Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تسجيل الدخول
التسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 19-12-2012, 07:07   #1
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي * مكتمل * تفريغات شرح متن ثلاثة الأصول في العقيدة.

[المجلس الأول]
راجعه الشارح

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ؛ أما بعد ؛
فهذا الدرس الأول من شرح ثلاثة الأصول وأدلتها.
الأصول، جمع أصل: وهو ما يبنى عليه غيره ، والأصول الثلاثة التي يريدها المؤلف رحمه الله بني عليها دين الإسلام بالكامل ، وسيذكرها ويذكر أدلتها.
والدليل هو المرشد إلى المطلوب، وهذه الرسالة التي بين أيدينا كتبها الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي أحد علماء الإسلام وجهابذة السنة، من أهل السنة والجماعة، كانت له دعوة قوية وكان له دور في قمع الشرك وإزالته ونشر التوحيد والسنة في بلاد نجد والحجاز وغيرها، وانتفع به خلق كثير من عباد الله تبارك وتعالى ، وهو من علماء نجد ، درس فيها وفي العراق وفي الحجاز، وفي غيرها من البلاد، توفي - رحمه الله – سنة ألف ومائتين وستة (1206هـ)، له كتب كثيرة أكثرها في العقيدة ، كتب - رحمه الله - هذه الرسالة ؛ ليعلم الناس ما يجب عليهم تعلمه من أصول دينهم: معرفة الله، ومعرفة رسوله – صلى الله عليه وسلم -، ومعرفة دين الإسلام. وقد ذكر ذلك وذكر أدلته من الكتاب والسنة ؛ كي يعلم الناس أن دين الله يؤخذ من كتاب الله ومن سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم -، لا يؤخذ من العقول والآراء والأهواء، دين الله اتباع وليس ابتداع .
المؤلف – رحمه الله – لم يأت بشيء من عنده، ولا جاء بدين جديد، وإنما جدد ما اندرس مما جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – في وقته .
ولو أنه - أعاذه الله من ذلك- جاء بما هو جديد -هو أو غيره - لما قبلناه منه، ولرددناه عليه ، فالواجب علينا ؛ اتباع الكتاب والسنة ، لا اتباع الرجال ، ولا يجوز لنا أن نعظم الرجال ونتعصب لهم على حساب دين الله – تبارك وتعالى -، وإنما يؤخذ الحق بدليله من أيٍّ كان، هذا هو الدين الذي جاءنا به محمد – صلى الله عليه وسلم -، وبه نتمسك وعليه نحيا وعليه نموت.
والحق ضالة المؤمن.
وأعظم أمور الدين العقيدة ، فهي الأساس، وعليها يبنى العمل.
والعقيدة لغة: مأخوذة من العقد والربط والشد بقوة ، هذا من حيث اللغة. واصطلاحاً : ما يُعقد عليه القلبُ ، والمنهج هو الطريق الواضح ، منهج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هو طريقه .
وبين العقيدة والمنهج عموم وخصوص مطلق، فالعقيدة من المنهج، والمنهج أعم، المنهج تدخل فيه العقيدة، والفقه، والمعاملات ، والأخلاق، ، والآداب، وكل ما جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – فهو داخل في المنهج.
قال المؤلف – رحمه الله - : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .
ابتدأ المؤلف - رحمه الله - بالبسملة، اقتداءً بكتاب الله تبارك وتعالى، فهو مبدوءٌ بالبسملة، وكذلك اقتداءً بسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – فإنه عليه الصلاة والسلام كان يقتصر عليها في مراسلاته، من دون الحمد كما في كتابه لهرقل عظيم الروم ، ففي الرسائل كان – صلى الله عليه وسلم – يبدأ بالبسملة ، وأما في الخطب والمحاضرات فكان يبدأ بالحمدلة، والصلاة على نفسه – صلى الله عليه وسلم -.
ومعنى البسملة هنا: أي أكتب مستعيناً بالله ذو الرحمة .
وننبه على أن الحديث الذي يذكره كثير من المصنفين في موضع البسملة : " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فهو أقطع " ، حديث ضعيف ، لا يصح .
وإنما يبدأ المؤلفون الذين لا يحتجون بهذا الحديث بالبسملة ؛ اقتداءً بكتاب الله – تبارك وتعالى – وبسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في رسائله، لا بذاك الحديث.
قال المؤلف – رحمه الله - : ( اعلم رحمك الله) .
اعلم، هذه الكلمة يأتي بها المصنفون لإثارة الانتباه ، كما يستعمل كثير من عامة الناس اليوم ، كلمة ( اسمع ) ، فيقولون قبل بدء الكلام : ( اسمع، اسمع)، يثير انتباهك ، فتنتبه وتركز على ما سيقول بعد ذلك.
والعلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً ، إدراك الشيء على ما هو عليه : أي على حقيقته ، وضده الجهل، وهو نوعان: جهل بسيط، وجهل مركب.
أما الجهل البسيط: فهو عدم العلم بالكلية، تُسأل ما حكم صلاة الاستخارة مثلا ، فتقول: لا أدري ، هذا جهل بسيط .
الجهل المركب: هو إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع ، كأن تُسأل: ما حكم الزكاة ؟ فتقول: مستحبة.
هذا جهل مركب ، سمي جهلا مركبا ؛ لأنه ركب جهل على جهل ؛ فكان جاهلاً لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري ، جهل أول وجهل ثانٍ، وهذا أعظم من الأول.
قال – رحمه الله - : ( اعلم - رحمك الله - أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل ) .
هذه كالمقدمة بين يدي الأصول الثلاثة ، بدأ المؤلف – رحمه الله – بأربع مسائل، ثم ذكر ثلاث مسائل ، ثم بدأ بالأصول الثلاثة .
قال: اعلم رحمك الله، هذا دعاء ؛ تلطف، أسلوب حسن جميل يتلطف مع طلبة العلم فيدعو لهم بالرحمة.
وهذا من اللطف واللين في الدعوة والتعليم، وهو مطلوب : اللطف واللين مطلوب ؛ لترغيب الناس بالخير ، قال الله تبارك وتعالى لنبيه { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } .
وقول المصنف : ( يجب علينا تعلم أربع مسائل ) ؛ الواجب لغة هو اللازم والساقط ، اصطلاحاً: ما أمر به الشارع على وجه الإلزام .
والواجب نوعان : واجب كفائي، وواجب عيني .
الواجب الكفائي : إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين ، كـ ( تكفين الميت ودفنه ) إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، وإن لم يقوموا به جميعاً أثم كل من علم بموت الميت ، هذا واجب كفائي .
أما الواجب العيني : فهو الواجب على كل مسلم بعينه ؛ كالصلاة والصيام .
الوجوب في كلام المؤلف هو الوجوب العيني، على كل مسلم أن يتعلم هذه المسائل الأربع.
والمسائل: جمع مسألة من السؤال، وتعريفها عند أهل العلم: ما يبرهن عنه في العلم . والله أعلم
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 07:08   #2
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس الثاني]

[المجلس الثاني]
راجعه الشارح



قال : ( الأولى) المسألة الأولى التي يجب علينا تعلمها، ( العلم ) هو إدراك الشيء على ما هو عليه – أي على حقيقته - إدراكا جازما ، ذكر المؤلف العلم ثم فسر المراد منه هنا ، فقال : ( وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة )
هذه المسألة الأولى من المسائل الأربعة التي ذكر المؤلف – رحمه الله – أنه يجب علينا تعلمها.
( معرفة الله) كيف تعرف الله – سبحانه وتعالى -؟ تعرفه بخلقه، بالتأمل في مخلوقاته، بالتأمل في السماوات والأرض، والجبال والإبل، وفي أنفسنا أيضاً. نتأمل في كل هذا، نعرف الله – سبحانه وتعالى – حق المعرفة، والمقصود بالمعرفة هنا: معرفة تقتضي الإيمان والقبول والانقياد لشرع الله - سبحانه وتعالى – ولكل ما أراده الله – سبحانه وتعالى – منا.
قال ابن رجب – رحمه الله -: معرفة العبد لربه نوعان: معرفة عامة، ومعرفة خاصة.
المعرفة العامة وهي الإقرار به والتصديق والإيمان .
قال : ومعرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية، والانقطاع إليه، والإنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له. انتهى
هذه المعرفة الخاصة ؛ هي التي وردت في قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة.
وأما المعرفة العامة فهي المقصودة هنا، معرفة تستلزم الإقرار والتصديق والإيمان والانقياد لشرع الله – سبحانه وتعالى -.
( ومعرفة نبيه) أي معرفة محمد – صلى الله عليه وسلم -، الذي أرسله الله بدين الإسلام، معرفة اسمه، ونسبه، وبلاده التي كان يعيش فيها، والتي هاجر إليها، ومعرفة سيرته بالجملة.
(ومعرفة دين الإسلام ) : الإسلام لغة هو والاستسلام بمعنى واحد وهو الانقياد.
وشرعاً يطلق الإسلام على معنيين: الإسلام بالمعنى العام، والإسلام بالمعنى الخاص.
الإسلام بالمعنى العام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
هذا الإسلام بالمعنى العام، الإسلام الذي جاء به جميع الرسل ، قال الله – تبارك وتعالى – عن إبراهيم – عليه الصلاة والسلام-: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } [البقرة: 128] ، وقال { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين }[ آل عمران:67] هذا الإسلام العام الذي ذكرناه.
أما الإسلام بالمعنى الخاص: فهو الذي بعث به محمد – صلى الله عليه وسلم - .
هذا الإسلام بالمعنى الخاص، والذي لا يرتضي الله – سبحانه وتعالى – ديناً غيره بعدما بعث نبينا محمدا – صلى الله عليه وسلم -.
قال( ومعرفة دين الإسلام بالأدلة ) معرفة الله التي تستلزم الإيمان به، والانقياد لأمره، ومعرفة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم -، التي تستلزم الإيمان به بأنه رسول الله – تبارك وتعالى -، وتستلزم تصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر .
ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
الدليل : ما يرشد إلى المطلوب .
ومعرفة الله ومعرفة رسوله – صلى الله عليه وسلم – تكون بالأدلة السمعية والعقلية.
الأدلة السمعية: هي أدلة الكتاب والسنة، الأدلة العقلية: ما يثبت بالعقل. أما معرفة دين الإسلام، فهذا يعرف بالأدلة السمعية.
قال المؤلف - رحمه الله -: ( الثانية العمل به ) المسألة الثانية ، المسألة الأولى العلم، وشمل ذلك معرفة الله، ومعرفة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
المسألة الثانية: العمل به ، العمل بالعلم ؛ أن تعمل بما تعلمت؛ فعلم بلا عمل لا ينفع، فالعمل هو الثمرة المطلوبة من العلم، العلم وسيلة للعمل. قال - عليه الصلاة والسلام -: " لا تزول قدما عبد يوم القيامة ، حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه " .
فالإنسان مسؤول عن علمه الذي يتعلمه، ماذا يعمل به، فلابد من العمل بما تقتضيه معرفته ، فيجب عليه الإيمان بالله والانقياد له بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، والإيمان بنبيه وتصديقه وطاعته .
قال المؤلف – رحمه الله - المسألة( الثالثة: الدعوة إليه) الدعوة إلى ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم -، من شريعة الله – تبارك وتعالى - ، قال الله – تبارك وتعالى -: { ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } [النحل: 125] ، وقال { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } [يوسف: 108]. فالدعوة واجبة على كل مسلم على حسب طاقته، وقدرته .
واجبة على العلماء على قدر طاقتهم، وعلى العامة كذلك ، فالأمر الذي يشترك في معرفته العالم والعامي، يدعو إليه الجميع، والذي يختص بعلمه العالم، يدعو إليه العالم.
ومن المهم أن تكون الدعوة بعلم وحكمة ولين ورفق ، هذا هو الأصل.
الأصل في الدعوة أن تكون بلين ورفق، مع العلم والحكمة ؛ قال الله – تبارك وتعالى – لموسى وهارون – عليهما السلام -: { اذهبا إلى فرعون إنه طغى . فقولا له قولاً ليناً. لعله يتذكر أو يخشى } [طه: 43، 44]. فاللين أولى من الغلظة وأدعى لقبول الدعوة ؛ لكن – هذا بداية – أما إذا كان الشخص معاندا فهذا يحتاج إلى شيء من الشدة ، انظروا إلى موسى – عليه السلام – ماذا قال لفرعون مع أن الله أمره باللين معه، لكن لما رأى منه عنادا ماذا قال له؟ قال الله – تبارك وتعالى – على لسان موسى – عليه السلام -، قال لفرعون : { لقد علمتَ ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً } [الإسراء: 102] أي هالكاً أو ملعوناً.
قال له كلاما شديدا لأنه رأى منه عناداً.
وقال الله – تبارك وتعالى -: { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم } [العنكبوت: 46] هؤلاء لا ينفع معهم الجدال بالتي هي أحسن، وهذا معلوم أن المعاند لا يأتي بالكلمة الطيبة ولا باللين، فيحتاج إلى شدة وغلظة في التفاهم معه. كما قال شيخ الإسلام – رحمه الله -: إذا كانت إحدى اليدين عليها أوساخ فتحتاج إلى شدة من اليد الأخرى حتى تنظف. فإذا كان الشخص معانداً فلا ينظف ما عنده إلا بالشدة .
قال المؤلف – رحمه الله ( الرابعة: الصبر على الأذى فيه )
أصل الصبر في اللغة هو الحبس، والصبر في شرع الله ثلاثة أقسام :
صبر على الطاعة ، وصبر عن محارم الله ، والثالث الصبر على المقدور.
الصبر على ما قدّر الله – تبارك وتعالى – عليك .
ومن يدعُ إلى الله سبحانه وتعالى ويمشِ في طريق الأنبياء، لا بد أن يناله ما نال الأنبياء.
والأنبياء عندما دعوا إلى الله – سبحانه وتعالى – وجهوا بأنواع من المخالفة ومن الأذى، ومع ذلك صبروا على الأذى .
فالصبر واجب ؛ فالصبر مهم جداً في دين الله – تبارك وتعالى – وليس فقط في الدعوة، بل هو مهم في دين الله كله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : فإن الدين كله، علم بالحق وعمل به، والعمل به لا بد فيه من الصبر، بل وطلب علمه يحتاج إلى الصبر. بهذه الكلمات أشار إلى المسائل الأربع التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله -: العلم، والعمل، ومن العمل الدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى -، ثم الأخيرة وهي الصبر.

قال: ( والدليل قوله تعالى ) الدليل على كل ما تقدم ؛( قوله تعالى: { والعصر } ) [العصر: 1]. الواو واو القسم، وحروف القسم ثلاثة: الواو والباء والتاء ، وهذه الواو واو القسم، والعصر هو الزمن، الوقت ، وهذا الوقت أقسم الله – سبحانه وتعالى – به، وعظّمه، ولله أن يعظم ما يشاء من خلقه، أما نحن فلا نقسم إلا بالله ؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: " من كان حالفاً فليحلفْ بالله أو ليصمتْ ". و قال – عليه الصلاة والسلام -: "من حلف بغير الله فقد أشرك " ، فنحن ليس لنا أن نحلف إلا بالله ، والله – تبارك وتعالى – له أن يعظم من خلقه من يشاء . ( إن الإنسان لفي خسر ) [العصر: 2]. خسران، في ضياع ، جنس الإنسان في ضياع . قال ( إلا الذي آمنوا وعملوا الصالحات ) [العصر: 3] استثناء من الإنسان ، فالذين جمعوا بين الإيمان القلبي والعمل بالجوارح والأركان وما سيأتي ليسوا بخاسرين ( وتواصوا بالحق ) [العصر: 3]. أي أوصى بعضهم بعضاً بالحق، والحق ضد الباطل، وهو هنا بمعنى الإيمان والعمل. وتواصوا بالحق: أي تواصوا بالإيمان بالله – سبحانه وتعالى -، والعمل بطاعة الله – تبارك وتعالى - ( وتواصوا بالصبر ) [العصر: 3] أي أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله – تبارك وتعالى -، وعن محارم الله، وعلى أقدار الله .
قال ابن القيم – رحمه الله – في المدارج: أقسم – سبحانه – أن كل أحدٍ خاسرٌ، إلا من كملت قوته العلمية بالإيمان، وقوته العملية بالعمل الصالح، وكمَّل غيره بالتوصية بالحق، والصبر عليه، فالحق هو الإيمان والعمل، ولا يتمّان إلا بالصبر عليهما، والتواصي بهما. هذا كلامه – رحمه الله – وهو كلام نفيس وتفسير واضح لهذه الآية.
( قال الشافعي – رحمه الله تعالى - : لو ما أنزل الله حجةً على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم)لِمَا اشتملت عليه مما تقدم ، وهذا القول للشافعي عزاه الشيخ حماد الأنصاري لـ "مناقب الشافعي" للإمام البيهقي – رحمه الله -، نقله عنه ابنه عبد الأول، وعزاه ابن رجب لأبي نُعيم بلفظ آخر كما في مصاعد النظر للبقاعي ، ومما ورد في فضائل سورة العصر، حديث أبي مدينة أنه كان الرجلان من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر. . . إلخ ، هذا الحديث لا يصح ؛ قال فيه الذهبي – رحمه الله – في تاريخ الإسلام: هذا حديث غريب جداً، ورواته مشهورون، وقال في أبي مدينة : قيل له صحبة ولا يصح. اهـ
وأبو مدينة هذا هو علة الحديث، فلا يوجد فيه جرح ولا تعديل، ولا تثبت صحبته فهو مجهول، فهذا الخبر لا يصح.
قال المؤلف – رحمه الله -: ( وقال البخاري – رحمه الله – )البخاري الإمام المعروف محمد بن إسماعيل البخاري، ولد في بخارى وهي مدينة في أوزبكستان، هي اليوم في شمال أفغانستان، وهو صاحب كتاب الصحيح ، وفقه البخاري في تبويباته ، قال : ( بابٌ العلم قبل القول والعمل ، والدليل قوله تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } [محمد: 19]؛ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل ) فيجب أن يقدّم العلم على العمل ، فهذه الآية استدل بها البخاري – رحمه الله – على وجوب البداءة بالعلم قبل القول والعمل. والله أعلم
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 07:10   #3
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس الثالث]

[المجلس الثالث]



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

هذا شرح ثلاثة الأصول الدرس الثالث

قال المؤلف رحمه الله تعالى: "اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث هذه المسائل والعمل بهن"، (اعلم رحمك الله): تقدم القول فيها في الدروس الماضية.

قوله: (أنه يجب على كل مسلم ومسلمة)، الوجوب هنا الوجوب الشرعي, الواجب لغة هو الساقط واللازم, أما في الاصطلاح فهو ما أمر به الشارع أمراً جازماً, أو على وجه الإلزام, هذا الواجب على الناحية الاصطلاحية.

فاعله يؤجر على فعله, وتاركه يستحق العقاب على تركه.

هذا تعريف الواجب من الناحية الشرعية الاصطلاحية.

وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن الواجب قسمان: واجب عيني، وواجب كفائي، وهذا الذي يتحدث عنه المصنف رحمه الله هو الوجوب العيني, يجب على كل مسلم ومسلمة, لا فرق في الواجبات الشرعية بين المسلم والمسلمة, الأصل أن المسلم والمسلمة يتَّحدان في الواجبات الشرعية, إلا ما نُص عليه في الشرع أنه خاص بالرجال كالجهاد وصلاة الجماعة وصلاة الجمعة.

قال رحمه الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث هذه المسائل, بعد أن انتهى من المسائل الأربع الأولى بدأ بمسائل جديدة, وهذه المسائل ثلاث مسائل يجب على المسلمين تعلُّمها، قال:

" الأولى: أن الله خلقنا" أي أن الله سبحانه وتعالى أوجدنا من العدم, قال سبحانه { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ } [ الأنعام/2]وقال{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة/21]، الذي خلقكم,وقال سبحانه{ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [ الزمر/62]، فالله سبحانه وتعالى هو الذي أوجدنا من العدم.

"ورزقنا" أي الله سبحانه وتعالى هو الذي تكفل برزقنا وهو الذي يقوم على رزقنا, قال سبحانه { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ غافر/64]، وقال { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } [ الذاريات/58]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

ثم قال المصنف رحمه الله: "ولم يتركنا هملا بل أرسل إلينا رسولا",ولم يتركنا: أي خلقنا الله سبحانه وتعالى ورزقنا ولم يتركنا هملا, الهمل: هو المهمَل المتروك بلا رعاية ولا عناية, أي لم يتركنا الله بلا أمر ولا نهي ولا بيان لمِا نحتاجة في ديننا ودنيانا, بل أمرنا ونهانا وبيَّن لنا طريق الخير وطريق الهداية, فلم يخلقنا الله سبحانه وتعالى عبثاً وسُدًى, قال سبحانه:{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } [ المؤمنون/116/115]،وقوله: "وقال { أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى }"، فالله سبحانه وتعالى خلقنا ورزقنا لحكمة عظيمة, وهي أن نعبده سبحانه, قال جل في علاه{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } [ الذاريات/58/57/56]، ولم يخلقنا الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا أو لهذه الدنيا كي نرتع ونعيش ونتمتع بها, بل خلقنا الله سبحانه وتعالى وأوجدنا في هذه الدنيا كي نعمل ونطيع ونَجِدّ ونجتهد في طاعة الله تبارك وتعالى, كي نحصل على ما وعدنا الله تبارك وتعالى به من خيرا ت الآخرة ونعيمها.

ثم قال رحمه الله:" ولم يتركنا هملا بل أرسل إلينا رسولا"، محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم, أرسله لهذه الأمة كي يخرجها به من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى, وكي يبيِّن الله لهم ما الذي يريده منهم وما الواجب عليهم, وأراد الله منا أن نعبده ولم يرد منا أن نعبده بأهوائنا, بل بما شرع, فبيَّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم, وبيَّن لنا قبل ذلك ربنا تبارك وتعالى حكمة الله سبحانه وتعالى في خلقنا وإيجادنا, وشرع لنا هذا الشرع الحكيم المتقَنْ على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم, وألزمنا بالتمسك به وبطاعة الله سبحانه وتعالى بالسير على طريق النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هديه, فلا يجوز لنا أن نخرج عن هذه الطريق.

قال المؤلف رحمه الله:" ولم يتركنا هملا بل أرسل إلينا رسولا فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار"، جاء في الحديث في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, فقيل: ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى"، إذاً طريق الجنة هي طاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

قال المؤلف رحمه الله:" والدليل قوله تعالى:{ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً }"، إنا أرسلنا إليكم يا معشر الجن والإنس, "رسولا" ، محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم{ شَاهِداً عَلَيْكُمْ } أي يشهد عند الله أنه بلَّغكم وأقام الحجة عليكم{ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً } وهو موسى عليه الصلاة السلام,{ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ } فعصى فرعون موسى{ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً }[ المزّمِّل16/15] أي شديداً قوياً، أخده الله تبارك وتعالى بالعقاب, الشاهد هنا أن الله سبحانه وتعالى أرسل إلينا محمداً صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيرا,كما أرسل إلى فرعون رسولاً أيضاً كان بشيراً ونذيرا{ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً }، فإن أطعتم محمداً صلى الله عليه وسلم نالكم من الخيرات ما وعدكم به ربنا تبارك وتعالى , ومن لم يطع الرسول كان نصيبه من العذاب والعقاب كنصيب فرعون{ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً }، فالواجب على كل مسلم أن يطيع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله تبارك وتعالى بشريعته، والأدلة التي جاءت في الكتاب والسنة تدل على وجوب طاعة الرسول وعلى تحريم مخالفته كثيرة جداً, منها قول الله تبارك وتعالى{ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } [ النساء/59]، وكذلك منها قول الله تبارك وتعالى{ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ آل عمران/132]، فطاعة الله وطاعة الرسول تكون عاقبتها الرحمة والنجاة وتكون عاقبتها الجنة, وقال سبحانه{ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [ النساء/13]، فطاعة النبي صلى الله عليه وسلم عاقبتها ومآلها جنات الخلد, وأما معصيته فعاقبتها ومآلها وخيمة وعذابٌ من الله شديد, قال سبحانه{ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } [ النساء/14]، { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً } [ الأحزاب/36]، نسأل الله أن يعافينا وإياكم من مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم والانحراف عن طريقه وعن هديه.

هذا كله يبيِّن لنا أن الواجب على المسلمين هو توحيد الله تبارك وتعالى والإيمان به واتباع رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, فالدين والشريعة لابد أن تكون بهذا (..) بهذه الطريقة توحيد وسنة, توحيد: إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة, قرَّر عندنا المصنف هاهنا في المسألة الأولى أنه يجب علينا أن نعبد الله, فالحكمة التي أوجدنا الله سبحانه وتعالى على الأرض لأجلها هي عبادة الله تبارك وتعالى,وهذه العبادة لا تكون صحيحة ولا تكون كما أراد الله تبارك وتعالى إلا إذا كانت على طريقة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم, فالنبي صلى الله عليه وسلم طريقته وهديه هو الذي يوصل إلى الجنة, وأما من عصى النبي صلى الله عليه وسلم وخالف طريقه فهي طريقٌ إلى النار,كما قال عليه الصلاة والسلام عندما خط خطاً مستقيماً ثم خط على جنبتيه طرقاً معوجة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هذه سبيلي"، وقال:" تلك السبل على كل طريق منها شيطان يدعو إليها", إذاً طريق النجاة هي سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم, أراد الله منا أن نعبده, وأراد منا أن نعبده على الطريقة التي أرادها سبحانه وتعالى, على الطريقة التي أمرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم, التي أرسل الله سبحانه وتعالى بها رسوله, ومن خالف هذه الطريق في العبادة فعبادته مردودة, قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" فهو مردود عليه, وإن ظن هو أنه حسن, وكان عليه الصلاة والسلام يقول:"كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"، هذا لفظ عام باقٍ على عمومه, أن كل بدعة فهي ضلالة وهي في النار, أي صاحب البدعة في النار لأنه مخالف لشرع الله, مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم, وجاء في الحديث أن ثلاثة نفر جاءوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وطرقوها وسألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم, يقول الراوي: وكأنهم تقالّوها , أي رأوا بأن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم هذه قليلة لا تكفيهم, فأرادوا أن يجتهدوا أكثر, وقالوا: هذا النبي صلى الله عليه وسلم قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أنام, وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر, وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء, من نظر إلى العبادات بنظرة عقلية قال: هذه عبادات لا بعدها ولا قبلها, لكن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمع بهذا ماذا قال ؟ قال:"أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له ومن رغب عن سنتي فليس مني"، إذاً العبادة يجب أن تكون على سنة النبي صلى لله عليه وسلم, كما شرع الله تبارك وتعالى, ورحم الله الإمام مالك عندما قال: من ابتدع في دين الله بدعةً فقد ادّعى أن محمداً خان الأمانة، خان الرسالة, يعني كأنه يقول: النبي صلى الله عليه وسلم ما بلّغنا هذه العبادة وأنا أزيدها من عندي, فهاهنا يكون قد ادعى أن محمداً خان الرسالة ولم يبلغ رسالة الله كاملة أو أنه يريد أن يستدرك على شرع الله تبارك وتعالى, لذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله: (مَنْ استحسن فقد شرَعْ)، جعل نفسه مشرِّعاً مع الله سبحانه وتعالى, لازمك أحد الأمرين ولابد: إما أنك تجعل نفسك مشرعاً مع الله, وهذه العبادات والتشريع حق خالص لله تبارك وتعالى.

أو أنك تقول بأن الله شرعها ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يبلِّغ هذه الرسالة, فأنت تأتي وتزيد هذه العبادة, لذلك أمْر البدعة خطير وعظيم, فيجب اجتنابها ويجب تحري سنة النبي صلى الله عليه وسلم,كي نتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بما شرع وكما أراد الله تبارك وتعالى, لا بالاستحسانات العقلية والآراء المخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال المؤلف رحمه الله: "الثانية:" أي المسألة الثانية.

المسألة الأولى قرَّر فيها وجوب عبادة الله تبارك وتعالى على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

أما هذه الثانية فقال المؤلف رحمه الله:" أن الله لا يرضى أن يُشرَك معه أحد في عبادته, لا ملك مقرب ولا نبي مرسل", الله أمرنا بالعبادة, أمرنا بطاعته, أمرنا بالخضوع والتذلل له, ونهانا أيضاً أن نعبد معه غيره, أراد هذه العبادة أن تكون خالصةً له سبحانه, { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [ البينة/5]، { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } [ النساء/36] { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ } [ الإسراء/23]، إذاً نحن مأمورون بعبادة الله.

هذه الأولى.

الثانية: مأمورون ألا نعبد غيره.

هذه الثانية.

الثالثة: مأمورون أن نعبد الله كما يريد سبحانه لا بأهوائنا ولا بطرقنا المخترعة.

هذه ثلاث نقاط مهمة جداً ويلخصها العلماء بنقطتين:

الأولى: يقولون: الواجب علينا أن نعبد الله وحده وألا نشرك به غيره, إخلاص العمل لله تبارك وتعالى.

الثانية: متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في العمل, إذاً العمل لا يكون مقبولاً عند الله إلا بالإخلاص وبمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال: "الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته", فأي عبادة تتقرب بها إلى الله يحرم أن تتقرب بها إلى غيره, ولا يجوز لك أن تتقرب وتخضع وتتذلل لغير الله سبحانه وتعالى, العبادات يجب أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى,قال: "لا ملك مقرب ولا نبي مرسل", لماذا اختار هذين الوصفين ؟ وصف الملك المقرب والنبي المرسل ؟ هؤلاء أفضل الخلق, هؤلاء أفضل خلق الله تبارك وتعالى,الملائكة المقربون: كجبريل عليه السلام, والأنبياء المرسلون: كمحمد صلى الله عليه وسلم, هؤلاء الخلق لا يقبل الله سبحانه وتعالى أن يكونوا له شركاء في عبادته, فغيرهم من باب أولى.

وقال: "والدليل قوله تعالى{ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً }[ الجن/18]" المساجد سواء كانت مواضع السجود وهذه تشمل جميع البقاع, أو كانت المساجد تلك البيوت التي تبنى لإقامة الصلاة, فهي كلها لله تبارك وتعالى مختصة به{ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً }، أي هذه المساجد وهذه البقاع لعبادة الله تبارك وتعالى فلا يجوز أن تعبدوا غيره معه, لا دعاء مسألة ولا دعاء عبادة, لا يجوز لكم أن تعبدوا غير الله معه, لذلك قال: { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} وأحدا هنا نكرة, في سياق النهي, فهي تعُمّ, تشمل كل أحد, لا يجوز لكم أن تدعوا مع الله أحدا, والواجب أن تدعوا الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.

قال: "الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحَّد الله" أي مَن حقَّق المسألة الأولى والمسألة الثانية، "لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله" , من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله, الموالاة: بمعنى الولاء, وهي هنا المحبة والنصح, لا يجوز له موالاة من حاد الله:أي من كان هو في حدّ، والله ورسوله والمؤمنون في حد آخر, في شقين مختلفين تماماً, فهذا فيه أن هذا الشخص يكون في شق والله ورسوله في شق آخر, يعني فيه اختلاف تام, "ولو كان أقرب قريب" :أي في النسب, فإذا كان قريب الشخص معادياً لله ورسوله وجب بغضه وعدم محبته لله, "والدليل قوله تعالى{ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } أي لا يقع هذا ولا يوجد, قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر {يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } لا يجتمعان, إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر, يواد:أي يحب, من حاد الله:أي من خالف الله ورسوله، هذا غير موجود, من كان بحق مؤمناً بالله, هذا لا يكون في قلبه محبةً لمن خالف الله سبحانه وتعالى ومن شاق الله,{ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } مهما كان مقرباً إليك في النسب, إذا علمت منه أنه مخالف لله ورسوله, وأنه مشاقٌ لله ورسوله, علمت منه ذلك وأنت مؤمن بالله واليوم الآخر، فلن يجتمع في قلبك محبة هذا ونصرته مع إيمانك بالله تبارك وتعالى وبملائكته, قال الله سبحنه وتعالى{ أُوْلَئِكَ } أي الذين لا يجتمع هذا وهذا قي قلوبهم,{ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ } أي بنصر منه{ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ المجادلة/22]، هذه النقطة الثالثة هي نقطة الولاء والبراء, الحب والبغض والمحبة والنصرة, هذا ما يتعلق بمحبتهم ونصرتهم, وأما معاملتهم الدنيوية فجائزة, في أمور ورد الشرع بجوازها, كالبيع والشراء والإحسان والمخالقة بخلق حسن لغير المحاربين, والإحسان للوالد والوالدة الكفار, وكذلك الإحسان للجار الكافر, وكذلك يجوز الزواج من الكتابية العفيفة ولابأس بإجابة دعوتهم وأكل طعامهم المباح كما فعل صلى الله عليه وسلم, ولا مانع أيضاً من مكافأتهم على الإحسان إذا أحسنوا للمسلمين, قال تعالى{ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [ الممتحنة/8] فلا بأس ولا مانع من ذلك ولا تَنافي بين المحبة الولاء وبين هذه الأفعال التي هي المعاملات الدنيوية.

نكتفي بهذا القدر والله أعلم
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 07:11   #4
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي [المجلس الرابع]

[المجلس الرابع]

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,
أما بعد:
فهذا المجلس الرابع من مجالس شرح ثلاثة الأصول وأدلتها.
قال المؤلف رحمه الله :(( اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم : أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين))
( اعلم ) تقدم الكلام عنها.
و(أرشدك الله) الرشد هو الاستقامة على طريق الحق, مع تصلب فيه,هكذا عرفه صاحب القاموس المحيط ,وقال صاحب اللسان وأرشده الله:أي هداه , والطاعة امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه, هذه طاعة الله تبارك وتعالى.
اعلم أرشدك الله لطاعته:أي هداك الله ووفقك لامتثال أوامره واجتناب نواهيه,
(أن الحنيفية) قال بن فارس في معجم مقاييس اللغة: الحاء والنون والفاء, حنف , أصل مستقيم وهو الميل,قال والحنيف المائل إلى الدين المستقيم , الحنيف المائل إلى الدين المستقيم, وعلى ذلك تكون الحنيفية الطريق المستقيم الذي يحبه الله ويرضاه.
ملة إبراهيم:الملة لغة: هي الدين والشريعة , كذا قال أصحاب معاجم اللغة, والشريعة ما شرع الله لعباده من الدين, يقال شرع لهم شرعا أي سن لهم , فملة إبراهيم طريقه الديني الذي صار عليه .
قال المؤلف: اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين,هذه هي الحنفية وهذه ملة إبراهيم, ما هي ؟ أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين ,
العبادة أصلها الخضوع والتذلل, يقال طريق معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطئ , وأما في الشرع فقال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين :والعبادة تجمع أصلين :غاية الحب بغاية الذل والخضوع , والعرب تقول طريق معبد أي مذلل, والتعبد التذلل والخضوع, قال : فمن أحببته ولم تكن خاضعا له لم تكن عابداً له, ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابداً له حتى تكون محباً خاضعا.
قال رحمه الله: العبادة هي الحب مع الذل, فكل من ذللت له وأطعته وأحببته دون الله فأنت عابد له, فغاية الحب مع غاية الخضوع والتذلل هو العبادة , أن تعبد الله أي أن تخضع وتذل له خضوعا كاملا مع المحبة الكاملة وحده ولا تشرك معه في ذلك غيره.
مخلصا له الدين:الإخلاص هو التنقية , والمراد هنا أن يعمل الشخص العمل لله تبارك وتعالى ولا يشرك معه أحدا غيره.
قال المؤلف رحمه الله :((وبذلك)): أي بإخلاص العبادة لله وتوحيده ((أمر الله جميع الناس وخلقهم لها كما قال الله تعالى:{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ومعنى يعبدون يوحدون)), العبادة كما ذكرنا هي كمال الخضوع والتذلل مع كمال المحبة والتعظيم لله سبحانه وتعالى,بامتثال أوامره واجتناب نواهيه, هذه العبادة يجب أن تكون لله وحده, والعبادة خلقنا الله سبحانه وتعالى لكي نعبده , ومن العبادة التوحيد, وهو إفراد الله تبارك وتعالى بذلك , أن تُفرد الله سبحانه وتعالى بالخضوع والتذلل له, وبطاعة أوامره, وبكل ما يختص به سبحانه , خلقنا الله سبحانه وتعالى لأجل ذلك , فالواجب علينا أن نمتثل وأن نسير في الطريق الذي خلقنا الله سبحانه وتعالى لأجله.
قال:((وأعظم ما أمر الله به التوحيد:وهو إفراد الله بالعبادة)), أعظم ما أمر الله به التوحيد وهو إفراد الله بالعبادة,{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فأعظم أمور هذا الدين هو أن تعبد الله وحده وألا تشرك به شيئا, وهذه هي أول دعوة الأنبياء , فما من نبي جاء لقومه إلا وقال لهم:{ يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}{ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} والنبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء إلى قومه قال لهم :قولوا لا إله إلا الله تفلحوا, أي أعبدوا الله وحده واجتنبوا عبادة ما سواهمن أوثان وأشجار وأحجار وغيرها , هذه أصل دعوة الأنبياء.
قال: وأعظم ما أمر الله به التوحيد: وهو إفراد الله بالعبادة, أي أن تعبد الله وحده وألا تعبد معه غيره.
والتوحيد يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات , توحيد الربوبية أن تؤمن بأن الله هو الخالق الرازق المدبر, وأنه لا أحد يشاركه في ذلك, توحيد الألوهية أن تفرد الله سبحانه وتعالى بالعبادة , وتوحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله سبحانه وتعالى بما سمى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم
قال المؤلف رحمه الله:(( وأعظم ما نهى عنه الشرك)),أعظم ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه الشرك, يقول سبحانه وتعالى:{ إن الشرك لظلم عظيم} ويقول{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } قال:((وهو:))أي الشرك :(( دعوة غيره معه)), سواء دعاء عبادة أو مسألة كما تقدم معنا التفصيل في ذلك, ((والدليل قوله تعالى:{ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا })) فقوله :(واعبدوا الله) أمر بالخضوع والتذلل إلى الله سبحانه وتعالى بما أمر, وقوله :(ولا تشركوا به شيئا) ,هذا أمر بإفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة وعدم صرفها لغيره, وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل "أي الذنب أعظم؟قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك "هو خلقك وتجعل له مثيلاً وشبيهاً ونظيرا فيما يختص سبحانه وتعالى به, ومن ذلك العبادة .
((فإن قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟)) ,الأصول جمع أصل, وقد تقدم معنا بأنه ما يبنى عليه غيره.
هذه الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها ما هي؟ ((فقل معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمداً صلى الله عليه وسلم)), هذه هي الأصول الثلاثة التي يجب على المسلم تعلمها, هذه الأصول أول ما يسأل عنه العبد في قبره, أول ما يسأل عنه العبد في قبره, هذه الأصول الثلاثة , ويبنى عليها دين الإسلام بالكامل.
أخرج أبو داود في سننه وأصل الحديث عند مسلم من حديث البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة من الأنصار, فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله ,فكأنما على رؤوسنا الطير, وفي يده عود ينكت به في الأرض ,فرفع رأسه فقال:" استعيذوا بالله من عذاب القبر"مرتين أو ثلاثة, قال وإنه:أي الميت, ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين, حين يقال له يا هذا من ربك, وما دينك, ومن نبيك , وفي رواية :"فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له ,من ربك, فيقول ربي الله ,فيقولان له ما دينك, فيقول ديني الإسلام , فيقولان له ماهذا الرجل الذي بعث فيكم , قال: فيقول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ,فيقولان وما يدريك , فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت , قال فينادي مناد من السماء أن قد صدق عبدي, فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة, قال فيأتيه من روحها وطيبها , قال ويفتح له فيها مد بصره, قال : وإن الكافر تعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه, فيقولان له من ربك, فيقول هاه هاه لا أدري , فيقولان له ما دينك, فيقول هاه هاه لا أدري , فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم, فيقول هاه هاه لا أدري, فينادي مناد من السماء أن كذب فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له باب إلى النار , قال فيأتيه من حرها وسمومها , قال ويُضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلعه , ثم يقيد له أعمى أبكم معه مِرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابا, فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابا ثم تعاد فيه الروح"نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته.
الشاهد من هذا الحديث أنه هذا أول امتحان يمتحن به العبد بعدما يوضع في قبره,يسأل عن هذه الثلاث :من ربك , وما دينك , ومن نبيك , فإن كان مسلما نظر في كتاب الله , وعرف ما جاء به نبيه صلى الله عليه وسلم , هذا جوابه سيكون كما سمعتم , أما إن كان من المعرضين عن دين الله وعما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ,إعراضاً كاملا ,فهذا جوابه سيكون كما قال الكافر:هاه هاه لا أدري, فالواجب معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة , كما قال المؤلف رحمه الله تعالى
نكتفي بهذا القدر لهذا اليوم, نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 07:12   #5
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي (المجلس الخامس)

(المجلس الخامس)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فهذا المجلس الخامس من مجالس شرح ثلاثة الأصول وأدلته

قال المؤلف – رحمه الله - : " فإذا قيل لك ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها ؛ فقل : معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فإذا قيل لك من ربك ؛ فقل : ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه ، وهو معبودي ليس لي معبود سواه ، والدليل قوله تعالى { الحمد لله رب العالمين } ، وكل ما سوى الله عالم ، وأنا واحد من هذا العالم .

فإذا قيل لك بم عرفت ربك ؟ فقل بآياته ومخلوقاته ، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما . والدليل ؛ قوله تعالى : { ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقكم إن كنتم إياه تعبدون } ، وقوله تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين }. والرب هو المعبود ، والدليل قوله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } .
قال ابن كثير رحمه الله - : " الخالق لهذه الأشياء ؛ هو المستحق للعبادة "
وأنواع العبادة التي أمر الله بها ، مثل الإسلام والإيمان والإحسان ، ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها ؛ كلها لله تعالى والدليل قوله تعالى { وأن المساجد لله فلا تدعُ مع الله أحداً } ، فمن صرف منها شيئا لغير الله ؛ فهو مشرك كافر ، والدليل قوله تعالى { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهن له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكفرون } "
قوله " فإذا قيل لك من ربك ؛ فقل : ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه " هذا تفصيل معرفة العبد ربه .
والتربية هي الرعاية ، أي هو الذي أنعم عليّ وعلى جميع الخلق بأنواع النعم ؛ كالخلق والرزق والحفظ والهداية والأمن وغير ذلك من النعم ، فهذه كلها منّة وفضل منّ بها على خلقه وتفضّل بها عليهم .
فالذي خلقنا ورزقنا وهدانا ووفقنا هو الله سبحانه وتعالى .
قوله : " وهو معبودي ليس لي معبود سواه " أي وربّي هو الذي يستحقّ مني العبادة، والذي يجب عليّ أن أفرده بها ، ولا أعبد معه غيره .
قال تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } هذا أمر من الله سبحانه وتعالى للعباد جميعا أن يخضعوا ويتذللوا له محبة وتعظيماً .
ثم قال { الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} فربنا الذي يستحق منا العبادة هو الذي أوجدنا وأوجد جميع الخلق من العدم .
وقوله { لعلكم تتقون } أي لعلكم ترزقون التقوى .
والتقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية ، أي شيئاً يقيك عذاب الله سبحانه وتعالى ، وهذا الشيء هو طاعة الله واجتناب معصيته ، كما جاء في الحديث ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " .
فالوقاية من النار أن تطيع الله وتجتنب معاصيه .
ويعجبني ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه سأل معاذ بن جبل عن التقوى ؛ فقال له معاذ : " يا أمير المؤمنين ! أمشيت يوماً في طريق فيه شوك ؟ " قال عمر : " نعم " قال معاذ : " فما فعلت ؟ " قال : " شمّرت واجتهدت " ، قال " فتلك التقوى " .
وبغضّ النظر عن صحّة هذا الأثر أو ضعفه ؛ ولكنه تفسير رائع للتقوى ؛ فإنك إن مشيت في طريق فيه شوك ستشمّر ثوبك لكيلا يعلق به الشوك ، ثم تجتهد في محاولة وضع قدمك في المكان البعيد عن الشوك واجتناب الأماكن التي يوجد فيها .
فالتقوى تكون بوضع قدمك في محل الطاعة واجتناب محل المعصية .
قال تعالى { الذي جعل لكم الأرض فراشاً } أي بسط لكم الأرض ، وجعلها سهلة للعيش فيها .
قال تعالى { والسماء بناء } أي جعل السماء سقفاً .
قال { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم } أي أنزل من السحاب مطراً، ليخرج به من الثمرات رزقاً لكم .
فهذا الذي رزقنا هذه النعم وتفضل علينا بهذه الفضائل والخيرات ، هو الذي يستحق منا العبادة ولا يستحقّها غيره .
قال المؤلف رحمه الله - : " والدليل قوله تعالى { الحمد لله رب العالمين } " ثم فسّر المؤلف العالمين بقوله : " وكل ما سوى الله عالم ، وأنا واحد من هذا العالم " أي جميع المخلوقات ، وأنا واحد من هذه المخلوقات .
قوله : " فإذا قيل لك بم عرفت ربك ؛ فقل بآياته ومخلوقاته " أي فقل عرفت الله بآياته ومخلوقاته ، أي تأملت في عجيب صنع الله تبارك وتعالى فعرفت الله .
" الآيات " ؛ جمع آية ، والآية في اللغة هي العلامة التي تدلّ على الشيء .
و " المخلوقات " ؛ هي الأشياء التي أوجدها الله سبحانه من العدم .
وتطلق الآية على الآية الشرعية والآية الكونية ، والآية الكونية هي العلامات التي خلقها الله سبحانه وتعالى كالليل والنهار والشمس والقمر وغيرها .
وأما الآيات الشرعية ؛ فهي آيات كتاب الله عز وجل .
فإذا عنى المؤلف بقوله " وآياته " الآيات الشرعية ؛ فإنها ستكون هنا عطف متغايرات ، فالكونية شيء والشرعية شيء .
وأما إن عنى بالآيات ؛ الكونية والشرعية ؛ فإنه سيكون هنا من عطف الخاص على العام ؛ لأنها تشمل الآيات الكونية والشرعية ، والمخلوقات من الآيات الكونية .
قوله : " ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما " . وعمَّ بذلك جميع والمخلوقات .
وسئل أعرابي ؛ بم عرفت ربك ؟ فقال : " الأثر يدل على المسير ، والبعرة تدل على البعير ، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ؛ ألا تدلّ على السميع البصير " .
فهذه هي الفطرة السليمة التي لم تتلوّث بأقوال الفلاسفة وأهل الكلام ؛ وإنما هذه الحوادث العظيمة دلّته على خالق عظيم حكيم عليم خبير ؛ فهذه الأشياء لا يوجدها إلا من ينصف بهذه الصفات .
قوله " والدليل ؛ قوله تعالى { ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقكم إن كنتم إياه تعبدون }
قوله " والدليل " ؛ أي والدليل على أن الليل والنهار و الشمس والقمر من آياته .
" { ومن آياته } " ؛ أي من علاماته الدالة على ربوبيته وقدرته .
" لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } " ؛ أي : فهذه آيات من آياته ومخلوقات من مخلوقاته يتصرّف فيها كيف يشاء ، فلا تعبدوها ؛ لأنها مخلوقات أمثالكم ؛ فلا تستحقّ أن تعبد ، وإنما الذي يستحق العبادة
" { واسجدوا لله الذي خلقكم } " ؛ أي فهذا الذي يستحق العبادة .
ومن الأدلة على أن السماوات والأرض مخلوقات خلقها الله ؛
قال المؤلف : " وقوله تعالى { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } " أي أن ربكم الذي خلقكم ورباكم بالنعم خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم علا وارتفع على عرشه .
والعرش فوق جميع المخلوقات ، وهو سرير الملك .
" { يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً } " أي يغطي الليل بالنهار ، والنهار بالليل بطريقة مستمرة ، واحداً تلو الآخر من غير فاصل .
" { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } " فكل شيء يمشي بأمر الله تعالى .
" { ألا له الخلق } " أي له الإيجاد من العدم .
" { والأمر } " أي له الأمر الشرعي والكوني ، فكل ما يحصل في هذا الكون بأمره تعالى .
والأمر الشرعي بيده ؛ فهو الذي يشرع ما يشاء ويأمر وينهى بما يشاء .
قال المؤلف : " والرب هو المعبود " . أي الرب هو الذي يستحق أن يعبد ؛ إذ ليس كل من عُبِد رباً ؛ فقد عبدت الأصنام والأحجار والملائكة ، وعبد الصالحون ، وجميعهم ليسوا أرباباً ؛ ولكن الذي يستحق أن العبادة ويعبد بحق هو الله سبحانه وتعالى .
قال : " والدليل قوله تعالى { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون* الذي جعل لكم الأرض بساطاً } "
كان الكفار يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر ويقرّون بهذا ، ولكنهم كانوا يكفرون بعبادته ، فالله سبحانه وتعالى يبين لهم أن الذي يستحق العبادة وحده هو الذي يخلق ويرزق وينشئ .
" { الذي جعل لكم الأرض فراشاً } " ؛ أي بسطها لنا ليسهل العيش عليها ، " { والسماء بناء } " سقفاً ، " { وأنزل من السماء ماء } " أي من السحب ، " { فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً } " والند هو المثيل والنظير " { وأنتم تعلمون } " أي تعلمون أنه لا أحد يكون ندّاً لله أو مثيلاً أو يستحقّ ذلك . فأمر الله أولاً بالعبادة ، وعرّف من الذي يستحقّها ، ثم نهى عن الشرك به .
" قال ابن كثير رحمه الله - : " الخالق لهذه الأشياء ؛ هو المستحق للعبادة " ؛ وهذا هو معنى الآية .
ونجد هذا كثيراً في القرآن ؛ فيستدلّ الله تبارك وتعالى على توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية ، أي بما أنك تؤمن بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المنعم عليك ؛ فيجب حينئذ أن تعلم أنه هو المستحق للعبادة لا غيره .
وهذا معنى كلام أهل العلم ؛ أن توحيد الربوبية يستلزم ولا بد توحيد الألوهية .
وهذا كله تقرير من المؤلف رحمه الله أنه يجب علينا أن نعبد الله وحده ، وألا نعبد معه غيره ، فعرفنا الله وعرفنا أنه هو الذي يستحق العبادة ، ولا يجوز أن نصرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره ؛ لأنه لا ندّ لله ولا نظير له ، ثم أراد أن يبين أنواع هذه العبادة التي لا يجوز أن تصرف لغير الله تبارك وتعالى ؛ فقال :
" وأنواع العبادة التي أمر الله بها " أي أن تكون له وحده " مثل الإسلام والإيمان والإحسان " ، وسيأتي تعريفها جميعا فيما بعد إن شاء الله - ، وهذا يشمل دين الإسلام كله
و " الإسلام " هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة وطاعة رسوله فيما أمر ونهى - والبراءة من الشرك وأهله " ، وهذا هو التعريف العام للإسلام .
وإذا اجتمع الإسلام مع الإيمان ؛ فالمقصود به حينها الأعمال الظاهرة كلها ، ويكون المقصود بالإيمان ؛ الأعمال الباطنة .
قال المؤلف رحمه الله - : " ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها ؛ كلها لله تعالى " وسيأتي ذكر كل واحدة منها بالتفصيل يذكرها المؤلف ، ودليلها .
قال : " والدليل قوله تعالى { وأن المساجد لله } " ، والمساجد هي مواضع السجود ، وهي لله خالصة ، " {فلا تدعُ مع الله أحداً } " أي فلا تعبد مع الله أحداً البتة ، " فمن صرف منها شيئا لغير الله ؛ فهو مشرك كافر "؛ لأنه عبد غير الله معه " والدليل قوله تعالى : {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهن له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكفرون } ، أي لا تعبدوا مع الله غيره ؛ فتسجدوا له .
والشاهد في هذه الآية ؛ أن الله حكم على من يدعو مع الله غيره بالكفر .
وقوله " { لا برهن له به } " لا يدل على أن للإنسان أن يدعو مع الله غيره ويكون له به برهن ؛ وإنما تسمى هذه صفة كاشفة مبينة وليست صفة مقيّدة ، أي أنه لن يكون له معبود يجد عليه دليلاً .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فهذا المجلس الخامس من مجالس شرح ثلاثة الأصول وأدلته
قال المؤلف – رحمه الله - : " فإذا قيل لك ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها ؛ فقل : معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فإذا قيل لك من ربك ؛ فقل : ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه ، وهو معبودي ليس لي معبود سواه ، والدليل قوله تعالى { الحمد لله رب العالمين } ، وكل ما سوى الله عالم ، وأنا واحد من هذا العالم .
فإذا قيل لك بم عرفت ربك ؟ فقل بآياته ومخلوقاته ، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما . والدليل ؛ قوله تعالى : { ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقكم إن كنتم إياه تعبدون } ، وقوله تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين }. والرب هو المعبود ، والدليل قوله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } .
قال ابن كثير رحمه الله - : " الخالق لهذه الأشياء ؛ هو المستحق للعبادة "
وأنواع العبادة التي أمر الله بها ، مثل الإسلام والإيمان والإحسان ، ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها ؛ كلها لله تعالى والدليل قوله تعالى { وأن المساجد لله فلا تدعُ مع الله أحداً } ، فمن صرف منها شيئا لغير الله ؛ فهو مشرك كافر ، والدليل قوله تعالى { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهن له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكفرون } "
قوله " فإذا قيل لك من ربك ؛ فقل : ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه " هذا تفصيل معرفة العبد ربه .
والتربية هي الرعاية ، أي هو الذي أنعم عليّ وعلى جميع الخلق بأنواع النعم ؛ كالخلق والرزق والحفظ والهداية والأمن وغير ذلك من النعم ، فهذه كلها منّة وفضل منّ بها على خلقه وتفضّل بها عليهم .
فالذي خلقنا ورزقنا وهدانا ووفقنا هو الله سبحانه وتعالى .
قوله : " وهو معبودي ليس لي معبود سواه " أي وربّي هو الذي يستحقّ مني العبادة، والذي يجب عليّ أن أفرده بها ، ولا أعبد معه غيره .
قال تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } هذا أمر من الله سبحانه وتعالى للعباد جميعا أن يخضعوا ويتذللوا له محبة وتعظيماً .
ثم قال { الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} فربنا الذي يستحق منا العبادة هو الذي أوجدنا وأوجد جميع الخلق من العدم .
وقوله { لعلكم تتقون } أي لعلكم ترزقون التقوى .
والتقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية ، أي شيئاً يقيك عذاب الله سبحانه وتعالى ، وهذا الشيء هو طاعة الله واجتناب معصيته ، كما جاء في الحديث ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " .
فالوقاية من النار أن تطيع الله وتجتنب معاصيه .
ويعجبني ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه سأل معاذ بن جبل عن التقوى ؛ فقال له معاذ : " يا أمير المؤمنين ! أمشيت يوماً في طريق فيه شوك ؟ " قال عمر : " نعم " قال معاذ : " فما فعلت ؟ " قال : " شمّرت واجتهدت " ، قال " فتلك التقوى " .
وبغضّ النظر عن صحّة هذا الأثر أو ضعفه ؛ ولكنه تفسير رائع للتقوى ؛ فإنك إن مشيت في طريق فيه شوك ستشمّر ثوبك لكيلا يعلق به الشوك ، ثم تجتهد في محاولة وضع قدمك في المكان البعيد عن الشوك واجتناب الأماكن التي يوجد فيها .
فالتقوى تكون بوضع قدمك في محل الطاعة واجتناب محل المعصية .
قال تعالى { الذي جعل لكم الأرض فراشاً } أي بسط لكم الأرض ، وجعلها سهلة للعيش فيها .
قال تعالى { والسماء بناء } أي جعل السماء سقفاً .
قال { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم } أي أنزل من السحاب مطراً، ليخرج به من الثمرات رزقاً لكم .
فهذا الذي رزقنا هذه النعم وتفضل علينا بهذه الفضائل والخيرات ، هو الذي يستحق منا العبادة ولا يستحقّها غيره .
قال المؤلف رحمه الله - : " والدليل قوله تعالى { الحمد لله رب العالمين } " ثم فسّر المؤلف العالمين بقوله : " وكل ما سوى الله عالم ، وأنا واحد من هذا العالم " أي جميع المخلوقات ، وأنا واحد من هذه المخلوقات .
قوله : " فإذا قيل لك بم عرفت ربك ؛ فقل بآياته ومخلوقاته " أي فقل عرفت الله بآياته ومخلوقاته ، أي تأملت في عجيب صنع الله تبارك وتعالى فعرفت الله .
" الآيات " ؛ جمع آية ، والآية في اللغة هي العلامة التي تدلّ على الشيء .
و " المخلوقات " ؛ هي الأشياء التي أوجدها الله سبحانه من العدم .
وتطلق الآية على الآية الشرعية والآية الكونية ، والآية الكونية هي العلامات التي خلقها الله سبحانه وتعالى كالليل والنهار والشمس والقمر وغيرها .
وأما الآيات الشرعية ؛ فهي آيات كتاب الله عز وجل .
فإذا عنى المؤلف بقوله " وآياته " الآيات الشرعية ؛ فإنها ستكون هنا عطف متغايرات ، فالكونية شيء والشرعية شيء .
وأما إن عنى بالآيات ؛ الكونية والشرعية ؛ فإنه سيكون هنا من عطف الخاص على العام ؛ لأنها تشمل الآيات الكونية والشرعية ، والمخلوقات من الآيات الكونية .
قوله : " ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما " . وعمَّ بذلك جميع والمخلوقات .
وسئل أعرابي ؛ بم عرفت ربك ؟ فقال : " الأثر يدل على المسير ، والبعرة تدل على البعير ، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ؛ ألا تدلّ على السميع البصير " .
فهذه هي الفطرة السليمة التي لم تتلوّث بأقوال الفلاسفة وأهل الكلام ؛ وإنما هذه الحوادث العظيمة دلّته على خالق عظيم حكيم عليم خبير ؛ فهذه الأشياء لا يوجدها إلا من ينصف بهذه الصفات .
قوله " والدليل ؛ قوله تعالى { ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقكم إن كنتم إياه تعبدون }
قوله " والدليل " ؛ أي والدليل على أن الليل والنهار و الشمس والقمر من آياته .
" { ومن آياته } " ؛ أي من علاماته الدالة على ربوبيته وقدرته .
" لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } " ؛ أي : فهذه آيات من آياته ومخلوقات من مخلوقاته يتصرّف فيها كيف يشاء ، فلا تعبدوها ؛ لأنها مخلوقات أمثالكم ؛ فلا تستحقّ أن تعبد ، وإنما الذي يستحق العبادة
" { واسجدوا لله الذي خلقكم } " ؛ أي فهذا الذي يستحق العبادة .
ومن الأدلة على أن السماوات والأرض مخلوقات خلقها الله ؛
قال المؤلف : " وقوله تعالى { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } " أي أن ربكم الذي خلقكم ورباكم بالنعم خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم علا وارتفع على عرشه .
والعرش فوق جميع المخلوقات ، وهو سرير الملك .
" { يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً } " أي يغطي الليل بالنهار ، والنهار بالليل بطريقة مستمرة ، واحداً تلو الآخر من غير فاصل .
" { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } " فكل شيء يمشي بأمر الله تعالى .
" { ألا له الخلق } " أي له الإيجاد من العدم .
" { والأمر } " أي له الأمر الشرعي والكوني ، فكل ما يحصل في هذا الكون بأمره تعالى .
والأمر الشرعي بيده ؛ فهو الذي يشرع ما يشاء ويأمر وينهى بما يشاء .
قال المؤلف : " والرب هو المعبود " . أي الرب هو الذي يستحق أن يعبد ؛ إذ ليس كل من عُبِد رباً ؛ فقد عبدت الأصنام والأحجار والملائكة ، وعبد الصالحون ، وجميعهم ليسوا أرباباً ؛ ولكن الذي يستحق أن العبادة ويعبد بحق هو الله سبحانه وتعالى .
قال : " والدليل قوله تعالى { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون* الذي جعل لكم الأرض بساطاً } "
كان الكفار يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر ويقرّون بهذا ، ولكنهم كانوا يكفرون بعبادته ، فالله سبحانه وتعالى يبين لهم أن الذي يستحق العبادة وحده هو الذي يخلق ويرزق وينشئ .
" { الذي جعل لكم الأرض فراشاً } " ؛ أي بسطها لنا ليسهل العيش عليها ، " { والسماء بناء } " سقفاً ، " { وأنزل من السماء ماء } " أي من السحب ، " { فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً } " والند هو المثيل والنظير " { وأنتم تعلمون } " أي تعلمون أنه لا أحد يكون ندّاً لله أو مثيلاً أو يستحقّ ذلك . فأمر الله أولاً بالعبادة ، وعرّف من الذي يستحقّها ، ثم نهى عن الشرك به .
" قال ابن كثير رحمه الله - : " الخالق لهذه الأشياء ؛ هو المستحق للعبادة " ؛ وهذا هو معنى الآية .
ونجد هذا كثيراً في القرآن ؛ فيستدلّ الله تبارك وتعالى على توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية ، أي بما أنك تؤمن بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المنعم عليك ؛ فيجب حينئذ أن تعلم أنه هو المستحق للعبادة لا غيره .
وهذا معنى كلام أهل العلم ؛ أن توحيد الربوبية يستلزم ولا بد توحيد الألوهية .
وهذا كله تقرير من المؤلف رحمه الله أنه يجب علينا أن نعبد الله وحده ، وألا نعبد معه غيره ، فعرفنا الله وعرفنا أنه هو الذي يستحق العبادة ، ولا يجوز أن نصرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره ؛ لأنه لا ندّ لله ولا نظير له ، ثم أراد أن يبين أنواع هذه العبادة التي لا يجوز أن تصرف لغير الله تبارك وتعالى ؛ فقال :
" وأنواع العبادة التي أمر الله بها " أي أن تكون له وحده " مثل الإسلام والإيمان والإحسان " ، وسيأتي تعريفها جميعا فيما بعد إن شاء الله - ، وهذا يشمل دين الإسلام كله
و " الإسلام " هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة وطاعة رسوله فيما أمر ونهى - والبراءة من الشرك وأهله " ، وهذا هو التعريف العام للإسلام .
وإذا اجتمع الإسلام مع الإيمان ؛ فالمقصود به حينها الأعمال الظاهرة كلها ، ويكون المقصود بالإيمان ؛ الأعمال الباطنة .
قال المؤلف رحمه الله - : " ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها ؛ كلها لله تعالى " وسيأتي ذكر كل واحدة منها بالتفصيل يذكرها المؤلف ، ودليلها .
قال : " والدليل قوله تعالى { وأن المساجد لله } " ، والمساجد هي مواضع السجود ، وهي لله خالصة ، " {فلا تدعُ مع الله أحداً } " أي فلا تعبد مع الله أحداً البتة ، " فمن صرف منها شيئا لغير الله ؛ فهو مشرك كافر "؛ لأنه عبد غير الله معه " والدليل قوله تعالى : {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهن له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكفرون } ، أي لا تعبدوا مع الله غيره ؛ فتسجدوا له .
والشاهد في هذه الآية ؛ أن الله حكم على من يدعو مع الله غيره بالكفر .
وقوله " { لا برهن له به } " لا يدل على أن للإنسان أن يدعو مع الله غيره ويكون له به برهن ؛ وإنما تسمى هذه صفة كاشفة مبينة وليست صفة مقيّدة ، أي أنه لن يكون له معبود يجد عليه دليلاً .

آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 07-06-2017 الساعة 13:02
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 07:13   #6
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي ( المجلس السادس )

( المجلس السادس )

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؛ أما بعد
فهذا المجلس السادس من مجالس شرح ثلاثة الأصول وأدلتها .
بعد أن ذكر المؤلف رحمه الله أنواع العبادة وأدلتها ؛ بدأ بذكر الأدلة على كل نوع من الأنواع التي ذكرها ، وهذه الأدلة التي سيذكرها تدل على أن المستدَلّ عليه عبادة ، وإذا كان عبادة فلا يجوز صرفها لغير الله سبحانه وتعالى ؛ بل الواجب إخلاصها لله .
قال المصنّف رحمه الله - : " وفي الحديث : " الدعاء مخّ العبادة " والدليل قوله تعالى { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } . ودليل الخوف قوله تعالى { فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين } . ودليل الرجاء قوله تعالى { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } . ودليل التوكل قوله تعالى { وعلى فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } ، وقال { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } .ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } . ودليل الخشية قوله تعالى { فلا تخشوهم واخشوني } . ودليل الإنابة قوله تعالى { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } . ودليل الاستعانة قوله تعالى { إياك نعبد وإياك نستعين } . وفي الحديث : " إذا استعنت فاستعن بالله " .ودليل الاستعاذة قوله تعالى { قل أعوذ برب الفلق } ، و { قل أعوذ برب الناس } . ودليل الاستغاثة قوله تعالى { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم } . ودليل الذبح قوله تعالى { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين * لا شريك له } ، ومن السنة " لعن الله من ذبح لغير الله } . ودليل النذر قوله تعالى { يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا } " .
قوله : " وفي الحديث : " الدعاء مخ العبادة " أراد المؤلف أن يستدل على أن الدعاء عبادة ؛ فذكر هذا الحديث ؛ وهو حديث ضعيف ، والصحيح قوله عليه السلام : " الدعاء هو العبادة " ، وهذا يدل على أن الدعاء عبادة وقربة إلى الله سبحانه وتعالى .
قوله : " والدليل قوله تعالى : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } " فهذه الآية تدل على أن الدعاء من العبادات ؛ فمن دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك .
والناس في ذلك أقسام ؛ قسم منهم لا يدعو الله أصلاً ؛ وهذا يكون مستكبراً عن عبادة الله سبحانه وتعالى .
ومنهم من يدعو الله ويدعو غيره معه ؛ وهذا النوع مشرك بعبادة الله .
ومنهم من يدعو الله وحده ولا يدعو معه أحداً ؛ وهذا هو الموحّد وهذا هو التوحيد الذي أمر الله سبحانه به .
والدعاء منه ما هو عبادة ومنه ما ليس بعبادة ؛
فمن دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ؛ فلا يجوز فعله وهو شرك .
وأما من دعا غير الله ؛ وكان المدعو حيّا قادرا على إنجاز الأمر ؛ فيكون الداعي قد فعل فعلا جائزاً ، وليس دعاءه هذا من العبادة .
قال المصنف : " ودليل الخوف قوله تعالى { فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمني } .
فقوله " { وخافوني } " أمر من الله تبارك وتعالى بالتعبد له بالخوف ؛ فهو عبادة .
ولكن الخوف أيضاً ينقسم إلى قسمين ؛
خوف طبيعي ؛ كخوف الإنسان من الأسد أو النار أو غير ذلك ، فهذا ليس من العبادة .
ومنه ما يسمى عند أهل العلم " خوف السر " وهذا الخوف يختص بالله ، وهو كون الإنسان يخاف من أجل قدرة خفيّة خاصة سرّيّة ليست حسب الحسّ ، يؤثر بها الذي يعتقد أنه يمتلك تلك القدرة السرّية . فلذلك يعتقد عبّاد القبور أن بعض الناس له القدرة على التصرّف في الكون مع الله سبحانه وتعالى ، وقد يعتقدون ذلك أيضاً في الأصنام والجن وغيرها ، وهذا هو الشرك الأكبر بعينه . وكذا يعتقدون أن لهم القدرة على العطاء والمنع وزيغ القلوب وموت النفوس دون أسباب حسيّة .
والضابط في هذا النوع من الخوف هو خوف السرّ ، بأن تعتقد بأن هذا الذي تخافه عنده قدرة خفيّة سريّة تؤثر من غير أسباب ؛ وهو الخوف الشركيّ .
قال " ودليل الرجاء قوله تعالى {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً }.
والرجاء ؛ الطمع في أمر محبوب ، وهو أيضاً عبادة ، ودليله قوله { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } ومعناها ؛ فمن كان يطمع في رؤية الله ونيل فضله وإحسانه ؛ فليأت بالسبب الذي يحقق له رجاءه ؛ وهو التوحيد والعمل الصالح .
والرجاء الذي يتضمن الذل والخضوع ؛ رجاء عبادة لا يكون إلا لله تبارك وتعالى .
قال : " ودليل التوكل قوله تعالى { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } ، وقال { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } " .
والتوكل ؛ هو الاعتماد .
وقوله " { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } " أي اعتمدوا على الله إن كنتم مؤمنين به ،فبقدر إيمان العبد يكون توكّله على الله .
وهذا دليل على أن التوكل عبادة ؛ للأمر والترغيب به ، وهو من تمام إيمان العبد وعلامات صدقه ؛ وواجب لا يتم الإيمان إلا به .
وقوله { فهو حسبه } ؛ أي فهو كافيه .
وقال بعض أهل العلم ؛ التوكل خاص بالله سبحانه وتعالى ؛ لأنه اعتماد القلب ، واعتماد القلب لا يجوز أن يكون إلا لله سبحانه وتعالى ، وإنما فرّقوا بين التوكل والتوكيل ، وسمّى البعض ما يسميه الفريق الأول بالتوكيل توكلاً .
والمقصود به ؛ التوكل على الغير فيما يتصرّف فيه المتوكّل ، بحيث ينيب غيره في أمر تجوز فيه النيابة ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين وكّل علي بن أبي طالب في ذبح بقيّة الهدي في حجّه .
ولا أرى أنهم يختلفون في صورة أن يفوّض شخص في عمل ما فيقوم به نيابة عن المفوِّض ، وأنها صورة جائزة ؛ وإن اختلفوا في تسمية ذلك توكلاً أو توكيلاً .
قال " ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين }" .
والرغبة ؛ طلب الشيء المحبوب .
والرهبة ؛ الخوف المثمر للهرب من المخوِّف ، وقيل هي بمعنى الخوف .
والخشوع ؛ نوع من التذلل لله عز وجل والخضوع له .
وكل هذه عبادات يُتَقَرّب بها إليه سبحانه وتعالى ، والدليل قوله تعالى {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } ، أي يدعون الله طمعاً فيما عنده ، وخوفا منه سبحانه وتعالى ؛ خاشعين متذللين له .
وفي هذه الآية رد على الصوفية الذين يقولون نحن نعبد الله لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره ؛ وإنما محبة له سبحانه . وهذا باطل ؛ إذ عبادة الله تكون بالمحبة والخوف والرجاء ، فإنه عز وجل أثنى على أنبيائه ؛ فقال { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا } أي يعبدونه سبحانه وتعالى خوفا وطمعا .
قال المؤلف رحمه الله - : " ودليل الخشية قوله تعالى { فلا تخشوهم واخشوني }.
قال بعض أهل العلم الخشية والخوف بمعنى واحد ، وفرّق البعض ؛ فجعل الخوف أعم من الخشية ، والخشية أخص من الخوف ؛
فقالواالخشية ؛ هي الخوف المبنيّ على العلم بقدرة من يخشاه وكمال سلطانه ، والفرق بين الخشية والخوف يتضح بالمقال .
قالوا : فإذا خفت من شخص لا تدري أهو قادر عليك أم لا ؛ فهذا خوف .
وإذا خفت من شخص تعلم أنه قادر عليك ؛ فهذه خشية .
وبذلك فرّقوا بين الخشية والخوف ، والبعض جعلهما بمعنى واحد .
وما قيل في الخوف من التفصيل المتقدم ؛ يُقال في الخشية .
قال : " ودليل الإنابة قوله تعالى { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } " .
والإنابة ؛ الرجوع ، وهي قريبة من معنى التوبة .
" { وأنيبوا إلى ربكم } " ؛ أي ارجعوا إليه .
" { وأسلموا له } " ؛ أي استسلموا له .
وهذا دليل على أن الإنابة عبادة وقربة لله تعالى .
قال المؤلف " ودليل الاستعانة قوله تعالى { إياك نعبد وإياك نستعين } وفي الحديث : " إذا استعنت فاستعن بالله " .
" الاستعانة ؛ طلب العون ، فالألف والسينوالتاء كما ذكرنا في دروس ماضية إذا دخلت على كلمة أفادت الطلب ، فاستعان ؛ طلب العون ، واستعاذ ؛ طلب الإعاذة ، واستغاث ؛ طلب الغوث ؛ وهكذا .
فالاستعانة ؛ طلب العون ، وهي أنواع :
أولاً : الاستعانة بالله تقرّباً إليه مع كمال الخضوع والتذلل له ، وهي قربة لله لا يجوز صرفها لغيره .
ثانياً : الاستعانة بمخلوق حي قادر ؛ وهي جائزة . كأن تستعين بشخص في حمل صندوق ثقيل عليك لا تستطيع حمله وحدك ؛ فلا بأس بذلك ؛ لقوله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } .
ثالثاً : الاستعانة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله ، وهذا شرك ؛ لأنه لا يقع إلا من شخص يعتقد في نفسه أن لهذا الذي استعان به في أمر لا يقدر عليه إلا الله ؛ تصرّفا خفيّاً في الكون ؛ ولذلك استعان به .
ومعنى { إياك نعبد وإياك نستعين } أي ؛ نعبدك ونستعين بك .
قال المؤلف : " ودليل الاستعاذة قوله تعالى { قل أعوذ برب الفلق } ، و { قل أعوذ برب الناس } " .
و" الاستعاذة " ؛ طلب الإعاذة ، وهي الحماية من المكروه ، والقول فيها كالقول في الاستعانة تماماً من التفصيل المتقدم
و{ الفلق } ؛ الصبح ، أي ؛ قل أعوذ بالله ، فنحن مأمورون بالاستعاذة بالله .
قال : " ودليل الاستغاثة قوله تعالى { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم } " .
و " الاستغاثة " ؛ طلب الغوث ، وهو الإنقاذ من الشدة ، وهي توحيد وقربة ولا تكون إلا لله سبحانه وتعالى ، وهي أنواع :
أولا : استغاثة بمخلوق حي حاضر قادر ، وهذه جائزة .
ثانيا : استغاثة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله ، أو بمخلوق ليس حياً أو ليس حاضراً؛ وهذا شرك كالاستغاثة بالأموات .
ثالثاً : الاستغاثة بالله سبحانه وتعالى خضوعاً وتذللاً له ، وهي من التوحيد ، وهي بنفس التفصيل المتقدّم في الاستعانة .
قال المؤلف رحمه الله - : " ودليل الذبح قوله تعالى { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين * لا شريك له } ، ومن السنة " لعن الله من ذبح لغير الله } " .
فالذبح عبادة وقربة لله سبحانه ، ولا يجوز صرفها لغيره ؛ لا لولي ولا لقبر ولا لصنم ولا لغير ذلك ، وإنما هي لله فتبقى لله . والدليل قوله تعالى { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين * لا شريك له } والشاهد في الآية قوله تعالى : { ونسكي } أي وذبحي .
قال " ومن السنة " لعن الله من ذبح لغير الله " واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى ؛ لأن من ذبح لغير الله فقد أشرك ؛ لأنه صرف عبادة من العبادات التي يُتقرّب بها إلى الله لغيره ، وتقرّب بها لغيره .
ولكن ليس جميع الذبح يكون عبادة ؛ فيه تفصيل ؛
أولاً : ذبح يقع عبادة ؛ بأن يقصد به التعظيم والخضوع والتذلل للمذبوح له ؛ فهذه عبادة وقربة لا يجوز أن تفعل على هذه الصورة إلا لله .
ثانياً : الذبح إكراماً لضيف أو لوليمة عرس أو غير ذلك من الأمور التي قد تكون واجبة وربما كانت مستحبة وربما كانت مباحة .
مسألة : الذبح الذي يفعله البعض بعد بناء بيته ؛ مثلاً .
إذا كان ذبحه هذا فرحاً وسروراً بما منّ الله به عليه من نعم ؛ فهو جائز .
أما إن كان ذبحه هذا لدفع العين ؛ فمحرّم ؛ لأن دفع العين الذي شرعه الله هو التبريك والرقية .
أما إن ذبح للجن ليصرفهم عن البيت ويدفع ضررهم ؛ فهذا شرك لأنه ذبح لغير الله .
مسألة : الذبح لشخص معظم .
في المسألة تفصيل ؛ إذا كان الذبح لهذا المعظم إكراماً كما يفعل للضيف ؛ فهذا جائز ، ويدخل في إكرام الضيف ، وأما إن كان تعظيماً وإجلالاً لهذا الرجل ؛ فلا يجوز ويدخل في الشرك .
والضابط في معرفة الفرق بين الذبحين ؛ أن تنظر أين يذهب اللحم بعد الذبح ؛ فإن ذُبح ووزّع على الناس ، ولم يأكله هذا المعظم ؛ فيكون من ذبح التعظيم والإجلال . أما إن أُطعم منه هذا الزائر أو المعظم ؛ فيكون من ذبح الإكرام .
قال المؤلف رحمه الله - : " ودليل النذر قوله تعالى { يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا }.
و " النذر " ؛ إلزام الإنسان نفسه بشيء لم يلزمه بأصل الشرع . كأن ينذر الشخص ان يصوم ثلاثة أيام أو أربعة أو أكثر أو يلزم نفسه بصوم يوم وإفطار يوم ، فهذا إلزام من الشخص نفسه بشيء لم يُلزِمْه الشرع به ، فإن الزم نفسه به ؛ لزمه الوفاء ؛ لقوله تعالى { يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً } فأثنى الله على الذين يوفون بنذرهم .
فالنذر قربة لله وطاعة لا يجوز صرفها لغيره تبارك وتعالى .
وأما الحديث الذي ورد " إن النذر لا يأت بخير إنما يستخرج به من البخيل " ؛ فهذا نوع من أنواع النذر ، وهو ما يسمى بنذر المقابلة ، أي أن يقول الشخص مثلاً : إن شفى الله مريضي فعليّ ذبح شاة ، أي أنه لن يذبح الشاة إلا إن شفى الله مريضه ، فهذا الذي يستخرج به من البخيل الذي لا يعمل الطاعة إلا في مقابل ، وهو نذر مكروه . لكنه إن وقع من شخص لزمه الوفاء به .
فالنذر على هذا عبادة لله تعالى وطاعة ، لا يجوز صرفها لغيره سبحانه ، وصرفها لغيره شرك .
 

آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 07-06-2017 الساعة 13:04
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 07:14   #7
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي ( المجلس السابع )

( المجلس السابع )

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ؛ أما بعد
فهذا المجلس السابع من مجالس شرح ثلاثة الأصول وأدلتها ، بدأ المؤلف بالأصل الثاني ؛ فقال – رحمه الله - :
" الأصل الثاني : معرفة دين الإسلام بالأدلة . وهو : الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله ، وهو ثلاث مراتب ؛ الإسلام ، والإيمان والإحسان ، وكل مرتبة لها أركان . فأركان الإسلام خمسة : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت الحرام .
فدليل الشهادة قوله تعالى : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } .
ومعناها : لا معبود بحق إلا الله ؛ " لا إله " نافياً جميع ما يعبد من دون الله ، " إلا الله " مثبتاً العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته ، كما أنه لا شريك له في ملكه .
وتفسيرها الذي يوضحها ، قوله تعالى : { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون }، وقوله : { قل يا أهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون }.
ودليل شهادة أن محمدا رسول الله قوله تعالى { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم } .
ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله : طاعته فيما أمر ، وتصديقه فيما أخبر ، واجتناب ما عنه نهى وزجر ، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع .
ودليل الصلاة ، والزكاة ، وتفسير التوحيد قوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } .
قال " ودليل الصيام قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } .
ودليل الحج قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } "
بعد أن فرغ المؤلف من بيان الأصل الأول وهو معرفة الله سبحانه وتعالى بالأدلة ، بدأ ببيان الأصل الثاني وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة ، ثم عرّفه بقوله :
" الأصل الثاني : معرفة دين الإسلام بالأدلة ، وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله " .
و " الدين " ؛ يراد به الطاعة تارة ، والحساب تارة أخرى كما قال الله سبحانه وتعالى : { مالك يوم الدين } أي يوم الحساب .
و " معرفة دين الإسلام بالأدلة " أي أدلة الكتاب والسنة ، أي معرفة الإسلام بالكتاب والسنة لا بالتقليد ولا بالآراء ولا بالأهواء ولا بالعقول ، وإنما كما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
قال – رحمه الله - : " وهو " أي الإسلام ؛
" الاستسلام لله بالتوحيد " أي إفراده سبحانه وتعالى بالتوحيد ،
" والانقياد له بالطاعة " أي بفعل المأمور وترك المحظور .
" والبراءة من الشرك وأهله " أي بغض أهل الشرك والانفصال عنهم كلّياً ، وقد تقدم هذا كله وفصّلنا القول فيه .
بعد أن عرّف الإسلام ؛ بدأ بتعريف مراتب الدين ؛
فقال : " وهو " أي الدين الإسلامي " ثلاث مراتب ، الإسلام والإحسان والإيمان " أي ثلاث درجات بعضها أعلى من بعض ؛ الإحسان أعلاها ثم الإيمان ثم الإسلام .
قال : " وكل مرتبة " من هذه المراتب الثلاث " لها أركان " ، وركن الشيء هو أساسه وجانبه الأقوى الذي يقوم عليه .
" فأركان الإسلام " أي ما يقوم عليه الإسلام .
" خمسة : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله "
والشهادة ؛ التعبير عمّا يستيقنه الإنسان بقلبه ، فشهادة أن لا إله إلا الله ؛ تعبيره عمّا يتيقنه بقلبه أنه لا معبود بحق إلا الله ، أي الإقرار والإعلان بأنه لا معبود بحق إلا الله تبارك وتعالى .
" وأن محمداً رسول الله " أي أنطق بلساني معبّراً عمّا يكنّه قلبي ؛ بأنه لا معبود بحق إلا الله ، وأن محمداً مبعوث من عند الله يجب عليّ أن أصدّقه وأتّبِعه فيما جاء به من عند الله .
وهذا هو الركن الأول من أركان الإسلام ، وهو كلمتي الشهادة ، وهو ركن واحد مكوّن من شقّين ؛ الأول توحيد الألوهية ، والثاني الإيمان بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكونه يتألف من شقين ؛ لأن العبادات تنبني على تحقيقهما معاً ؛ تحقيق الألوهية ، وتحقيق اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فلا يصحّ عمل إلا بإخلاصه لله تبارك وتعالى وبأن يكون على هدي محمد صلى الله عليه وسلم كما شرعه تبارك وتعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال : " وإقام الصلاة " وهذا الركن الثاني من أركان الإسلام ، "وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت الحرام " فهذه هي أركان الإسلام التي هي أعماله الظاهرة ، وأما بقية الأعمال الظاهرة التي أمرنا بها والتي نفعلها تعبداً لله سبحانه وتعالى ؛ فإنما هي مكمّلات لهذه الخمس ؛ فإنها الأساسات التي قام عليها دين الإسلام .
قال المؤلف – رحمه الله - : " ودليل الشهادة قوله تعالى : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } " .
" { شهد الله أنه لا إله إلا هو } " ؛ جاء عن السلف تفاسير في معنى شهادة الله عز وجل ؛ فمنهم من قال : حكم ، ومنهم من قال : أعلم ، ومنهم من قال : بيّن ، وغير ذلك من أقوال خمسة جمعها شارح الطحاوية في بدايتها ، ثم قال : " ولا تنافي بين هذه الأقوال " ؛ فأعلم الله وحكم وقضى أنه لا إله إلا الله ، أي أنه لا معبود بحق إلا الله .
وقد أتينا بتفسير لا إله إلا الله ؛ وأنه لا معبود بحق إلا الله ؛ من قوله تعالى { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل } ، وخير ما يفسر به كتاب الله ؛ كتاب الله .
" { والملائكة } " ؛ أي شهدت الملائكة أيضاً أنه لا معبود بحق إلا الله .
" { وأولو العلم } " ؛ وهم علماء الشريعة الذين عرفوا كلمة الحق وآمنوا بها وصدقوها وتعلّموها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأيقنوا بها وعلموها الناس .
وهذه من فضائل العلماء الكثيرة . ولو لم يكن للعلم فضيلة إلا هذه لكفت في أن يجِدَّ المسلم ويجتهد ليحصل على هذه المنزلة العالية الرفيعة ؛ فكيف وسيحشر أهل العلم وطلبته خلف معاذ بن جبل الذي سيحشر أمام العلماء برتوة . ومن فضائل العلماء ؛ أن كل شيء يستغفر لهم حتى الحيتان في البحر ؛ لعظيم نفعهم العائد على جميع خلق الله .
وقد ذكر الله عز وجل أشرف الخلق ؛ وأنهم هم من شهد على كلمة التوحيد
" { قائما بالقسط } " ؛ أي حالة قيامه تبارك وتعالى بتدبير الخلق بالعدل .
" { لا إله إلا هو } " يؤكد عز وجل هذه الكلمة ، وهذه المسألة التي بعث الرسل لأجلها ؛ وهي إخراج الناس من عبادة الخلق إلى عبادة رب الخلق .
" { العزيز } " ذو العزّة .
" { الحكيم } " ذو الحكمة ؛ وهو القضاء ، والذي يحكم الأشياء ويتقنها .
والشاهد من هذه الآية ؛ أن شهادة أن لا إله إلا الله هي ركن عظيم من أركان هذا الدين ، بل هو أعظمها .
قال " ومعناها : لا معبود بحق إلا الله ؛ " كما ذكرنا أن هذا التفسير جاء من قوله تعالى { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل } .
قال : " (لا إله) نافياً جميع ما يعبد من دون الله " أي نافياً كل ما عبد من دونه سبحانه .
قال " (إلا الله) مثبتاً العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته " وهكذا يكون التوحيد ؛ نفيا وإثباتا ؛ نفي العبادة عن كل ما سوى الله تبارك وتعالى ، وإثباتها له وحده لا شريك له .
قال : " كما أنه لا شريك له في ملكه " ؛ أي كما أنه لا شريك له في ملكه ؛ فلا معبود بحق إلا هو سبحانه وتعالى .
قال : " وتفسيرها الذي يوضحها ، قوله تعالى : { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون } " .
" { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون } " وهذه تساوي في معناها " لا إله " ، أي إنني منفصل ومتخل عن كل من تعبدونه ، وممن يعبدون ؛ الله سبحانه وتعالى ؛ لذلك قال بعدها :
" { إلا الذي فطرني } " أي أتبرأ من كل من عبدتموه من دون الله ، إلا الله فلا أتبرأ منه تبارك وتعالى .
و " { إلا الذي فطرني } " أي إلا الذي خلقني ؛ وفيها إشارة إلى أن الذي يستحق أن أعبده وأتذلل له وأخضع له هو الذي خلقني وأوجدني .
فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية ولا بد ، فبما أنك تؤمن أن الله هو الخالق الرازق المدبر الذي ينعم عليك بأنواع النعم ، وهو الذي أوجدك من العدم ؛ فيجب عليك أن تصرف عبادتك له وحده ، وألا تصرفها لغيره معه .
" { فإنه سيهدين } " أي سيدُلُّني على الحق ويوفّقني إليه ، هداية توفيق وهداية بيان .
" { وجعلها كلمة باقية في عقبه } " أي جعل كلمة التوحيد باقية في ذريته ، وأوصى بنيه بها .
" { لعلهم يرجعون } " أي يرجعون من الشرك إلى كلمة التوحيد .
قال : " وقوله { قل يا أهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } ".
" { قل } " أي يا محمد .
" { يا أهل الكتاب } " الكلام موجّه لليهود والنصارى ؛ فهم أهل الكتاب .
" { تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } " أي إلى كلمة عدلٍ ، وهي كلمة التوحيد ، ونكون نحن وإياكم سواء فيها .
فإذا أراد اليهود والنصارى أن يتساووا معنا في الحقوق والواجبات ؛ فلا بدّ أن يتساووا معنا أولاً في كلمة لا إله إلا الله ، فلا يأتينّ ملبّس يلبس على الناس فيقول : في هذه الآية دليل على المساواة بين المسلمين واليهود والنصارى ؛ فهذا كذب على الله ؛ فإنما يكون اليهود والنصارى والكفار مساوون للمسلمين إذا استووا معهم في كلمة التوحيد ؛ لا إله إلا الله ، محمد رسول الله . وبغير ذلك ؛ إنما هم أذلّة صاغرون ونحن فوق بكلمة التوحيد ، كما قال الله عنهم : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } .
فكيف يُرفع أناس صغّرهم الله وحقّرهم ؛ ولكن لما ضعُف الإيمان في قلوب الناس صاروا يريدون التماس الرضا من أقوام كهؤلاء .
" { ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } " وهذه هي الكلمة التي تجعلهم معنا .
" { ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } " أي لا يعظم بعضنا بعضا كتعظيمنا لله تبارك وتعالى ، كما فعلتم أيها النصارى واليهود بأحباركم ورهبانكم ؛ فجعلتموهم أرباباً مع الله سبحانه ؛ إذا أحلوا لكم الحرام أحللتموه ، وإذا حرّموا عليكم الحلال حرّمتموه .
وهذا تغيير لشرع الله بالهوى ومع ذلك اتبعتموهم عليه .
" { فإن توَلَّوا } " أي أعرضوا عن الهداية التي أرشدتموهم إليها .
" { فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } " أي أعلموهم بإيمانكم وأنكم تقرّون بهذه الكلمة وتؤمنون بها وتتبرؤون منهم ومن شركهم .
فلا بدّ من وجود المفاصلة بين المسلم والكافر ، ووجود الولاء و البراء .
قال – رحمه الله - : " ودليل شهادة أن محمدا رسول الله قوله تعالى { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم } " .
" { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } " وهو محمد صلى الله عليه وسلم .
" { من أنفسكم } " أي منكم ، لم يأت بلسان العجم .
" { عزيز عليه ما عنتم } " أ ي يشقّ عليه ما شقّ عليكم .
" { حريص عليكم } " بأن يوصل إليكم كل ما ينفعكم وأن يرشدكم إلى كل ما فيه خيركم ومصلحتكم وأن يبين لكم الطريق الذي يبعدكم عن كل ما يضركم .
" { بالمؤمنين رءوف رحيم } " أي صاحب رأفة ورحمة ، هيِّنا ًليِّناً ، ولم يكن فظاً ولا غليظ القلب ناصحاً أميناً لهذه الأمة ، أدّى الرسالة التي حملها صلى الله عليه وسلم .
قال المؤلف – رحمه الله - : " ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله : طاعته فيما أمر ، وتصديقه فيما أخبر ، واجتناب ما عنه نهى وزجر ، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع " .
فمعنى شهادة أن محمداً رسول الله ؛ أنك تقرّ وتعترف بتصديق في قلبك ويقين بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي مرسل من عند الله تبارك وتعالى ، أوحى الله له بشرع وأنزل عليه هذا الكتاب الذي هو القرآن وأمره بتبليغه .
فالشهادة أن تؤمن وتقرّ بكل ذلك وتصدّق بأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو من عند الله تبارك وتعالى .
فمقتضى هذه الشهادة ؛ أن تصدّق النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما أخبر ، وأن تطيعه فيما أمر ، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر ، وأن تعبد الله تبارك وتعالى بالشرع الذي جاء به صلى الله عليه وسلم .
فإذا فهمت يا عبد الله هذه المعاني ؛ علمت كم ابتعد المسلمون عن العمل بمقتضى هذه الكلمة .
قال " ودليل الصلاة ، والزكاة ، وتفسير التوحيد قوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } .
" { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } " فهذا الذي أمرهم الله به ؛ أن يخضعوا ويتذللوا له بما شرع ، مخلصين له الدين ؛ بأن يصفّوا وينقّوا هذه العبادة له وحده ، وألا تصرف لغيره .
" { حنفاء } " أي مائلون عن الشرك إلى التوحيد .
" { ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة } " أي أنهم أمروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة .
" { وذلك دين القيمة } " أي دين الملّة القيمة المستقيمة التي لا اعوجاج فيها .
فهذا هو الدين الذي أراده الله تبارك وتعالى وأمر به بقوله { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله } .
قال " ودليل الصيام قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } ".
أي فرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم .
قال : " ودليل الحج قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } ".
وهذه هي أركان الإسلام الخمسة وأدلتها .

آخر تعديل بواسطة أبو زيد رياض الجزائري ، 23-11-2013 الساعة 06:26
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 07:15   #8
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي (المجلس الثامن )

(المجلس الثامن )

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين ؛ أما بعد
فهذا المجلس الثامن من شرح الأصول الثلاثة وأدلتها .
الأصل الثاني من الأصول الثلاثة ، وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة ، وقد عرّف المؤلف – رحمه الله – الإسلام ثم ذكر أن الدين الإسلامي ثلاث مراتب . وقد انتهينا من المرتبة الأولى وهي الإسلام ، ومعنا الآن المرتبة الثانية .
قال المؤلف : " المرتبة الثانية : الإيمان ، وهو بضع وسبعون شعبة ، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ، وأركانه ستة :
أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خير وشرّه .
والدليل على هذه الأركان الستة ؛ قوله تعالى { ليس البر أن تولّوا وجوهكم قِبَلَ المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب و النبين }، ودليل القدر قوله تعالى { إنّا كلَّ شيء خلقناه بقدر } .
المرتبة الثالثة : الإحسان ، ركن واحد وهو : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " والدليل قوله تعالى { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ، وقوله { وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلُّبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم } ، وقوله { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنّا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه }.
والدليل في السنة حديث جبرائيل المشهور عن عمر رضي الله عنه ؛ قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منّا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفّيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤدي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً " قال : صدقت ، فعجبنا له يسأله ويصدّقه . قال : فأخبرني عن الإيمان ، قال : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه " ، قال : صدقت ، قال : فاخبرني عن الإحسان ، قال : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ، قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " ، قال : فأخبرني عن أماراتها ، قال : " أن تلد الأمُة ربّتها ، وأن ترى الحفاة العُراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان " قال : فمضى فلبثنا مليّاً ، فقال : " يا عمر أتدري من السائل ؟ " قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : " هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم أمر دينكم
" .
قال : " المرتبة الثانية " أي من مراتب الدين الإسلامي .
" الإيمان " ؛ الإيمان لغة : التصديق .
وشرعاً : هو اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح ، وهو بضع وسبعون شعبة كما سيأتي .
واعتقاد القلب ؛ هو تصديق القلب وعمله .
وقول اللسان ؛ كالتلفظ بالشهادتين .
وعمل الجوارح ؛ كالصلاة والصيام والزكاة والحج ، وما شابه ذلك .
فهذا كلّه داخل في الإيمان ، الذي يشمل دين الله بالكامل .
والإيمان والإسلام كلمتان إذا اجتمعتا افترقتا ، وإذا افترقتا اجتمعتا ، أي أن الإسلام والإيمان إذا افترقتا في الذكر ؛ فقلت مثلاً : فلان مؤمن ، فهذا يعني أن الإسلام والإيمان بمعنى واحد ؛ وهو الأعمال التعبدية الظاهرة والباطنة .
وإذا قلت : فلان مسلم ، وسكتّ ؛ فهي بنفس المعنى ؛ لأن الإيمان والإسلام قد افترق في الذكر ؛ فذكرت واحداً ولم تذكر الثاني ، أما إذا جمعتهما في الذكر فقد افترقتا في المعنى ؛ فكان لكل واحد منهما معنى ؛ فيكون الإيمان بمعنى الأعمال الباطنة ، والإسلام بمعنى الأعمال الظاهرة ، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام ، فإنهما اجتمعتا ؛ فقد سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ثم عن الإيمان ، فاجتمعتا في الذكر وافترقتا في المعنى ؛ ففسر الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والقدر خيره وشرّه ؛ وكلّها أعمال باطنة ، وفسّر الإسلام بأنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ، وكلها أعمال ظاهرة .
قال المؤلف : " وهو بضع وسبعون شعبة " والبضع من الثلاثة إلى التسعة ، فالبضع والسبعون قد تكون ثلاثا و سبعين أو أربعا وسبعين إلى تسع وسبعين .
قال : " فأعلاها قول لا إله إلا الله " أي أعلى شعب الإيمان قول لا إله إلا الله ، فبهذه الكلمة يدخل المرء في الإسلام فهي أصل الإسلام .
قال : " وأدناها " أي أقلها ؛ أي أقل شعب الإيمان .
" إماطة الأذى عن الطريق " وهو إزالة كل ما يؤذي الناس ، من حجر وشجر وشوك وغيره .
قال " والحياء شعبة من الإيمان " والحياء هو ما يدفع إلى التحلّي بالأخلاق الحسنة الحميدة ، أما الحياء الذي يمنع من فعل الطاعة أو الذي يجر إلى السكوت عن الفساد ؛ فليس من الإيمان وهو حياء مذموم .
فشمل هذا الحديث من أجزاء الإيمان ؛ القول اللساني ، وعمل الجوارح الذي عبّر عنه بإماطة الأذى عن الطريق ، وكذلك أعمال الباطن الممثّلة هنا بالحياء ، فالإيمان يشمل هذا كلّه ، وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان ؛
فالإيمان اعتقاد وقول وعمل ؛ ثلاثة أركان لا يصلح إلا بها ؛ فإذا اعتقد ولم يقل مع القدرة على القول ؛ لم يكن مؤمناً ، وإذا اعتقد وقال ولم يعمل ؛ فلا يكون مؤمناً ، أما إذا اعتقد وقال وعمل ؛ فقد أتى بالإيمان الشرعي ؛ فلا يصحّ إيمان إلا باجتماع هذه الثلاث .
قال المؤلف – رحمه الله - : " وأركانه ستة " وأركانه هي أساساته وأجزاءه التي يقوم عليها .
قال : " أن تؤمن بالله " ويشمل الإيمان بوجوده ،وبانفراده بالربوبية وبالألوهية والإيمان بالأسماء والصفات ، فتؤمن بأن الله موجود ، وأنه هو وحده الخالق الرازق المدبّر ، وأنه المستحق للعبادة وحده ، ولا يستحق أحد معه العبادة ، وأن تؤمن بالأسماء والصفات التي سمّى بها نفسه أو وصف بها نفسه ؛ في كتابه أو في سنة نبيّه صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ، أي فلا تحرفها عن معناها الذي أراده الله منها ، ولا تعطّل صفاته ؛ فتنفيها بعدما أثبتها ربنا تبارك وتعالى ؛ فإذا أثبت الله لنفسه اليد فتثبت له اليد ، أثبت لنفسه الوجه تثبت له الوجه، أثبت لنفسه المحبة تثبت له المحبة ؛ وهكذا . فلا تعطّل صفة من صفات الله التي أثبت لنفسه ، ولا تكيفها ولا تمثلها بصفات المخلوقين ؛ فتكون بذلك مؤمنا بحق .
ثم قال – رحمه الله - " وملائكته " ، الملائكة عالم غيبيّ ، مخلوقات خلقها الله تبارك وتعالى من نور ؛ كما جاء وصفهم في الحديث في " صحيح مسلم " ، وجعلهم طائعين خاضعين له ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ويتكلمون ويسمعون ويكتبون ولهم أجنحة ، ينزلون من السماء ويصعدون إليها ، وهذه كلها أوصاف ثبتت لهم في الكتاب والسنة ، نؤمن بها كلها .
ونؤمن بهم بالجملة ، ومن سمّي لنا في الكتاب والسنة ؛ نؤمن به باسمه ، ومن أخبرنا بعمله ؛ كجبريل عليه السلام نؤمن بعمله ؛ ينزل على الرسل بالوحي ، وإسرافيل موكّل بنفخ الصور وهو كذلك من حملة العرش ، وميكائيل موكل بالقطر ، ومالك موكّل بالنار ، ورضوان موكّل بالجنة ؛ وبمن يتعاقبون في الليل والنهار ، وبالحفظة وبمن وكّل بقبض الأرواح مع ملك الموت وغيرهم.
قال " وكتبه " أي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله ؛ منها صحف إبراهيم والزبور والتوراة والإنجيل ، والقرآن المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، نصدق به ونعمل بما جاء فيه من أوامر ونواه .
قال " ورسله " والرسل هم الذين أوحى الله إليهم بالشرائع ، وهم خلق من البشر ليس لهم حقّ في الربوبية ، وما لهم في الألوهية من شيء ولا لهم حق في العبادة ، فلا نعبدهم ولا نتقرّب إليهم ؛ إنما نعبد الله وحده .
فلا نغلو فيهم ونعطيهم أكثر من حقّهم ولا نزهد فيهم ونستنقصهم ونعطيهم أقل من حقّهم ، بل نعطيهم درجتهم ومنزلتهم ، ومنزلة النبوة منزلة عالية رفيعة ، فلا إفراط ولا تفريط ، لا نفعل بهم كفعل اليهود ولا كالنصارى .
والرسل هم الذين أوحى الله إليهم بالشرائع وأمرهم بتبليغها ، أولهم نوح عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، نؤمن بهم كما قدمنا .
وأما محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فنؤمن بشريعته التي جاء بها وأنه يجب علينا أن نتّبعها ولا نتركها .
ومن سمّي لنا من الرسل آمنا بأسمائهم ، ومن لم يسمّ آمنّا به إيماناً مجملاً .
قال : " واليوم الآخر " ؛ وهو يوم القيامة ، وسمّي بذلك لأنه لا يوم بعده ، وهو يوم القيامة الذي فيه الحساب ، فإما عذاب وإما رحمة من الله تبارك وتعالى .
فنؤمن أن الناس سيبعثون بعد موتهم وسيحاسبون على أعمالهم ، ثم يجازون عليها إما بالنار أو بالجنة ، على ما تواترت به أدلّة الكتاب والسنّة .
قال – رحمه الله - : " ونؤمن بالقدر خيره وشرّه " .
والقَدَرُ لغة مصدر قدّرت الشيء أقدّره ؛ إذا أحطت بمقداره .
وشرعاً ؛ هو ما قدّره الله في الأزل أن يكون في خلقه بناء على علمه السابق بذلك .
أو تقول : هو تقدير الله للكائنات حسب ما سبق في علمه واقتضته حكمته .
والإيمان بالقدر يكون بالإيمان بمراتبه ؛ وهي : العلم والكتابة والمشيئة والخلق ، فمن آمن بهذه المراتب فقد آمن بالقدر .
العلم ؛ أن تؤمن بأن الله علم الأشياء قبل كونها ، وأنه عالم بكل شيء .
والكتابة ؛ أن تؤمن بأن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، فكل شيء مكتوب عنده في اللوح المحفوظ .
والمشيئة ؛ أن تؤمن بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، ولا شيء يخرج عن مشيئته تبارك وتعالى .
والخلق ؛ أن تؤمن بأن الله خالق كل شيء ، لا يخرج عن خلقه شيء من المخلوقات ، فهو خالق المخلوقات وخالق أفعالها .
كل واحدة من هذه المراتب أنكرتها طائفة من أهل البدع والضلال .
ثم قال – رحمه الله - : " والدليل على هذه الأركان الستة ؛ قوله تعالى { ليس البر أن تولّوا وجوهكم قِبَلَ المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب و النبين } " .
و " { البر } " كل عمل يفضي بصاحبه إلى الجنة .
فمعنى الآية أنه ليس البر التوجه إلى الشرق أو الغرب ، ولكن البر هو طاعة الله وامتثال أمره والتوجه حيث وُجّه ، وإتباع ما شرع ، وهذا هو البر والإيمان الكامل .
وقد ذكر في هذه الآية الأركان الستة ، أما القدر فسيأتي في قوله :
" ودليل القدر قوله تعالى { إنّا كلَّ شيء خلقناه بقدر } " ، هذا هو دليل الركن السادس .
انتهى المؤلف من المرتبة الثانية ، ثم بدأ بالمرتبة الثالثة فقال – رحمه الله - :
" الإحسان ، ركن واحد وهو : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " والدليل قوله تعالى : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ، وقوله { وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلُّبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم } ، وقوله { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنّا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه } " .
والإحسان ضد الإساءة ، وهو مع الخلق كما قال الحسن البصري : " بذل الندى وكفّ الأذى وطلاقة الوجه " .
وبذل الندى ؛ هو إعطاء المعروف للناس ، أي إيصال الخير منك إليهم .
وكف الأذى ؛ هو أن تكفّ عنهم أذاك وشرّك .
وطلاقة الوجه ؛ هو كما قال عليه السلام : " تبسّمُك في وجه أخيك صدقة " ، فطلاقة الوجه من الإحسان إلى الناس .
وأما مع الخالق – وهو المقصود هنا - فكما قال عليه السلام : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ، فتصوّر لو أنك وقفت تعبد الله وأنت تراه ؛ فكيف ستكون عبادتك ، وخشوعك وخضوعك وتذلّلك ، سيكون في أعلاه وقمته ، فهكذا يكون الإحسان في العبادة أن تعبد الله كأنك تراه .
قال " { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } " والشاهد قوله " { والذين هم محسنون }، ثم قال" وقوله { وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلُّبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم } ، وقوله { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنّا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه } " . أي أن الله يشاهدك ويراك ويعلم ما تفعل .
قال : " والدليل من السنة : حديث جبرائيل المشهور عن عمر رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منّا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفّيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤدي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً " قال : صدقت ، فعجبنا له يسأله ويصدّقه . قال : فأخبرني عن الإيمان ، قال : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه " ، قال : صدقت ، قال : فاخبرني عن الإحسان ، قال : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ، قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : " أن تلد الأمُة ربّتها ، وأن ترى الحفاة الحُفاة العُراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان " قال : فمضى فلبثنا مليّاً ، فقال : " يا عمر أتدري من السائل ؟ " قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : " هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم أمر دينكم "
قوله : " والدليل من السنة " ؛ أي على كل ما ذكر من مراتب الدين الإسلامي .
قال : " حديث جبرائيل المشهور عن عمر رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم " . فقد كان الصحابة جالسين مع النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمون العلم ويتربّون على يديه ، وهذا ما ينبغي على العلماء فعله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ الجلوس للناس وتعليمهم الأخلاق وطريقة التعامل مع البشر عن طريق سنة النبي عليه السلام وتربيتهم عليها .
قال " ذات يوم " أي في يوم من الأيام .
قال " إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر " أي ثيابه بيضاء وشعره أسود ، يريد بهذه الأوصاف شيئا سيأتي .
قال " لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد منا " هذا ما يريده من ذكر شدّة بياض ثيابه وشدّة سواد شعره ، أن هذا البياض في الثياب والسواد في الشعر لا يظهر معه أنه كان مسافراً ، ولو كان مسافراً لاغبرت ثيابه و تشعث رأسه ؛ ولكنه لا يظهر عليه السفر ومع هذا لا يعرفه منهم أحد ، فهذا مستغرب ؛ إذ لا هو قادم من سفر ولا هو مقيم فيعرف .
قال " حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه " أي أسند ركبتيه إلى ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كجلسة المتعلم الجالس تأدّباً مع المعلم .
قال : " ووضع كفّيه على فخذيه " أي على فخذي نفسه .
قال " وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤدي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً " فذكر له أركان الإسلام الخمسة ، وهو دليل على المرتبة الأولى .
" قال : صدقت - قال الراوي - فعجبنا له يسأله ويصدّقه " وهو أمر مستغرب ؛ فبما أنك تعلم أنه صدق ؛ فلم تسأل ؟!
قال :" قال : فأخبرني عن الإيمان ، قال : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه " ، قال : صدقت ، قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ، وهذا دليل على المراتب الثلاثة.
قال " قال : فأخبرني عن الساعة " والآن هو يسأله عن وقت قيام الساعة .
قال " قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل " أي اشترك السائل والمسئول بعدم العلم بها ؛ لأن الله قد انفرد بالعلم بها .
قال " قال : فأخبرني عن أماراتها " الأمارة هي العلامة ؛ أي أخبرني عن علاماتها ، فإن لم تكن تعلم وقتها ؛ فأخبرني عن علاماتها التي تدلّ عليها .
قال " قال : أن تلد الأمُة ربّتها " أي مربيتها ، أو سيدتها ، قالوا هو كناية عن كثرة الإماء ، وقد حصل هذا ، فقد كثرن لدرجة أن الإماء صرن يلدن سيداتهن ، وذلك بأن يجامع الرجل أمته ، فتلد منه بنتاً ؛ فتكون هذه البنت سيدة لهذه الأمة التي هي أمّها.
قال " وأن ترى الحُفاة " الذين لا يلبسون في أقدامهم شيئا لشدّة الحاجة " العُراة " الذين لا يملكون ما يسترون به أجسادهم من فقرهم " العالة " هم الفقراء " رعاء الشاء " الذين يرعون الشياه " يتطاولون في البنيان " وقد تحقق هذا الأمر في يومنا هذا ؛ فإن كثيراً من البدو الذين كانوا جياع فقراء يتطاولون في البنيان ويبنون العمائر الطويلة . وهذا من صدقه عليه السلام فيما أخبر به ، فقد أخبر بهذا البنيان الذي يوجد اليوم من ناطحات سحاب عند أناس ما كان أحدهم يجد طعاماً.
قال :"قال : فمضى " أي فانطلق " فلبثنا مليّاً " أي مكثنا طويلا،قال " فقال : يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم أمر دينكم " ، وهذا الشاهد ؛ فإنه سمّى هذا كله ديناً ، إذن فالدين هو المراتب الثلاثة التي ذكرت .


آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 07-06-2017 الساعة 13:05
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 07:16   #9
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي ( المجلس التاسع )

( المجلس التاسع )

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ؛ أما بعد ؛
فهذا المجلس التاسع من مجالس شرح ثلاثة الأصول ، وقد انتهينا من الأصل الثاني من الأصول الثلاثة ، وسيبدأ المؤلف بالأصل الثالث .
قال – رحمه الله - : " الأصل الثالث : معرفة نبيّكم محمد صلى الله عليه وسلم . وهو : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم وهاشم من قريش ، وقريش من العرب ، والعرب من ذرّيّة إسماعيل ، ابن إبراهيم الخليل ، عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام . وله من العمر : ثلاث وستون سنة ، منها أربعون قبل النبوة ، وثلاث وعشرون نبياً ورسولا ، نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر ، وبلده مكة ، وهاجر إلى المدينة .
بعثه الله بالنذارة عن الشرك ، ويدعو إلى التوحيد . والدليل قوله تعالى : { { يا أيها المدثر قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر } ومعنى { قم فأنذر } : ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد . { وربك فكبر } أي عظّمه بالتوحيد ، { وثيابك فطهّر } أي : طهّر أعمالك عن الشرك . { والرجز فاهجر } الرجز : الأصنام ، وهجرها تركها ، والبراءة منها وأهلها .
أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد ، وبعد العشر عُرِج به إلى السماء ، وقد فرضت عليه الصلوات الخمس ، وصلى في مكة ثلاث سنين ، وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة .
والهجرة : الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ، والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة . والدليل قوله تعالى : { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا } .
وقوله تعالى { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون } .
قال البغوي – رحمه الله - : " سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا ، ناداهم الله باسم الإيمان . والدليل على الهجرة من السنة قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها .
فلما استقر بالمدينة ؛ أمر ببقية شرائع الإسلام مثل : الزكاة والصوم والحج والجهاد والأذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام .
أخذ على هذا عشر سنين وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه ، ودينه باق " .
بدأ – رحمه الله – بذكر الواجب على المسلم معرفته عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛
فقال : " وهو : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب " واسمه شيبة ، ويقال له شيبة الحمد ، وكان عند أخواله بني النجار في المدينة ، فرجع به عمّه المطلب ، وفي مسيره رآه الناس فسألوه عنه ؛ فقال هذا عبدي ؛ فأطلقوا عليه هذا الاسم .
قال : " بن هاشم ، وهاشم من قريش ، وقريش من العرب ، والعرب من ذرّيّة إسماعيل " . هذا قسم من العرب ، والعرب عند أصحاب الأنساب ثلاثة أقسام ؛ عرب بائدة ، وعرب عاربة ، وعرب مستعربة .
فأما العرب البائدة ؛ فهم الذين أبادهم الله ؛ ومنهم قوم عاد وثمود .
وأما العرب العاربة ؛ فهم القحطانيّون من حمير من أهل اليمن وفروعها .
والعرب المستعربة ؛ هم العدنانيّون من ذرية إسماعيل بن إبراهيم ، وسمّوا بذلك ؛ لأنهم تعلموا العربية من العرب العاربة ، وهم من الحجاز نزلوا مكة .
فإنه لما نزل إسماعيل وأمه مكة وخرج ماء زمزم ؛ مرّت بهم قبيلة جرهم وسكنت معهم ، وتعلّموا منهم العربية ؛ فسمّوا عرباً مستعربة .
قال : " ابن إبراهيم الخليل ، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام النبي المعروف . وله من العمر : ثلاث وستون سنة " أي أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وله من العمر ثلاث وستّون سنة ، وولد عام الفيل يوم الاثنين ، ولم يثبت حديث في أنه ولد عليه السلام يوم اثني عشر من ربيع الأول .
قال : " منها أربعون قبل النبوّة " فجاءه الوحي وهو في سن الأربعين " .
قال : " وثلاث وعشرون نبياً ورسولاً " قضى صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وعشرين سنة وهو نبي ورسول .
قال : " نبئ بإقرأ " فقد كان صلى الله عليه وسلم يذهب إلى غار حراء ويتعبّد فيه على ملّة إبراهيم عليه السلام ، فلما بلغ الأربعين جاءه جبريل عليه السلام وهو في الغار فقال له : اقرأ ، قال : " ما أنا بقارئ " فأعادها عليه ، فقال صلى الله عليه وسلم : " ما أنا بقارئ " ، حتى قال جبريل عليه السلام : " { اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق ... } " فقرأ عليه السلام ؛ فصار نبيّاً ، موحى إليه .
قال المؤلف – رحمه الله - : " وأرسل بالمدّثر " ؛ فإنه لما نزل عليه قوله تعالى : { يا أيها المدّثر قم فأنذر .. } ، كان هذا أمراً من الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالتبليغ والإنذار للناس ، فصار رسولاً .
فالنبي عند المؤلف من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه ، والرسول من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه .
قال المؤلف : " وبلده مكة ، وهاجر إلى المدينة ، بعثه الله بالنذارة عن الشرك ، ويدعو إلى التوحيد " فقد كان صلى الله عليه وسلم يمشي في الأسواق وينادي بأعلى صوته : يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ، وكان عمّه يسير خلفه ويقول : لا تصدّقوه فإنه كذاب .
الشاهد أنه عليه السلام كان يدعو إلى كلمة لا إله إلا الله ، أي لا معبود بحق إلا الله ، وإلى ترك عبادة الأصنام ، وإفراده عز وجل بالعبادة .
قال : " والدليل قوله تعالى : { يا أيها المدثر قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر } ومعنى { قم فأنذر } : ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد " قال ابن كثير – رحمه الله - : " { قم فأنذر } : أي شمّر عن ساق العزم ، وأنذر الناس " قال : " وبهذا حصل الإرسال ، كما حصل بالأول النبوة " يعني بقوله تعالى : { اقرأ باسم ربك الذي خلق } .
قال المؤلف : " { وربك فكبر } أي عظّمه بالتوحيد ، { وثيابك فطهّر } أي : طهّر أعمالك عن الشرك " وللسلف في معنى { وثيابك فطهر } تفسيران ؛
الأول : أَمْرُ الله لنبيه أن يتطهّر ويطهّر ثيابه بالماء .
الثاني : أَمْرُ الله لنبيه ألا يرتدي ثيابه على معصية ، بمعنى ؛ طهّر نفسك من المعاصي عموماً .
قال ابن كثير : " وقد تشمل جميع ذلك مع طهارة القلب " .
قال المؤلف – رحمه الله - : " { والرجز فاهجر } الرجز : الأصنام ، وهجرها تركها ، والبراءة منها وأهلها "
" الرجز ؛ الأصنام " ؛ وقد يطلق الصنم أحيانا ويراد به الوثن ، ويطلق الوثن ويراد به الصنم ، لكن بينهما عموم وخصوص .
قال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو أحد أئمة التابعين : " الرجز : الأوثان ؛ فهي أعم من الأصنام ؛ فالوثن ما عبد من دون الله من شجر أو حجر أو غير ذلك ، وأما الصنم فما عبد من دون الله وهو على صورة إنسان أو حيوان ، وقد يراد بالصنم الوثن والعكس " .
" والبراءة منها وأهلها " أي البراءة من الأصنام ومن يعبدها .
ولا يلزم نهي الله تبارك وتعالى نبيه عن الشرك والمعاصي وعبادة الأوثان ؛ تلبسه صلى الله عليه وسلم ؛ بل هو للتحذير والتنفير من هذه الأفعال ، كما قال ربنا عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم : { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين } ؛ فإنه عليه السلام كان متقياً قبل أن تنزل عليه هذه الآية ، لكن الأمر هنا بالازدياد من التقوى .
قال المؤلف : " أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد " وهذا لعظم منزلة التوحيد وقدره العظيم ، فالواجب على الداعي أن يعطي للتوحيد وقتاً كبيرا وجهدا عظيما ، لأنه عليه السلام قد قضى عشر سنين وهو يدعو الناس لتوحيد رب العباد ؛ ولأن التوحيد هو أصل الدين وأصل العبادة .
قال : " وبعد العشر عُرِج به إلى السماء " ، وكان مايزال في مكة ، وحصل هذا الصعود في ليلة الإسراء والمعراج .
والعروج ؛ هو الصعود .
قال : " وقد فرضت عليه الصلوات الخمس " في ذلك العروج ، " وصلى في مكة ثلاث سنين ، وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة " .
قال : " والهجرة : الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام "
الهجرة لغة ؛ من الهجر وهو الترك .
وشرعا ؛ هي كما قال المؤلف – رحمه الله - : " الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام " .
قال : " والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام " .
هي فريضة على من كان في بلاد الكفر ولم يكن قادراً على إقامة دينه ؛ فيجب عليه أن يهاجر من تلك البلاد .
وموطن العبد هي البلاد التي يتمكن من إقامة دينه فيها ، فالأرض كلها لله تبارك وتعالى ، وأينما تمكّنت من إقامة دينك فهذا هو مكانك .
قال أهل العلم : من لا يقدر على إظهار الدين في دار الحرب ، وقدر على الهجرة وجب عليه أن يهاجر ، ومن قدر على إظهار الدين استحب له أن يهاجر .
وهذا ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله وغيره من أهل العلم ، ويستدلّون على ذلك بالآية التي سيذكرها المؤلف – رحمه الله .
قال : " وهي باقية إلى أن تقوم الساعة " أي الهجرة " والدليل قوله تعالى : { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا } فهذه الآية تدل على أن المرء إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة دينه ؛ فلا يكون له عذر عند الله إذا كان قادرا على الهجرة ، فتكون واجبة عليه .
أما إذا كان مستضعفا غير قادر على الهجرة فهو معذور عند الله ، فعسى أن يعفو عنه ويغفر له .
قال : " وقوله تعالى { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون } ؛ أي اعبدوني فيها ، فإن لم تتمكن من إقامة دينك في بلد ما فانتقل إلى بلد آخر .
قال المؤلف : " قال البغوي – رحمه الله - : " سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا ، ناداهم الله باسم الإيمان . والدليل على الهجرة من السنة قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها " . أخرجه أبو داود وغيره ، وهو حديث صحيح .
فهذا دليل على أن الهجرة باقية إلى قيام الساعة ، فإن الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة والتوبة لا تنقطع حتى تطلع الشمس من مغربها ، وهو الوقت الذي ينتهي فيه قبول الإيمان ، ولا تقبل فيه التوبة وتقوم الساعة بعدها .
قال -* رحمه الله - : " فلما استقر بالمدينة " أي النبي صلى الله عليه وسلم " أمر ببقية شرائع الإسلام مثل : الزكاة والصوم والحج والجهاد والأذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام " فبقيت الشرائع تنزل وتزيد وتتجدد إلى أن مات صلى الله عليه وسلم وقد أكمل دين الله سبحانه وتعالى وبلّغ الرسالة التي أمر ببلاغها وشهد له أصحابه بذلك وأشهد الله سبحانه وتعالى على شهادتهم .
قال : " أخذ على هذا عشر سنين " أي وهو في المدينة " وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه " ولكن " دينه باق " إلى قيام الساعة ؛ لأنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم .
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2012, 07:17   #10
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي المجلس العاشر وهو الأخير

المجلس العاشر وهو الأخير

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ؛ أما بعد

فهذا المجلس العاشر والأخير من شرح ثلاثة الأصول وأدلتها .
قال المؤلف – رحمه الله - : " ودينه باق . وهذا دينه ، لا خير إلا دلّ الأمة عليه ، ولا شرّ إلا حذرها منه ، والخير الذي دلّ عليه : التوحيد ، وجميع ما يحبه الله ويرضاه . والشر الذي حذر منه : الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه . بعثه الله إلى الناس كافة ، وافترض الله طاعته على جميع الثقلين : الجن والأنس ، والدليل قوله تعالى : { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } ، وأكمل الله به الدين ، والدليل قوله تعالى { اليم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } .
والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } . والناس إذا ماتوا يبعثون ، والدليل قوله تعالى : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } ، وقوله تعالى : { والله أنبتكم من الأرض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا }.
وبعد البعث محاسبون ومجزيّون بأعمالهم ، والدليل قوله تعالى : { ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ؛ ومن كذب بالبعث كفر ، والدليل قوله تعالى { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبّؤن بما عملتم وذلك على الله يسير } .
وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين ، والدليل قوله تعالى { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ، وأولهم نوح عليه السلام ، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، والدليل على أن أولهم نوح عليه السلام قوله تعالى { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } .
وكل أمة بعث الله إليها رسولا من نوح إلى محمد ؛ يأمرهم بعبادة الله وحده ، وينهاهم عن عبادة الطاغوت ، والدليل قوله تعالى : { ولقد بعثنا في كل امة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } .
وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله . قال ابن القيم – رحمه الله تعالى – الطاغوت : ما تجاوز به العبد حدّه من معبود أو متبوع ، أو مطاع ؛ والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة : إبليس لعنه الله ، ومن عُبِد وهو راض ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه ، ومن ادّعى شيئا من علم الغيب ؛ ومن حكم بغير ما أنزل الله .
والدليل قوله تعالى : { لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } وهذا معنى لا إله إلا الله .
وفي الحديث : " رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله " .
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم " .
قوله : " ودينه باق " أي دين محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء به من عند الله عز وجل باق إلى يوم القيامة ؛ لأنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم ، فأبقى الله دين الإسلام إلى قيام الساعة .
قال : " وهذا دينه " أي دين الإسلام .
قال : " لا خير إلا دل الأمة عليه ، ولا شرّ إلا حذّرها منه " فقد قال اليهود لسلمان الفارسي رضي الله عنه : لقد علمكم نبيّكم كل شيء ، قال : نعم لقد علمنا كل شيء حتى الخراءة – أي آداب قضاء الحاجة - .
وقال أبو ذر : لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يقلّب جناحيه في الهواء ؛ إلا وذكر لنا منه علماً .
وهذا الأثر مع الذي قبله ؛ يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن كلّ شيء قبل موته ، فلا نحتاج لقول أحد مع وجود كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال : " والخير الذي دلّ عليه : التوحيد ، وجميع ما يحبه الله ويرضاه " ، وكل ذلك موجود في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يخرج الخير الذي يحبه الله ويرضاه عن هذين الكتابين أبداً .
قال : " والشر الذي حذر منه : الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه . بعثه الله إلى الناس كافة " وسيأتي الدليل على ذلك ، " وافترض الله طاعته على جميع الثقلين : الجن والأنس " فقد قال الله عز وجل { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } وقال { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } .
قال : " والدليل " أي على انه عليه السلام أرسل إلى الناس كافة ؛ { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } ، وقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي .. " - قال - : " وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت للناس عامة " . متفق عليه .
إذن فالنبي صلى الله عليه وسلم مبعوث لجميع الناس ؛ وهو من خصائصه عليه السلام ؛ فقد كان يبعث الأنبياء من قبله كل نبي إلى قومه .
قال : "وأكمل الله به الدين ، والدليل قوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } فدينه تبارك وتعالى كامل لا يحتاج من أحد أن يستدرك عليه أو يكمله ؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " وقال : " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " ؛ لأنه لا يجوز لإنسان أن يستدرك على ربه عز وجل ، وأن يأتي بدين من عنده ، فدين الله كامل لا نقصان فيه ؛ وهو ما في الكتاب والسنة ، فلا نخرج عنهما .
ودين الله عز وجل شامل لمصالح العباد كلها إلى قيام الساعة ، وهو صالح لكل زمان ومكان ، وكل مشكلة قد تطرأ على الناس في هذا الزمان وغيره إنما يكون حلها وعلاجها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، منها ما نُصّ عليه في كتاب الله أو سنة رسوله ، ومنها ما يستخرج بالاستنباط من الأدلة الكلية والقواعد العامة المأخوذة منهما . فنحن أغنياء بكتاب الله وسنة رسوله عن عقول البشر وشطحاتهم . وقد جرّب الناس عقولهم ؛ فما تمكّنوا من إصلاح أمورهم إلى يومنا هذا ، والواقع أمامنا شاهد بذلك ؛ فهذه الخلافات والنزاعات والفتن كلها بسبب البعد عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتخاذهما دستوراً توضع الأحكام بناء عليهما ، لا بناء على عقول البشر .
قال : " والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } " ، فيبيّن هاهنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر من البشر يموت كما يموتون ؛ فكل البشر سيذوق الموت .
وقد شهد الصحابة رضوان الله عليهم موته صلى الله عليه وسلم وعاينوه وقرّروه ، فليس لأحد بعد ذلك أن يخرج عن هذه النصوص الواضحة الصحيحة وعن المنهج الذي كان عليه الصحابة ، فيدّعي أنه عليه السلام لم يمت ، ويستغيث به أو بغيره من المخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى .
قال : " والناس إذا ماتوا يبعثون " هذا مبحث الإيمان بالبعث بعد الموت وهو ركن من أركان الإيمان .
قال : " والدليل قوله تعالى : { منها خلقناكم } ، أي من الأرض ، { وفيها نعيدكم } أي إلى الأرض ، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بالبعث يوم القيامة .
قال : " وقوله تعالى : { والله أنبتكم من الأرض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا }" . وهي بمعنى الآية التي قبلها .
قال : " وبعد البعث محاسبون ومجزيّون بأعمالهم ، والدليل قوله تعالى : { ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } " فكل يجازى بما عمل ؛ فيجب الحرص على عمل الخير والبر ليكون الجزاء خيرا .
والناس في المحاسبة ثلاثة أقسام ؛
فمنهم من لا يحاسب ؛ وهؤلاء الذين ذكروا في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب .
ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا ولا يناقش الحساب ؛ وهؤلاء هم الناجون من العذاب .
ومنهم من يحاسب ويناقش الحساب .
وأما الكفار فقد اختلف أهل العلم ؛ هل يحاسبون أم يصرفون إلى جهنم مباشرة .
قال : " ومن كذب بالبعث كفر ، والدليل قوله تعالى { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبّؤن بما عملتم وذلك على الله يسير }" ، فإن البعث ركن من أركان الإيمان من أنكره فقد كفر .
قال : " وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين ، والدليل قوله تعالى { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ، و الإيمان بالرسل هو أحد أركان الإيمان فقد أرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين بالجنة والنعيم لمن أطاعهم وآمن ، ومنذرين بالنار والعذاب لمن عصاهم وكفر ؛ وبهذا تكون قد قامت الحجة على الناس .
قال : " وأولهم نوح عليه السلام " والناس من آدم إلى نوح كانوا على التوحيد ، إلى أن صوّر قوم نوح صور الصالحين ثم مرّ عليهم الزمن ووسوس لهم الشيطان فعبدوهم ، فأرسل الله نوحاً مبشراً ومنذراً .
قال : " وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، والدليل على أن أولهم نوح عليه السلام قوله تعالى { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } " ، فكان نوح عليه السلام أول الرسل ، ويؤكد ذلك حديث الشفاعة ؛ أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له : أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض .
وأما قوله " وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم " ففد قال الله عز وجل : { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } . وقال عليه الصلاة والسلام : " وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي " .
والرسل كثر ؛ منهم من سمى الله في كتابه ومنهم من لم يسمّ .
قال : " وكل أمة بعث الله إليها رسولا من نوح إلى محمد ، يأمرهم بعبادة الله وحده ، وينهاهم عن عبادة الطاغوت ، والدليل قوله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } " والدليل ما ذكره ، وكذلك قوله عز وجل : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } .
وكل رسول بعثه الله كان يأمره بدعوة الناس إلى إفراد الله تعالى بالعبادة ، والكفر بعبادة من سواه ؛ وهي دعوة جميع الرسل ، فقال الله { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } فالتوحيد أصل دعوة الرسل .
قال : " وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله " ولا يصح إيمان عبد إلا بهذين الشطرين ؛ الإيمان بالله ، والثاني الكفر بالطاغوت ، وهو معنى " لا إله إلا الله "
قال : " قال ابن القيم – رحمه الله تعالى – الطاغوت : ما تجاوز به العبد حدّه من معبود أو متبوع ، أو مطاع " ؛
أصل كلمة الطاغوت من الطغيان وهو مجاوزة الحدّ .
وفي الشرع ؛ هو ما عرّفه المؤلف – رحمه الله – لكنه لا يسمّى طاغوتاً إلا إذا كان راضيا بما ذكر ، أما إذا كان كعيسى عليه السلام وعلي رضي الله عنه وغيرهم من الصالحين ؛ فلا يسمّى طاغوتا ؛ لعدم رضاهم بعبادة من عبدهم .
فما تجاوز به العباد الحدّ ؛ فعبدوه أو اتبعوه في تحريم الحلال أو تحليل الحرام ؛ فهو طاغوت .
قال : " والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة : إبليس لعنه الله ، ومن عُبِد وهو راض " أي وهو راض بتلك العبادة ، ولم ينههم عنها ولم ينكرها مع قدرته على ذلك .
قال : " ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه " سواء أجابوه لدعوته أو لم يجيبوه ؛ فهو طاغوت .
قال : " ومن ادّعى شيئا من علم الغيب " والغيب ما غاب عنك ؛ وهو قسمان :
غيب نسبي ؛ وهو أن يغيب على البعض ويظهر للآخرين .
وغيب حقيقي ؛ وهو ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ؛ وهذا القسم دعوى العلم به كفر ؛ لأن من ادعى علم الغيب مكذب لقوله تعالى : { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله } . وقد قال عليه السلام – وهو نبي الله – أنه لا يعلم الغيب ؛ فغيره من باب أولى . فعلم الغيب من خصائص الله تبارك وتعالى .
قال : " ومن حكم بغير ما أنزل الله " ، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في آخر هذا الكتاب .
قال – رحمه الله – : " والدليل " أي على وجوب الحكم بما أنزل الله والكفر بالطاغوت ؛ " قوله تعالى : { لا إكراه في الدين } " أي لا يُكْرَه أحد على الدخول في الدين فالحق بين واضح " { قد تبيّن الرشد من الغيّ } " أي قد تميّز الإيمان من الكفر بوضوح لا يخفى على أحد " { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي استمسك بالإسلام الحق ؛ " وهذا معنى لا إله إلا الله " .
قال : " وفي الحديث : " رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله " ؛ وهو حديث ضعيف ؛ ومن شاء أن يراجع ضعفه ؛ ففي " جامع العلوم والحكم " لابن رجب
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
مسألة الحكم بغير ما أنزل الله
الحكم بما أنزل الله من توحيد الربوبية ؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبية الله تبارك وتعالى وملكه وتصرّفه . وهو من أعظم الواجبات ولا سبيل إلى استقامة العباد على طاعة الله وتوحيده إلا بالحكم بما أنزل الله عز وجل .
وأما الحاكم إذا حكم بغير ما أنزل الله ؛ فنقول فيه كما قال أهل السنة والجماعة ؛
إذا حكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن الحكم بما أنزل الله لا ينفع أو أن الحكم بغيره أفضل ، أو أنه لا يصلح في هذا الزمن وهو للزمن الأول فقط ، أو أنه يعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله ؛ فهذا يعد كفراً مخرجاً من ملّة الإسلام .
أما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن الحكم بما أنزل الله أفضل وهو الصحيح والحكم بغيره غير جائز ، وأن حكم الله صحيح قائم في كل زمان ؛ فهذا يقال فيه أن كفره كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق كما قال ابن عباس رضي الله عنه ، وكذا مجاهد وطاووس وغيرهم من أئمة السلف .
إذن ففي المسألة تفصيل بالنسبة للحاكم بغير ما أنزل الله ؛ وهو دائر ما بين الكفر الأصغر والكفر الأكبر ؛ فإن كان يعتقد بأن الحكم بغير ما أنزل الله أفضل أو أنه حكم جائز ؛ فكفر مخرج من الملّة ، وإن كان يعتقد أن الحكم بما أنزل الله هو الأفضل والأحسن ولا يجوز الحكم بخلافه ؛ فكفره كفر أصغر لا يخرج به من الملة .
والأدلة على ما ذكرنا في كتاب الله كثيرة ؛ منها قوله عز وجل : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } و { من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } و { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلّموا تسليما} والأدلة في الكتاب والسنة كثيرة على وجوب الحكم بما أنزل الله وشرع .
أما التفريق بين الحكم بغير ما أنزل الله في مسألة معينة والحكم بغير ما أنزل الله في التشريع العام ؛ فقول خطأ - مع تبني بعض أهل العلم له – لأنه تكفير باللازم .
ومعنى التشريع العام ؛ أن يضع الحاكم قانوناً ويلزم الناس به ويجعله تشريعا عاماً لهم .
فيقولون يلزم من ذلك أنه راض بهذا القانون ويعتقده أفضل من حكم الله .
لكن هذا اللازم ليس بلازم ؛ فقد صرّح بعض الذين يريدون غير حكم الله بخلاف هذا ؛ فقال فيما يدّعيه : نحن لو حكّمنا شرع الله ما استطعنا أن نعترض عليه ولا أن نخالفه ، لكن إذا وضعنا قانونا من عندنا استطعنا أن نتلاعب فيه كما نشاء .
فهذا من اتباع الهوى وليس من باب تفضيله حكمه على حكم الله سبحانه وتعالى .
فإذن هناك أسباب أخرى غير تفضيل حكمهم على حكم الله سبحانه ، تدفعه هذه الأسباب إلى الحكم بغير ما أنزل الله .
ونحن لا ندافع عن الذين ظلموا أنفسهم ونحذرهم من هذا الفعل الذي مآل صاحبه إلى الهاوية والهلاك عياذا بالله ، وكفاه شرّا أنه دائر بين أحد الكفرين إما الأكبر أو الأصغر .
لكن ما يجعلنا نركّز على مثل هذه المسائل ؛ هو أن أهل الأهواء اتخذوها ذريعة إلى الخروج على الحكام وسفك دماء المسلمين وإلى الإفساد في الأرض بحجة الجهاد ؛ وحقيقة كان عملهم فسادا وليس جهاداً ؛ فقد أفسدوا في الأرض فسدا عريضا بحجة تكفير الحكام ، وبناء عليه كفروا الوزراء والجيش والأمن ، ثم استباحوا الدماء والأموال والأعراض نسأل الله العافية والسلامة من بلائهم.
واحتج هؤلاء بقول الله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } وكذلك بقوله تعالى { إن الحكم إلا لله } ، وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " كلمة حق أريد بها باطل " فقد أرادوا من وراء ذلك استباحة دماء وأموال هؤلاء القوم الذين ظلموا أنفسهم .
وقد قال الحافظ ابن عبد البر – رحمه الله – في كتابه " التمهيد " في آية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } : " ليست على ظاهرها ، والخوارج يستدلّون بآيات ليست على ظاهرها " ؛ وذكر منها هذه الآية .
وكذلك قال الآجري في " الشريعة " : " ومما يتّبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } " .
و الحرورية هم الخوارج .
وهذه الآية هي متعلَّق الخوارج من قديم الزمان لسفك دماء المسلمين واستباحة أموالهم وأعراضهم ، نسأل الله العافية والسلامة .
فالواجب على المسلم أن يتقي الله سبحانه وتعالى ويبتعد عن التكفير بقدر ما يستطيع حتى يأتيه أمر واضح من الكتاب والسنة وفهم سلف هذه الأمة ، ولو رجعنا إلى سلف هذه الأمة لوجدنا أنهم يفسرونها على المعنى الذي ذكرناه ، وأهل السنة والجماعة متفقون على التفسير الذي ذكر فيه التفصيل ، فيجب الوقوف عند هذا التفسير - وهو تفسير السلف – كي لا نخرج عن الطريق المستقيم .
وكما ذكرنا فإنهم اتخذوا مسألة التشريع العام ذريعة للتكفير ، ولو سلّمنا معهم بأن الحاكم بالتشريع العام يلزمه ما ذكروه من لازم ، وأنه كافر بهذا اللازم ؛ فإن هذا التكفير تكفير اجتهادي وليس تكفيرا نصيا أو كفراً بواحاً كما قال صلى الله عليه وسلم ؛ فلا يجوز الخروج على الحاكم به . ومع هذا فإنهم لا يقدّرون مصالحا ولا مفاسدا ولا يعتبرون القدرة ، ولا شيئا من الأمور التي اعتبرها علماء الإسلام في مسألة الجهاد ، وتفاصيل موضوع الجهاد موجودة في كتب الفقه ، وإن يسر الله الوصول إليها فصلنا القول فيه ، والله أعلم .

آخر تعديل بواسطة أم صهيب السلفية الجزائرية ، 07-06-2017 الساعة 13:07
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 14:38.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
بواسطة الانجاز التاريخي