عرض مشاركة واحدة
قديم 19-03-2018, 14:41   #16
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي التعليق على السؤال السادس عشر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد ...
فمعنا اليوم السؤال السادس عشر من أسئلة الأجوبة المفيدة التي أجاب عنها فضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله.
قال السائل : جماعات الدعوة كثرت الآن ، والدعاة إلى الله كثروا ، ولكن الاستجابة قليلة ؛ فما السر في ذلك ؟
فأجاب الشيخ جزاه الله خيرا : نحن لانشجع على كثرة الجماعات في الدعوة وغيرها ؛ نحن نريد جماعة واحدة صادقة تدعو إلى الله على بصيرة .
اما كثرة الجماعات وكثرة المناهج ؛ فهذا مما يسبب الفشل والنزاع، والله عز وجل يقول : {ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} وقال تعالى : { ولا تكونوا جالسين تفرقوا واختلفوا } وقال جل ذكره :{ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } ، نريد جماعة واحدة تكون على المنهج الصحيح والدعوة الصحيحة ... إلى آخر كلامه جزاه الله خيرا.
نحن سبق وتحدثنا عن موضوع تعدد الجماعات ؛ بل هو أحد أسباب عزوف كثير من الناس عن اتباع الحق ، وهو صاد لهم عن ذلك ، وسبب لتفرق هذه الأمة وتشتيتها ولضعفها الذي هي فيه الآن .
هذا بالنسبة للجماعات ، وقد تقدم الكلام عن هذا الأمر.
بالنسبة للداعية ؛ لماذا كثير من الناس لم يستجيبوا للدعوة ؟
الآن عندنا أمران:
الأمر الأول يتعلق بالداعية .
والأمر الثاني لا يتعلق به ؛ هو بيد الله سبحانه و تعالى.
فاستجابة الناس للدعوة تتوقف على هذين الأمرين.
الأمر الأساسي هو هداية الله سبحانه وتعالى لهم ؛ فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، فالهداية ليست بأيدينا وليست من عملنا ؛ هداية التوفيق أن يوفق الله سبحانه و تعالى عبده لاتباع الحق ؛ هذا بيد الله ليس بيد الداعية .
الداعية وظيفته كما قال الله سبحانه و تعالى في كتابه الكريم:{ إن عليك إلا البلاغ } فوظيفة الداعية البلاغ ؛ تبليغ الرسالة، دعوة الناس إلى الحق فقط .
طيب قبولهم هذا الحق واتباعهم له ؛ هذا بيد الله سبحانه وتعالى، لا علاقة لك به ؛ أنت سبب ، جعلك الله سببا فقط .
طيب الآن هذا السبب كي يكون مؤثرا ، كيف يكون نافعا ؟
نأتي الآن إلى وظيفة الداعية:
الداعية هذا كي يكون ناجحا، ويقبل الناس على دعوته الذين أراد الله لهم الهداية، فيكون هو سببا لذلك؟
هناك أمور أوجبها الله سبحانه وتعالى عليه حتى تكون دعوته نافعة ؛
أولا: العلم ؛ ففاقد الشيء لايعطيه ؛كي يدعو الناس بعلم .
ثانيا : الأسلوب ؛ طريقة دعوة الناس.
وهذان الأمران قد تحدثنا عنهما في الأسئلة السابقة.
الأمر الثالث - وهو الأهم - : الإخلاص ؛ إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى.
الداعية إذا كان مخلصا ؛ أثرت كلمته في الناس ، وسمعها الناس وقبلوها، بغض النظر اهتدوا أم لا ، لكنها تكون مسموعة ولها تأثير في النفوس ، وأنتم تشعرون بهذا ؛ عندما تأتيك كلمة واحدة جملة واحدة تأتيك من عالم لا يكون لها ذلك الأثر الذي يكون عندما تسمعها من عالم آخر .
إخلاص هذا العالم في دعوته ؛ يجعل الله سبحانه وتعالى في كلمته تأثيرا في النفوس ، هذا لا شك له أثر وله دور .
انظروا إلى البركة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في دعوة الأئمة الأربعة ؛ ابن باز وابن عثيمين والشيخ الألباني والشيخ مقبل الوادعي ؛ هؤلاء المشايخ الأربعة هم مجددوا الدين في هذا العصر ، انظروا البركة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في دعوتهم؛ قد عمت الأرض بالكامل ، وهدى الله سبحانه وتعالى من شاء ، لكن دعوة السنة انتشرت انتشارا عظيما وأقيمت الحجة على العباد ، وقبل دعوتهم الكثير من الناس، وتجد لكلمتهم أثرا في النفوس أكثر من غيرهم من كثير من الناس.
الإخلاص له دور كبير في أثر دعوتك .
وهذا الأمر هو مزلة الأقدام اليوم ، تجد الدعاة كثير حتى من الذين يزعمون أنهم على السنة وعلى منهج السلف الصالح، لكن تجد بينهم نزاعات على الرياسة وعلى الصدارة وتجميع الشباب وتكتيلهم حولهم ، موجود هذا ، موجود في ساحتكم الآن بينكم ، هذا النزاع على الرياسة وتجميع أكبر قدر ممكن من الشباب حوله ؛ يؤدي إلى التنازع مع إخوانه من المشايخ ؛ لأن كل واحد يريد أن يخطف الشباب إلى جهته؛ فتنتج النزاعات والاختلافات والثقافات والتفرق في أبناء المنهج الواحد ، هذا واقع نراه ونشاهده ، هذا من عنده علم يعرف سبب التنازع بين زيد وعمرو ما هو ، وهذا أحيانا يؤدي إلى الحسد أيضا ؛ يحسد أخاه عندما يجد حوله كثيرا من الشباب وهو في نفسه يريد هذه الرياسة وهذه الصدارة ؛ فيحصل منه حسد للطرف الآخر ، والحسد يولد مفاسد عظيمة ؛ منها الكذب ، هذه أعظم مفسدة يؤدي إليها الحسد ، لابد الحاسد لابد أن يكذب من أجل أن يشفي ما في صدره على المحسود ، فيكذب ويلفق له الأكاذيب ويذهب يبحث ويفتش بزعمه أنه يبحث من أجل أن يحمي الشريعة ؛ لكن هو في الحقيقة حاسد ويريد أن يسقط المحروم من أجل أن يأخذ مكانه ؛ هذا هو الحاسد وهذا عمله .
هذا الداء موجود اليوم وبكثرة للأسف ؛ لذلك ركزنا عليه ، وهو مخل بالإخلاص .
طيب لو قلت لي كيف سأكون مخلصا في دعوتي ؟
فنحن نعلم ما عندنا إشكال ولانحتاج إلى سرد الكثير من الأدلة على وجوب الإخلاص في كل عبادة نتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى فالحمد لله ما منكم إلا ومن درس حتى على الأقل الثلاثة الأصول وعلم هذا الأساس { ألا لله الدين الخالص} ، { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ؛ فالعمل كله يجب أن يكون خالصا لله سبحانه وتعالى يعني العبادات .
طيب ؛ كيف أكون مخلصا في دعوتي حتى ينفع الله سبحانه وتعالى بها ؟
ضع في بالك ثلاثة أدلة احفظها واستحضرها دائما لتستحضر معناها؛ كي توطن نفسك ، قلبك عليها :
الدليل الأول :{ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } { أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ، أمر الله سبحانه وتعالى بالدعوة إلى الله إذن أنا أدعو إلى الله استجابة لأمر الله ؛ هذا الأمر الأول .
إذا حققت هذا المعنى في قلبك ولم يكن لك مقصود دنيوي في دعوتك ، لا تريد جمع المال من الناس ، لا تريد الرياسة والصدارة ؛ أعظم دائين على طلبة العلم في مقاصدهم ؛ وإنما تريد طاعة الله في ذلك ، لأن الله أمر بالدعوة فأنا أدعو إلى الله سبحانه وتعالى إلى سبيله؛ إلى الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح لا أدعو إلى نفسي ، لا يهمني أن يجتمع الشباب حولي ويتكتلوا عندي ، لا ؛ يأتون يذهبون لا يهم ؛ المهم في الموضوع أن ينتفعوا بكلامي حتى يكون لي الأجر بهذا، وأكون سببا في هدايتهم ، لا أغضب عندما أجد أحد طلبتي ذهب إلى عالم آخر من علماء السنة يستفيد منه ، حتى لو ترك درسي وذهب إلى درسه ، ما عندي مشكلة ، لماذا ؟ لأني أنا أريد لهم الهداية وهي إن شاء الله متحققة عندي أو عند ذاك عالم السنة الآخر ، هذه معاني تجدها في نفسك كداء ، عالج نفسك أولا بأول ، وصراعك مع نيتك يبقى دائما إلى أن تموت ، يقول سفيان الثوري : ما عالجت شيئا أشد علي من الإخلاص ، الإخلاص صعب وليس سهلا ، لكن تحتاج دائما أن تكون في جهاد واستغفار وتوبة وتصحيح نية دائما ؛ طالما أنت تعمل .
الدليل الثاني: هو قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: " لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " .
حمر النعم هي الإبل الحمراء ، كانت أنفس أموال العرب .
يعني هداية رجل واحد خير لك من نعيم الدنيا ، من أموال الدنيا ؛ لأن هذا الذي ينفعك عند الله سبحانه وتعالى، فأنت تحرص على هداية الناس من أجل أن يكون لك هذا الأجر عند الله سبحانه وتعالى .
والدليل الثالث : قول النبي صلى الله عليه وسلم:" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة " .
السنة الحسنة هي التي كان يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أمينا بين الناس ، أو وجد شخص لا يعلمها وأنت علمته، وعلمته السنة هذه ؛ يكون لك هذا الأجر العظيم .
فإذا علمها لغيره ؛ كلما استفاد الناس من هذا التعليم كلما كان لك أجر .
هذه المعاني هي التي تحرص عليها في دعوتك ، وتعالج نيتك ليل نهار عليها ، وتجرد قلبك تماما من منافع دنيوية مالية رياسية ، جرد نفسك نظف قلبك من هذا المعنى في دعوتك إلى الله ، ستنظر بعد ذلك ؛ إذا أراد الله سبحانه وتعالى هداية الخلق على يديك هداهم ، لا يلزم حتى وإن كنت مخلصا وكنت على علم وكان أسلوبك حسنا كما أمرت وحققت كل شيء في الداعية الصحيح ؛ لا يلزم بعد ذلك أن تحصل الغاية وهي الهداية ؛ لأن الهداية بيد الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء .
من أين قلت هذا ؟ قلته من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " يأتي النبي ومعه الرجل ، ويأتي النبي ومعه الرجلان ، ويأتي النبي وليس معه أحد " ، الرجل والرجلان ولا أحد، قد تحققت في الأنبياء جميع صفات الداعية الناجح ، الداعية بحق ؛ لأن الله سبحانه و تعالى اصطفاهم وعلمهم ووجههم ؛ ومع ذلك يأتي النبي ومعه الرجل والرجلان .
إذن لأن الله سبحانه وتعالى لم يرد بأولئك القوم هداية وتوفيقا ؛ وإنما أقام عليهم الحجة بهذا النبي .
إذن فحقق أنت واجبك بإخلاص العمل لله هذا أولا.
ثانيا الدعوة بعلم .
ثالثا الحكمة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ؛ إذا حققت هذا كله فقد عملت بما أوجب الله عليك ، وعليك بالدعاء كي ينفع الله سبحانه وتعالى بك وكي يعود هذا النفع عليك .
نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد والله أعلم
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس