عرض مشاركة واحدة
قديم 12-05-2015, 21:39   #1
أبو زيد رياض الجزائري
مدير من طلبة العلم
 
تاريخ التسجيل: 28 / 11 / 2012
المشاركات: 76
افتراضي * مكتمل * تفريغات شرح كتاب التوحيد

تفريغ شرح كتاب التوحيد
لشيخنا علي الرملي حفظه الله


تفريغ الدرس الأول:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد :

فسنبدأ إن شاء الله بحول الله وقوته بشرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله . هذا الكتاب هو كتابٌ يقرّر فيه صاحبه عقيدة التوحيد , خصوصاً توحيد الألوهية _ توحيد العبادة _ يسمّى توحيد الألوهية ويسمّى توحيد العبادة هذا التوحيد حصل فيه خللٌ كبيرٌ في زمن المؤلف رحمه الله وانتشر الشرك بين الناس لذلك ألّف المؤلّف هذا الكتاب ليبيّن الحق من الباطل ويبيّن التوحيد الذي بُعثت به الرسل ويبيّن أيضاً ما يضادّه وما يفسده من الشرك , فألّف هذا الكتاب فتلقّاه العلماء بالقبول ووجد انتشاراً واسعاً ونفع الله تعالى به . هذا التوحيد _ توحيد الألوهية _ هو أحد أقسام التوحيد الثلاثة , فالتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام : توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات , وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله .
مهمٌّ جداً لطالب العلم أن يعلم أن العلم لا يُنال جملة _ مرة واحدة _ بل يُنال بالتدرّج شيئاً فشيئاً , كما قال أحد السلف رضي الله عنهم : ( من رام العلم جملة ذهب عنه جملة ) لذلك العلم ينال شيئاً فشيئاً , وكل فنٍّ من فنون علم الشريعة له طريقته في التدرج , هذا العلم هو علم العقيدة , وعقيدة التوحيد بالذات , له طريقته أيضاً في التدرج , فتوحيد العبادة _ الألوهية _ يُنصَح بأن يبدأ طالب العلم بثلاثة الأصول فيه , فإذا أتقن هذا الكتاب أتقن جانباً لا بأس به من هذا التوحيد _ توحيد الألوهية _ ثم بعد ذلك ينتقل إلى كتاب التوحيد , وبعض أهل العلم ينصح بالقواعد الأربع قبل ذلك , وأنا أفضّل أن ينتقل إلى كتاب التوحيد , فكتاب التوحيد فيه كل ما يحتاج إليه في هذا العلم , بالتحديد علم توحيد الألوهية , كتابٌ جامعٌ ونافعٌ وفيه خير كثير والحمد لله , ثم بعد ذلك يدرس " كشف الشبهات " وهو كتاب أيضاً نافع في كشف شبهات الصوفية عبدةِ القبور وكذلك الشيعة , وهم أكثر الطوائف عرفت بعبادة القبور فكشف الشبهات هذي , فهذا فيه رد على شبهات القوم , لكن ينفع للشخص أن يدرسه بعد كتاب التوحيد , والصواب أن يعرف الشخص التوحيد أولاً ثم بعد ذلك يعرف الشبهات التي يوردها أهل الضلال عليه , ثم بعد ذلك يدرس " نواقض الإسلام " فهذا أيضاً أمرٌ نافع بالنسبة لطالب العلم , هكذا يكون التدرج في هذا العلم وهو توحيد الألوهية . أما العقيدة بصفة عامة فيدرس طالب العلم في _ أيضاً - " لمعة الاعتقاد " : هذا فيه _ يعني _ تطرّقٌ لعقيدة أهل السنة والجماعة بطريقة مختصرة تناسب طالب العلم المبتدئ , ثم بعد ذلك ينتقل إلى الواسطية ويدرسها بإتقان , ثم بعد ذلك ينتقل إلى الطحّاوية فيكون قد تحصّل على خير كبير في علم الاعتقاد , ومن أراد أن يستزيد فكتبُ العلم كثيرة كالتدمرية وكالحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
فنحن الآن بصدد شرح كتاب التوحيد وهو يعتبر الكتاب الثاني من الكتب التي يتدرج بدراستها طالب العلم , وكما ذكرنا : هذا الكتاب من أنفس الكتب التي بيّنت مسائل توحيد الألوهية بل لعلّه أنفس كتاب أُفرِد لهذا المبحث وهو توحيد الألوهية مادّة الكتاب التي معنا _ قبل أن نبدأ بها _ نشرح كلمة " كتاب " وكلمة " التوحيد ".
كلمة كتاب : هذه مادتها مأخوذة من كَتَبَ وهذه المادة _ مادة كتب _ موضوعة في لغة العرب للجمع والضمّ , فلما جمع مؤلف الكتاب , جمعَ مباحث ومسائل متعلّقة بموضوع واحد سمّى كتابه كتاباً , وهو موضوع التوحيد , والكتاب سُمّي كتاباً لأنه تُجمع فيه الكلمات والحروف , كما أن كتيبة الجيش تسمّى كتيبة لأنها تجمع أفراداً من الجيش . كذلك عندنا هنا الكتاب يسمّى كتاباً لأنه يجمع كلمات وحروف _ يعني _ متناسقة مع بعضها تدلّ على موضوع واحد , وهذا هو المقصود من الكتاب .
كتاب التوحيد : التوحيد : وحّدَ يوحِّد توحيداً , فهو مصدر _ يعني _ معناه أن تجعل الشيء واحداً فتقول : وحد القوم كلمتهم , أي : جعلوا كلمتهم واحدة وليست متفرقة , هذا معنى التوحيد , هذا من حيث اللغة.
أما المقصود بالتوحيد _ هنا _ من الناحية الشرعية : فهو إفراد الله تبارك وتعالى بكل ما يختص به , إفراد الله بكل ما يختصّ به , وهذا على سبيل الإجمال.
على سبيل التفصيل تقول : توحيد الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى ثلاثة أقسام : توحيد ربوبية , توحيد ألوهية , توحيد أسماء وصفات .
فتوحيد الربوبية : إفراد الله تبارك وتعالى بما يختصّ به من الخلق والملك والتدبير.
توحيد الألوهية : إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة , فعبادتك تكون لله وحده لأن هذا أمرٌ مختصٌّ بالله تبارك وتعالى , توحيد الربوبية : أن تعتقد أن الله هو الخالق , هو الرازق , هو المدبّر , هذه كلها الأشياء هو مختصٌّ بها , هي خاصّة بالله سبحانه وتعالى لا يشاركه فيها أحد فإذا اعتقدت أن أحداً يشارك الله سبحانه وتعالى في الخلق مثلاً هنا تكون قد أشركت , نقضتَ التوحيد _ يعني أفسدت التوحيد _ لأن الخلق خاصٌّ بالله سبحانه وتعالى , خلقُ الخلق , يعني من الذي خلق السماوات ؟ من الذي خلق الأرض ؟ من الذي خلق البشر ؟ الله سبحانه وتعالى , هل هناك خالق آخر ؟ لا يمكن لا يوجد , هذا الفعل خاصٌّ بالله تبارك وتعالى , هذا معنى أن يكون الشيء خاصّا بالله سبحانه وتعالى , من أين تعرف أن الشيء خاصٌّ بالله سبحانه وتعالى ؟
تعرفه من أدلة الكتاب والسنة التي ستأتي معنا إن شاء الله , ستبيّن لك أن الخلق مثلاً خاصٌّ بالله تبارك وتعالى , لا يخلقُ معه غيرُه , كذلك أيضاً التدبير , تدبير هذا الكون والتصرّف فيه , هذا خاص بالله سبحانه وتعالى. أيضاً كذلك , نعم , الخلق , الملك , مالك ما في هذه السماوات وما في هذه الأرض الملك التام هذا لله سبحانه وتعالى خاصٌّ به حتى ما نملك , نحن وما نملك ملكٌ لله سبحانه وتعالى , هذا الملك التام , هذا خاص بالله سبحانه وتعالى , فلا يجوز لك أن تعتقد أن مالكاً مع الله سبحانه وتعالى أو أن خالقاً مع الله سبحانه وتعالى أو أن مدبراً مع الله سبحانه وتعالى , أنه يوجد مدبّر أو يوجد خالق أو يوجد مالك لهذا الكون مع الله سبحانه وتعالى , إذا اعتقدت ذلك فقد أشركت معه غيره , كذلك في مسألة العبادة , هذا في توحيد الربوبية , إفراد الله سبحانه وتعالى بالخلق والملك والتدبير , توحيد الألوهية الذي هو توحيد العبادة : أن تعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو الذي فقط يستحق منك العبادة , يعني عبادتك تكون لله خاصة , لا تعبد معه غيره , فإذا عبدت معه غيره فقد أشركت معه غيره في عبادتك , في شيء خاصٍّ بالله سبحانه وتعالى , ما هو هذا الشيء بالله سبحانه وتعالى ؟ هي عبادتك , أنت تعبّدك يجب أن يكون لله وحده وألا يكون لغيره معه , فلذلك تكون موحداً إذا عبدت الله وحده , أما تكون مشركاً إذا عبدت غيره معه وهذا الذي يسمى بتوحيد العبادة .
التوحيد الثالث : هو توحيد الأسماء والصفات , يعني أن تؤمن بالأسماء التي سمى الله سبحانه وتعالى بها نفسه في كتابه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم , أن تؤمن بها وتصدق أنها لله سبحانه وتعالى , بما أنه سمى نفسه بها فتسميه بها , وصف نفسه بها : تصفه بها ولا تنكرها , لا تجحدها , لا تكذب بها , هذا يسمى توحيد الأسماء والصفات .
إذاً التوحيد ثلاث أقسام : توحيد الربوبية , توحيد الألوهية , توحيد الأسماء والصفات , هذه كلها أشياء _ يعني _ يجب أن تخصّ الله سبحانه وتعالى بها وألا تشرك معه غيره فيها , نعم , هنا , هذه الكلمات هي تفسيرٌ لكلمة التوحيد , فخلاصة الأمر أن التوحيد هو إفراد الله تبارك وتعالى بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات , أو قل : هو إفراد الله تبارك وتعالى بكل ما يختصّ به , لكن على سبيل التفصيل أفضل , إفراد الله تبارك وتعالى بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
فالتوحيد ثلاثة أقسام : توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات , هذا كله , حصر التوحيد بهذه الأنواع الثلاثة أخذناه من استقراء أدلة الكتاب والسنة , يعني بعدما استقرأ العلماء أدلة الكتاب والسنة وجدوا أن ما ورد في الكتاب والسنة من توحيد هو _ يعني _ ورد بهذه الأقسام الثلاثة , وكلها تجدها في سورة الفاتحة , الأقسام الثلاثة موجودة في سورة الفاتحة وفي غيرها من السور , هذا معنى كتاب التوحيد الذي سنبدأ به بإذن الله تبارك وتعالى , بشرحه , خلاصة ما يريد المؤلف من هذا الكتاب هو أن تفهم شيء , ما هو الشيء ؟ أن تعرف أن الناس عندما أنزل الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام إلى الأرض كانوا جميعاً على التوحيد , يعني أنهم كانوا يعبدون الله سبحانه وتعالى ولا يعبدون معه غيره , تمام ؟ بقي الناس على هذا الحال إلى عشرة قرون تقريباً , ثم بعد ذلك بدأ الشرك في قوم نوح , كيف بدأ ؟ كان في قوم نوح قومٌ صالحون , وهذا كله سيأتي معنا إن شاء الله , عندما ماتوا جاءهم الشيطان وقال لهم اصنعوا لهم تماثيل كي تتذكروا عباداتهم وطاعاتهم وتعبدون الله تبارك وتعالى كما كانوا يعبدون , ففعلوا , صنعوا لهم تماثيل وجعلوها في نادي القوم , يعني في _ زي ما تقول _ المكان الذي يجتمعون فيه , ثم بعد ذلك ذهب هذا الجيل وجاء جيل غيره , جاءهم الشيطان بأن آباءكم كانوا يعبدون هذه التماثيل فعبدوها , فبدأ الشرك في العبادة مع الله سبحانه وتعالى , ثم بعد ذلك انتشر وأخذ يزيد فأرسل الله سبحانه وتعالى الرسل فكانت دعوة الرسل وأصله هي التوحيد , النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء لقومه , قال لهم : يا قوم , قولوا لا إله إلا الله تفلحوا , يا قوم , قولوا لا إله إلا الله تفلحوا , إذاً جاءهم التوحيد , قال الله سبحانه وتعالى :[ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ] إذاً , كل رسول جاء إلى أمّته جاء يدعوهم إلى توحيد الله تبارك وتعالى فأصل دعوة الأنبياء هي التوحيد , إخراج الناس من عبادة الأوثان , عبادة القبور , عبادة الأولياء إلى عبادة الله تبارك وتعالى وحده لا شريك له وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
هذا ما أراده المؤلف رحمه الله بعد أن انتشر الشرك في زمنه , الشرك الذي هو ناقض للتوحيد , انتشرت عبادة القبور في زمنه , أراد أن يبيّن للناس دعوة التوحيد التي جاء بها الرسل بعد أن نُسِيَت _ يعني _ وانحرف الناس عنها , أراد أن يبيّن لهم ماهي الدعوة التي جاء بها النبيّ صلى الله عليه وسلم , فكان _ يعني _ تنوير أبصار الناس على يديه بفضل الله تبارك وتعالى , وأخرج الناس من الشرك إلى التوحيد ونفع الله به نفعاً عظيماً , إذاً : دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الأساس هي لنشر التوحيد , ما هو التوحيد ؟ عبادة الله تبارك وتعالى وحده وترك عبادة غيره , هذا ما كان يريده من الناس , وهذا ما دعا الناس إليه , ولهذا ألّف هذا الكتاب , هذا المقصود من التوحيد وهذا ما أردنا بيانه من معنى كلمة " كتاب التوحيد "، نعم.
قال المصنّف رحمه الله تعالى : " بسم الله الرحمن الرحيم " يبدأ عادة المؤلفون مؤلفاتهم بالبسملة اقتداءاً بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان عليه الصلاة والسلام يبدأ رسائله بها , كان عليه الصلاة والسلام يبدأ رسائله بها , لذلك يبدأ المؤلفون بها.
و " بسم الله الرحمن الرحيم " معناها : أبدأ كتابتي بذكر اسم الله تبارك وتعالى , الرحمن : وهو اسمٌ لله تبارك وتعالى يتضمن صفة الرحمة , الرحيم كذلك , إلا أن صفة الرحمة , أو اسم الله الرحمن أوسع معنىً من اسم الله الرحيم , يعني الصفة , صفة الله الرحمن عامة وصفة الله الرحيم خاصة بالمؤمنين .
قال المؤلف رحمه الله , طبعاً قبل ذلك , ما يذكره العلماء هنا من أحاديث لا يصح منها شيء , " كل أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " أو " كل أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع " وما شابه من هذه الأحاديث لا يصح منها شيء .
قال المؤلف رحمه الله :" الحمد لله "
الحمد : قالوا معناه : وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيماً _ يعني _ أن تصف الله سبحانه وتعالى بصفات الكمال محبة له وتعظيماً له , هذا معنى الحمد لله .
قال المؤلف رحمه الله :" وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم " :
صلاة الله على نبيه كما قال أبو العالية الرياحي هي ثناؤه عليه عند الملائكة المقربين , هذا معنى , هو قال : ثناؤه عليه في الملأ الأعلى , ومعنى الملأ الأعلى : الملائكة المقربون , صلى الله عليه ( على محمد صلى الله عليه وسلم ) , " وعلى آله " , على آله : هنا الآل تطلق على الأقارب وتطلق على الأتباع , فإذا ذكر الصحب مع الآل : فيكون المراد بالآل : أهل بيته ( أقرباؤه من المؤمنين ) وإذا لم يُذكر الأصحاب فيكون المراد بالآل : أتباعه على دينه , ليشمل الأصحاب والأقارب وغيرهم , هنا المؤلف لم يذكر الأصحاب فيكون معنى الآل : أتباعه على دينه . قال :" وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم " : يعني السلامة , يسلّمه من النقائص ومن العيوب , والكلام هنا , صلى الله : فعل ماضٍ لكن المراد منه الدعاء .
قال المؤلف رحمه الله :" كتاب التوحيد " وقد شرحنا معنى " كتاب التوحيد " فيما تقدّم . قال رحمه الله : " وقول الله تعالى :[ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ] ": الآن المؤلف رحمه الله سيبيّن لنا في هذه المقدمة معنى التوحيد , فبدأ بهذه الآية : [ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ] , الله سبحانه وتعالى لم يخلق الجن والإنس إلا لعبادته , فهنا يبيّن لنا ربنا تبارك وتعالى الحكمة التي من أجلها خلقنا , لماذا أوجدنا ؟ أوجدنا لعبادته , فما معنى العبادة ؟
العبادة في لغة العرب تأتي بمعنى الخضوع والتذلل , لذلك يسمى الطريق المعبّد طريقاً معبّداً لأنه مذلّل تدوسه بأريحية , الخضوع والتذلل , وأيضاً تطلق العبادة في اللغة على الطاعة وغير ذلك من المعاني , لذلك قال بعض العلماء بأن معنى العبادة هي الطاعة مع الخضوع والتذلّل , ليست طاعة مجردة , طاعةٌ مع خضوعٍ وتذلّل , فأنت إذا أطعت الله سبحانه وتعالى بأداء الصلاة تطيعه وأنت خاضع متذلل له , هذا معنى العبادة , وقال بعض العلماء , تعريفها : هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
كلمة العبادة : اسم يجمع كل ما ذكره هنا , كل ما يحبه الله ويرضاه , أين تجد هذا الذي يحبه الله ويرضاه ؟ كل ما شرعه الله في الكتاب والسنة أمرنا به أمر إيجاب أو أمر استحباب أو نهانا عنه ففِعلُنا له إذا أمرنا به , فعلنا له طاعة لأن الله سبحانه وتعالى ما أمرنا به إلا وهو يحبه ويرضاه , وما نهانا عن الشيء إلا لأنه يحب لنا أن نتركه , كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة , هذه عبادات , فعلك للصلاة عبادة , لأن الله سبحانه وتعالى قد أمرك بها , أمرك بها في الكتاب والسنة , إذاً فهو يحبه ويرضاه , هذه عبادة , الصيام عبادة , الزكاة عبادة , لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بها , أمرنا بها معنى ذلك أنه يحبها ويرضاها , فكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال كقولنا مثلاً سبحان الله عبادة , الحمد لله عبادة يحبها الله ويرضاها , كيف عرفنا أنه يحبها ويرضاها ؟ لأنه أمرنا بها في القرآن أو في السنة , من الأقوال والأعمال كالصلاة , الظاهرة : عمل ظاهر , الصلاة عمل ظاهر , الحج عمل ظاهر , الزكاة عمل ظاهر , والباطنة ( الأعمال الباطنة ) كالحب والخوف والرجاء والتوكّل , هذه أعمال باطنة , أعمال قلبية , لا نراها من الشخص , هي في قلبه , في داخله , فهي أعمال باطنة , يحبها الله ويرضاها لأنه أمرنا بها , أمرنا بمحبته , أمرنا بالخوف منه , أمرنا بالتوكل عليه , إذاً هذه أعمال يحبها الله ويرضاها , إذاً فهي كلها أيش ؟ عبادات , اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة , إذاً نَعرف العبادة بأمر الله تبارك وتعالى لنا بها في القرآن وفي السنة , نعرف أنها عبادة بماذا ؟ لأنه أمرنا بها في القرآن أو في السنة , بما أنه أمرنا بها فهي عبادة , قربة , طاعة لله سبحانه وتعالى , طاعة لله تبارك وتعالى , الطاعة مع الخضوع والتذلل هذه عبادة , وقال بعض أهل العلم في تعريف العبادة : هي كمال الخضوع والتذلل مع كمال المحبة والتعظيم , كمالُه , أقصاه , الخضوع والتذلل , أنت عندما تكون بين يدي الله تبارك وتعالى ساجدا , تكون في كمال الخضوع والتذلل لله سبحانه وتعالى محبة له وتعظيماً , إذاً أنت في عبادة , هذا معنى كمال الخضوع والتذلل مع كمال المحبة والتعظيم , هذا معنى العبادة , إذاً خلقنا الله تبارك وتعالى لنعبده , نعبده بماذا ؟ بما شرع , نطيعه خضوعاً وتذللاً ومحبة وتعظيماً له تبارك وتعالى , فإذا قام في نفوسنا كمال الحب والتعظيم مع كمال الخضوع والتذلل له بطاعته فقد عبدناه , وإذا فعلنا ذلك لغيره فقد أشركنا معه غيره , هذا المعنى الذي يجب أن تفهمه , باختصار , ما أمرك الله تبارك وتعالى في كتابه أو في السنة أن تتعبد له به فهو عبادة , فإذا جعلته لله وحده فقد وحّدته وإذا صرفته لغير الله فقد أشركت به , فقد أشركت معه غيره , هذا معنى العبادة ومعنى التوحيد ومعنى الشرك .
[ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ] : إذاً أراد الله سبحانه وتعالى أن نعبده وأن نعبده وحده , وذلك لأن ابن عباس رضي الله عنه فسّر العبادة هنا بالتوحيد , وقال : [ إلا ليعبدون ] إلا ليوحّدون , يعني لا أن يعبدوه فقط , بل يعبدوه وحده أيضاً , وألا يعبدوا معه غيره , إذاً خلقَنا الله سبحانه وتعالى كي نعبده , ونعبده وحده وألا نعبد معه غيره , فبذلك يكون قد فسّر لنا المؤلف بذكره لهذه الآية الحكمة التي أرادها الله تبارك وتعالى أن تكون من خلقه للإنس والجن وفسّر لنا التوحيد , وهو أن تعبد الله وحده وألا تعبد معه غيره , نعم.
قال المصنف رحمه الله : " وقوله : [ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ]"
[ ولقد بعثنا ] : أي أرسلنا، [ في كل أمة ] : أخرجنا في كل أمة.
الأمّة تطلق في الشرع على معانٍ :
المعنى الأول : الطائفة من الناس _ كما في هذه الآية _ [ ولقد بعثنا في كل أمة ] يعني في كل طائفة من الناس.
المعنى الثاني : الزمن [ وادّكر بعد أمّة ] يعني بعد زمن , بعد وقت .
المعنى الثالث : الإمام , كما في قول الله تبارك وتعالى [ إن إبراهيم كان أمّة ].
والمعنى الرابع : الملة , يعني الدِّين :[ إنا وجدنا آباءنا على أمّة ] أي على دين.
هذه المعاني التي تأتي الأمّة عليها في كتاب الله تبارك وتعالى , يهمّنا الآن _ هذه فائدة زائدة _ يهمّنا الآن أن تعرف أن معنى الأمة في هذا الموطن في هذه الآية : الطائفة من الناس , [ ولقد بعثنا في كل أمة ] يعني أخرجنا في كل طائفة من الناس .
[ رسولاً ] : الرسول من أوحي إليه بشرع , يعني من أوحى الله تبارك وتعالى إليه بشرع وأمره بتبليغه , من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه , أُمِر بإيصال هذا الشرع لأمّة لطائفة من الناس , هذا هو الرسول , والنبي : من بُعث بشريعة من قبله , هذا هو الصحيح في التفريق بين الرسول والنبي , فالرسول من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه والنبي : من بُعث بشريعة من قبله , والعلماء يعرّفون الرسول ويذكرون الفرق بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عند قول الله تبارك وتعالى :[ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيّته ] الآية , فقوله هنا [ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ] يعني أخرجنا وأرسلنا في كل طائفة من الناس , أو لكل طائفة من الناس رسولاً , بماذا أرسل هذا الرسول ؟ يأتيك الآن التفسير , فقال : [ أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ] إذاً الرسل كانوا يأتون للناس بدعوة التوحيد , ما هي ؟ قال : [ أن اعبدوا الله ] هذا أمرٌ من الله تبارك وتعالى بعبادته , كما عرفنا العبادة فيما تقدم , لكن هل اكتفى ؟ لا , قال أيش ؟ [ واجتنبوا الطاغوت ] إذاً عبادة الله تبارك وتعالى وحدها لا تكفي , يجب أن تعبد الله تبارك وتعالى وأن تترك عبادة غيره , هذا معنى :[ واجتنبوا الطاغوت ] , الاجتناب أبلغ من الترك , يعني كان بإمكانه أن يقول واتركوا الطاغوت واتركوا عبادة الطواغيت , لأن هنا أتى واجتنبوا أشد بلاغة من الترك , فإن الاجتناب : ترك الشيء وترك الأسباب الموصلة إليه أيضاً , شفت الآن كيف ؟ الاجتناب أبلغ من الترك لأنه تركٌ وزيادة , الاجتناب تركٌ وزيادة , ترك الشيء وزيادة على ذلك أن تترك الأسباب الموصلة إليه , هذا هو معنى الاجتناب , اجتنبوا الطاغوت : يعني اجتنبوا كل ما يعبد من دون الله , من غير الله , قال الإمام مالك :" الطاغوت : كل ما عُبد من دون الله " , اجتنبوه اتركوه , هذا معنى الطاغوت , بعض العلماء يفسّر بجزء من معناه وهو الشيطان , قالوا : الطاغوت : الشيطان وما زيّنه من عبادة غير الله , كله اتركوه , والإمام مالك كما ذكرنا لكم فسّر الطاغوت بكل ما عبد من دون الله , يعني : اتركوا عبادة كل ما سوى الله سبحانه وتعالى , فالمعنى المراد هنا _ بارك الله فيكم _ هو تحقيق التوحيد بعبادة الله وحده وترك عبادة غيره , هذا المعنى المراد هنا . [ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ] هذه الآية تدلنا على أن دعوة الرسل جميعاً واحدة , دعوة التوحيد , كلهم كانوا يأتون لأقوامهم بهذه الدعوة وهي أصل دعوة الأنبياء [ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ] ماذا يفعلون ؟ إلامَ يدعون ؟ قال :[ أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ] لا تعبدوا الله فقط لأنه حتى كفار قريش كانوا يعبدون الله , لكن يعبدون معه غيره , هذه مشكلة , هذه المشكلة , الله سبحانه وتعالى لا يقبل شريكاً أن تعبده وأن معه غيره , لا , يريد أن تعبده وحده وأن تترك عبادة ما سواه , وهذا المعنى الذي دلت هذه الآية هنا , وهو معنى التوحيد وبيان أن هذه الدعوة هي دعوة الرسل جميعاً , هذا الذي أراده المؤلف هنا , أن يبيّن لنا ما أراد الله تبارك وتعالى منا , وهو التوحيد , وأن يبين لنا معنى التوحيد .
ثم قال المصنف رحمه الله : " وقوله :[ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ] "
هذا الشاهد هنا معَنا , [ وقضى ] : يعني أمر أو وصّى , معنى واحد , وأمر ربك ألا تعبدوا إلا إياه , يعني أن تعبدوه وألا تعبدوا معه غيره [ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ] يعني أمر ألا تعبدوا شيئاً , لا حجر ولا شجر ولا مخلوق , لا ولي ولا شيطان ولا غير ذلك , اتركوا عبادة كل شيء إلا عبادة الله سبحانه وتعالى فقط.
وأمر أيضاً : [ وبالوالدين إحساناً ] وأمر أيضاً بالإحسان إلى الوالدين , الإحسان إلى الوالدين كيف يكون ؟ ببرّهما وحفظهما وأنت توصل إليهما كل ما تستطيع من خير , وأن تصرف عنهما كل ما تستطيع من سوء , وأن تطيعهما فيما فيه طاعة الله تبارك وتعالى , هكذا يكون برّهما , لا يكون بأن تطيعهما بمعصية الله , لا , هذا ليس برّاً لهما الواجب عليك عندما يأمرانك بمعصية ألا تطيعهما , ولكن أيضاً تقول لهما قولاً هيّناً ليّناً , [ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ] يعني عندما يكبر بهما السن عادة , عندما الإنسان يكبر في السن _ يعني يصبح _ قليل الصبر عصبيّ المزاج , فأنت مطلوب منك صبرٌ زائدٌ في هذا الوقت بالذات [ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ] إما واحد : الأب أو الأم أو الأب مع الأم [ فلا تقل لهما أفٍّ ] أحياناً تكون يعني عندما يبلغان من الكبر مبلغاً يكون عندهم طلبات زائدة , عندهم يعني يكون فيهم شيء من الأقوال الشديدة التي تنفّر الابن وتزعجه , فالله سبحانه وتعالى أمرك في هذا الموطن بالذات في هذا الوقت بالذات ألا تقل لهما أفٍّ , لا تتضجّر منهما في وجههما [ فلا تقل لهما أف ] فلا تُسمعهما قولاً سيئاً حتى التأفّف ( أف ) لا يجوز لك أن تقوله لهما , لما قدّماه لك فيما مضى , [ ولا تنهرهما ] لا يصدر منك إليهما فعل قبيح ( نهر ) , اجلس , لا تقم , لا تقل كذا , هذا النهر , بهذه الطريقة , لا تخاطبهما بهذا الأسلوب [ وقل لهما قولاً كريماً ] : نهاه عن الإساءة وأمره بالإحسان [ وقل لهما قولاً كريماً ] قولاً طيّباً [ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ] يعني كن رحيماً لهما , تواضع , كن رحيماً بهما , وتواضع لهما [ وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ] شوف أيش السبب ؟ ادع لهما بالرحمة مقابل تربيتهما لك , وسهرهما عليك وتعبهما من أجلك , الشاهد قوه تبارك وتعالى : [ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ] هذا معنى التوحيد , أمرك الله بالتوحيد , أن تعبده وحده وأن تترك عبادة ما سواه .
قال المصنف رحمه الله تعالى :" وقوله :[ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ]":
الآيات التي يأتي بها المصنف كلها بمعنى واحد , معنى التوحيد , تفسير التوحيد , إذا قال لك شخص : فسّر لي التوحيد فاذكر له هذه الآيات : [ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ] , [ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ] , [ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ] , [ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ] هذا معنى التوحيد , أمرٌ من الله بعبادته , [ واعبدوا الله ] هذا أمر , فأمرَ الله بعبادته وليس هذا فحسب , التوحيد لا يكون بهذا فحسب , لا , ولكن لا بدّ من الجزء الثاني [ ولا تشركوا به شيئاً ] أيش معنى الشرك به ؟ يعني أن تجعل معه شريكاً في عبادتك , فأن تعبده وأن تعبد غيره , جعلت له شريكاً في عبادتك , إذا سجدت له وسجدت لغيره فقد عبدت معه غيره , إذا ذبحت له وذبحت لغيره قربة فقد عبدت معه غيره , وهذه الشراكة , تجعل له شريكاً في عبادتك هي التي حرمها الله عليك ولم يردها منك ونهاك عنها , ما معنى أن تجعل لله شريكاً ؟ يعني : أن تعبد آخرَ معه , " سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك " ند : مثيل , مساوٍ له في عبادتك , فإذا عبدت غيره معه قد جعلت هذا الغير مساوياً لله في عبادتك , وهو خلقك : يعني الذي يستحق منك العبادة مَن ؟ هو الذي خلقك , أنعم الله عليك بأنواع النعم , خلقك رزقك أكرمك رحمك , ثم تذهب وتعبد غيره , ما يجوز هذا , كما أنه هو الذي خلقك إذاً فهو الذي يستحق منك العبادة , طيب : هل هناك غيره من خلقك ؟ لا يوجد , إذاً فلا يستحق أحد أن تعبده مع الله سبحانه وتعالى , هذا معنى الكلام وهذا معنى التوحيد , أن تعبد الله وحده وألا تعبد معه غيره .
قال المصنف رحمه الله تعالى :" وقوله :[ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً ] " : هذا الشاهد من الآية : قل يا محمد تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم , تعالوا أذكر لكم ما حرم الله سبحانه وتعالى عليكم , يعني : ما أمركم الله باجتنابه ما هو ؟ ألا تشركوا به شيئاً , هنا في تقدير عندنا في الكلام , يعني : وصاكم ألا تشركوا به شيئاً , إذاً حرم علينا الشرك , ما هو الشرك ؟ أن تعبد مع الله غيره فقد أشركت به , أن تجعل لله نداً وهو خلقك , كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم , لا تجعل لله مثيلاً في أي شيء يختص الله سبحانه وتعالى به ومن ذلك عبادتك له [ ألا تشركوا به شيئاً ] أي شيء , حجر شجر ملك نبي جن إنس كل شيء , ما يرضى , لا يرضى الله سبحانه وتعالى شريكاً أبداً من أي نوع . [ وبالوالدين إحساناً ] : فسرنا ذلك , نفس المعنى الذي تقدّم . [ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ] : الإملاق هو الفقر , كانوا قديماً في الجاهلية إذا كان الشخص عنده قلة ذات يد , فقير ما عنده ما ينفق على أبنائه , دفن ابنه حياً في التراب وقتله لكي يتخلّص منه , ما عنده ما ينفق عليه , فنهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك [ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ] : من فقر [ نحن نرزقكم وإياهم ] : تكفل الله سبحانه وتعالى برزق كل عبد , كل عبد سيأخذ ما كتب الله له من الرزق [ولا تقربوا الفواحش ] : الفواحش التي هي المعاصي , فهذا نهي من الله تبارك وتعالى عن إتيان المعاصي , أي معصية , بما أنه ثبت في الكتاب والسنة أنها معصية فهي من الفواحش , [ ما ظهر منها وما بطن ] : هذا يشمل جميع المعاصي . [ ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ] : نفس المسلم محرمة , لا يجوز قتلها إلا بالحق وكذلك نفس المعاهد الذمي , هؤلاء كلها نفوس محرمة حرمها الله سبحانه وتعالى [ إلا بالحق ] : من ذلك الحق : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث " من هذا الحق " الثيب الزاني " الثيب : يعني المتزوج أو المتزوجة إذا زنى يقتل رجماً , حده في الشرع , " والنفس بالنفس " القاتل يقتل , " والتارك لدينه المفارق للجماعة " المرتد , المرتد يقتل , فحد المرتد القتل إذا لم يتب , يستتاب فإن لم يتب يقتل , إذاً لا يجوز قتل النفس إلا بالحق , بما شرع الله سبحانه وتعالى وبما أذِن به , [ ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ] : يعني : ما تقدم هذا أمركم به أمراً مؤكداً [ لعلكم تعقلون ] يعني : أوصانا بهذه لنعقلها , لنفهمها ونعمل بها [ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ] يعني لا تأخذوا من مال اليتيم إلا بما أجاز لنا ربنا تبارك وتعالى , اليتيم : هو من مات أبوه ولم يبلغ , يعني : من ماتت أمه هذا لا يسمى يتيماً , يسمى يتيماً عندما يموت أبوه فقط ولم يصل إلى سن البلوغ , إذا بلغ لا يسمى يتيماً , إذاً لا بد أن يموت أبوه وأن يكون دون سن البلوغ كي يسمى يتيماً , هذا إذا كان له مال , فيوصينا الله سبحانه وتعالى بماله خيراً أن نصونه وأن نحفظه وألا نمسّه إلا بما شرع الله سبحانه وتعالى لنا وأجاز , [ إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ] يبقى ماله عندنا ولا نمسه إلا بما شرع الله إلى أن يبلغ الولد اليتيم أشدّه , يعني : الرشد وزوال السفه , يعني : مع البلوغ يكون عاقلاً قادراً أن يتصرف بماله , عندئذ نعطيه ماله , إذا بلغ ولم يكن عاقلاً لا نعطيه , إذا كان عاقلاً ولم يبلغ لا يعطى حتى يبلغ ويزول عنه السفه , ويصبح رشيداً عاقلاً , عندئذ يعطى هذا المال [ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ] يعني : اعدلوا في الأخذ والإعطاء والبيع والشراء , [ لا نكلف نفساً إلا وسعها ] : هذا من رحمة الله تبارك وتعالى بنا أن الله سبحانه وتعالى ما كلفنا إلا بما نطيق وما نقدر عليه , [ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ] هذا أمر بالعدل في القول وفي الفعل عالقريب والبعيد , فالواجب هو العدل , والواجب شهادة الحق عالقريب والبعيد [ وبعهد الله أوفوا ] يعني : وصية الله سبحانه وتعالى التي وصاكم بها أوفوا بها , يعني : اعملوا بها والتزموا بها , [ ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ] [ وأن هذا صراطي مستقيماً ] هذه شريعة الله ودينه الذي أمركم به وهو طريق الله المستقيم , [ صراطي ] : الصراط هو الطريق , طريق مستقيم لا اعوجاج فيه , [ فاتبعوه ] هذه شريعة الله تبارك وتعالى أوجب الله عليكم اتباعها , وطريق الحق واحد , يبين لنا هذا , طريق الحق واحد , هنا النبي صلى الله عليه وسلم خطّ خطاً مستقيماً ثم خط على جانبيه خطوطاً ثم قال : " على كل خط من هذه الخطوط _ التي على جانبيه _ شيطان يدعو إليه , وهذا طريق الله المستقيم , واقرؤوا إن شئتم : [ وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ] إذاً : اتبعوا طريق الحق ولا تتبعوا طرق الضلال [ فتفرّق بكم عن سبيله ] يعني : تضيعكم عن طريق الحق , فطريق الحق واحد وطرق الضلال كثير , طريق الحق هو ما كان عليه الصحابة [ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ] ديننا دين اتباع , نمشي خلف من قبلنا , من قبلنا من هم ؟ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه , لا تخترع , لا تبتدع , لا تبتكر , ما في شيء في ديننا من اختراعاتك وابتكاراتك الحديثة , لا تغترّ بعقلك , اتبع بس , هذا المطلوب منك , الحمد لله , السلف قد بينوا لنا كل شيء , كل شيء قد بُيّن لنا وما تركونا إلا دين صافٍ نقي واضح وضوح الشمس , بس نحن علينا أن نقرأ كلامهم وأن نفهم وأن نبلغ بس , نجمع , نحن كلامنا الذي نعطيكم إياه الآن كله جمع من كلام العلماء , ليس من عندنا شيء , لسنا أهلاً لأن نجتهد الآن , نحن أهلٌ فقط لأن نبلغ , فنحن نحمل كلام العلماء ونبغلكم إياه , هذا ديننا دين اتباع , مازال السلف رضي الله عنهم أئمتهم ينقل بعضهم عن بعض , الإمام أحمد يقول : " لا تقل بقول ليس لك فيه إمام " هذا ديننا , دين اتباع , وليس دين ابتداع , افهموها جيداً هذه , كلمة ابن مسعود رضي الله عنه :" اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " خلاص كفاكم السلف بيان كل شيء , إيضاح كل شيء , ما عليكم إلا أن تأخذوا وأن تعملوا وأن تبلغوا بس , فدين الله دين اتباع , منهجنا منهج واحد هو المنهج الحق , ما في عدة مناهج حق وطرق كثيرة توصلك إلى الله , لا , الطريق الذي يوصلك إلى الله هو طريق واحد وهو الطريق الذي سلكه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ ] هؤلاء قد اتبعوا طريقأ وصلوا به إلى ماذا ؟ إلى مرضاة الله وإلى الجنة فنحن طريقنا خلفهم , فمن أراد النجاة فليلزم الاتباع ويترك الابتداع , لا يعمِل فكره وعقله في دين الله سبحانه وتعالى , اتركك من هذا , ابق فقط متبعاً لأئمة الإسلام , إذا وجدت لك سلفاً في مسألة فقل بها وإذا سكتوا عن شيء فاسكت عنه , بس , هذا هو ديننا , وهذا منهجنا , [ ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ] لعلكم تصلون إلى تقوى الله سبحانه وتعالى بالأخذ بشريعته وأن تمشوا على ما أمركم به ثم قال المؤلف رحمه الله : " قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- التي عليها خاتَمُه فليقرأ قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} الآية " هذا الأثر ذكره من كلام ابن مسعود ثم ذكر الآيات التي تقدمت : [ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً ] وهذا الشاهد : [ ألا تشركوا به شيئاً ] هذا الأثر الذي ذكره عن ابن مسعود أراد أن يبين من قوله : من أراد أن ينظر إلى وصية محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- التي عليها خاتَمُه , من قوله : وصية محمد صلى الله عليه وسلم : يعني وصيته قبل موته ممّا يدل على أنهنّ آيات ثابتات غير منسوخات , هذا ما أراده من ذكر هذا الأثر , وهو تأكيد لما تقدّم , لكن هذا الأثر ضعيف لا يصحّ , لا نعتمد عليه , نعتمد على ما تقدّم مِن شرحٍ وهو كافٍ الحمد لله , هذا الأثر في سنده داود الأودي مُختلَفٌ فيه : هل هو داود بن عبد الله الأودي الثقة ؟ أم هو داود بن يزيد الأودي الضعيف ؟ هما اثنان , داود بن عبد الله الأودي وداود بن يزيد الأودي , جاء في الإسناد داود الأودي , أيهما ؟ أحدهما ثقة والثاني ضعيف فلَم نعرف , فلهذا توقفنا في هذا الخبر , فلا يُصحَّحُ هذا الخبر ويبقى ضعيفاً نظراً لأننا لم نعرف داود هذا الذي روى الأثر أهو الثقة أم الضعيف ؟
ثم قال المصنف رحمه الله : " وعن معاذ بن جبل قال: كنت رديف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على حمار _ يعني كنت أجلس خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حمار _ فقال لي: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً" قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" أخرجاه في الصحيحين "
هنا معاذ كان خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الحمار فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلّمه علماً فقال , فأتاه بصيغة السؤال لأن هذا يعني يثير الانتباه والاهتمام , فقال : يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد ؟ وما حق العباد على الله ؟ , إذاً تبين من هذا أن للعباد حقٌّ على الله وأن لله حقاً على العباد , من هذا السؤال , لكن معاذ قال : الله ورسوله أعلم , لأنه لا يدري , الله ورسوله أعلم , هذه يصح أن تقولها في المسائل الشرعية لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالشريعة التي آتاه الله سبحانه وتعالى كلَّها , لكن , أمورٌ غيبيّةٌ لا يصحّ أن تقول : الله ورسوله أعلم , فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم من الغيب إلا ما علّمه الله سبحانه وتعالى , إذاً أمرٌ من الشرع , نعم , تقول الله ورسوله أعلم , لا بأس , لكن أمر من غير الشرع وأمر غيبي فهنا تقول : الله أعلم فقط . قال :" حق الله على العباد " : الآن حق الله على العباد , يعني ما الذي يجب على العباد لله سبحانه وتعالى , حقٌّ ثابت , قال :" أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً " وهذا الشاهد عندنا , تفسير التوحيد , أن يعبدوا الله وحده ولا يعبدوا معه غيره , هذا معناه , عبادة الله فسّرناها والشرك قد فسّرناه . قال :" وحق العباد على الله " : هل هناك أحد يجعل على الله حقاً ؟ لا , لكن هو يجعل على نفسه حقاً , ما في بأس , إذاً , هذا حقٌّ للعباد جعله الله على نفسه , لا محذور في هذا أبداً , لا يوجد أحد يُلزم الله سبحانه وتعالى بشيء ويجعل حقاً عليه أبداً , لكن الله سبحانه وتعالى يجعل حقاً على نفسه , هذا جائز , ما في بأس , حق العباد على الله الذي جعله الله على نفسه إذا هم وحّدوه , ماذا لهم من حق ؟ قال : ألا يعذّب من لا يشرك به شيئاً , هذا حقّهم , فمن مات على التوحيد لا يعذبه الله سبحانه وتعالى , من مات على التوحيد محقّقاً للتوحيد حق التحقيق هذا لا يعذبه الله سبحانه وتعالى , إذاً هذه من فضيلة تحقيق التوحيد وترك الشرك ألا يعذبك الله سبحانه وتعالى . " قلت : يا رسول الله , أفلا أبشّر الناس " بهذه البشرى , وهذا فيه استحباب أن تبشّر أهل الخير بالخير , وأن تبشر الناس بالخير , قال :" لا تبشرهم فيتّكلوا " يعني ربما يفهم بعض الناس من هذا أنه يعتمد على توحيده ويترك العمل , فيتركون التنافس في الأعمال , وهذا فهمٌ خاطئ , لذلك خشية أن يفهم هذا بعض الناس خطأً وأن يترك العمل قال له : " لا تبشرهم فيتّكلوا " , لكن معاذاً كان يخبر به تأثّماً وأخبر بهذا الحديث تأثماً أن يكون قد كتم العلم , لذلك أخبر بهذا الحديث , الشاهد من ذلك قوله : " أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً " هذا هو تفسير التوحيد , ثم قال :" أخرجاه في الصحيحين " يعني أخرجه البخاري ومسلم وهما أصح كتابين بعد كتاب الله تبارك وتعالى وكل ما في صحيح البخاري صحيح وكل ما في صحيح مسلم صحيح ماعدا أحاديث قليلة حصل فيها خلاف بين العلماء , وإلا أكثر الأحاديث التي فيهما قد أجمع العلماء على صحة ما فيهما , وهذا الحديث مما فيهما , وقد اتفق العلماء على صحته فهو حديث صحيح , وبهذا نكون قد فسرنا التوحيد وفهمنا معناه وأكملنا بدايته والله الموفِّق والحمد لله رب العالمين , والدرس القادم نكمل إن شاء الله.


قام بتفريغ هذه المادة الصوتية إخوانكم في معهد البصرة العلمي . جزاهم الله خيرا

آخر تعديل بواسطة أبو زيد رياض الجزائري ، 12-05-2015 الساعة 23:42
أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس