عرض مشاركة واحدة
قديم 13-05-2015, 15:32   #4
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي

تفريغ الدرس الرابع :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد : فاليوم معنا باب جديد من أبواب شرح كتاب التوحيد أو من أبواب كتاب التوحيد , قال المؤلف رحمه الله تعالى :" باب الخوف من الشرك " : هذا الباب معقود ليبيّن فيه المؤلف خطر الشرك , وإذا عُرِف خطره وجب الخوف منه واجتنابه , فبعد أن يبيّن في الأبواب السابقة : التوحيد , وبيّن فضله , أراد أن يبيّن هنا : ما يُضادّ التوحيد , وهو الشرك , ويبيّن خطره , فإذا عُرف خطر الشرك وجب الخوف منه , والحذر منه والابتعاد , لذلك عقد لنا هذا الباب _ رحمه الله _ فقال :" باب الخوف من الشرك " : والشرك تقدّم معنا تعريفه , وخير ما يُعرّف به : قول النبي صلى الله عليه وسلم :" أن تجعل لله نِدّاً وهو خلقك " فأن تجعل لله نداً , يعني : مثيلاً , شريكاً له , فيما هو من خصائصه يُعتبَر شركاً , فيدخل في ذلك الشرك في الربوبية , والألوهية , والأسماء الصفات , وكما ذكرنا , بيّنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم :" أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك " وكذلك الحديث القدسي الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : بأن الله عز وجلّ قال :" أنا أغنى الشركاء عن الشرك , من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري , تركته وشركَه " هذا يبيّن لنا معنى الشرك " من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري , تركته وشركَه " تعمله تتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى به , ثم تذهب وتتقرّب به إلى غير الله سبحانه وتعالى , هذا هو معنى الشرك , لأن العبادة _ عبادتك _ يجب أن تكون لله وحده , فإذا عبدت غير الله معه فقد أشركت معه غيره فيما يختص به سبحانه وتعالى , فتَعبُّدُك وتقرّبك يجب أن يكون لله وحده , وألا يكون لغيره معه منه شيء وكذلك أيضاً , أن تعتقد أنّ الله هو الخالق , الرازق المدبّر , فإذا اعتقدت أن غيره خالقاً معه , فقد أشركت , إذا اعتقدت أن غيره مدبّرٌ معه فقد أشركت , وهكذا , فتعرف ما هو خاصٌّ بالله سبحانه وتعالى وتجعله خاصّاً بالله سبحانه وتعالى ولا تجعل لغيره فيه شيء , هذا معنى التوحيد , وهذا معنى الشرك , الآن , يقول المؤلف رحمه الله : " وقوله تعالى : [ إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ] " هذه الآية ساقها المؤلف كي يبيّن لنا خطورة الشرك , وخطورته تتبيّن في هذه الآية من أي وجه ؟ من وجه أن الشرك لا يغفره الله سبحانه وتعالى فالأمر خطير , الذنوب , بقية الذنوب التي هي أدنى من الشرك ( أقل من الشرك ) يغفرها الله سبحانه وتعالى تحت مشيئته , والمقصود من هذه الآية : عندما يلقى العبد ربه يوم القيامة , هذا المقصود بها , وليس في الدنيا , في الدنيا : جاء قول الله سبحانه وتعالى : [ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ] فيشمل ذلك الشرك والذنوب والمعاصي , كلها يغفرها الله سبحانه وتعالى إذا تاب العبد ورجع إلى الله قبل أن يموت , قبل أن يغرغر , يعني قبل أن تخرج الروح من الجسد , في الدنيا : إذا تاب تاب الله عليه مِن الشرك فما دون , لكن بعد الموت إذا لقي الله سبحانه وتعالى بالذنوب , هو تحت مشيئة الله , إن شاء الله عفا عنه وغفر له تلك الذنوب , ولم يعذّبه عليها وأدخله الجنة , وإذا شاء عذّبه على ذنوبه , على قدرها , ثمّ أخرجه الله من النار إلى الجنة , أما الشرك , فلا يغفره الله , إذا مات الإنسان مشركاً , فهو معذّبٌ في نار جهنّم قولاً واحداً , لا يغفر الله سبحانه وتعالى الشرك هذا إذا كان الشرك , والشرك قسمان , الشرك قسمان : شركٌ أصغر وشركٌ أكبر , أما الشرك الأكبر : فينطبق عليه ما ذكرنا لأن الشخص إذا لقي الله سبحانه وتعالى بالشرك الأكبر فهو مخلّد في نار جهنّم , يدخل نار جهنّم ولا بدّ , ويُخلّد فيها ولا يخرج منها أبداً , أما الشرك الأصغر فلا يُخلّد فيها , ولكن , هل لا بدّ أن يدخلها ؟ أم يغفر الله سبحانه وتعالى له إذا شاء ؟ يعني : هل هو تحت المشيئة كصاحب الذنوب ؟ إن شاء الله أن يعفو عنه عفا عنه , ولا يدخله النار أصلاً ؟ أم أنه لا بد أن يُعّذب في نار جهنم على قدر ذنبه ثم يخرج ؟ صاحب الشرك الأصغر لا يُخلّد في نار جهنّم , هذه يجب أن تعلمها , هذا الأمر الأول , الأمر الثاني : هل تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى إذا لي الله على ذاك الشرك ( يعني : الشرك الأصغر ) , هل هو تحت المشيئة , إذا شاء الله عذبه ؟ أو إذا شاء غفر له كبقية الذنوب والمعاصي ؟ أم أنه لا يكون تحت المشيئة ؟ بل لا بد أن يُعذّب في نار جهنم , ثم يخرج منها ؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين : البعض قال : لا بدّ أن يدخل نار جهنم , ويُعذّب على قدر ذنبه ثم يخرج منها , والبعض قال : لا , هو كبقية الذنوب ( إذا شاء الله سبحانه وتعالى عفا عنه وإذا شاء عذّبه ) , قولان لأهل السنة والجماعة , وسبب الخلاف في نفس الآية , مَن فهمها على ظاهرها اللغوي قال : لا يدخل تحت المشيئة صاحب الشرك الأصغر , لا بد أن يُعذَّب لأن الله سبحانه وتعالى قال : [ إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ] وهذه الصيغة في أصول الفقه تعني العموم , إن الله لا يغفر إشراكاً به , لا أريد أن أدخل معكم في هذه التفصيلات , كثير منكم لم يدرس الأصول , ولم يدرس الدلالات اللغوية , فلا أريد أن أدخل في هذه القضايا , المهم في الموضوع : أن تفهم بالدلالة اللغوية هنا والأصولية , يدلّ , تدلّ هذه الآية على العموم , عموم الشرك , فيشمل الأكبر والأصغر , لكن سياق الآية ( موضوعها وما سيقت لأجله ) يدلّ على أن المقصود الشرك الأكبر , فمن نظر إلى الناحية اللغوية قال : أي صاحب الشرك الأصغر لا بدّ أن يُعذَّب ولا يغفر الله سبحانه وتعالى له , لا بد أن يعذَّب على قدر ذنبه ثم يخرج , ومن نظر إلى سياق الآية قال : لا , المقصود بالآية الشرك الأكبر , فهو الذي لا يغفره الله سبحانه وتعالى , وأما غيره , فالشرك الأصغر كبقية الذنوب والمعاصي , يغفرها الله سبحانه وتعالى إذا شاء , وإذا شاء أن يعذّب صاحبها عذّبه عليها , وهذا القول الثاني : هو الصحيح عندي , أن الآية المقصود بها الشرك الأكبر ولا يدخل فيها الشرك الأصغر , لكن المقصود على كل حال خطورة الشرك , فالشرك أمره خطير , حيث إن الله سبحانه وتعالى لا يغفره , لا بد لصاحبه أن يُعذّب في نار جهنم , وصاحب الشرك الأكبر يًخلّد في نار جهنّم قولاً واحداً , وأما صاحب الشرك الأصغر لا يخلّد في نار جهنم , يُعذّب على قدر ذنبه , إن عذّبه الله سبحانه وتعالى ثم يخرج إلى الجنة , لكن ذنبه عظيم , أكبر حتى من بقية المعاصي , فهو شرك في النهاية , سواء , المهم في الموضوع أنه يسمّى شركاً في شرع الله سبحانه وتعالى إذا كان من الشرك فهو أعظم من الذنوب , إذاً , خلاصة الموضوع : أن الشرك عندنا خطير , وخطورته أن الله سبحانه وتعالى لا يغفره , وذكرنا أن الشرك ينقسم إلى قسمين : شركٌ أكبر وشرك أصغر , الشرك الأكبر مُخرج من الملّة , صاحبه مُخلّد في نار جهنم , أما الشرك الأصغر فهو غير مُخرِج من الملّة , وصاحبه لا يُخلَّد في نار جهنّم , يُعذَّب على قدر ذنوبه ثم يخرج , وهو _ على الصحيح _ داخل تحت المشيئة , إذا شاء الله عذّبه وإذا شاء غفر له , كيف تعرف تميّز بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر ؟ الشرك الأصغر : ومنه الرياء , ومنه قول : [ ما شاء الله وشئت ] ومنه الحلف بغير الله في بعض الأحوال , هذا من الشرك الأصغر , ضابطه : كل ما دل الدليل على أنه شرك ( ورد في الدليل في الكتاب أو في السنة على أنه شرك ) وكان ذريعة إلى الشرك الأكبر , يعني : يوصل , وسيلة توصلك إلى الشرك الأكبر , كالحلف بغير الله مثلاً وسيأتي إن شاء الله تفصيل هذا كله , الحلف بغير الله شركٌ أصغر , لماذا ؟ لأنك عندما تحلف بشخص , تحلف بمُعظّم , والتعظيم هذا , أن تحلف بالمعظّم , لا يليق إلا بالله سبحانه وتعالى , فتعظيمك لهذا الشخص ربما يوصلك إلى تعظيمه كتعظيم الله سبحانه وتعالى , فتنتقل من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر , فهو ذريعة إلى الشرك الأكبر , هذا معنى أن يكون ذريعة إلى الشرك الأكبر , يعني : يوصلك إلى الشرك الأكبر , كأن تقول مثلاً : ما شاء الله وشئت , شركٌ من حيث اللفظ , أن ت تجعل مشيئة الشخص كمشيئة الله سبحانه وتعالى لأنك عطفتها عليها بحرف العطف " واو " الذي لا يفيد ترتيباً وهذا ربما يوصل إلى الشرك مع الله سبحانه وتعالى , أن تجعل مشيئة الشخص كمشيئة الله سبحانه وتعالى , الشرك الأكبر , فلذلك حُرِّم , فهو من الشرك الأصغر , وهكذا , فهذا هو الضابط في التفريق ما بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر , الشرك الأكبر هو : أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك , هذا تعريفٌ شاملٌ له , إذاً الشاهد من الآية أننا يجب أن نخاف من الشرك , لماذا ؟ لأن الشرك لا يغفره الله سبحاه وتعالى أبداً , بل صاحبه إذا لقي الله سبحانه وتعالى فهو خالد مخلّد في نار جهنم فمن دخلها مشركاً الشرك الأكبر لا يخرج منها ( من النار ) أبداً ,[ فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواهم النار ] وحرّم الله عليهم الجنة , هؤلاء المشركون الكفار , إذا لقوا الله سبحانه وتعالى , وهذا أخطر ما يمكن في الشرك أن تُخَلَّد في نار جهنم وألا تدخل الجنة أبداً , تُحرّم عليك , هذا المراد والمقصود من هذه الآية , إذاً : خلاصة الموضوع , لا بدّ أن نفرّق ما بين أن يكون الشخص مشركاً في الدنيا وأن يكون أيضاً مشركاً في , يلقى الله سبحانه وتعالى على الشرك , إذا أشرك في الدنيا تاب ورجع إلى الله سبحانه وتعالى قبل الغرغرة , قبل أن تنقطع التوبة , هذا يتوب الله سبحانه وتعالى عليه , وهذا المقصود من قول الله سبحانه وتعالى : [ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ] , أما إذا مات ولقي الله سبحانه وتعالى بهذا الشرك الأكبر , فهذا يدخل النار ولا بدّ , وهو مخلّدٌ في نار جهنم لا يخرج منها أبداً , نعم .
ثم قال المصنّف رحمه الله تعالى :" وقال الخليل عليه السلام :[ واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام ]" : الخليل هو إبراهيم عليه السلام , النبي , قال : [ واجنبني ] : يعني : اجعلني وبَنيَّ , واجنبني وبنيَّ , يعني : أبناءي , يعني , اجعلني واجعل أبناءي بعيدين عن عبادة الأصنام , [ واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ] : دعاءٌ من إبراهيم عليه السلام أن يجنبه الله سبحانه وتعالى وأن يجنّب أبناءه عبادة الأصنام , فإبراهيم عليه السلام وهو مَن هو في تحقيق التوحيد , كان يخاف على نفسه ويخاف على أبنائه من الشرك عبادة الأوثان , الأصنام , فكان يدعو الله سبحانه وتعالى بأن يجنّبه الله سبحانه وتعالى عبادة الأصنام , وكذلك كان يدعو لأبنائه بذلك , وقد استجاب الله سبحانه وتعالى له , يقول أحد أئمة السلف : " ومَن يأمن البلاء بعد إبراهيم ؟ " يعني : إذا كان إبراهيم عليه السلام _ وهو مَن هو _ كان يخاف على نفسه من عبادة الأصنام , فمَن يأمن من ذلك بعد ذلك ؟ إذاً نحن أولى بالخوف من عبادة الأصنام ومن الشرك من إبراهيم عليه السلام فنحن أقل علماً وأضعف إيماناً من إبراهيم , فنحن أحرى أن نخاف من الشرك , لذلك يجب علينا أن نحرص على العلم , فبالعلم تستطيع أن تجتنب الشرك , فأنت إذا ما كنت تعرف ما هو التوحيد وما هو الشرك , لن تستطيع أن تحرص على التوحيد , وأن تفرّ من الشرك , فلا بد من العلم , تتعلّم التوحيد كي تعمل به وتعرف الشرك كي تفرّ منه وتجتنبه , كما قال : " كان حذيفة رضي الله عنه يسأل عن الشرّ ويسأل عن الفتن , لا لأنه حريصٌ عليها , بل لأنه يريد أن يفرّ منها , وهكذا نحن نتعلم التوحيد كي نعمل به , ونتعلم الشرك كي نفرّ منه ونُحذّر منه , فإذاً , لا بد من العلم ولا بد أيضاً من العمل بعد العلم , تتعلم , تعتقد , تعرف ما الذي جاء به نبيّك صلى الله عليه وسلم , وما هي دعوته , وما الذي كان عليه كفار قريش , حتى تفرّ من ذلك ولا تقع فيه , فلا بد من العلم ومن الإخلاص ومن الدعاء , كما كان إبراهيم عليه السلام يفعل , إبراهيم نبيُّ الله سبحانه وتعالى كان يدعو بهذا الدعاء , فنحن أولى أن ندعو به وأن نحرص عليه , النبيّ صلى الله عليه وسلم أيضاً كان يدعو يقول :" يا مقلب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك " وهو نبيّ الله عليه الصلاة والسلام , فنحن أولى وأحرى بأن نجتهد في الدعاء كي يُثبّتنا الله سبحانه وتعالى على الحق ويجنبنا الباطل والضلال والشرك اقتداءاً بأنبيائه , الشاهد من هذه الآية أن إبراهيم يخاف الشرك على نفسه وعلى أبنائه فكان يدعو بهذا الدعاء , فنحن أولى بذلك , بقي أن نفسّر معنى الأصنام , الأصنام : ما كان منحوتاً على صورة , منقوش نقش , حجر تنقشه وتجعله على صورة إنسان , على صورة حيوان , هذا يسمّى صنماً , كانوا قديماً يعبدون هذه الأحجار , وكانوا أيضاً يعملون أصناماً من التمر , يعجنون تمراً ويجعلونه صنماً , وإذا جاع الشخص منهم أكله , والوثن : أعم من الصنم , فكلُّ ما عُبدَ من دون الله فهو وثن سواء كان على صورة أو على غير صورة , أما الصنم فهو خاصٌّ بالصورة فقط , هذا هو الصحيح في الفرق بين الأصنام والأوثان , فالقبور أوثان , الأشجار التي تُعبَد أوثان , وهكذا . ثم قال المصنف رحمه الله تعالى :" وفي الحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء" : أشدُّ ما أخاف عليكم , والنبي صلى الله عليه وسلم يخاطب أمّته , " الشرك الأصغر " : وقد فسّرناه ومنه الرياء " فسئل عنه فقال الرياء " : هذا أكثر ما يخافه النبي صلى الله عليه وسلم علينا , ليش ؟ لأنه دقيق , والناس لا ينتبهون إليه فيقعون فيه , إما بجهلٍ أو بغفلة , فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يخافه علينا كثيراً , من هنا جاء قول بعض السلف : " ما جاهدت شيئاً أشدّ عليّ من الإخلاص " , أيش يعني الإخلاص ؟ يعني : أن يعمل العبادة لا يريد بها إلا وجه الله سبحانه وتعالى , فالرياء يفسد الإخلاص , أيش معنى الرياء أصلاً ؟ مأخوذ من الرؤية , أن تعمل العبادة وتريد من الناس أن يروك كي يُثنوا عليك ويمدحوك , وهذا ليس خاصّاً بالرؤية , ربما حتى بالسماع , ترفع صوتك بالذكر مثلاً كي يسمعك الناس , يقولون : ما شاء الله , الرجل ذاكر , ترفع صوتك بقراءة القرآن , يقولون : ما شاء الله يقرأ القرآن وصوته حسنٌ بالقرآن أو بالفعل ترى فقيراً أمام الناس فتأتي وتعطيه مالاً من أجل أن يراك الناس , يقولون : متصدّق , هذا رياء , هذا معنى الرياء , المنافقون كانوا يُظهرون للناس الإسلام كي يراهم الناس أنهم مسلمون وهم في الحقيقة كفار , هذا أعظم أنواع الرياء , وهذا كفر , والرياء هذا من الشرك الأصغر , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم , ويُفسد الأعمال , العمل إذا بدأ أساساً بالرياء فهو فاسد , بدأتَ صلاتك كي يراك الناس ويقولون مُصلٍّ , صلاتك هذه باطلة , أما إذا دخل عليك الرياء في أثناء الصلاة , أنت دخلت في الصلاة لا تريد من وراء ذلك إلا وجه الله سبحانه وتعالى فقط , وكبرت :" الله أكبر " تكبيرة الإحرام , وبدأت بصلاتك , فرأيت أناساً ينظرون إليك , فحسّنت صلاتك من أجل أن يمدحوك , ودخل الرياء عليك , هنا يُقال : إما أن يطرده الشخص في هذه الحالة , يطرد الرياء , يطرأ على قلبه فيطرده , لا يستمرُّ معه , يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم , وينصرف عن هذا , ويُخلص عمله لله سبحانه وتعالى , فهذا لا يؤثّر في صلاته , وصلاته صحيحة , وإما أن يستمرّ معه , يعجبه الحال , يدخل عليه الرياء ويعجبه الحال , ويستمرّ معه , يرى أناساً ينظرون إليه فيدخل في قلبه شيء أنه يريد ثناءهم فبدل أن يصرفه استمرّ معه , هذا تبطل صلاته التي يصليها في لحظتها , مش كل صلاة من أولها إلى آخرها في حياته كلها , لا , الصلاة التي يصليها , لأن الصلاة مرتبط بعضها ببعض , فقط الصلاة التي يصلّيها مرتبطٌ بعضها ببعض , من تكبيرة الإحرام إلى التسليم , هذه كلها تبطل إذا استمر مع الرياء , هذا هو التفصيل لحكم المُرائي , وكما ذكرنا لكم , هذا الرياء من الشرك الأصغر فأمرُهُ خطير , والنبي صلى الله عليه وسلم خافه علينا لشدة خطورته , فنحن أولى أن نخاف على أنفسنا من الشرك , والواجب أن نخلص العمل لله سبحانه وتعالى , كيف تتخلص من الرياء ؟ وتجعل عبادتك خالصة لله سبحانه وتعالى ؟ أول الأسباب : الدعاء , أكثِر من دعاء الله سبحانه وتعالى أن يجنبك الرياء وأن يجنبك الشرك الأًصغر والأكبر , أكثِر من الدعاء كثيراً , فإذا كان الأنبياء كانوا يدعون كما تقدّم , فنحن أولى بالدعاء بارك الله فيكم , الأمر الثاني : تستحضر في كل عبادة أن تعمل العبادة لا تريد فيها إلا وجه الله , لا تريد فيها أي مقابل آخر من أي إنسان , وكلما استطعت أن تكون عبادتك بينك وبين الله فافعل , يعني : إذا تمكّنت أن تصلي قيام الليل وحدك في مكان لا يراك فيه أحد فهو الأفضل , إذا تمكنت من أن تتصدق بصدقة ولا يراك فيها أحد فهو الأفضل , لأن ذلك يكون أكثر إخلاصاً , فعندما لا يراك أحد , لا تكون تريد من ذلك إلا وجه الله سبحانه وتعالى , بس , لكن أحياناً تحتاج أن تعمل عبادات لا بد أن يراك الناس فيها , فهنا تحتاج أن تجاهد نفسك , " ما جاهدت شيئاً أشد عليّ من الإخلاص " , ولا يزال العبد في معارك مع نفسه في هذه القضية ويجب أن يتغلب عليها بكثرة الدعاء لله سبحانه وتعالى , ربّنا سبحانه وتعالى يعينه على هذا , وفقنا الله وإياكم إلى إخلاص العمل له وحده تبارك وتعالى , ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنّبنا الشرك الأصغر والأكبر
هذا الحديث الذي تقدّم : " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " أخرجه أحمد في مسنده , وهو صحيح , ثم قال المصنّف رحمه الله تعالى :" وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار" رواه البخاري " أي في صحيحه :" من مات " أي شخصٍ يموت " وهو يدعو " يعني : وهو يعبد غير الله سبحانه وتعالى , " وهو يدعو من دون الله " يعني : وهو يدعو , وهو يعبد من غير الله ندّاً مثيلاً لله تبارك وتعالى , لأنك إذا عبدت شخصاً فقد جعلته مثيلاً لله سبحانه وتعالى فالند هو الشبيه , النظير , المثيل , نفس المعنى , " من مات وهو يدعو من دون الله نداً " يعني : جعله لله نداً فعبده مع الله , لأن الدعاء هو العبادة كما جاء في حديث النعمان بن بشير قال : " الدعاء هو العبادة " , النبي صلى الله عليه وسلم , وهو في السنن الأربعة وهو صحيح , فهنا , من مات وهو يعبد غير الله سبحانه وتعالى دخل النار , من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار إذاً , ينبغي عليك أيش ؟ أن تخاف من الشرك أن تكون من أهل النار , وليس الدخول هنا فقط دخول مؤقت ثم تخرج , لا , هنا الدخول دخول مؤبد , لا تخرج منها أبداً , لأنه أيش ؟ لأنه قد دخل مشركاً , مات وهو مشرك , يدخل النار ولا يخرج منها أبداً , كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : [ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ] آية واضحة وصريحة , من مات مشركاً لا يدخل الجنة أبداً ومأواه النار , المأوى والمستقر له : هو , هي النار , لا يخرج منها أبداً , هذا معنى الحديث , هنا , أنه يدخل النار ولا يخرج منها , فهذا يقتضي أن تخاف من الشرك خوفاً شديداً وأن تفرّ منه , " رواه البخاري في صحيحه " قال المصنف رحمه الله " ولمسلم _ يعني في صحيح مسلم _ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" " من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة , هذي فضيلة التوحيد , أن من لا يشرك بالله سبحانه وتعالى لا بد له أن يدخل الجنة , بالتوحيد تدخل الجنة , وبالشرك تدخل النار , بالتوحيد تخلَّد في الجنة وبالشرك تخلَّد في النار , من مات لا يشرك بالله شيئاً , لا يشرك بالله سبحانه وتعالى شيئاً , يعني : لا يعبد مع الله أي شيء , لا حجر ولا شجر ولا نبي ولا ملك , لا إنس ولا جن , ولا أي شيء , نهائياُ , دخل الجنة , مأواه في النهاية واستقراره يكون في الجنة , ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار ولا بد , من أشرك مع الله سبحانه وتعالى غيره دخل النار , وهو مخلّد في نار جهنم بالشرك الأكبر , والشرك الأصغر على تفصيل كما ذكرنا سابقاً , إذاً الشاهد من هذا الحديث أنه من لقي الله سبحانه وتعالى , يعني مات على التوحيد فهو من أهل الجنة , ومن مات على الشرك فهو من أهل النار ويقتضي ذلك أن تخاف من الشرك وأن تفرّ منه , وأن تأخذ في الأسباب في ذلك , التي ذكرناها آنفاً , وبهذا نكون قد بيّنّا مراد المؤلف من سَوقه لهذه الآيات والأحاديث في هذا الباب , وخلاصته : أن المؤمن ينبغي أن يخاف من الشرك , ويحتاج لذلك أن يتعلم ما هو التوحيد وما هو الشرك كي يعمل بالتوحيد وكي يفر من الشرك , فإذا تعلّم وعرف , عمل بعد ذلك واجتنب ما علم أنه من الشرك , فما كان خاصاً بالله سبحانه وتعالى يفرده به ولا يشرك معه غيره , نسأل الله أن يوفّقنا وإياكم إلى توحيده وإخلاص العمل له وأن يجنبنا الشرك ما ظهر منه وما بطن , وفّقنا الله إياكم لطاعته , وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس