أراده، كثير الرماد، وإذا أرادوا أن يصفوا رجلا بالطول قالوا: طويل النجاد، غمد السيف متى يكون طويلاً ؟ إذا كان صاحبه طويلاً، أي نعم، طيب، هذه تُسمى كناية، وهي من ضمن الحقيقة لا من ضمن المجاز على الصحيح، لذلك قال المؤلف: "فهي حقيقة ليست بمجاز"، طيب، قال: "أو مطلقاً للتلويح بغير معناه فتعريض"، إذن التعريض استعمال اللفظ مطلقاً لكنّك لا تريد من اللفظ معناه، تريد شيئاً آخر يدلّ عليه اللفظ، لكن لا من قريب، من بعيد، استعمال اللفظ في معناه سواء كان المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي عند المؤلف لذلك قال: مطلقاً، لم يخصه بالاستعمال الحقيقي، فيكون استعمال اللفظ في معناه الحقيقي أو في معناه المجازي أو قل في معناه أو في غير معناه، فيكون التعريض عنده حقيقة ومجاز وكناية، ما فيه فرق، هذا قوله لذلك قال في النهاية: "فهو حقيقة ومجاز وكناية"، هذا التعريض، وهو استعمال اللفظ وإرادة المعنى البعيد لا المعنى القريب، مثال ذلك: قوله تبارك وتعالى عن إبراهيم:ﭿ، وأشار بأصبعه الكبير، الآن المعنى القريب للفظ أنّ الصنم الكبير هو الذي حطّم الأصنام الصغيرة، هذا المعنى الذي يُفهم ويُتبادر إلى الذهن من اللفظ، لكنّ إبراهيم ما أراد هذا، أراد المعنى البعيد وهو أنّه فعله كبيرهم هذا أي أصبعه، أي أنّه حطّمها بيده، هذا يُسمى تعريضاً، هذا ليس من الكذب، لكن من حيث الحكم الشرعي فيه تفصيل.
وبهذا نكون قد انتهينا من مبحث الحقيقة والمجاز وسيبدأ المؤلف إن شاء الله بالحروف وهو مبحث مفيد جداً في فهم الكتاب والسنة.
نكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-09-2013, 11:30   #22
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس العشرون من شرح كتاب لبّ الأصول

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فقال المؤلف رحمه الله: "الحروف".
هذا مبحث الحروف التي يحتاج الفقيه إلى معرفة معانيها، وذكر المؤلف رحمه الله الحروف على وجه التغليب وإلّا فسيذكر بعض الأسماء أيضاً، فقوله: "الحروف" تغليباً، وكما ذكرنا هذه الحروف مهمة لطالب العلم لأنّها يُبنى عليها فهم أدلة القرآن والسنة، سواء كان الدارس مفسراً أو فقيهاً او محدثاً كلّهم يحتاجون إلى هذا، وهو مبحث مهم ومفيد.
قال المؤلف رحمه الله: "إذن: للجواب والجزاء قيل دائماً وقيل غالباً".
هذا الحرف الأول الذي بدأ به المؤلف وهو حرف: إذن، فقال لنا مبيناُ لنا معناها: "للجواب والجزاء، قيل دائماً وقيل غالباً"، ما معنى الجواب والجزاء؟ إذا قال لك شخص: أزورك غداً، فهو مُنتظِر منك جواباً، فأنت تقول له: إذن أُكرمَك، فهنا أجبته، لذلك تُسمى جواباً، وجازيته على زيارته بالإكرام، وهذا معنى الجزاء، فهي تُعطي معنيين: معنى الجواب والجزاء معاً، طيب، دائماً تأتي للجواب والجزاء معاً، أم أنّها أحياناً تأتي فقط للجواب؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال ابن هشام في مغني اللبيب: قال سيبويه معناها الجواب والجزاء، أي إذن، فقال الشلوبين (هذا من أهل النحو، من علماء اللغة): في كلّ موضع، أي أنّها دائماً للجواب مع الجزاء، وقال أبو علي الفارسي: في الأكثر، يعني: غالباً تأتي للجواب مع الجزاء، وقد تتمحض للجواب، يعني قد تكون للجواب محضاً فقط، بدليل أنّه يُقال لك: أحبك، فتقول: إذن أظنك صادقاً، فيه جواب؟ فيه جواب، فيه جزاء؟ ما فيه جزاء، ما جازيته بشيء، فلذلك قال هنا: بأنّها تارة تتمحض للجواب، وهذا هو الصحيح، ولعلّ الشلوبين ما وقف على ما وقف عليه أبو علي الفارسي، طيب، هذا معنى ما ذكر المؤلف رحمه الله.
ثم قال: "وإنْ للشرط وللنفي وللتوكيد".
إن: حرف، هذا الحرف يأتي على عدة معاني، منها الشرطية كما في قوله تعالى: ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ، ما معنى الشرط؟ معنى الشرط: تعليق أمر على أمر، فلا يتمّ أحد الأمرين إلّا بإتمام الأول، هنا ماذا قال في الآية؟ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ، فمغفرة ما قد سلف مبنية على ماذا؟ ومتعلقة بماذا؟ بانتهائهم، ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ، وإذا لم ينتهوا لا يُغفر لهم ما قد سلف، هذا معنى الشرطية، ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ، إذن فنصرة الله لنا متعلقة بنصرتنا لله، كيف تكون نصرتنا لله؟ ليست بالسيف، باتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وطاعة الله تبارك وتعالى في أمره ونهيه، هكذا تكون نصرتنا لله تعالى، هذا معنى الشرطية.
وتأتي للنفي، كقوله تبارك وتعالى: ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ، ما معنى اتيانها للنفي؟ تأتي بمعنى ما النافية، وإذا صّح أن تضع مكانها ما النافية فهي إذن النافية وليست الشرطية، ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ، انزع إنْ وضع مكانها ما، ما الكافرون إلا في غرور، ليس الكافرون إلّا في غرور، نفس الشيء، كلّها للنفي، طيب، ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ، هذه شرطيه أم نافية؟ هذه نافية، ما من أحد منكم إلّا وسيردها، نافية وليست شرطية.
وتأتي للتوكيد، هذه التي يسميها أهل النحو بالزائدة، كقولهم مثلاً: ما إن أتيتُ بشيء أنت تكرهه، لو حذفنا إن ماذا سيصبح؟ يصبح: ما أتيتُ بشيء أنت تكرهه، ما غيرت شيء، فهي زائدة، لماذا يُؤتى بها؟ لتوكيد النفي في مثل هذه الحالة، مثل هذه الصورة التي ذكرناها جاءت لتوكيد النفي، لذلك قال: "وللتوكيد"، في الغالب تأتي بعد ما النافية.
وذكر ابن هشام إن رابعة وهي: المخففة من الثقيلة، وهذه المخففة من الثقيلة يعني أصلها إنّا وخففت فصارت إنْ وهذه مذكورة في كتب النحو.
قال المؤلف رحمه الله: "وأو للشك أو للإبهام أو للتخيير ولمطلق الجمع وللتقسيم وبمعنى إلى وللإضراب".
تأتي للتشكيك: القائل الذي يتكلم يكون شاكاً في كلامه، فيقول مثلاً: قام زيد أو عمرو، وهو شاك من القائم، هل هو زيد أو عمرو، فهذه تستعمل حتى عندنا اليوم يستعملونها بكثرة على هذا النحو.
وتأتي للإبهام: يعني التغطية على السامع، فتقول: قام زيد أو عمرو، نفس الجملة لكنّك مستيقن وتعلم من الذي قام، ولكن تريد الإبهام على السامع فتقول له: قام زيد أو عمرو، فيختلط الأمر على السامع، فالشك يكون من المتكلم، أمّا الإبهام فيكون على السامع.
وتأتي للتخيير: أيضاً، كقول أحدهم لك مثلاً: تزوج هنداً أو اختها، هذه للتخيير، إمّا هذه أو هذه، وبعضهم زاد الإباحة، وقال تأتي أيضاً للإباحة، كقولهم مثلاً: جالس الحسن أو ابن سيرين، يعني: أبيح لك هذا أو هذا، وجعل الفرق بين التخيير والإباحة أنّ التخيير لا يجوز الجمع فيه وأمّا الإباحة فيجوز الجمع فيه، الآن في المثالين الذين تقدما لمّا قال لك مثلاً: تزوج هنداً أو اختها، يجوز لك أن تجمع بين هند و اختها؟ لا يجوز، الجمع بين الأختين محرم، طيب قال لك: جالس الحسن أو ابن سيرين، يجوز أن تجمع بين الاثنين؟ يجوز، فقالوا إذا جاز فهي إباحة، وإذا لم يجز فهو تخيير، وقال لهم آخرون: لا، هذا التفريق لا حقيقة له من ناحية اللغة، ولكن وُجدت قرينة هي التي جعلت ذاك ممنوعاً وهذا جائزاً الجمع بينهما: القرينة الأولى: قرينة شرعية، وُجد النص الشرعي على عدم جواز الجمع بين البنت وأختها وإلّا لما قلنا بعدم ذلك، نحن نتحدث عن اللغة صافية من دون قرينة الشريعة أو غيرها من القرائن، فقالوا إذن هي واحدة في النهاية أو هذه واحدة ولا فرق بنيهما.
والتخيير والإباحة يكونان في الطلب، كما ذكرنا هنا: جالس الحسن أو ابن سيرين، هنا أطلب منك طلباً، فالتخيير والإباحة تكون في الطلب، وأمّا الشك والابهام فيكون في الخبر، قام زيد أو عمرو، تخبر خبراً وتعطيه معلومة.
ولمطلق الجمع: هنا تكون بمعنى الواو، لأنّ الواو هي التي لمطلق الجمع، ما معنى مطلق الجمع؟ يعني أقول لك: جاء زيد وعمرو، أنت الآن جمعت بينهما في المجيء فقط، بدون نظر إلى متقدم ومتأخر، ومنفردين أو مجتمعين، ما لنا علاقة بكلّ هذا، الذي أثبته لك: هو أن زيداً وعمرو قد اجتمعا في المجيء، قد اشتركا في المجيء هذا هو مطلق الجمع، قالوا وأو أيضاً تأتي لمطلق الجمع كالواو، ومثّلوا لذلك بقول الشاعر:
وقد زعمت ليلى بأنيَ فاجرٌ *** لنفسي تقاها أو عليها فجورها
فقالوا هنا: لنفسي تقاها أو عليها فجورها، فهنا: أو بمعنى الواو، أي لمطلق الجمع.
ثم قال: وللتقسيم: يعني تأتي أيضا –أو- للتقسيم، ما معنى التقسيم؟ قول أهل النحو مثلاً: الكلمة اسم أو فعل أو حرف، فهنا ذكرت الأقسام أقسام الكلمة، هذا معنى: "للتقسيم"، أي تأتي لذكر أقسام الشيء.
ثم قال: وبمعنى إلى: كقول الشاعر:
لأستسهلنَ الصعبَ أو أدركَ المُنى *** فما انقادت الآمالُ إلّا لصابرٍ
الشاهد قوله: لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى، فهنا تقدير الكلام: لأستسهلن الصعب إلى أن أدرك المنى. فهنا –أو- جاءت بمعنى إلى، وفي هذه الحالة يكون الفعل بعدها منصوباً بأن مضمرة بعد أو، الشاهد أنّها تأتي بمعنى إلى.
يقول لك: تأتي بمعنى كذا، تعرف مباشرة الضابط في ذلك، تنزع الكلمة وتضع تلك مكانها، فإذا صحّت فهي بمعناها وإلّا فلا.

وتأتي للإضراب: أصل حرف الإضراب هو بل، كذلك أو تأتي للإضراب، كقول الشاعر:
ماذا ترى في عيالٍ قد بَرمتُ بهم *** لم أُحْصِ عدّتهم إلّا بعداد
كانوا ثمانين أو زادوا ثمانيـــة *** لــــولا رجاؤك قـــــد قتلـتُ أولادي
الشاهد قوله: كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية، فهنا أو للإضراب: كأنك قلت: كانوا ثمانين بل زادوا ثمانية، نفس المعنى، ومعنى الإضراب أنّ ما قبلها في حكم المسكوت عنه، أي كأنّك لم تذكره أصلاً، تضرب عليه تماماً.
هذه سبعة معاني ذكرها المؤلف: للشك وللإبهام والتخيير ولمطلق الجمع وللتقسيم وبمعنى إلى وللإضراب، هذه سبع معانٍ تأتي بها، وابن هشام ذكر أكثر من ذلك في مغني اللبيب.
قال المؤلف: "وأَيْ بالفتح والتخفيف: للتفسير ولنداء البعيد في الأصحّ وبالتشديد للشرط وللاستفهام موصولة ودالة على الكمال ووصلة لنداء ما فيه الـ ".
وأَيْ هذه بالفتح أي بفتح الهمزة، همزة أي، والتخفيف: تخفيف الياء، وهذا يريد أن يفرق بين أَيْ وأيُّ، التي سيأتي الحديث عنها، قال هذه: تأتي للتفسير، فتقول مثلاً وأنت تقرأ في كتب الشروح والتفاسير عندما تمر جملة: أي كذا، هذه هي: أي التفسيرية، كقولهم مثلاً: عندي عسجد أي ذهب، إذا أردت أن تفسر تقول: أي كذا، وتقول رأيت غدنفراً أي أسداً، فأي هذه تأتي للتفسير، وما بعدها يكون في إعرابه عطف بيان على ما قبلها أو بدلاً، فيكون تابعاً له في الإعراب، لمّا تقول: عندي عسجد، العسجد هذا مرفوعة فتأتي بالتفسير تقول: أي ذهبٌ، تكون ذهب مرفوعة لأنّها تكون عطف بيان على عسجد، أو بدلاً منه، وتقع تفسيراً للمفرد وتفسيراً أيضاً للجملة.
قال: "ولنداء البعيد في الأصح"، أي أنّها تُستعمل أيضاً في النداء، فلا إشكال في استعمالها في النداء كما جاء في عدة أحاديث أنّ المَلَكَ يقول: "أَيْ ربّ نطفة أَيْ ربّ علقة"، وفي أحاديث أخرى يقول: "أَيْ رَبّ" يا ربّ، فهي للنداء، لكن هل تُستعمل لنداء القريب أم الوسط أم البعيد؟ هنا حصل خلاف شديد بين العلماء، والمؤلف رحمه الله رجّح أنّها تُستعمل لنداء البعيد، فقال: "ولنداء البعيد في الأصحّ"، وابن هشام تركها من غير ترجيح.
انتهى من أَيْ المخففة فهي تأتي للتفسير وتأتي للنداء.

ثم انتقل إلى المشددة أيُّ، قال: "وبالتشديد للشرط"، ففي حال التشديد، المشددة تأتي شرطية، هذه مرّت معنا في النحو، ومثالها قوله تعالى: ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ، أيّما الأجلين: المشددة التي هي أَيّ وما: هذه زائدة يعربونها صلة، فأيّ هذه اسم شرط جازم يجزم فعلين وهي منصوبة والناصب لها هو الفعل الذي بعدها وهو قضيت، وما: زائدة والأجلين مضاف إليه، وقضيت فعل الشرط وجواب الشرط فلا عدوان علي، ومعنى كونها شرطية طبعاً كما تقدم في إن، أنّ جواب الشرط متعلق على ما تقدم، وقوله: ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ، هنا العدوان منفي في حال قضاء أحد الأجلين، وعندما تقول مثلاً: إن جاء زيد ذهبت معك، هذا شرط، إن جاء زيد ذهبت معك، فذهابك معه معلق بمجيء زيد، هذا معنى الشرطية، الشرطية معناها التعليق.
قال: وللاستفهام، أي تأتي أيّ مشددة للسؤال، كما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى أنّه قال والقول أصلاً للمنافقين: ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ، هنا استفهام، سؤال، ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ، يسألون من منكم زادته هذه إيمانا.
وتأتي موصولة، بمعنى الذي، كما في قوله تعالى: ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ،الشاهد أيّهم أشد، أي لنزعن الذي هو أشد، فهنا موصولة بمعنى الذي.
وتكون دالة على معنى الكمال، أي تدل على صفة الكمال، عندما تقول مثلاً: زيدٌ رجلٌ أيُّ رجلٍ، أيّ رجلٍ هو أي أنّه متصف بصفات الرجولة الكاملة، زيدٌ رجلٌ أيّ رجلٍ، أي كامل في صفات الرجولة، فتكون هنا صفة للنكرة، رجل نكرة وأيّ صفة لرجلٍ، أمّا إذا جاءت بعد المعرفة تكون حالاً كقولهم مثلاً: مررت بزيدٍ أيَّ رجلٍ، الآن زيدٌ معرفة فأيّ هنا تكون حال، والحال دائماً منصوب، لذلك جاءت منصوبة هنا.
قال: ووصلة لنداء ما فيه الــ، نحو: يا أيّها الرّجل، ومعنى وصلة نداء أي نتوصل بها إلى نداء الاسم المعرّف بالـ، يا أيّها الرّجل، يا: حرف نداء، وأيّ هذه الواصلة، يا أيّها الرّجل.
قال المؤلف رحمه الله: "وإذ للماضي ظرفاً، ومفعولا به وبدلاً منه ومضافاً إليها اسم زمان وكذا للمستقبل وللتعليل حرفاً وللمفاجأة كذلك في الأصحّ".
مختصر إذ وإذا التي ستأتي بعدها: إذ ظرف لما مضى من الزمان هذا أصلها، كقول الله تبارك وتعالى: ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ، فهنا إذ تكون ظرفاً لما مضى من الزمان، هذا أصل إذ، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان، أكرم زيداً إذا جاءك، هنا إذا جاءك متى؟ في المستقبل، طيب، أكرم زيد إذ جاءك، أي بما أنّه قد جاء في الماضي فأكرمه، هذا الفرق بين إذ وإذا، هذا الأصل في إذ، قال بعد ذلك: بعد ثلاث مراحل وكذا للمستقبل، أي وتأتي أيضاً للمستقبل أي تأتي بمعنى إذا للزمان المستقبل كقوله تعالى: ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ، الأغلال في أعناقهم متى ستحصل؟ ما زالت، يوم القيامة، ما حصلت، إذن فهي للمستقبل، لكن نازع بعض أهل العلم في هذا وقالوا: هذا خطأ، لا تأتي إذ بمعنى إذا، قالوا: وهذا نزّل المستقبل منزلة الماضي لتحقق وقوعه، لمّا كان وقوعه متحققاً جاء بلفظ الماضي، يعني يأتيك بلفظ الماضي كي يقول لك هو واقع يقيناً لا شكّ في ذلك، وهذا أسلوب عربي معروف، فقال هنا عندنا: "وإذ للماضي ظرفاً" يعني أنّها تكون ظرفاً، والظرف إمّا زماني أو مكاني، ومفعولاً به، أي وترد مفعولاً به نحو: ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ، أي اذكروا حالتكم هاته، وترد بدلاً منه، أي بدلاً من المفعول به، كقوله تعالى: ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ، أين المفعول به هنا: مريم، ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ، المفعول به: مريم، إذ انتبذت: فهنا إذ بدل من مريم التي هي المفعول به وهذا بدل اشتمال، قال: "ومضافاً إليها اسم زمان"، أي ترد وقد أضيف إليها اسم زمان كقول الله تبارك وتعالى: ﯯ ﯰ ﯱ، فبعد: هنا ظرف وهو مضاف، وإذ: مضاف إليه، وكذلك: يومئذ، يوم: ظرف وهو مضاف، وإذ: مضاف إليه، قال: "وللتعليل حرفاً"، يعني أنّها تأتي حرف تعليل لبيان العلّة والسبب، كقوله تبارك وتعالى: ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ، أي: ولن ينفعكم اليوم لظلمكم، فهي بمعنى: لام التعليل، وللمفاجأة، بأن يكون بعد بين أو بينما هذا ضابطها، مثل قولك مثلاً: بينا أنا كذا إذ جاء زيد، أو: بينما أنا أكتب أو أقرأ إذ جاء زيد، فإذ جاء، إذ: هنا للمفاجأة أي فاجأني بمجيئه وأنا على تلك الحال، قال: "وللمفاجأة كذلك في الأصح"، أي وتأتي حرف مفاجأة كما تأتي حرف تعليل.
قال المؤلف رحمه الله: "وإذا للمفاجأة حرفاً في الأصحّ وللمستقبل ظرفاً مضمّنة معنى الشرط غالباً وللماضي والحال نادراً".
الحرف السابع حرف إذا، وهي حرف في الأصحّ عند المؤلف، يعني فيها خلاف، المؤلف يذهب إلى أنّها حرف، وتقع بين جملتين الثانية منهما اسمية، مثل: خرجت فإذا الأسد بالباب، خرجت: هذه الجملة الأولى، والأسد بالباب: هذه الجملة الثانية، وجاءت إذا بينهما، والذي بعدها مباشرة اسم، خرجت فإذا الأسد بالباب، أي تفاجأت به عند خروجي.
وللمستقبل ظرفاً مضمنة معنى الشرط غالباً، يعني ترد للمستقبل أيضاً وتكون ظرفاً، لكن فيها معنى الشرط، قال: "غالباً"، يعني أحياناً تتخلص من معنى الشرطية، فتقول مثلاً: إذا جاء زيدٌ فأكرمه، ففيها معنى الشرط وإلا لا؟ فيها معنى الشرط، إذا جاء زيد فأكرمه فهنا ظرف لما يُستقبل من الزمان وفيه معنى الشرطية، لأنّه فيه تعليق، هذا معنى الشرطية، فيه تعليق الإكرام بالمجيء.
قال: وترد للماضي والحال، هي الأصل فيها أنّها للمستقبل، لكن ترد أيضاً للماضي والحال ولكن هذا نادراً، فتكون مثل إذ في حال كونها للماضي، كقوله تعالى: ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ، طيب، لمّا نزلت هذه الآية الرؤيا والانفضاض كان حاصلاً وإلّا غير حاصل؟ لمّا نزلت هذه الآية كان حاصلاً، إذن فهو أمر ماضي، وهنا جاءت للماضي، ومثال الحال: ﮖ ﮗ ﮘ، والغشيان والليل مقترنان مع بعضهما، فهذا مثال للحال، فتأتي للحال لا للمستقبل، ولكن كما ذكرنا هذا نادر وليس هو الأكثر.
طيب، الباء الحديث فيها طويل وهي مهمة جداً لكثرة ورودها في الكتاب والسنة نؤجلها إن شاء الله للدرس القادم ونكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
هذه طبعاً من أراد أن يُتقنها لا بدّ من حفظها، تُحفظ هذه الحروف، كلّ ما ذُكر في الحروف وخصوصاً ما في المتن، من أراد أن يتقن معانيها ويفهمها جيداً فلابدّ من حفظها.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-10-2013, 21:28   #23
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الواحد والعشرون من شرح كتاب لبّ الأصول

الحمد لله وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:
فمازلنا في ذكر معاني الحروف، وذكرنا أنّ هذه الدروس من أهم دروس أصول الفقه، ومعاني الحروف هذه يحتاجها الفقيه كما يحتاجها المفسر كما يحتاجها المحدّث، فهي تُعينك على فهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصلنا عند حرف الباء.
قال المؤلف رحمه الله: "والباء للإلصاق حقيقة ومجازاً وللتعدية وللسببية وللمصاحبة وللظرفية وللبدلية وللمقابلة وللمجاوزة وللاستعلاء وللقَسَم وللغاية وللتوكيد وكذا للتبعيض في الأصحّ".
هذه كلّها معاني الباء لأنّه يأتي كثيراً في الكلام العربي، فيُستعمل على المعاني المذكورة.
أول معنى من معانيها: الإلصاق: وهو أصل معنى الباء كقولهم: أمسكت الحبل بيدي، أي ألصقت الحبل بيدي فصارت ملاصقة بين يدي وبين الحبل، هذا معنى الإلصاق، وقولهم: فلان به داء، أي أنّ الداء التصق به، هذا إلصاق حقيقي، وهناك إلصاق يسمونه إلصاقاً مجازياً كقولهم مثلاً: مررت بزيدٍ، المرور هنا لم يُلصق بزيد وإنّما الإلصاق حصل بمكان يقرب منه، الآن التماس الذي حصل بينك وبين زيد، بينك وبين المكان الذي هو قريب من زيد؟ بينك وبين المكان الذي هو قريب من زيد، فإذن ما فيه التصاق حقيقي بينك وبين زيد، لذلك سمّوا هذا الصاقاً مجازياً، من باب الجواز، تجوزوا في هذا الأمر، لذلك قال المؤلف: "للإلصاق حقيقة ومجازاً"، فالباء تأتي للإلصاق سواء كان إلصاقاً حقيقياً أو إلصاقاً على سبيل التجوز، نسميه كذلك، هذا المعنى الأول وقلنا هو أصل معاني الباء.
ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﭝ ﭞ، هذه مسألة فقهية، هل الباء هذه باء الالصاق أم باء التبعيض؟ وسيأتي في آخر كلام المؤلف، ماذا قال؟ وكذا للتبعيض في الأصحّ، أي أنّ الباء تأتي أيضاً للتبعيض، فإذا قلنا الباء التي في الآية للتبعيض فنكتفي بمسح بعض الرأس، وإذا قلنا بأنّها للإلصاق فلابد من مسح الرأس بالكامل، طيب، فيه احتمال أن تكون للإلصاق وللتبعيض، إذا سلّمنا مع المؤلف أنّ الباء تأتي للتبعيض نقول: نعم فيه احتمال، لكن المسألة في حدّ ذاتها مختَلف فيها، هل تأتي الباء للتبعيض أم لا؟ والمعنى المتفق عليه أن تأتي للإلصاق، ونُرجِّح الالصاق بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا نريد أن نستطرد الآن، المسألة محلها كتب الفقه، طيب، هذا بالنسبة لمعنى الالصاق.
المعنى الثاني: التعدية: وتسمى بالنقل، وهي القائمة مقام الهمزة في تصيير الفاعل مفعولاً، كقوله تبارك وتعالى: ﭚ ﭛ ﭜ، أي أذهب الله نورهم، فعملت الباء عمل الهمزة، أصل الكلام: ذهب نورهم، دخلت الهمزة فصار النور بدل أن يكون فعلاً مفعولا به، والباء تعمل عمل الهمزة في التعدية، تعدي الفعل إلى مفعول به.
المعنى الثالث: الاستعانة، وهذه ضابطها أن تدخل على آلة الفعل، الآن يحيى ماذا يفعل؟ يحيى يقول لنا أنا كتبت بالقلم، وهو قاعد يكتب بالقلم، كتبت بالقلم، الباء هذه دخلت على آلة الكتابة، الكتابة تمت بماذا؟ تمت الكتابة بالقلم، فالقلم هو آلة الكتابة، والباء دخلت على آلة الكتابة، هذه الباء تسمى باء الاستعانة، أي استعنت بالقلم في الكتابة، قتل زيد عمرو بالعصا، الباء هذه باب الاستعانة، دخلت على آلة الفعل العصا، هذا هو ضابطها، طيب، هذه نحن ذكرناها هنا لأن المؤلف لم يذكرها أصلاً أدخلها في باء السببية.
المعنى الرابع: السببية، مثالها كقول الله تبارك وتعالى: ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ، هذه الباء باء السببية، أي ادخلوا الجنة بسبب أعمالكم، فأعمالكم سبب في دخول الجنة، وهذه الباء ينفيها بعض اللذين يُنكرون الأسباب، وهذه الباء التي هي باء السببية تختلف عن باء العوض التي سمّاها المؤلف بباء المقابلة، وتسمى بباء الثمنية، كلّها أسماء لباء واحدة (باء المقابلة، باء العوض، باء الثمنية)، واحدة، تلك الباء تختلف عن هذه الباء، تلك الباء التي جاءت في النبي صلى الله عليه وسلم: "لن ينجو أحد منكم بعمله"، طيب كيف؟ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ثم "لن ينجوا أحد منكم بعمله"، الباء هنا كغير الباء هذه، تلك الباء هي باء السببية ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ، أمّا الباء الثانية هذه باء العوض، باء الثمنية، أي أنتم لا تدخلون الجنة في مقابل أعمالكم، فلن تدفعوا ثمن الجنة كي تدخلوها، وإنّما بفضل الله دخلتم الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لن ينجو أحد منكم بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله: قال: "ولا أنا إلّا أن يتغمدني الله برحمته"، فأنتم دخلوكم الجنة برحمة الله تبارك وتعالى والأعمال هذه ليست إلّا سبب، وأحسن مثال على ذلك: الولد، أنت الذي أتيت بالولد؟ لست أنت الذي أتى به، ابنك هل أنت الذي أتيت به؟ لست من أتى به، فمن أتاك به؟ ربنا تبارك وتعالى، وأنت الذي فعلته بزواجك إنّما هو سبب، ومع السبب ربمّا يوجد الولد وربما لا يوجد، هذا يرجع إلى مشيئة الله سبحانه وتعالى، كذلك دخول الجنة، هذا الفرق بين باء السببية وباء العوض.
وللمصاحبة: هذه للمصاحبة تكون بمعنى مع، ولعلكم تسمعون من بعض أهل العلم عندما يقولون لكم: حروف الجرّ تتناوب، أي يأتي بعضها بمعنى بعض آخر، فهذا من ذاك، الآن الباء تأتي بمعنى مع، المعنى الأصلي لمع المصاحبة، الباء تأتي بمعنى مع، كقوله تبارك وتعالى: ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ، أي جاءكم الرسول مع الحقّ.
وللظرفية: الحرف الأصلي للظرفية هو: في، فالباء تأتي بمعنى: في، للزمان وللمكان، تُستعمل الباء لظرف الزمان ولظرف المكان، كقوله تبارك وتعالى: ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮈ ﮉ ﮊ أي تمرون عليهم مصبحين وتمرون عليهم أيضاً في الليل، هذا ظرف الزمان.
وأمّا بمعنى ظرف المكان كقوله تعالى: ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ، أي في بدر.
وللبدلية: وهذه الباء التي تكون للبدلية، ضابطها أن يحلّ محلها بدل.
مثالها: ما يسرني أنّ لي بها الدنيا أي بدلها.
وللمقابلة: هذه التي ذكرناها، هي باء العوض وباء الثمينة وباء المقابلة واحدة، اشتريت الفرس بألف، اشتريت الفرس عوضاً عن الألف، أو مقابلةً للألف أو ثمناً للألف، هذا المعنى.
وللمجاوزة: الحرف الأصلي للمجاوزة: عن، فالباء تأتي بمعنى عن، كقوله تعالى: ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ، أي سأل السائل عن عذاب واقع.
وللاستعلاء: الحرف الأصلي للاستعلاء هو: على، فتأتي الباء بمعنى: على، كقوله تعالى: ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ، إن تأمنه على دينار.
وتأتي للقسم: وهي أصل حروف القسم، بالله عليك لتفعلن كذا، حروف القسم ثلاثة: والله وبالله وتالله.
وللغاية: التي بمعنى إلى، ﮞ ﮟ ﮠ ، أي وقد أحسن إلي.
وللتوكيد: وهي الزائدة، ما هو ضابط الزائدة؟ إذا حذفتها يصحّ الكلام، لا تؤثر في صحة الكلام، هذا ضابطها، لكن في القرآن ما فيه شيء ليس له معنى، لذلك يقولون فيها بأنّها للتوكيد كقوله تبارك وتعالى: ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ، لو حذفنا الباء ماذا سيصبح الكلام؟ وهزي إليك جذع النّخلة، صح؟ تمام، إذا فالباء هذه توكيدية.
وللتبعيض: على ما ذكره المؤلف فتكون بمعنى: من، الحرف الأصلي للتبعيض: من، أكلت من الخبز، أي: أكلت بعضه ما أكلته كلّه، وفي المسألة خلاف هل تأتي الباء للتبعيض أم لا، المؤلف يرجح هذا كقوله تعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ، عند المؤلف هذه معناها عين يشرب منها عباد الله.
هذه معاني الباء
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وبل للعطف بإضراب وللإضراب فقط إمّا للإبطال أو للانتقال من غرض إلى آخر ".
بل هذه قال المؤلف تأتي للإضراب، ما معنى الإضراب؟ له ثلاثة معاني، ستأتي إن شاء الله، نبدأ الآن ببل بتقسيم، فنقسّمها إلى قسمين:
ü القسم الأول: أن يكون ما بعدها مفرداً.
ü القسم الثاني: أن يكون ما بعدها جملة.
نترك القسم الثاني على جنب، نبقى نشتغل مع القسم الأول، القسم الأول الذي هو أن يكون ما بعدها مفرداً، هذا له حالتان أيضاً: إمّا أن تكون الجملة قبله:
ü مثبته.
ü أو منفية.
تمام هذه قسمتنا، إذن صار عندنا الآن ما بعد بل مفرداً والجملة التي قبله مثبته أو منفية، طيب نبقى مع هذا القسم.
ü إذا كان ما بعد بل مفرداً والجملة قبله مثبته وليست منفيةفتكون هنا بل عاطفة وللإضراب.
عاطفة: يعني بمنزلة الواو تعطف الشيء على شيء آخر.
وللإضراب: ما معنى الإضراب هنا؟ أي كأنّه مسكوت عنه، الذي هو قبل بل، ما قبل بل يكون في حكم المسكوت عنه، هذا المعنى الأول للإضراب في مثل هذا الموطن.
أن يكون ما بعد بل مفرداً وأن تكون الجملة التي قبله مثبتة، واضح، فتكون بل هنا عاطفة وللإضراب الذي هو بمعنى أن يكون ما قبلها في حكم المسكوت عنه، عندما تقول: جاء زيد بل عمرو، ما بعد بل جملة وإلّا مفرد؟ مفرد، عمرو مفرد وإلّا جملة؟ مفرد، قبل بل: الجملة مثبتة وإلّا منفية؟ مثبتة، جاء زيد: إثبات، جاء زيد بل عمرو، هنا عندما قلت: بل عمرو، كأنّك أضربت عن زيد، فجعلت حكمه مسكوتاً عنه، يعني كأنّه لم تثبت ولم تنفي المجيء عن زيد، لا علاقة لي به، خلاص، ألغي الكلام، تمام، وأثبت المجيء لمن؟ لعمرو، هذا القسم الأول، وهو المفرد والقسم الأول من المفرد وهو الجملة المثبتة.
ü إذا كانت الجملة منفية:
كأن تقول مثلاً: ما قام زيد بل عمرو، فهنا تكون لتقرير حكم ما قبلها وجعل ضدّه لما بعدها، تقرير حكم ما قبل بل: يعني أنت تقرّ الحكم الذي قبل بل وتثبته وتجعل حكم ما بعدها بخلافه، لمّا قلت ما قام زيد، الآن انس ما بعد ذلك، ما قام زيد، ما معنى ذلك؟ أنت تثبت قيام زيد أم تنفيه أم تسكت عنه؟ تنفيه، فأنت قرّرت حكم ما قبل بل، نأتي لما بعدها: بل عمرو، ما قصدك بـ: بل عمرو؟ بل قام عمرو، فأنت تثبت ضدّ ما قبلها، ما قبلها منفي، فما بعدها مثبت، فهي تقرر حكم ما قبلها وتجعل ما بعدها ضدّه في الحكم.
هذا في حال أن يكون ما بعدها مفرداً إمّا الجملة تكون مثبتة أو منفية.
v ننتقل الآن إلى القسم الذي تركناه على جنب، الآن ننسى موضوع المفرد نأتي للجملة:
إذا جاء بعد بل جملة: إذا جاء بعد بل جملة لا تكون بل عاطفة، لمّا تكون بل عاطفة يكون فيه ارتباط عندك ما بين الذي قبلها والذي بعدها، هنا الآن العطف نريد أن ننساه، ما تكون بل عاطفة في حال جاء بعدها جملة فماذا تكون؟ تكون حرف ابتداء، أي كأنّك تبدأ جملة جديدة بعدها منفصلة عن التي قبلها، وهنا تكون أيضاً للإضراب، ولكن الإضراب يكون إمّا لإبطال ما قبلها وإلغاءه، وإمّا للانتقال من غرض إلى غرض، تمام، فمعنى الإضراب هنا: أن يبطل ما قبل بل، تمام، أو أن ينتقل من غرض إلى غرض، فصار كم عندنا معنى عندنا للإضراب؟ ثلاثة: (السكوت: وهذا في المفرد، الإبطال والانتقال: وهذا في الجملة)
· إمّا لإبطال ما قبلها:
كقوله تعالى: ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ، ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ: أصابه جنون، فالله سبحانه وتعالى ردّ قولهم، الذين يقولون هؤلاء هم الكفرة، يقولون في النبي صلى الله عليه وسلم، فردّ الله قولهم وأبطله، فقال: ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ أي كلامهم باطل وحقيقة الأمر أنّه جاءهم بالحق فاستكبروا عنه وتركوه فادعوا أنّه به جنة، طيب، هذا المعنى الأول الذي هو للإبطال.
· وكذلك للانتقال من غرض إلى غرض آخر:
كقوله تعالى: ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ، الذي هو اللوح المحفوظ يكون مكتوب فيه كلّ شيء، ﭯ ﭰ ﭱ: يوم القيامة سيأتي كلّ واحد وكتابه مكتوب كلّ شيء عند الله سبحانه وتعالى مما يعمل العبد،ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ، قلوبهم في جهالة من هذه الحقائق فانتقل من موضوع إلى موضوع آخر، هي لمجرد الانتقال فقط ، ما قبلها كما هو مثبت ما صار عليه ولا شيء، وجاء ما بعدها.
هذا موضوع بل.
قال المؤلف رحمه الله: "وبيد بمعنى غير وبمعنى من أجل ومنه بيد أنّه من قريش في الأصحّ".
بيد اسم له معنيان، وهو ملازم دائماً لأنّ.
· الأول: بمعنى غير، كقوله صلى الله عليه وسلم: "نحن الآخرون السابقون بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا"، ما معنى بيد هنا؟ غير أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، هذا الحديث متفق عليه.
· وتأتي بمعنى من أجل، ويمثّلون لذلك بحديث: "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش"، لماذا كنت أنا أفصح العرب؟ من أجل أني من قريش، قريش أفصح العرب، لكن بعض أهل العلم خالف في معنى هذا الحديث فقال بيد هنا أيضاً بمعنى غير، غير أني من قريش، والحديث نفسه ضعيف.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وثم حرف عطف للتشريك والمهلة والترتيب في الأصحّ".
ثم حرف عطف يفيد المشاركة بمعنى أنّك تقول: جاء زيد ثم عمرو، فاشترك زيد وعمرو في المجيء، فهو حرف عطف للتشريك، فهو عاطف ويدلّ على المشاركة أيضاً، "والمهلة": معنى المهلة وجود مدة زمنية بين مجيء زيد ومجيء عمرو، وهو الذي يسميه بعض أهل العلم بالتراخي، فيقولون ثم تفيد الترتيب والتراخي تفيد الترتيب مع التراخي، فهي عاطفة وتفيد الترتيب مع التراخي، يعني عندما تقول: جاء زيد ثم عمرو، تستفيد كم فائدة هنا؟ ثلاثة:
· الأولى:أنّ زيداً وعمرو قد اشتركا في المجيء.
· الفائدة الثانية:أنّ زيداً جاء قبل عمرو.
· الفائدة الثالثة:أنّه بين مجيء زيد ومجيء عمرو مدة وزمن، تراخي في الزمن.
هذا معنى ثم، فقالوا تأتي على هذه المعاني الثلاث، وقال بعضهم: قد تتخلف عن بعض هذه المعاني.

قال المؤلف: "وحتى لانتهاء الغاية غالباً وللاستثناء نادراً وللتعليل".
الغالب في معنى حتى أنّها لانتهاء الغاية، كقوله تعالى على لسان بني إسرائيل: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ، فحتى هنا للغاية، بمعنى: إلى أن يرجع إلينا موسى، هذا معنى الغاية، يعني سنبقى عكوفاً ولن ينتهي اعتكافنا إلى أن يرجع إلينا موسى عليه السلام، هذا معنى الغاية.
وتأتي حتى للتعليل بمعنى كي، فتقول أسلم حتى تدخل الجنة، أسلم كي تدخل الجنة.
وتأتي للاستثناء نادراً، الأصل في الاستثناء ما هو؟ إلّا، تأتي بمعنى: إلّا، ولكن على ندور، قليل جداً، والاستثناء المقصود هنا الاستثناء المنقطع لا الاستثناء المتصل، تقدم معنا وذكرنا في كتب سابقة ما الفرق بين الاستثناء المنقطع والمتصل، حتى تأتي للاستثناء المنقطع، ومثّلوا له بقول الشاعر:
ليس العطاء من الفضول سماحة *** حتى تجود وما لديك قليل
يعني معنى الكلام أنّك ما تكون كريم والله وسمح بالعطاء لمّا يكون معك ملايين، لا، تظهر سماحتك بالعطاء وكرمك عندما تكون قليل المال.
ليس العطاء من الفضول سماحة: يعني العطاء والإكرام ودفع المال من فضول مالك مما هو زائد عليك من المال هذا ليس سماحة.
حتى تجود: حتى تعطي، وما لديك قليل: وما عندك من المال قليل، فهنا المعنى ليس العطاء من الفضول سماحة إلّا بأن تجود وما لديك قليل، أي إلّا أن تجود ومالك قليل، فعندئذ يكون عطائك سماحة.
قال المؤلف رحمه الله: "وربّ حرفٌ في الأصحّ للتكثير وللتقليل ولا تختص بأحدهما في الأصحّ".
ربّ: حرف وقيل اسم، لذلك قال المؤلف وربّ حرف في الأصحّ، أي في المسألة خلاف والراجح عندي أنّها حرف، والمعاني التي تأتي لها تأتي للتقليل وللتكثير.
· مثال التقليل:كقول القائل:
ألا ربّ مولود وليس له أبّ *** وذي ولد لم يَلَده أبوان
هكذا يلَده بفتح اللام.
ألّا ربّ مولود وليس له أب: كم واحد مولود وليس له أب؟ هذا ينطبق على عيسى عليه السلام.
إذن رب عنا للتقليل وإلّا للتكثير؟ للتقليل.
وربّ ذي ولد لم يلَده أبوان: من هو هذا الذي عنده أولاد ولم يلده أب وأم؟ آدم عليه السلام، ما فيه غيره، فربّ هنا تكون للتقليل.
· ومثال التكثير:
ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ، وهذا كثير ، وهذا يكثر منهم تمنيه يوم القيامة.
وربّ هذه لا تختص بالتقليل ولا تأتي للتكثير ولا تختص بالتكثير ولا تأتي للتقليل، بل تأتي لكلا المعنيين على الصحيح، والبعض قال: فقط تأتي للتكثير، والبعض الآخر قال: تأتي فقط للتقليل.
نكتفي بهذا القدر.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-10-2013, 09:48   #24
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الثاني والعشرون من شرح كتاب لبّ الأصول

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين:
لعلنا إن شاء الله ننتهي من الحروف في الدرس القادم بإذن الله، ونحن الآن ما زلنا في ذكر معاني الحروف وبعض الأسماء، وذكرنا أنّ هذا البحث من المباحث المهمة في علم الأصول، وهو أصلاً مبحث لغوي، وقد اعتنى به أهل اللغة وبينوا معاني هذه الحروف ووصلنا عند:
قول المؤلف رحمه الله تعالى: "وعلى، الأصحّ أنّها قد ترد اسماً بمعنى فوق، وحرفاً للعلو وللمصاحبة وللمجاوزة وللتعليل وللظرفية وللاستدراك وللتوكيد، وبمعنى الباء ومن، وأمّا علا يعلو ففعل".
يعني المؤلف رحمه الله بهذا الكلام أنّ على تأتي اسماً وحرفاً.
فإذا جاءت اسماً يكون معناها: فوق، وذلك إذا دخل عليها حرف جرّ، حرف الجرّ لا يدخل على حرف الجرّ، فإذا دخل عليها حرف جرّ تصبح اسماً لا حرفاً، فيكون معناها: فوق.
كقوله: وغدت مِن عليه من بعد ما تم ضمؤها، مِن عليه، أي: مِن فوقه.
وتأتي حرفاً وهو الأكثر ويكون لها عدة معاني:
المعنى الأول: العلوّ: كقوله تعالى: ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ، أي كل من على وجه الأرض.
المعنى الثاني: المصاحبة: كـ: مع، يعني بمعنى: مع، كقوله تعالى: ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ، تقدير الكلام: وآتى المال مع حبّه.
الثالث: المجاوزة:كـ: عن، كقولهم، رَضِيَت عليه، أي: رَضِيَت عنه.
الرابع: التعليل: كقوله تعالى: ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ، أي: لتكبروا الله لهدايته إياكم، فهي تعليلية بينت السبب.
الخامس: الظرفية: بمعنى: في، نحو: ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ، أي دخل المدينة في وقت غفلة أهلها.
السادس: للاستدراك: بمعنى: لكن، نحو: فلان لا يدخل الجنة لسوء فعله على أنّه لا ييأس من رحمة الله، على أنّه: أي فلان لا يدخل الجنة لسوء فعله لكنّه لا ييأس من رحمة الله، فعلى: هنا جاءت بمعنى لكن الاستدراكية.
السابع: للتوكيد: وسمّاها بعضهم الزائدة، وأعرض بعض أهل العلم عن قولهم فيها بأنّها زائدة لأنّ القرآن لا زائد فيه، الزائد زيادة لامعنى له هذا غير موجود في القرآن، ما فيه حرف ولا كلمة ولا اسم ولا فعل إلّا وله معنى في القرآن، لذلك بعض العلماء أعرض عن كلمة زائدة وقال للتوكيد، والذي قال زائدة قال هي زائدة من حيث الاسم لكن من حيث المعنى لها معنى فتأتي للتوكيد.
كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلّا أتيت الذي هو خير و تحللتها"، لا أحلف على يمين، الآن لو حذفنا على لكانت العبارة: لا أحلف يميناً، هل غيرت المعنى الذي أراده صلى الله عليه وسلم؟ ما غيرته، هذا هو ضابط الزائدة، فجاءت على للتوكيد فقط.
الثامن: بمعنى الباء: نحو: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ، أي: واجب بأن لا أقول على الله إلا الحقّ.
التاسع: بمعنى من: نحو: ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ، يعني: إذا اكتالوا من الناس يستوفون، أخذوا حقهم كاملاً.
ثم قال: "أمّا علا يعلو ففعل"، يعني هذه كلمة علا ليست هي نفسها على التي نتحدث عنها، على التي تكتب بشكل الياء هذه هي الحرف، أمّا علا التي تكتب على الألف هذه فعل وليست حرفاً وتصريفها من: علا يعلو علواً، فهذه فعل وليست حرفاً، لذلك نبّه على هذا فقال: "أمّا علا يعلوا فعل"، ليست من هذا الباب، كقوله تعالى: ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "والفاء العاطفة للترتيب وللتعقيب وللسببية".
اللغة العربية فيها أكثر من فاء، فيها: الفاء العاطفة وفيها الفاء التي تدخل على جواب الشرط وغيرها، فأخرج كل شيء وأبقى فاء واحدة بقوله: "والفاء العاطفة"، التي يُؤتى بها للعطف، بمنزلة الواو وثم، وهذه الفاء تفيد الترتيب والتعقيب كـ: ثم التي تقدمت في الدروس الماضية، الآن في الدروس الماضية كم حرف عطف مرت معنا؟ عندنا ثلاثة حروف: الواو وثم والفاء، هذه التي تهما الآن يوجد حروف أخرى يعطف بها لكن هذه التي تهم.
· الواو يعطف بها لمطلق الجمع:
ما معنى مطلق الجمع؟ إذا قلت جاء زيد وعمرو، فأنت جمعت بينهما في المجيء، فأنت مجرد الجمع فقط، ولا تستفيد أكثر من هذا بحرف الواو، هذا معنى لمطلق الجمع، أي أنّك تجمع بين ما ذكرتهم في شيء واحد وينتهي الأمر، هذه بالنسبة للواو، فإذا قال لك شخص: جاء زيد وعمرو، فلا تفهم من هذه الجملة إلّا أنّ زيداً جاء وعمرو جاء، جاء مع بعضهما، جاء زيد قبل عمرو، جاءا واحداً تلو الآخر، أم واحد ثم بعد ذلك بفترة جاء الثاني، هذا كلّه لا يفيده حرف الواو، تقديم تأخير الخ، حتى لمّا تمر بك آية في كتاب الله أو يمر بك سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تستدل بالواو إذا ذُكر أحد اللفظين قبل الآخر لا تستدل بأنّ الأول هو المقدم والثاني هو المؤخر بحرف الواو، لا، هذا لا تفيده في اللغة، تمام.
· والحرف الثاني: حرف ثم:
وقد تقدم معنا، وذلك يفيد العطف والترتيب والتعقيب، يفيد: الجمع والترتيب والتعقيب، بمعنى أنّك إذا قلت: جاء زيد ثم عمرو، تفهم من هذا ثلاثة أمور،
o الأول: أنّه قد حصل المجيء من زيد ومن عمرو.
o الفائدة الثانية: أنّ زيداً جاء قبل عمرو، لأنّه قُدم في الكلام، قلت: جاء زيد ثم عمرو، الفائدة الثانية: هي الترتيب، فرتبت وقدمت زيد على عمرو، فإذن نفهم من كلامك أنّ زيداً جاء قبل عمرو.
o الفائدة الثالثة: فائدة التراخي، ثم: تفيد التراخي لا تفيد التعقيب، معنى التراخي أنّه قد جاء زيد ثم بعد مدة جاء عمرو، هذه النقطة هي التي تختلف فيها الفاء مع ثم.
· الفاء:
نفس ثم في كونها تفيد الجمع وتفيد أيضاً الترتيب إلّا أنّها لا تفيد التراخي بل تفيد التعقيب، يعني أنّ أحدهما جاء عقب الثاني، فإذا قلت: جاء زيد فعمرو، تفهم أيضاً ثلاثة أشياء:
o تفهم أنّ كلا الرجلين قد جاء.
o وتفهم أنّ زيداً قد جاء قبل عمرو.
o وتفهم أنّ المسافة التي بين مجيء زيد وعمرو ليست طويلة، بل جاء عمرو بعد زيد مباشرة.
هذا هو الفرق بين ثم والفاء، فهذا معنى قول المؤلف: "والفاء العاطفة للترتيب والتعقيب".
للترتيب: أي أنّ الذي يكون في الحكم سابقاً يُقدم والذي يكون في الحكم لاحقاً يُؤخر.
وللتعقيب: كما ذكرنا أنّ أحد الطرفين يكون قد أتى عقب الآخر مباشرة، ليس بين مجيئهما مثلاً فاصل طويل.
قال: "وللسببية"، الفاء تأتي أيضاً لبيان السبب كقوله تعالى: ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ، هذه الفاء فاء السببية، فسبب توبة الله على آدم أنّه تلقى كلمات من ربّه تبارك وتعالى، فتاب الله عليه، فتلقى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه، وكما جاء في بعض روايات الأحاديث: "سهى فسجد"، هذه أيضاً فاء السببية، سبب السجود هو السهو، فالفاء هذه تسمى بفاء السببية، أي بينت السبب، دخلت على السبب.
قال المؤلف: "وفي للظرفية وللمصاحبة وللتعليل وللعلوّ وللتوكيد وللتعويض وبمعنى الباء وإلى ومِن".
عندما يذكر لك حرفاً ويقول لك يأتي بمعنى كذا لعلكم سمعتم العلماء يدندنون ويقولون حروف الجرّ تتناوب، ما معنى أنّها تتناوب؟ أي أنّ بعضها يُستعمل في معنى البعض الآخر كما تقدم معنا صور من ذلك، وهذه الصورة أيضاً، يأتي حرف في ويكون المقصود به نفس معنى الباء أو نفس معنى مِن التي هي للتبعيض وهكذا، وهذه الطريقة هي طريقة الكوفيين من أهل النحو، هم الذين يقررون هذه القاعدة، قال المؤلف هنا: "وفي للظرفية وللمصاحبة وللتعليل وللعلوّ وللتوكيد وللتعويل وبمعنى الباء وإلى ومن".
فيلها معاني أحدها أن تكون لظرف الزمان وظرف المكان، لمّا يقدم لك معنى الحرف يُقدّم المعنى الأصلي له ثم يذكر المعاني الأخرى التي يأتي عليها الحرف، لكن المعنى الأصلي يكون في الصدارة، فالمعنى الأصلي لفي ما هو؟ الظرفية، فيكون في للظرفية المكانية والظرفية الزمانية، ومثالهما قوله تعالى: ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ، في أدنى الأرض، مكان وإلّا زمان؟ مكان، وهذا كقوله أيضاً تبارك وتعالى: ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ، وفي بضع سنين؟ هذا زمان، وهذا أيضاً كقوله تبارك وتعالى: ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ، فهنا ظرفية زمانية، وهناك ظرفية مكانية.
المعنى الثاني: المصاحبة: أي بمعنى ماذا؟ ما هو الحرف الأساسي للمصاحبة؟ مع، إذن ففي تأتي بمعنى مع، كقوله تعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ أي ادخلوا مع أمم.
المعنى الثالث: التعليل: يعني لأجل، هذه لأجل التي تستعمل أصالة للتعليل، كقوله تبارك وتعالى: ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ، أي لمتنني لأجله، وكقوله تعالى: ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ، أي: لمسّكم لأجل ما خضتم فيه.
المعنى الرابع: العلو: بمعنى على، لأن الحرف الأصلي للعلو هو: على، كقوله تعالى: ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ، أي: ولأصلبنكم على جذوع النخل، وكقوله أيضاً: ﭪ ﭫ ﭬ ، أي: سيروا على مناكبها.
المعنى الخامس: التوكيد: كقوله تعالى: ﮎ ﮏ ﮐ أصلها اركبوها، فزيدت في للتوكيد، ما هو ضابط التوكيد؟ حذف الحرف، إذا حذفت والتركيب بقي سليماً فهو زائد، الآن نحن قلنا: اركبوا فيها، احذف في، اركبوها، فصحّت، فهو للتوكيد.
المعنى السادس: للتعويض: عن أخرى محذوفة، كقولك: زهدتُ فيما رغبتَ، هذه العبارة قالوا: أصلها: زهدت ما رغبت فيه، حذفت في الأخيرة وجاءت في التي بعد رغبت مكانها، فصارت: زهدتُ فيما رغبتَ.
المعنى السابع: بمعنى الباء: نحو: ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭞ ﭟ أي: يكثّركم بسبب هذا الجعل.
المعنى الثامن: بمعنى إلى: نحو: ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ، الآن غير في إلى: إلى فتصبح: فردوا أيديهم إلى أفواههم، ليعضّوا عليها من شدة الغيظ، فهي بمعنى إلى.
المعنى التاسع: بمعنى من: كقول امرء القيس: ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال، يعني: ثلاثين شهراً من ثلاثة أحوال.
قال المؤلف رحمه الله: "وكي للتعليل وبمعنى أن المصدرية".
كي: المعنى الأول لها التعليل، ما هو الحرف الأصلي الذي يأتي للتعليل؟ اللام، ضربت زيداً لتأديبه، هنا تعليل، ما هي العلّة؟ هي التأديب، فـ: كي تأتي بمعنى اللام، كقولك: جئتك كي تكرمني، سبب المجيء ما هو؟ هذه العلّة، علّة المجيء: الإكرام، وهذه هي التي تنصب الفعل المضارع، وهذه قد تقدمت في النحو.
والمعنى الثاني تكون بمعنى أن المصدرية، وهذه ضابطها أن تدخل عليها اللام، نحو جئت لكي تكرمني، الأولى ما فيها لام، جئتك كي تكرمني، هذه جئت لكي تكرمني، أي لإكرامي، ما هو ضابط المصدرية؟ أو ما هو الفعل الذي تفعله المصدرية هذه؟ قلنا: تُسبَك بفعلها بمصدر، يعني كأنّك تعجنها مع بعضها والفعل وتطلّع منها مصدر الفعل، دمجنا كي مع الفعل وحوّلنا الفعل إلى المصدر فصارت لإكرامي، فجئت لإكرامي، هذا معنى المصدرية.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وكلّ اسم لاستغراق أفراد المنّكر والمعرّف المجموع وأجزاء المعرّف المفرد".
لكلّ ثلاثة أحوال: أحدها أن تضاف إلى نكرةفهي دالة على استغراق أفراد المضاف إليه، ماذا يعني هذا الكلام؟ قال الله تبارك وتعالى: ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ، كلّ حزب، هذا الحزب النكرة هذا عبارة عن أفراد، فقولك: كلّ حزب كلّ فرد لهذا الحزب يدخل في هذا الكلام، فتستغرق الأفراد جميعاً، فدخل في ذلك جميع الأحزاب.
ثانياً: أن تضاف إلى معرّف مجموع، نحو: كلّ الرّجال قاموا، أين المعرّف؟ الرّجال، دخلت عليه الـ التي للتعريف، وهو جمع وإلّا مفرد؟ جمع، فهو مجموع وهو معرف، ودخلت عليه كلّ هنا هي لاستغراق المضاف إليه أيضاً، فقولك: كلّ الرّجال، يشمل كلّ من أطلق عليه لفظ رجل، كلّ الرّجال قاموا، ما فيه ولا رجل بقي جالساً.
الحال الثالث: أن تضاف إلى معرّف مفرد، الحال السابقة تضاف إلى معرّف ولكنّه جمع، هنا تضاف إلى معرّف مفرد وليس جمعاً، نحو: كلّ زيدٍ حسنٍ، زيد مفرد وإلّا جمع؟ مفرد، معرفة وإلّا نكرة؟ معرفة، العَلَم من المعارف، طيب، هذه تفيد: التعميم في أجزائه، ماذا يعني؟ لمّا تقول: كلّ زيدٍ حسنٍ، إذن ما فيه جزء من أجزاء زيد وإلّا وهو موصوف بهذه الصفة، يده، رجله، رأسه، إلخ، كلّه يدخل في ضمن هذا الوصف، فتفيد التعميم في جميع أجزاء المفرد المعرفة إذا أضيف إليها.
قال المؤلف رحمه الله: "واللام الجارّة للتعليل وللاستحقاق وللاختصاص وللمِلك وللصيرورة وللتمليك وشبهه ولتوكيد النفي وللتعدية وللتوكيد وبمعنى إلى وعلى وفي وعند وبعد ومِن وعن".
تأتي لمعان عدة، الأصل فيها أنّها للتعليل، وهذه اللام هي لام الجارّة، والمعنى الأصلي لها هو للتعليل، زرتك لشرفك، سبب الزيارة هو الشرف والمكانة، هذا معنى التعليل، فشرفك علّة لزيارتي، هذه مسائل العلّة والتعليل، ولتسمع هذه الأمور، هذه مهمة، فاء السببية لام التعليل كي للتعليل كلمة لأجل هذه تحفظوها جيداً، لماذا؟ لأنّها تنفعك في باب القياس، ماذا تنفع؟ هذه الحروف عندما تمرّ بك في آية أو حديث تستطيع أن تعرف من خلالها العلّة، وإذا استطعت أن تعرف العلّة استطعت أن تلحق بها غيرها، فهذه المسألة مهمة جداً.
المعنى الثاني: الاستحقاق: مثل النّار للكافرين، ما معنى النّار للكافرين؟ يملكونها؟ لا، لا يملكونها، لكنّهم يستحقونها بأعمالهم.
المعنى الثالث: الاختصاص: كقولك مثلاً، الباب للدار، الدار لا تملك الباب، فإذن هذه اللام لام الاختصاص، فالباب يختص بهذه الدار، هذا معنى الاختصاص.
المعنى الرابع: الِملك:ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ، أي: أنّها مملوكة لله تبارك وتعالى.
الدينار لزيدٍ، ملكٌ له.
المعنى الخامس: للصيرورة: وهي اللام التي تسمى في النحو لام العاقبة، أي ما يصير إليه الأمر، كما جاء في قوله تبارك وتعالى: ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ، الآن هل هم التقطوه لهذا السبب؟ لا، إذن فهي ليست سببية، ليست للتعليل، ولكنّها دخلت على عاقبة الأمر، تبين عاقبة الأمر ومآله، نتيجته هي هذه، هذا معنى الصيرورة، أي: ما يصير إليه الأمر.
المعنى السادس: التمليك: نحو وهبت لزيدٍ ديناراً، ماذا يعني ملّكته الدينار.
المعنى السابع: شبه التمليك: ليس تمليكاً ولكنه يشبهه، ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ، جعل لكم، ليس تمليكاً ولكن شبيه بالتمليك، لأنّه تمليك لبضع المرأة، فسمّوه شبه تمليك.
المعنى الثامن: توكيد النفي: نحو قوله تعالى: ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ، وهذه ضابطها التي تدخل على النفي، تدخل على: ما كان ولم يكن، التي يسمونها لام الجحود.
المعنى التاسع: التعدية: يعني تمّكن الفعل أن تعدى إلى مفعول به، ما أضرب زيداً لعمرو، تعدى الفعل باللام إلى المفعول.
المعنى العاشر: التوكيد: وهي الزائدة، ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ، الآن نريد أن نحذف اللام، ماذا يصبح معنى الكلمة؟ إن كنتم الرؤيا تعبرون، المعنى واحد والجملة مستقيمة، ونحو: ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ، إنّ ربك فعال ما يريد، هذه تسمى توكيدية.
المعنى الحادي عشر: بمعنى إلى: نحو: ﯲ ﯳ ﯴ ، أي: إليها، ونحو: ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ، أي: أوحى إليها.
المعنى الثاني عشر: بمعنى على: نحو: ﭶ ﭷ ﭸ، أي: يخرون على الأذقان.
الثالث عشر: بمعنى في: نحو: ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ، نضع الموازين في يوم القيامة.
الرابع عشر: بمعنى عند: نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته"، أي: صوموا عند رؤيته.
الخامس عشر: بمعنى بعد: نحو: ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ، أي: بعد دلوك الشمس.
السادس عشر: بمعنى من: نحو سمعت له صراخاً، سمعت منه صراخاً.
السابع عشر: بمعنى عن: نحو: ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ، أي: قال الذين كفروا عن الذين آمنوا
هذه المعاني التي ترد بها اللام.
نكتفي بهذا القدر وإن شاء الله ننتهي من الحروف في الدرس القادم بإذن الله تعالى.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-10-2013, 13:19   #25
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ المجلس الثالث والعشرون من شرح كتاب لبّ الأصول

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:
فكنا توقفنا عند قول المؤلف رحمه الله: "ولولا حرف معناه في الجملة الإسمية امتناع جوابه لوجود شرطه، وفي المضارعية التحضيض والعَرْض، والماضية التوبيخ، ولا تَرِد للنفي ولا للاستفهام في الأصحّ".
لولا: حرف وله أحوال:
أن يدخل على جملة إسمية فيكون معناه امتناع لوجود، لذلك تسمع أهل الإعراب عندما يعربون ماذا يقولون؟ يقولون: هو حرف امتناع لوجود، والمراد: امتناع حصول جوابه لوجود شرطه، شرط لولا: هو الذي يليها مباشرة، وجوابها الذي يأتي بعدها، مثال ذلك: لولا زيدٌ لأكرمتك، المقصود من ذلك لولا وجود زيد لحصل إكرامي لك، فما الذي امتنع الآن؟ امتنع اكرامك، فلم يحصل الإكرام، ما سبب امتناعه؟ سبب امتناعه وجود زيد، فهو حرف امتناع لوجود، فيمتنع الجواب لوجود الشرط، هذه الحالة الأولى أن يدخل على جملة اسمية، في المثال الذي ذكرنا: لولا زيدٌ لأكرمتك، دخل على جملة اسمية.
الحالة الثانية: أن يدخل على جملة فعلية تبدأ بفعل مضارع، وهذا معنى قول المؤلف: "وفي المضارعية"، يعني في الجملة التي تبدأ بفعل مضارع، أن يدخل على جملة فعلية تبدأ بفعل مضارع، نحو: ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ، فهو هنا للتحضيض، مرَّ معنا في اللغة معنى التحضيض، وهو طلب بحثٍ، وأيضاً يأتي إذا دخل على الجملة الفعلية للعَرْض، يأتي للعرض إذا دخل على الجملة الفعلية كذلك، مثّلوا لذلك بقوله تبارك وتعالى: ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ، لولا أخرتني، قالوا: لولا تأخرني، فتكون تأخرني فعل مضارع فهي هنا للعَرْض، والمقصود بالعَرْض طلب بلين ورفق، تمام.
إذن عندنا الحالة الأولى أن تدخل على الجملة الإسمية فهي امتناع لوجود.
ثانياً: ان تدخل على الجملة الفعلية التي تبدأ بالفعل المضارع وهي تكون للتحضيض والعَرْض.
الحالة الثالثة: أن يدخل هذا الحرف على جملة فعلية تبدأ بفعل ماضٍ، نحو: ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ، قالوا: هنا يكون معناها للتوبيخ، ما المقصود بالتوبيخ؟ التأنيب، الذي نسميه نحن بالعامية بهدلة، وبعضهم قال تأتي نافية بمعنى: لم النافية، وتأتي للاستفهام، أي: للسؤال، والمؤلف ردّ هذا وذاك وقال: لا تأتي لا للاستفهام ولا للنفي، قال في آخره: "ولا تَرِد للنفي ولا للاستفهام في الأصحّ".
قال المؤلف: "ولو شرطٌ للماضي كثيراً ثم قيل هي لمجرد الربط، والأصحّ أنّها لانتفاء جوابها بانتفاء شرطها خارجاً وقد تَرِد لعكسه علماً ولإثبات جوابها إن ناسب انتفاء شرطها بالأولى، كـ: لو لم يخف لم يعصِّ، أو المساوي، كـ: لو لم تقم ربيبة ما حلّت للرضاع، أو الأدون كـ: لو انتفت أخوة الرضاع ما حلّت للنسب، وللتمني وللتحضيض وللعَرْض وللتقليل، نحو: ردّوا السائل ولو بظِلفٍ محرقٍ، ومصدرية".
هنا للتقليل وقع فيها تصحيف في بعض النسخ للتعليل وهو خطأ.
لو: سنذكرها بطريقة أسهل مما ذكرها المؤلف لأنّنا سنتبع فيها طريقة الجمهور، لأنّ المؤلف أخذ مذهباً آخر فيها، ففهمه قد يكون فيه شيء من الصعوبة على البعض، فالذي لا يفهم سنذكره بطريقة أسهل، الأمر سهل، المهم في الأمر أن يفهم مذهب الجمهور لأنّه هو الصحيح إن شاء الله.
لو حرف شرط يأتي للماضي كثيراً، ويأتي للمستقبل قليلاً.
مثال الماضي: لو جاء زيد لأكرمته، هذا كلّه للماضي.
ومثال المستقبل: أكرم زيداً ولو أساء، المقصود أكرم زيداً وإن أساء في المستقبل، وأمّا معناها ففيه أقوال: منها:
أنّها لمجرد الربط، ما المقصود بالربط؟ أن تربط الجواب بالشرط، تربط السبب بالمسبب، كقولك: لو جاء زيد لأكرمته، فربطت بذلك الإكرام بمجيء زيد فقط، هذا هو المقصود منها، طيب، فيه قضية امتناع أو غير امتناع؟ نقول لك: لا، مسألة الامتناع لا علاقة لنا بها هنا، إن دلّت عليه فتدل عليه من أمر خارجي، ليست من دلالة لو بالذات، وهذا القول قد شنّعوا عليه وغلّطوا صاحبه.
ومنها وهو الذي رجّحه المؤلف: لانتفاء جوابها بانتفاء شرطها خارجاً، أي: في الخارج، يعني: في الواقع، لمّا انتفى شرطها انتفى جوابها، لانتفاء جوابها بانتفاء شرطها، فالجواب أصلاً انتفاءه تابع لانتفاء الشرط.
قال: "وقد ترِد لعكسه علماً"، ليس واقعاً في الخارج، لا، في العلم، ترد لعكسه، هنا قد للتقليل، قد ترد لانتفاء شرطها بانتفاء جوابها، هنا الأصل في الانتفاء، لماذا؟ للجواب، والشرط تابع له، عكس الأول، لكن علماً، مثّلوا لذلك بقوله تعالى: ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ، فيُعلم انتفاء تعدد الآلهة الذي هو شرطها بالعلم بانتهاء الفساد الذي هو الجواب، يعني: انتفاء تعدد الآلهة بني على انتفاء الفساد، فلمّا انتفى فساد الأرض عُلِم انتفاء تعدد الآلهة، هذا مراد المؤلف.
قال: "ولإثبات جوابها إن ناسب انتفاء شرطها بالأولى أو بالمساوي أو بالأدون"، أي ويأتي معناها أيضاً يُثبت الجواب، ليس ينفي، يثبت الجواب إن ناسب ذلك انتفاء الشرط، ويناسبه بأن يكون أولى منه أو مساوياً له أو أقل منه، ومثّل بقوله: لو لم يخف لم يعصِّ، هذا بالنسبة للأولى، إذا كان لو لم يخف لم يعصِّ، فلو خاف من باب أولى أنه لم يعصِّ، ومثّل أيضاً بقوله: لو لم تكن ربيبة ما حلّت للرضاع، فسبب عدم حلّها اثنان: كونها ربيبة وكونها بنت أخ في الرضاع، وهما متساويان، حرمتها كربيبة مساوية لحرمتها بالرضاع، ومثّل للأدون: لو انتفت أُخوة الرضاع ماحلّت للنسب، فهي محرمة لسببين: للنسب ولأُخوة الرضاع، لكن أُخوة الرضاع أدنى من النسب، والنسب أقوى، فهو أثبت الانتفاء لسببين، هذا ما ذهب إليه المؤلف من معنى: لو، والجمهور قالوا: هي حرف امتناع لامتناع، ولذلك تجد المعربين قد مضوا على ذلك فتقول له عندما يأتي يعرب لو، يقول لك: هو حرف امتناع لامتناع، ما المقصود بامتناع لامتناع؟ لمّا تقول: لو جاء زيد لأكرمتك، امتنع الجواب لامتناع الشرط، فحرف امتناع لامتناع أي امتناع الجواب لامتناع الشرط، بخلاف لولا، حرف امتناع لوجود، هذا على مذهب الجمهور أن معنى لو حرف امتناع لامتناع، هذا المعنى الأول لها، وهو المعنى الأصلي.
المعنى الثاني: للتحضيض: وهو الطلب بحثٍ كما تقدم، نحو: لو فعلت كذا لكان كذا وكذا، أي افعل كذا، فهو أمرٌ فيه حثٌ على الفعل.
المعنى الثالث: العَرْض: نحو: لو تنزل عندنا، هذا ماذا؟ تعرض عليه أن يأتي عندك، عرض.
المعنى الرابع: التقليل: ومثّل له المؤلف بالحديث الضعيف: "ردّوا السائل ولو بظلف محرق"، الظلف الذي هو ظفر البقر والغنم وما شابه، مُحرَق يعني مشوي، يعني أعطي السائل ولو شيء قليل، أي ردّ السائل ولو بشيء قليل، فهي تأتي للتقليل.
المعنى الخامس: مصدرية: وعلامتها أن يصلح موضعها أن المصدرية، كقول الله تبارك وتعالى: ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ، احذف لو وضع مكانها أن، يود أحدهم أن يعمر ألف سنة، صحت؟ صحت، فهي مصدرية.
قال المؤلف: "ولن حرف نفي ونصب واستقبال"، وهذا قد تقدم معنا كلّه في كتب النّحو، "والأصحّ أنّها لا تفيد توكيد النفي ولا تأبيده وأنّها للدعاء".
حرف نفي ونصب واستقبال، لن يضرب زيد عمرو، فلن حرف نفي ونصب واستقبال، ما معنى النفي؟ تنفي الفعل، والنّصب: تنصب الفعل المضارع، والاستقبال: تدلّ على حدوث الفعل بعد التكلم، لن يضرب زيدٌ عَمراً، أي: في المستقبل، هذا معنى لن، قال: "والأصحّ أنّها لا تفيد توكيد النفي ولا تأبيده"، هذه الجملة هي ردّ على الزمخشري، الزمخشري في الكشاف قال: إنّها تفيد تأكيد النفي، فالنفي يكون مؤكداً، وتفيد تأبيده، ما معنى تأبيده؟ عندما تقول: لن يضرب زيد عَمراً، أي: لن يضربه أبداً، تمام، قال ابن مالك وكان سنياً في عقيدته بخلاف الزمخشري الذي كان معتزلياً: "وحمله على ذلك -على الدعوة التي ادعاها الزمخشري- اعتقاده أنّ الله لا يُرى وهو باطل"، يعني لماذا قال هذا؟ يريد أن يستدل بقول الله تبارك وتعالى لموسى: ﯜ ﯝ ﯞأي: أبداً، تمام، أنظر كيف الأهواء لمّا تلعب بصاحبها يبدأ يُغير ويُبدل حتى في القواعد حتى يُقوي مذهبه.
قال المؤلف: "وأنّها للدعاء"، أي: وترد للدعاء، نحو: ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ، قالوا: معناها فاجعليني لا أكون ظهيراً للمجرمين، وردّ ذلك ابن مالك وابن هشام، قالوا: لا ترِد للدعاء بل هي على معناها الأصلي هنا.
قال المؤلف: "وما: ترِد اسماً موصولة أو نكرة موصوفة وتامة تعجبية وتمييزية ومبالغية واستفهامية وشرطية زمانية وغير زمانية، وحرفاً مصدرياً لذلك ونافية وزائدة كافة وغير كافة".
يقول: "ما: ترِد اسماً وحرفاً":
فالاسم ترِد موصولة: لمّا تكون موصولة تكون بمعنى: الذي، نحو: ﭷ ﭸ ﭹ، يعني: الذي عندكم ينفد.
ونكرة موصوفة: ولمّا تكون نكرة موصوفة تقدرها بشيء، نحو: مررت بما معجب لك، أي: بشيء.
وتامة تعجبية:أي للتعجب، نحو: ما أحسن زيداً.
وتمييزية:أي: تُعرَب تمييز، وهي اللاحقة لنِعم وبِئس، نحو: ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ، فما نكرة منصوبة على التمييز، أي: نعما شيئاً هي.
ومبالغية: أي للمبالغة في الإخبار عن أحدٍ بإكثار فعلٍ كالكتابة مثلاً، نحو: إن زيداً مما أن يكتب، أي إنّه من أمر كتابة، أي مخلوق من أمر هو الكتابة، فما نكرة بمعنى شيء للمبالغة لكثرة كتابته كأنّه خلق منها.
واستفهامية: نحو: ﭓ ﭔ ، سؤال، هنا تأتي للاستفهام، أي: ما شأنكم؟.
وشرطية زمانية: نحو: ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ أي: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم.
وشرطية غير زمانية: نحو: ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ.
هذا كلّه بالإسمية تأتي على هذه المعاني.
وأمّا الحرفية: مصدرية: وقوله لمّا قال: "وحرفاً مصدرياً لذلك"، يعني بـ: لذلك: للزمان، زمانية وغير زمانية.
مصدرية زمانية:نحو: ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ، أي: مدّة استطاعتكم.
وغير زمانية: نحو: ﭳ ﭴ ﭵ، أي: بنسيانكم.
الأولى: تقدر بالمدّة لأنّها زمن، الثانية: ما تقدر بالمدّة لأنّها ليست زمانية.
ونافية: نحو: ﭪ ﭫ ﭬ .
وزائدة كافة: يعني لا تعمل، نحو: قلّما يدوم الوصال.
وزائدة غير كافة: يعني: تعمل، نحو: شتان ما بين زيد وعمرو.
قال المؤلف: "ومِن لابتداء الغاية غالباً ولانتهائها وللتبعيض وللتبيين وللتعليل وللبدل ولتنصيص العموم ولتوكيده وللفصل وبمعنى الباء وعن وفي وعند وعلى".
أصل معنى مِن ابتداء الغاية، خرجت مِن البيت إلى المسجد، بداية ما قصدته هو الخروج مِن البيت، غايته وانتهاؤه المسجد، فمِن لابتداء الغاية وإلى لانتهاء الغاية، قال: "غالباً"، في غالب الأحيان تكون هكذا، وأحياناً تأتي بمعنى إلى لانتهاء الغاية، نحو : قربت منه، أي: قربت إليه، فهي بمعنى إلى لانتهاء الغاية.
وللتبعيض: نحو: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ، أي: من بعضه، من بعض ما تحبون.
وللتبيين:أي تكون مبيّنة مفسرة، كقوله تعالى: ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ، فبينت الذين كفروا من هم، من أهل الكتاب ومن المشركين، وعلامتها أن يصلح محلها الذين هم: قلنا هنا مثلاً: لم يكن الذين كفروا الذين هم أهل الكتاب والمشركون، هذه علامة التفسيرية.
وللبدل: نحو: ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ، أي: أرضيتم بالحياة الدنيا بدلاً عن الآخرة.
ولتنصيص العموم: وهي الداخلة على النّكرة، لا تختص بالنفي، نحو: ما في الدار مِن رجلٍ، الآن عندما تقول: ما في الدار رجل، تحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة، لكن إذا قلت: ما في الدار مِن رجل، انتهى، فهي نص في العموم، فرفعت الاحتمالين، صارت نصّاً في العموم، لذلك قال: "لتنصيص العموم"، وهذه الآن التي هي لتنصيص العموم هي الداخلة على النّكرة، مِن التي تدخل على النّكرة عندنا؟ رجل: نكرة، مِن: دَخَلت عليه فصارت العبارة: ما في الدار مِن رجل، فهو بدون مِن ظاهر في العموم وليس نصاً لوجود الاحتمال، نفي الوحدة فقط، عندما نقول: ما رجل في الدار، يعني ربما لا يكون رجل يكون فيه اثنين أو ثلاث، هذه التي تسمى لنفي الوحدة، مثل: لا، لكن عندما تأتي مِن تصبح تنصيص في هذا العموم، فتنفي هذا الاحتمال.
ولتوكيد تنصيص العموم: وهي الداخلة على نكرة تختص بالنفي، نحو: ما في الدار مِن أحدٍ، دَخَلت على أحدٍ التي هي خاصة بالنفي، فلمّا دخلت عليها أكدت التنصيص على العموم.
وللفصل: أي تفصل بين الأشياء وتميز بينها، نحو: ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ، وهذه تعرف بدخولها عل ثاني المتضادين، نعرف نحن المتضادان، المفسد ضد المصلح، نسميه نحن العكس، نقول عكسه، فتدخل على الثاني، يُذكر الأول ثم هي تدخل على الثاني كما عندنا في المثال: والله يعلم المفسد، هذا الضد الأول، ثم يأتي الضد الثاني وهو المصلح، فهي تدخل على المصلح، هذه علامتها فهذه مِن التي تسمى: مِن التفصيلية، التي تميز وتُفصّل بين الأشياء.
وبمعنى الباء: نحو: ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ، ينظرون بطرف خفي.
وبمعنى عن: نحو: ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ، أي كنا في غفلة عنه.
وبمعنى في: نحو: ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ، أي : إذا نودي للصلاة في يوم الجمعة.
وبمعنى عند: نحو: ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ، لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم عند الله شيئاً.
وبمعنى على: نحو: ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ، نصرناه على القوم الذين كذبوا.
قال المؤلف: "ومَن موصولة أو نكرة موصوفة وتامة شرطية واستفهامية وتمييزية".
مَن: من معانيها أنّها بمعنى الذي الموصولة، كما في قوله تعالى: ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ، تقدير الكلام: ولله يسجد الذي في السماوات والذي في الأرض.
ونكرة موصوفة: نحو: مررت بمن معجب لك، أي بإنسان معجب لك.
وشرطية: نحو: ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ، فلها فعل الشرط وجواب الشرط من يعمل سوءاً يجز به.
واستفهامية: نحو: ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮﯯ، سؤال.
وتمييزية: يعني: تأتي تمييز، نِعم مَن هو في سرٍ وإعلان، قالوا: مَن هنا تمييز بمعنى: رجلاً، وفاعل نِعم مستتر.
قال المؤلف: "وهل لطلب التصديق كثيراً والتصور قليلاً".
الأصل في هل لطلب التصديق، وتأتي للتصور قليلاً عند المؤلف وعند غيره لا تأتي للتصور أصلاً، ولا يُطلب بها التصور وإنّما يُطلب بها التصديق، لأنّه فسرنا التصور والتصديق سابقاً.
التصور هو العلم بالمفردات، أي يُسأل بها عن الماهية، عن حقيقة الشيء.
والتصديق هو النسبة، أي إسناد شيء إلى شيء، هل جاء يد ؟ هذا سؤال عن ماذا؟ تصديق، وليس سؤال عن الحقيقة فلا تسأل وتقول: هل الإنسان؟ وأنت تسأل عن حقيقة الإنسان، بل تسأل عن شيء تصديقي.
قال المؤلف: "والواو العاطفة لمطلق الجمع في الأصحّ".
هذه الواو العاطفة التي ذكرناها مع الفاء وثم وقلنا أنّ الواو لمطلق الجمع، عندما تقول جاء زيد وعمرو، فمعنى ذلك أنّها تفيدك مجيء زيد ومجيء عمرو من غير ترتيب ولا معية، أمّا الفاء وثم فتفيدان الترتيب والتعقيب، الواو لا تفيد ترتيباً ولا تعقيباً، بعض أهل العلم قال بأنّها تفيد ذلك، لذلك قال المؤلف: "لمطلق الجمع في الأصحّ"، وهو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.
وبذلك نكون قد انتهينا من مبحث الحروف بحمد الله تبارك وتعالى، وفي الدرس القادم نبدأ بإذن الله تعالى بمواضيع هي من أهم مباحث أصول الفقه وهو الأمر والنهي.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 14:03.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي