عرض مشاركة واحدة
قديم 09-10-2013, 21:28   #23
أبو عبد الله علي بداني
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 216
افتراضي

تفريغ الدرس الواحد والعشرون من شرح كتاب لبّ الأصول

الحمد لله وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:
فمازلنا في ذكر معاني الحروف، وذكرنا أنّ هذه الدروس من أهم دروس أصول الفقه، ومعاني الحروف هذه يحتاجها الفقيه كما يحتاجها المفسر كما يحتاجها المحدّث، فهي تُعينك على فهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصلنا عند حرف الباء.
قال المؤلف رحمه الله: "والباء للإلصاق حقيقة ومجازاً وللتعدية وللسببية وللمصاحبة وللظرفية وللبدلية وللمقابلة وللمجاوزة وللاستعلاء وللقَسَم وللغاية وللتوكيد وكذا للتبعيض في الأصحّ".
هذه كلّها معاني الباء لأنّه يأتي كثيراً في الكلام العربي، فيُستعمل على المعاني المذكورة.
أول معنى من معانيها: الإلصاق: وهو أصل معنى الباء كقولهم: أمسكت الحبل بيدي، أي ألصقت الحبل بيدي فصارت ملاصقة بين يدي وبين الحبل، هذا معنى الإلصاق، وقولهم: فلان به داء، أي أنّ الداء التصق به، هذا إلصاق حقيقي، وهناك إلصاق يسمونه إلصاقاً مجازياً كقولهم مثلاً: مررت بزيدٍ، المرور هنا لم يُلصق بزيد وإنّما الإلصاق حصل بمكان يقرب منه، الآن التماس الذي حصل بينك وبين زيد، بينك وبين المكان الذي هو قريب من زيد؟ بينك وبين المكان الذي هو قريب من زيد، فإذن ما فيه التصاق حقيقي بينك وبين زيد، لذلك سمّوا هذا الصاقاً مجازياً، من باب الجواز، تجوزوا في هذا الأمر، لذلك قال المؤلف: "للإلصاق حقيقة ومجازاً"، فالباء تأتي للإلصاق سواء كان إلصاقاً حقيقياً أو إلصاقاً على سبيل التجوز، نسميه كذلك، هذا المعنى الأول وقلنا هو أصل معاني الباء.
ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﭝ ﭞ، هذه مسألة فقهية، هل الباء هذه باء الالصاق أم باء التبعيض؟ وسيأتي في آخر كلام المؤلف، ماذا قال؟ وكذا للتبعيض في الأصحّ، أي أنّ الباء تأتي أيضاً للتبعيض، فإذا قلنا الباء التي في الآية للتبعيض فنكتفي بمسح بعض الرأس، وإذا قلنا بأنّها للإلصاق فلابد من مسح الرأس بالكامل، طيب، فيه احتمال أن تكون للإلصاق وللتبعيض، إذا سلّمنا مع المؤلف أنّ الباء تأتي للتبعيض نقول: نعم فيه احتمال، لكن المسألة في حدّ ذاتها مختَلف فيها، هل تأتي الباء للتبعيض أم لا؟ والمعنى المتفق عليه أن تأتي للإلصاق، ونُرجِّح الالصاق بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا نريد أن نستطرد الآن، المسألة محلها كتب الفقه، طيب، هذا بالنسبة لمعنى الالصاق.
المعنى الثاني: التعدية: وتسمى بالنقل، وهي القائمة مقام الهمزة في تصيير الفاعل مفعولاً، كقوله تبارك وتعالى: ﭚ ﭛ ﭜ، أي أذهب الله نورهم، فعملت الباء عمل الهمزة، أصل الكلام: ذهب نورهم، دخلت الهمزة فصار النور بدل أن يكون فعلاً مفعولا به، والباء تعمل عمل الهمزة في التعدية، تعدي الفعل إلى مفعول به.
المعنى الثالث: الاستعانة، وهذه ضابطها أن تدخل على آلة الفعل، الآن يحيى ماذا يفعل؟ يحيى يقول لنا أنا كتبت بالقلم، وهو قاعد يكتب بالقلم، كتبت بالقلم، الباء هذه دخلت على آلة الكتابة، الكتابة تمت بماذا؟ تمت الكتابة بالقلم، فالقلم هو آلة الكتابة، والباء دخلت على آلة الكتابة، هذه الباء تسمى باء الاستعانة، أي استعنت بالقلم في الكتابة، قتل زيد عمرو بالعصا، الباء هذه باب الاستعانة، دخلت على آلة الفعل العصا، هذا هو ضابطها، طيب، هذه نحن ذكرناها هنا لأن المؤلف لم يذكرها أصلاً أدخلها في باء السببية.
المعنى الرابع: السببية، مثالها كقول الله تبارك وتعالى: ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ، هذه الباء باء السببية، أي ادخلوا الجنة بسبب أعمالكم، فأعمالكم سبب في دخول الجنة، وهذه الباء ينفيها بعض اللذين يُنكرون الأسباب، وهذه الباء التي هي باء السببية تختلف عن باء العوض التي سمّاها المؤلف بباء المقابلة، وتسمى بباء الثمنية، كلّها أسماء لباء واحدة (باء المقابلة، باء العوض، باء الثمنية)، واحدة، تلك الباء تختلف عن هذه الباء، تلك الباء التي جاءت في النبي صلى الله عليه وسلم: "لن ينجو أحد منكم بعمله"، طيب كيف؟ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ثم "لن ينجوا أحد منكم بعمله"، الباء هنا كغير الباء هذه، تلك الباء هي باء السببية ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ، أمّا الباء الثانية هذه باء العوض، باء الثمنية، أي أنتم لا تدخلون الجنة في مقابل أعمالكم، فلن تدفعوا ثمن الجنة كي تدخلوها، وإنّما بفضل الله دخلتم الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لن ينجو أحد منكم بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله: قال: "ولا أنا إلّا أن يتغمدني الله برحمته"، فأنتم دخلوكم الجنة برحمة الله تبارك وتعالى والأعمال هذه ليست إلّا سبب، وأحسن مثال على ذلك: الولد، أنت الذي أتيت بالولد؟ لست أنت الذي أتى به، ابنك هل أنت الذي أتيت به؟ لست من أتى به، فمن أتاك به؟ ربنا تبارك وتعالى، وأنت الذي فعلته بزواجك إنّما هو سبب، ومع السبب ربمّا يوجد الولد وربما لا يوجد، هذا يرجع إلى مشيئة الله سبحانه وتعالى، كذلك دخول الجنة، هذا الفرق بين باء السببية وباء العوض.
وللمصاحبة: هذه للمصاحبة تكون بمعنى مع، ولعلكم تسمعون من بعض أهل العلم عندما يقولون لكم: حروف الجرّ تتناوب، أي يأتي بعضها بمعنى بعض آخر، فهذا من ذاك، الآن الباء تأتي بمعنى مع، المعنى الأصلي لمع المصاحبة، الباء تأتي بمعنى مع، كقوله تبارك وتعالى: ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ، أي جاءكم الرسول مع الحقّ.
وللظرفية: الحرف الأصلي للظرفية هو: في، فالباء تأتي بمعنى: في، للزمان وللمكان، تُستعمل الباء لظرف الزمان ولظرف المكان، كقوله تبارك وتعالى: ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮈ ﮉ ﮊ أي تمرون عليهم مصبحين وتمرون عليهم أيضاً في الليل، هذا ظرف الزمان.
وأمّا بمعنى ظرف المكان كقوله تعالى: ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ، أي في بدر.
وللبدلية: وهذه الباء التي تكون للبدلية، ضابطها أن يحلّ محلها بدل.
مثالها: ما يسرني أنّ لي بها الدنيا أي بدلها.
وللمقابلة: هذه التي ذكرناها، هي باء العوض وباء الثمينة وباء المقابلة واحدة، اشتريت الفرس بألف، اشتريت الفرس عوضاً عن الألف، أو مقابلةً للألف أو ثمناً للألف، هذا المعنى.
وللمجاوزة: الحرف الأصلي للمجاوزة: عن، فالباء تأتي بمعنى عن، كقوله تعالى: ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ، أي سأل السائل عن عذاب واقع.
وللاستعلاء: الحرف الأصلي للاستعلاء هو: على، فتأتي الباء بمعنى: على، كقوله تعالى: ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ، إن تأمنه على دينار.
وتأتي للقسم: وهي أصل حروف القسم، بالله عليك لتفعلن كذا، حروف القسم ثلاثة: والله وبالله وتالله.
وللغاية: التي بمعنى إلى، ﮞ ﮟ ﮠ ، أي وقد أحسن إلي.
وللتوكيد: وهي الزائدة، ما هو ضابط الزائدة؟ إذا حذفتها يصحّ الكلام، لا تؤثر في صحة الكلام، هذا ضابطها، لكن في القرآن ما فيه شيء ليس له معنى، لذلك يقولون فيها بأنّها للتوكيد كقوله تبارك وتعالى: ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ، لو حذفنا الباء ماذا سيصبح الكلام؟ وهزي إليك جذع النّخلة، صح؟ تمام، إذا فالباء هذه توكيدية.
وللتبعيض: على ما ذكره المؤلف فتكون بمعنى: من، الحرف الأصلي للتبعيض: من، أكلت من الخبز، أي: أكلت بعضه ما أكلته كلّه، وفي المسألة خلاف هل تأتي الباء للتبعيض أم لا، المؤلف يرجح هذا كقوله تعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ، عند المؤلف هذه معناها عين يشرب منها عباد الله.
هذه معاني الباء
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وبل للعطف بإضراب وللإضراب فقط إمّا للإبطال أو للانتقال من غرض إلى آخر ".
بل هذه قال المؤلف تأتي للإضراب، ما معنى الإضراب؟ له ثلاثة معاني، ستأتي إن شاء الله، نبدأ الآن ببل بتقسيم، فنقسّمها إلى قسمين:
ü القسم الأول: أن يكون ما بعدها مفرداً.
ü القسم الثاني: أن يكون ما بعدها جملة.
نترك القسم الثاني على جنب، نبقى نشتغل مع القسم الأول، القسم الأول الذي هو أن يكون ما بعدها مفرداً، هذا له حالتان أيضاً: إمّا أن تكون الجملة قبله:
ü مثبته.
ü أو منفية.
تمام هذه قسمتنا، إذن صار عندنا الآن ما بعد بل مفرداً والجملة التي قبله مثبته أو منفية، طيب نبقى مع هذا القسم.
ü إذا كان ما بعد بل مفرداً والجملة قبله مثبته وليست منفيةفتكون هنا بل عاطفة وللإضراب.
عاطفة: يعني بمنزلة الواو تعطف الشيء على شيء آخر.
وللإضراب: ما معنى الإضراب هنا؟ أي كأنّه مسكوت عنه، الذي هو قبل بل، ما قبل بل يكون في حكم المسكوت عنه، هذا المعنى الأول للإضراب في مثل هذا الموطن.
أن يكون ما بعد بل مفرداً وأن تكون الجملة التي قبله مثبتة، واضح، فتكون بل هنا عاطفة وللإضراب الذي هو بمعنى أن يكون ما قبلها في حكم المسكوت عنه، عندما تقول: جاء زيد بل عمرو، ما بعد بل جملة وإلّا مفرد؟ مفرد، عمرو مفرد وإلّا جملة؟ مفرد، قبل بل: الجملة مثبتة وإلّا منفية؟ مثبتة، جاء زيد: إثبات، جاء زيد بل عمرو، هنا عندما قلت: بل عمرو، كأنّك أضربت عن زيد، فجعلت حكمه مسكوتاً عنه، يعني كأنّه لم تثبت ولم تنفي المجيء عن زيد، لا علاقة لي به، خلاص، ألغي الكلام، تمام، وأثبت المجيء لمن؟ لعمرو، هذا القسم الأول، وهو المفرد والقسم الأول من المفرد وهو الجملة المثبتة.
ü إذا كانت الجملة منفية:
كأن تقول مثلاً: ما قام زيد بل عمرو، فهنا تكون لتقرير حكم ما قبلها وجعل ضدّه لما بعدها، تقرير حكم ما قبل بل: يعني أنت تقرّ الحكم الذي قبل بل وتثبته وتجعل حكم ما بعدها بخلافه، لمّا قلت ما قام زيد، الآن انس ما بعد ذلك، ما قام زيد، ما معنى ذلك؟ أنت تثبت قيام زيد أم تنفيه أم تسكت عنه؟ تنفيه، فأنت قرّرت حكم ما قبل بل، نأتي لما بعدها: بل عمرو، ما قصدك بـ: بل عمرو؟ بل قام عمرو، فأنت تثبت ضدّ ما قبلها، ما قبلها منفي، فما بعدها مثبت، فهي تقرر حكم ما قبلها وتجعل ما بعدها ضدّه في الحكم.
هذا في حال أن يكون ما بعدها مفرداً إمّا الجملة تكون مثبتة أو منفية.
v ننتقل الآن إلى القسم الذي تركناه على جنب، الآن ننسى موضوع المفرد نأتي للجملة:
إذا جاء بعد بل جملة: إذا جاء بعد بل جملة لا تكون بل عاطفة، لمّا تكون بل عاطفة يكون فيه ارتباط عندك ما بين الذي قبلها والذي بعدها، هنا الآن العطف نريد أن ننساه، ما تكون بل عاطفة في حال جاء بعدها جملة فماذا تكون؟ تكون حرف ابتداء، أي كأنّك تبدأ جملة جديدة بعدها منفصلة عن التي قبلها، وهنا تكون أيضاً للإضراب، ولكن الإضراب يكون إمّا لإبطال ما قبلها وإلغاءه، وإمّا للانتقال من غرض إلى غرض، تمام، فمعنى الإضراب هنا: أن يبطل ما قبل بل، تمام، أو أن ينتقل من غرض إلى غرض، فصار كم عندنا معنى عندنا للإضراب؟ ثلاثة: (السكوت: وهذا في المفرد، الإبطال والانتقال: وهذا في الجملة)
· إمّا لإبطال ما قبلها:
كقوله تعالى: ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ، ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ: أصابه جنون، فالله سبحانه وتعالى ردّ قولهم، الذين يقولون هؤلاء هم الكفرة، يقولون في النبي صلى الله عليه وسلم، فردّ الله قولهم وأبطله، فقال: ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ أي كلامهم باطل وحقيقة الأمر أنّه جاءهم بالحق فاستكبروا عنه وتركوه فادعوا أنّه به جنة، طيب، هذا المعنى الأول الذي هو للإبطال.
· وكذلك للانتقال من غرض إلى غرض آخر:
كقوله تعالى: ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ، الذي هو اللوح المحفوظ يكون مكتوب فيه كلّ شيء، ﭯ ﭰ ﭱ: يوم القيامة سيأتي كلّ واحد وكتابه مكتوب كلّ شيء عند الله سبحانه وتعالى مما يعمل العبد،ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ، قلوبهم في جهالة من هذه الحقائق فانتقل من موضوع إلى موضوع آخر، هي لمجرد الانتقال فقط ، ما قبلها كما هو مثبت ما صار عليه ولا شيء، وجاء ما بعدها.
هذا موضوع بل.
قال المؤلف رحمه الله: "وبيد بمعنى غير وبمعنى من أجل ومنه بيد أنّه من قريش في الأصحّ".
بيد اسم له معنيان، وهو ملازم دائماً لأنّ.
· الأول: بمعنى غير، كقوله صلى الله عليه وسلم: "نحن الآخرون السابقون بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا"، ما معنى بيد هنا؟ غير أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، هذا الحديث متفق عليه.
· وتأتي بمعنى من أجل، ويمثّلون لذلك بحديث: "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش"، لماذا كنت أنا أفصح العرب؟ من أجل أني من قريش، قريش أفصح العرب، لكن بعض أهل العلم خالف في معنى هذا الحديث فقال بيد هنا أيضاً بمعنى غير، غير أني من قريش، والحديث نفسه ضعيف.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "وثم حرف عطف للتشريك والمهلة والترتيب في الأصحّ".
ثم حرف عطف يفيد المشاركة بمعنى أنّك تقول: جاء زيد ثم عمرو، فاشترك زيد وعمرو في المجيء، فهو حرف عطف للتشريك، فهو عاطف ويدلّ على المشاركة أيضاً، "والمهلة": معنى المهلة وجود مدة زمنية بين مجيء زيد ومجيء عمرو، وهو الذي يسميه بعض أهل العلم بالتراخي، فيقولون ثم تفيد الترتيب والتراخي تفيد الترتيب مع التراخي، فهي عاطفة وتفيد الترتيب مع التراخي، يعني عندما تقول: جاء زيد ثم عمرو، تستفيد كم فائدة هنا؟ ثلاثة:
· الأولى:أنّ زيداً وعمرو قد اشتركا في المجيء.
· الفائدة الثانية:أنّ زيداً جاء قبل عمرو.
· الفائدة الثالثة:أنّه بين مجيء زيد ومجيء عمرو مدة وزمن، تراخي في الزمن.
هذا معنى ثم، فقالوا تأتي على هذه المعاني الثلاث، وقال بعضهم: قد تتخلف عن بعض هذه المعاني.

قال المؤلف: "وحتى لانتهاء الغاية غالباً وللاستثناء نادراً وللتعليل".
الغالب في معنى حتى أنّها لانتهاء الغاية، كقوله تعالى على لسان بني إسرائيل: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ، فحتى هنا للغاية، بمعنى: إلى أن يرجع إلينا موسى، هذا معنى الغاية، يعني سنبقى عكوفاً ولن ينتهي اعتكافنا إلى أن يرجع إلينا موسى عليه السلام، هذا معنى الغاية.
وتأتي حتى للتعليل بمعنى كي، فتقول أسلم حتى تدخل الجنة، أسلم كي تدخل الجنة.
وتأتي للاستثناء نادراً، الأصل في الاستثناء ما هو؟ إلّا، تأتي بمعنى: إلّا، ولكن على ندور، قليل جداً، والاستثناء المقصود هنا الاستثناء المنقطع لا الاستثناء المتصل، تقدم معنا وذكرنا في كتب سابقة ما الفرق بين الاستثناء المنقطع والمتصل، حتى تأتي للاستثناء المنقطع، ومثّلوا له بقول الشاعر:
ليس العطاء من الفضول سماحة *** حتى تجود وما لديك قليل
يعني معنى الكلام أنّك ما تكون كريم والله وسمح بالعطاء لمّا يكون معك ملايين، لا، تظهر سماحتك بالعطاء وكرمك عندما تكون قليل المال.
ليس العطاء من الفضول سماحة: يعني العطاء والإكرام ودفع المال من فضول مالك مما هو زائد عليك من المال هذا ليس سماحة.
حتى تجود: حتى تعطي، وما لديك قليل: وما عندك من المال قليل، فهنا المعنى ليس العطاء من الفضول سماحة إلّا بأن تجود وما لديك قليل، أي إلّا أن تجود ومالك قليل، فعندئذ يكون عطائك سماحة.
قال المؤلف رحمه الله: "وربّ حرفٌ في الأصحّ للتكثير وللتقليل ولا تختص بأحدهما في الأصحّ".
ربّ: حرف وقيل اسم، لذلك قال المؤلف وربّ حرف في الأصحّ، أي في المسألة خلاف والراجح عندي أنّها حرف، والمعاني التي تأتي لها تأتي للتقليل وللتكثير.
· مثال التقليل:كقول القائل:
ألا ربّ مولود وليس له أبّ *** وذي ولد لم يَلَده أبوان
هكذا يلَده بفتح اللام.
ألّا ربّ مولود وليس له أب: كم واحد مولود وليس له أب؟ هذا ينطبق على عيسى عليه السلام.
إذن رب عنا للتقليل وإلّا للتكثير؟ للتقليل.
وربّ ذي ولد لم يلَده أبوان: من هو هذا الذي عنده أولاد ولم يلده أب وأم؟ آدم عليه السلام، ما فيه غيره، فربّ هنا تكون للتقليل.
· ومثال التكثير:
ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ، وهذا كثير ، وهذا يكثر منهم تمنيه يوم القيامة.
وربّ هذه لا تختص بالتقليل ولا تأتي للتكثير ولا تختص بالتكثير ولا تأتي للتقليل، بل تأتي لكلا المعنيين على الصحيح، والبعض قال: فقط تأتي للتكثير، والبعض الآخر قال: تأتي فقط للتقليل.
نكتفي بهذا القدر.
أبو عبد الله علي بداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس