عرض مشاركة واحدة
قديم 19-03-2018, 14:34   #9
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي التعليق على السؤال التاسع

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد ..
فمعنا اليوم السؤال التاسع من أسئلة الأجوبة المفيدة التي أجاب عنها فضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله.
في هذا السؤال يسأل السائل عن التحذير من الفرق المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة وهل في ذلك بأس أم لا ، فأجابه الشيخ جزاه الله خيرا بأننا نحذر عموما من جميع من يخالف الكتاب والسنة في جواب مذكور عندكم في الكتاب .
تقدم معنا بارك الله فيكم معرفة من هم أهل البدع وما هو شرهم على دين الله وعلى أهل الإسلام ، وعرفنا أيضا فيما مضى وجوب بغض أهل البدع وتركهم وهجرهم .
اليوم معنا مسألة وجوب التحذير من أهل البدع .
بداية ؛ أصل هذا الحكم الشرعي - وهو وجوب التحذير من أهل البدع - هو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه من القرآن فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" هذا تحذير من النبي صلى الله عليه وسلم من أهل البدع .
وقال أيضا عليه الصلاة والسلام : " دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها " قالوا : صفهم لنا يا رسول الله ؟ قال : هم من ابناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا " فذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم للتحذير منهم .
ثم الأصرح من هذا كله وفيه التحذير من الأشخاص المعينين ؛ حديث الخوارج الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم في الشخص المعين ؛ قال : " يخرج من ضئضيء هذا أقوام يحقر احدكم صلاته إلى صلاته ... إلى آخر الحديث الذي تقدم ذكره ، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الشخص وحذر من الذين يأتون من بعده على طريقته .
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن فاطمة بنت قيس جاءت وقالت له خطبني معاوية وأبو جهم ، فقال لها عليه الصلاة والسلام : " اما معاوية فصعلوك لا مال له " فسر معنى الصعلوك بأنه فقير ماعنده مال ، قال : " وأما أبو جهم فضراب للنساء ، ولكن انكحي أسامة " فهنا النبي صلى الله عليه وسلم بين لها ما تحذره المرأة عند الزواج ، وأيهما أولى في التحذير ؛ التحذير من رجل ما عنده مال أو يكثر ضرب النساء والتحذير لمصلحة امرأة أم التحذير لمصلحة دين الله والتحذير من بدعة تفسد الدين على المسلمين وتفسد دين الله ؟أيهما أولى ؟!
هذه الأدلة الشرعية التي تدل على وجوب التحذير من السنة .
أما الإجماع ؛ فقد قال ابن تيمية رحمه الله : فإن بيان حال أهل البدع والتحذير منهم واجب باتفاق المسلمين .
الله أكبر ؛ إجماع ، ما يأتيك أحد من المميعة ويلبس عليك أو من غيرهم من أهل البدع والضلال ويقول لك هذه غيبة ، ما يلبسون عليكم ، سيأتي إن شاء الله الرد على هذه الشبهة .
لكن قبل ذلك ينبغي أن نعلم أن هذا الاتفاق الذي نقله ابن تيمية رحمه الله توجد آثار كثيرة في كتب السلف رضي الله عنهم عن السلف رضي الله عنهم في التحذير من أهل البدع ، من ذلك أن سعيد بن جبير -احد طلبة ابن عباس -رأى أيوب السختياني جالسا مع طلق بن حبيب ، وطلق هذا كان مرجئا من أهل البدع ، فقال سعيد لأيوب : إني رأيتك جالسا مع طلق ؟ قال : نعم ، قال : لا تجالس طلقا فإنه مرجئ.
انظر بارك الله فيك تحذير مع ذكر الدليل ؛ أن الرجل مرجئ؛ لذلك لا تجالسه .
وجاء عن الحسن البصري وأيوب السختياني وسليمان التيمي ويونس بن عبيد وغيرهم من السلف أنهم حذروا من عمرو بن عبيد وهو معتزلي .
وحذر طاووس بن كيسان من معبد الجهني .
وحذر الإمام الشافعي من حفص الفرد .
وحذر الإمام أحمد من الكرابيسي ومن ابن أبي دؤاد .
وغيرهم كثير من السلف رضي الله عنهم وآثارهم كثيرة .
وأعلى الآثار في ذلك عن السلف ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حادثة صبيغ بن عسل وهو أحد رؤوس قومه وساداتهم ، لكنه كان يكثر من السؤال عن المتشابه من القرآن ، فبلغ عمر رضي الله عنه ذلك فأمسكه وضربه وقال له لو وجدتك محلوقا لضربت عنقك ، لقتله ؛ لأن الحلق هذا ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أنها علامة الخوارج في ذاك الزمن ، في أول خروجهم ، والخوارج قد أمر الله بقتلهم ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من الله بقتلهم ، يقتلهم ولاة الأمر طبعا ، ولكنه ضربه وأدبه وأمر بهجره ، فانصرف الناس عنه حتى تأدب ، وحذر من مجالسته ؛ لأنه بارك الله فيكم البدعة داء ، مرض معد ، انظر أنت كيف تفر من صاحب المرض المعدي خشية أن يعديك ؛كذلك صاحب البدعة ؛ بل هو أشد وأنكى ؛ إذا جالسته ستنتقل هذه البدعة إليك فتفسد معه وتضيع دينك ودنياك ؛ لذلك كان السلف يشددون على هذا الأمر ويحذرون منهم .
هذه بعض الآثار التي تدل على التحذير من أهل البدع وهي كثيرة كما ذكرنا لكم ، من أرادها يتتبع تراجم رؤوس هؤلاء الضلال من أهل البدع وينظر كلام السلف فيهم .
أما الشبهة التي يذكرونها من أن هذا من الغيبة ، فهذا كذب ، صحيح أن الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره ؛ لكن هناك استثناءات في الشرع لهذا ، ويجمع ذلك أن تذكره بما يكره لمصلحة شرعية معتبرة ؛ لذلك نقلوا الاتفاق على جواز ذكره بما يكره عند النصيحة في النكاح ، جاءك شخص وقال لك جاءني زيد من الناس وطلب يد ابنتي ما رأيك فيه ؟ يجب عليك عندها أن تبين فيه ما تعلم عنه ولا تخفي عنه شيئا ؛ لأن هذا نصيحة والدين النصيحة ، والنصيحة واجبة ، وإذا اخفيت عنه شيئا فأنت غاش له ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من غشنا فليس منا " ، هذه نصيحة والنصيحة واجبة فليست هذه من الغيبة ، وإن كانت هي من ذكرك له بما يكره ، لكنها مستثناة مخصوصة بالجواز بالنصوص الشرعية ؛ حديث فاطمة بنت قيس واضح .
والأحاديث التي ذكرناها واضحة في وجوب ذكر أهل البدع بما فيهم حتى وإن كانوا يكرهون ذلك فالدين النصيحة .
جاء رجل إلى الإمام أحمد ، قال له أبو تراب النخشبي وسمع الإمام أحمد يتكلم في الرجال ويقدح فيهم ، فقال للإمام أحمد: لا تغتب الناس يا شيخ ، فقال : ويحك اسكت هذه ليست غيبة ، قال : إذا سكت أنا وسكت غيري متى يعرف الناس الصحيح من السقيم؟
إذن هذا من النصيحة وليس من الغيبة .
قال أهل العلم :
القدح ليس بغيبة في ستة
متظلم ومعرف ومخذر
ومجاهر فسقا ومستفت ومن
طلب الإعانة في إزالة منكر
هذه ستة ذكرها أهل العلم ، يجمعها ما ذكرنا سابقا ؛كل ما فيه مصلحة شرعية معتبرة جازت الغيبة فيه إن سميت غيبة .
هذا ما يتعلق بالتحذير من أهل البدع ، ونكون بذلك علمنا وجوب التحذير من أهل البدع وهو من النصيحة ، وإذا سكتت الأمة جميعا عن أهل البدعلم يحذروا منهم فهم آثمون ، إن ظهر شخص مبتدع يدعو إلى بدعته ويفسد في دين الله والمسلمون جميعا ساكتون لايبينون حاله ؛فهم آثمون ، فإن قام واحد وبين حاله بالأدلة وأظهر أمره للناس ونصح ؛ فقد أسقط الواجب عن الأمة ، فهذا العمل واجب كفائي ، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين ، سقط الوجوب عن الباقين .
هذا حكم التحذير من أهل البدع ، فهو من النصيحة للإسلام والمسلمين .
لكن انتبهوا بارك الله فيكم ، هذه المسألة ترجع إلى النية ؛ فإن كانت نيتك وقصدك فعلا التحذير من أهل البدع نصحا لله ولكتابه وللمسلمين ؛ فأنت قائم على باب من أبواب الجهاد عظيمة وفارس مغوار تخوض المعارك نصرة لدين الله .
أما إذا كان قصدك من ذلك التشفي أو حب الرياسة والصدارة أو الحسد الذي دب في قلبك من فلان أو أي معنى من المعاني الشخصية ؛ فهنا قد ارتكبت إثما عظيما ودخلت في مفازة من مفاوز الضلال ، كما قال ابن دقيق العيد ، قال : أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها العلماء والحكام .
فالأمر خطير بارك الله فيكم لا تتساهلوا في الطعن في الأعراض حتى تتأكدوا من أن زيدا من الناس قد قال أو فعل بدعة ، تتأكد من أنها بدعة أولا ، ثم تتأكد من أنه قالها أو فعلها بالفعل ولم يكذب عليه ، ولم يكن الناقل مخطئا أو واهما ؛ عندها تتكلم بما تدين الله به .
والكلام عن البدع له طريقتان .
أو نكتفي بهذا نذكره إن شاء الله في مناسبة أخرى كي لا نطيل والحمد لله رب العالمين .
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس